← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 5111–5150 · переход к 5116.

стр. 5111

ويلك! عمَدت إلى شيء منعتُه نفسي، وآثرتُ به سيدي فأخذتَه! فقال: أمَّه فاعلة إن دهن بها إلا استه! قال: فضحك الرشيد، ثم وثب ابن أبي مريم، فألقى طرف قميصه على رأسه، وأدخل يده في البَرْنيَّة، فجعل يخرج منها ما حملت يده، فيضعه في استه مرَّة وفي أرفاغه ومغابنه أخرى، ثم سوَّد بها وجهَه ورأسه وأطرافه، حتى أتى على جميع جوارحه، وقال لخاقان: أدخل إليَّ غلامي، فقال الرشيد وما يعقل مما هو فيه من الضحك، ادعُ غلامه، فدعاه، فقال له: اذهب بهذه الباقية، إلى فلانة، امرأته، فقل لها: ادهني بهذا حِرَك إلى أن أنصرف فأنيكك. فأخذها الغلام ومضى، والرَّشيد يضحك، فذهب به الضحك. ثم أقبل على العبَّاس فقال: والله أنت شيخ أحمق، تجيء إلى خليفة الله فتمدح عنده غالية! أما تعلم أنَّ كلَّ شيء تمطر السماء وكلَّ شيء تخرج الأرض له، وكلَّ شيء هو في الدُّنيْا فملك يده، وتحت خاتمه وفي قبضته! وأعجبُ من هذا أنه قيل لملك الموت: انظر كلَّ شيء يقول لك هذا فأنفذه، فمثل هذا تُمْدح عنده الغالية، ويخطب فيِ ذكرها، كأنه بقَّال أو عطار أو تمَّار! قال: فضحك الرشيد حتى كاد ينقطع نَفسهُ، ووصل ابن أبي مريم في ذلك اليوم بمائة ألف درهم (١). وذكر عن زيد بن عليّ بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: أراد الرشيد أن يشرب الدَّواء يومًا، فقال له ابن أبي مريم: هل لك أن تجْعلَني حاجبك غدًا عند أخذك الدواء؛ وكل شيء أكسبه فهو بيني وبينك؟ قال: أفعلُ، فبعث إلى الحاجب: الزمْ غدًا منزلك؛ فإني قد ولَّيت ابن أبي مريم الحجابة. وبكَرَ بن أبي مريم، فوضع له الكرسيَّ، وأخذ الرَّشيد دواءه، وبلغ الخبر بِطانتَه، فجاء رسول أم جعفر يسأل عن أمير المؤمنين وعن دوائه، فأوصله إليه، وتعرَّف حالَه وانصرف بالجواب، وقال للرسول: أعلْمِ السيدة ما فعلتُ في الإذن لك قبل الناس؛ فاعلمَها، فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد، ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل، ففعل كذلك، فبعث إليه كلَّ واحد من البرامكة بصلَة جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فردَّه ولم يأذن له، وجاءت رسلُ القواد والعظماء؛ فما أحد سهَّل إذنه إلا بعث إليه بصلة

стр. 5112

جزيلة؛ فما صار العصر حتى صار إليه ستون ألف دينار، فلما خرج الرشيد من العلَّة، ونقيَ بدنه من الدواء دعاه، فقال له: ما صنعت في يومك هذا؟ قال: يا سيدي، كسبت ستين ألف دينار، فاستكثرها وقال: وأين حاصلي؟ قال: معزول، قال: قد سوَّغناك حاصلنا؛ فأهد إلينا عشرة آلاف تفاحة، ففعل، فكان أربح مَن تاجره الرشيد (١). وذكر عن إسماعيل بن صَبيح، قال: دخلتُ على الرشيد، فإذا جارية على رأسه، وفي يدها صحيفة ومِلْعقة في يدها الأخرى، وهي تلعقه أولًا فأولًا، قال: فنظرت إلى شيء أبيض رقيق فلم أدر ما هو! قال: وعلم أنِّي أحبُّ أن أعرفَه، فقال: يا إسماعيل بن صَبيح، قلت: لبيك يا سيدي، قال: تدري ما هذا؟ قلت: لا، قال: هذا جشيش الأرز والحنطة وماء نُخالة السميد؛ وهو نافع للأطراف المعوجَّة وتشنيج الأعصاب ويصفِّي البشرة، ويذهب بالكلَف، ويسمِّن البدن، ويجلُو الأوساخ. قال: فلم تكن لي همَّة حين انصرفت إلا أن دعوت الطباخ؛ فقلت: بكِّرْ عليَّ كلَّ غداة بالجشيش، قال: وما هو؟ فوصفت له الصِّفة التي سمعتها. قال: تضجر من هذا في اليوم الثالث، فعمِله في اليوم الأول فاستطبتُه، وعمله في اليوم الثاني فصار دونه، وجاء به في اليوم الثالث، فقلت: لا تُقدِّمه. وذُكر أنَّ الرشيد اعتلَّ علة، فعالجه الأطباء، فلم يجد من عِلَّته إفاقة، فقال له أبو عمر الأعجميُّ: بالهند طبيب يقال له مَنكه، رأيتهم يقدِّمونه على كلِّ من بالهند؛ وهو أحد عُبَّادهم وفلاسفتهم، فلو بعث إليه أمير المؤمنين لعلَّ الله أن يبعث له الشفاء على يده! قال: فوجَّه الرَّشيد من حمله، ووجَّه إليه بصلة تعينه على سفره. قال: فقدم فعالج الرشيد فبرئ من علته بعلاجه، فأجرى له رزقًا واسعًا وأموالًا كافية، فبينا مَنْكَه مارًا بالخُلْد؛ إذا هو برجل من المانيِّين قد بسط كساءه، وألقى عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء عنده معجونًا، فقال في صفته: هذا دواء للحمَّى الدائمة وحمَّى الغِبِّ وحمَّى الربع، والمثلثة؛ ولوجع الظهر والركبتين والبواسير والرياح، ولوجع المفاصل ووجع العينين، ولوجع

стр. 5113

البَطْن والصُّداع والشقيقة ولتقطير البول والفالج والارتعاش؛ فلم يدَعْ عِلة في البَدَن إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاء منها، فقال مَنْكهَ لترجمانه: ما يقول هذا؟ فترجم له ما سمع، فتبسَّم مَنْكَه، وقال: على كلِّ حال ملك العرب جاهل؛ وذاك أنه إنْ كان الأمر على ما قال هذا، فلمَ حملني من بلادي، وقطعني عن أهلي، وتكلَّف الغليظَ من مؤنتي، وهو يجد هذا نصب عينيه وبإزائه! وإن كان الأمر ليس كما يقول هذا فلم لا يقتله! فإن الشريعة قد أباحت دمه ودم مَنْ أشبهه؛ لأنه إن قُتل، فإنما هي نفس يحيا بقتلها خلْق كثير؛ وإن ترك هذا الجاهل قَتلَ في كلِّ يوم نفسًا، وبالحَري أن يقتل اثنتين وثلاثًا وأربعًا في كلِّ يوم؛ وهذا فساد في التدبير، ووهن في المملكة. وذُكر أنَّ يحيى بن خالد بن برمك ولَّى رجلًا بعض أعمال الخراج بالسَّوَاد، فدخل إلى الرشيد يودِّعه؛ وعنده يحيى وجعفر بن يحيى، فقال الرشيد ليحيى وجعفر: أوصياه، فقال له يحيى: وَفِّرْ واعمرْ، وقال له جعفر: أنصِفْ وانتصف، فقال له الرشيد: اعدْل وأحسنْ. وذكر عن الرشيد أنه غضب على يزيد بن مزيد الشيبانيِّ، ثم رضي عنه، وأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ الحمد لله الذي سهَّل لنا سبيل الكرامة، وحلَّ لنا النِّعمة بوجه لقائك، وكشف عنا صُبابة الكرب بإفضالك، فجزاك الله في حالِ سخطك رضا المنيبين، وفي حال رضاك جزاء المنعمين الممتنِّين المتطوِّلين؛ فقد جعلك الله وله الحمد، تتثبَّتُ تحرُّجًا عند الغضب، وتتطوَّل ممتنًا بالنعم، وتعفو عن المسيء تفضُّلًا بالعفو. وذكر مصعب بن عبد الله الزبيري أن أباه عبد الله بن مصعب أخبره أنَّ الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، طعن عليه ناس؛ وكان معه ناس؛ فأما الذين طعنوا عليه فتفرَّقوا عنه؛ فهم أنواع الشِّيَع، وأهل البِدعَ، وأنواع الخوارج؛ وأما الذين كانوا معه فهم أهلُ الجماعة إلى اليوم. فقال لي: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا. قال مصعب: وقال أبي - وسألني عن منزلة أبي بكر وعمر كانت من رسول الله ﷺ ؛ فقلت له: كانت منزلتهما في حياته منه منزلتَهما في ممَاته، فقال: كفيتني ما أحتاج إليه.

стр. 5114

قال: وُوُلِّيَ سلَام، أو رشيد الخادم - بعض خدَّام الخاصة - ضياعَ الرَّشيد بالثغور والشأمات، فتواترت الكتب بحسن سيرته وتوفيره وحمد الناس له، فأمر الرَّشيد بتقديمه والإحسان إليه، وضمِّ ما أحب أن يضمَّ إليه من ضياع الجزيرة ومصر. قال: فقدم فدخل عليه وهو يأكل سَفَرْجلًا قد أتى به من بلْخ؛ وهو يقشِّرهُ ويأكل منه، فقال له: يا فلان، ما أحسن ما انتهى إلى مولاك عنك، ولك عنده ما تحبُّ، وقد أمرت لك بكذا وكذا، ووليتك كذا وكذا، فسل حاجَتك، قال: فتكلَّم وذكر حسنَ سيرته، وقال: أنسَيْتُهم والله يا أمير المؤمنين سيرةَ العُمرين، قال: فغضبط واستشاط، وأخذ سفرجلة فرماه بها، وقال: يابن اللخناء، العمريْن، العمريْن، العمرين! هبنا احتملناها لعمر بن عبد العزيز، نحتملها لعمر بن الخطاب! وذكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حدَّثه، عن الضَّحاك بن عبد الله، وأثنى عليه خيرًا؛ قال: أخبرني بعضُ ولد عبد الله بن عبد العزيز، قال: قال الرَّشيد: والله ما أدري ما آمُر في هذا العُمَريُّ! أكره أن أقدم عليه وله خلَف أكرههم؛ وإني لأحبُّ أن أعرف طريقَه ومذهبه، وما أثق بأحد أبعثه إليه، فقال عمر بن بزيع والفضل بن الربيع: فنحن يا أمير المؤمنين، قال: فأنتما، فخرجا من العَرْج إلى موضع من البادية يقال له خلْص، وأخذا معهما أدلاء من أهل العرْج؛ حتى إذا ورد عليه في منزله أتَيَاه مع الضحى؛ فإذا هو في المسجد، فأناخا راحلتيهما ومَنْ كان معهما من أصحابهما، ثم أتياه على زيِّ الملوك من الريح والثياب والطِّيب؛ فجلسا إليه وهو في مسجد له، فقالا له؛ يا أبا عبد الرحمن، نحن رسل مَنْ خلْفنا من أهل المشرق، يقولون لك: اتقِّ الله ربك؛ فإذا شئت فقم. فأقبل عليهما، وقال: ويحكما! فيمن ولمن! قالا: أنت، فقال: والله ما أحبُّ أني لقيت الله بمحجمة دم امرئ مسلم، وأنَّ لي ما طلعت عليه الشمس؛ فلما أيسا هـ قالا: فإن معنا شيئًا تستعين به على دهرك، قال: لا حاجة لي فيه، أنا عنه في غنىً، فقالا له: إنها عشرون ألف دينار، قال: لا حاجة لي فيها، قالا: فأعطها مَنْ شئت، قال: أنتما، فأعطياها مَنْ رأيتما، ما أنا لكما بخادم ولا عَوْن. قال: فلما يئسا منه ركبا

стр. 5115

راحلتيهما حتى أصبحا مع الخليفة بالسُّقيا في المنزل الثاني، فوجدا الخليفة ينتظرهما؛ فلما دخلا عليه حدثاه بما كان بينهما وبينه، فقال: ما أبالي ما أصنع بعد هذا فحجَّ عبدُ الله في تلك السنة، فبينا هو واقف على بعض أولئك البَاعة يشتري لصبيانه؛ إذا هارون يسعَى بين الصَّفا والمروة على دابَّة، إذ عرض له عبد الله وترك ما يريد، فأتاه حتى أخذ بلجام دابته، فأهوتْ إليه الأجناد والأحراس، فكفَّهم عنه هارون فكلمه. قال: فرأيتُ دموعَ هارون؛ وإنها لتسيل على مَعْرَفة دابته، ثم انصرف. وذكر محمد بن أحمد مولَى بني سليم قال: حدثني الليث بن عبد العزيز الجوزجانيَّ - وكان مجاورًا بمكة أربعين سنة - أن بعض الحَجبَة حدَّثه أنَّ الرشيد لما حجَّ دخل الكعبة، وقام على أصابعه، وقال: يا مَنْ يملك حوائج السائلين ويعلم ضمير الصامتين، فإنَّ لكل مسألة منك ردًّا حاضرًا، وجوابًا عتيدًا، ولكلِّ صامت منك علمٌ محيط ناطق بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة. صلِّ على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا. يا مَنْ لا تضرُّه الذنوب، ولا تخفَى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايا. يا من كبس الأرض على الماء، وسدَّ الهواء بالسَّماء، واختار لنفسه الأسماء، صلِّ على محمد، وخِرْ لي في جميع أمري. يا من خشعت له الأصوات بألوان اللغات يسألونك الحاجات؛ إنَّ من حاجتي إليك أن تغفر لي إذا توفَّيتني، وصرتُ في لحدي، وتفرَّق عني أهلي وولدي. اللهمَّ لك الحمد حمدًا يفضلُ على كلِّ حمد كفضلك على جميع الخلق. اللهم صلِّ على محمد صلاة تكون له رضًا، وصلِّ على محمد صلاةً تكون له حرزًا، واجْزه عنَّا خيرَ الجزاء في الآخرة والأولى. اللهمَّ أحينا سُعداء وتوفَّنا شُهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين! وذكر عليُّ بن محمد عن عبد الله، قال: أخبرني القاسم بن يحيى، قال: بعث الرشيد إلى ابن أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن عليٍّ في الحَيْر، قال: فأُتىَ بهم، فنظر إليه الحسن بن راشد، وقال: ما لك؟ قال: بعث إليَّ هذا الرجل - يعني الرشيد - فأحضرني، ولست آمنه على نفسي، قال له: فإذا دخلتَ عليه فسألك، فقل له: الحسن بن راشد وضعَني في ذلك الموضع. فلمَّا دخل

стр. 5116

عليه قال هذا القول، قال: ما أخلق أن يكون هذا من تخليط الحسن! أحضروه، قال: فلما حَضَر قال: ما حمَلك على أن صيَّرت هذا الرجل في الحَيْر؟ قال: رحم الله مَنْ صيَّره في الحَيْر، أمرتني أم موسى أن أصيِّره فيه، وأن أجري عليه في كل شهر ثلاثين ردهمًا. فقال: ردُّوه إلى الحَيْر، وأجروا عليه ما أجْرَتْه أم موسى، وأم موسى هي أمُّ المهدي ابنة يزيد بن منصور. وذكر علي بن محمد أن أباه حدَّثه قال: دخلت على الرشيد في عوْن العِبادي فإذا هو في هيئة الصيف، في بيت مكشوف؛ وليس فيه فرش على مقعد عند باب في الشق الأيمن من البيت، وعليه غُلالة رقيقة، هازار رشيديٌّ عريض الأعلام، شديد التَّضْريج؛ وكان لا يخيِّش البيت الذي هو فيه، لأنه كان يؤذيه؛ ولكنه كان يدخل عليه برد الخَيش؛ ولا يجلس فيه. وكان أوَّل من اتخذ في بيت مقيله في الصيف سقفًا دون سقف، وذلك أنه لمَّا بلغه أن الأكاسرة كانوا يطيِّنون ظهورَ بيوتهم في كلِّ يوم من خارج ليكفَّ عنهم حرَّ الشمس؛ فاتخذ هو سقفًا يلي سقف البيت الذي يقيل فيه. وقال عليٌّ عن أبيه: خُبرت أنه كان في كل يوم القيظ تغار من فِضَّة يعمل فيها العطار الطَّيب والزعفران والأفاويه وماء الورد، ثم يدخل إلى بيت مقيله، ويدخل معه سبع غَلائل قصب رشيدية تقطيع النساء، ثم تغمس الغلال في ذلك الطِّيب، ويؤتَى في كل يوم بسبع جوار، فتخلع عن كل جارية ثيابها ثم تخلع عليها غُلالة، وتجلس على كرسيٍّ مثقب، وترسل الغُلالة على الكرسي فتجلله، ثم تبخَّر من تحت الكرسي بالعود المدرج في العنبر أمدًا حتى يجف القميص عليها، يفعل ذلك بهنَّ، ويكون ذلك في بيت مقيله، فيعبق ذلك البيت بالبخور والطيب. وذكر عليٌّ بن حمزة أن عبد الله بن عباس بن الحسن بن عبيد الله بن عليِّ بن أبي طالب قال: قال لي العباس بن الحسن: قال لي الرَّشيد: أراك تكثر من ذكر يَنْبُع وصفتها، فصفها لي وأوجز، قال: قلت: بكلام أو بشعر؟ قال: بكلام وشعر، قال: قلت: جِدَتُها في أصل عِذْقها، وعِذْقها مسرَّح شأنها، قال: فتبسَّم، فقلت له: يا واديَ القصرِ نِعم القصرُ والوادي ... مِن مَنزِلٍ حاضرٍ إِن شئت أَو بادِي

стр. 5117

ترى قراقيره والعِيسَ وَاقفةً ... وَالضبَّ وَالنونَ والملّاح والحادِي وذكر محمد بن هارون، عن أبيه، قال: حضرت الرشيد، وقال له الفضل بن الربيع: يا أمير المؤمنين، قد أحضرتُ ابنَ السَّماك كما أمرتني، قال: أدخله، فدخل، فقال له: عظني، قال: يا أميرَ المؤمنين، اتق الله وحده لا شريك له، واعلم أنك واقف غدًا بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما؛ جنة أو نار. قال: فبكى هارون حتى اخضلت لحيته، فأقبل الفضلُ على ابن السَّماك، فقال: سبحان الله! وهل يتخالَج أحدًا شكٌّ في أنَّ أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله! لقيامه بحق الله وعدله في عباده، وفضله! قال: فلم يحفل بذلك ابن السماك من قوله، ولم يلتفت إليه، وأقبل على أمير المؤمنين، فقال: يا أميرَ المؤمنين، إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتَّق الله وانظر لنفسك. قال: فبكى هارون حتى أشفقنا عليه. وأفحِم الفضل بن الربيع فلم ينطق بحرْف حتى خرجنا (١). قال: ودخل ابن السَّماك على الرَّشيد يومًا؛ فبينا هو عنده إذ استسقى ماء، فأُتيَ بقلَّة من ماء؛ فلما أهوى بها إلى فيه ليشربها، قال له ابن السماك: على رِسْلك يا أميرَ المؤمنين؛ بقرابتك من رسول الله ﷺ ، لو مُنعتَ هذه الشَّرْبة فبكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله، فلما شربها، قال له أسألك بقرابتك من رسول الله ﷺ ، لو مُنِعتَ خروجها من بدنك فبماذا كنت تشتريها؟ قال: بجميع ملكي؛ قال ابن السَّماك إن ملكًا قيمته شربة ماء، لجدير ألا ينافس فيه. فبكى هارون؛ فأشار الفضلُ بن الربيع إلى ابن السَّماك بالانصراف فانصرف. قال: ووعظ الرشيد عبدُ الله بن عبد العزيز العمريُّ، فتلقَّى قوله بنعم يا عم، فلما ولَّى لينصرف؛ بعث إليه بألفي دينار في كيس مع الأمين والمأمون فاعترضاه بها، وقالا: يا عمّ؛ يقول لك أمير المؤمنين: خذها وانتفع بها أو فرِّقها، فقال: هو أعلم بمَنْ يفرقها عليه، ثم أخذ من الكيس دينارًا، وقال: كرهت أن أجمع

стр. 5118

سوء القول وسوء الفعل وشخص إليه إلى بغداد بعد ذلك، فكره الرشيد مصيرَه إلى بغداد، وجمع العُمَرِيين، فقال: ما لي ولابن عمِّكم! احتملتُه بالحجاز، فشخص إلى دار مملكتي؛ يريد أن يفسد عليَّ أوليائي! ردُّوه عني، فقالوا: لا يقبل منا؛ فكتب إلى موسى بن عيسى أن يرفُق به حتى يردَّه، فدعا له عيسى ببُنيِّ عشر سنين، قد حفظ الخطب والمواعظ، فكلَّمه كثيرًا، ووعظه بما لم يسمع العمريُّ بمثله، ونهاه عن التعرُّض لأمير المؤمنين، فأخذ نعله، وقام وهو يقول: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾. وذكر بعضهم أنه كان مع الرشيد بالرَّقة بعد أن شخص من بغداد، فخرج يومًا مع الرشيد إلى الصَّيْد، فعرض له رجل من النساك، فقال: يا هارون، اتق الله، فقال لإبراهيم بن عثمان بن نهيك: خذ هذا الرجل إليك حتى أنصرف، فلما رجع دعا بغذائه، ثم أمر أن يطعم الرجل من خاصِّ طعامه، فلما أكل وشرب دعا به، فقال: يا هذا، أَنْصفني في المخاطبة والمسألة، قال: ذاك أقلَّ ما يجب لك، قال: فأخبِرْني: أنا شرٌّ وأخبث أم فرعون؟ قال: بل فرعون، قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ وقال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، قال: صدقت، فأخبِرني فمن؟ خير أنت أم موسى بن عمران؟ قال: موسى كليم الله وصفيَّه، اصطنعه لنفسه، وأتمنه على وحيه، وكلَّمه من بين خلقه، قال: صدقت؛ أفما تعلم أنه لما بعثه وأخاه إلى فرعون قال لهما: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، ذكر المفسرون أنه أمرهما أن يَكْنِيَاه؛ وهذا وهو في عُتوِّه وجبَريّته؛ على ما قد علمتَ، وأنت جئتني وأنا بهذه الحالة التي تعلم، أؤدي أكثر فرائض الله عليَّ، ولا أعبد أحدًا سواه، أقف عند أكبر حدوده وأمره ونهيه؛ فوعظتني بأغلظ الألفاظ وأشنعها وأخشن الكلام، وأفظعه؛ فلا بأدب الله تأدَّبْتَ، ولا بأخلاق الصالحين أخذْت، فما كان يؤمنك أن أسطوَ بك! فإذًا أنت قد عرضت نفسك لما كنت عنه غنيًّا. قال الزاهد: أخطأتُ يا أمير المؤمنين؛ وأنا أستغفرك؛ قال: قد غفر لك الله؛ وأمر له بعشرين ألف درهم، فأبى أن يأخذها، وقال: لا حاجة لي في المال؛ أنا رجل سائح. فقال هرثمة - وخزَره -: تردُّ على أمير المؤمنين يا جاهل صِلتَه! فقال الرَّشيد: أمسك عنه، ثم قال له: لم نعطك هذا المال لحاجَتِك إليه؛ ولكن مِنْ عادتنا أنه لا يخاطب الخليفة أحدٌ ليس من أوليائه

стр. 5119

ولا أعدائه إلا وصله ومنحه؛ فاقبل من صِلتنا ما شئت؛ وضعها حيث أحببت. فأخذ من المال ألفَيْ درهم، وفرَّقها على الحجَّاب ومَنْ حضر الباب. * * * ذكر مَنْ كان عند الرَّشيد من النساء المهائر قيل: إنه تزوَّج زبيدة؛ وهي أمُّ جعفر بنت جعفر بن المنصور، وأعرس بها في سنة خمس وستين ومائة في خلافة المهديِّ ببغداد، في دار محمد سليمان - التي صارت بعد للعباسة، ثم صارت للمعتصم بالله - فولدت له محمدًا الأمين، وماتت ببغداد في جمادى الأولى سنة ست عشرة ومائتين. وتزوَّج أمَة العزيز أمُّ ولد موسى، فولدت له عليَّ بن الرشيد. وتزوج أمَّ محمد ابنة صالح المسكين، وأعرس بها بالرَّقة في ذي الحجة سنة سبع وثمانين ومائة، وأمُّها أم عبد الله ابنة عيسى بن عليّ صاحبة دار أمِّ عبد الله بالكرْخ التي فيها أصحاب الدبس، كانت أملكت من إبراهيم بن المهديِّ، ثم خلعت منه فتزوَّجها الرشيد. وتزوَّج العباسة ابنة سليمان بن أبي جعفر، وأعرس بها في ذي الحجة سنة سبع وثمانين ومائة، حُملت هي وأمُّ محمد ابنة صالح إليه. وتزوج عزيزة ابنة الغطريف؛ وكانت قبله عند سليمان بن أبي جعفر فطلقها، فخلَف عليها الرشيد، وهي ابنة أخي الخيزران. وتزوج الجُرَشيَّة العثمانية، وهي ابنة عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان، وسُميت الجُرَشيَّة لأنها ولدت بجُرَش باليمن، وجدَّة أبيها فاطمة بنت الحسين بن عليِّ بن أبي طالب، وعمُّ أبيها عبد الله بن حسن بن حسن بن عليِّ بن أبي طالب ﵃. ومات الرشيد عن أربع مهائِر: أم جعفر، وأم محمد ابنة صالح، وعباسة ابنة سليمان، والعثمانية. * * *

стр. 5120

[ذكر ولد الرشيد] وولد للرشيد من الرِّجال: محمد الأكبر وأمُّه زبيدة، وعبد الله المأمون وأمه أم ولد يقال لها مراجل، والقاسم المؤتمن وأمُّه أمُّ ولد يقال لها قصف، ومحمد أبو إسحاق المعتصم وأمه أم ولد يقال لها ماردة، وعليٌّ وأمه أمَة العزيز، وصالح وأمه أمُّ ولد يقال لها رثم، ومحمد أبو عيسى وأمه أم ولد يقال لها عرابة، ومحمد أبو يعقوب وأمه أم ولد يقال لها شذرة، ومحمد أبو العباس وأمه أم ولد يقال لها خُبْث، ومحمد أبو سليمان وأمه أم ولد يقال لها رَواح، ومحمد أبو عليٍّ وأمُّه أمُّ ولد يقال لها دواج، ومحمد أبو أحمد وأمُّه أم ولد يقال لها كِتْمان. ومن النساء: سكينة وأمها قِصف وهي أخت القاسم، وأم حبيب وأمها ماردة وهي أخت أبي إسحاق المعتصم، وأروى أمها حَلوب، وأم الحسن وأمُّها عِرَابة، وأم محمد وهي حَمْدونة، وفاطمة وأمها غُصص واسمها مصفَّى، وأم أبيها وأمها سكَّر، وأم سلمة وأمها رحيق، وخديجة وأمها شَجَر، وهي أخت كريب، وأم القاسم وأمها خزق، ورملة أم جعفر وأمها حَلْي، وأمُّ علي أمها أنيق، وأم الغالية أمُّها سمندل، وريْطة وأمها زينة. [بقية ذكر بعض سير الرشيد] ذكر يعقوب بن إسحاق الأصفهانيِّ، قال: قال المفضل بن محمد الضبيَّ: وجَّه إليَّ الرشيد؛ فما علمت إلَّا وقد جاءتني الرُّسل ليلًا، فقالوا: أجب أمير المؤمنين؛ فخرجت حتى صرت إليه؛ وذلك في يوم خميس؛ وإذا هو متَّكئ ومحمد بن زبيدة عن يساره، والمأمون عن يمينه؛ فسلَّمت، فأومأ إليَّ فجلست، فقال لي: يا مفضَّل، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال كم اسمًا في: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ﴾؟ قلت: ثلاثة أسماء يا أميرَ المؤمنين، قال: وما هي؟ قلت: الكاف لرسول الله ﷺ ، والهاء والميم، وهي للكفار، والياء وهي لله . قال: صدقت؛ هكذا أفادنا هذا الشيخ - يعني الكسائيَّ - ثم التفت إلى

стр. 5121

محمد، فقال له: أفهمت يا محمد؟ قال: نعم، قال: أعِدْ عليَّ المسألة كما قال المفضَّل، فأعادها، ثم التفت إليَّ فقال: يا مفضَّل، عندك مسألة تسألنا عنها بحضرة هذا الشيخ؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين؛ قال: وما هي؟ قلت: قول الفرزدق: أَخَذْنا بآفاقِ السماء عليكُم ... لنا قَمَراها والنُّجومُ الطَّوالِعُ قال: هيهات أفادناها متقدِّمًا قبلك هذا الشيخ؛ لنا قمراها، يعني الشمس والقمر كما قالوا سنَّة العمريْن: سنة أبي بكر وعمر، قال: قلت: فأزيد في السؤال؟ قال: زِدْ، قلت: فِلمَ استحسنوا هذا؟ قال: لأنه إذا اجتمع اسمان من جنس واحد، وكان أحدهما أخفَّ على أفواه القائلين غلَّبوه وسَمَّوا به الآخر؛ فلما كانت أيام عمر أكثر من أيام أبي بكر وفتوحُه أكثر، واسمه أخف غلبُّوه، وسموا أبا بكر باسمه، قال الله : ﴿بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ﴾ وهو المشرق والمغرب. قلت: قد بقيت زيادة في المسألة! [فالتفت إلى الكسائي] فقال: يقال في هذا غير ما قلنا؟ قال: هذا أوفى ما قالوا، وتمام المعنى عند العرب. قال: ثم التفت إليَّ فقال: ما الذي بقي؟ قلت: بقيت الغاية التي إليها أجرى الشاعر المفتخر في شعره، قال: وما هي؟ قلت: أراد بالشمس إبراهيم، وبالقمر محمدًا ﷺ ، وبالنجوم الخلفاء الراشدين من آبائك الصالحين. قال: فاشرأبَّ أمير المؤمنين، وقال: يا فضل بن الربيع، احمل إليه مائة ألف درهم لقضاء دَيْنه، وانظر مَن بالباب من الشعراء فيؤذنَ لهم، فإذا العُمَانيُّ ومنصور النَّمَريُّ، فأذن لهما، فقال: أدنِ مني الشيخ، فدنا منه وهو يقول: قل للإمامِ المقتدي بأمِّهِ ... ما قاسِمٌ دون مَدَى ابن أمِّهِ * فقد رَضيناه فقم فَسَمِّهِ * فقال الرشيد: ما ترضى أن تدعوَ إلى عقد البيعة له وأنا جالس حتى تنهضني قائمًا! قال: قيام عَزْم يا أمير المؤمنين، لا قيام حَتْم، فقال: يؤتى بالقاسم، فأتي به، وطبطب في أرجوزته، فقال الرشيد للقاسم: إنَّ هذا الشيخ قد دعا إلى عَقْد البيعة لك، فأجزِل! له العطية، فقال: حكم أمير المؤمنين، قال: وما أنا وذاك! هات النَمَريَّ، فدنا منه، وأنشده: * ما تَنقضِي حسرةٌ مِنِّي ولا جَزَعُ *

стр. 5122

- حتى بلغ - ما كان أَحسن أيامَ الشبابِ وما ... أَبقى حلاوةَ ذِكرَاهُ التي تَدَعُ ما كنتُ أُوفِي شَبابي كُنهَ غُرَّتِه ... حتى مضى فإذا الدنيا له تَبَعُ قال الرشيد: لا خير في دنيا لا يُخطَر فيها ببُرْد الشباب. وذكر أن سعيد بن سلم الباهليَّ دخل على الرشيد، فسلَّم عليه، فأومأ إليه الرشيد فجلس، فقال: يا أمير المؤمنين، أعرابيٌّ من باهلة واقفٌ على باب أمير المؤمنين؛ ما رأيت قطَّ أشعرَ منه، قال: أما أنك استبحت هذين - يعني العمَاني ومنصور النَّمري، وكانا حاضريه - نُهبى لهما أحجارك، وقال: هما يا أمير المؤمنين يهباني لك؛ فيؤذن للأعرابيِّ؟ فأذن له، فإذا أعرابيٍّ في جُبَّة خَزٍّ، ورداء يمان، قد شدَّ وسطه ثم ثناه على عاتقه، وعمامة قد عَصَبها على خدَّيه، وأرخى لها عَذبَة، فمثل بين يدي أمير المؤمنين، وألقيت الكراسي، فجلس الكسائي والمفضَّل وابن سلْم والفضل بن الربيع، فقال ابنُ سلْم للأعرابيُّ: خذ في شرف أمير المؤمنين، فاندفع الأعرابيَّ في شعره، فقال أمير المؤمنين: أسمعُك مستحسنًا، وأنكرك متهمًا عَليك؛ فإنْ يكن هذا الشعر لك وأنت قلته من نفسك، فقل لنا في هذين بيتين - يعني محمدًا والمأمون - وهما حفافاه فقال: يا أميرَ المؤمنين حمَّلتني على القدر في غير الحذر روعةَ الخلافة، وبهَر البديهة ونفور القوافي عن الرَّويَّة، فيمهلني أمير المؤمنين؛ يتألف إليَّ نافراتها، ويسكن رَوْعي. قال: قد أمهلتك يا أعرابيُّ، وجعلت اعتذارك بدلًا من امتحانك، فقال: يا أميرَ المؤمنين نفَّست الخناق، وسهَّلت ميدان النفاق، ثم أنشأ يقول: هُما طُنُبَاها بارَكَ الله فيهما ... وأَنتَ أميرَ المؤمنينَ عمودُها بَنَيْت بِعَبْدِ الله بَعدَ مُحمَّدٍ ... ذرا قبَّةِ الإِسلامِ فاهتزَّ عُودُها فقال: وأنت يا أعرابيُّ بارك الله فيك؛ فسَلْنا، ولا تكن مسألتك دون إحسانِك، قال: الهُنيدة يا أمير المؤمنين، قال: فتبسَّم أمير المؤمنين، وأمر له بمائة ألف درهم وسبع خلَع. وذُكر أنَّ الرشيد قال لابنه القاسم - وقد دخل عليه قبل أن يبايع له: أنت للمأمون ببعض لحمك هذا، قال: ببعض حظِّه. وقال للقاسم يومًا قبل البيعة له: قد أوصيتُ الأمين والمأمون بكَ، قال أمَّا

стр. 5123

أنت يا أمير المؤمنين فقد توليتَ النَّظر لهما، ووكلتَ النظر لي إلى غيرك. وقال مصعب بن عبد الله الزَّبيريُّ: قدم الرَّشيد مدينة الرسول الله ﷺ ومعه ابناه محمد الأمين وعبد الله المأمون، فأعطى فيها العطايا وقسَّم في تلك السنة في رجالهم ونسائهم ثلاثة أعطية؛ فكانت الثلاثة الأعطية التي قسَمها فيهم ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وفرض في تلك السنة لخمسمائة من وجوه موالي المدينة، ففرَض لبعضهم في الشَّرف منهم يحيى بن مسكين وابن عثمان، ومخراق مولى بني تميم، وكان يقرئ القرآن بالمدينة. وقال إسحاق المولى: لما بايع الرشيد لولده، كان فيمَن بايع عبدُ الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير، فلمَّا قدم ليبايع، قال: لا قصَّرَا عنها ولا بَلَغَتْهُما ... حتى يطولَ على يديكَ طِوَالُها فاستحسن الرشيد ما تمثَّل، وأجزل له صلته. قال: والشعر لطُريح بن إسماعيل، قاله في الوليد بن يزيد وفي ابنيه. وقال أبو الشيص يرثي هارون الرشيد: غَرَبَتْ في الشَّرقِ شمسٌ ... فلها عَيْنَانِ تَدْمَعْ ما رأَينا قطُّ شَمسًا ... غربت مِن حيثُ تَطْلُعْ (١) وقال أبو نواس الحسن بن هانئ: جَرَت جَوارٍ بالسَّعدِ والنحس ... فنحنُ في مأْتمٍ وفي عُرْسِ القلبُ يَبكي والسِّنُّ ضاحكَةٌ ... فنحن في وحْشَةٍ وفي أُنْسِ يُضحكُنا القائمُ الأَمينُ ويبـ ... ـكينا وَفاةُ الإمامِ بالأَمْس بَدْرانِ: بدر أَضحَى ببَغدادَ بالـ ... ـخُلدِ، وبَدرٌ بطوسَ في رَمْسِ وقيل: مات هارون الرشيد، وفي بيت الرشيد، وفي بيت المال تسعمائة ألف ألف ونيِّف (٢).

стр. 5124

الصَّحِيْحُ وَالضَّعِيفُ وَالمَسكُوتُ عَنْهُ تَارِيخ الطَّبرِيّ تتَمَّة تَارِيخ الخِلافَة فِي عَهْدِ العَبَّاسِيِّين ١٩٣ هـ - ٢٤٧ هـ للإمَامِ أبِي جَعْفَر بْنِ جَرِير الطَّبَرِيِّ (٢٢٤ - ٣١٠ هـ) حَقَقَّهُ وَخَرَّجَ روَايَاتِهِ وَعَلَّقَ عَلَيْهِ وَمَيَّزَ صَحِيْحَهُ محمد بن طاهر البَرزنجيّ بإشرافِ ومُراجعة المحقِّق محمد صبحي حسن حلّاق المجَلَّد الثَّاني عَشَر دَار ابْن كَثير

стр. 5125

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5126

الصَّحِيْحُ وَالضَّعِيفُ وَالمَسكُوتُ عَنْهُ تَارِيخ الطَّبرِيّ تتَمَّة تَارِيخ الخِلافَة فِي عَهْدِ العَبَّاسِيِّين

стр. 5127

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير للطباعة والنشر والتوزيع دمشق- بيروت الرقم الدولي: الموضوع: تاريخ العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠ التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري نوع الورق: أبيض ألوان الطباعة: لونان عدد الصفحات: ٥٦١٦ القياس: ١٧×٢٤ نوع التجليد: فني- كعب لوحة الوزن: ١٥ كغ التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد دار ابن كثير دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢ بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣ www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com

стр. 5128

المقدمة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فهذه مرحلة أخرى من مراحل تحقيقنا وتخريجنا لأخبار الطبري وتعليقنا عليه. يبدأ من حوادث سنة ١٩٣ هـ، ونرجوا أن ينتهي بأحداث سنة ٣٠٢ هـ بإذنه تعالى. للمرة الأولى لم نفصل بين (الصحيح) من جهة و (الضعيف والمسكوت عنه) من جهة وإنما أبقينا جميع الأقسام مع بعضها وللأسباب التالية: أولًا: بالإضافة إلى اختفاء الإسناد بصورة تكاد تكون تامة عند خليفة بن خياط والبسوي (وهما مؤرخان متقدمان ثقتان محايدان) فإن تسجيلهما للأحداث كذلك قلّ إلى درجة كبيرة حتى أن القارئ يستغرب حينما يجد البسوي يقتصر في ذكره لأحداث سنة معينة على ذكر الحجّ فقط مع بعض - الوفيات، وكذلك الحال بالنسبة لخليفة عندما لا يتجاوز خبره عن وقاخ سنة بِكاملها مثلًا سطرًا أو سطرين ولعلّه اختصر حوادث سنين عدة في صفحة واحدة. وبما أن كتاب تأريخ خليفة والمعرفة والتأريخ للبسوي هما المصدران الرئيسان لمقارنتنا مع مرويات الطبري فإننا والحال هذه اضطررنا لعدم الفصل بين الصحيح والمسكوت عنه والضعيف حتى لا نترك فجوة أو فراغًا واسعًا في كتابة التأريخ وأحداثه - هذا مع الأسباب الأخرى -. ثانيًا: وفيما يتعلق بتأريخ الطبري نفسه فإنه قد اختزل الحديث عن وقائع بعض السنين حتى بلغت في بعضها صفحة واحدة أو أقل ناهيك عن ندرة استعماله للإسناد إلا في مواضع كذكره لسير الخلفاء وحتى في هذه المواضع تراه يُسْنِدُ الخبر عن مجاهيل أو شعراء عرفوا بالمجون وغير ذلك.

стр. 5129

ثالثًا: يلاحظ القارئ الكريم أن حدثًا هامًّا وقع في هذه المرحلة الجديدة وأعني دخول مسألة فرض عقيدة فرقة مبتدعة (وأعني المعتزلة) على جمهور العلماء والناس لفترة عقدٍ من الزمان أو أكثر مما أحدث بلبلة وشرخًا في صف المجتمع الإسلامي آنذاك وبدأت معها حملات المغرضين والمرجفين من أهل البدع وأصبح المجال فسيحًا أمام أهل الأهواء والوضاعين لنشر الأخبار الكاذبة والاتهامات الباطلة لعلماء ورموز الأمة يومها، مما دفعنا إلى اليقين بأننا بحاجة إلى قواعد أخرى بالإضافة إلى قواعدنا التي استخدمناها في تمييز الصحيح من الضعيف وإضافة مصادر أخرى إلى مصادرنا السابقة فنحن بحاجة إلى كتب العقيدة والفرق والملل والنحل والمذاهب لنتعرف من خلالها على آراء علماء تلك الحقبة بالإضافة إلى كتب الأدب المستوثقة من نسبتها إلى مؤلفيها وأخيرًا كتب الفقه المختلفة حتى لا ندخل في باب اتهام بعض العلماء زورًا وبهتانًا - وسَنَضْرِب هنا مثلًا لكي نبين الخلط الذي وقع فيه الطبري ولم يتداركه من بعده عدد لا بأس به من الحفاظ وسجّلوا في كتبهم رواية الطبري دون الانتباه إلى ذلك: فقد ذكر الطبري خبرًا طويلًا عن بداية المحنة بمقولة خلق القرآن وذلك في نهاية عهد المأمون وجاء في موضع من الخبر (٨/ ٦٣٧) - المقطع الثاني من الصفحة - السطر (١٣ و ١٦) أن نائب المأمون في بغداد (إسحاق بن إبراهيم) استدعى عددًا من العلماء وقرأ عليهم كتاب المأمون وسألهم واحدًا واحدًا ليقروا بما جاء في طلب المأمون بضرورة القول بخلق القرآن ومن بين هؤلاء (ابن علية الأكبر والنضر بن شميل) ويؤرخ الطبري لهذا الخبر بسنة (٢١٨ هـ) بينما ذكرت كتب التراجم والرجال أن النضر بن شميل توفي سنة (٢٠٤) للهجرة أي (١٤) عامًا قبل هذا الحدث [وانظر لوفاته تقريب التهذيب/ تر ٨٠٣٥]. وأما فيما يتعلق بابن علية الكبير فإن كان يعني به الإمام الجليل إسماعيل ابن علية (وهو المقصود على الأغلب) فإنه قد توفي أيام الأمين سنة ١٩٣ هـ أي تبل هذه المحنة بربع قرنٍ من الزمان ولم ينتبه الحافظ ابن كثير ﵀ في سرده لهذا الخبر إلى هذا التناقض سبحان من لا ينسى ولا يسهو ولا يخطئ وهو علام الغيوب. وهذا مثال ثانٍ يتعلق بمسألة استخدام الشعر في توثيق الخبر التأريخي فكثيرًا

стр. 5130

ما يذكر الطبري واقع تأريخية ثم يذكر قصيدة لشاعر قالها في تلك المناسبة - وحينما يرجع الباحثون إلى التدقيق في المسألة (أو كما يصطلح أهل الحديث - عندما يبحثون عن العلل الخفية] يرون أن هذا الشاعر قد توفي بسنين أو حتى بعقود من السنين قبل تلك الحادثة أي أنه لم يشهدها فكيف نظم تلك الأبيات؟ ! وإليك المثل: أخرج الطبري ضمن ذكره لأحداث ووقائع سنة (٢٠١) للهجرة خبرًا مَفَادُه أن والي خراسان (في عهد المأمون) افتتح جبال طبرستان وأماكن أخرى فنظم الشاعر سلّام الخامس بيتين من الشعر بتلك المناسبة [تأريخ الطبري ٨/ ٥٥٦] ولمّا رجع الأئمة المؤرخون الحفاظ إلى ترجمة هذا الشاعر علموا أنه توفي سنة (١٨٦ هـ) بينما كان فتح تلك الأماكن سنة (٢٠١ هـ) أي أنه توفي بعقد ونصف عقد من الزمان قبل هذه الواقعة وهذا يعني أن تلك الأبيات لم تنظّم في تلك المناسبة ولا تصح كدليل لتوثيق ذلك الخبر وهذا المثال وغيره من الأمثلة يستدعي منهجًا علميًا دقيقًا وشاملًا لكتب الأدب وبمعايير نزيهة للتأكد من قائلي ذلك الكم الهائل من القصائد الشعرية التي حوتها كتب التاريخ والتأكد من قائليها. وخلاصة القول فإننا ارتأينا أن نغيّر ملامح منهجنا عند تحقيقنا لأخبار الأعوام (١٩٣ هـ وحتى ٣٠٢ هـ) فلا نفصل بين الأقسام الثلاثة - ونحن على يقين بأن ذلك ممكن ولكن اعتمادًا على منهج أوسع وأشمل ولعل في القواعد التي ذكرها الدكتور الفاضل إبراهيم الشهرزوي في منهج إعادة كتابه التأريخ الإسلامي حَلّ لجزء كبير من هذه المعضلة فكتابه وإن كان بعنوان [مناهج المحدثين في نقد الرواية التأريخية] فإن فحوى الكتاب أوسع من ذلك فقد جمع الدكتور إبراهيم جميع ما كتبه الناقدون المتأخرون والمعاصرون في مناهج إعادة كتابة التأريخ وأضاف إليها قواعد جديدة قيمة ولعلَّ ما كتبه أوسع ما كتب في الباب ولو طبقنا ما كتبه الرجل وبالاستعانة بقواعد أخرى ولأعوام عدة لحصلنا على موسوعة قيّمة للتأريخ الإسلامي الصحيح والله أعلم بالصواب. للأسباب الآنفة الذكر فقد أضفنا مصادر أخرى لم نكن نستخدمها للمقارنة منْ قبلُ إلا نادرًا وهي: ١ - كتاب الأخبار الطوال لأبي حنيفة الدينوري وهو أحمد بن داود - العلامة

стр. 5131

النحوي المتوفي سثة ٢٨٢ هـ وهو أخباري ثقة [سير أعلام/١٣/ ٤٢٢/ تر ٢٠٨]. ٢ - كتاب المعارف للعلامة الكبير والكاتب ابن قتيبة الدينوري المتوفي سنة ٢٧٦ هـ وقد قال الخطيب في ترجمته: كان ثقة فاضلًا [تأريخ بغداد ١٠/ ١٧٠] وابن قتيبة كان رأسًا في علم اللسان العربي والأخبار وأيام الناس [سير أعلام / ١٣/ ٢٦٩/ تر ١٣٨]. ٣ - كتاب الوزراء والكتاب: لمحمد بن عبدوس الجهشياري الذي قال فيه ابن النديم كان أخباريًا مترسلًا وَقال ابن تغري بردى، كان فاضلًا ورئيسًا وله مشاركة في فنون [النجوم الزاهرة ٣/ ٢٧٩] والجهشياري من الكتاب المشهورين والمعتمدين في بلاط الخليفة العباسي توفي حوالي ٣٣٠ هـ. بالإضافة إلى المصادر السابقة التي اعتمدناها للمقارنة والتحقيق كتأريخ بغداد للخطيب وتأريخ دمشق لابن عساكر والمنتظم لابن الجوزي وأخبار القضاة للقاضي وكيع وفي مواضع قليلة كتاب وفيات الأعيان لابن خلكان وغيره من المصادر التي ذكرناها في حينها: وإذا اتفق مؤرخان ثقتان أو أكثر من المؤرخين المتقدمين على أصل خبر أو حادثة أو وفاة أو حج وما إلى ذلك فهو تابع لقسم الصحيح. والله تعالى أعلم

стр. 5132

خلافة الأمين وفي هذه السنة بويع لمحمد الأمين بن هارون بالخلافة في عسكر الرّشيد، وعبد الله بن هارون المأمون يومئذٍ بمَرْو، وكان - فيما ذكر - قد كتب حَمّويْه مولى المهديّ صاحب البريد بطوُسَ إلى أبي مسلم سلام، مولاه وخليفته ببغداد على البريد والأخبار، يعلمه وفاة الرشيد. فدخل على محمد فعزّاه وهنأه بالخلافة، وكان أوّل الناس فعل ذلك، ثم قدم عليه رجاء الخادم يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، كان صالح بن الرشيد أرسله إليه بالخبر بذلك - وقيل: [أتاه الخبر بذلك]- ليلة الخميس للنصف من جمادى الآخرة، فأظهرَه يوم الجمعة، وستر خبره بقيّة يومه وليلته، وخاض الناس في أمره. ولما قدم كتاب صالح على محمد الأمين مع رجاء الخادم بوفاة الرشيد - وكان نازلًا في قصره بالخلد - تحوَّل إلى قصر أبي جعفر بالمدينة، وأمر الناس بالحضور ليوم الجمعة، فحضروا وصلى بهم، فلما قضى صلاته صعِد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ونعَى الرشيدَ إلى الناس، وعزّى نفسه والناس، ووعدهم خيرًا، وبسط الآمال، وآمن الأسود والأبيض، وبايعه جِلّة أهل بيته وخاصّته ومواليه وقوّاده، ثم دخل. ووكّل ببيعته على مَنْ بقي منهم عمّ أبيه سليمان بن أبي جعفر، فبايعهم، وأمر السنديّ بمبايعة جميع الناس من القوّاد وسائر الجند، وأمر للجند ممّن بمدينة السلام برزق أربعة وعشرين شهرًا، وبخواصّ مَنْ كانت له خاصة بهذه الشهور (١).

стр. 5133

[ذكر الخبر عن بدء الخلاف بين الأمين والمأمون] وفي هذه السنة كان بدء اختلاف الحال بين الأمين محمد وأخيه المأمون، وعزم كلّ واحد منهما بالخلاف على صاحبه فيما كان والدهما هارون أخذ عليهما العمل به، في الكتاب الذي ذكرنا أنه كان كتبه عليهما وبينهما (١). * ذكر الخبر عن السبب الذي كان أوجب اختلاف حالهما فيما ذكرت: قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ أنّ الرشيد جدّد حين شخص إلى خُراسان البيعةَ للمأمون على القوّاد الذين معه، وأشهد مَنْ معه من القوّاد وسائر الناس وغيرهم أنّ جميع مَنْ معه من الجند مضمومون إلى المأمون، وأنّ جميع ما معه من مال وسلاح وآلة وغير ذلك للمأمون. فلما بلغ محمدَ بن هارون أنّ أباه قد اشتدّت علّتُه، وأنه لمآبِه، بعث مَنْ يأتيه بخبره في كلّ يوم، وأرسل بكْر بن المعتمِر، وكتب معه كتبًا، وجعلها في قوائم صناديق منقورة وألبسَها جلود البقر، وقال: لا يظهرنّ أميرُ المؤمنين ولا أحدٌ ممن في عسكره على شيء من أمرك وما توجهتَ فيه، ولا ما معك، ولو قُتِلتَ حتى يموت أميرُ المؤمنين، فإذا مات فادفعْ إلى كلّ رجل منهم كتابه (٢). فلمّا قدِم بكر بن المعتمر طوسَ، بلغ هارونَ قدومُه، فدعا به، فسأله: ما أقدمك؟ قال: بعثني محمد لأعلم له علم خبرك وآتيه به، قال: فهل معك كتاب؟ قال: لا، فأمر بما معه ففتِّش فلم يصيبوا معه شيئًا، فهدّده بالضّرب فلم يقرّ بشيء، فأمر به فحُبس وقيِّد. فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون أمر

стр. 5134

الفضل بن الربيع أن يصير إلى محبس بكر بن المعتمر فيقرّره، فإن أقر وإلا ضرب عنقه، فصار إليه، فمرّره فلم يمرّ بشيء، ثم غُشِيَ على هارون، فصاح النساء، فأمسك الفضل عن قتله، وصار إلى هارون ليحضره، ثم أفاق هارون وهو ضعيف، قد شغل عن بَكر وعن غيره لحسّ الموت، ثم غُشِيَ عليه غشيةً ظنّوا أنها هي، وارتفعت الضجة، فبعث بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضْل بن الربيع مع عبد الله بن أبي نُعيم، يسأله ألا يعجلوا بأمر، ويعلمه أنّ معه أشياء يحتاجون إلى علمها - وكان بكرٌ محبوسًا عند حسين الخادم - فلما تُوفِّيَ هارون في الوقت الذي تُوفِّيَ فيه، دعا الفضلُ بن الربيع ببكْر من ساعته، فسأله عما عنده، فأنكر أنْ يكون عنده شيء، وخشِيَ على نفسه من أن يكون هارون حيًّا، حتى صحّ عنده موتُ هارون، وأدخله عليه، فأخبره أنّ عنده كتبًا من أمير المؤمنين محمد، وأنه لا يجوز له إخراجها، وهو على حالة في قيوده وحبسه، فامتنع حسين الخادم من إطلاقه حتى أطلَقه الفضل، فأتاهم بالكتب التي عنده، وكانت في قوائم المطابخ المجلّدة بجلود البقر، فدفع إلى كلّ إِنسانٍ منهم كتابه. وكان في تلك الكتب كتاب من محمد بن هارون إلى حسين الخادم بخطِّه، يأمره بتخلية بَكْر بن المعتمر وإطلاقه، فدفعه إليه، وكتاب إلى عبد الله المأمون، فاحتبس كتاب المأمون عنده ليبعثه إلى المأمون بمَرْو، وأرسلوا إلى صالح بن الرّشيد - وكان مع أبيه بطوس، وذلك أنه كان أكبرَ من يحضر هارون من ولده - فأتاهم في تلك الساعة، فسألهم عن أبيه هارون، فأعلموه، فجزع جزعًا شديدًا، ثم دفعوا إليه كتاب أخيه محمد الذي جاء به بكرْ. وكان الذين حضروا وفاة هارون هُم الذين ولُوا أمرَه وغَسْله وتجهيزه، وصلى عليه ابنه صالح (١). وكانت نسخة كتاب محمد إلى أخيه عبد الله المامون:

стр. 5135

إذا ورد عليك كتابُ أخيك - أعاذه الله من فقدك - عند حلول ما لا مردَّ له ولا مدفَع مما قد أخلف وتناسخ [في] الأمم الخالية والقرون الماضية [فعزِّ نفسك] بما عزَاك الله به. واعلم أنّ الله جل ثناؤه قد اختار لأمير المؤمنين أفضلَ الدارين، وأجزل الحظَيْن فقبضه الله طاهرًا زاكيًا، قد شكر سعيَه، وغفر ذنبه إن شاء الله. فقمْ في أمْرك قيام ذي الحزم والعزْم، والناظر لأخيه ونفسه وسلطانه وعامة المسلمين. وإيّاك أنْ يغلب عليك الجزَع، فإنه يُحبِط الأجرْ، ويُعقب الوزر. وصلوات الله على أمير المؤمنين حيًّا وميتًا، وإنا لله وإنا إليه راجعون! وخُذ البَيْعة عمّن قِبَلك من قوّادك وجندك وخاصّتك وعامّتك لأخيك ثم لنفسك، ثم للقاسم ابن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها لك أمير المؤمنين من نَسْخها له وإثباتها، فإنّك مقلّد من ذاك ما قلدك الله وخليفته. وأعلِمْ مَنْ قِبَلك رأيي في صلاحِهم وسدّ خَلّتِهم والتوسِعة عليهم، فمن أنكرته عند بيعته أو اتَّهمته على طاعته، فابعث إليّ برأسه مع خبره. وإياك وإقالته، فإن النار أولى به. واكتب إلى عمّال ثغورك وأمراء أجنادك بما طرقك من المصيبة بأمير المؤْمنين، وأعلمهم أنّ الله لم يرضَ الدّنيا له ثوابًا حتى قبضه إلى روحه وراحته وجنته، مغبوطًا محمودًا قائدًا لجميع خلفائه إلى الجنة إن شاء الله. ومُرهم أن يأخذوا البيعَة على أجنادهم وخواصّهم وعوامّهم على مثل ما أمرتُك به من أخذها على مَن قِبَلك وأوعز إليهم في ضبط ثغورهم، والقوّة على عدّوهم. [وأعلمهم] أنِّي متفقد حالاتهم ولامٌّ شعثهم، وموسِّع عليهم، ولا تني في تقوية أجنادي وأنصاري، ولتكنْ كتبك إليهم كتبًا عامة، لتُقرأ عليهم، فإنّ في ذلك ما يسكنهم ويبسط أملَهم. واعمل بما تأمر به لمن حَضَرك، أو نأى عنك من أجنادك، على حسب ما ترى وتشاهد، فإنّ أخاك يعرف حسنَ اختيارك، وصحّة رأيك، وبعد نظرك، وهو يستحفظ الله لك، ويسأله أن يشدّ بك عضده، ويجمع بك أمره، إنه لطيف لما يشاء. وكتب بكر بن المعْتَمر بين يديّ وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة (١).

стр. 5136

وإلى أخيه صالح: بسم الله الرحمن الرحيم. إذا ورد عليك كتابي هذا عند وقوع ما قد سبَق في علم الله ونفذ من قضائه في خُلفائه وأوليائه، وجرتْ به سنته في الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، فقل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، فاحمَدوا الله ما صار إليه أمير المؤمنين من عظيم ثوابه ومرافقة أنبيائِه، صلواتُ الله عليهم، وإنا إليه راجعون. وإياه نسأل أن يحسن الخلافة على أمة نبينا محمد ﷺ ، وقد كان لهم عصمةً وكهفًا، وبهم رؤوفًا رحيمًا، فشمّر في أمرك، وإياك أن تلقى بيديْك، فإنّ أخاك قد اختارك لما استنهضك له، وهو متفقّد مواقع فقدانكْ، فحقق ظنه ونسأل الله التوفيق. وخذ البيعة على من قِبَلَك من ولد أمير المؤمنين وأهل بيته ومواليه وخاصّته وعامّته لمحمد أمير المؤمنين، ثم لعبد الله بن أمير المؤْمنين، ثم للقاسم بن أمير المؤمنين، على الشريطة التي جعلها أمير المؤمنين صلوات الله عليه من فسخها على القاسم أو إثباتها، فإن السعادة واليُمْن في الأخذ بعهده، والمضيّ على مناهجه. وأعْلِم مَنْ قِبَلك من الخاصّة والعامة رأي في استصلاحهم، وردّ مظالمهم وتفقد حالاتهم، وأداء أرزاقهم وأعطياتهم عليهم، فإن شغَب شاغب، أو نَعَر ناعر، فاسطُ به سطوة تجعله نكالًا لما بين يديها وما خلفها وموَعظة للمتقين. واضمُم إلى الميمون ابن الميمون الفضْل بن الربيع ولَد أمير المؤمنين وخدمه وأهله، ومُرْه بالمسير معهم فيمن معه من جنده ورابطته، وصيِّر إلى عبد الله بن مالك أمر العسكر وأحداثه، فإنه ثقة على ما يلي، مقبول عند العامة، واضمُم إليه جميعَ جند الشُّرَط من الرّوابط وغيرهم إلى مَنْ معه من جنده، ومُرْه بالجِدِّ والتيقظ وتقديم الحزم في أمره كله، ليله ونهاره، فإنّ أهل العداوة والنّفاق لهذا السلطان يغتنمون مثل حلول هذه المصيبة. وأقِرّ حاتم بن هرثمة على ما هو عليه، ومُره بحراسة ما يحفظ به قصورَ أمير المؤمنين، فإنه ممّن لا يُعرف إلا بالطاعة، ولا يدين إلا بها بمعاقد من الله مما قدّم له من حال أبيه المحمود عند الخلفاء. ومر الخدم بإحضار روابطهم ممّن يسُدّ بهم وبأجنادهم مواضح الخَلَل من عسكرك، فإنهم حدّ من حدودك، وصيّر مقدّمتك إلى أسد بن يزيد بن مزيد، وساقتك إلى يحيى بن معاذ، فيمن معه من الجنود، ومُرْهما بمناوبتك في كلّ ليلة،

стр. 5137

والزم الطريق الأعظم، ولا تَعدُوَنّ المراحل، فإن ذلك أرفق بك. ومر أسدَ بن يزيد أن يتخيَّرَ رجلًا من أهل بيته أو قوّاده، فيصير إلى مقدمته ثم يصير أمامه لتهيئة المنازل، أو بعض الطريق، فإن لم يحضرك في عسكرك بعضُ من سَمّيتُ، فاختر لمواضعهم مَنْ تثق بطاعته ونصيحته وهيبته عند العوامّ، فإنّ ذلك لن يُعوِزَك من قوّادك، وأنصارك إن شاء الله. وإيّاك أن تنفذ رأيًا أو تُبرم أمرًا إلا برأي شيخك وبقية آبائك الفضل بن الربيع، وأقرر جميعَ الخدم على ما في أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن وغير ذلك، ولا تخرجنّ أحدًا منهم من ضِمْن ما يلي إلى أن تُقدم عليّ. وقد أوصيتُ بكر بن المعتمر بما سيبلِّغكه، واعمل في ذلك بقدر ما تشاهد وترى، وإن أمرتَ لأهل العسكر بعطاء أو رزق، فليكن الفضل بن الربيع المتولِّيَ لإعطائهم على دواوين يتخذها لنفسه، بمحضر من أصحاب الدواوين، فإنّ الفضل بن الربيع لم يزل يتقلّد مثل ذلك لمهمّات الأمور. وأنفذ إليّ عند وصول كتابي هذا إليك إسماعيل بن صَبِيح وبكر بن المعتمر على مركبيهما من البريد، ولا يكون لك عَرْجة ولا مُهلة بموضعك الذي أنت فيه حتى توجّه إليّ بعسكرك بما فيه من الأموال والخزائن إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك حسن التأييد برحمته. وكتب بكر بن المعتمر بين يديّ وإملائي في شوال سنة ثنتين وتسعين ومائة (١). وخرج رجاء الخادم بالخاتم والقضيب والبُردة، وبنعْي هارون حين دفن حتى قدم بغداد ليلة الخميس - وقيل يوم الأربعاء - فكان من الخبر ما قد ذكرت قبل (٢). وقيل: إنّ نعي الرشيد لما ورد بغداد صعد إسحاق بن عيسى بن عليّ المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أعظم الناس رزيئةً، وأحسن الناس بقيّة

стр. 5138

رزؤنا، فإنه لم يُرزأ أحدٌ كرزئنا، فمن له مثل عوضنا! ثم نعاه إلى الناس، وحضّ الناس على الطاعة. * * * وذكر الحسن الحاجب أنّ الفضل بن سهل أخبره، قال: استقبل الرشيدَ وجوه أهل خُراسان، وفيهم الحسين بن مصعب. قال: ولقيني فقال لي: الرشيد ميّت أحد هذين اليومين، وأمرُ محمد بن الرشيد ضعيف، والأمر أمر صاحبك، مُدّ يدك. فمدَّ يده فبايع للمأمون بالخلافة. قال: ثم أتاني بعد أيام ومعه الخليل بن هشام، فقال: هذا ابن أخي، وهو لك ثقة خذ بيعته. وكان المأمون قد رحل من مَرْو إلى قصر خالد بن حماد على فرسخ من مَرْو يريد سمَرقند، وأمر العبّاس بن المسيّب بإخراج الناس واللحوق بالعسكر، فمرّ به إسحاق الخادم ومعه نعيّ الرشيد، فغمّ العباس قدومه، فوصل إلى المأمون فأخبره، فرجع المأمون إلى مَرْو، ودخل دار الإِمارة، دار أبي مسلم، ونعى الرّشيدَ على المنبر، وشقّ ثوبه ونزل، وأمر للناس بمال، وبايع لمحمد ولنفسه وأعطى الجند رزق اثني عشر شهرًا (١). قال: ولما قرأ الذين وردت عليهم كتبُ محمد بطوُس من القوّاد والجند وأولاد هارون، تشاوروا في اللحاق بمحمد، فقال الفضل بن الربيع: لا أدَعُ مُلْكًا حاضرًا لآخر لا يدرى ما يكون من أمرِه، وأمرَ الناس بالرّحيل، ففعلوا ذلك محبّةً منهم للحوق بأهلهم ومنازلهم ببغداد، وتركوا العهود التي كانت أخذت عليهم للمأمون، فانتهى الخبر بذلك من أمرهم إلى المأمون بمَرْو، فجمع مَنْ معه من قواد أبيه، فكان معه منهم عبد الله بن مالك، ويَحيى بن معاذ، وشبيب بن حميد بن قحطبة، والعلاء مولى هارون، والعباس بن المسيَب بن زهير وهو على شرطته، وأيوب بن أبي سمير وهو على كتابته، وكان معه من أهل بيته عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح، وذو الرياستين، وهو عنده من أعظم الناس قدرًا وأخصِّهم به، فشاورهم وأخبرهم الخبر، فأشاروا عليه أن

стр. 5139

يلحقهم في ألفيْ فارس جَريدة، فيردّهم، وسُمِّيَ لذلك قوم، فدخل عليه ذو الرياستين، فقال له: إن فعلت ما أشاروا به عليك جعلتَ هؤلاء هديّة إلى محمّد، ولكنّ الرأي أن تكتب إليهم كتابًا، وتوجّه إليهم رسولًا، فتذكّرهم البيعة، وتسألهم الوفاء، وتحذّرهم الحنث، وما يلزمهم في ذلك في الدنيا والدين. قال: قلت له: إن كتابك ورسلك تقوم مقامك، فتستبرئ ما عند القوم، وتوجّهُ سهل بن صاعد - وكان على قهرمته - فإنه يأمُلك، ويرجو أن ينال أمله، فلن يألوَك نصحًا، وتوجّه نَوفلًا الخادم مولى موسى أمير المؤمنين - وكان عاقلًا -. فكتب كتابًا، ووجههما فلحقاهم بنيسابور قد رحلوا ثلاث مراحل (١). فذكر الحسن بن أبي سعيد عن سهل بن صاعد، أنه قال [له]: فأوصلت إلى الفضل بن الربيع كتابَه، فقال لي: إنما أنا واحد منهم، قال لي سهل: وشدّ عليّ عبدُ الرحمن بن جبلة بالرّمح، فأمرّه على جنبي، ثم قال [لي]: قل لصاحبك: والله لو كنتَ حاضرًا لوضعت الرّمح في فيك، هذا جوابي. قال: ونال من المأمون، فرجعت بالخبر (٢). قال الفضل بن سهل: فقلت للمأمون: أعداء قد استرحتَ منهم، ولكن افهم عني ما أقول لك، إنّ هذه الدولة لم تكن قطّ أعزّ منها أيام أبي جعفر، فخرج عليه المقنّع وهو يدَّعي الربوبيّة، وقال بعضهم: طلب بدم أبي مسلم، فتضعضع العسكر بخروجه بخُراسان، فكفاه الله المؤنة. ثم خرج بعده يوسف البَرْم وهو عند بعض المسلمين كافر، فكفى الله المؤنة، ثم خرج أستاذسيس يدعو إلى الكفر، فسار المهديّ من الرّيّ إلى نيسابور فكُفِيَ المؤنة، ولكن ما اصنع! أكثرُ عليك! أخبرني كيف رأيت الناس حين ورد عليهم خبر رافع؟ قال: رأيتُهم اضطربوا اضطرابًا شديدًا، قلت: وكيف بك وأنت نازل في أخوالك، وبيعتك في أعناقهم! كيف يكون اضطراب أهل بغداد! اصبر وأنا أضمن لك الخلافة - ووضعت يدي على صدري - قال: قد فعلتُ، وجعلتُ الأمر إليك فقمْ به. قال: قلت: والله لأصدُقَنّك، إن عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ ومَنْ سمّينا من

стр. 5140

أمراء الرؤساء، إن قاموا لك بالأمر كانوا أنفَع مني لك برياستهم المشهورة، ولمَا عندهم من القوة على الحرب، فمن قام بالأمر كنتُ خادمًا له حتى تصير إلى محبتك، وترى رأيك فيّ. فلقيتُهم في منازلهم، وذكّرتهم البَيْعَة التي في أعناقهم وما يجب عليهم من الوفاء. قال: فكأني جئتُهم بجيفة على طَبق، فقال بعضهم: هذا لا يحل، اخرج، وقال بعضهم: مَن الذي يدخل بين أمير المؤمنين وأخيه! فجئت فأخبرته، قال: قم بالأمر، قال: قلت: قد قرأتَ القرآن، وسمعتَ الأحاديث، وتفقهت في الدين، فالرّأي أن تبعث إلى مَنْ بالحضرة من الفقهاء، فتدعوَهم إلى الحقّ والعمل به وإحياء السنة، وتقعد على اللّبود، وتردّ المظالم. ففعلنا وبعثنا إلى الفقهاء، وأكرمنا الموّاد والملوك وأبناء الملوك، فكنا نقول للتميمي: نُقيمك مقام موسى بن كعب، وللرَّبعيّ: نقيمك مقام أبي داود خالد بن إبراهيم، ولليمانيّ: نقيمك مقام قحطبة ومالك بن الهيثم، فكنا ندعو كلّ قبيلة إلى نقباء رؤوسهم، واستملنا الرؤوس، وقلنا لهم مثل ذلك، وحططْنا عن خُراسان ربع الخرَاج، فحسن موقع ذلك منهم، وَسُرّوا به، وقالوا: ابن أختنا. وابن عمّ النبي ﷺ (١). قال علي بن إسحاق: لما أفضت الخلافة إلى محمد، وهدأ الناس ببغداد، أصبح صبيحة السّبت بعد بيعته بيوم، فأمر ببناء ميدان حول قصر أبي جعفر في المدينة للصوالجة واللعب، فقال في ذلك شاعر من أهل بغداد: بَنَى أَمينُ اللهِ مَيدانا ... وصيّرَ السّاحَةَ بُستانَا وكانت الغزلانُ فيهِ بَانَا ... يُهدَى إِلَيْهِ فيهِ غِزلانا (٢)

стр. 5141

وفي هذه السنة شخصت أمّ جعفر من الرّقة بجميع ما كان معها هنالك من الخزائن وغير ذلك في شعبان، فتلقاها ابنُها محمد الأمين بالأنبار في جميع مَنْ كان ببغداد من الوُجوه، وأقام المأمون على ما كان يتولّى من عمل خُراسان ونواحيها إلى الرّيّ، وكاتب الأمين، وأهدي إليه هدايا كثيرة، وتواترت كتبُ المأمون إلى محمد بالتعظيم والهدايا إليه من طُرَف خُراسان من المتاع والآنية والمِسك والدوابِ والسلاحِ (١). وفي هذه السنة دخل هَرْثمة حائط سَمَرْقند، ولجأ رافع إلى المدينة الداخلة، وراسل رافع التُّرك فوافوْه، فصار هرثمة بين رافع والترك، ثم انصرف الترك، فضعف رافع (٢). وقتِل في هذه السنة نِقْفور ملك الروم في حرْب بُرْجان، وكان ملكه - فيما قيل - سبع سنين، وملك بعده إستبراق بن نِقْفور وهو مجروح، فبقيّ شهرين ومات. وملك ميخائيل بن جورجس خَتَنه على أخته (٣). * * * وحجّ بالناس في هذه السنة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وكان والي مكة (٤). وأقرّ محمد بن هارون أخاه القاسم بن هارون في هذه السنة على ما كان أبوه هارون ولّاه من عمل الجزيرة، واستعمل عليها خُزيمة بن خازم، وأقرّ القاسم على قِنَّسرين والعواصم (٥).

стр. 5142

ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من مخالفة أهل حِمْص عاملهم إسحاق بن سليمان، وكان محمّد ولاه إياها، فلمّا خالفوه انتقل إلى سلمْيَة، فصرفه محمد عنهم، وولّي مكانه عبد الله بن سعيد الحرَشيّ ومعه عافية بن سليمان، فحبس عدّةً من وجوههم، وضرب مدينتهم من نواحيها بالنار، وسألوه الأمان فأجابهم، وسكنوا ثم هاجوا، فضرب أيضًا أعناق عدّة منهم (١). وفيها عزل محمد أخاه القاسم عن جميع ما كان أبوه هارون ولّاه من عمل الشأم وقِنسرين والعواصم والثغور، وولّى مكانه خزيمة بن خازم، وأمره بالمقام بمدينة السلام (٢). وفي هذه السنة أمر محمد بالدعاء لابنه موسى على المنابر بالإمرة (٣). [ذكر تفاقم الخلاف بين الأمين والمأمون] وفيها مكَر كلّ واحد منهما بصاحبه: محمد الأمين وعبد الله المأمون، وظهر بينهما الفساد (٤).

стр. 5143

* ذكر الخبر عن سبب ذلك: ذُكر أن الفضل بن الربيع فكّر بعد مقدَمه العراق على محمد منصرفًا عن طُوس، وناكثًا للعهود التي كان الرشيد أخذها عليه لابنه عبد الله، وعلم أنّ الخلافة إن أفضت إلى المأمون يومًا وهو حيّ لم يُبْق عليه، وكان في ظَفَره به عطبُه، فسعى في إغراء محمد به، وحثّه على خلعه، وصرْف ولاية العهد من بعده إلى ابنه موسى، ولم يكن ذلك من رأى محمّد ولا عزمه، بل كان عزمه - فيما ذكر عنه - الوفاء لأخويه: عبد الله والقاسم، بما كان أخذ عليه لهما والده من العهود والشروط، فلم يزل الفضل به يصغّر في عينه شأن المأمون، ويزّين له خلعه، حتى قال له: ما تنتظر يا أمير المؤْمنين بعبد الله والقاسم أخويك! فإنّ البيعة كانت لك متقدّمة قبلهما، وإنما أدخلا فيها بعدك واحدًا بعد واحد، وأدخَل في ذلك من رأيه معه علي بن عيسى بن ماهان والسنديّ وغيرَهما ممن بحضرته، فأزال محمدًا عن رأيه. فأول ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبّر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمّال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدّعاء له وللمأمون والقاسم بن الرشيد، فذكر الفضل بن إسحاق بن سليمان أنّ المأمون لما بلغه ما أمر به محمد من الدّعاء لابنه موسى وعزله القاسم عمّا كان الرشيد ضمّ إليه من الأعمال وإقدامِه إيّاه مدينة السلام، علم أنه يدبِّر عليه في خلعه، فقطع البريدَ عن محمد، وأسقط اسمه من الطَرز [والضّرب]. وكان رافع بن الليث بن نصر بن سيّار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون وحسن سيرته في أهل عمله وإحسانه إليهم، بعث في طلب الأمان لنفسه، فسارع إلى ذلك هَرثمة وخرج رافع فلحق بالمأمون، وهرثمة بعدُ مقيم بسمَرْقند فأكرم المأمون رافعًا. وكان مع هَرْثَمة في حصار رافع طاهر بن الحسين، فلمّا دخل رافع في الأمان، استأذن هرثمة المأمون في القدوم عليه، فعبر نهر بلْخ بعسكره والنهر جامد، فتلقّاه الناس، وولّاه المأمون الحرس. فأنكر ذلك كله محمد، فبدأ بالتدّبير على المأمون، فكان من التدبير أنه كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك - وهو عامِل المأمون على الرّيّ - وأمره أن يبعث إليه بغرائب غروس الريّ - مريدًا بذلك امتحانه - فبعث إليه ما أمره به، وكتم المأمون وذا

стр. 5144

الرياستين. فبلغ ذلك من أمره المأمون، فوجّه الحسن بن عليّ المأمونيّ وأردفه بالرستميّ على البريد، وعزل العباس بن عبد الله بن مالك، فذُكِر عن الرستميّ أنه لم ينزل عن دابته حتى اجتمع إليه ألف رجل من أهل الريّ. ووجّه محمد إلى المأمون ثلاثة أنفس رسلًا: أحدهم العباس بن موسى بن عيسى، والآخر صالح صاحب المصلّى، والثالث محمد بن عيسى بن نهيك، وكتب معهم كتابًا إلى صاحب الرّيّ، أن استقبِلْهم بالعُدّة والسلاح الظاهر. وكتب إلى وال بقُومِس ونَيْسابور وسَرَخْس بمثل ذلك، ففعلوا. ثم وردت الرّسل مَرْو، وقد أعدَّ لهم من السلاح وضروب العُدد والعتاد، ثم صاروا إلى المأمون، فأبلغوه رسالة محمد بمسألته تقديمَ موسى على نفسه، ويذكر له أنه سمّاه الناطق بالحق، وكان الذي أشار عليه بذلك عليّ بن عيسى بن ماهان، وكان يخبره أن أهل خُراسان يطيعونه، فردّ المأمون ذلك وأباه (١). قال: فقال لي ذو الرئاستين: قال العباس بن موسى بن عيسى بن موسى: وما عليك أيها الأمير من ذلك، فهذا جدّي عيسى بن موسى قد خُلِع فما ضرّه ذلك، قال: فصحْت به: اسكت، فإن جدّك كان في أيديهم أسيرًا، وهذا بين أخواله وشيعته. قال: فانصرفوا، وأنزل كل واحد منهم منزلًا. قال ذو الرياستين: فأعجبني ما رأيت من ذكاء العباس بن موسى، فخلوت به فقلت: أيذهب عليك في فهمك وسنِّك أن تأخذ بحظك من الإِمام - وسُمِّي المأمون في ذلك اليوم بالإمام ولم يسمَّ بالخلافة وكان سبب ما سمي به الإمام ما جاء من خلَعْ محمد له، وقد كان محمد قال للذين أرسلهم: قد تسمّى المأمون بالإمام، فقال لي العباس: قد سميتموه الإمام! قال: قلت له: قد يكون إمام المسجد والقبيلة،

стр. 5145

فإن وفيتم لم يضرّكم، وإن غدرتم فهو ذاك. قال: ثمّ قلتُ للعباس: لك عندي ولاية الموسم، ولا ولاية أشرف منها، ولك من مواضع الأعمال بمصْر ما شئت. قال: فما برح حتى أخذت عليه البيعة للمأمون بالخلافة، فكان بعد ذلك يكتب إلينا بالأخبار، ويشير علينا بالرأي. قال: فأخبرني عليّ بن يحيى السَّرَخسيّ، قال: مرّ بي العباس بن موسى ذاهبًا إلى مَرْو - وقد كنت وصفت له سيرة المأمون وحسن تدبير ذي الرياستين واحتماله الموضع، فلم يقبل ذلك مني - فلما رجع مرّ بي، فقلت له: كيف رأيت؟ قال: ذو الرياستين أكثر مما وصفت، فقلت: صافحتَ الإمام؟ قال: نعم، قلت: امسح يدك على رأسي. قال: ومضى القوم إلى محمّد فأخبروه بامتناعه، قال: فألحَّ الفضل بن الربيع وعليّ بن عيسى على محمد في البيعة لابنه وخلْع المأمون، وأعطى الفضل الأموالَ حتى بايع لابنه موسى، وسمّاه الناطق بالحق، وأحضنه عليّ بن عيسى وولّاه العراق. قال: وكان أوّل من أخذ له البيعة بشر بن السّمَيدع الأزدّيّ، وكان واليًا على بلد، ثم أخذها صاحب مكة وصاحب المدينة على خواصّ من الناس قليل، دون العامة (١). قال: ونهى الفضل بن الربيع عن ذكر عبد الله والقاسم والدّعاء لهما على شيء من المنابر، ودسّ لذكر عبد الله والوقيعة فيه، ووجّه إلى مكّة كتابًا مع رسولٍ من حَجَبة البيت يقال له محمد بن عبد الله بن عثمان بن طلحة في أخذ الكتابين اللذين كان هارون كتبهما، وجعلهما في الكعبة لعبد الله على محمد، فقدم بهما عليه، وتكلم في ذلك بقية الحَجَبة، فلم يحفل بهم، وخافوا على أنفسهم، فلما صار بالكتابين إلى محمد قبضهما منه، وأجازه بجائزة عظيمة، ومزّقهما وأبطلهما (٢).

стр. 5146

وكان محمد - فيما ذكر - كتب إلى المأمون قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف عليه، يسأله أن يتجافَى له عن كُور من كُور خراسان - سمّاها - وأن يوجّه العمال إليها من قِبَل محمد، وأن يحتمل توجيه رجل من قِبله يوليّه البريد عليه ليكتب إليه بخبره، فلمّا ورد إلى المأمون الكتاب بذلك، كبُر ذلك عليه واشتدّ، فبعث إلى الفضل بن سهل وإلى أخيه الحسن، فشاورهما في ذلك، فقال الفضل: الأمر مُخْطِر، ولك من شيعتك وأهل بيتك بطانة، ولهم تأنيس بالمشاورة، وفي قطع الأمر دونهم وَحْشة، وظهوره قلّة ثقة، فرأيُ الأمير في ذلك. وقال الحسن: كان يقال: شاور في طلب الرأي مَنْ تثق بنصيحته، وتألّف العدّو فيما لا اكتتام له بمشاورته، فأحضر المأمون الخاصّة من الرؤساء والأعلام، وقرأ عليهم الكتاب، فقالوا جميعًا له، أيّها الأمير، تشاور في مخطر، فاجعل لبديهتنا حظًّا من الرويّة، فقال المأمون: ذلك هو الحزم، وأجّلهم ثلاثًا، فلما اجتمعوا بعد ذلك، قال أحدهم: أيُّها الأمير، قد حُملِتَ على كَرْهيْن، ولستُ أرى خطأ مدافعةً بمكروه أوّلهما مخافة مكروهِ آخرهما. وقال آخر: كان يقال أيّها الأمير، أسعدك الله، إذا كان الأمر مُخْطِرًا، فإعطاؤك مَنْ نازعك طرفًا من بُغيته أمثل من أن تصير بالمنع إلى مكاشفته. وقال آخر: إنه كان يقال: إذا كان علمُ الأمور مغيَّبًا عنك، فخذ ما أمكنك من هُدْنة يومك، فإنك لا تأمن أن يكون فساد يومك راجعًا بفساد غدِك. وقال آخر: لئن خيفت للبذل عاقبَة، إن أشدّ منها لَمَا يَبعْث الإباء من الفرقة. وقال آخر: لا أرى مفارقة منزلة سلامةٍ، فلعلّي أعطي معها العافية. فقال الحسن: فقد وجب حقُّكم باجتهادكم، وإن كنتُ من الرأي على مخالفتكم، فقال له المأمون: فناظرْهم، قال: لذلك ما كان الاجتماع. وأقبل الحسن عليهم، فقال: هل تعلمون أن محمدًا تجاوز إلى طلب شيء ليس له بحق؟ قالوا: نعم، ويُحتمل ذلك لما نخاف من ضرر منْعه. قال: فهل تثقون بكفه بعد إعطائه إيّاها، فلا يتجاوز بالطلب إلى

стр. 5147

غيرها؟ قالوا: لا، ولعل سلامة تقع من دون ما يُخاف ويُتَوقع. قال: فإن تجاوز بعدها بالمسألة، أفما تروْنه قد توهّن بما بذل منها في نفسه! قالوا: ندفع ما يعرِض له في عاقبة بمدافعة محذور في عاجلة! قال: فهذا خلاف ما سمعناه من قول الحكماء قبلنا، قالوا: استصلحْ عاقبةَ أمرِك باحتمال ما عرض من كره يومك، ولا تلتمس هدنَة يومك بإخطار أدخلتَه على نفسك في غدك. قال المأمون للفضل: ما تقول فيما اختلفوا فيه؟ قال: أيّها الأمير، أسعدك الله، هل يؤمن محمد أن يكون طالبك بفضل قوتك ليستظهر بها عليك غدًا على مخالفتك وهل يصير الحازم إلى فضلة مَنْ عاجل الدّعة بخطَر يتعرّض له في عاقبةٍ، بل إنما أشار الحكماء بحمل ثقل فيما يرجون به صلاح عواقب أمورهم. فقال المأمون: بل بإيثار العاجلة صارَ من صار إلى فساد العاقبة في أمر دنيا أو أمر آخرة. قال القوم: قد قلنا بمبلغ الرأي، والله يؤيد الأمير بالتوفيق. فقال: اكتب يا فضلُ إليه، فكتب: قد بلغني كتاب أمير المؤْمنين يسألني التجافيَ عن مواضعَ سمّاها مما أثبته الرّشيد في العَقْد، وجعل أمره إليّ، وما أمرٌ رآه أمير المؤمنين أحد يجاوز أكثَره، غير أنّ الذي جعل إلىّ الطرْف الذي أنابه، لا ظنين في النّظر لعامته، ولا جاهل بما أسند إليّ من أمره، ولو لم يكن ذلك مثبتًا بالعهود والمواثيق المأخوذة، ثم كنتُ على الحال التي أنا عليها من إشراف عدوٍّ مخوف الشوكة، وعامّة لا تتألف عن هضمها، وأجناد لا يستتبع طاعتُها إلّا بالأموال وطَرَف من الإفضال - لكان في نظر أمير المؤمنين لعامّته وما يحبّ من لمِّ أطرافه ما يوجب عليه أن يقسم له كثيرًا من عنايته، وأن يستصلحه ببَذل كثير من ماله، فكيف بمسألة ما أوجبه الحقّ، ووكّد به مأخوذ العهد! وإني لأعلم أن أمير المؤمنين لو عَلم من الحال ما علمتُ لم يُطلع بمسألة ما كتب بمسألته إليّ. ثم أنا على ثقة من القبول بعد البيان إن شاء الله. وكان المأمون قد وجّه حارسَة إلى الحدّ، فلا يجوز رسول من العِراق حتى يوجّهوه مع ثقات من الأمناء، ولا يدعه يستعلم خبرًا ولا يؤثر أثرًا، ولا يستتبع بالرّغبة ولا بالرهبة أحدًا، ولا يبلغ أحدًا قولًا ولا كتابًا. فحصر أهل خراسان من أن يُستمالوا برغبة، أو أن تُودع صدورهم رهبة، أو يحمَلوا على منزل خلاف أو

стр. 5148

مفارقة. ثم وضع على مراصد الطرق ثقاتٍ من الحرّاس لا يجوز عليهم إلا من لا يدخل الظِّنة في أمره ممن أتى بجواز في مخرجه إلى دار مآبه، أو تاجر معروف مأمون في نفسه ودينه، ومُنع الأشتاتات من جواز السُّبل والقَطْع بالمتاجر والوُغول في البلدان في هيئة الطارئة والسابلة، وفُتِّشَت الكُتُب (١). وكان - فيما ذكر - أوّل مَنْ أقبل من قِبَل محمد مناظرًا في منعه ما كان سأل جماعة، وإنما وُجِّهوا ليعْلَمَ أنهم قد عاينوا وسمعوا، ثم يلتمس منهم أن يبذلوا أو يحرموا فيكون مما قالوا حجة يحتجّ بها، أو ذريعة إلى ما التمس [منها]. فلما صاروا إلى حدّ الريّ، وجدوا تدبيرًا مؤبَّدًا، وعَقْدًا مستحصَدًا متأكدًا، وأخذتهم الأحراس من جوانبهم، فحفظوا في حال ظعنهم وإقامتهم من أن يخبِروا أو يستخبَروا، وكُتب بخبرهم من مكانهم. فجاء الإِذن في حملهم فحملوا محروسين، لا خبرَ يصل إليهم، ولا خبر يتطلع منهم إلى غيرهم، وقد كانوا مُعَدِّين لبثّ الخبر في العامة وإظهار الججةِ بالمفارقة والدعاء لأهل القوّة إلى المخالفة، يبذلون الأموال، ويضمنون لهم معظم الولايات والقطائع والمنازل، فوجدوا جميع ذلك ممنوعًا محسومًا، حتى صاروا إلى باب المأمون. وكان الكتاب النافذ معهم إلى المأمون: أما بعد، فإن أمير المؤمنين الرّشيد وإن كان أفردك بالطَرْف، وضمّ ما ضمّ إليك من كُور الجبل، تأييدًا لأمرك، وتحصينًا لطرْفك، فإنّ ذلك لا يُوجب لك فضلة المال عن كفايتك. وقد كان هذا الطَّرْف وخراجه كافيًا لحدثه، ثم تتجاوز

стр. 5149

بعد الكفاية إلى ما يفضل من ردّه، وقد ضمّ لك إلى الطرْف كورًا من أمّهات كوَر الأموال لا حاجة لك فيها، فالحقّ فيها أن تكون مردودةً في أهلها، ومواضع حقها. فكتبت إليك أسألك ردّ تلك الكوَر إلى ما كانت عليه من حالها، لتَكون فضول ردّها مصروفة إلى مواضعها، وأن تأذن لقائم بالخبر يكون بحضرتك يؤدّي إلينا علْم ما نُعنَى به من خبر طرْفك، فكتبتَ تلطّ دون ذلك بما إن تمّ أمرُك عليه صيَّرنا الحقُّ إلى مطالبتك، فاثن عن همك اثن عن مطالبتك، إن شاء الله. فلمّا قرأ المأمون الكتاب كتب مجيبًا له: أما بعد، فقد بلغني كتابُ أمير المؤمنين، ولمْ يكتب فيما جهل فاكشفَ له عن وجهه، ولمْ يسأل ما يوجبه حقّ فيلزمني الحجة بترك إجابته، وإنما يتجاوز المتناظران منزلة النصفة ما ضاقت النّصفة عن أهلها، فمتى تجاوز متجاوز - وهي موجودة الوسع - ولم يكن تجاوزُها إلّا عن نقضها واحتمال ما في تركها، فلا تبعثني يا بن أبي على مخالفتك وأنا مذعِنٌ بطاعتك، ولا علي قطيعتك. وأنا على إيثار ما تحب من صلتك، وارْضَ بما حكم به الحقّ في أمرك أكن بالمكان الذي أنزلني به الحق فيما بيني وبينك والسلام. ثم أحضر الرّسل، فقال: إنّ أمير المؤمنين كتب في أمرٍ كتبتُ له في جوابِه، فأبلغوه الكتاب، وأعلموه أني لا أزال على طاعته، حتى يضطرني بترك الحقّ الواجب إلى مخالفته فذهبوا يقولون، فقال: قفوا أنفسكم حيث وقفنا بالقول بكم، وأحسنوا تأدية ما سمعتم، فقد أبلغتمونا من كتابنا ما عسى أن تقولوه لنا. فانصرف الرسل ولم يُثبتوا لأنفسهم حجة، ولم يحملوا خبرًا يؤدونه إلى صاحبهم، ورأوا جدًّا غير مشوب بهزل، في منع ما لَهُمْ من حقهم الواقع - بزعمهم. فلما وصل كتاب المأمون إلى محمد وصل منه ما فظع به، وتخمط غيظًا بما تردد منه [في سمعه]، وأمر عند ذلك بما ذكرناه من الإمساك عن الدّعاء له على المنابر، وكتب إليه: أما بعد، فقد بلغني كتابك غامطًا لنعمة الله عليك فيما مكَّن لك من ظلها، متعرّضًا لحِراق نار لا قِبلَ لك بها، ولَحظّك عن الطاعة كان أودع لك، وإن كان قد تقدّم مني متقدّم، فليس بخارج من مواضع نفعك إذ كان راجعًا على العامة من رعيّتك، وأكثر من ذلك ما يمكن لك من منزلة السلامة، ويثبت لك من حال

стр. 5150

الهُدْنة، فأعلمني رأيَك أعمل عليه. إن شاء الله (١). وذكر سهل بن هارون عن الحسن بن سهل، أنّ المأمون قال لذي الرياستين: إن ولدي وأهلي ومالي الذي أفرده الرّشيد لي بحضرة محمد - وهو مائة ألف ألف - وأنا إليها محتاج، وهي قِبَله فما ترى في ذلك؟ وراجعه في ذلك مرارًا. فقال له ذو الرياستين: أيّها الأمير، بك حاجة إلى فضلة مالك، وأن يكون أهلك في دارك وجنابك، وإن أنت كتبتَ فيه كتاب عزمة فمنعك صار إلى خلع عهده، فإن فعل حَملَك ولو بالكُرْه على محاربته، وأنا أكره أن تكون المستفتِح باب الفُرْقة ما ارتجه الله دونك، ولكن تكتب كتاب طالب لحقِّك، وتوجيه أهلك على ما لا يوجب عليه المنع نكثًا لعهدك، فإن أطاع فنعمة وعافية، وإن أبَى لم تكن بعثت على نفسك حربًا [أو مشاقة]. فاكتب إليه، فكتب عنه: أما بعد، فإن نظر أمير المؤمنين للعامة نظرُ من لا يقتصر عنه على إعطاء النّصفة من نفسه حتى يتجاوزَها إليهم ببرّه وصلته، وإذا كان ذلك رأيه في عامته، فأحْرِ بأن يكون على مجاوزة ذلك بصنوه وقسيم نسبه، فقد تعلم يا أمير المؤمنين حالًا أنا عليها من ثغور حللتُ بين لهواتها، وأجناد لا تزال موقنة بنشر غيِّها وبنكث آرائها، وقلة الخَرْج قِبَلي، والأهل والولد قِبَل أمير المؤمنين، وما للأهل - وإن كانوا في كفاية من برّ أمير المؤمنين، فكان لهم والدًا - بُدّ من الإشراف والنزوع إلى كنفي، ومالي بالمال من القوّة والظهير على لمّ الشعث بحضرتي، وقد وجهْتُ لحمل العيال وحمل ذلك المال، فرأى أمير المؤمنين في إجازة فلان إلى الرّقة في حمْل ذلك المال، والأمر بمعونته عليه، غير محرِج له فيه إلى ضيقة تقع بمخالفته، أو حامل له على رأي يكون على غير موافقة. والسلام.
следующие страницы →