قال محمد بن إسحاق: فلم يزل جعفر مصلوبًا حتى أراد الرشيد الخروج إلى خُراسان، فمضيت فنظرت إليه، فلما صار بالجانب الشرقيّ على باب خزيمة بن خازم، دعا بالوليد بن جُشم الشاري من الحبْس، وأمر أحمد بن الجنيد الخُتّليّ - وكان سيّافه - فضرب عنقه، ثم التفت إلى السنديّ، فقال: ينبغي أن يحرق هذا - يعني جعفرًا - فلما مضى، جمع السنديّ له شوكًا وحطبًا وأحرقه.
وقال محمد بن إسحاق: لما قتل الرّشيد جعفر بن يحيى، قيل ليحيى بن خالد: قتل أمير المؤمنين ابنَك جعفرًا، قال: كذلك يُقتَل ابنُه، قال: فقيل له: خربت ديارك، قال: كذلك تُخرَب دورهم.
وذكر الكرمانيّ أن بشارًا التركيّ حدّثه أن الرشيد خرج إلى الصيد وهو بالعُمْر في اليوم الذي قتل جعفرًا في آخره؛ فكان ذلك اليوم يوم جمعة، وجعفر بن يحيى معه، قد خلَا به دون ولاة العهد، وهو يسير معه، وقد وضع يده على عاتقه؛ وقبل ذلك ما غلَّفه بالغالية بيد نفسه؛ ولم يزل معه ما يفارقه حتى انصرف مع المغرب، فلما أراد الدخول ضمَّه إليه، وقال له: لولا أني على الجلوس الليلة مع النّساء لم أفارقك، فأقم أنت في منزلك، واشرب أيضًا واطرب؛ لتكون أنت في مثل حالي، فقال: لا والله ما أشتهي ذلك إلّا معك، فقال له: بحياتي لما شربت؛ فانصرف عنه إلى منزله؛ فلم تزل رسُل الرشيد عنده ساعة بعد ساعة تأتيه بالأنفال والأبخرة والرياحين؛ حتى ذهب الليل. ثم بعث إليه مسرورًا فحبس عنده، وأمر بقتله وحَبْس الفضل ومحمد وموسى، ووكَّل سلامًا الأبرش بباب يحيى بن خالد، ولم يعرض لمحمد بن خالد ولا لأحدٍ من ولده وحَشمه.
قال: فحدثني العباس بن بزيع عن سلّام، قال: لمّا دخلت على يحيى في ذلك الوقت - وقد هُتكت الستور وجُمع المتاع - قال لي: يا أبا سلمة؛ هكذا تقوم الساعة! قال سلّام: فحدثت بذلك الرشيد بعد ما انصرفت إليه، فأطرق مفكّرًا (١).
قال: وحدثني أيوب بن هارون بن سليمان بن عليّ، قال: كان سكني إلى يحيى، فلما نزلوا الأنبار خرجت إليه فأنا معه في تلك العشيَّة التي كان آخر أمره،
стр. 5077
وقد صار إلى أمير المؤمنين في حَرّاقته، فدخل إليه من باب صاحب الخاصّة، فكلَّمه في حوائج الناس وغيرها من إصلاخ الثغور وغزو البحر، ثم خرج، فقال للناس: قد أمر أمير المؤمنين بقضاء حوائجكم، وبعث إلى أبي صالح يحيى بن عبد الرحمن يأمره بإنفاذ ذلك، ثم لم يزل يحدّثنا عن أبي مسلم وتوجيه معاذ بن مسلم حتى دخل منزله بعد المغرب، ووافانا في وقت السّحَر خبرُ مقتل جعفر وزوال أمرهم. قال: فكتبت إلى يحيى أعزّيه، فكتب إليّ: أنا بقضاء الله راض، وبالخيار منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما ربك بظلام للعبيد. وما يعفو الله أكثر، ولله الحمد.
وفي ذلك يقول الرّقاشيّ:
أَيا سَبْتُ يا شرّ السُّبوتِ صَبيحةً ... ويا صفَرُ الَمشْؤُوم ما جئتَ أَشأَما
أَتَى السَّبْتُ بالأَمْرِ الَّذي هَدَّ ركنَنا ... وفي صَفَرٍ جاءَ البلاءُ مُصَمّما
قال: وذُكر عن مسرور أنه أعلم الرّشيد أن جعفرًا سأله أن تقع عينه عليه، فقال: لا، لأنه يعلم إن وقعت عيني عليه لم أقتله.
* * *
[ما قيل في البرامكة من الشعر بعد زوال أمرهم]
قال: وفيهم يقول الرّقاشيّ، وقد ذكر أن هذا الشعر لأبي نواس:
الآنَ استرحنا واستراحت ركابُنَا ... وأَمسَكَ من يُجْدِي ومن كانَ يَجْتَدِي
فَقُلْ لِلمَطَايا قد أَمِنتِ من السُّرَى ... وطَيّ الفيافي فَدْفَدًا بعدَ فَدفَدِ
وقُلْ للمَنايا: قد ظَفِرتِ بجَعْفرٍ ... ولن تَظفَرِي من بعدهِ بمُسَوَّدِ
وقُلْ للعطايا بَعدَ فضلٍ تَعَطَّلِي ... وقُلْ للرزايا كلَّ يومٍ تجَدَّدي
ودُونَكِ سيفًا برمكيًّا مُهَنَّدًا ... أُصيبَ بسيفٍ هاشميٍّ مُهَنَّدِ
وفيهم يقول في شعر له طويل:
إِن يغدُر الزَّمَنُ الخَؤون بنا فَقدْ ... غَدَرَ الزَّمَان بجعفرٍ ومُحَمَّدِ
حَتَّى إِذا وضح النهارُ تكشَّفَتْ ... عن قتلِ أَكْرَمِ هَالك لم يُلحَدِ
والبيضُ لوْلا أَنَّهَا مأْمُورةٌ ... ما فُلَّ حدُّ مُهَنَّدٍ بمهنَّد
يا آلَ برمَكَ كَمْ لكُمْ من نائِلٍ ... ونَدىً، كَعَدِّ الرَّملِ غيْرَ مُصَرَّدِ
стр. 5078
إِنَّ الخليفةَ - لا يُشكُّ - أَخوكُمُ ... لكنَّه في برمَكٍ لم يُولَدِ
نازعتموه رضاعَ أَكرم حُرَّةٍ ... مخلوقَةٍ من جَوْهرٍ وزبرجدِ
مَلكٌ له كانت يدٌ فَيَّاضَةٌ ... أَبدًا تَجودُ بطارفٍ وبمُتلَدِ
كانت يدًا للجودِ حتى غلَّها ... قَدَرٌ فأَضحى الجود مغلولَ اليدِ
وفيهم يقول سيف بن إبراهيم:
هوَت أَنجُمُ الجَدوَى وشَلَّت يدُ النَّدَى ... وغاضَت بُحورُ الجودِ بعدَ البرامِكِ
هوت أَنجمٌ كانت لأَبناء برمكٍ ... بها يعرِفُ الحادي طريقَ المسالكِ
وقال ابن أبي كريمة:
كلُّ مُعيرٍ أعِيرَ مَرتَبَةً ... بعدَ فتى برمكٍ على غَرَرِ
صالَت عليه من الزمان يدٌ ... كان بها صائلًا على البَشرِ
وقال العطويّ أبو عبد الرحمن:
أَمَا والله لولَا قولُ واشٍ ... وعَينٌ للخليفة لا تنامُ
لطُفْنَا حَوْلَ جِذعكَ واستلَمْنا ... كما للنَّاس بالحَجِر اسْتلامُ
علَى الدنيا وَساكنِها جميعًا ... وَدَوْلَةِ آل برمكٍ السّلامُ
وفي قتل جعفر قال أبو العتاهة:
قُولا لمنْ يَرْتَجِي الحياةَ أمَا ... في جَعْفرٍ عِبرَةٌ وَيَحياهُ!
كانَا وَزيرَيْ خليفة الله ها ... رونَ همَا ما هما خليلَاهُ
فذاكُم جعفرٌ برُمَّتِهِ ... في حالق رَأسُهُ ونِصفاهُ
والشيخُ يحيى الوزيرُ أَصبحَ قد ... نحَّاهُ عن نفْسِه وَأَقصاهُ
شُتِّتَ بعدَ التجميع شملُهُمُ ... فأَصْبَحُوا في البلاد قد تاهُوا
كذاكَ مَن يُسْخِطِ الإِلَه بما ... يُرضِي به العبدَ يَجزهِ اللهُ
سبْحانَ من دانَتِ الملوك له ... أَشهدُ أَن لا إله إِلا هُو
طُوبَى لمن تابَ بعدَ غِرَّتِهِ ... فتابَ قبلَ المماتِ، طُوبَاهُ!
* * *
قال: وفي هذه السنة هاجت العصبيّة بدمشق بين المضريَّة واليمانية، فوجَّه الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم.
وفيها زُلزلت المَصِّيصة فانهدم بعض سورها، ونضب ماؤهم ساعة الليل.
стр. 5079
وفيها خرج عبد السلام بآمِد، فحكّم، فقتله يحيى بن سعيد العُقَيْليّ.
وفيها مات يعقوب بن داود بالرّقَّة.
وفيها غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح وحبسه.
* ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وما أوجب حبسه:
ذكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل أنّ عبد الملك بن صالح كان له ابن يقال له عبد الرحمن، كان من رجال الناس، وكان عبد الملك يكنى به؛ وكان لابنه عبد الرحمن لسان، على فأفأة فيه، فنصب لأبيه عبد الملك وقُمامة، فسعيا به إلى الرشيد، وقالا له: إنه يطلب الخلافة ويطمع فيها، فأخذه وحبسه عند الفضل بن الربيع؛ فذُكر أن عبد الملك بن صالح أدخل على الرشيد حين سخط عليه، فقال له الرّشيد: أكفرًا بالنعمة، وجحودًا لجليل المنّة والتكرمة! فقال: يا أميرَ المؤمنين، لقد بؤتُ إذًا بالندم، وتعرّضت لاستحلال النِّقم؛ وما ذاك إلا بغيُ حاسد نافسني فيك مودّة القرابة وتقديم الولاية. إنّك يا أمير المؤمنين خليفة رسول الله ﷺ في أمَّته، وأمينُه على عِترته، لك فيها فرض الطاعة وأداء النصيحة، ولها عليك العدْل في حكمها والتثبّت في حادثها، والغفران لذنوبها. فقال له الرشيد: أتَضع لي من لسائك، وترفع لي من جنانك! هذا كاتبك قُمامة يخبر بغلّك، وفساد نيتك، فاسمع كلامه. فقال عبد الملك: أعطاك ما ليس في عقده؛ ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني. وأحضِر قُمامة، فقال له الرشيد: تكلَّم غير هائب ولا خائف، قال: أقول: إنه عازم على الغدْر بك والخلاف عليك، فقال عبد الملك: أهو كذاك يا قمامة! قال قمامة: نعم، لقد أردتَ ختْل أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: كيف لا يكذِب عليّ من خلفي وهو يبهتني في وجهي! فقال له الرّشيد: وهذا ابنك عبد الرحمن يخبرني بعتوّك وفساد نيَّتك، ولو أردتُ أن أحتجّ عليك بحجة لم أجد أعدل من هذين لك، فبم تدفعهما عنك؟ فقال عبد الملك بن صالح: هو مأمور، أو عاقّ مجبور؛ فإن كان مأمورًا فمعذور، وإن كان عاقًّا ففاجر كفور؛ أخبر الله بعداوته، وحذّر
стр. 5080
منه بقوله: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ (١).
قال: فنهضَ الرشيد، وهو يقول: أمّا أمرك فقد وَضح؛ ولكني لا أعجَل حتى أعلم الذي يُرضي الله فيك؛ فإنه الحكم بيني وبينك. فقال عبد الملك: رضيتُ بالله حكَمًا، وبأمير المؤمنين حاكمًا؛ فإني أعلم أنه يُؤثر كتابَ الله على هواه، وأمرَ الله على رضاه.
قال: فلما كان بعد ذلك جلس مجلسًا آخر، فسلَّم لما دخل، فلم يردّ عليه، فقال عبد الملك: ليس هذا يومًا أحتجّ فيه، ولا أجاذب منازعًا وخصمًا. قال: ولمَ؟ قال: لأنّ أوله جرى على غير السنَّة؛ فأنا أخاف آخره. قال: وما ذاك؟ قال: لم تردّ عليّ السلام، أنصفْ نَصفة العوام. قال: السلام عليكم؛ اقتداء بالسنة، وإيثارًا للعدل، واستعمالًا للتحية. ثم التفت نحو سليمان بن أبي جعفر، فقال وهو يخاطب بكلامه عبد الملك:
أريدُ حيَاتَهُ ويُريدُ قتلى .... البيت.
ثم قال: أما والله لكأني أنظرُ إلى شؤبوبها قد همع، وعارضها قد لمع؛ وكأني بالوعيد قد أورى نارًا تَسْطع، فأقلع عن براجم بلا معاصم ورؤوس بلا غلاصم؛ فمهلًا؛ فَبِي والله سُهِّل لكم الوعْر، وصفاْ لكمِ الكدر، وألقت إليكم الأمورُ أثناء أزمَّتها، فنذار لكم نذار، قبل حلول داهية خبوط باليد، لبوط بالرِّجْل. فقال عبد الملك: اتقّ الله يا أمير المؤمنين فيما ولّاك، وفي رعيته التي استرعاك، ولا تجعل الكفر مكان الشكر، ولا العقاب موضع الثواب، فقد نخلتُ لك النصيحة، ومحضتُ لك الطاعة، وشددت أواخِيَ ملكك بأثقل من رُكْنيْ يَلمْلَم، وتركتُ عدوّك مشتغلًا فالله اللهَ في ذي رحمِك أن تقطَعه، بعد أن بللتَه بظنّ أفصح الكتابُ لي بعضَه، أو ببغي باغ ينهس اللحم، ويالَغُ الدم، فقد والله سهّلتُ لك الوعور، وذَلّلت لك الأمور، وجمعت على طاعتك القلوب في الصدور، فكم من ليلِ تمام فيك كابدْتُه، ومقام ضيّق قمته؛ كنت كما قال أخو بني جعفر بن كلاب:
وَمَقامٍ ضَيّق فَرَجتُه ... بِبَناني وَلساني وَجَدَلْ
стр. 5081
لو يقومُ الفيلُ أَو فَيَّالهُ ... زَلَّ عن مِثلِ مقامي وزَحَلْ
قال: فقال له الرّشيد: أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقَك.
وذكر زيد بن عليّ بن الحسين العلويّ، قال: لمّا حبس الرشيد عبد الملك بن صالح، دخل عليه عبد الله بن مالك - وهو يومئذ على شُرطه - فقال: أفي إذن أنا فأتكلم؟ قال: تكلم، قال: لا، والله العظيم يا أمير المؤمنين، ما علمتُ عبدَ الملك إلا ناصحًا، فعلام حبستَه! قال: ويحك! بلغني عنه ما أوحشني ولم آمنه أن يضرب بين ابنيَّ هذين - يعني الأمين والمأمون - فإن كنتَ ترى أن نطلِقه من الحبس أطلقناه. قال: أمّا إذْ حبستَه يا أمير المؤمنين، فلست أرى في قرِب المدة أن تطلقه؛ ولكن أرى أن تحبسه محبسًا كريمًا يشبه محبس مثلِك مثله. قال: فإني أفعل. قال: فدعا الرّشيد الفضلَ بن الربيع، فقال: امضِ إلى عبد الملك بن صالح إلى محبسِه، فقل له: انظر ما تحتاج إليه في محبسك فأمُرْ به حتى يقام لك؛ فذكر قصته وما سأل.
قال: وقال الرّشيد يومًا لعبد الملك بن صالح في بعض ما كلَّمه: ما أنت لصالح! قال: فلمن أنا؟ قال: لمروان الجعديّ، قال: ما أبالي أيّ الفحْلين غلب عليّ؛ فحبسه الرّشيد عند الفضل بن الربيع، فلم يزل محبوسًا حتى تُوُفّي الرشيد، فأطلقه محمد، وعقد له على الشأم؛ فكان مقيمًا بالرّقة، وجعل لمحمد عهد الله وميثاقه: لئن قتِل وهو حيّ لا يعطي المأمون طاعةً أبدًا. فمات قبل محمد، فدُفن في دار من دور الإمارة، فلما خرج المأمون يريد الروم أرسل إلى ابن له: حوّل أباك من داري، فنُبشَتْ عظامه وحُوّلت، وكان قال لمحمد: إن خفتَ فالجأ إليّ، فولله لأصوننَّك.
وذكر أن الرشيد بعث في بعض أيامه إلى يحيى بن خالد: إن عبد الملك بن صالح أراد الخروج ومنازعتي في الملك، وقد علمتَ ذلك، فأعلمني ما عندك فيه، فإنك إن صدقتني أعدتُك إلى حالك، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما اطّلعت من عبد الملك على شيء من هذا، ولو اطّلعت عليه لكنت صاحبه دونك؛ لأن ملكك كان ملكي، وسلطانك كان سلطاني، والخير والشرّ كان فيه عليّ ولي؛ فكيف يجوز لعبد الملك أن يطمَع في ذلك مني! وهل كنتُ إذا فعلْتُ ذلك به يَفعل بي أكثر من فعلك! أعيذك بالله أن تظنّ بي هذا الظنّ؛ ولكنَّه كان
стр. 5082
رجلًا محتملًا، يسرّني أن يكون في أهلك مثله، فوليتَه، لما أحمدت من مذهبه، وملت إليه لأدبه واحتماله. قال: فلما أتاه الرسول بهذا أعاد إليه، فقال: إن أنت لم تقرّ عليه قتلتَ الفضل ابنك، فقال له: أنت مسلّط علينا فافعل ما أردت، على أنه إن كان من هذا الأمر شيء فالذنب فيه لي، فبمَ يدخل الفضل في ذلك! فقال الرسول للفضل: قم؛ فإنه لا بدّ لي من إنفاذ أمير المؤمنين فيكَ؛ فلم يشكّ أنه قاتله، فودّع أباه، وقال له: ألستَ راضيًا عني؟ قال: بلى، فرضي الله عنك. ففرّق بينهما ثلاثة أيام؛ فلما لم يجد عنده من ذلك شيئًا جمعهما كما كانا.
وكان يأتيهم منه أغلظ رسائل، لمَا كان أعداؤهم يقرِفونهم به عنده، فلما أخذ مسرور بيد الفضل كما أعلمه، بلغ من يحيى، فأخرج ما في نفسه، فقال له: قل له: يُقتَل ابنُك مثله. قال مسرور: فلما سكن عن الرشيد الغضب، قال: كيف قال؟ فأعدت عليه القول، قال: قد خفت والله قولَه، لأنه قلَّما قال لي شيئًا إلا رأيتُ تأويله.
وقيل: بينما الرّشيد يسير وفي موكبه عبد الملك بن صالح، إذ هتف به هاتف وهو يُساير عبد الملك، فقال: يا أمير المؤمنين، طأطئ من إشرافه وقصِّر من عنانه، واشدُدْ من شكائمه؛ وإلّا أفسد عليك ناحيته. فالتفت إلى عبد الملك، فقال: ما يقول هذا يا عبد الملك؟ فقال عبد الملك: مقال باغٍ ودسيس حاسد؛ فقال له هارون: صدقت، نَقَصَ القوم ففضلتَهم، وتَخَلَّفُوا وتقدّمتَهم؛ حتى برز شأوك، فقصّر عنه غيرُك؛ ففي صدورهم جَمرات التخلّف، وحزازات النقص. فقال عبد الملك: لا أطفأها الله وأضرمها عليهم حتى تورثهم كمدًا دائمًا أبدًا.
وقال الرشيد لعبد الملك بن صالح وقد مرّ بمنبج وبها مستقر عبد الملك:
هذا منزلك؟ قال: هو لك يا أمير المؤمنين! ولي بك. قال: كيف هو؟ ، قال: دون بناء أهلي وفوق منازل منبج، قال: فكيف ليلها؟ قال: سحرو كله.
وفي ذلك يقول إسماعيل بن القاسم أبو العتاهية:
إِمامَ الهُدَى أَصبَحْتَ بالدِّينِ مَعْنِيًّا ... وأَصبَحتَ تسْقِي كلَّ مُسْتمطِرٍ رِيَّا
لك اسْمانِ شُقَّا مِنْ رَشادٍ وَمِنْ هُدىً ... فأَنْتَ الذِي تدعى رَشيدًا ومَهْدِيًّا
إِذا ما سَخِطْتَ الشَّيءَ كانَ مُسَخَّطًا ... وإنْ تَرْضَ شيئًا كانَ في الناس مَرْضِيًّا
стр. 5083
بَسَطتَ لنا شَرْقًا وَغَرْبًا يَدَ العُلا ... فأَوْسَعْتَ شَرقِيًّا وَأَوْسعْتَ غَرْبِيًا
ووشَّيتَ وجْه الأَرضِ بالجُودِ والنَّدَى ... فأصبح وجْهُ الأَرضِ بالجودِ مَوْشيَّا
قَضَى اللهُ أَنْ يَصفُو لهارونَ مُلكُهُ ... وكَانَ قَضاءُ اللهِ في الخَلق مَقضِيّا
تحَلَّبَتِ الدنيا لهارونَ بالرِّضا ... فأَصبَحَ نِقْفُورٌ لهارونَ ذِمَيّا (١)
* ذكر الخبر عن سبب مقتله (٢).
ذُكر عن صالح الأعمى - وكان في ناحية إبراهيم بن عثمان بن نَهيك - قال: كان إبراهيم بن عثمان كثيرًا ما يذكر جعفر بن يحيى والبرامكة، فيبكي جزعًا عليهم، وحبًّا لهم، إلى أن خَرج من حدّ البكاء، ودخل في باب طالبي الثأر والإحَن، فكان إذا خلا بجواريه وشرب وقوي عليه النبيذ، قال: يا غلام، سيفي ذا المنيّة - وكان قد سمى سيفه ذا المنيَّة - فيجيئه غلامه بالسيف فينتضيه، ثم يقول: واجعفراه! واسيّداه! والله لأقتلنّ قاتلك، ولأثأرنّ بدمك عن قليل! فلما كثر هذا من فعله، جاء ابنه عُثمان إلى الفضل بن الربيع، فأخبره بقوله، فدخل الفضلَ فأخبر الرشيد، فقال: أدخله، فدخل، فقال: ما الذي قال الفضل عنك؟ فأخبره بقول أبيه وفعله، فقال الرشيد: فهل سمع هذا أحدٌ معك؟ قال: نعم خادمه نوال، فدعا خادمه سرًّا فسأله، فقال: لقد قال ذاك غير مرّة ولا مرتيْن، فقال الرّشيد: ما يحلّ لي أن أقتل وليًّا من أوليائي بقول غلام وخَصِيّ، لعلهما تواصَيا على هذه المنافسة؛ الابن على المرتبة، ومعاداة الخادم لطول الصحبة، فترك ذلك أيامًا، ثم أراد أن يمتحن إبراهيم بن عثمان بمحنة تُزيل الشكَّ عن قلبه، والخاطر عن وهمِه، فدعا الفضلَ بن الربيع، فقال: إني أريد محنَة إبراهيم بن عثمان فيما رفع ابنه عليه؛ فإذا رُفع الطعام فادع بالشراب، وقل له: أجب أميرَ المؤمنين فينادمك؛ إذْ كنت منه بالمحلّ الذي أنت به، فإذا
стр. 5084
شرب فاخرج وخلِّنِي وإياه، ففعل ذلك الفضل بن الربيع؛ وقعد إبراهيم للشراب، ثم وثب حين وثب الفضل بن الربيع للقيام، فقال له الرشيد: مكانك يا إبراهيم، فقعد، فلما طابت نفسه، أومأ الرّشيد إلى الغلمان فتنحّوْا عنه، ثم قال: يا إبراهيم، كيف أنت وموضع السرّ منك؟ قال: يا سيّدي إنما أنا كأخصّ عبيدك، وأطوع خدمك؛ قال: إنّ في نفسي أمرًا أريد أن أودعَكه، وقد ضاق صدري به، وأسهرتُ به ليلي، قال: يا سيدي إذًا لا يرجع عني إليك أبدًا، وأخفيه عن جنبي أن يَعلمه، ونفسي أن تذيعه. قال: ويحك! إني ندمت على قتل جعفر بن يحيى ندامةً ما أحسن أن أصفَها، فوددت أني خرجت من مُلْكِي وأنه كان بقي لي؛ فما وجدت طعم النوم منذ فارقتُه، ولا لذّة العيش منذ قتلته! قال: فلما سمعها إبراهيم أسبل دمعه، وأذرى عبرته، وقال: رحم الله أبا الفضل، وتجاوز عنه! والله يا سيدي لقد أخطأتَ في قتله، وأوطِئت العَشْوة في أمره! وأين يوجد في الدنيا مثله! وقد كان منقطع القرين في الناس أجمعين دينًا. فقال الرشيد: قم عليك لعنة الله يا بن اللخناء! فقام ما يعقل ما يطأ، فانصرف إلى أمه، فقال: يا أمّ، ذهبت والله نفسي، قالت: كلّا إن شاء الله، وما ذاك يا بنيّ؟ قال: ذاك أنّ الرشيد امتحننِي بمحنة والله، ولو كان لي ألف نفسي لم أنجُ بواحدة منها. فما كان بين هذا وبين أن دخل عليه ابنه - فضربه بسيفه حتى مات - إلا ليالٍ قلائل.
وحج بالناس في هذه السنة عبيد الله بن العباس بن محمد بن علي.
* * *
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك غزو إبراهيم بن جبريل الصائفة، ودخوله أرض الروم من درب الصفصاف فخرج للقائه نقفور، فورد عليه من ورائه أمر صرفه عن لقائه
стр. 5085
فانصرف، ومر بقوم من المسلمين فجرح ثلاث جراحات، وانهزم، وقتل من الروم - فيما ذكر أربعون ألفًا وسبعمائة وأخذ أربعة آلاف دابة.
وفيها رابط القاسم بن الرشيد بدابق.
وحج بالناس فيها الرشيد، فجعل طريقه إلى المدينة، فأعطى أهلها نصف العطاء؛ وهذه الحجَّة هي آخر حجة حجها الرشيد؛ فيما زعم الواقدي وغيره.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
فمن ذلك ما كان من شخوص هارون الرشيد أمير المؤمنين فيها إلى الرّيّ (١).
ذكر الخبر عن سبب شخوصه إليها وما أحدث في خرجته تلك في سفره.
ذُكر أنّ الرشيد كان استشار يحيى بن خالد في تولية خُراسان عليّ بن عيسى بن ماهان، فأشار عليه ألّا يفعل، فخالفه الرّشيد في أمره، وولّاه إياها، فلما شَخَص عليّ بن عيسى إليها ظلم الناس، وعسَر عليهم، وجمع مالًا جليلًا، ووجّه إلى هارون منها هدايا لم يُرَ مثلها قطّ من الخيل والرقيق والثياب والمسك والأموال، فقعد هارون بالشمَّاسيَّة على دكان مرتفع حين وصل ما بعث به عليّ إليه، وأحضرِت تلك الهدايا فعرِضْت عليه، فعظمت في عينه، وجلّ عنده قدرُها، وإلى جانبه يحيى بن خالد، فقال له: يا أبا عليّ؛ هذا الذي أشَرْتَ علينا ألا نولِّيه هذا الثغر، فقد خالفناك فيه، فكان في خلافك البركة - وهو كالمازح معه إذ ذاك - فقد ترى ما أنتج رأينا فيه، وما كان من رأيك! فقال: يا أميرَ المؤمنين، جعلني الله فداك! أنا وإن كنت أحبّ أن أصيب في رأي وأوفّق في مشورتي، فأنا أحبّ من ذلك أن يكون رأي أمير المؤمنين أعْلى، وفراسته أثقب، وعلمه أكثر من علمي، ومعرفته فوق معرفتي، وما أحسن هذا وأكثره إن لم يكن وراءه ما يكره أمير المؤمنين، وما أسأل الله أن يعيذه ويُعفيه من سوء
стр. 5086
عاقبته ونتائج مكروهه، قال: وما ذاك؟ فأعلمه، قال: ذاك أني أحسب أنّ هذه الهدايا ما اجتمعتْ له حتى ظلم فيها الأشراف، وأخذ أكثرها ظلمًا وتعدّيًا؛ ولو أمرني أمير المؤمنين لأتيته بضعفها الساعة من بعض تجار الكرْخ، قال: وكيف ذاك؟ قال: قد ساومْنا عونًا على السّفَط الذي جاءنا به من الجوهر، وأعطيناه به سبعة آلاف ألف، فأبى أن يبيعه، فأبعثُ إليه الساعة بحاجتي فآمره أن يردّه إلينا؛ لنعيد فيه نظرنا؛ فإذا جاء به جَحدْناه، وربحنا سبعة آلاف ألف، ثم كنا نفعل بتاجرين من كبار التجار مثل ذلك. وعلى أنّ هذا أسلمُ عاقبة، وأستر أمرًا من فعل عليّ بن عيسى في هذه الهدايا بأصحابها، فأجمعُ لأمير المؤمنين في ثلاث ساعات أكثرَ من قيمة هذه الهدايا بأهْون سعي، وأيسر أمر، وأجمل جباية؛ ممَّا جمع عليّ في ثلاث سنين.
فوقرت في نفس الرشيد وحفظها، وأمسك عن ذكر عليّ بن عيسى عنده، فلما عاث عليّ بن عيسى بخُراسان ووتر أشرافها، وأخذ أموالهم، واستخفّ برجالهم، كتب رجال من كبرائهم ووجوهها إلى الرشيد، وكتبتْ جماعة من كورها إلى قرَاباتها وأصحابها، تشكو سوءَ سيرته، وخبْث طعمته، ورداءة مذهبه، وتسأل أميرَ المؤمنين أن يبدّلها به من أحبّ من كفاته وأنصاره وأبناء دولته وقوّاده. فدعا يحيى بن خالد، فشاوره في أمر عليّ بن عيسى وفي صرفه، وقال له: أشر عليّ برجل ترضاه لذلك الثغر يُصلح ما أفسد الفاسق، ويرتَق ما فتق. فأشار عليه بيزيد بن مَزْيد، فلم يقبل مشورته.
وكان قيل للرشيد: إن عليّ بن عيسى قد أجمع على خلافِك، فشخص إلى الريّ من أجل ذلك، منصرفَه من مكة، فعسكر بالنّهروان لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، ومعه ابناه عبد الله المأمون والقاسم، ثم سار إلى الرّيّ، فلما صار بقَرْمَاسِين أشخص إليه جماعة من القُضاة وغيرهم، وأشهدهم أنّ جميع ما له في عسكره ذلك من الأموال والخزائن والسلاح والكُراع وما سوى ذلك لعبد الله المأمون، وأنه ليس له فيه قليل ولا كثير. وجدّد البيعة له على مَنْ كان معه، ووجّه هَرْثمة بن أعَين صاحب حرسه إلى بغداد، فأعاد أخذَ البَيْعة على محمد بن هارون الرشيد وعلى مَنْ بحضرته لعبد الله والقاسم، وجعل أمر القاسم في خلعه وإقراره إلى عبد الله؛ إذا أفضت الخلافة إليه. ثم مضى الرشيد عند
стр. 5087
انصراف هرثمة إليه إلى الريّ، فأقام بها نحوًا من أربعة أشهر؛ حتى قدم عليه عليّ بن عيسى من خراسان بالأموال والهدايا والطُّرف، من المتاع والمسك والجوهر وآنية الذهب والفضة والسلاح والدوابّ، وأهدى بعد ذلك إلى جميع مَنْ كان معه من ولده وأهل بيته وكتابه وخدَمه وقوّاده على قَدْر طبقاتهم ومراتبهم، ورأى منه خلاف ما كان ظنّ به وغير ما كان يقال فيه. فرضي عنه، وردّه إلى خراسان، وخرج وهو مشيّع له؛ فذُكر أن البيعة أخذت للمأمون والقاسم بولاية العهد بعد أخويْه محمد وعبد الله، وسُمِّيَ المؤتمن حينَ وجّه هارون هرثمة لذلك بمدينة السلام يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب من هذه السنة، فقال الحسن بن هانئ في ذلك:
تبارَكَ مَنْ سَاسَ الأُمورَ بِعِلْمهِ ... وفَضّلَ هارونًا على الخُلفاء
نزالُ بخَيْرٍ ما انطَويْنا على التُّقَّى ... وَما سَاسَ دنيانا أَبو الأُمناء
وفي هذه السنة - حين صار الرّشيد إلى الريّ - بعث حسينًا الخادم إلى طَبْرِستان، فكتب له ثلاثة كتب؛ من ذلك كتاب فيه أمان لشَرْوين أبي قارن، والآخر فيه أمان لونْداهرمز، جدّ مازيار، والثالث فيه أمان لمرزبان ابن جستان، صاحب الدَّيْلم، فقدِم عليه صاحبُ الدَّيلْم، فوهب له وكساه وردّه. وقدم عليه سعيد الحَرَشيّ بأربعمائة بطل من طبرستان، فأسلموا على يد الرشيد، وقدم ونداهرمز، وقبل الأمان، وضمن السمع والطاعة وأداء الخراج، وضمن على شَرْوين مثل ذلك، فقبل ذلك منه الرشيد وصرفه، ووجَّه معه هرثمة فأخذ ابنه وابن شَرْوين رهينة. وقدم عليه الرَّيّ أيضًا خزيمة بن خازم، وكان والي إرمينيَة، فأهدى هدايا كثيرة.
* * *
وفي هذه السنة ولّى هارون عبد الله بن مالِك طبرِستان والريّ والرُّويان ودُنْباوند وقُومِس وهَمَذَان. وقال أبو العتاهية في خَرْجة هارون هذه - وكان هارون وُلِد بالريّ:
إِنَّ أَمينَ اللهِ في خلْقِهِ ... حَنَّ به البِرُّ إِلى مَوْلده
ليُصلحَ الرَّيَّ وأَقطَارَها ... وَيُمطِرَ الخيْرَ بِها مِنْ يَدِهْ
* * *
стр. 5088
وذُكر عن بعض قوّاد الرشيد أنّ الرشيد قال لما ورد بغداد: والله إنّي لأطوي مدينةً مَا وُضِعَتْ بشرق ولا غرب مدينة أيمن ولا أيسر منها؛ وإنها لوطني ووطن آبائي، ودار مملكة بني العباس ما بقُوا وحافظوا عليها؛ وما رأى أحدٌ من آبائي سوءًا ولا نكبة منها، ولا سيء بها أحد منهم قطّ، ولنعم الدّار هي! ولكني أريد المناخ على ناحية أهل الشقاق والنفاق والبغض لأئمة الهدى والحبّ لشجرة اللعنة - بني أمية - مع ما فيها من المارقة والمتلصّصة ومخيفي السبيل؛ ولولا ذلك ما فارقتُ بغداد ما حييت ولا خرجت عنها أبدًا.
وقال العباس بن الأحنف في طيّ الرشيد بغداد:
ما أَنخنا حتى ارْتَحَلنا فما نَفْـ ... ـرِقُ بيْنَ المناخ والارْتحالِ
ساءَلونَا عن حالِنا إِذْ قَدِمْنَا ... فَقَرَنَّا ودَاعَهُمْ بالسؤال
* * *
وفي هذه السنة كان الفداء بين المسلمين والرّوم، فلم يبق بأرض الروم مسلم إلا فودي به - فيما ذكر - فقال مروان بن أبي حفصة في ذلك:
وفُكَّتْ بِكَ الأَسرَى التي شُيّدَتْ لها ... محابِسُ ما فيها حَمِيمٌ يَزورُها
على حِين أَعيَا المسلمينَ فِكاكُها ... وقالوا: سُجُونُ المُشرِكينَ قبورُها (١)
* * *
ورابطَ فيها القاسم بدَابِق.
ثم دخلت سنة تسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
* ذكر الخبر عن سبب ذلك (٢).
وكان سبب ذلك - فيما ذُكر لنا - أنْ يحيى بن الأشعث بن يحيى الطائيّ تزوّج
стр. 5089
ابنة لعمّه أبي النعمان، وكانت ذاتَ يسار، فأقام بمدينة السلام، وتركها بسَمَرْقَنْد، فلما طال مقامه بها، وبلغها أنه قد اتخذ أمهاتِ أولاد، التمست سببًا للتخلص منه، فعيّ عليها، وبلغ رافعًا خبرُها، فطَمع فيها وفي مالها، فدسّ إليها مَنْ قال لها: إنه لا سبيل لَها إلى التخلص من صاحبها؛ إلا أن تشرك بالله، وتحضر لذلك قومًا عدولًا، وتكشف شعرَها بين أيديهم، ثم تتوب فتحلّ للأزواج؛ ففعلت ذلك وتزّوجها رافع. وبلغ الخبر يحيى بن الأشعث، فرُفع ذلك إلى الرّشيد، فكتب إلى عليّ بن عيسى يأمره أن يفرّق بينهما، وأن يعاقب رافعًا ويجلده الحدّ، ويقيّده ويطوف به في مدينة سَمَرْقند مقيَّدًا على حمار؛ حتى يكون عظةً لغيره. فدرأ سليمان بن حميد الأزدي عنه الحدّ، وحمَله على حمار مقيّدًا حتى طلقها، ثم حبسه في سجن سَمرْقنْد، فهرب من الحبْس ليلًا من عند حُميد بن المسيح - وهو يومئذ على شُرَط سَمَرْقند - فلحق بعليّ بن عيسى ببلْخ، فطلب الأمان فلم يجبه عليّ إليه، وهمّ بضرب عُنقه، فكلَّمه فيه ابنه عيسى بن عليّ، وجدّد طلاق المرأة، وأذن له في الانصراف إلى سَمَرْقند، فانصرف إليها، فوثب بسليمان بن حميد؛ عامل علي بن عيسى فقتله، فوجّه عليّ بن عيسى إليه ابنه، فمال الناس إلى سباع بن مسعدة، فرأسوه عليهم، فوثب على رافع فقيّده، فوثبوا على سباع، فقيّدُوه ورأسوا رافعًا وبايعوه، وطابَقه مَنْ وراء النهر، ووافاه عيسى بن عليّ، فلقيه رافع فهزمه، فأخذ عليّ بن عيسى في فرْض الرجال والتأهب للحرب.
* * *
وفيها أسلم الفضل بن سهل على يدِ المأمون.
وفيها خرجت الروم إلى عين زَرْبة وكنيسة السّوْداء، فأغارت وأسرت، فاستنقذ أهل المصيصة ما كان في أيديهم.
* * *
وخرج في هذه السنة خارجيّ من عبد القيس يقال له سيف بن بكر، فوجّه إليه الرشيد محمد بن يزيد بن مَزْيد، فقتله بعين النُّورَة.
стр. 5090
ونقض أهل قُبرس العَهد، فغزاهم معيوف بن يحيى فسبى أهلَها.
* * *
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
وفيها خرج أبو النداء بالشام فوجّه الرشيد في طلبه يحيى بن معاذ، وعقدَ له على الشأم.
وفيها وقع الثلج بمدينة السلام (١).
وفيها ظفر حماد البربريّ بهيصم اليمانيّ.
وفيها ولّى الرشيد حمّوَيه الخادم بريد خُراسان.
وفيها ولّى الرشيد غزو الصائفة هرثمةَ بن أعْين، وضمّ إليه ثلاثين ألفًا من جند خُراسان، ومعه مسرور الخادم، إليه النفقات وجميع الأمور، خلا الرياسة ومضى الرّشيد إلى دَرْب الحَدَث، فرتّب هنالك عبد الله بن مالك، ورتّب سعيد بن سلم بن قتيبة بمَرْعَش، فأغارت الروم عليها، وأصابوا من المسلمين وانصرفوا وسعيد بن سلم مقيم بها، وبعث محمد بن يزيد بن مزيد إلى طَرَسوس فأقام الرشيد بدرْب الحدث ثلاثة أيام من شهر رمضان، ثم انصرف إلى الرّقة.
وفيها أمر الرّشيد بهدم الكنائس بالثغور، وكتب إلى السنديّ بن شاهك يأمره بأخذ أهل الذّمة بمدينة السلام بمخالفة هيئتهم هيئة المسلمين في لباسهم وركوبهم.
* * *
ذكر الخبر عن سبب عزل الرشيد عليّ بن عيسى وسخطه عليه
قال أبو جعفر: قد ذكر قبلُ سبب هلاك ابن عليّ بن عيسى وكيف قُتل.
стр. 5091
ولمَّا قتل ابنه عيسى خرج عليّ عن بلّخ حتى أتى مَرْو مخافةَ أن يسير إليها رافع بن الليث، فيستولي عليها. وكان ابنه عيسى دفن في بستان داره ببلخ أموالًا عظيمة - قيل إنها كانت ثلاثين ألف ألف - ولم يعلم بها عليّ بن عيسى ولا اطلع على ذلك إلا جارية كانت له، فلما شخص عليّ عن بلخ أطلعت الجارية على ذلك بعضَ الخدم، وتحدّث به الناس، فاجتمع قُرّاء أهل بلْخ ووجوهها، فدخلوا البستان فانتهبوه وأباحوه للعامة، فبلغ الرّشيد الخبر، فقال: خرج عليّ من بلْخ عن غير أمرِي، وخلَّف مثل هذا المال؛ وهو يزعم أنه قد أفْضَى إلى حَلْي نسائه فيما أنفق على محاربة رافع! فعزله عند ذلك، وولّى هرثمة بن أعيَن، واسَتصفى أموال عليّ بن عيسى، فبلغت أمواله ثمانين ألف ألف.
وذكر عن بعض الموالي أنه قال: كنا بجُرْجان مع الرشيد وهو يريد خُراسان، فوردت خزائن عليّ بن عيسى التي أخذت له على ألف وخمسمائة بعير، وكان عليّ مع ذلك قد أذلّ الأعالي من أهل خُراسان وأشرافهم.
وذكر أنه دخل عليه يومًا هشام بن فرخسرو والحسين بن مصعب، فسلَّما عليه، فقال للحسين: لا سلَّم الله عليك يا ملحد يا بن الملحد! والله إنيّ لأعرف ما أنتَ عليهْ من عداوتك للإسلام وطعنك في الدين، وما أنتظر بقتلك إلا إذن الخليفة فيه، فقد أباح الله دمَك، وأرجو أن يسفكه الله على يدي عن قريب، ويعجلك إلى عذابه. ألستَ المرجف بي في منزلي هذا بعد ما ثملتَ من الخمر، وزعمت أنه جاءتك كتب من مدينة السلام بعزلي! اخرج إلى سخط الله، لعنك الله، فعن قريب ما تكون من أهلها! فقال له الحسين: أعيذ بالله الأميرَ أن يقبل قول واشٍ، أو سعاية باغٍ، فإني بريء مما قُرفت به. قال: كذبت لا أمّ لك! قد صحّ عندي أنك ثملت من الخمر، وقلت ما وجب عليكَ به أغلظ الأدب؛ ولعلّ الله أن يعاجلَك ببأسه ونقمته؛ اخرج عني غير مستور ولا مصاحَب. فجاء الحاجب فأخذ بيده فأخرجه، وقال لهشام بن فرخسرو: صارت دارك دار الندوة؛ يجتمع فيه إليك السفهاء، وتطعن على الولاة! سفك الله دمي إن لم أسفك دمك! فقال هشام: جُعلت فداء الأمير! أنا والله مظلوم مرحوم؛ والله ما أدَعُ في تقريظ الأمير جهدًا، وفي وصفه قولًا إلّا خصصتُه به وقلته فيه؛ فإن كنت إذا قلت خيرًا نقل إليك شرًّا فما حيلتي! قال: كذبت لا أمّ لك؛ لأَنا أعلم بما تنطوي
стр. 5092
عليه جوانحك من ولدك وأهلك، فاخرج فعن قريب أريح منك نفسي. فخرج. فلمَّا كان في آخر الليل دعا ابنتَه عالية - وكانت من أكبر ولده - فقال لها: أيْ بنيَّة، إني أريد أن أفضيَ إليك بأمر إن أنت أظهرته قُتلتُ؛ وإنْ حفظته سلمتُ، فاختاري بقاء أبيك على موته، قالت: وما ذاك جُعلت فداك! قال: إني - أخاف هذا الفاجر عليّ بن عيسى على دمي، وقد عزمت على أن أظهر أنّ الفالج أصابني، فإذا كان في السّحَر فاجمعي جواريك، وتعالي إلى فراشي وحرّكيني؛ فإذا رأيت حركتي قد ثقلت، فصيحي أنت وجواريك، وابعثي إلى إخوتك فأعلميهم علّتي. وإياك ثم إياك أن تطلعي (١) على صحة بدني أحدًا من خلْق الله من قريب أو بعيد. ففعلتْ - وكانت عاقلة حازمة - فأقام مطروحًا على فراشه حينًا لا يتحرّك إلا إن حُرّك، فيقال إنه لم يعلم من أهل خُراسان أحدٌ من عزل عليّ بن عيسى بخبر ولا أثر غيرُ هشام؛ فإنه توهم عزله، فصحّ توهمه.
ويقال: إنه خرج في اليوم الذي قدم فيه هَرْثمة لتلقِّيه. فرآه في الطريق رجل من قوّاد عليّ بن عيسى، فقال: صحّ الجسم؟ فقال: ما زال صحيحًا بحمد الله! وقال بعضهم: بل رآه عليّ بن عيسى، فقال: أين بك؟ فقال: أتلقَّى أميرنا أبا حاتم، قال: ألم تكن عليلًا؟ قال: بلى؛ فوهب الله العافية، وعزل الله الطاغية في ليلة واحدة.
وأما الحسين بن مصعب فإنه خرج إلى مكّة مستجيرًا بالرّشيد من عليّ بن عيسى، فأجاره.
ولما عزم الرشيد على عزل عليّ بن عيسى دعا - فيما بلغني - هرثمة بن أعين مستخليًا به فقال: إني لم أشاور فيك أحدًا، ولم أطلعه على سرّي فيك، وقد اضطرب عليّ ثغور المشرق، وأنكر أهل خراسان أمْرَ عليّ بن عيسى؛ إذ خالف عهدي ونبذه وراء ظهره؛ وقد كتب يستمدّ ويستجيش، وأنا كاتب إليه، فأخبره أني أمدّه بك، وأوجّه إليه معك من الأموال والسلاح والقوّة والعدّة ما يطمئن إليه
стр. 5093
قلبه، وتتطلع إليه نفسه، وأكتب معك كتابًا بخطي فلا تفضَّنّه، ولا تطلعنّ فيه حتى تصل إلى مدينة نيسابور؛ فاذا نزلتَها فاعمل بما فيه، وامتثله ولا تجاوزه، إن شاء الله، وأنا موجّه معك رجاء الخادم بكتاب أكتبه إلى عليّ بن عيسى بخطي؛ ليتعرّف ما يكون منك ومنه، وهوّنْ عليه أمْرَ عليّ فلا تظهرنَّه عليه، ولا تعلمنَّه ما عزمتُ عليه، وتأهَّب للمسير، وأظهر لخاصَّتك وعامّتك أني أوجّهك مددًا لعليّ بن عيسى وعونًا له. قال: ثم كتب إلى عليّ بن عيسى بن ماهان كتابًا بخطه نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. يا بن الزانية، رفعتُ من قدرك، ونوّهت باسمك، وأوطأت سادة العرب عَقِبَك، وجعلتُ أبناء ملوك العجم خوَلَكَ وأتباعك، فكان جزائي أن خالفتَ عهدي، ونبذتَ وراء ظهرك أمري؛ حتى عِثت في الأرض، وظلمت الرّعية، وأسخطت الله وخليفته؛ بسوء سيرتك، ورداءة طعمتك، وظاهر خيانتك، وقد ولَّيت هَرثمة بن أعيْن مولَاي ثغر خُراسان، وأمرتُه أن يشدّ وطأته عليك وعلى ولدك وكتابك وعمالك، ولا يترك وراء ظهوركم درهمًا، ولا حقًّا لمسلم ولا مُعاهد إلا أخذكم به، حتى تردّه إلى أهله؛ فإن أبَيْتَ ذلك وأباه ولدُك وعُمَّالك فله أن يبسط عليكم العذاب، ويصبّ عليكم السياط، ويُحلّ بكم ما يحلّ بمن نكثَ وغيَّر، وبدَّل وخالف، وظلم وتعدَّى وغشم، انتقامًا لله بادئًا، ولخليفته ثانيًا، وللمسلمين والمعاهدين ثالثًا، فلا تعرض نفسك للتي لا شَوَى لها، واخرج مما يلزمك طائعًا أو مكرهًا (١).
وكتب عهد هرثمة بخطه:
هذا ما عهد هارون الرشيد أمير المؤمنين إلى هرثمة بن أعيَن حين ولّاه ثَغْر خُراسان وأعماله وخراجه؛ أمَرَه بتقوى الله وطاعته ورعاية أمر الله ومراقبته، وأن يجعل كتاب الله إمامًا في جميع ما هو بسبيله، فيحلّ حلالَه ويحرّم حرّامه، ويقف عند متشابهه؛ ويسأل عنه أولِي الفقه في دين الله وأولِي العلم بكتاب الله، أو يردّه
стр. 5094
إلى إمامه ليريَه الله فيه رأيه، ويعزم له على رشده، وأمره أن يستوثق من الفاسق عليّ بن عيسى وولده وعماله وكتابه، وأن يشدّ عليهم وطأتَه، ويُحلّ بهم سطوتَه، ويستخرج منهم كلّ مال يصحّ عليهم من خراج أمير المؤمنين وفيء المسلمين؛ فإذا استنظف ما عندهم وقِبَلهم من ذلك، نظر في حقوق المسلمين والمعاهدين، وأخذهم بحقّ كلّ ذي حقّ حتى يردُّوه إليهم؛ فإن ثبتت قبَلهم حقوق لأمير المؤمنين وحقوق للمسلمين؛ فدافَعوا بها وجحدوها، أن يصبّ عليهم سوط عذاب الله وأليم نقمته؛ حتى يبلغ بهم الحال التي إنْ تخطَّاها بأدنى أدب، تلفتْ أنفسُهم، وبطلت أرواحهم؛ فإذ! خرجوا من حقّ كلّ ذي حق، أشخصهم كما تشخص العصاة من خُشونة الوطاء وخشونة المطعم والمشرب وغلظ الملبس، مع الثقات من أصحابه إلى باب أمير المؤمنين، إن شاء الله. فاعمل يا أبا حاتم بما عهدتُ إليك، فإني آثرتُ الله وديني على هوايَ وإرادتي، فكذلك فليكن عملُك، وعليه فليكن أمرك، ودبِّر في عمال الكُور الذين تمرّ بهم في صُعودك ما لا يستوحشون معه إلى أمرٍ يريبهم وظنّ يرعبُهم. وابسطُ من آمال أهل ذلك الثغْر ومن أمانهم وعذرهم، ثم اعمل بما يرضي الله منك وخليفته، ومَنْ ولاك الله أمره إن شاء الله. هذا عهدي وكتابي بخطِّي، وأنا أشهد الله وملائكته وحملةَ عرشه وسكان سمواته وكفى بالله شهيدًا.
وكتب أمير المؤمنين بخطِّ يده لم يحضره إلا الله وملائكته.
ثم أمر أن يكتب كتاب هرثمة إلى عليّ بن عيسى في معاونته وتقوية أمره والشدّ على يديه؛ فكتب وظهر الأمر بها؛ وكانت كتب حَمَوَيَهْ وردت على هارون: إنّ رافعًا لم يخلع ولا نزع السَّواد ولا من شايعه، وإنما غايتهم عزل عليّ بن عيسى الذي قد سامهم المكروه.
* * *
[خبر شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليًا عليها] (١)
ومن ذلك ما كان من شخوص هرثمة بن أعين إلى خراسان واليًا عليها.
стр. 5095
* ذكر الخبر عما كان من أمره فِي شخوصه إليها وأمر عليّ بن عيسى وولده:
ذُكر أن هرثمة مضى في اليوم السادس من اليوم الذي كتب له عهده الرشيد وشيَّعه الرشيد، وأوصاه بما يحتاج إليه، فلم يعرّج هرثمة على شيء، ووجّه إلى عليّ بن عيسى في الظاهر أموالًا وسلاحًا، وخِلَعًا وطيبًا، حتى إذا نزل نيسابور جَمَعَ جماعة من ثقات أصحابه وأولي السنّ والتجربة منهم؛ فدعا كلَّ رجل منهم سرًّا، وخلا به، ثم أخذ عليهم العهود والمواثيقَ أن يكتموا أمره، ويطوُوا سرّه، وولّى كلَّ رجل منهم كُورة، على نحو ما كانت حاله عنده، فولّى جُرجان ونيسابور والطبَسين ونَسا وسَرَخْس، وأمّر كلَّ واحد منهم، بعد أن دفع إليه عهدَه بالمسير إلى عمله الذي ولّاه على أخفى الحالات وأسترها، والتشبُّه بالمجتازين في وُرودهم الكُور ومقامهم فيها إلى الوقت الذي سمّاه لهم، وولّى إسماعيل بن حفص بن مصعب جُرجان بأمر الرشيد، ثم مضى حتى إذا صار من مَرْو على مرحلة، دعا جماعة من ثقات أصحابه، وكتب لهم أسماء ولد عليّ بن عيسى وأهل بيته وكُتَّابه وغيرهم في رقَاع، ودفع إلى كلِّ رجل منهم رقعة باسم مَنْ وَكّله بحفظه إذا هو دخل مَرْو، خوفًا من أن يهربوا إذا ظهر أمره. ثم وجّه إلى عليّ بن عيسى: إن أحبّ الأميرُ أكرمه الله أن يوجِّه ثقاته لقبض ما معي من أموال فَعَل؛ فإنه إذا تقدّم المال أمامي كان أقوَى للأمير، وأفتّ في عضد أعدائه. وأيضًا فإني لا آمنُ عليه إن خلَّفته وراء ظهري؛ أن يطمع فيه بعض من تَسمُو إليه نفسه إلى أن يقتطع بعضه، ويفترض غفلتنا عند دخول المدينة. فوجَّه عليّ بن عيسى جهابذَته وقَهارمته لقبض المال، وقال هرثمة لخُزّانِه: اشغلوهم هذه الليلة، واعتلّوا عليهم في حَمْل المال بعلّة تقرب من أطماعهم، وتزيل الشكَّ عن قلوبهم، ففعلوا. وقال لهم الخُزّان: حتى تؤامروا أبا حاتم في دوابّ المال والبغال. ثمّ ارتحل نحو مدينة مَرْو، فلما صار منها على ميلين تلقَّاه عليّ بن عيسى في ولده وأهل بيته وقوّاده بأحسن لقاء وآنَسهِ؛ فلمَّا وقعت عَين هرثمة عليه، ثنَى رجله لينزل عن دابته فصاح به عليّ: والله لئن نزلتَ لأنزلنّ، فثبت على سَرْجه، دنا كلٌّ منهما من صاحبه فاعتنقا، وسارا، وعليّ يسأل هرثمة عن أمْر الرشيد وحاله وهيئته وحال خاصّته وقوّاده وأنصار دولته؛ وهرثمة يُجيبه؛ حتى صار إلى قنطرة لا يجوزها إلّا فارس، فحبس هرثمة لجام دابته، وقال
стр. 5096
لعليّ: سر على بركة الله، فقال عليّ: لا والله لا أفعل حتى تمضي أنت، فقال: إذًا والله لا أمضي، فأنت الأمير وأنا الوزير؛ فمضى وتبعه هرثمة حتى دخلَا مَرْو، وصارا إلى منزل عليّ، ورجاء الخادم لا يفارق هرثمة في ليل ولا نهار، ولا ركوب ولا جلوس؛ فدعا عليّ بالغداء فطعما، وأكلَ معهما رجاء الخادم، وكان عازمًا على ألّا يأكل معهما، فغمزه هرثمة وقال: كُل فإنك جائع، ولا رأْيَ لجائع ولا حاقن؛ فلما رُفع الطعام قال له عليّ: قد أمرت أن يفرغ لك قصر على المَاشَان؛ فإِن رأيتَ أن تصير إليه فعلت. فقال له هرثمة: إن معي من الأمور ما لا يتحمَّل تأخير المناظرة فيها؛ ثم دفع رجاء الخادم كتاب الرشيد إلى عليّ، وأبلغه رسالته. فلما فضّ الكتاب فنظر إلى أوّل حرف منه سُقط في يده، وعلم أنه قد حلّ به ما يخافُه ويتوقعه، ثم أمر هرثمة بتقييده وتقييد ولده وكتابه وعماله - وكان رحل ومعه وقْر من قيود وأغلال - فلما استوسق منه صار إلى المسجد الجامع، فخطب وبسط من آمال الناس، وأخبر أن أمير المؤمنين ولّاه ثغورَهم لما انتهى إليه من سوء سيرة الفاسق عليّ بن عيسى، وما أمره به فيه وفي عمّاله وأعوانه، وأنه بالغ من ذلك ومن إنصاف العامة والخاصّة، والأخذ لهم بحقوقهم أقصى مواضع الحقّ. وأمر بقراءة عهده عليهم. فأظهروا السرور بذلك، وانفسحت آمالهم، وعظم رجاؤهم، وعلت بالتكبير والتهليل أصواتهم، وكثر الدعاء لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء.
ثم انصرف، فدعا بعليّ بن عيسى وولدِه وعماله وكُتَّابه، فقال: اكفوني مؤنتَكم، واعفوني من الإقدام بالمكروه عليكم. ونادى في أصحاب ودائعهم ببراءة الذّمة من رجل كانت لعليّ عنده وديعة أو لأحد من ولده أو كتابه أو عماله وأخفاها ولم يظهر عليها؛ فأحضر الناس ما كانوا أودِعوا إلّا رجلًا من أهل مَرْو - وكان من أبناء المجوس - فإنه لم يزل يتلطف للوصول إلى عليّ بن عيسى حتى صار إليه، فقال له سرًّا: لك عندي مال، فإن احتجتَ إليه حملتُه إليك أوّلًا فأوّلًا، وصبرت للقتل فيك؛ إيثارًا للوفاء وطلبًا لجميل الثناء، وإن استغنيْت عنه حبستُه عليك حتى ترى فيه رأيك. فعجب عليّ منه، وقال: لو اصطنعتُ مثلك ألف رجل ما طمِع فيَّ السلطان ولا الشيطان أبدًا. ثم سأله عن قيمة ما عنده، فذكر له أنه أودعه مالًا وثيابًا ومسْكًا، وأنه لا يدري ما قدر ذلك، غير أنه أودعه
стр. 5097
بخطِّه، وأنه محفوظ لم يشذّ منه شيء، فقال له: دعه؛ فإن ظُهر عليه سلّمته ونجوت بنفسك، وإن سلِمت به رأيت فيه رأي. وجزاه الخير، وشكر له فعله ذلك أحسن شكر، وكافأه عليه وبرّه. وكان يُضرب به المثل بوفائه؛ فذكر أنه لم يتستر عن هَرْثمة من مالِ عليّ إلا ما كان أودعه هذا الرجل - وكان يقال له: العلاء بن ماهان - فاستنظف هرثمة ما وراء ظهورهم حتى حَلي نسائهم؛ فكان الرجل يدخل إلى المنزل فيأخذ جميع ما فيه؛ حتى إذا لم يبق فيه إلّا صوف أو خشب أو ما لا قيمة له قال للمرأة: هاتي ما عليك من الحَلْي، فتقول للرجل إذا دنا منها لينزع ما عليها: يا هذا، إن كنتَ محسنًا فاصرف بصرَك عنِّي، فولله لا تركتُ شيئًا من بغيتك عليّ إلّا دفعتُه إليك؛ فإن كان الرجل يتحوّب من الدّنوّ إليها أجابها إلى ذلك حتى ربما نبذت إليه بالخاتم والخلخال وما قيمته عشرة دراهم، ومَنْ كان بخلاف هذه الصفة، قال: لا أرضى حتى أفتشِّك؛ لا تكونين قد خبأت ذهبًا أو دُرًّا أو ياقوتًا؛ فيضرب يده إلى مغابِنها وأرفاغها؛ فيطلب فيها ما يظنّ أنها قد سترته عنه؛ حتى إذا ظنّ أنه قد أحكم هذا كلّه وجّهه على بعير بلا وطاء تحته، وفي عنقه سلسلة، وفي رجله قيود ثقال ما يقدر معها على نهوض واعتماد.
فذُكِر عمّن شهد أمر هرثمة وأمره؛ أن هرثمة لما فرغ من مطالبة عليّ بن عيسى وولده وكتّابه وعمَّاله بأموال أمير المؤمنين، أقامهم لمظالم الناس، فكان إذا بَرز للرجل عليه أو على أحد من أصحابه حق، قال: اخرج للرجل من حَقِّه، وإلا بسطت عليك، فيقول عليّ: أصلح الله الأمير! أجِّلني يومًا أو يومين، فيقول: ذلك إلى صاحب الحقّ، فإن شاء فعل. ثم يُقبل على الرجل، فيقول: أتَرَى أن تَدَعه؟ فإن قال: نعم، قال: فانصرف وعُدْ إليه، فيبعث عليّ إلى العلاء بن ماهان، فيقول له: صالحْ فلانا عنّي من كذا وكذا على كذا وكذا، أو على ما رأيت، فيصالحه ويُصلح أمره.
وذُكر أنه قام إلى هرثمة رجل، فقال له: أصلح الله الأمير! إن هذا الفاجر أخذ مني درَقة ثمينة لم يملك أحد مثلها، فاشتراها على كُرْه مني ولم أرِدْ بيعها بثلاثة آلاف درهم؛ فأتيت قهرمانه أطلب ثمنَها، فلم يعْطِني شيئًا، فأقمت حَوْلًا انتظر ركوب هذا الفاجر؛ فلما ركب عرضتُ له وصحْت به: أيها الأمير، أنا صاحب
стр. 5098
الدّرَقة، ولم آخذ لها ثمنًا إلى هذه الغاية، فقذَف أمّي ولم يعطني حقي، فخذ لي بحقي من مالِي وقَذْفِه أمي، فقال: لك بيّنة؟ قال: نعم، جماعة حضروا كلامه؛ فأحضرهم فأشهدهم على دعواه، فقال هرئمة: وجب عليك الحدّ، قال: ولمَ؟ قال: لقذفِك أمّ هذا، قال: مَنْ فَقّهك وعلّمك هذا؟ قال: هذا دِين المسلمين، قال: فأشهد أن أمير المؤمنين قد قذَفك غير مرّة ولا مرتين؛ وأشهد أنك قد قذفت بنِيك ما لا أحصِي، مرةً حاتمًا ومرة أعين؛ فمن يأخذ لهؤلاء بحدودهم منك؟ ومن يأخذ لك من مولاك! فالتفت هرثمة إلى صاحب الدّرَقة، فقال: أرى لك أن تطالب هذا الشيطان بَدرَقتك أو ثمنها، وتترك مطالبته بقذفه أمّك.
* * *
[كتاب هرثمة إلى الرشيد في أمر عليّ بن عيسى]
ولما حمل هرثمة عليًّا إلى الرّشيد، كتب إليه كتابًا يخبره ما صنع؛ نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد؛ فإن الله لم يزل يبلي أمير المؤمنين في كلّ ما قلده من خلافته، واسترعاه من أمور عباده وبلاده أجملَ البلاء وأكملَه، ويعرّفه في كلّ ما حضره ونأى عنه من خاصّ أموره وعامّها، ولطيفها وجليلها أتمّ الكفاية وأحسن الولاية، ويعطيه في ذلك كلِّه أفضل الأمنيَّة، ويبلغه فيه أقصى غاية الهمة، امتنانًا منه عليه، وحفظًا لَما جعل إليه، مما تكفّل بإعزازه وإعزاز أوليائه وأهل حقه وطاعته؛ فيستتم الله أحسن ما عوّده وعوّدنا من الكفاية في كلّ ما يؤدّينا إليه، ونسأله توفيقنا لما نقضي به المفترَض من حقِّه في الوقوف عند أمره، والاقتصار على رأيه.
ولم أزل أعزّ الله أمير المؤمنين، مذ فصَلت عن معسكر أمير المؤمنين ممتثلًا ما أمرني به فيما أنهضني له؟ لا أجاوز ذلك ولا أتعدّاه إلى غيره، ولا أتعرّف اليُمْن والبركة إلا في امتثاله؛ إلى أن حللتُ أوائل خُراسان؛ صائنًا للأمر الذي أمرني أمير المؤمنين بصيانته وستِره؛ لا أفضي ذلك إلى خاصتي ولا إلى عامتي، ودبّرتُ في مكاتبة أهل الشاش وفرْغَانة وخزْلهما عن الخائن، وقطع طمعه وطمع مَنْ قِبَله عنهما، ومكاتبة مَنْ ببلْخ بما كنتِ كتبت به إلى أمير المؤمنين وفسّرت له، فلما نزلت نيسابور عملتُ في أمر الكُور التي اجتزت عليها بتولية مَنْ ولّيت
стр. 5099
إليها، قبل مجاوزتي إياها؛ كجرجان ونَيْسَابور ونَسَا وَسَرَخْس، ولم آلُ الاحتياط في ذلك، واختيار الكفاءة وأهل الأمانة والصّحة من ثقات أصحابي، وتقدّمت إليهم في ستر الأمر وكتمانه، وأخذت عليهم بذلك أيمانَ البَيْعة، ودفعت إلى كلّ رجل منهم عهدَه بولايته، وأمرتهم بالمسير إلى كوَر أعمالهم على أخفى الحالات وأسترها، والتَشبّه بالمجتازين في وُرودهم الكُوَر ومقامهم بها إلى الوقت الذي سَمَّيتُ لهم؛ وهو اليوم الذي قدّرت فيه دخولي إلى مَرْو، والتقائي وعليّ بن عيسى، وعملت في استكفائي إسماعيل بن حفص بن مصعب أمرَ جُرجان بما كنت كتبت به إلى أمير المؤمنين، فنفذ أولئك العمال لأمري، وقام كلُّ رجل منهم في الوقت الذي وُقِّتَ له بضبط عمله وإحكام ناحيته، وكفى الله أميرَ المؤمنين المؤنةَ في ذلك، بلطيف صنعه.
ولما صرت من مدينة مَرْو على منزل، اخترت عِدّةً من ثقات أصحابي، وكتبت بتسمية ولد عليّ بن عيسى وكتّابه وأهل بيته وغيرهم رقاعًا، ودفعت إلى كلِّ رجل منهم رُقعة باسم مَنْ وكّلتُه بحفظه في دخولي، ولم آمن لو قصّرت في ذلك وأخّرته أن يصيروا عند ظهور الخبر وانتشاره إلى التغيب والانتشار، فعملوا بذلك، ورحلت عن موضعي إلى مدينة مَرْو، فلما صرت منها على ميلين تلقّاني عليّ بن عيسى في وَلدِه وأهل بيته وقوّاده، فلقيته بأحسن لقاء، وآنسته، وبلغتُ من توقيره وتعظيمه والتماس النزول إليه أوّل ما بصرت به ما ازداد به أنسًا وثقة، إلى ما كان رَكن إليه قبل ذلك؛ مما كان يأتيه من كتبي؛ فإنها لم تنقطع عنه بالتعظيم والإجلال منّي له والالتماس، لإلقاء سوء الظنّ عنه؛ لئلا يسبق إلى قلبه أمر ينتقض به ما دبر أمير المؤمنين في أمره، وأمرني به في ذلك. وكان الله ﵎ هو المنفرد بكفاية أمير المؤمنين الأمرَ فيه إلى أن ضمني وإياه مجلسه، وصرت إلى الأكل معه، فلمّا فرغنا من ذلك بدأنِي يسألني المصيرَ إلى منزل كان ارتاده لي؛ فأعلمته ما معي من الأمور التي لا تحتمل تأخير المناظرة فيها. ثم دفع إليه رجاء الخادم كتابَ أمير المؤمنين وأبلغه رسالتَه، فعلبم عند ذلك أن قد حلّ به الأمر الذي جناه على نفسه، وكسبته يداه؛ من سخط أمير المؤمنين، وتغيّر رأيه بخلافِه أمره وتعدّيه سيرته.
ثم صرت إلى التوكيل به، ومضيت إلى المسجد الجامع، فبسطت آمال
стр. 5100
الناس ممن حضر، وافتتحت القول بما حمّلني أمير المؤمنين إليهم، وأعلمتهم إعظامَ أمير المؤمنين ما أتاه، ووضح عنده من سوء سيرة عليّ، وما أمرني به فيه وفي عمّاله وأعوانه؛ وإني بالغٌ من ذلك ومن إنصاف العامّة والخاصّة والأخذ لهم بحقوقهم أقصى غايتهم. وأمرت بقراءة عهدي عليهم، وأعلمتهم أنّ ذلك مثالي وإمامي؛ وأنِّي به أقتدي، وعليه أحتذي؛ فمتى زلتُ عن باب واحد فقد ظلمتُ نفسي، وأحللت بها ما يحلّ بمن خالف رأي أمير المؤمنين وأمرَه؛ فأظهروا السرور بذلك والاستبشار، وعلتْ بالتكبير والتهليل أصواتُهم، وكثر دعاؤهم لأمير المؤمنين بالبقاء وحسن الجزاء.
ثم انكفأت إلى المجلس الذي كان عليّ بن عيسى فيه، فصرت إلى تقييده وتقييد ولده وأهل بيته وكتّابه وعماله والاستيثاق منهم جميعًا، وأمرتهم بالخروج إليّ من الأموال التي احتجنوها من أموال أمير المؤمنين وفيء المسلمين، وإعفائي بذلك من الإقدام عليهم بالمكروه والضرب، وناديت في أصحاب ودائعهم بإخراج ما كان عندهم. فحملوا إلى أن كتبت إلى أمير المؤمنين صدرًا صالحًا من الوَرق والعيْن، وأرجو أن يعين الله على استيفاء ما قِبلهم، واستنظاف ما وراء ظهورهم، ويسهّل الله من ذلك أفضلَ ما لم يزل يعوّده أمير المؤمنين من الصّنع في مثله من الأمور التي يعنى بها إن شاء الله تعالى.
ولم أدعّ عند قدومي مَرْو التقدّم في توجيه الرسل وإنفاذ الكتب البالغة في الإعذار والإنذار، والتبصير والإرشاد، إلى رافع ومَنْ قِبَلْه من أهل سَمَرْقَند، وإلى مَنْ ببلْخ، على حسن ظنّي بهم في الإجابة، ولزوم الطاعة والاستقامة؛ ومهما تنصرفْ به رسلي إليّ يا أمير المؤمنين من أخبار القوم في إجابتهم وامتناعهم، أعملْ على حسبه من أمرهم، وأكتب بذلك إلى أمير المؤمنين على حقِّه وصدقه. وأرجو أن يعرّف الله أميرَ المؤمنين في ذلك من جميل صنعه ولطيف كفايته؛ ما لم تزل عادته جارية به عنده، بمنِّه وطوله وقوّته والسلام.
الجواب من الرشيد
بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابُك بقدومك مَرْو في اليوم الذي سمّيت، وعلى الحال التي وصفت وما فسّرت، وما كنت
стр. 5101
قدّمت من الحِيَل قبل ورودك إياها، وعملت به في أمر الكُور التي سمِّيت وتولية مَنْ وليت عليها قبل نفوذك عنها، ولطّفت له من الأمر الذي استجمع لك به ما أردت من أمر الخائن علي بن عيسى وولده وأهل بيته، ومن صار في يدك من عمّاله وأصحاب أعماله واحتذائك في ذلك كلِّه ما كان أمير المؤمنين مثّل لك ووقفَك عليه، وفهم أمير المؤمنين كلّ ما كتبتَ به، وحمد الله على ذلك كثيرًا وعلى تسديده إياك وما أعانك به من توفيقه، حتى بلغتَ إرادة المؤمنين، وأدركت طلبتَه، وأحسنت ما كان يُحبّ بك وعلى يديك إحكامَه، مما كان اشتدّ به اعتناؤه، ولجّ به اهتمامه، وجزاك الخير على نصيحتك وكفايتك، فلا أعدم الله أمير المؤمنين أحسنَ ما عرّفه منك في كلّ ما أهاب بك إليه، واعتمد بك عليه.
وأمير المؤمنين يأمُرك أن تزداد جدًّا واجتهادًا فيما أمرك به من تتبّع أموال الخائن عليّ بن عيسى وولده وكتَّابه وعماله ووكلائه وجهابذته والنظر فيما اختانوا به أميرَ المؤمنين في أمواله، وظلموا به الرّعية في أموالهم، وتتبُّع ذلك واستخراجه من مظانّه ومواضعه، التي صارت إليه، ومن أيدي أصحاب الودائع التي استودعوها إياهم؛ واستعمال اللين والشدة في ذلك كله، حتى تصير إلى استنظاف ما وراء ظهورهم؛ ولا تبقى من نفسك في ذلك بقية، وفي إنصاف الناس منهم في حقوقهم ومظالمهم؛ حتى لا تبقى لمتظلم منهم قِبَلهم ظُلامة إلا استقضيت ذلك له، وحملته وإياهم على الحقّ والعدل فيها، فإذا بلغتَ أقصى غاية الإحكام والمبالغة في ذلك، فأشخِص الخائن وولدَه وأهلَ بيته وكتَّابَه وعمّاله إلى أمير المؤمنين في وثاق، وعلى الحال التي استحقُّوها من التعيير والتنكيل بما كسبت أيديهم؛ وما الله بظلام للعبيد.
ثم اعمل بما أمرك به أمير المؤمنين من الشخوص إلى سَمْرقند، ومحاولة ما قبل خامل، ومَنْ كان على رأيه ممن أظهر خلافًا وامتناعًا من أهل كُور ما وراء النهر وطُخارستان بالدّعاء إلى الفيئة والمراجعة، وبسط أمانات أمير المؤمنين التي حمّلكها إليهم؛ فإن قبلوا وأنابوا وراجعوا ما هو أمَلُكَ بهم، وفرّقوا جموعَهم، فهو ما يحبّ أمير المؤمنين أن يعاملَهم به من العفو عنهم والإقالة لهم؛ إذ كانوا رعيَّته؛ وهو الواجب على أمير المؤمنين لهم إذ أجابهم إلى
стр. 5102
طَلِبتهم، وآمن رَوْعهم، وكفاهم ولاية من كرهوا ولايتَه، وأمر بإنصافهم في حقوقهم وظلاماتهم - وإن خالفوا ما ظنّ أمير المؤمنين، فحاكمهم إلى الله إذ طَغَوْا وبغَوْا، وكرهوا العافية وردّوها، فإنّ أمير المؤمنين قد قضى ما عليه، فغيّر ونكّل، وعزَل واستبدَل، وعفا عمّن أحدث، وصفح عمن اجترم؛ وهو يشهد الله عليهم بعد ذلك في خلاف إن آثروه، وعنودٍ إن أظهروه. وكفى بالله شهيدًا ولا حَوْل ولا قوّة إلا بالله العليّ العظيم، عليه يتوكل وإليه ينيب. والسلام.
وكتب إسماعيل بن صبيح بين يدي أمير المؤمنين.
* * *
ولم يكن للمسلمين بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين.
ثم دخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففيها كان الفداء بين المسلمين والرّوم على يديْ ثابت بن نصر بن مالك (١).
وذُكر عن ذي الرياستيْن أنه قال: قلتُ للمأمون لما أراد الرشيد الشخوص إلى خُراسان لحرب رافع: لستَ تدرِي ما يحدث بالرّشيد وهو خارج إلى خُراسان، وهي ولايتك، ومحمّد المقدم عليك! وإنّ أحسَن ما يصنع بك أن يخلعك؛ وهو ابن زُبيدة، وأخواله بنو هاشم، وزبيدة وأموالها، فاطلبْ إليه أن يشُخصك معه. فسأله الإذن فأبى عليه، فقلت له: قل له: أنت عليل؛ وإنما أردتُ أن أخدمك، ولست أكلفك شيئًا. فأذن له وسار.
فذكر محمد بن الصبّاح الطبريّ أن أباه شيّع الرشيد حين خرج إلى خُراسان، فمضى معه إلى النَّهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال له: يا صبّاح، لا أحسبك تراني أبدًا. قال: فقلت: بل يردّك الله سالمًا؛ قد فتح الله عليك وأراك في عدوِّك أملك. قال: يا صبّاح، ولا أحسبك تدري ما أجد! قلت: لا والله، قال: فتعال حتّى أريك، قال: فانحرف عن الطريق قَدْر مائة ذراع، فاستظلّ
стр. 5103
بشجرة، وأومأ إلى خدمه الخاصّة فتنحّوْا، ثم قال: أمانة الله يا صبّاح أن تكتم عليّ، فقلت: يا سيّدي، عبدك الذليل تخاطبه مخاطبة الولد! قال: فكشف عن بطنِه؛ فإذا عصابة حرير حواليْ بطنه، فقال: هذه علّة أكتمها الناس كلَّهم؛ ولكلّ واحد من ولدي عليّ رقيب؛ فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين - وسمّي الثالث فذهب عني اسمه - وما منهم أحد إلا وهو يحصي أنفاسي، ويعدّ أيامي، ويستطيل عمري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو بدابّة، فيجيئونني ببرذَوْن أعجف قَطوف، ليزيد في علتي، فقلمت: يا سيدي ما عندي في الكلام جوابٌ، ولا في ولاة العهود؛ غير أني أقول: جعل الله من يَشْنؤك من الجنّ والإنس والقريب والبعيد فداك؛ وقدّمهم إلى تلك قبلك، ولا أرانا فيك مكروهًا أبدًا، وعمّر بك الله الإسلام، ودعم ببقائك أركانَه، وشدّ بك أرجاءه، وردّك الله مظفرًا مفلحًا، على أفضل أمَلِك في عدوّك، وما رجوت من ربك. قال: أمّا أنت فقد تخلّصت من الفريقين.
قال: ثم دعا ببرذون، فجاءوا به كما وصف، فنظر إليّ فركبه، وقال: انصرف غير مودَّع؛ فإن لك أشغالًا، فودّعته وكان آخر العهد به.
وفيها قدم يحيى بن معاذ بأبي النداء على الرشيد وهو بالرقة فقتله.
وفيها فارق عُجيف بن عنبسة والأحوص بن مهاجر في عدّة من أبناء الشّيعة رافع بن ليث، وصاروا إلى هرثمة.
وفيها قُدِم بابن عائشة وبعدّة من أهل أحواف مصر.
وفيها ولّى ثابت بن نصر بن مالك الثّغور وغزا، فافتتح مطمورة.
وفيها كان الفداء بالبُدَنْدون (١).
وفيها قُدِم بعليّ بن عيسى بغداد، فحبس في داره.
وفيها قتَل الرشيد الهيصم اليمانيّ.
* * *
стр. 5104
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن وفاة الفضل بن يحيى]
وكان بدء علّته - فيما ذكر - من ثقل أصابه في لسانه وشقّه؛ وكان يقول: ما أحبّ أن يموت الرشيد، فيقال له: أما تحب أن يفرّج الله عنك! فيقول: إن أمري قريب من أمره. ومكث يعالَج أشهرًا، ثم صلح، فجعل يتحدّث، ثم اشتدّ عليه فعُقد لسانه وطرفه، ووقع لمآبه، فمكث في تلك الحال يوم الخميس ويوم الجمعة، وتُوفِّي مع أذان الغداة، قبل وفاة الرشيد بخمسة أشهر، وهو في خمس وأربعين سنة، وجزع الناس عليه، وصلّى عليه إخوانه في القصر الذي كانوا فيه قبل إخراجه، ثم أخرِج فصلّى الناس على جنازته (١).
* * *
وفيها مات سعيد الطبريّ المعروف بالجوهريّ (٢).
* * *
وفيها وافى هارون جرجان في صَفر، فوافاه بها خزائن عليّ بن عيسى على ألف بعير وخمسمائة بعير، ثم رحل من جُرجان - فيما ذكر - في صفر، وهو عليل، إلى طُوس؛ فلم يزل بها إلى أن تُوفِّيَ - واتّهم هرثمة، فوجّه ابنه المأمون قبل وفاته بثلاث وعشرين ليلة إلى مَرْو، ومعه عبد الله بن مالك ويحيى بن معاذ وأسد بن يزيد بن مزيد والعباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث والسنديّ بن الحرَشيّ ونعيم بن حازم؛ وعلى كتابته ووزارته أيّوب بن أبي سُمَيْر، ثم اشتدّ بهارون الوجع حتى ضعف عن السير (٣).
стр. 5105
وكانت بين هرثمة وأصحاب رافع فيها وقعة، فَتح فيها بخارى، وأسر أخا رافع بشير بن الليث، فبعث به إلى الرشيد وهو بطوس؛ فذُكِر عن ابن جامع المروزيِّ، عن أبيه، قال: كنت فيمن جاء إلى الرشيد بأخي رافع. قال: فدخل عليه وهو على سرير مرتفع عن الأرض بقدر عظم الذّراع، وعليه فرْش بقدر ذلك - أو قال أكثر - وفي يده مرآة ينظر إلى وجهه. قال: فسمعته يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون! ونظر إلى أخي رافع، فقال: أما الله يا بن اللَّخناء؛ إني لأرجو ألَّا يفوتني خامل - يريد رافعًا - كما لم تَفُتْنِي. فقال له: يا أمير المؤمنين، قد كنت لك حربًا، وقد أظفرك الله بي فافْعَلْ ما يحبُّ الله، أكن لك سلمًا؛ ولعل الله أن يلين لك قلب رافع إذا علم أنك قد مننت عليَّ! فغضب وقال: والله لو لم يبق من أَجَلي إلَّا أن أحرِّك شفتيَّ بكلمة لقلت: اقتلوه. ثم دعا بقصَّاب، فقال: لا تشحذ مُداك، اتركها على حالها، وفصِّل هذا الفاسق ابن الفاسق، وعجِّل؛ لا يحضرنَّ أجلي وعضوان من أعضائه في جسمه. ففصَّله حتى جعله أشلاء. فقال: عُدَّ أعضاءه، فعددت له أعضاءه، فإذا هي أربعة عشر عضوًا، فرفع يديه إلى السماء، فقال: اللهمَّ كما مكَّنْتَني من ثأرك وعدُّوك، فبلغت فيه رضاك، فمكِّني من أخيه. ثم أغْمِيَ عليه، وتفرَّق مَن حضره (١).
* * *
[ذكر الخبر عن موت الرشيد]
وفيها مات هارون الرشيد.
* ذكر الخبر عن سبب وفاته والموضع الذي توفِّيَ فيه (٢).
ذُكر عن جبريل بن بختيشوع أنه قال: كنت مع الرَّشيد بالرَّقة، وكنت أوَّل من يدخل عليه في كلِّ غداة، فأتعرَّف حاله في ليلته؛ فإن كان أنكر شيئًا وصفه، ثم ينبسط فيحدّثني بحديث جواريه وما عمل في مجلسه، ومقدار شربه، وساعات
стр. 5106
جلوسه، ثم يسألني عن أخبار العامَّة وأحوالها؛ فدخلتُ عليه في غداة يوم، فسلَّمت فلم يكد يرفع طرفه، ورأيته عابسًا مفكِّرًا مهمومًا، فوقفت بين يديه مليًّا من النهار، وهو على تلك الحال، فلما طال ذلك أقدمتُ عليه، فقلت: يا سيدي، جعلني الله فداك! ما حالك هكذا، أعلَّة فأخبرني بها؛ فلعله يكون عندي دواؤها، أو حادثة في بعض من تحبُّ فذاك ما لا يُدفع ولا حيلة فيه إلا التسليم والغمّ، لا درك فيه، أو فَتْق ورد عليك في مُلْكك، فلم تخلُ الملوك من ذلك؛ وأنا أولى من أفضْيتَ إليه بالخبر، وتروَّحت إليه بالمشورة. فقال: ويحك يا جبريل! ليس غمي وكربي لشيء مما ذكرت، ولكن لرؤيا رأيتُها في ليلتي هذه، وقد أفزَعَتْني وملأت صدري، وأقرْحت قلبي، قلت: فرَّجتَ عني يا أمير المؤمنين، فدنوتُ منه، فقبَّلت رجله، وقلت أهذا الغمُّ كله لرؤيا! الرؤيا إنما تكون من خاطر أو بخارات رديئة أو من تهاويل السوداء؛ وإنما هي أضغاث أحلام بعد هذا كله. قال: فأقصُّها عليك، رأيت كأني جالس على سريري هذا؛ إذ بدتْ من تحتي ذراع أعرفها وكفٌّ أعرفها، لا أفهم اسم صاحبها، وفي الكفِّ تربة حمراء، فقال لي قائل أسمعه ولا أرى شخصه: هذه التربة التي تُدفن فيها، فقلت: وأين هذه التربة؟ قال: بطوس. وغابت اليد وانقطع الكلام، وانتبهت. فقلت: يا سيِّدي، هذه والله رؤيا بعيدة ملتبسة، أحسبك أخذت مضجعكَ، ففكَّرت في خُراسان وحروبها وما قد ورد عليك من انتقاض بعضها. قال: قد كان ذاك، قال: قلت: فلذلك الفكر خالطَك في منامك ما خالطك، فولَّد هذه الرؤيا، فلا تحْفِل بها جعلني الله فداك! وأتبع هذا الغئمَ سرورًا، يخرجه من قلبك لا يولد علة. قال: فما برحت أطيِّب نفسه بضروب من الحيل، حتى سلا وانبسط، وأمر بإعداد ما يشتهيه، ويزيد في ذلك اليوم في لهوه. ومرَّت الأيام فنَسي، ونسينا تلك الرؤيا، فما خطرت لأحد منا ببال، ثم قدَّر مسيره إلى خُراسان حين خرج رافع، فلما صار في بعض الطريق، ابتدأت به العلَّة فلم تزل تتزايد حتى دخلنا طُوس، فنزلنا في منزل الجنيد بن عبد الرحمن في ضَيْعة له تعرف بسنَاباذ، فبينا هو يمرض في بستان له في ذلك القصر إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملًا يقوم ويسقط، فاجتمعنا إليه، كلّ يقول: يا سيِّدي ما حالك؟ وما دهاك؟ فقال: يا جبريل، تذكر رؤياي بالرَّقة في طُوس؟ ثم رفع رأسه إلى مسرور، فقال: جئني من تربة هذا البستان، فمضى مسرور، فأتى بالتربة في
стр. 5107
كفه حاسرًا عن ذراعه، فلما نظر إليه قال: هذه والله الذِّراع التي رأيتُها في منامي، وهذه والله الكفُّ بعينها، وهذه والله التربة الحمراء ما خرمت شيئًا؛ وأقبل على البكاء والنحيب. ثم مات بها والله بعد ثلاثة، ودفن في ذلك البستان (١).
وذكر بعضهم أن جبريل بن بختيشوع كان غلط على الرشيد في علته في علاج عالجه به، كان سبب منيَّته؛ فكان الرَّشيد همَّ ليلة مات بقتله، وأن يفصّله كما فصَّل أخا رافع، ودعا بجبريل ليفعل ذلك به، فقال له جبريل: أنظرني إلى غدٍ يا أمير المؤمنين، فإنك ستصبح في عافية. فمات في ذلك اليوم (٢).
وذكر الحسن بن عليٍّ الرَّبَعي أنَّ أباه حدَّثه عن أبيه - وكان جمالًا معه مائة جمل، قال: هو حمل الرشيد إلى طُوس - قال: قال الرشيد: احفروا لي قبرًا قبل أن أموت، فحفروا له، قال: فحملتُه في قبَّة أقود به؛ حتى نظر إليه. قال، فقال: يابن آدم تصير إلى هذا!
وذكر بعضهم لما اشتدَّت به العلَّة أمر بقبره فحفر في موضع من الدار التي كان فيها نازلًا، بموضع يسمى المثقَّب، في دار حميد بن أبي غانم الطائيِّ، فلما فرغ من حفر القبر، أنزل فيه قومًا فقرءوا فيه القرآن حتى ختموا، وهو في محفَّة على شفير القبر (٣).
وذكر محمد بن زياد بن محمد بن حاتم بن عبيد الله بن أبي بكرة، أنَّ سهل بن صاعد حدَّثه، قال: كنت عند الرَّشيد في بيتِه الذي قبض فيه، وهو يجود بنفسه، فدعا بِملْحفة غليظة فاحتبى بها، وجعل يقاسي ما يقاسي؛ فنهضت فقال لي: اقعد يا سهل، فقَعدت وطال جلوسي لا يكلِّمني ولا أكلمه، والمِلْحفة تنحلُّ فيعيد الاحتباء بها، فلما طال ذلك نهضت، فقال لي: إلى أين يا سهل؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما يسع قلبي أن أرى أميرَ المؤمنين يعاني من العلَّة ما يعاني، فلو اضطجعتَ يا أمير المؤمنين كان أروَح لكَ! قال: فضحك
стр. 5108
ضحْك صحيح، ثم قال: يا سهل إني أذكر في هذه الحال قول الشاعر:
وَإنِّيَ مِنْ قوْمٍ كِرامٍ يَزيدُهُمْ ... شِماسًا وَصَبْرًا شدةُ الحَدَثانِ
وذُكر عن مسرور الكبير، قال: لما حضرت الرشيد الوفاة، وأحسَّ بالموت، أمرني أن أنشر (١) الوشْيَ فآتيَه بأجود ثوب أقدر عليه وأغلاه قيمة، فلم أجد ذلك في ثوب واحد، ووجدت ثوبيْن أغلَى شيء قيمة، وجدتهما متقاربين في أثمانهما، إلَّا أنَّ أحدهما أغلَى من الآخر شيئًا، وأحدهما أحمر والآخر أخضر، فجئته بهما، فنظر إليهما وخبَّرته قيمتهما، فقال: اجعل أحسنَهما كفني، وردَّ الآخر إلى موضعه.
وقيل: كان سنُّه يوم توفِّيَ سبعًا وأربعين سنة وخمسة أشهر وخمسة أيام، أولها لثلاث بقين من ذي الحجة سنة خمس وأربعين ومائة، وآخرها يومان مضيا من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة.
وكان جميلًا وسيمًا أبيض جَعْدًا، وقد وَخطَه الشيب (٢).
* * *
ذكر بعض سيَر الرشيد
ذكر العباس بن محمد عن أبيه، عن العباس، قال: كان الرَّشيد يصلِّي في كلِّ يوم مئة ركعة إلى أن فارق الدنيا؛ إلا أن تعرض له علَّة، وكان يتصدَّق من صُلْب ماله في كلِّ يوم بألف درهم بعد زكاته، وكان إذا حجَّ حجَّ معه مائة من الفقهاء وأبنائهم، وإذا لم يحجَّ أحجَّ ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة والكسوة الباهرة، وكان يقتفي آثار المنصور، ويطلب العمل بها إلَّا في بذل المال؛ فإنه لم يُرَ خليفة قبله كان أعطى منه للمال، ثم المأمون من بعده. وكان لا يضيع عنده إحسان محسنٍ، ولا يؤخَّر ذلك في أوَّل ما يجب ثوابه. وكان يحبُّ الشعراء والشعر، ويميل إلى أهل الأدب والفقه، ويكره المراء في الدين، ويقول: هو شيء لا نتيجة له، وبالحري ألا يكون فيه ثواب، وكان يحب المديح؛ ولا سيما من شاعر فصيح، ويشتريه بالثمن الغالي.
стр. 5109
وذكر ابن أبي حفصة أنَّ مروان بن أبي حفصة دخل عليه في سنة إحدى وثمانين ومائة يوم الأحد لثلاث خلوْن من شهر رمضان، فأنشده شعره الذي يقول فيه:
وَسُدَّتْ بِهارونَ الثُّغورُ فأُحكِمَتْ ... به مِنْ أُمورِ المُسْلِمينَ المَرائِرُ
وما انفَكَّ مَعْقودًا بنَصْرٍ لواؤُه ... له عسكرٌ عنْهُ تُشَظَّى العَساكِرُ
وكلُّ مُلوك الرومِ أَعطاهُ جِزْيَةً ... على الرغم قسْرًا عَنْ يَدٍ وهْوَ صاغرُ
لقد تَرَكَ الصَّفْصافَ هارونُ صَفْصَفًا ... كأَنْ لم يُدَمِّنْهُ مِنَ الناسِ حاضرُ
أَناخَ على الصَّفْصافِ حتى اسْتباحَهُ ... فكابَرَهُ فيها أَلجُّ مُكابرُ
إِلى وجْهه تسمو العُيُون ومَا سمَتْ ... إِلى مثلِ هارونَ العيونُ النَّواظرِ
ترى حَوْلهُ الأَملاكَ مِنْ آل هاشِمٍ ... كما حَفَّتِ البَدْرَ النجومُ الزَّواهرُ
يَسُوقُ يَدَيْهِ مِنَ قُرَيْش كِرَامُها ... وكِلتاهُما بَحْرٌ على الناس زاخرُ
إِذا فقدَ الناسُ الغمامَ تتابَعَتْ ... عليْهمْ بكَفَّيْكَ الغُيُومُ المواطِرُ
على ثِقَةٍ أَلقَتْ إِليْكَ أُمورَها ... قُرَيْش، كما ألقى عَصاهُ المُسافِرُ
أُمورٌ بِميراثِ النبيِّ وَليتَها ... فَأَنتَ لها بالْحَزمِ طاوٍ وَناشِرُ
إِليكُم تناهَتْ فاستَقَرَّتْ وَإِنَّما ... إِلى أَهلهِ صارَتْ بِهِنَّ المَصايرُ
خلَفْتَ لنا المَهْدِيَّ في العَدْلِ وَالنَّدى ... فلا العُرْفُ منزُورٌ ولا الحُكْمُ جائِرُ
وَأَبناءُ عَبَّاسٍ نُجومٌ مضيئَة ... إذا غابَ نجْمٌ لاحَ آخَرُ زاهرُ
عليَّ بَنِي ساقي الحَجِيج تتابعَتْ ... أَوَائلُ منْ مَعْروفكمْ وأَواخِرُ
فأَصْبحْتُ قد أَيْقَنْتُ أَنْ لسْتُ بالغًا ... مَدَى شُكْر نُعْماكُمْ وَإني لَشاكِرُ
وما الناسُ إلا وَارِدٌ لحِياضكم ... وَذُو نَهَل بالرِّيِّ عنهنَّ صادرُ
حُصُونُ بَنِي العَباسِ في كلِّ مَأْزِق ... صُدور العوالي والسُّيوفُ البَواتِرُ
فَطَوْراُ يَهُزُّونَ القَواطِعَ والقَنا ... وَطَوْرًا بأَيدِيهِمْ تُهَزُّ المَخَاصِرُ
بَأَيْدِي عظام النَّفْعِ والضَّر لاتَنِي ... بِهْم للعَطايا والمَنايا بَوادِرُ
لِيَهنِكُمُ المُلكُ الذي أَصبحَتْ بِكمْ ... أَسِرَّتُهُ مُخْتالَةً والمَنابرُ
أَبوكَ وَليُّ المُصْطَفى دونَ هاشِمٍ ... وِإنْ رَغَمتْ مِنْ حاسِدِيك المَناخِرُ
فأعطاه خمسة آلاف دينار، فقبضها بين يديه وكساه خلعته، وأمر له بعشرة من رقيق الروم، وحمله على برْذون من خاصِّ مراكبه.
стр. 5110
وذُكر أنه كان مع الرشيد ابن أبي مريم المدنيُّ، وكان مضحاكًا له محداثًا فكيهًا، فكان الرشيد لا يصبر عنه ولا يملُّ محادثته، وكان ممَّن قد جمع إلى ذلك المعرفة بأخبار أهل الحجاز وألقاب الأشراف ومكايد المجَّان، فبلغ من خاصَّته بالرَّشيد أن بوَّأه منزلًا في قصره، وخلطه بحُرَمه بطانته ومواليه وغلمانه؛ فجاء ذات ليلة وهو نائم وقد طلع الفجر، وقام الرشيد إلى الصلاة فألفاه نائمًا، فكشف اللحاف عن ظهره، ثم قال له: كيف أصبحت؟ قال: يا هذا ما أصبحت بعد، اذهب إلى عملك، قال: ويلك! قم إلى الصلاة، قال: هذا وقت صلاة أبي الجارود، وأنا من أصحاب أبي يوسف القاضي. فمضى وتركه نائمًا، وتأهَّب الرشيد للصلاة، فجاء غلامه فقال: أمير المؤمنين قد قام إلى الصلاة، فقام فألقى عليه ثيابه، ومضى نحوه، فإذا الرشيد يقرأ في صلاة الصبح، فانتهى إليه وهو يقرأ: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله! فما تمالك الرَّشيد أن ضحك في صلاته، ثم التفت إليه وهو كالمغضب، فقال: يابن أبي مريم، في الصلاة أيضًا! قال: يا هذا وما صنعتُ؟ قال: قطعتَ عليَّ صلاتي، قال: والله ما فعلتُ؛ إنما سمعت منك كلامًا غمَّني حين قلت: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ فقلت: لا أدري والله! فعاد فضحك، وقال: إياك والقرآن والدين، ولك ما شئت بعدهما (١).
وذكر بعضُ خدم الرَّشيد أن العباس بن محمد أهدى غاليةً إلى الرشيد، فدخل عليه وقد حملها معه، فقال: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك! قد جئتك بغالية ليس لأحد مثلها، أما مِسْكها فمن سُرَر الكلاب التَبَّتية العتيقة، وأما عَنْبرها فمن عنبر بحر عَدَن، وأما بانُها فمن فلان المدنيَّ المعروف بجودة عَملِه، وأما مركِّبها فإنسان بالبصرة عالم بتأليفها، حاذق بتركيبها، فإنْ رأى أمير المؤمنين أن يمنَّ عليَّ بقبولها فعل، فقال الرشيد لخاقان الخادم وهو على رأسه: يا خاقانُ، أدخلْ هذه الغالية؛ فأدخلها خاقان، فإذا هي في بَرْنيَّة عظيمة من فضة، وفيها مِلعقة، فكشف عنها وابن أبي مريم حاضر، فقال: يا أمير المؤمنين، هَبْها لي، قال: خذها إليك. فاغتاظ العباس، وطار أسفًا، وقال:
стр. 5111
ويلك! عمَدت إلى شيء منعتُه نفسي، وآثرتُ به سيدي فأخذتَه! فقال: أمَّه فاعلة إن دهن بها إلا استه! قال: فضحك الرشيد، ثم وثب ابن أبي مريم، فألقى طرف قميصه على رأسه، وأدخل يده في البَرْنيَّة، فجعل يخرج منها ما حملت يده، فيضعه في استه مرَّة وفي أرفاغه ومغابنه أخرى، ثم سوَّد بها وجهَه ورأسه وأطرافه، حتى أتى على جميع جوارحه، وقال لخاقان: أدخل إليَّ غلامي، فقال الرشيد وما يعقل مما هو فيه من الضحك، ادعُ غلامه، فدعاه، فقال له: اذهب بهذه الباقية، إلى فلانة، امرأته، فقل لها: ادهني بهذا حِرَك إلى أن أنصرف فأنيكك. فأخذها الغلام ومضى، والرَّشيد يضحك، فذهب به الضحك. ثم أقبل على العبَّاس فقال: والله أنت شيخ أحمق، تجيء إلى خليفة الله فتمدح عنده غالية! أما تعلم أنَّ كلَّ شيء تمطر السماء وكلَّ شيء تخرج الأرض له، وكلَّ شيء هو في الدُّنيْا فملك يده، وتحت خاتمه وفي قبضته! وأعجبُ من هذا أنه قيل لملك الموت: انظر كلَّ شيء يقول لك هذا فأنفذه، فمثل هذا تُمْدح عنده الغالية، ويخطب فيِ ذكرها، كأنه بقَّال أو عطار أو تمَّار! قال: فضحك الرشيد حتى كاد ينقطع نَفسهُ، ووصل ابن أبي مريم في ذلك اليوم بمائة ألف درهم (١).
وذكر عن زيد بن عليّ بن حسين بن زيد بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، قال: أراد الرشيد أن يشرب الدَّواء يومًا، فقال له ابن أبي مريم: هل لك أن تجْعلَني حاجبك غدًا عند أخذك الدواء؛ وكل شيء أكسبه فهو بيني وبينك؟ قال: أفعلُ، فبعث إلى الحاجب: الزمْ غدًا منزلك؛ فإني قد ولَّيت ابن أبي مريم الحجابة. وبكَرَ بن أبي مريم، فوضع له الكرسيَّ، وأخذ الرَّشيد دواءه، وبلغ الخبر بِطانتَه، فجاء رسول أم جعفر يسأل عن أمير المؤمنين وعن دوائه، فأوصله إليه، وتعرَّف حالَه وانصرف بالجواب، وقال للرسول: أعلْمِ السيدة ما فعلتُ في الإذن لك قبل الناس؛ فاعلمَها، فبعثت إليه بمال كثير، ثم جاء رسول يحيى بن خالد، ففعل به مثل ذلك، ثم جاء رسول جعفر والفضل، ففعل كذلك، فبعث إليه كلَّ واحد من البرامكة بصلَة جزيلة، ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فردَّه ولم يأذن له، وجاءت رسلُ القواد والعظماء؛ فما أحد سهَّل إذنه إلا بعث إليه بصلة
стр. 5112
جزيلة؛ فما صار العصر حتى صار إليه ستون ألف دينار، فلما خرج الرشيد من العلَّة، ونقيَ بدنه من الدواء دعاه، فقال له: ما صنعت في يومك هذا؟ قال: يا سيدي، كسبت ستين ألف دينار، فاستكثرها وقال: وأين حاصلي؟ قال: معزول، قال: قد سوَّغناك حاصلنا؛ فأهد إلينا عشرة آلاف تفاحة، ففعل، فكان أربح مَن تاجره الرشيد (١).
وذكر عن إسماعيل بن صَبيح، قال: دخلتُ على الرشيد، فإذا جارية على رأسه، وفي يدها صحيفة ومِلْعقة في يدها الأخرى، وهي تلعقه أولًا فأولًا، قال: فنظرت إلى شيء أبيض رقيق فلم أدر ما هو! قال: وعلم أنِّي أحبُّ أن أعرفَه، فقال: يا إسماعيل بن صَبيح، قلت: لبيك يا سيدي، قال: تدري ما هذا؟ قلت: لا، قال: هذا جشيش الأرز والحنطة وماء نُخالة السميد؛ وهو نافع للأطراف المعوجَّة وتشنيج الأعصاب ويصفِّي البشرة، ويذهب بالكلَف، ويسمِّن البدن، ويجلُو الأوساخ. قال: فلم تكن لي همَّة حين انصرفت إلا أن دعوت الطباخ؛ فقلت: بكِّرْ عليَّ كلَّ غداة بالجشيش، قال: وما هو؟ فوصفت له الصِّفة التي سمعتها. قال: تضجر من هذا في اليوم الثالث، فعمِله في اليوم الأول فاستطبتُه، وعمله في اليوم الثاني فصار دونه، وجاء به في اليوم الثالث، فقلت: لا تُقدِّمه.
وذُكر أنَّ الرشيد اعتلَّ علة، فعالجه الأطباء، فلم يجد من عِلَّته إفاقة، فقال له أبو عمر الأعجميُّ: بالهند طبيب يقال له مَنكه، رأيتهم يقدِّمونه على كلِّ من بالهند؛ وهو أحد عُبَّادهم وفلاسفتهم، فلو بعث إليه أمير المؤمنين لعلَّ الله أن يبعث له الشفاء على يده! قال: فوجَّه الرَّشيد من حمله، ووجَّه إليه بصلة تعينه على سفره. قال: فقدم فعالج الرشيد فبرئ من علته بعلاجه، فأجرى له رزقًا واسعًا وأموالًا كافية، فبينا مَنْكَه مارًا بالخُلْد؛ إذا هو برجل من المانيِّين قد بسط كساءه، وألقى عليه عقاقير كثيرة، وقام يصف دواء عنده معجونًا، فقال في صفته: هذا دواء للحمَّى الدائمة وحمَّى الغِبِّ وحمَّى الربع، والمثلثة؛ ولوجع الظهر والركبتين والبواسير والرياح، ولوجع المفاصل ووجع العينين، ولوجع
стр. 5113
البَطْن والصُّداع والشقيقة ولتقطير البول والفالج والارتعاش؛ فلم يدَعْ عِلة في البَدَن إلا ذكر أن ذلك الدواء شفاء منها، فقال مَنْكهَ لترجمانه: ما يقول هذا؟ فترجم له ما سمع، فتبسَّم مَنْكَه، وقال: على كلِّ حال ملك العرب جاهل؛ وذاك أنه إنْ كان الأمر على ما قال هذا، فلمَ حملني من بلادي، وقطعني عن أهلي، وتكلَّف الغليظَ من مؤنتي، وهو يجد هذا نصب عينيه وبإزائه! وإن كان الأمر ليس كما يقول هذا فلم لا يقتله! فإن الشريعة قد أباحت دمه ودم مَنْ أشبهه؛ لأنه إن قُتل، فإنما هي نفس يحيا بقتلها خلْق كثير؛ وإن ترك هذا الجاهل قَتلَ في كلِّ يوم نفسًا، وبالحَري أن يقتل اثنتين وثلاثًا وأربعًا في كلِّ يوم؛ وهذا فساد في التدبير، ووهن في المملكة.
وذُكر أنَّ يحيى بن خالد بن برمك ولَّى رجلًا بعض أعمال الخراج بالسَّوَاد، فدخل إلى الرشيد يودِّعه؛ وعنده يحيى وجعفر بن يحيى، فقال الرشيد ليحيى وجعفر: أوصياه، فقال له يحيى: وَفِّرْ واعمرْ، وقال له جعفر: أنصِفْ وانتصف، فقال له الرشيد: اعدْل وأحسنْ.
وذكر عن الرشيد أنه غضب على يزيد بن مزيد الشيبانيِّ، ثم رضي عنه، وأذن له، فدخل عليه، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ الحمد لله الذي سهَّل لنا سبيل الكرامة، وحلَّ لنا النِّعمة بوجه لقائك، وكشف عنا صُبابة الكرب بإفضالك، فجزاك الله في حالِ سخطك رضا المنيبين، وفي حال رضاك جزاء المنعمين الممتنِّين المتطوِّلين؛ فقد جعلك الله وله الحمد، تتثبَّتُ تحرُّجًا عند الغضب، وتتطوَّل ممتنًا بالنعم، وتعفو عن المسيء تفضُّلًا بالعفو.
وذكر مصعب بن عبد الله الزبيري أن أباه عبد الله بن مصعب أخبره أنَّ الرشيد قال له: ما تقول في الذين طعنوا على عثمان؟ قال: قلت: يا أمير المؤمنين، طعن عليه ناس؛ وكان معه ناس؛ فأما الذين طعنوا عليه فتفرَّقوا عنه؛ فهم أنواع الشِّيَع، وأهل البِدعَ، وأنواع الخوارج؛ وأما الذين كانوا معه فهم أهلُ الجماعة إلى اليوم. فقال لي: ما أحتاج أن أسأل بعد هذا اليوم عن هذا.
قال مصعب: وقال أبي - وسألني عن منزلة أبي بكر وعمر كانت من رسول الله ﷺ ؛ فقلت له: كانت منزلتهما في حياته منه منزلتَهما في ممَاته، فقال: كفيتني ما أحتاج إليه.
стр. 5114
قال: وُوُلِّيَ سلَام، أو رشيد الخادم - بعض خدَّام الخاصة - ضياعَ الرَّشيد بالثغور والشأمات، فتواترت الكتب بحسن سيرته وتوفيره وحمد الناس له، فأمر الرَّشيد بتقديمه والإحسان إليه، وضمِّ ما أحب أن يضمَّ إليه من ضياع الجزيرة ومصر. قال: فقدم فدخل عليه وهو يأكل سَفَرْجلًا قد أتى به من بلْخ؛ وهو يقشِّرهُ ويأكل منه، فقال له: يا فلان، ما أحسن ما انتهى إلى مولاك عنك، ولك عنده ما تحبُّ، وقد أمرت لك بكذا وكذا، ووليتك كذا وكذا، فسل حاجَتك، قال: فتكلَّم وذكر حسنَ سيرته، وقال: أنسَيْتُهم والله يا أمير المؤمنين سيرةَ العُمرين، قال: فغضبط واستشاط، وأخذ سفرجلة فرماه بها، وقال: يابن اللخناء، العمريْن، العمريْن، العمرين! هبنا احتملناها لعمر بن عبد العزيز، نحتملها لعمر بن الخطاب!
وذكر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أن أبا بكر بن عبد الرحمن بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن عبد العزيز حدَّثه، عن الضَّحاك بن عبد الله، وأثنى عليه خيرًا؛ قال: أخبرني بعضُ ولد عبد الله بن عبد العزيز، قال: قال الرَّشيد: والله ما أدري ما آمُر في هذا العُمَريُّ! أكره أن أقدم عليه وله خلَف أكرههم؛ وإني لأحبُّ أن أعرف طريقَه ومذهبه، وما أثق بأحد أبعثه إليه، فقال عمر بن بزيع والفضل بن الربيع: فنحن يا أمير المؤمنين، قال: فأنتما، فخرجا من العَرْج إلى موضع من البادية يقال له خلْص، وأخذا معهما أدلاء من أهل العرْج؛ حتى إذا ورد عليه في منزله أتَيَاه مع الضحى؛ فإذا هو في المسجد، فأناخا راحلتيهما ومَنْ كان معهما من أصحابهما، ثم أتياه على زيِّ الملوك من الريح والثياب والطِّيب؛ فجلسا إليه وهو في مسجد له، فقالا له؛ يا أبا عبد الرحمن، نحن رسل مَنْ خلْفنا من أهل المشرق، يقولون لك: اتقِّ الله ربك؛ فإذا شئت فقم. فأقبل عليهما، وقال: ويحكما! فيمن ولمن! قالا: أنت، فقال: والله ما أحبُّ أني لقيت الله بمحجمة دم امرئ مسلم، وأنَّ لي ما طلعت عليه الشمس؛ فلما أيسا هـ قالا: فإن معنا شيئًا تستعين به على دهرك، قال: لا حاجة لي فيه، أنا عنه في غنىً، فقالا له: إنها عشرون ألف دينار، قال: لا حاجة لي فيها، قالا: فأعطها مَنْ شئت، قال: أنتما، فأعطياها مَنْ رأيتما، ما أنا لكما بخادم ولا عَوْن. قال: فلما يئسا منه ركبا
стр. 5115
راحلتيهما حتى أصبحا مع الخليفة بالسُّقيا في المنزل الثاني، فوجدا الخليفة ينتظرهما؛ فلما دخلا عليه حدثاه بما كان بينهما وبينه، فقال: ما أبالي ما أصنع بعد هذا فحجَّ عبدُ الله في تلك السنة، فبينا هو واقف على بعض أولئك البَاعة يشتري لصبيانه؛ إذا هارون يسعَى بين الصَّفا والمروة على دابَّة، إذ عرض له عبد الله وترك ما يريد، فأتاه حتى أخذ بلجام دابته، فأهوتْ إليه الأجناد والأحراس، فكفَّهم عنه هارون فكلمه. قال: فرأيتُ دموعَ هارون؛ وإنها لتسيل على مَعْرَفة دابته، ثم انصرف.
وذكر محمد بن أحمد مولَى بني سليم قال: حدثني الليث بن عبد العزيز الجوزجانيَّ - وكان مجاورًا بمكة أربعين سنة - أن بعض الحَجبَة حدَّثه أنَّ الرشيد لما حجَّ دخل الكعبة، وقام على أصابعه، وقال: يا مَنْ يملك حوائج السائلين ويعلم ضمير الصامتين، فإنَّ لكل مسألة منك ردًّا حاضرًا، وجوابًا عتيدًا، ولكلِّ صامت منك علمٌ محيط ناطق بمواعيدك الصادقة، وأياديك الفاضلة، ورحمتك الواسعة. صلِّ على محمد وعلى آل محمد، واغفر لنا ذنوبنا وكفِّر عنا سيئاتنا. يا مَنْ لا تضرُّه الذنوب، ولا تخفَى عليه العيوب، ولا تنقصه مغفرة الخطايا. يا من كبس الأرض على الماء، وسدَّ الهواء بالسَّماء، واختار لنفسه الأسماء، صلِّ على محمد، وخِرْ لي في جميع أمري. يا من خشعت له الأصوات بألوان اللغات يسألونك الحاجات؛ إنَّ من حاجتي إليك أن تغفر لي إذا توفَّيتني، وصرتُ في لحدي، وتفرَّق عني أهلي وولدي. اللهمَّ لك الحمد حمدًا يفضلُ على كلِّ حمد كفضلك على جميع الخلق. اللهم صلِّ على محمد صلاة تكون له رضًا، وصلِّ على محمد صلاةً تكون له حرزًا، واجْزه عنَّا خيرَ الجزاء في الآخرة والأولى. اللهمَّ أحينا سُعداء وتوفَّنا شُهداء، واجعلنا سعداء مرزوقين، ولا تجعلنا أشقياء محرومين!
وذكر عليُّ بن محمد عن عبد الله، قال: أخبرني القاسم بن يحيى، قال: بعث الرشيد إلى ابن أبي داود والذين يخدمون قبر الحسين بن عليٍّ في الحَيْر، قال: فأُتىَ بهم، فنظر إليه الحسن بن راشد، وقال: ما لك؟ قال: بعث إليَّ هذا الرجل - يعني الرشيد - فأحضرني، ولست آمنه على نفسي، قال له: فإذا دخلتَ عليه فسألك، فقل له: الحسن بن راشد وضعَني في ذلك الموضع. فلمَّا دخل