أغلق مال مصر غيره، وانصرف، فخرج على بغل، وأبو درّة على بغل - وكان إذنه إليه (١).
* * *
وغزا الصائفةَ في هذه السنة عبدُ الرحمن بن عبد الملك، فافتتح حصنًا (٢).
* * *
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وكان فيها - فيما ذكر الواقديّ - ريح وظلمة وحُمرة ليلة الأحد لأربع ليالٍ بقين من المحرّم، ثم كانت ظلمة ليلة الأربعاء، لليلتين بقيتَا من المحرَّم من هذه السنة، ثم كانت ريح وظلمة شديدة يوم الجمعة لليلة خلت من صفر (٣).
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فممّا كان فيها من ذلك وثوب الحوْفيَّة بمصر؛ من قيس وقضاعة وغيرهم بعامل الرشيد عليهم إسحاقَ بن سليمان، وقتالهم إياه، وتوجيه الرّشيد إليه هرثمَة ابن أعيَن في عدّة من القواد المضمومين إليه مددًا لإسحاق بن سليمان؛ حتى أذعن أهل الحَوْف، ودخلوا في الطاعة، وأدّوْا ما كان عليهم من وظائف السّلطان - وكان هرثمة إذ ذاك عامِلَ الرشيد على فِلسطين - فلما انقضى أمر الحَوْفيَّة صرف هارون إسحاق بن سليمان عن مصر، وولّاها هرثمة نحوًا من شهر، ثم صرفه وولّاها عبد الملك بن صالح (٤).
стр. 5042
وفيها كان وثوب أهل إفريقيّة بعبدويه الأنباريّ ومَنْ معه من الجند هنالك، فقتِل الفضل بن رَوْح بن حاتم، وأُخرِج مَن كان بها من آل المهلّب، فوجه الرشيد إليهم هرثمة بن أعين، فرجعوا إلى الطاعة.
وقد ذكر أن عبدويه هذا لمَّا غلب على إفريقيّة، وخلع السلطان، عظم شأنه وكثر تبعُه، ونزع إليه الناس من النواحي، وكان وزير الرشيد يومئذ يحيى بن خالد بن برمك، فوجَّه إليه يحيى بن خالد بن برمك يقطين بن موسى ومنصور بن زيَّاد كاتبه؛ فلم يزل يحيى بن خالد يتابع على عبدويه الكتب بالترغيب في الطاعة والتخويف للمعصية والإعذار إليه والإطماع والعِدَة حتى قبل الأمان، وعاد إلى الطاعة وقدم بغداد، فوفى له يحيى بما ضمِن له وأحسن إليه، وأخذ له أمانًا من الرشيد، ووصله ورأّسه.
وفي هذه السنة فوّض الرشيد أمورَه كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك (١).
[ولاية الفضل بن يحيى على خراسان وسيرته بها]
وفيها شخص الفضل بن يحيى إلى خُراسان واليًا عليها، فأحسنَ السيرة بها، وبنى بها المساجد والرِّباطات. وغزا ما وراء النهر، فخرج إليه خاراخره ملك أشر وسَنة؛ وكان ممتنعًا (٢).
وذكر أن الفضل بن يحيى اتّخذ بخراسان جندًا من العجم سماهم العباسيّة، وجعل ولاءهم لهم، وأن عدّتهم بلغت خمسمائة ألف رجل، وأنه قدم منهم بغداد عشرون ألف رجل، فسمُّوا ببغداد الكرَنبيَّة، وخلّف الباقي منهم بخُراسان على أسمائهم ودفاترهم؛ وفي ذلك يقول مروان بن أبي حفصة:
ما الفضلُ إِلا شهابٌ لا أفولَ له ... عندَ الحروب إِذا ما تَأفُلُ الشُّهُبُ
حَامٍ على مُلكِ قومِ عزّ سَهْمُهُمُ ... منَ الوراثةِ في أَيديهمُ سببُ
أَمستْ يَدٌ لبني ساقِي الحجيج بِها ... كتائبٌ ما لها في غيرهم أَرَبُ
стр. 5043
كتائبٌ لبني العباسِ قد عَرَفَت ... ما أَلَّفَ الفضلُ منها العجْمُ والعرَب
أَثبَتَّ خمسَ مئين في عِدادهم ... من الأُلوفِ التي أَحْصت لك الكتب
يُقارعون عن القومِ الذين هُمُ ... أَولى بأَحمَدَ في الفرقان إِن نُسِبوا
إِن الجوادَ ابن يحيى الفضلَ لا ورِقٌ ... يبقى على جُود كفَّيْهِ ولا ذهبُ
ما مرّ يوم له مُذ شد مِئزَرَهُ ... إِلّا تَمَوّلَ أَقوام بما يَهبُ
كم غايةٍ في الندى والبأْسِ أحرَزَها ... للطّالبينَ مدَاها دونها تَعَبُ
يعطِي اللُّهَى حِينَ لا يُعطِي الجَوادُ وَلا ... يَنْبو إِذا سُلَّتِ الْهِنْدِيَّةُ القُضُب
وَلا الرِّضا والرِّضَا لله غايَتُه ... إِلى سِوى الحَقِّ يَدْعوهُ وَلا الغَضَبُ
قَدْ فاضَ عُرْفُك حتى ما يُعادِلهُ ... غَيْثٌ مُغيث وَلا بَحرٌ له حَدَبُ
قال: وكان مرْوان بن أبي حفصة قد أنشد الفضلَ في معسكره قبل خروجه إلى خراسان:
أَلم تَرَ أَنَّ الجودَ مِنْ لدْن آدَمٍ ... تَحَدَّرَ حَتى صارَ في راحَةِ الفَضلِ
إِذا ما أَبو العَبّاسِ راحت سَماؤُه ... فيا لكَ مِنْ هَطْل ويَا لكَ مِنْ وَبْل
إِذا أمُّ طِفلٍ راعَها جوعُ طِفلِها ... دَعَتُهُ بإِسْمِ الفَضلِ فاستَعصمَ الطفل
ليحْيَا بِكَ الإِسلامُ إِنَّكَ عِزُّهُ ... وَإِنَّكَ مِن قَومٍ صغيرُهُمُ كهْلُ
وذكر محمد بن العباس أن الفضل بن يحيى أمر له بمائة ألف درهم، وكساه وحمله على بغلة. قال: وسمعته يقول: أصَبتُ في قَدْمَتي هذه سبعمائة ألف درهم. وفيه يقول:
تخَيَّرْتُ للمدْح ابنَ يحيى بْن خالدِ ... فحَسْبي وَلم أَظلِمْ بِأَنْ أَتَخيَّرا
له عادَةٌ أَنْ يَبْسُطَ العَدْلَ والنَّدَى ... لِمَن ساسَ من قحطانَ أَوْ مَنْ تَنَزّرا
إِلى المِنبَرِ الشرقيِّ سارَ وَلم يزَلْ ... له وَالدٌ يَعلو سَريرًا وَمِنبَرَا
يُعَدُّ ويَحيى البَرْمكيّ وَلا يُرَى ... لَدَى الدَّهْرِ إِلا قائدًا أَو مُومَّرا
ومدحه سلْم الخاسر، فقال:
وَكَيفَ تخافُ مِن بؤسٍ بدارٍ ... تَكَنَّفَها البَرامكَةُ البُحُورُ
وقَوْمٌ مِنهُمُ الفَضلُ بْنُ يحيى ... نَفيرٌ مَا يُوازنُهُ نَفيرُ
لهُ يومانِ: يَوْم ندىً وبأْسٍ ... كأَنَّ الدَّهْرَ بَينَهُما أَسيرُ
إِذا ما البَرْمَكِيُّ غدَا ابنَ عَشرٍ ... فَهِمَّتُهُ وَزيرٌ أَوْ أَميرُ
стр. 5044
وذكر الفضل بن إسحاق الهاشميّ أن إبراهيم بن جبريل خرج مع الفضل بن يحيى إلى خُراسان وهو كاره للخروج، فأحفظ ذلك الفضلَ عليه. قال إبراهيم: فدعاني يومًا بعد ما أغفلني حينًا، فدخلت عليه؛ فلما صرت بين يديْه سلّمت، فما ردّ عليّ، فقلت في نفسي: شَرّ والله - وكان مضطجعًا، فاستوى جالسًا - ثم قال: ليفرخْ روْعك يا إبراهيم، فإنّ قدرتي عليك تمنعني منك؛ قال: ثم عقد لي على سجِسْتان، فلمّا حملت خراجها، وهبه لي وزادني خمسمائة ألف درهم. قال: وكان إبراهيم على شُرَطه وحَرَسه، فوجّهه إلى كابُل، فافتتحها وغنم غنائم كثيرة.
قال: وحدّثني الفضل بن العباس بن جبريل - وكان مع عمه إبراهيم - قال: وصل إلى إبراهيم في ذلك الوجه سبعة آلاف ألف، وكان عنده من مال الخراج أربعة آلاف ألف درهم، فلما قدم بغداد وبنى داره في البغيّين استزار الفضلَ ليريَه نعمته عليه، وأعدّ له الهدايا والطرَف وآنية الذهب والفضة، وأمر بوضع الأربعة الآلاف ألف في ناحية من الدار.
قال: فلما قعد الفضل بن يحيى قدّم إليه الهدايا والطُّرَف، فأبى أن يقبل منها شيئًا، وقال له: لم آتك لأسلُبَك، فقال: إنها نعمتك أيها الأمير، قال: ولك عندنا مزيد، قال: فلم يأخذ من جميع ذلك إلا سوطًا سِجزيًّا، وقال: هذا من آلة الفرسان، فقال له: هذا المال من مال الخراج، فقال: هو لك، فأعاد عليه، فقال: أما لك بيت يسعه! فسوّغه ذلك، وانصرف.
قال: ولما قدم الفضل بن يحيى من خُراسان خَرج الرّشيد إلى بستان أبي جعفر يستقبله، وتلقّاه بنو هاشم والناس من القوّاد والكتَّاب والأشراف، فجعل يصلُ الرجل بالألف ألف وبالخمسمائة ألف، ومدحه مرْوان بن أبي حفصة، فقال:
حَمِدنا الذي أَدَّى ابْنُ يَحيىَ فأَصْبَحَتْ ... بِمَقَدمِهِ تجري لنا الطَّيْرُ أَسْعُدا
وما هَجَعَتْ حتى رَأَتْهُ عُيونُنا ... ومَا زِلنَ حتى آبَ بالدَّمْع حُشَّدا
لقَدْ صبَحَتْنا خَيلُهُ وَرجالُهُ ... بأَرْوَعَ بَذَّ الناسَ بأْسًا وَسُودَدا
نفَى عَن خُراسانَ العَدُوَّ كما نَفى ... ضُحَى الصبْح جِلْبابَ الدجَى فَتَعَرَّدَا
لقَدْ راعَ مَن أَمسَى بمَرْوَ مسيرُهُ ... إِلَينا، وقالوا شَعْبُنا قد تبَدّدا
стр. 5045
عَلَى حين أَلقَى قُفْلَ كلِّ ظلامَةٍ ... وَأَطْلَقَ بالعَفْوِ الأَسيرَ المقَيَّدَا
وأَفْشى بِلَا مَنٍّ مع العَدْلِ فيهمُ ... أَيادِيَ عُرْفٍ باقِياتٍ وَعوَّدا
فأَذهَبَ رَوْعاتِ المخاوفِ عنْهُمُ ... وَأَصْدَرَ باغي الأَمْنِ فيهِمْ وَأَورَدا
وَأَجْدَى على الأَيتام فيهمْ بِعُرفِهِ ... فكانَ مِنَ الآباء أَحْنَى وَأَعْوَدا
إذا الناسُ رَامُوا غايَةَ الفَضل في النَّدَى ... وَفِي البأْس أَلفَوْها مِنَ النَّجْمِ أَبْعَدا
سما صاعِدًا بِالفَضل يحيى وخالدٌ ... إِلى كلِّ أَمر كانَ أَسْنَى وَأَمْجَدا
يَلين لِمَنْ أَعطى الخَليفَةَ طاعَةً ... ويُسْقِي دمَ العاصِي الحسامَ المهنّدَا
أَذلَّتْ معَ الشّرْكِ النّفاقَ سُيوفُهُ ... وَكانَتْ لأَهلِ الدّينِ عزًّا مُؤبَّدا
وَشدَّ القُوَى مِن بَيْعةِ المُصْطَفى الذي ... على فضلِهِ عَهْدَ الخليفَة قُلِّدَا
سميُّ النَّبيِّ الفاتحِ الخاتِم الذي ... بِهِ اللهُ أَعطى كلَّ خَيْر وَسَدَّدا
أَبَحْتَ جِبالَ الكابُلِيّ ولم تَدَعْ ... بِهنَّ لِنيرانِ الضَّلالَةِ مُوقَدا
فأَطْلَعتَها خَيْلًا وطِئنَ جُموعَهُ ... قتِيلًا ومَأْسورًا وَفَلًّا مُشرَّدا
وعادَت على ابنْ البَرْم نَعمَاكَ بعدَما ... تحَوَّبَ مخذولًا يَرَى المَوتَ مُفردا
وذكر العباس بن جرير، أن حفص بن مسلم - وهو أخو رزام بن مسلم، مولى خالد بن عبد الله القسريّ - حدّثه أنه قال: دخلت على الفضل بن يحيى مقدَمه خُراسان، وبين يديه بِدَرٌ تُفرّق بخواتيهما، فما فُضَّت بَدْرة منها، فقلت:
كفى اللهُ بِالفضل بن يحيى بن خالدٍ ... وَجُودِ يدَيهِ بَخْلَ كلِّ بخيل
قال: فقال لي مرْوان بن أبي حفصة: وددتُ أنِّي سبقتك إلى هذا البيت، وأن عليّ غرم عشرة آلاف درهم.
* * *
وغزا فيها الصّائفة معاوية بن زُفَر بن عاصم، وغَزا الشَّاتية فيها سليمان بن راشد، ومعه البيد بِطْريق صِقِلّيّة (١).
стр. 5046
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها شَرِيَ بخُراسان حمزة بن أترك السجستانيّ (١).
ثم دخلت سنة ثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن العصبية التي هاجت بالشام]
فمما كان فيها من ذلك، العصبيّة التي هاجت بالشأم بين أهلها (٢).
* ذكر الخبر عما صار إليه أمرها:
ذُكر أن هذه العصبيَّة لما حدثت بالشأم بين أهلها، وتفاقم أمرُها، اغتمّ بذلك من أمرهم الرّشيد، فعقد لجعفر بن يحيى على الشأم، وقال له: إما أن تخرج أنت أو أخرج أنا، فقال له جعفر: بل أقِيك بنفسي؛ فشخص في جِلَّة القوّاد والكُراع والسِّلاح، وجعل على شُرَطه العباس بن محمد بن المسيّب بن زهير، وعلى حَرَسه شبيب بن حُميد بن قحطبة، فأتاهم فأصلح بينهم؛ وقتل زواقيلهم، والمتلصّصة منهم، ولم يَدَعْ بها رُمحًا ولا فرسًا، فعادوا إلى الأمن والطمأنينة؛ وأطفأ تلك النائرة، فقال منصور النمَريّ لما شخص جعفر:
لقَدْ أُوقِدَت بِالشأم نيران فِتْنَةٍ ... فهذَا أَوانُ الشأْمِ تُخْمدُ نارُها
إذا جاشَ مَوْجُ البحر مِنْ آل بَرْمكٍ ... عليها، خَبَتْ شُهْبانها وشَرَارُها
رماها أَميرُ المؤمنينَ بجعفرٍ ... وَفيهِ تَلاقَى صَدْعها وانجبارُها
رَماها بميمونِ النَّقيبةِ ماجد ... تَراضَى به قَحْطانُها وَنِزارُها
стр. 5047
تَدَلَّتْ عَليهمْ صَخْرة بَرْمكيَّةٌ ... دَموغٌ لهامِ الناكِثينَ انحدارُها
غَدوْتَ تُزجّي غابَةً في رُؤوسها ... نجومُ الثرَيَّا والمنايا ثِمارُها
إِذا خَفَقَتْ رَاياتها وتجَرَّسَتْ ... بها الرِّيحُ هال السَّامعينَ انْبهارُها
فقولوا لأَهلِ الشأمِ: لا يَسْلُبَنَّكُم ... حجاكُمْ طَويلاتُ المُنَى وَقِصارها
فإنَّ أَميرَ المُؤمنينَ بنفسِه ... أَتاكُمْ وإلا نَفْسَهُ فَخِيارُها
هو المَلِكُ المأْمولُ لِلْبرِّ والتُّقَى ... وَصَوْلاتُه لا يُسْتَطاعُ خِطارُها
وزيرُ أَمير المؤمنينَ وسَيْفُهُ ... وَصَعْدَتُه والحَرْبُ تَدْمى شِفارُها
وَمَنْ تُطوَ أَسْرَارُ الخَليفَةِ دونَهُ ... فَعِنْدَكَ مَأواها وَأَنْتَ قَرارُها
وَفَيْتَ فلَمْ تَغدِرْ لقَوْمٍ بِذِمّةٍ ... وَلمْ تَدْنُ مِنْ حالٍ يَنالكَ عارُها
طَبيبٌ بإِحياءِ الأُمورِ إِذا التوت ... مِنَ الدَّهْر أعناقٌ، فأَنتَ جُبارُها
إِذا ما ابنُ يحْيى جعفرٌ قَصَدَت لَهُ ... مُلِمّاتُ خَطْبٍ لم تَرُعْهُ كِبارُها
لقدْ نَشَأَت بالشَّأْمِ مِنك غمامةٌ ... يُؤمَّلُ جَدواها وَيُخشَى دَمارُها
فطوبَى لأَهل الشأْمِ يا وَيلَ أُمّها ... أَتاها حَياها، أَو أَتاها بَوارُها
فإِن سالموا كانَتْ غمامَةَ نائلٍ ... وغَيثٍ، وإلا فالدِّماءُ قِطارُها
أَبوكَ أَبو الأَملاك يَحيْى بنُ خالد ... أَخو الجُود والنُّعْمى الكِبارِ صغارُها
كأَيّنْ تَرَى في البَرمكيِّينَ مِنْ نَدىً ... وَمِنْ سابقاتٍ ما يشُقُّ غِبارُها
غَدا بنجومِ السَّعْدِ مَنْ حلَّ رَحلهُ ... إِلَيْك، وَعزَّتْ عصبَةٌ أَنْتَ جارُها
عَذيري مِنَ الأَقدارِ هلْ عَزَماتُها ... مُخَلّفَتِي عن جعفرٍ وَاقتسارُها
فعيْنُ الأَسَى مَطروفَةٌ لفراقِهِ ... ونَفسي إِلَيه ما يَنامُ ادِّكارُها (١)
وولّى جحفر بن يحيى صالح بن سليمان البلقاء وما يليها، واستخلف على الشأم عيسى بن العكيّ وانصرف، فازداد الرشيد له إكرامًا. فلما قدم على الرّشيد دخل عليه - فيما ذُكر - فقبَّل يديه ورجليه، ثم مَثَل بين يديه، فقال: الحمدُ لله يا أمير المؤمنين الذي آنس وحشتي، وأجاب دعوتي، ورحم تضرّعي، وأَنْسأ في أجلِي، حتى أراني وجه سيِّدي، وأكرمني بقربه، وامتنّ علي بتقبيل يده، وردّني إلى خدمته؛ فولله إن كنت لأذكر غيبتي عنه ومخرجي، والمقادير التي أزعجتني؛ فأَعلم أنها كانت بمعاصٍ لحقتْني وخطايا أحاطت بي؛ ولو طال مُقامي
стр. 5048
عنك يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك - لخفت أن يذهب عقلي إشفاقًا على قربك، وأسفًا على فراقك، وأن يعجل بي عن إذنك الاشتياقُ إلى رؤيتك، والحمد لله الذي عصمني في حالِ الغيبة، وأمتعني بالعافية، وعرّفني الإجابة ومسَّكني بالطاعة، وحال بيني وبين استعمال المعصية، فلم أشخص إلّا عن رأيك، ولم أقدم إلّا عن إذنك وأمرك، ولم يخترمْني أجل دونك. والله يا أميرَ المؤمنين - ولا أعظم من اليمين بالله - لقد عاينتُ ما لو تُعرَض لي الدنيا كلُّها لاخترت عليها قربَك، ولما رأيتها عوضًا من المقام معك. ثم قال له بعقب هذا الكلام في هذا المقام: إنّ الله يا أمير المؤمنين - لم يزل يبليك في خلافتك بقدْر ما يعلم من نيتك، ويريك في رعيّتك غاية أمنيّتك، فيصلع لك جماعتَهم، ويجمع ألفتهم، ويلمّ شَعثَهم، حفظًا لك فيهم، ورحمةً لهم، وإنما هذا للتمسُّك بطاعتك، والاعتصام بحبل مرضاتك؛ والله المحمود على ذلك وهو مستحقُّه. وفارقتُ يا أمير المؤمنين أهل كور الشأم وهم منقادون لأمرك، نادمون على ما فرط من معصيتهم لك، متمسّكون بحبلك، نازلون على حُكمك، طالبون لعفوِك، واثقون بحلْمك، مؤمّلون فضْلك، آمنون بادرتَك، حالُهم في ائتلافهم كحالهم كانت في اختلافهم، وحالُهم في ألفتهم كحالهم كانت في امتناعهم، وعفو أمير المؤمنين عنهم وتغمُّده لهم سابق لمعذرتهم، وصلة أمير المؤمنين لهم، وعطفه عليهم متقدّم عنده لمسألتهم.
وايم الله يا أميرَ المؤمنين لئن كنتُ قد شخصتُ عنهم، وقد أخمد الله شرارهم وأطفأ نارهم، ونفى مُرَّاقهم، وأصلح دهماءهم، وأولاني الجميلَ فيهم، ورزقني الانتصار منهم؛ فما ذلك كله إلا ببركتك ويُمْنك، وريحك ودوام دولتك السعيدة الميمونة الدائمة، وتخوّفِهم منك، ورجائهم لك. والله يا أمير المؤمنين ما تقدّمتُ إليهم إلّا بوصيتك، وما عاملتهم إلا بأمركَ، ولا سرت فيهم إلا على حدِّ ما مثّلتَه لي ورسمتَه، ووقفتَنِي عليه، ووالله ما انقادوا إلّا لدعوتك، وتوحّدِ الله بالصنّع لك، وتخوّفهم من سطوتك. وما كان الذي كان مني - وإن كنت بذلت جهدي، وبلغت مجهودي - قاضيًا ببعض حقك علي؛ بل ما ازدادت نعمتُك عليّ عظمًا؛ إِلا ازددتُ عن شكرك عجزًا وضعفًا، وما خلق الله أحدًا من رعيّتك أبعدَ من أن يُطمع نفسه في قضاء حقك مني، وما ذلك إلّا أن أكون باذلًا
стр. 5049
مهجتي في طاعتك، وكلّ ما يقرّب إلى موافقتك؛ ولكني أعرف من أياديك عندي ما لا أعرف مثلها عند غيري؛ فكيف بشكري وقد أصبحتُ واحدَ أهل دهري فيما صنعتَه فيَّ وبي! أم كيف بشكري، وإنما أقوى على شكري بإكرامك إياي! وكيف بشكري ولو جعل الله شكري في إحصاء ما أوليتني لم يأت على ذلكَ عدّي، وكيف بشكري وأنت كهفي دون كلّ كهف لي! وكيف بشكري وأنت لا ترضَى لي ما أرضاه لي! وكيف بشكري وأنت تجدّد من نعمتك عندي ما يستغرق كلّ ما سلف عندك لي! أم كيف بشكرِي وأنت تُنسيني ما تقدّم من إحسانك إليّ بما تجدده لي! أم كيف بشكري وأنت تقدمني بطوْلك على جميع أكفائي! أم كيف بشكري وأنت ولِيِّي! أم كيف بشكري وأنت المكرِم لي! وأنا أسأل الله الذي رزَقني ذلك منك من غير استحقاق له، إذا كان الشكْر مقصرًا على بلوغٍ تأدية بعضه، بل دون شقص من عُشر عشيره، أن يتولى مكافأتك عنِّي بما هو أوسعُ له، وأقدرُ عليه، وأن يَقضيَ عني حقَّك، وجليل مِنَّتِك؛ فإن ذلك بيده، وهو القادر عليه!
* * *
وفي هذه السنة أخذ الرّشيد الخاتم من جعفر بن يحيى، فدفعه إلى أبيه يحيى بن خالد.
وفيها ولّى جعفر بن يحيى خراسان وسِجستان، واستعمل جعفرٌ عليهما محمد بن الحسن بن قحطبة (١).
وفيها شخص الرّشيد من مدينة السلام مريدًا الرَّقة على طريق الموصل، فلما نزل البَرَدان، ولّى عيسى بن جعفر خُراسان، وعزل عنها جعفر بن يحيى؛ فكانت ولاية جعفر بن يحيى إياها عشرين ليلة.
وفيها وُلِّيَ جعفر بن يحيى الحرَس (٢).
стр. 5050
وفيها هدَم الرّشيد سُور الموْصل بسبب الخوارج الذين خرجوا منها، ثم مضى إلى الرّقة فنزَلها واتّخذها وطنًا (١).
وفيها عُزل هَرْثمة بن أعيَن عن إفريقيّه، وأقفله إلى مدينة السلام (٢) فاستخلفه جعفر بن يحيى على الحرَس (٣).
وفيها كانت بأرض مصر زلزلة شديدة، فسقط رأسُ منارة الإسكندرية (٤).
وفيها حكم خُراشة الشيبانيّ وشَرِيَ بالجزيرة، فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العُقيليّ (٥).
وفيها خرجت المحمّرة بجُرجان، فكتب عليّ بن عيسى بن ماهان أنّ الذي هيّج ذلك عليه عمرو بن محمد العمركيّ، وأنه زنديق، فأمر الرشيد بقتله، فقتِل بمَرْو (٦).
وفيها عَزَل الفضل بن يحيى عن طبرستان والرُّويان، وولَّى ذلك عبد الله بن خازم. وعزلَ الفضل أيضًا عن الرّيّ، ووليَها محمد بن يحيى بن الحارث بن شخّير، وولّى سعيد بن سلْم الجزيرة.
وغزا الصائفة فيها معاوية بن زفر بن عاصم (٧).
стр. 5051
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فكان فيها غزو الرشيد أرضَ الروم، فافتتح بها عنوةً حصن الصّفْصاف (١) فقال مَرْوان بن أبي حفصة:
إِنَّ أَميرَ المؤمنينَ المصطَفى ... قد ترك الصَّفصافَ قاعًا صَفصفا
وفيها غزا عبد الملك بن صالح الرّوم، فبلغ أنقرة وافتتح مَطْمورة (٢).
وفيها غلبت المحمّرة على جُرجان (٣).
وفيها أحدث الرشيد عند نزوله الرَّقة في صدور كتبه الصّلاةَ على محمد ﷺ (٤).
* * *
ثم دخلت سنة اثنتين وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها حُملت ابنة خاقان ملك الخَزر إلى الفَضْل بن يحيى، فماتت بِبَرْذعة، وعلى إرمينيَة يومئذ سعيد بن سلْم بن قُتيبة الباهليّ، فرجع مَنْ كان فيها من الطراخنة إلى أبيها، فأخبروه أن ابنته قُتلت غِيلة، فحنق لذلك، وأخذ في الأهبْة لحرب المسلمين.
وانصرف فيها يحيى بن خالد إلى مدينة السّلام (٥).
стр. 5052
وغزا فيها الصائفةَ عبدُ الرحمن بن عبد الملك بن صالح، فبلغ دفسوس مدينة أصحاب الكهف (١).
وفيها سَملت الرّوم عينيْ ملكِهم قسطنطين بن أليون، وأقرّوا أمه ريني، وتلقّب أُغَسْطة (٢).
* * *
ثم دخلت سنة وثمانين ومائة ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها
فمن ذلك خروج الخَزر بسبب ابنة خاقان من باب الأبواب وإيقاعهم بالمسلمين هنالك وأهل الذّمة، وسبيُهم - فيما ذكر - أكثر من مائة ألف. فانتهكوا أمرًا عظيمًا لم يُسمع في الإسلام بمثلِه، فولَّى الرشيد إرمينيَة يزيد بن مزيد مع أذْرَبيجان، وقوّاه بالجند؛ ووجَّهه، وأنزل خزيمة بن خازم نصيبين ردءًا لأهل إرمينيةَ (٣).
وقد قيل في سبب دخول الخزر إرمينيَة غيرُ هذا القول؛ وذلك ما ذكره محمد بن عبد الله أن أباه حدثه، أنّ سبب دخول الخَزر إرمينيَة في زمان هارون كان أن سعيد بن سلْم ضرب عُنق المنجم السُّلمي بفأس، فدخل ابنه بلاد الخَزَر، واستجاشهم على سعيد، فدخلوا إرمينيةَ من الثلْمة، فانهزم سعيد، ونكحوا المسلمات، وأقاموا فيها - أظنُّ - سبعين يومًا، فوجّه هارون خزيمة بن خازم ويزيد بن مزيد إلى إرمينيَة حتى أصلحا ما أفسد سعيد، وأخرجا الخزر، وسُدّت الثُّلْمة.
وفيها كتب الرّشيد إلى عليّ بن عيسى بن ماهان وهو بخُراسان بالمصير إليه، وكان سبب كتابه إليه بذلك؛ أنه كان حُمل عليه، وقيل له: إنه قد أجمع على الخلاف، فاستخلف عليّ بن عيسى ابنَه يحيى على خُراسان، فأقرّه الرّشيد،
стр. 5053
فوافاه عليّ، وحمل إليه مالًا عظيمًا، فردّه الرّشيد إلى خُراسان من قِبَل ابنه المأمون لحرب أبي الخصيب، فرجع.
وفيها خرج بنَسَا من خُراسان أبو الخصيب وُهيب بن عبد الله النسائيّ مولَى الحرِيش.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وولي استخراج ذلك - فيما ذكر - عبد الله بن الهيثم بن سام بالحبس ولضرب وولي حماد البربري مكة واليمن، وولي داود بن يزيد بن حاتم المهلبي السند ويحيى الحرشي الجبل، ومهدويه الرازي طبرستان، وقام بأمر إفريقية إبرهيم الأغلب، فولاها إياه الرشيد.
وفيها خرج أبو عمرو والشاري فوجه إليه زهير القصاب فقتله بشهرزور (١) وفيها طلب أبو الخصيب الأمان، فأعطاه ذلك عليّ بن عيسى، فوافاه بمدد فأكرمه.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من قتل أهل طبرستان مهروية الرازي وهو واليها، فولّى الرشيد مكانه عبد الله بن سعيد الحرشي (٢).
وفيها قتل عبد الرحمن الأبناوي أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة.
وفيها عاش حمزه الشاري بباذ غيس من خراسان، فوثب عيسى بن علي بن عيسى على عشرة آلاف من أصحاب حمزة فقتلهم، وبلغ كابُل وزابلستان والقندهار، فقال أبو العذافر في ذلك (٣):
стр. 5054
كاد عيسى يكون ذا القرنين ... بلغ المشرقين والمغربين
لم يدع كابُلًا ولا زابلستا ... ن فما حولها إلى الرخجين
وفيها خرج أبو الخصيب ثانية بنسا، وغلب عليها وعلى أبيورد وطوس ونيسابور، وزحف إلى مرو، فأحاط بها، فهزم، ومضى نحو سرخس، وقوي أمره (١).
وفيها مات يزيد بن مزيد ببرذعة، فوُلِّيَ مكانه أسد بن يزيد (٢) وفيها مات يقطين بن موسى ببغداد.
وشخص فيها الرشيد إلى الرقة على طريق الموصل.
واستأذنه فيها يحيى بن خالد في العمرة والجوار، فأذن له، فخرج في شعبان، واعتمر عمرة شهر رمضان، ثم رابط بجدة إلى وقت الحج، ثم حج.
ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
وفيها حبس الرّشيد ثُمامة بن أشرس لوقوفه على كذبه في أمر أحمد بن عيسى بن زيد.
وفيها مات جعفر بن أبي جعفر المنصور عند هَرْثمة. وتُوُفي العباس بن محمد ببغداد (٣).
* * *
[ذكر حجّ الرشيد ثمّ كتابته العهد لأبنائه] (٤)
وحجّ بالناس فيها هارون الرشيد؛ وكان شخوصه من الرّقة للحجّ في شهر رمضان من هذه السنة، فمرّ بالأنبار، ولم يدخل مدينة السلام؛ ولكنه نزل منزلًا
стр. 5055
على شاطئ الفرات يدعى الدّارَات، بينه وبين مدينة السلام سبعة فراسخ، وخلّف بالرّقة إبراهيم بن عثمان بن نَهيك، وأخرج معه ابنيه: محمدًا الأمين وعبد الله المأمون؛ وليّيْ عهده؛ فبدأ بالمدينة، فأعطى أهلها ثلاثة أعطية؛ كانوا يقدمون إليه فيعطيهم عطاء، ثم إلى محمد فيعطيهم عطاءً ثانيًا، ثم إلى المأمون فيعطيهم عطاء ثالثًا، ثم صار إلى مكة فأعطى أهلَها، فبلغ ذلك ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار.
وكان الرّشيد عقد لابنه محمد ولاية العهد - فيما ذكر محمد بن يزيد عن إبراهيم بن محمد الحجَبِيّ - يوم الخميس في شعبان سنة ثلاث وسبعين ومائة، وسماه الأمين بالرّقة في سنة ثلاث وثمانين ومائة، وولّاه من حدّ همَذان إلى آخر المشرق، فقال في ذلك سَلم بن عمرو الخاسر:
بايَعَ هارونُ الهُدَى ... لِذِي الحِجى والخُلُقِ الفاضِلِ
المخلِف المُتلفِ أَموالَهُ ... والضامِن الأَثقالَ للحاملِ
والعالِم النافِذ في علمِهِ ... والحاكِم الفاضل والعادل
والرَّاتِق الفاتِقِ حلفَ الهدى ... والقائِل الصادِقِ والفاعِلِ
لِخَير عباس إِذا حُصِّلوا ... والمفْضل المجدي على العائلِ
أَبَرُّهمْ برًّا وأَولاهُمُ ... بالعُرفِ عند الحدثِ النازل
لِمُشبهِ المنصورِ في ملكه ... إِذا تدَجَّتْ ظُلمَةُ الباطل
فتمَّ بالمأمونِ نورُ الهدى ... وانكشَفَ الجَهلُ عن الجاهِل
وذكر الحسن بن قريش أن القاسم بن الرشيد، كان في حِجْر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيدُ لمحمد والمأمون، كتب إليه عبد الملك بن صالح:
يا أيها الملِكُ الّذي ... لو كان نجمًا كانَ سَعْدا
اعْقِدْ لقاسِمَ بيَعةً ... واقدَحْ له في المُلكِ زَنْدا
اللهُ فرْدٌ واحدٌ ... فاجعل ولاةَ العهدِ فرْدَا (١)
فكان ذلك أول ما حضّ الرشيد على البيعة للقاسم. ثم بايع للقاسم ابنه،
стр. 5056
وسماه المؤتمن، وولّاه الجزيرة والثغور والعواصم، فقال في ذلك:
حُبّ الخليفةِ حُبٌّ لا يَدينُ بِهِ ... مَنْ كان لله عاصٍ يَعْمَلُ الفِتَنا
اللهُ قَلَّدَ هارونًا سِياسَتَنا ... لَمَّا اصطفاهُ فأَحْيَا الدِّينَ والسنَنَا
وَقلَّدَ الأَرضَ هارونٌ لرأفَتِهِ ... بنَا أَمينًا ومأمُونًا ومؤتمَنا
قال: ولما قسم الأرض بين أولاده الثلاثة، قال بعض العامة: قد أحكم أمر الملك، وقال بعضهم: بل ألقى بأسَهُم بينهم، وعاقبةُ ما صنع في ذلك مخوفةٌ على الرّعية، وقالت الشعراء في ذلك، فقال بعضهم:
أَقولُ لغمَّةٍ في النفسِ مني ... وَدَمْعُ العَينِ يَطَّردُ اطِّرادَا
خُذِي لِلْهوْلِ عُدّتَهُ بحزْمٍ ... سنَلْقَى ما سَيَمْنَعُكِ الرُّقَادا
فإِنَّكِ إِنْ بَقيتِ رأَيتِ أَمرًا ... يُطِيلُ لكِ الكآبةَ والسهادا
رَأى الملكُ المَهذَّبُ شَرَّ رأيٍ ... بقِسْمَتِهِ الخلافة والبِلادا
رأَى ما لوْ تعَقَّبَهُ بعِلمٍ ... لبَيَّضِ من مَفارقِهِ السَّوادا
أَرادَ به ليَقطَعَ عن بَنيه ... خلافهُمُ ويَبتذِلوا الودادا
فقد غَرَسَ العداوةَ غيرَ آلٍ ... وأَورثَ شَمل أُلفَتِهمْ بَدادا
وَأَلقَحَ بَيْنَهُمْ حرْبًا عَوانًا ... وَسلَّس لاجتنابِهمُ القيادا
فوَيلٌ لِلرَّعيّةِ عن قليل ... لقد أَهدى لها الكُرَبَ الشّدادا
وأَلبَسَهَا بلاءً غير فانٍ ... وأَلزمها التَّضَعْضُعَ والفسادا
سَتجْري من دِمائُهم بحُورٌ ... زواخِرُ لا يَروْنَ لها نفادَا
فوِزْرُ بلائِهمْ أَبدًا عليه ... أَغيّا كانَ ذلك أَمْ رشادا
وكانت الشهادة بالبَيْعة والكتاب في البيت الحرام، وتقدّم إلى الحَجبَة في حفظهما، ومنع من أراد إخراجهما والذهاب بهما، فذكر عبدُ الله بن محمد ومحمد بن يزيد التميميّ وإبراهيم الحجبيّ، أنّ الرشيد حضر وأحضر وجوه بني هاشم والقُوّاد والفقهاء، وأدخلوا البيت الحرام، وأمر بقراءة الكتاب على عبد الله ومحمد، وأشهد عليهما جماعة مَنْ حضر، ثم رأى أن يعلِّق الكتاب في الكعبة، فلما رُفع ليُعلّق وقع، فقيل إنّ هذا الأمر سريع انتقاضه قبل تمامه. وكانت نسخة الكتاب:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه
стр. 5057
محمد بن هارون أمير المؤمنين، في صحة من عقله، وجواز من أمره، طائعًا غير مكرَه. إن أمير المؤمنين ولَاني العهدَ من بعده، وصيّر البيعة لي في رقاب المسلمين جميعًا، وولّى عبدَ الله بن هارون العهدَ والخلافةَ وجميع أمور المسلمين بعدي، برضًا مني وتسليم، طائعًا غير مكرَه، وولّاه خُراسان وثغورَها وكُورَها وحربَها وجندَها وخراجَها وطرزها وبَريدها، وبيُوت أموالها، وصدقاتها وعُشْرها وعشورها، وجميع أعمالها، في حياته وبعده. وشرطتُ لعبد الله هارون أمير المؤمنين برضًا مني وطيب نفسي، أنْ لأخي عبد الله بن هارون عليّ الوفاء بما عَقَد له هارون أمير المؤمنين من العهد والولاية والخلافة وأمور المسلمين جميعًا بعدي، وتسليمَ ذلك له؛ وما جعل له من ولاية خُراسان وأعمالها كلّها، ومَا أقطعه أمير المؤمنين من قَطعية، أو جعل له من عُقدة أو ضيْعة من ضياعه، أو ابتاع من الضيّاع والعُقَد، وما أعطاه في حياته وصحته من مال أو حلْي أو جوهر، أو متاع أو كسوة، أو منزل أو دوابّ، أو قليل أو كثير؛ فهو لعبد الله بن هارون أمير المؤمنين، موفَّرًا مسلّمًا إليه. وقد عرفت ذلك كله شيئًا شيئًا.
فإن حدث بأمير المؤمنين حدَثُ الموت، وأفضت الخلافة إلى محمد ابن أمير المؤمنين، فعلَى محمد إنفاذ ما أمره به هارون أمير المؤمنين في تولية عبد الله بن هارون أمير المؤمنين خُراسان وثغورها ومَنْ ضمّ إليه من أهل بيت أمير المؤمنين بقرَمَاسين؛ وأن يمضِي عبد الله ابن أمير المؤمنين إلى خُراسان والرّيّ والكُور التي سماها أمير المؤمنين حيث كان عبد الله ابن أمير المؤمنين من مُعسكر أمير المؤمنين وغيره من سلطان أمير المؤمنين وجميع مَنْ ضم إليه أمير المؤمنين حيث أحبّ، من لدُن الريّ إلى أقصى عمل خُراسان. فليس لمحمد ابن أمير المؤمنين أن يحوّل عنه قائدًا ولا مقودًا ولا رجلًا واحدًا ممن ضُمَّ إليه من أصحابه الذين ضمّهم إلى أمير المؤمنين، ولا يحوّل عبدَ الله ابن أمير المؤمنين عن ولايته التي ولّاها إياها هارون أمير المؤمنين من ثُغور خُراسان وأعمالها كلّها، ما بين عمل الرّيّ مما يلي هَمذان إلى أقصى خراسان وثغورها وبلادها؛ وما هو منسوب إليها، ولا يشخِصه إليه، ولا يفرق أحدًا من أصحابه وقوّاده عنه، ولا يولي عليه أحدًا، ولا يبعث عليه ولا على أحد من عُمّاله وولاة أموره بُندارًا، ولا محاسبًا ولا عاملًا، ولا يدخل عليه في صغيرٍ من أمره ولا كبير ضررًا،
стр. 5058
ولا يحول بينه وبين العمل في ذلك كله برأيه وتدبيره، ولا يَعرض لأحد ممن ضمّ إليه أمير المؤمنين من أهل بيته وصحابته وقُضاته وعمّاله وكتابه وقُوّاده وخدَمه ومواليه وجنده؛ بما يلتمس إدخال الضرر والمكروه عليهم في أنفسهم ولا قراباتهم ولا مواليهم، ولا أحد بسبيل منهم، ولا في دمائهم ولا في أموالهم ولا في ضياعهم ودورهم ورباعهم وأمتعتهم ورقيقهم ودوابّهم شيئًا من ذلك صغيرًا ولا كبيرًا، ولا أحد من الناس بأمره ورأيه وهواه، وبترخيصٍ له في ذلك وإدهانٍ منه فيه لأحد من ولد آدم، ولا يحكم في أمرهم ولا أحد من قضاته ومن عماله وممّن كان بسبب منه بغير حكم عبد الله ابن أمير المؤمنين ورأيه ورأي قضاته.
وإن نزع إليه أحد ممن ضمّ أمير المؤمنين إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين من أهل بيت أمير المؤمنين وصَحابته وقوّاده وعماله وكتّابه وخدمه ومواليه وجنده، ورفض اسمه ومكْتبَه ومكانه مع عبد الله ابن أمير المؤمنين عاصيًا له أو مخالفًا عليه؛ فعلى محمد بن أمير المؤمنين ردّه إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين بصغَرٍ له وقَماء حتى ينفذ فيه رأيَه وأمرَه.
فإن أراد محمد بن أمير المؤمنين خلعَ عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية العهد من بعده، أو عزلَ عبد الله ابن أمير المؤمنين عن ولاية خُراسان وثُغورها وأعمالها، والذي من حدّ عملها مما يلي هَمَذان والكور التي سماها أمير المؤمنين في كتابه هذا أو صرْف أحد من قواده الذين ضمَّهم أمير المؤمنين إليه ممن قدِم قَرْماسين، أو أن ينتقصه قليلًا أو كثيرًا مما جعله أمير المؤمنين له بوجهٍ من الوجوه، أو بحيلة من الحيل؛ صغرت أو كبرت؛ فلعبد الله بن هارون أمير المؤمنين الخلافة بعد أمير المؤمنين، وهو المقدّم على محمد ابن أمير المؤمنين، وهو وليّ الأمر بعد أمير المؤمنين والطاعة من جميع قواد أمير المؤمنين هارون من أهل خُراسان وأهل العطاء وجميع المسلمين في جميع الأجناد والأمصار لعبد الله ابن أمير المؤمنين، والقيامُ معه، والمجاهدةُ لمَنْ خالفه، والنصر له والذبّ عنه؛ ما كانت الحياة في أبدانهم. وليس لأحدٍ منهم جميعًا من كانوا، أو حيث كانوا، أن يخالفَه ولا يعصيه، ولا يخرج من طاعته، ولا يطيع محمد ابن أمير المؤمنين في خلع عبد الله بن هارون أمير المؤمنين
стр. 5059
وصرْف العهد عنه من بعده إلى غيره، أو ينتقصه شيئًا مما جعله له أمير المؤمنين هارون في حياته وصحته، واشترط في كتابه الذي كتبه عليه في البيت الحرام في هذا الكتاب. وعبد الله ابن أمير المؤمنين المصدّق في قوله، وأنتم في حلٍّ من البيعة التي في أعناقكم لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون إن نقض شيئًا مما جعله له أمير المؤمنين هارون، وعلى محمد بن هارون أمير المؤمنين أن ينقادَ لعبد الله ابن أمير المؤمنين هارون ويسلِّم له الخلافة.
وليس لمحمد ابن أمير المؤمنين هارون ولا لعبد الله ابن أمير المؤمنين أن يخلعَا القاسم ابن أمير المؤمنين هارون، ولا يقدّما عليه أحدًا من أولادهما وقراباتهما ولا غيرهم من جميع البريّة؛ فإذا أفضت الخلافة إلى عبد الله ابن أمير المؤمنين، فالأمر إليه في إمضاء ما جعله أمير المؤمنين من العهد للقاسم بعده، أو صرف ذلك عنه إلى مَنْ رأى من ولده وإخوته، وتقديم مَنْ أراد أن يقدم قبله، وتصيير القاسم ابن أمير المؤمنين بعد مَن يقدم قبله، يحكم في ذلك بما أحبّ ورأى.
فعليكم معشرَ المسلمين إنفاذ ما كتب به أمير المؤمنين في كتابه هذا، وشرط عليهم وأمر به، وعليكم السّمع والطاعة لأمير المؤمنين فيما ألزمكم وأوجب عليكم لعبد الله ابن أمير المؤمنين، وعهد الله وذمّته وذمّة رسوله ﷺ وذمم المسلمين والعهود والمواثيق التي أخذ الله على الملائكة المقرّبين والنبيين والمرسلين، ووكّدَها في أعناق المؤمنين والمسلمين، لَتَفُنَّ لعبد الله أمير المؤمنين بما سمّى، ولمحمد وعبد الله والقاسم بني أمير المؤمنين بما سمّى وكتب في كتابه هذا، واشترط عليكم وأقررتم به على أنفسكم؛ فإن أنتم بدّلتم من ذلك شيئًا، أو غيّرتم، أو نكثتم، أو خالفتم ما أمركم به أمير المؤمنين، واشترط عليكم في كتابه هذا، فبرئت منكم ذمّة الله وذمّة رسوله محمد ﷺ وذمم المؤمنين والمسلمين، وكلُّ مالٍ هو اليوم لكل رجل منكم أو يستفيده إلى خمسين سنة فهو صدقة على المساكين، وعلى كل رجل منكم المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكة خمسين حجَّة، نذرًا واجبًا لا يقبل الله منه إلا الوفاء بذلك؛ وكلّ مملوك لأحد منكم - أو يملكه فيما يستقبل إلى خمسين سنة - حرّ، وكلّ امرأة له
стр. 5060
فهي طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرَج، لا مثنويّة فيها. والله عليكم بذلك كفيل وراعٍ، وكفى بالله حسيبًا.
* * *
نسخة الشرط الذي كتبه عبد الله أبن أمير المؤمنين بخط يده في الكعبة
هذا كتاب لعبد الله هارون أمير المؤمنين، كتبه له عبد الله بن هارون أمير المؤمنين، في صحّةٍ من عقله، وجوازٍ من أمر، وصدقِ نيّة فيما كتب في كتابه هذا، ومعرفة بما فيه من الفضل والصلاح له ولأهل بيته وجماعة المسلمين. إن أمير المؤمنين هارون ولاني العهد والخلافة وجميع أمور المسلمين في سلطانه بعد أخي محمد بن هارون، وولّاني في حياته ثغورَ خُراسان وكورها وجميع أعمالها، وشرط على محمد بن هارون الوفاءَ بما عقد لي من الخلافة وولاية أمور العباد والبلاد بعده، وولاية خراسان وجميع أعمالها، ولا يعرض لي في شيء مما أقطعني أمير المؤمنين، أو ابتاع لي من الضياع والعُقَد والرّباع أو ابتعت منه من ذلك، وما أعطاني أمير المؤمنين من الأموال والجوهر والكساء والمتاع والدوابّ والرّقيق وغير ذلك، ولا يعرض لي ولا لأحد من عمّالي وكتّابي بسبب محاسبة، ولا يتَّبع لي في ذلك ولا لأحد منهم أبدًا، ولا يُدخل عليّ ولا عليهم ولا على مَنْ كان معي ومن استعنتُ به من جميع الناس مكروهًا؛ في نفس ولا دمٍ ولا شعر ولا بشر ولا مال، ولا صغير من الأمور ولا كبير. فأجابه إلى ذلك، وأقرّ به وكتب له كتابًا، أكّد فيه على نفسه ورضيَ به أميرُ المؤمنين هارون وقبله، وعرف صدق نيّته فيه. فشرطتُ لأمير المؤمنين وجعلت له على نفسي أن أَسمع لمحمد وأطيع ولا أعصيه، وأنصحه ولا أغشّه، وأوفي بيعته وولايته، ولا أغدر، ولا أنكُث، وأنفِذُ كتبَه وأموره، وأحسن موازرته وجهاد عدوّه في ناحيتي، ما وفَى لي بما شرط لأمير المؤمنين في أمري، وسمَّى في الكتاب الذي كتبه لأمير المؤمنين، ورضي به أميرُ المؤمنين، ولم يتّبعني بشيء من ذلك، ولم ينقض أمرًا من الأمور التي شرطها أمير المؤمنين لي عليه.
فإن احتاج محمد بن أمير المؤمنين إلى جندٍ، وكتب إليّ يأمرني بإشخاصه
стр. 5061
إليه، أو إلى ناحية من النواحي، أو إلى عدوٍّ من أعدائه؛ خالفه أو أراد نقصَ شيء من سلطانه أو سلطاني الذي أسنَده أمير المؤمنين إلينا وولّانا إياه؛ فعليّ أن أنفذ أمره ولا أخالفه، ولا أقصّر في شيء كتب به إليّ. وإن أراد محمد أن يوَلِّيَ رجلًا من ولده العهد والخلافة من بعدي؛ فذلك له ما وفّى لي بما جعله أمير المؤمنين إليّ واشترطه لي عليه، وشرط على نفسه في أمري، وعليّ إنفاذ ذلك والوفاء له به؛ ولا أنقص من ذلك ولا أغيّره ولا أبدِّله، ولا أقدّم قبله أحدًا من ولَدي، ولا قريبًا ولا بعيدًا من الناس أجمعين؛ إلّا أن يولِّيَ أمير المؤمنين هارون أحدًا من ولده العهد من بعدي؛ فيلزمني ومحمدًا الوفاء له. وجعلتُ لأمير المؤمنين ومحمد علي الوفاء بما شرطت وسمّيت في كتابي هذا، ما وفّى لي محمد بجميع ما اشترط لي أمير المؤمنين عليه في نفسي، وما أعطاني أمير المؤمنين من جميع الأشياء المسمّاة في هذا الكتاب الذي كتبه لي، وعليّ عهد الله وميثاقه وذمّة أمير المؤمنين وذمّتي وذمم آبائي وذمم المؤمنين وأشدّ ما أخذ الله على النبيين والمرسلين من خلقه أجمعين، من عهوده ومواثيقه، والأيمان المؤكّدة التي أمر الله بالوفاء بها، ونهى عن نقضها وتبديلها؛ فإن أنا نقضتُ شيئًا مما شرطت وسمّيت في كتابي هذا أو غيّرت أو بدّلت، أو نكثت أو غدرت، فبرئتُ من الله ومن ولايته ودينه، ومحمد رسول الله ﷺ ، ولقيتُ الله يوم القيامة كافرًا مشركًا؛ وكلّ امرأة هي لي اليوم أو أتزوّجها إلى ثلاثين سنة طالق ثلاثًا ألبتة طلاق الحرَج؛ وكلّ مملوك هو لي اليوم أو أملكه إلى ثلاثين سنة أحرار لوجه الله، وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام الذي بمكّة ثلاثين حِجّة، نذرًا واجبًا عليّ في عنقي حافيًا راجلًا؛ لا يقبل الله منّي إلا الوفاء بذلك، وكلّ مال لي أو أملكه إلى ثلاثين سنة هَدْي بالغ الكعبة؛ وكلّ ما جعلت لأمير المؤمنين وشرطت في كتابي هذا لازم لا أضمر غيره، ولا أنوي غيره.
وشهد سليمان بن أمير المؤمنين وفلان وفلان. وكتب في ذي الحجة سنة ست وثمانين ومائة.
* * *
стр. 5062
نسخة كتاب هارون بن محمد الرشيد إلى العمال
بسم الله الرحمن الرحيم. أمّا بعد فإنّ الله وليّ أمير المؤمنين ووليّ ما ولّاه، والحافظ لما استرعاه وأكرمه به من خلافته وسلطانه، والصانع له فيما قدّم وأَخَّر من أموره، والمنعم عليه بالنّصر والتأييد في مشارق الأرض ومغاربها، والكالئ والحافظ والكافي من جميع خلْقه؛ وهو المحمود على جميع آلائه، المسؤول تمامَ حُسْنِ ما أمضى من قضائه لأمير المؤمنين وعادته الجميلة عنده وإلهام ما يرضى به ويوجب له عليه أحسن المزيد من فضله وقد كان من نعمة الله عند أمير المؤمنين وعندك وعند عوام المسلمين ما تولى الله من محمد وعبد الله ابني أمير المؤمنين من تبليغه بهما أحسنَ ما أمّلت الأمة، ومدّت إليه أعناقها، وقذف الله لهما في قلوب العامة من المحبّة والمودّة والسكون إليهما والثّقة بهما، لعماد دينهم، وقوام أمورهم؛ وجمع ألفَتهم، وصلاح دَهْمائهم، ودفع المحذور والمكروه من الشّتَات والفرقة عنهم؛ حتى ألقَوْا إليهما أزمَّتهم، وأعطوْهما بيعتَهم وصفَقات أيمانهم، بالعهود والمواثيق ووكيد الأَيمان المغلّظة عليهم. أراد الله فلم يكن له مردّ، وأمضاه فلم يقدر أحد من العباد على نقضه ولا إزالته، ولا صَرْفٍ له عن محبّته ومشيئته، وما سبق في علمه منه. وأميرُ المؤمنين يرجو تمامَ النّعمة عليه وعليهما في ذلك وعلى الأمّة كافة؛ لا عاقبَ لأمر الله ولا رادَّ لقضائه، ولا معقِّبَ لحكمه.
ولم يزل أميرُ المؤمنين منذ اجتمعت الأمة على عَقْد العهد لمحمد ابن أمير المؤمنين من بعد أمير المؤمنين ولعبد الله ابنِ أمير المؤمنين من بعد محمد ابن أمير المؤمنين، يُعمِل فكرَه ورأيه ونظرَه ورؤيَتَه فيما فيه الصلاح لهما ولجميع الرعيّة والجمع للكَلمة، واللمّ للشعث، والدّفْع للشتات والفرقة، والحسْم لكيْد أعداء النِّعَم؛ من أهل الكفر والنفاق والغل والشِّقاق، والقطع لآمالهم من كلّ فرصة يرجون إدراكَها وانتهازها منهما بانتقاص حقهما. ويستخير الله أمير المؤمنين في ذلك، ويسأله العزيمةَ له على ما فيه الخِيرَة لهما ولجميع الأمة، والقوّة في أمر الله وحقه وائتلاف أهوائهما، وصلاح ذات بينهما، وتحصينهما من كَيْد أعداء النِّعم، وردّ حسدهم ومكرهم وبغيهم وسعيهم بالفساد بينهما.
стр. 5063
فعزم الله لأمير المؤمنين على الشخوص بهما إلى بيت الله، وأخذ البيعة منهما لأمير المؤمنين بالسمع والطاعة والإنفاذ لأمره، واكتتاب الشّرْط على كلّ واحد منهما لأمير المؤمنين ولهما بأشدّ المواثيق والعهود، وأغلظ الأيمان والتّوكيد، والأخذ لكلّ واحد منهما على صاحبه بما التمس به أمير المؤمنين اجتماعَ ألفتهما ومودّتهما وتواصلهما وموازرتهما ومكانفتهما على حسنِ النظر لأنفسهما ولرعيّة أمير المؤمنين التي استرعاهما، والجماعة لدين الله وكتابه وسنن نبيِّه ﷺ ، والجهاد لعدوّ المسلمين؛ من كانوا وحيث كانوا، وقطْع طمع كل عدوٍّ مظهر للعداوة، ومسرّ لها، وكلّ منافق ومارق، وأهل الأهواء الضالّة المضلّة من تكيد بكيْد تُوقعه بينهما، وبدَحْس يُدحس به لهما، وما يلتمس أعداء الله وأعداء النعم وأعداء دينه من الضرب بين الأمة، والسّعي بالفساد في الأرض، والدعاء إلى البدَع والضّلالة؛ نظرًا من أمير المؤمنين لدينه ورعيته وأمّة نبيه محمد ﷺ ومناصحةً لله ولجميع المسلمين، وذبًّا عن سلطان الله الذي قدّره، وتوحّد فيه للذي حمّله إياه، والاجتهاد في كلِّ ما فيه قُرْبة إلى الله، وما ينال به رضوانَه، والوسيلة عنده.
فلما قدِم مكّة أظهر لمحمد وعبد الله رأيَه في ذلك، وما نظر فيه لهما، فقبلا كلَّ ما دعاهما إليه من التوكيد على أنفسهما بقبوله، وكتَبا لأمير المؤمنين في بَطْن بيت الله الحرام بخطوط أيديهما، بمحْضَر ممَّن شهد الموسم من أهل بيت أمير المؤمنين وقوّاده وصحابته وقضاته وحَجَبَة الكعبة وشهاداتهم عليهما كتابين استودعهما أمير المؤمنين الحَجَبة، وأمر بتعليقهما في داخل الكعبة.
فلما فرغ أمير المؤمنين من ذلك كلّه في داخل بيت الله الحرام وبطْن الكعبة، أمر قضاته الذين شهدوا عليهما، وحضروا كتابهما، أن يعلموا جميع مَنْ حضر الموسم من الحاجّ والعُمّار ووفود الأمصار ما شهدوا عليه من شرْطهما وكتابهما، وقراءة ذلك عليهم ليفهموه ويعُوه، ويعرفوه ويحفظوه، ويؤدُّوه إلى إخوانهم وأهل بلدانهم وأمصارهم، ففعلوا ذلك، وقرِئ عليهم الشّرْطان جميعًا في المسجد الحرام، فانصرفوا. وقد اشتهر ذلك عندهم، وأثبتوا الشهادة عليه، وعرفوا نظر أمير المؤمنين وعنايته بصلاحهم وحقن دمائهم، ولمِّ شعثِهم وإطفاء جَمْرة أعداء الله؛ أعداء دينه وكتابه وجماعة المسلمين عنهم، وأظهروا الدعاء
стр. 5064
لأمير المؤمنين والشكر لما كان منه في ذلك.
وقد نسخ لك أمير المؤمنين ذينك الشرطين اللذين كتبهما لأمير المؤمنينِ ابناه محمد وعبد الله في بطْن الكعبة في أسفل كتابه؛ هذا فاحمَدِ الله على ما صنع لمحمد وعبد الله وليَّيْ عهد المسلمين حمدًا كثيرًا، واشكره ببلائه عند أمير المؤمنين وعند وليّ عهد المسلمين وعندك وعند جماعة أمة محمد ﷺ كثيرًا.
واقرأ كتاب أميرِ المؤمنين على مَن قِبلك من المسلمين، وأفهمهم إيّاه وقُمْ به بينهم، وأثبته في الديوان قِبلك وقبَلَ قوّاد أمير المؤمنين ورعيته قِبلَك واكتب إلى أمير المؤمنين بما يكون في ذلك، إن شاء الله وحسبنا الله ونعم الوكيل وبه الحول والقوّة والطول.
وكتب إسماعيل بن صَبِيح يوم السبت لسبع ليال بَقِين من المحرّم سنة ست وثمانين ومائة (١).
قال: وأمر هارون الرشيد لعبد الله المأمون بمائة ألف دينار، وحملت له إلى بغداد من الرّقة.
* * *
قال وكان الرّشيد بعد مقتل جعفر بن يحيى بالعُمْر، صار إلى الرّقة، ثم قدم بغداد، وقد كانت توالتْ عليه الشكاية من عليّ بن عيسى بن ماهان من خُراسان وكثر عليه القوْل عنده، فأجمع على عَزْله من خُراسان، وأحبّ أن يكون قريبًا منه. فلما صار إلى بغداد شخص بعد مدّة منها إلى قَرْمَاسِين، وذلك في سنة تسع وثمانين ومائة، وأشخص إليها عدّة رجال من القضاة وغيرهم، وأشهدهم أنّ جميع ما له في عسكره من الأموال والخزائن والسّلاح والكُراع وما سواه أجمع لعبد الله المأمون، وأنه ليس فيه قليل ولا كثير بوجْه ولا سبب، وجدّد البيعة له علَى مَنْ كان معه، ووجّه هَرثمة بن أَعْيَن صاحب حَرَسه إلى بغداد، فأعاد أخذ
стр. 5065
البيعة على محمد بن هارون أمير المؤمنين وعلى مَنْ كان بحضرته لعبد الله والقاسم على النّسخة التي كان أخذها عليه الرّشيد بمكة؛ وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله إذا أفضت إليه الخلافة؛ فقال إبراهيم الموصليّ في بيعة هارون لابنيه في الكعبة:
خيْرُ الأُمورِ مَغَبةً ... وأَحَقُّ أَمرٍ بالتّمامِ
أمرٌ قضى إِحكامه الرّ ... حمانُ في البيْت الحَرَامِ
ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن إيقاع الرشيد بالبرامكة] (١)
* ذكر الخبر عن سبب قتله إياه وكيف كان قتله وما فعل به وبأهل بيته:
أما سبب غضبه عليه الذي قتله عنده، فإنه مختلَف فيه، فمن ذلك ما ذكر عن بختيشوع بن جبريل، عن أبيه أنه قال: إني لقاعد في مجلس الرشيد، إذ طلع يحيى بن خالد - وكان فيما مضى يدخل بلا إذن - فلما دخل وصار بالقُرْب من الرّشيد وسلَّم ردّ عليه ردًّا ضعيفًا، فعلم يحيى أن أمرهم قد تغيّر.
قال: ثم أقبل عليَّ الرشيد، فقال: يا جبريل، يدخل عليك وأنت في منزلك أحدٌ بلا إذنك! فقلت: لا، ولا يطمع في ذلك. قال: فما بالُنا يُدْخَل علينا بلا إذن! فقام يحيى، فقال: يا أميرَ المؤمنين، قدّمني الله قبلَك؛ واِلله ما ابتدأتُ ذلك الساعة، وما هو إلّا شيء كان خصّنِيِ به أمير المؤمنين، ورفع به ذكري؛ حتى أنْ كنتُ لأدخل وهو في فراشه مجَرّدًا حينًا، وحينًا في بعض إزاره؛ وما علمتُ أنّ أمير المؤمنين كرِه ما كان يحبّ؛ وإذْ قد علمتُ فإنّي أكون عنده في الطبقة الثانية من أهل الإذن، أو الثالثة إن أمرني سيدي بذلك. قال: فاستحيا
стр. 5066
- قال: وكان من أرقّ الخلفاء وجهًا - وعيناه في الأرض، ما يرفع إليه طرفه، ثم قال: ما أردتُ ما تكره، ولكنّ الناس يقولون. قال: فظننت أنه لم يسنح له جواب يرتضيه فأجاب بهذا القول ثم أمسك عنه، وخرج يحيى.
وذُكر عن أحمد بن يوسف أنَّ ثُمامة بن أشرس، قال: أوّل ما أنكر يحيى بن خالد من أمره، أن محمد بن الليث رفع رسالة إلى الرشيد يعظه فيها، ويذكر أن يحيى بن خالد لا يغنِي عنك من الله شيئًا، وقد جعلتَه فيما بينك وبين الله؛ فكيف أنت إذا وقفت بين يديه، فسألك عمّا عملت في عباده وبلاده، فقلت: يا ربّ إني استكفيتُ يحيى أمورَ عبادك! أتراك تحتجّ بحجّة يرضى بها! مع كلام فيه توبيخ وتقريع. فدعا الرّشيد يحيى - وقد تقدم إليه خبر الرسالة - فقال: تعرف محمد بن الليث؟ قال: نعم، قال: فأيّ الرجال هو؟ قال: متّهم على الإسلام، فأمر به فوضع في المطبَق دهرًا؛ فلمّا تنكّر الرشيد للبرامكة ذكره فأمر بإخراجه، فأحضِر، فقال له بعد مخاطبة طويلة: يا محمد، أتحبّني؟ قال: لا والله يا أميرَ المؤمنين، قال: تقول هذا! قال: نعم، وضعتَ في رجلي الأكبال، وحُلتَ بيني وبين العِيال بلا ذنب أتيت، ولا حدث أحدثت، سوى قولِ حاسد يكيد الإسلام وأهله، ويحب الإلحادَ وأهله، فكيف أحبُّك! قال: صدقت، وأمر بإطلاقه، ثم قال: يا محمد، أتحبني؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين؛ ولكن قد ذهب ما في قلبي، فأمر أن يعطى مائة ألف درهم، فأحضِرَت، فقال: يا محمد، أتحبني؟ قال: أما الآن فنعم، قد أنعمت عليّ، وأحسنت إليّ. قال: انتقم الله ممّن ظلمك، وأخذ لك بحقِّك ممّن بعثني عليك. قال: فقال الناس في البرامكة فأكثروا، وكان ذلك أوّل ما ظهر من تغيّر حالهم (١).
قال: وحدّثني محمد بن الفضْل بن سفيان، مولى سليمان بن أبي جعفر، قال: دخل يحيى بن خالد بعد ذلك على الرّشيد، فقام الغلمان إليه، فقال الرّشيد لمسرور الخادم: مُر الغلمان ألّا يقوموا ليحيى إذا دخل الدار. قال: فدخل فلم يقم إليه أحدٌ، فاربدّ لونه. قال: وكان الغلمان والحجاب بعد إذا رأوْه أعرضوا عنه. قال: فكان ربّما استسقى الشربة من الماء أو غيره، فلا يسقونه،
стр. 5067
وبالحَرى إن سقوْه أن يكون ذلك بعد أن يدعوَ بها مرارًا.
وذكر أبو محمد اليزيديّ - وكان فيما قيل من أعلم الناس بأخبار القوم - قال: مَنْ قال إن الرشيد قتل جعفر بن يحيى بغير سبب يحيى بن عبد الله - بن حسن فلا تصدّقه؛ وذلك أنّ الرشيد دفع يحيى إلى جعفر فحبسه، ثم دعا به ليلة من الليالي فسأله عن شيء من أمره، فأجابه، إلى أن قال: اتَّق الله في أمري، ولا تتعرَّض أن يكون خصمك غدًا محمد ﷺ ؛ فولله ما أحدثتُ حدثًا، ولا أويت محدثًا. فرقّ عليه، وقال له: اذهب حيث شئت من بلاد الله. قال: وكيف أذهب ولا آمن أن أوخذَ بعد قليل فأردّ إليك أو إلى غيرك! فَوجّه معه مَنْ أدَّاه إلى مأمنه. وبلغ الخبرُ الفضلَ بن الربيع، من عين كانت له عليه من خاصِّ خدمه، فعلا الأمرَ، فوجده حقًّا، وانكشف عنده؛ فدخل على الرّشيد فأخبره، فأراه أنه لا يعبأ بخبره. وقال: وما أنت وهذا لا أمّ لك! فلعلّ ذلك عن أمري؛ فانكسر الفضل؛ وجاءه جعفر فدعا بالغدَاء فأكلا، وجعل يلقِّمه ويحادثه، إلى أن كان آخر ما دار بينهما أن قال: ما فعل يحيى بن عبد الله؟ قال: بحاله يا أميرَ المؤمنين في الحبْس الضيِّق والأكبال. قال: بحياتي! فأحجَم جعفر - وكان من أدقّ الخلْق ذهنًا، وأصحِّهم فكرًا - وهجس في نفسه أنه قد علم بشيء من أمره، فقال: لا وحياتِك يا سيِّدي ولكن أطلقته وعلمْتُ أنه لا حياة به ولا مكروه عنده. قال: نَعِمَ ما فعلتَ؛ ما عدوتَ ما كانَ في نفسي. فلما خرج أتبعه بصرَه حتى كاد أن يتوارَى عن وجهه، ثم قال: قتلني الله بسيف الهدى على عمل الضلالة إن لم أقتلك! فكان من أمره ما كان.
وحدّث إدريس بن بدر، قال: عرض رجل للرشيد وهو يناظر يحيى، فقال: يا أمير المؤمنين، نصيحة؛ فادعُ بي إليك، فقال لهرثمة: خذ الرجل إليك، وسلْه عن نصيحته هذه، فسأله، فأبَى أن يخبرَه وقال: هي سرّ من أسرار الخليفة، فأخبر هرثمَة الرشيد بقوله، قال: فقل له لا يبرح الباب حتى أفرغ له، قال: فلما كان في الهاجرة انصرف مَنْ كان عنده، ودعا به، فقال: أخْلِني، فالتفت هارون إلى بنيه، فقال: انصرفوا يا فتيان؛ فوثبوا وبقي خاقان وحُسين على رأسه؛ فنظر إليهما الرّجُل، فقال الرّشيد: تَنَحّيا عنّي، ففعلا، ثم أقبل على الرّجل، فقال: هات ما عندك، فقال: على أن تؤمّني! قال: على أن أؤمنك
стр. 5068
وأحسن إليك. قال: كنت بحلوان في خانٍ من خاناتها، فإذا أنا بيحيى بن عبد الله في دُرّاعة صوف غليظة وكساء صوف أخضر غليظ، وإذا معه جماعة ينزلون إذا نزل، ويرحلون إذا رحل، ويكونون منه بصدد يوهمون مَنْ رآهم أنهم لا يعرفونه وهم من أعوانه، ومع كلّ واحد منهم منشور يأمن به إن عُرِض له، قال: أوَ تعرف يحيى بن عبد الله؟ قال: أعرفه قديمًا، وذلك الذي حقّق معرفتي به بالأمس، قال: فصِفه لي، قال: مربوع أسمر رقيق السمرة، أجلح، حسن العينين، عظيم البطن. قال: صدقتَ؛ هو ذاك. قال: فما سمعتَه يقول؟ قال: ما سمعتُه يقول شيئًا؛ غير أني رأيته يصلّي، ورأيت غلامًا من غلمانه أعرفه قديمًا جالسًا على باب الخان، فلمّا فرغ من صلاته أتاه بثوب غسيل، فألقاه في عنقه ونزع جبّة الصوف، فلما كان بعد الزّوال صلى صلاة ظننتُها العصر، وأنا أرمقه؛ أطال في الأولييْن، وخفف في الأخريَيْن، فقال: لله أبوك! لجاد ما حفظت عليه، نعم تلك صلاة العصر؛ وذاك وقتُها عند القوم، أحسن الله جزاءك، وشكر سعيَك! فمن أنت؟ قال: أنا رجل من أعقاب أبناء هذه الدّوْلة، وأصْلي من مَرْو، ومولدي مدينة السلام، قال: فمنزلك بها؟ قال: نعم؛ فأطرق مليًّا، ثم قال: كَيف احتمالُك لمكروه تُمتحن به في طاعتي! قال: أبلغُ من ذلك حيث أحبّ أمير المؤمنين، قال: كن بمكانك حتى أرجعَ. فطفرَ في حجرة كانت خلف ظهره، فأخرج كيسًا فيه ألفا دينار، فقال: خذ هذه، ودعني وما أدبّر فيك، فأخذها، وضمّ عليها ثيابه، ثم قال: يا غلام، فأجابه خاقان وحسين، فقال: اصفعا ابنَ اللخناء، فصفَعاه نحوًا من مائة صَفعة، ثم قال: أخرِجاه إلي مَنْ بقيَ في الدار، وعمامتُه في عنقه، وقولا: هذا جزاء من يسعى بباطنة أمير المؤمنين وأوليائه! ففعلا ذلك؛ وتحدّثوا بخبره، ولم يعلم بحال الرجل أحد، ولا بما كان ألقى إلى الرشيد؛ حتى كان من أمر البرامكة ما كان.
وذكر يعقوب بن إسحاق أنّ إبراهيم بن المهديّ حدثه. قال: أتيتُ جعفر بن يحيى في داره التي ابتناها، فقال لي: أمَا تعجب من منصور بن زياد؟ قال: قلت فبماذا؟ قال: سألتُه: هل ترى في داري عيبًا؟ قال: نعم؛ ليس فيها لَبِنَة ولا صُنوبرة، قال إبراهيم: فقلت: الذي يعيبها عندي أنك أنفقت عليها نحوًا من عشرين ألف ألف درهم، وهو شيء لا آمنه عليك غدًا بين يدي أمير المؤمنين، قال: هو يعلم أنه قد وصلني بأكثر من ذلك وضعف ذلك، سوى ما عرّضني له.
стр. 5069
قال: قلت: إن العدوّ إنما يأتيه في هذا من جهة أن يقول: يا أميرَ المؤمنين، إذا أنفق على دار عشرين ألف ألف درهم، فأين نفقاته! وأين صِلاته! وأين النوائب التي تنوبه! وما ظنّك يا أمير المؤمنين بما وراء ذلك! وهذه جملة سريعة إلى القلب، والموقف على الحاصل منها صعب. قال: إن سمع منِّي قلتُ: إن لأمير المؤمنين نعمًا على قوم قد كفروها بالسَّتر لها أو بإظهار القليل من كثيرها؛ وأنا رجلٌ نظرت إلى نعمته عندي، فوضعتها في رأس جبل، ثم قلت للناس: تعالوْا فانظروا.
وذكر زيد بن عليّ بن حسين بن زيد أنّ إبراهيم بن المهديّ حدثه أن جعفر بن يحيى، قال له يومًا - وكان جعفر بن يحيى صاحبَه عند الرشيد، وهو الذي قرّبه منه: إني قد استربت بأمر هذا الرجل - يعني الرشيد - وقد ظننتُ أن ذلك لسابق سبق في نفسي منه، فأردتُ أن أعتبر ذلك بغيري، فكنت أنت، فارمق ذلك في يومك هذا، وأعلمني ما ترى منه. قال: ففعلتُ ذلك في يومي، فلما نهض الرّشيد من مجلسه كنتُ أوّل أصحابه نهض عنه، حتى صرت إلى شجرٍ في طريقي، فدخلتها ومَنْ معي، وأمرتهم بإطفاء الشمع، وأقبل الندماء يمرُّون بي واحدًا واحدًا، فأراهم ولا يروْني؛ حتى إذا لم يبق منهم أحد، إذا أنا بجعفر قد طلع، فلما جاوز الشجر قال: اخرج يا حبيبي، قال: فخرجت، فقال: ما عندك؟ فقلت: حتى تعلمني كيف علمتَ أني ها هنا؛ قال: عرفت عنايتَك بما أعنى به، وأنك لم تكن لتنصرف أو تعلمني ما رأيت منه، وعلمتُ أنَّك تكره أن تُرى واقفًا في مثل هذا الوقت، وليس في طريقك موضع أستر من هذا الموضع، فقضيتُ بأنك فيه، قلت: نعم، قال: فهاتِ ما عندك، قلت: رأيت الرّجل يهزل إذا جددتَ، ويجدّ إذا هزلتَ. قال: كذا هو عندي، فانصرف يا حبيبي. قال: فانصرفت.
قال: وحدّثني عليّ بن سليمان أنه سمع جعفر بن يحيى يومًا يقول: ليس لدارنا هذه عيب؛ إلا أن صاحبها فيها قليل البقاء - يعني نفسه.
وذكر عن موسى بن يحيى، قال: خرج أبي إلى الطواف في السنة التي أصيب فيها، وأنا معه من بين ولده، فجعل يتعلّق بأستار الكعبة، ويردّد الدعاء، ويقول: اللهمّ ذنوبي جمّة عظيمة لا يحصيها غيرُك، ولا يعرفها سواك. اللهمّ إن
стр. 5070
كنت تعاقبني فاجعل عقوبتي في الدنيا؛ وإن أحاط ذلك بسمعي وبصري، ومالي وولدي، حتى تبلغ رضاك، ولا تجعل عقوبتي في الآخرة.
قال: وحدّثني أحمد بن الحسن بن حرب، قال: رأيتُ يحيى وقد قابل البيت، وتعلق بأستار الكعبة، وهو يقول: اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبَني نعمتك عندي فاسلبني، اللهمّ إن كان رضاك في أن تسلبَني أهلي وولدي فاسلبني؛ اللهمّ إلا الفضل. قال: ثم ولّى ليمضي؛ فلما قرب من باب المسجد كرّ مسرعًا، ففعل مثَل ذلك، وجعل يقولُ: اللهمّ إنه سمِجٌ بمثلي أن يرغب إليك ثم يستثني عليك ... اللهم والفضل. قال: فلما انصرفوا من الحجّ نزلوا الأنبار، ونزل الرشيد بالعُمْر ومعه وليّا العهد؛ الأمين والمأمون، ونزل الفضل مع الأمين، وجعفر مع المأمون، ويحيى في منزل خالد بن عيسى كاتبه، ومحمد بن يحيى في منزل ابن نوح صاحب الطِّراز، ونزل محمد بن خالد مع المأمون بالعُمر مع الرشيد، قال: وخلا الرشيد بالفضل ليلًا، ثم خلع عليه وقلّده، وأمره أن ينصرف مع محمد الأمين، ودعا بموسى بن يحيى فرضِيَ عنه وكان غضب عليه بالحيرة في بدأته، لأن علي بن عيسى بن ماهان اتهمه عند الرشيد في أمر خُراسان وأعلمه طاعة أهلها له، ومحبتهم إياه، وأنه يكاتبهم ويعمل على الانسلال إليهم والوثوب به معهم؛ فوقر ذلك في نفس الرّشيد عليه وأوحشه منه؛ وكان موسى أحد الفرسان الشجعان، فلما قدح عليّ بن عيسى فيه أسرع ذلك في الرشيد، وعمل فيها القليل منه، تم ركب موسى دَيْنٌ، واختفى من غرمائه، فتوهّم الرشيد أنه صار إلى خراسان؛ كما قيل له، فلما صار إلى الحيرة في هذه الحجّة وافاه موسى من بغداد، فحبسه الرشيد عند العباس بن موسى بالكوفة؛ فكان ذلك أول ثلمة ثُلموا بها؛ فركبت أمّ الفضل بن يحيى في أمره، ولم يكن يردّها في شيء، فقال: يضمنه أبوه فقد رُفع إليّ فيه، فضمنه يحيى ودفعه إليه، ثم رضي عنه، وخلع عليه، وكان الرشيد قد عتب على الفضل بن يحيى، وتقل مكانه عليه لتركه الشّرب معه؛ فكان الفضل يقول: لو علمتُ أن الماء ينقص من مروءتي ما شربته؛ وكان مشغوفًا بالسماع. قال: وكان جعفر يدخل في منادمة الرشيد؛ حتى كان أبوه ينهاه عن منادمته، ويأمره بترك الأنس به، فيترك أمرَ أبيه، ويدخل معه فيما يدعوه إليه.
стр. 5071
وذكر عن سعيد بن هريم أنّ يحيى كتب إلى جعفر حين أعيتْه حيلته فيه: إني إنما أهملتك ليعثر الزّمان بك عثرة تعرف بها أمرك؛ وإن كنت لأخشى أن تكون التي لا شوَى لها. قال: وقد كان يحيى قال للرشيد: يا أمير المؤمنينَ، أنا والله أكره مداخلة جعفر معك؛ ولست آمن أن ترجع العاقبة في ذلك عليّ منك، فلو أعقبته واقتصرت به على ما يتولّاه من جسيم أعمالك، كان ذلك واقعًا بموافقتي، وآمن لك عليّ. قال الرّشيد: يا أبت ليس بك هذا؛ ولكنك إنما تريد أن تقدّم عليه الفضل.
وقد حدثني أحمد بن زبير - أحسِبه عن عمّه زاهر بن حرب - أنّ سبب هلاك جعفر والبرامكة أن الرّشيد كان لايصبر عن جعفر وعن أخته عباسة بنت المهديّ، وكان يُحضرهما إذا جلس للشرب؛ وذلك بعد أن أعلم جعفرًا قلّةَ صبره عنه وعنها، وقال لجعفر: أزوّجكُها ليحل لك النظر إليها إذا أحضرتها مجلسي، وتقدّم إليه ألا يمسَّها، ولا يكون منه شيء مما يكون للرجل إلى زوجته؛ فزوّجها منه على ذلك، فكان يُحضرهما مجلسه إذا جلس للشرب، ثم يقوم عن مجلسه ويُخليها، فيثْمُلان من الشراب، وهما شابّان، فيقوم إليها جعفر فيجامعها، فحملت منه وولدت غلامًا، فخافت على نفسها من الرّشيد إن علم بذلك، فوَجّهت بالمولود مع حَواضِنَ له من مماليكها إلى مكّة، فلم يزل الأمر مستورًا عن هارون، حتى وقع بين عباسة وبين بعض جواريها شرّ، فأنهت أمرَها وأمر الصبيّ إلى الرشيد، وأخبرته بمكانه؛ ومع مَن هو من جواريها، وما معه من الحلْي الذي كانت زيَّنته به أمه؛ فلما حجّ هارون هذه الحَجْة، أرسل إلى الموضع الذي كانت الجارية أخبرته أن الصبيّ به مَنْ يأتيه بالصبيّ وبمَنْ معه من حواضنه، فلمَّا أحضِروا سأل اللواتي معهنّ الصبيّ، فأخبرنَه بمثل القصة التي أخبرتْه بها الرافعة على عبَّاسة، فأراد - فيما زُعم - قتلَ الصبيّ، ثم تحوّب من ذلك (١).
стр. 5072
وكان جعفر يتَّخذ للرشيد طعامًا كلما حجّ بعُسفان فيقربه إذا انصرف شاخصًا من مكة إلى العراق، فلما كان في هذا العام، اتّخذ الطعام جعفر كما كان يتخذه هنالك، ثم استزاره فاعتلّ عليه الرشيد، ولم يحضر طعامه، ولم يزل جعفر معه حتى نزل منزله من الأنبار؛ فكان من أمره وأمر أبيه ما أنا ذاكر إن شاء الله تعالى.
* * *
ذكر الخبر عن مقتل جعفر
ذكر الفضل بن سليمان بن عليّ أن الرشيد حجّ في سنة ست وثمانين ومائة.
وأنه انصرف من مكة، فوافى الحِيرة في المحرّم من سنة سبع وثمانين ومائة عند انصرافه من الحجّ، فأقام في قصر عون العِباديّ أيامًا، ثم شخص في السّفن حتى نزل العُمْر الذي بناحية الأنبار، فلما كان ليلة السبت لانسلاخ المحرّم، أرسل مسرورًا الخادم ومعه حمّاد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند،
стр. 5073
فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلًا، ودخل عليه مسرور وعنده ابن بختيشوع المتطبّب وأبو زكّار الأعمى المغنِّي الكلوذانيّ، وهو في لهوه، فأخرجه إخراجًا عنيفًا يقوده، حتى أتى به المنزل الذي فيه الرّشيد، فحبسه وقيَّده بقيد حمار، وأخبر الرشيد بأخذه إياه ومجيئه به، فأمر بضرب عنقه، ففعل ذلك.
وذكر عن عليّ بن أبي سعيد أن مسرورًا الخادم، حدثه قال: أرسلني الرشيد لآتيه بجعفر بن يحيى لَمَّا أراد قتله، فأتيته وعنده أبو زكّار الأعمى المغنّي وهو يغنيّه:
فلا تَبْعَد فكلُّ فتىً سيأْتي ... عليه الموتُ يَطرق أَو يغادِي
قال: فقلت له: يا أبا الفضل، الذي جئت له من ذلك قد والله طرقك، أجبْ أمير المؤمنين. قال: فرفع يديْه، ووقع على رجليّ يقبلهما، وقال: حتى أدخل فأوصي، قلت: أما الدّخول فلا سبيل إليه، ولكن أوْصِ بما شئت، فتقدّم في وصيَّته بما أراد، وأعتق مماليكه، ثم أتتني رسلُ أمير المؤمنين تستحثُّني به، قال: فمضيتُ به إليه فأعلمته، فقال لي وهو في فراشه: ائتني برأسه، فأتيت جعفرًا فأخبرته، فقال: يا أبا هاشم، الله الله! والله ما أمرك بما أمرك به إلا وهو سكران؛ فدافعْ بأمري حتى أصبح أؤامِره فيّ ثانية، فعدت لأؤامره، فلما سمع حسّي، قال: يا ماصّ بَظْر أمّه، ائتني برأس جعفر! فعدتُ إلى جعفر، فأخبرته، فقال: عاوده فيّ ثالثة، فأتيته، فحذفني بعمود ثم قال: نُفيت من المهديّ إن أنت جئتَني ولم تأتني برأسه، لأرسلنّ إليك مَنْ يأتيني برأسك أولًا، ثم برأسه آخرًا. قال: فخرجت فأتيته برأسه.
قال: وأمر الرشيد في تلك الليلة بتوجيه من أحاط بيحيى بن خالد وجميع ولده ومواليه، ومن كان منهم بسبيل، فلم يفلت منهم أحد كان حاضرًا، وحوّل الفضل بن يحيى ليلًا فحُبس في ناحية من منازل الرّشيد، وحُبس يحيى بن خالد في منزله، وأخذ ما وجد لهم من مال وضياع ومتاع وغير ذلك، ومنع أهل العسكر من أن يخرج منهم خارج إلى مدينة السلام أو إلى غيرها، ووجّه من ليلته رَجَاء الخادم إلى الرَّقة في قبض أموالهم وما كان لهم؛ وأخذ كل ما كان من رقيقهم وحشمهم، وولاه أمورهم، وفرّق الكتب من ليلته إلى جميع العمَّال في نواحي البلدان والأعمال بقبض أموالهم، وأخذ وكلائهم. فلمّا أصبح بعث بجُثَّة
стр. 5074
جعفر بن يحيى مع شعبة الخفتانيّ وهَرْثمَة بن أعْيَن وإبراهيم بن حميد المَرْورُّوذيّ، وأتبعهم عدّةً من خدمه وثقاته؛ منهم مسرور الخادم إلى منزل جعفر بن يحيى، وإبراهيم بن حميد وحسين الخادم إلى منزل الفضل بن يحيى، ويحيى بن عبد الرحمن ورشيد الخادم إلى منزل يحيى ومحمد بن يحيى، وجعل معه هرثمة بن أعين، وأمر بقبض جميع ما لهم، وكتب إلى السنديّ الحرشي بتوجيه جيفة جعفر إلى مدينة السلام، ونصْب رأسه على الجسر الأوسط وقطْع جثّته، وصلْب كلّ قطعة منها على الجسر الأعلى والجسر الأسفل. ففعل السنديّ ذلك، وأمضى الخدم ما كانُوا وجّهوا فيه، وحمل عدة من أولاد الفضل وجعفر ومحمد الأصاغر إلى الرّشيد، فأمر بإطلاقهم، وأمر بالنداء في جميع البرامكة: ألّا أمان لمن آواهم إلا محمد بن خالد وولده وأهله وحشمه؛ فإنه استثناهم؛ لما ظهر من نصيحة محمد له، وعَرَفَ براءته ممَّا دخل فيه غيره من البرامكة. وخلّى سبيل يحيى قبل شخوصه من العُمْر، ووكَّل بالفضل ومحمد وموسى بني يحيى، وبأبي المهديّ صهرهم حَفظةً من قِبل هَرْثمَة بن أعين، إلى أن وافَى بهم الرّقة، فأمر الرشيد بقتل أنس بن أبي شيْخ يوم قدِم الرّقة، وتولَّى قتله إبراهيم بن عثمان بن نهيك، ثم صلب. وحُبِس يحيى بن خالد مع الفضل ومحمد في دَير القائم، وجعل عليهم حفظة من قِبل مسرور الخادم وهَرْثمة بن أعين، ولم يفرّق بينهم وبين عدّة من خدمهم، ولا ما يحتاجون إليه، وصيّر معهم زُبيدة بنت مُنير أمّ الفضل ودَنانير جارية يحيى وعدّة من خَدَمهم وجواريهم. ولم تزل حالهم سهلة إلى أن سخط الرشيد على عبد الملك بن صالح، فعمّهم بالتثقيف بسخطه، وجُدّد له ولهم التّهمة عند الرّشيد، فضيّق عليهم.
وذكر الزبير بن بكار أنّ جعفر بن الحسين اللِّهبِيّ حدثه أن الرشيد أُتِيَ بأنس بن أبي شيخ صبح الليلة التي قتل فيها جعفر بن يحيى، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج الرشيد سيفًا من تحت فراشه، وأمر أن تضرَب عنقه، وجعل يتمثَّل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك:
تَلَمَّظَ السَّيْفُ من شوْق إِلى أَنسٍ ... فَالسيف يَلحَظُ وَالأَقدارُ تَنْتَظِرُ
قال: فضرب عنقه، فسبق السيف الدم، فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب. وقال الناس: إن السيف كان سيف الزبير بن العوام.
стр. 5075
وذكر بعضهم أن عبد الله بن مُصعب كان على خَبر الناس للرشيد، فكان خبره عن أنس أنه على الزندقة، فقتله لذلك، وكان أحد أصحاب البرامكة.
وذكر محمد بن إسحاق أنّ جعفر بن محمد بن حكيم الكوفيّ، حدّثه قال: حدّثني السنديّ بن شاهك، قال: إني لجالسٌ يومًا، فإذا أنا بخادم قد قدم على البريد، ودفع إليَّ كتابًا صغيرًا، ففضضته، فإذا كتاب الرشيد بخطه فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم: يا سنديّ، إذا نظرت في كتابي هذا، فإن كنت قاعدًا فقم، وإن كنت قائمًا فلا تقعد حتى تصير إليّ. قال السنديّ: فدعوت بدوابي، ومضيت، وكان الرشيد بالعُمر؛ فحدّثني العباس بن الفضل بن الربيع، قال: جلس الرّشيد في الزوّ في الفرات ينتظرك، وارتفعت غبرةٌ، فقال لي: يا عباس، ينبغي أن يكون هذا السنديّ وأصحابه! قلت: يا أمير المؤمنين، ما أشبهه أن يكون هو! قال: فطلعت. قال: السنديّ: فنزلت عن دابتي، ووقفت، فأرسل إليّ الرشيد فصرت إليه، ووقفت ساعة بين يديه، فقال لمن كان عنده من الخدم: قوموا، فقاموا فلم يبقَ إلّا العباس بن الفضل وأنا، ومكث ساعة، ثم قال للعباس: اخرج ومُرْ برفع التخاتج المطروحة على الزّوّ، ففعل ذلك، فقال لي: ادنُ مني: فدنوت منه، فقال لي: تدري فيمَ أرسلت إليك؟ قلت: لا والله يا أمير المؤمنين، قال: قد بعثت إليك في أمر لو علم به زرّ قميصي رميتُ به في الفرات، يا سندي مَنْ أوثق قوَّادي عندي؟ قلت: هرثمة، قال: صدقت، فمن أوثق خدمي عندي؟ قلت: مسرور الكبير، قال: صدقت، امض من ساعتك هذه وجدّ في سيرك حتى توافي مدينةَ السلام، فاجمع ثقات أصحابك وأرباعك، ومُرهم أن يكونوا وأعوانهم على أهبة فإذا انقطعت الزُّجَل، فصر إلى دور البرامكة، فوكل بكلّ باب من أبوابهم صاحب ربع، ومرْه أن يمنع مَنْ يدخل ويخرج - خلا باب محمد بن خالد - حتى يأتيَك أمري. قال: ولم يكن حرّك البرامكة في ذلك الوقت. قال السنديّ: فجئت أركض، حتى أتيت مدينة السلام، فجمعت أصحابي، وفعلت ما أمرني به. قال: فلم ألبث أن أقدم عليّ هرثمة بن أعين، ومعه جعفر بن يحيى على بغل بلا أكاف، مضروب العنق، وإذا كتاب أمير المؤمنين يأمرني أن أشطره باثنين؛ وأن أصلبه على ثلاثة جسور. قال: ففعلت ما أمرني به.
стр. 5076
قال محمد بن إسحاق: فلم يزل جعفر مصلوبًا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خُراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلما صار بالجانب الشرقيّ على باب خزيمة بن خازم، دعا بالوليد بن جُشم الشاري من الحبْس، وأمر أحمد بن الجنيد الخُتّليّ - وكان سيّافه - فضرب عنقه، ثم التفت إلى السنديّ، فقال: ينبغي أن يحرق هذا - يعني جعفرًا - فلما مضى، جمع السنديّ له شوكًا وحطبًا وأحرقه.
وقال محمد بن إسحاق: لما قتل الرّشيد جعفر بن يحيى، قيل ليحيى بن خالد: قتل أمير المؤمنين ابنَك جعفرًا، قال: كذلك يُقتَل ابنُه، قال: فقيل له: خربت ديارك، قال: كذلك تُخرَب دورهم.
وذكر الكرمانيّ أن بشارًا التركيّ حدّثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعُمْر في اليوم الذي قتل جعفرًا في آخره؛ فكان ذلك اليوم يوم جمعة، وجعفر بن يحيى معه، قد خلَا به دون ولاة العهد، وهو يسير معه، وقد وضع يده على عاتقه؛ وقبل ذلك ما غلَّفه بالغالية بيد نفسه؛ ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب، فلما أراد الدخول ضمَّه إليه، وقال له: لولا أني على الجلوس الليلة مع النّساء لم أفارقك، فأقم أنت في منزلك، واشرب أيضًا واطرب؛ لتكون أنت في مثل حالي، فقال: لا والله ما أشتهي ذلك إلّا معك، فقال له: بحياتي لما شربت؛ فانصرف عنه إلى منزله؛ فلم تزل رسُل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين؛ حتى ذهب الليل. ثم بعث إليه مسرورًا فحبس عنده، وأمر بقتله وحَبْس الفضل ومحمد وموسى، ووكَّل سلامًا الأبرش بباب يحيى بن خالد، ولم يعرض لمحمد بن خالد ولا لأحدٍ من ولده وحَشمه.
قال: فحدثني العباس بن بزيع عن سلّام، قال: لمّا دخلت على يحيى في ذلك الوقت - وقد هُتكت الستور وجُمع المتاع - قال لي: يا أبا سلمة؛ هكذا تقوم الساعة! قال سلّام: فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه، فأطرق مفكّرًا (١).
قال: وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن عليّ، قال: كان سكني إلى يحيى، فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشيَّة التي كان آخر أمره،
стр. 5077
وقد صار إلى أمير المؤمنين في حَرّاقته، فدخل إليه من باب صاحب الخاصّة، فكلَّمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاخ الثغور وغزو البحر، ثم خرج، فقال للناس: قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم، وبعث إلى أبي صالح يحيى بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك، ثم لم يزل يحدّثنا عن أبي مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب، ووافانا في وقت السّحَر خبرُ مقتل جعفر وزوال أمرهم. قال: فكتبت إلى يحيى أعزّيه، فكتب إليّ: أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد. وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد.
وفي ذلك يقول الرّقاشيّ:
أَيا سَبْتُ يا شرّ السُّبوتِ صَبيحةً ... ويا صفَرُ الَمشْؤُوم ما جئتَ أَشأَما
أَتَى السَّبْتُ بالأَمْرِ الَّذي هَدَّ ركنَنا ... وفي صَفَرٍ جاءَ البلاءُ مُصَمّما
قال: وذُكر عن مسرور أنه أعلم الرّشيد أن جعفرًا سأله أن تقع عينه عليه، فقال: لا، لأنه يعلم إن وقعت عيني عليه لم أقتله.
* * *
[ما قيل في البرامكة من الشعر بعد زوال أمرهم]
قال: وفيهم يقول الرّقاشيّ، وقد ذكر أن هذا الشعر لأبي نواس:
الآنَ استرحنا واستراحت ركابُنَا ... وأَمسَكَ من يُجْدِي ومن كانَ يَجْتَدِي
فَقُلْ لِلمَطَايا قد أَمِنتِ من السُّرَى ... وطَيّ الفيافي فَدْفَدًا بعدَ فَدفَدِ
وقُلْ للمَنايا: قد ظَفِرتِ بجَعْفرٍ ... ولن تَظفَرِي من بعدهِ بمُسَوَّدِ
وقُلْ للعطايا بَعدَ فضلٍ تَعَطَّلِي ... وقُلْ للرزايا كلَّ يومٍ تجَدَّدي
ودُونَكِ سيفًا برمكيًّا مُهَنَّدًا ... أُصيبَ بسيفٍ هاشميٍّ مُهَنَّدِ
وفيهم يقول في شعر له طويل:
إِن يغدُر الزَّمَنُ الخَؤون بنا فَقدْ ... غَدَرَ الزَّمَان بجعفرٍ ومُحَمَّدِ
حَتَّى إِذا وضح النهارُ تكشَّفَتْ ... عن قتلِ أَكْرَمِ هَالك لم يُلحَدِ
والبيضُ لوْلا أَنَّهَا مأْمُورةٌ ... ما فُلَّ حدُّ مُهَنَّدٍ بمهنَّد
يا آلَ برمَكَ كَمْ لكُمْ من نائِلٍ ... ونَدىً، كَعَدِّ الرَّملِ غيْرَ مُصَرَّدِ
стр. 5078
إِنَّ الخليفةَ - لا يُشكُّ - أَخوكُمُ ... لكنَّه في برمَكٍ لم يُولَدِ
نازعتموه رضاعَ أَكرم حُرَّةٍ ... مخلوقَةٍ من جَوْهرٍ وزبرجدِ
مَلكٌ له كانت يدٌ فَيَّاضَةٌ ... أَبدًا تَجودُ بطارفٍ وبمُتلَدِ
كانت يدًا للجودِ حتى غلَّها ... قَدَرٌ فأَضحى الجود مغلولَ اليدِ
وفيهم يقول سيف بن إبراهيم:
هوَت أَنجُمُ الجَدوَى وشَلَّت يدُ النَّدَى ... وغاضَت بُحورُ الجودِ بعدَ البرامِكِ
هوت أَنجمٌ كانت لأَبناء برمكٍ ... بها يعرِفُ الحادي طريقَ المسالكِ
وقال ابن أبي كريمة:
كلُّ مُعيرٍ أعِيرَ مَرتَبَةً ... بعدَ فتى برمكٍ على غَرَرِ
صالَت عليه من الزمان يدٌ ... كان بها صائلًا على البَشرِ
وقال العطويّ أبو عبد الرحمن:
أَمَا والله لولَا قولُ واشٍ ... وعَينٌ للخليفة لا تنامُ
لطُفْنَا حَوْلَ جِذعكَ واستلَمْنا ... كما للنَّاس بالحَجِر اسْتلامُ
علَى الدنيا وَساكنِها جميعًا ... وَدَوْلَةِ آل برمكٍ السّلامُ
وفي قتل جعفر قال أبو العتاهة:
قُولا لمنْ يَرْتَجِي الحياةَ أمَا ... في جَعْفرٍ عِبرَةٌ وَيَحياهُ!
كانَا وَزيرَيْ خليفة الله ها ... رونَ همَا ما هما خليلَاهُ
فذاكُم جعفرٌ برُمَّتِهِ ... في حالق رَأسُهُ ونِصفاهُ
والشيخُ يحيى الوزيرُ أَصبحَ قد ... نحَّاهُ عن نفْسِه وَأَقصاهُ
شُتِّتَ بعدَ التجميع شملُهُمُ ... فأَصْبَحُوا في البلاد قد تاهُوا
كذاكَ مَن يُسْخِطِ الإِلَه بما ... يُرضِي به العبدَ يَجزهِ اللهُ
سبْحانَ من دانَتِ الملوك له ... أَشهدُ أَن لا إله إِلا هُو
طُوبَى لمن تابَ بعدَ غِرَّتِهِ ... فتابَ قبلَ المماتِ، طُوبَاهُ!
* * *
قال: وفي هذه السنة هاجت العصبيّة بدمشق بين المضريَّة واليمانية، فوجَّه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم.
وفيها زُلزلت المَصِّيصة فانهدم بعض سورها، ونضب ماؤهم ساعة الليل.
стр. 5079
وفيها خرج عبد السلام بآمِد، فحكّم، فقتله يحيى بن سعيد العُقَيْليّ.
وفيها مات يعقوب بن داود بالرّقَّة.
وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه.
* ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه:
ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ عبد الملك بن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن، كان من رجال الناس، وكان عبد الملك يكنى به؛ وكان لابنه عبد الرحمن لسان، على فأفأة فيه، فنصب لأبيه عبد الملك وقُمامة، فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع؛ فذُكر أن عبد الملك بن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه، فقال له الرّشيد: أكفرًا بالنعمة، وجحودًا لجليل المنّة والتكرمة! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لقد بؤتُ إذًا بالندم، وتعرّضت لاستحلال النِّقم؛ وما ذاك إلا بغيُ حاسد نافسني فيك مودّة القرابة وتقديم الولاية. إنّك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله ﷺ في أمَّته، وأمينُه على عِترته، لك فيها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدْل في حكمها والتثبّت في حادثها، والغفران لذنوبها. فقال له الرشيد: أتَضع لي من لسائك، وترفع لي من جنانك! هذا كاتبك قُمامة يخبر بغلّك، وفساد نيتك، فاسمع كلامه. فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده؛ ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني. وأحضِر قُمامة، فقال له الرشيد: تكلَّم غير هائب ولا خائف، قال: أقول: إنه عازم على الغدْر بك والخلاف عليك، فقال عبد الملك: أهو كذاك يا قمامة! قال قمامة: نعم، لقد أردتَ ختْل أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: كيف لا يكذِب عليّ من خلفي وهو يبهتني في وجهي! فقال له الرّشيد: وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك وفساد نيَّتك، ولو أردتُ أن أحتجّ عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك، فبم تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك بن صالح: هو مأمور، أو عاقّ مجبور؛ فإن كان مأمورًا فمعذور، وإن كان عاقًّا ففاجر كفور؛ أخبر الله بعداوته، وحذّر
стр. 5080
منه بقوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١).
قال: فنهضَ الرشيد، وهو يقول: أمّا أمرك فقد وَضح؛ ولكني لا أعجَل حتى أعلم الذي يُرضي الله فيك؛ فإنه الحكم بيني وبينك. فقال عبد الملك: رضيتُ بالله حكَمًا، وبأمير المؤمنين حاكمًا؛ فإني أعلم أنه يُؤثر كتابَ الله على هواه، وأمرَ الله على رضاه.
قال: فلما كان بعد ذلك جلس مجلسًا آخر، فسلَّم لما دخل، فلم يردّ عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يومًا أحتجّ فيه، ولا أجاذب منازعًا وخصمًا. قال: ولمَ؟ قال: لأنّ أوله جرى على غير السنَّة؛ فأنا أخاف آخره. قال: وما ذاك؟ قال: لم تردّ عليّ السلام، أنصفْ نَصفة العوام. قال: السلام عليكم؛ اقتداء بالسنة، وإيثارًا للعدل، واستعمالًا للتحية. ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر، فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك:
أريدُ حيَاتَهُ ويُريدُ قتلى .... البيت.
ثم قال: أما والله لكأني أنظرُ إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع؛ وكأني بالوعيد قد أورى نارًا تَسْطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم؛ فمهلًا؛ فَبِي والله سُهِّل لكم الوعْر، وصفاْ لكمِ الكدر، وألقت إليكم الأمورُ أثناء أزمَّتها، فنذار لكم نذار، قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرِّجْل. فقال عبد الملك: اتقّ الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلتُ لك النصيحة، ومحضتُ لك الطاعة، وشددت أواخِيَ ملكك بأثقل من رُكْنيْ يَلمْلَم، وتركتُ عدوّك مشتغلًا فالله اللهَ في ذي رحمِك أن تقطَعه، بعد أن بللتَه بظنّ أفصح الكتابُ لي بعضَه، أو ببغي باغ ينهس اللحم، ويالَغُ الدم، فقد والله سهّلتُ لك الوعور، وذَلّلت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من ليلِ تمام فيك كابدْتُه، ومقام ضيّق قمته؛ كنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب:
وَمَقامٍ ضَيّق فَرَجتُه ... بِبَناني وَلساني وَجَدَلْ