يمرّ بقائد قائد، وجماعة جماعة، فيقول: يا أولياء الله وأهل الوفاء والشّكر، إنكم لستم كهؤلاء الذين تروْن من أهل النكْث والغدر، إن هؤلاء ضيّعوا ما حفظتم وصغّروا ما عظّمتم، ونكثوا الأيمان التي رعيتم، وإنما يطلبون الباطل ويقاتلون على الغدر والجهل، أصحاب سلْب ونهب، فلو قد غضضتم الأبصار، وأثبتم الأقدام! قد أنجز الله وعدَه، وفتح عليكم أبواب عزِّه ونصره، فجالدوا طواغيت الفتنة ويعاسيب النَّار عن دينكم، ودافعوا بحقكم باطلهم، فإنما هي ساعة واحدة حتى يحكم الله بينكم وهو خير الحاكمين. وقلق قلقًا شديدًا، وأقبل يقول: يا أهلَ الوفاء والصدق، الصبرَ الصبرَ الحفاظَ الحفاظَ! وتزاحف الناس بعضهم إلى بعض، ووثب أهل الريّ، فغلّقوا أبواب المدينة، ونادى طاهر: يا أولياء الله، اشتغلوا بمن أمامكم عمَّن خلفكم، فإنه لا ينجيكم إلَّا الجدّ والصدق. وتلاحموا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر الفريقان جميعًا، وعلتْ ميمنة عليّ على ميسرة طاهر ففضّتها فضًّا منكرًا، وميسرتُه على ميمنته فأزالتها عن موضعها. وقال طاهر: اجعلوا بأسكم وجدّكم على كراديس القلب، فإنكم لو فضضتم منها رايةً واحدة رجعت أوائلُها على أواخرها. فصبر أصحابه صبرًا صادقًا، ثم حملوا على أوائل رايات القلب فهزموهم، وأكثروا فيهم القتل، ورجعت الرّايات بعضها على بعض، وانتقضت ميمنة عليّ. ورأى أصحابُ ميمنة طاهر وميسرته ما عمل أصحابه، فرجعوا على من كان في وجوههم، فهزموهم، وانتهت الهزيمة إلى عليّ فجعل ينادي أصحابه: أينَ أصحاب الأسورة والأكاليل! يا معشرَ الأبناء، إليّ الكرّة بعد الفرّة، معاودة الحرب من الصبر فيها، ورماه رجلٌ من أصحاب طاهر بسهم فقتَله، ووضعوا فيهم السيوف يقتلونهم ويأسرونهم، حتى حال الليل بينهم وبين الطلب، وغنموا غنيمة كثيرة، ونادى طاهر في أصحاب عليّ: مَن وضع سلاحه فهو آمن، فطرحوا أسلحتهم، ونزلوا عن دوابّهم، ورجع طاهر إلى مدينة الرّيّ، وبعث بالأسرى والرؤوس إلى المأمون (١).
وذكر أن عبد الله بن على بن عيسى طرَح نفسه في ذلك اليوم بين القتلى، وقد كانت به جراحات كثيرة، فلم يزل بين القتلى متشبِّهًا بهم يومه وليلته، حتى أمن الطلب، ثم قام فانضمّ إلى جماعة من فَلّ العسكر، ومضى إلى بغداد، وكان من أكابر ولده.
وذكر سفيان بن محمد أنّ عليًّا لمّا توجّه إلى خراسان بعث المأمون إلى من كان معه من القوّاد يعرض عليهم قتاله رجلًا رجلًا، فكلَهم يصرح بالهيبة، ويعتلّ بالعلل، ليجدوا إلى الإعفاء من لقائه ومحاربته سبيلًا.
وذكر بعض أهل خراسان أنّ المأمون لما أتاه كتاب طاهر، بخبر عليّ وما أوقع الله به، قعد للناس، فكانوا يدخلون فيهنّئونه ويدعون له بالعزّ والنصر. وإنه في ذلك اليوم أعلن خلع محمد، ودعِي له بالخلافة في جميع كُور خراسان وما يليها، وسُرّ أهل خراسان، وخطب بها الخطباء، وأنشدت الشعراء، وفي ذلك يقول شاعر من أهل خراسان:
أَصبحتِ الأمّة في غِبْطَةٍ ... من أَمرِ دنياها ومن دِينها
إذ حفظتْ عهدَ إمامِ الهدى ... خيرِ بني حوَّاء مأمونِها
على شَفًا كانت فلمّا وَفَتْ ... تخلصَتْ من سُوءِ تحيِيِنها
قامتْ بحق الله إذ زُبِرَتْ ... في وُلْدِهِ كتْبُ دَواوِينها
ألا تراها كيف بعَد الرَّدى ... وفقها اللهُ لِتَزيينها!
стр. 5184
وهي أبيات كثيرة (١):
وذكر عليّ بن صالح الحربيّ أن عليّ بن عيسى لما قُتل، أرجف الناس ببغداد إرجافًا شديدًا، وندم محمد على ما كان من نَكثه وغدره. ومشى القوّاد بعضهم إلى بعض. وذلك يوم الخميس للنصف من شوال سنة خمس وتسعين ومائة، فقالوا: إن عليًّا قد قتِل، ولسنا نشكّ أن محمدًا يحتاج إلى الرجال واصطناع أصحاب الصنائع، وإنما يحرّك الرجال أنفسها، ويرفعها باسُها وإقدامُها، فليأمر كلُّ رجل منكم جندَه بالشَغْب وطلب الأرزاق والجوائز، فلعلّنا أن نصيب منه في هذه الحالة ما يصلحنا، ويصلح جندنا. فاتفق علي ذلك رأيهُم وأصبحوا، فتوافَوْا إلى باب الجسْر وكبّروا، فطلبوا الأرزاق والجوائز. وبلغ الخبر عبدَ الله بن خازم، فركب إليهم في أصحابه وفي جماعة غيره من قُوّاد الأعراب، فترامَوْا بالنُّشاب والحجارة، واقتتلوا قتالًا شديدًا، وسمع محمد التكبير والضجيج، فأرسل بعض مواليه أن يأتيَه بالخبر، فرجع إليه فأعلمه أنّ الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم. قال: فهل يطلبون شيئًا غير الأرزاق؟ قال: لا، قال: ما أهونَ ما طلبوا! ارجع إلى عبد الله بن خازم فمرْه فلينصرف عنهم، ثم أمر لهم بأرزاق أربعة أشهر، ورفع مَنْ كان دون الثمانين إلى الثمانين. وأمر للقوّاد والخواصَ بالصّلاة والجوائز.
توجيه الأمين عبد الرحمن بن جبلة لحرب طاهر
وفي هذه السنة وجّه محمد المخلوع عبدَ الرحمن بن جبلة الأبناويّ إلى همَذان لحرب طاهر.
* ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر عبد الله بن صالح أنّ محمدًا لما انتهى إليه قتلُ عليّ بن عيسى بن ماهان، واستباحه طاهر عسكره، وجّه عبد الرحمن الأبناويّ في عشرين ألف رجل من الأبناء، وحمل معه الأموال، وقوّاه بالسلاح والخيل، وأجازه بجوائز، وولَاه
стр. 5185
حُلوان إلى ما غلب عليه من أرض خُراسان، وندب معه فرسان الأبناء وأهل البأس والنَّجدة والغنَاء وأمره بالإكماش في السيّر، وتقليل اللُّبث والتضجّع، حتى ينزل مدينة هَمَذان، فيسبق طاهرًا إليها، ويخندق عليه وعلى أصحابه، ويجمع إليه آلة الحرب، ويغادي طاهرًا وأصحابه إلى القتال. وبسط يده وأنفذ أمره في كلّ ما يريد العمل به، وتقدّم إليه في التحفّظ والاحتراس، وترك ما عمل به عليّ من الاغترار والتضجّع، فتوجّه عبد الرحمن حتى نزل مدينة هَمَذان، فضبط طرقها، وحصّن سورها وأبوابها، وسدّ ثَلْمها، وحشر إليها الأسواق والصنّاع، وجمع فيها الآلات والميَر، واستعدّ للقاء طاهر ومحاربته. وكان يحيى بن عليّ لما قُتِل أبوه هرب في جماعة من أصحابه، فأقام بين الريّ وهمَذان، فكان لا يمرّ به أحدٌ من فَلِّ أبيه إلا احتبسه، وكان يرى أن محمدًا سيولّيه مكان أبيه، ويوجّه إليه الخيل والرجال، فأراد أن يجمع الفَلّ إلى أن يوافيَه القوة والمدد، وكتب إلى محمد يستمدّه ويستنجده، فكتب إليه محمد يعلمه توجيه عبد الرحمن الأبناويّ، ويأمره بالمقام موضعه، وتلقّى طاهر فيمن معه، وإن احتاج إلى قوة ورجال كتب إلى عبد الرحمن فقوّاه وأعانه.
فلما بلغ طاهرًا الخبرُ توجّه نحو عبد الرحمن وأصحابه، فلما قُرب من يحيى، قال يحيى لأصحابه: إن طاهرًا قد قرُب منّا ومعه مَنْ تعرفون من رجال خُراسان وفرسانها، وهو صاحبكم بالأمس، ولا آمن إن لقيتُه بمن معي من هذا الفَلّ أن يصدَعنا صدعًا يدخل وهَنُه على من خَلْفنا، وأنْ يعتلّ عبد الرحمن بذلك، ويقلّدني به العار والوَهَن والعجز عند أمير المؤمنين، وأن أستنجد به وأقمت على انتظار مدده، لم آمن أن يمسك عنا ضنًّا برجاله وإبقاءً عليهم، وشُحًّا بهم على القتل، ولكن نتزاحف إلى مدينة هَمَذان فنعسكر قريبًا من عبد الرحمن، فإن استعنّا به قرب منَّا عونُه، وإن احتاج إلينا أعنَّاه وكنّا بفنائه، وقاتلنا معه. قالوا: الرأي ما رأيتَ، فانصرف يحيى، فلمَّا قرب من مدينة هَمَذَان خذله أصحابُه، وتفرّق أكثر من كان اجتمع إليه، وقصد طاهرٌ لمدينة همَذان، فأشرف عليها، ونادى عبد الرحمن في أصحابه، فخرج على تعبية، فصادف طاهرًا فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر الفريقان جميعًا، وكثر القتلى والجرحى فيهم، ثم إنّ عبد الرحمن انهزم، فدخل مدينة هَمَذان، فأقام بها أيامًا
стр. 5186
حتى قويَ أصحابُه، واندمل جراحهم، ثم أمر بالاستعداد، وزحف إلى طاهر، فلمّا رأى طاهر أعلامه وأوائل أصحابه قد طلعوا، قال لأصحابه: إنّ عبد الرحمن يريد أن يتراءى لكم، فإن قربتم منه قاتلكم، فإن هزمتموه بادر إلى المدينة فدخلها، وقاتلكم على خندقها، وامتنع بأبوابها وسورها، وإن هزمكم اتّسع لهم المجال عليكم، وأمكنتهُ سعة المعترك من قتالكم، وقتل من انهزم وولّى منكم، ولكن قفُوا من خندقنا وعسكرنا قريبًا، فإن تقارب ما قاتلناه، وإن بعُد من خندقهم قَرُبنا منه. فوقف طاهر مكانَه، وظنّ عبد الرحمن أنّ الهيبة بطّأت به من لقائه والنهود إليه، فبادر قتاله فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وصبر طاهر، وأكثر القتل في أصحاب عبد الرحمن، وجعل عبد الرحمن يقول لأصحابه: يا معشرَ الأبناء، يا أبناء الملوك وألفاف السيوف، إنهم العجم، وليسوا بأصحاب مطاوَلة ولا صبر، فاصبروا لهم فداكم أبي وأمي! وجعل يمرّ على راية راية، فيقول: اصبروا، إنما صبرنا ساعة، هذا أول الصّبر والظَّفَر. وقاتل بيديه قتالًا شديدًا، وحمل حمَلات منكرة ما منها حملة إلا وهو يكثْر في أصحاب طاهر القتل، فلا يزول أحدٌ ولا يتزحزح. ثم إنّ رجلًا من أصحاب طاهر حمل على أصحاب علم عبد الرحمن فقتله، وذحمهم أصحاب طاهر ذحمةً شديدة، فولَّوْهم أكتافهم، فوضعوا فيهم السيوف، فلم يزالوا يقتلونهم حتى انتهواْ بهم إلى باب مدينة هَمَذان، فأقام طاهر على باب المدينة محاصرًا لهم وله، فكان عبد الرحمن يخرج في كلّ يوم فيقاتل على أبواب المدينة، ويرمي أصحابه بالحجارة من فوق السور، واشتدّ بهم الحصار، وتأذّى بهم أهلُ المدينة، وتبرّموا بالقتال والحرب، وقطع طاهر عنهم المادّة من كلّ وجه. فلما رأى عبد الرحمن، ورأى أصحابه قد هلكوا وجَهدوا، وتخوف أن يثب به أهلُ هَمَذان أرسل إلى طاهر فسأله الأمان له ولمن معه، فآمنه طاهر ووفى له، واعتزل عبد الرحمن فيمن كان استأمن معه من أصحابه وأصحاب يحيى بن عليّ (١).
стр. 5187
[تسمية طاهر بن الحسين ذا اليمينين]
وفي هذه السنة سُمّيَ طاهر بن الحسين ذا اليمينين.
* ذكر الخبر عن ذلك:
قد مضى الخبرُ عن السبب الذي من أجله سُمِّيَ بذلك، ونذْكرُ الذي سمَاه بذلك.
ذُكر أن طاهرًا لما هزم جيش عليّ بن عيسى بن ماهان، وقتلَ عليّ بن عيسى، كتب إلى الفضل بن سهل: أطال الله بقاءك، وكبَتَ أعداءك، وجعل مَن يشنؤك فداك! كتبتُ إليك ورأس عليّ بن عيسى في حجْري، وخاتمه في يدي، والحمد لله ربّ العالمين. فنهض الفضل فسلّم على المأمون بأمير المؤمنين، فأمدّ المأمون طاهر بن الحسين بالرجال والقوّاد، وسمّاه ذا اليمينين، وصاجب حبل الدين، ورفع من كان معه في دون الثمانين إلى الثمانين (١).
[ظهور السفيانيّ بالشام]
وفي هذه السنة ظهر بالشام السفيانيّ عليّ بن عبد الله بن خالد بن يزيد بن
стр. 5188
معاوية، فدعا إلى نفسه، وذلك في ذي الحجة منها - فطرد عنها سليمان بن أبي جعفر بعد حصره إياه بدمشق - وكان عامل محمد عليها - فلم يفلت منه إلا بعد اليأس، فوجّه إليه محمد المخلوع الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان، فلم ينفذ إليه، ولكنه لما صار إلى الرّقة أقام بها (١).
[طرد طاهر عمال الأمين عن قزوين وكور الجبال]
وفي هذه السنة طرد طاهر عمّال محمد عن قزوين وسائر كور الجبال.
* وذكر الخبر عن سبب ذلك:
ذكر عليّ بن عبد الله بن صالح أنّ طاهرًا لما توجّه إلى عبد الرحمن الأبناويّ بهمذَان، تخوّف أن يثب به كثير بن قادرة - وهو بقَزوين عامل من عمال محمد - في جيش كثيف إن هو خلفه وراءَ ظهره، فلمّا قرب طاهر من هَمَذان أمر أصحابه بالنزول فنزلوا. ثم ركب من ألف فارس وألف راجل، ثم قصد قصْد كثير بن قادره، فلمّا قرب منه هرب كثير وأصحابه. وأخْلَى قزوين، وجعل طاهر فيها جندًا كثيفًا، وولّاها رجلًا من أصحابه، وأمر أن يحارب مَنْ أراد دخولها من أصحاب عبد الرحمن الأبناويّ وغيرهم.
[ذكر قتل عبد الرحمن بن جبلة الأبناويّ]
وفي هذه السنة قتِل عبد الرحمن بن جبلة الأبناوي بأسداباذ (٢).
* ذكر الخبر عن مقتله:
ذكر عبد الرحمن بن صالح أن محمدًا المخلوع لمّا وجّه عبد الرحمن الأبناويّ إلى هَمَذان، أتبعه بابني الحَرَشيّ: عبد الله وأحمد، في خيل عظيمة في أهل بغداد، وأمرَهما أن ينزلا قصر اللصوص، وأن يسمعا ويطيعا لعبد الرحمن،
стр. 5189
ويكونا مددًا له إن احتاج إلى عونهما. فلما خرج عبد الرحمن إلى طاهر في الأمان أقام عبد الرحمن يُرِي طاهرًا وأصحابه أنه له مسالم، راضٍ بعهودهم وأيمانهم، ثم اغترّهم وهم آمنون. فركب في أصحابه، فلم يشعر طاهر وأصحابه حتى هَجَمَوا عليهم، فوضعوا فيهم السيوف، فثبت لهم رجّالة أصحاب طاهر بالسيوف والتراس والنشاب، وجَثَوْا على الرّكب، فقاتلوه كأشدّ ما يكون من القتال، ودافعهم الرّجال إلى أن أخذت الفرسان عُدّتها وأهبتها، وصدقوهم القتال، فاقتتلوا قتالًا منكرًا، حتى تقطعت السيوف، وتقصَفت الرماح. ثم إن أصحاب عبد الرحمن هَربوا، وترجّل هو في ناس من أصحابه، فقاتل حتى قتل، فجعل أصحابه يقولون له: قد أمكنك الهَرب فاهرُب، فإنّ القوم قد كلوا من القتال، وأتعبتهم الحرب، وليس بهم حَراك ولا قوّة على الطلب، فيقول: لا أرجعُ أبدًا، ولا يرى أمير المؤمنين وجهي منهزمًا. وقُتل من أصحابه مقتلة عظيمة، واستبيح عسكره، وانتهى من أفلت من أصحابه إلى عسكر عبد الله وأحمد ابني الحَرَشيّ، فدخلهم الوهن والفشَل، وامتلأت قلوبهم خوفًا ورعبًا فولّوْا منهزمين لا يلوون على شيء من غير أن يلقاهم أحد، حتى صاروا إلى بغداد، وأقبل طاهر وقد خلت له البلاد، يحوز بلدةً بلدةً، وكورةً كورةً، حتى نزل بقرية من قرى حلوان يقال لها شلاشان، فخندق بها، وحصّن عسكره، وجمع إليه أصحابَه. وقال رجل من الأبناء يرثي عبد الرحمن الأبناويّ:
أَلا إِنما تبكي العُيونُ لفارسٍ ... نَفَى العار عنه بالمناصِل والقَنَا
تجَلَّى غُبارُ الموتِ عن صحْنِ وجهه ... وقد أَحرزَ العَلْيَا من المجد واقتنَى
فتىً لا يُبالي إِن دَنَا من مرُوءةٍ ... أَصابَ مصُونَ النفس أو ضَيّعَ الغِنَى
يُقيمُ لأَطرافِ الذَّوابِل سُوقَها ... ولا يَرهَبُ الموتَ المُتاح إذ أدَنا (١)
стр. 5190
وكان العاملُ في هذه السنة على مكة والمدينة من قبَل محمد بن هارون داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وهو الذي حجّ بالناس في هذه السنة وسنتين قبلها وذلك سنة ثلاث وتسعين ومائة، وأربع وتسعين ومائة (١).
وعلى الكوفة العباس بن موسى الهادي من قبَل محمد.
وعلى البَصرة منصور بن المهديّ من قبَل محمد.
وبخُراسان المأمون، وببغداد أخوه محمد.
ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر توجيه الأمين الجيوش لحرب طاهر بن الحسين]
فمما كان من ذلك حبس محمد بن هارون أسد بن يزيد بن مزيد، وتوجيهه أحمد بن مزيد وعبد الله بن حُميد بن قَحْطبة إلى حُلوان لحرب طاهر (٢).
* ذكر الخبر عن سبب حبسه وتوجيهه من ذكرت:
ذُكر عن عبد الرحمن بن وثاب أنّ أسد بن يزيد بن مَزيد حدّثه، أنّ الفضل بن الربيع بعث إليه بعد مقتل عبد الرحمن الأبناويّ. قال: فأتيتُه، فلمّا دخلت عليه وجدته قاعدًا في صحن داره، وفي يده رقعة قد قرأها، واحمرّت عيناه، واشتدّ
стр. 5191
غضبُه، وهو يقول: ينام نومَ الظَّرِبان، [وينتبه انتباه الذئب، همُّه بطنه، يخاتل الرّعاء والكلاب ترصده]. لا يفكر في زوال نعمة، ولا يروّى في إمضاء رأي ولا مكيدة، قد ألهاه كأسه، وشغله قَدَحُه، فهو يجري في لهوه، والأيام توضع في هلاكه، قد شمّر عبد الله له عن ساقه، وفوّق له اصوبَ أسهمه، يرميه على بعد الدّار بالحتْف النافذ، والموت القاصد، قد عبّى له المنايا على متون الخيل، وناط له البلاء في أسنّة الرماح وشفار السيوف. ثم استرجع، وتمثل بشعر البَعيث:
ومَجْدولَةٍ جدْل العِنانِ خَريدَةٍ ... لها شَعَرٌ جَعْدٌ ووَجهٌ مُقْسَمُ
وثغر نَقِيُّ اللوْنِ عَذبٌ مَذاقهُ ... تُضِيءُ لها الظلمَاء ساعَةَ تَبْسِمُ
وثديانِ كالحُقِّيْن، والبَطْنُ ضامِرٌ ... خَميصٌ، وجَهَمٌ نارُهُ تتضَرَّمُ
لَهَوْتُ بها لَيْلَ التِّمامِ ابنَ خالِدٍ ... وأَنت بِمَرْوَ الرُّوذ غَيْظًا تَجرَّمُ
أَظَلُّ أُناغِيَها وتحتَ ابنِ خالدٍ ... أمَيَّةَ نَهْدُ المَرْكَلَينِ عَثْمثمُ
طوَاهُ طِرادُ الخَيْل في كلِّ غارَة ... لها عارض فيه الأَسِنَّةُ تُرْزِمُ
يُقارعُ أتراكَ ابن خاقانَ ليلةً ... إِلى أَن يُرَى الإِصباحُ لا يتلعْثَمُ
فيُصْبح منْ طُولِ الطّرادِ، وَجِسْمُهُ ... نحِيل وَأُضحِى في النَّعيم أُصَمْصمُ
أُبَاكِرُهَا صَهْباءَ كالمسكِ ريحُها ... لها أَرجٌ في دَنِّها حين تَرشُمُ
فَشَتَّانَ ما بَيِني وبَينَ ابن خالد ... أَميَّةَ في الرِّزقِ الذِي اللهُ قاسِمُ
ثم التفت إليّ فقال: يا أبا الحارث، أنا وإياك نجري إلى غاية، إن قصّرنا عنها ذُمِمْنَا، وإن اجتهدنا في بلوغها انقطعنا، وإنما نحن شعب من أصل، إن قوي قوينا، وإن ضعف ضعفنا، إن هذا قد ألقى بيده إلقاء الأمَة الوكْعاء، يشاور النساء، ويعتزم على الرؤيا، وقد أمكن مسامعه من أهل اللهو والجسارة، فهم يعدُونه الظَّفَر، ويمنّونه عقب الأيام، والهلاك أسرع إليه من السيل إلى قيعان الرمل، وقد خشيت والله أن نهلك بهلاكه، ونعطب بعطبه، وأنت فارس العرب وابن فارسها، قد فزع إليك في لقاء هذا الرجل وأطمَعَه فيما قبَلك أمران، أما أحدهما فصدق طاعتك وفضل نصيحتك، والثاني يُمْن نقيبتك وشدّة بأسك، وقد أمرني إزاحة علّتك وبسط يدك فيما أحببت، غير أن الاقتصاد رأسُ النصيحة ومفتاح اليُمنْ والبركة، فأنجز حوائجك، وعجِّل المبادرة إلى عدّوك، فإني
стр. 5192
أرجو أن يُوليك الله شرفَ هذا الفتح، ويلمّ بك شعث هذه الخلافة والدولة. فقلت: أنا لطاعة أمير المؤمنين - أعزه الله - وطاعتك مقدِم، ولكلّ ما أدخل الوَهن والذّل على عدوّه وعدوّك حريص، غير أن المحارب لا يَعمل بالغرور، ولا يفتتح أمره بالتقصير والخلل، وإنما مِلاك المحارب الجنود، وملاك الجنود المال، وقد ملأ أمير المؤمنين أعزه الله أيدي مَنْ شهد العسكر من جنوده، وتابع لهم الأرزاق الدارَة والصِّلات والفوائد الجزيلة، فإن سرتُ بأصحابي وقلوبهم متطلعة إلى مَنْ خلفهم من إخوانهم لم أنتفع بهم في لقاء مَنْ أمامي، وقد فضل أهل السِّلم على أهل الحرب، وجاز بأهل الدّعَة منازل أهل النَّصب والمشقة، والذي أسأل أن يؤمرَ لأصحابي برزق سنة، ويحمل معهم أرزاق سنة، ويخصّ مَن لا خاصّة له منهم من أهل الغناء والبلاء، وأبدِل مَن فيهم من الزَّمْنى والضّعفاء، وأحمل ألف رجل ممّن معي على الخيل، ولا أُسأل عن محاسبَة ما افتتحت من المدن والكور. فقال: قد اشتططتَ، ولا بدّ من مناظرة أمير المؤمنين. ثم ركب وركبت معه، فدخل قبلي على محمد، وأذن لي فدخلتُ، فما كان بيني وبينه إلا كلمتان حتى غضِب وأمر بحبسي (١).
стр. 5193
وذُكر عن بعض خاصة محمد أنّ أسدًا قال لمحمد: ادفع إليّ ولديْ عبد الله المأمون حتى يكونا أسيرين في يدِي، فإن أعطاني الطاعة، وألقى إليّ بيده، وإلّا عملت فيهما بحكمي، وأنفذت فيهما أمري. فقال: أنت أعرابي مجنون، أدعوك إلى ولاء أعنّة العرب والعجم، وأطعمك خراج كُور الجبال إلى خُراسان، وارفع منزلتَك عن نظرائك من أبناء القوّاد والملوك، وتدعونني إلى قتل ولدي، وسفك دماء أهل بيتي! إنّ: هذا للْخُرق والتخليط. وكان ببغداد ابنان لعبد الله المأمون، وهما مع أمِّهما أم عيسى ابنة موسى الهادي، نزولًا في قصر المأمون ببغداد، فلمّا ظفر المأمون ببغداد خرجَا إليه مع أمّهما إلى خُراسان، فلم يزالا بها حتى قدموا بغداد، وهما أكبر ولده.
وذكر زياد بن عليّ، قال: لما غضِب محمد على أسد بن يزيد، وأمر بحبسه، قال: هل في أهل بيت هذا من يقوم مقامه، فإني أكره أن أستفسدهم مع سابقتم وما تقدّم من طاعتهم ونصيحتهم؟ قالوا: نعم، فيهم أحمد بن مزيد، وهو أحسنُهم طريقة، وأصّحهم نيّة في الطاعة، وله مع هذا بأس ونجدة وبَصَر بسياسة الجنود ولقاء الحروب، فأنفذ إليه محمد بَريدًا يأمره بالقدوم عليه، فذكر بكر بن أحمد، قال: كان أحمد متوجّهًا إلى قرية تدعى إسحاقيّة، ومعه نفر من أهل بيته ومواليه وحشمه، فلما جاوز نهر أبان سمع صوت بريد في جوف الليل، فقال: إن هذا لعجيب، بريد في مثل هذه الساعة وفي مثل هذا الموضع! إن هذا الأمرَ لعجيب. ثم لم يلبث البريد أن وقف، ونادى الملّاحَ: هل معك أحمد بن مزيد؟ قال: نعم، فنزل فدفع إليه كتاب محمد، فقرأه ثم قال: إني قد بلغت ضيعتي، وإنما بيني وبينها ميل، فدعني أقعْها وقعة فآمر فيها بما أريد ثم أغدو معك، فقال: لا، إنّ أمير المؤمنين أمرني ألّا أنظرك ولا أرفّهك، وأنْ أشخصك أيّ ساعة صادفتك فيها، من ليل أو نهار. فانصرف معه حتى أتى الكوفة، فأقام بها يومًا حتى تجمَّل وأخذ أهبة السفر، ثم مضى إلى محمد.
فذكر عن أحمد، قال: لما دخلت بغداد، بدأت بالفضل بن الربيع، فقلت:
стр. 5194
أسلّم عليه، وأستعين بمنزلته ومحضره عند محمد، فلما أذن لي دخلت عليه، وإذا عنده عبد الله بن حُميد بن قحطبة، وهو يريده على الشخوص إلى طاهر، وعبد الله يشتطّ عليه في طلب المال والإكثار من الرجال، فلمّا رآني رحّب بي وأخذ بيدي، ورفعني حتى صيّرني معه على صدر المجلس، وأقبل على عبد الله يداعبه ويمازحه، فتبسّم في وجهه، ثم قال:
إِنَّا وجَدْنا لكم إِذ رَثَّ حبْلكم ... مِنْ آلِ شيْبانَ أُمَّا دُونكمْ وَأَبا
الأكثرون إِذَا عُدَّ الحَصى عَدَدًا ... والأَقرَبونَ إِلينا منكم نَسبا
فقال عبد الله: إنّهم لكذلك، وإن منهم لسَدّ الخَلل ونكاء العدوّ، ودفع معرّة أهل المعصية عن أهل الطاعة. ثم أقبل على الفضل، فقال: إنّ أمير المؤمنين أجرى ذكرك، فوصفتُك له بحسن الطاعة وفضل النصيحة والشدّة على أهل المعصية، والتقدّم بالرأي، فأحبَّ اصطناعك والتنويهَ باسمك، وأن يرفعك إلى منزلةٍ لم يبلغها أحد من أهل بيتك. والتفت إلى خادمه، فقال: يا سرّاج، مُرْ دوابّي، فلم ألبث أن أسرجَ له، فمضى ومضيت معه، حتى دخلنا على محمد وهو في صحن داره، له ساج، فلم يزل يأمرني بالدنوّ حتى كدت ألاصقه، فقال: إنه قد كثر عليّ تخليط ابن أخيك وتنكّره، وطال خلافه عليّ حتى أوحشني ذلك منه، وولَّد في قلبي التهمة له، وصيّرني لسوء المذهب وخبث الطاعة إلى أن تناولته من الأدب والحبس بما لم أحبّ أن أكون أتناوله به، وقد وُصفتَ لي بخير، ونُسبت إلى جميل، فأحببت أن أرفع قدرَك، وأعلي منزلتك، وأقدّمك على أهل بيتك، وأن أولِّيَك جهاد هذه الفئة الباغية الناكثة، وأعرّضك للأجر والثواب في قتالهم ولقائهم، فانظر كيف تكون، وصحِّح نيّتَك، وأعن أميرَ المؤمنين على اصطناعك، وسُره في عدوّه ينعم سرورك وتشريفك. فقلت: سأبذل في طاعة أمير المؤمنين أعزّه الله مهجتِي، وأبلغ في جهاد عدوّه أفضل ما أمّله عندي، ورجاه من غنائي وكفايتي، إن شاء الله. فقال: يا فضل، قال: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ادفع إليه دفاترَ أصحاب أسد، واضممّ إليه مَنْ شهد العسكر من رجال الجزيرة والأعراب، وقال: أكمش على أمرك، وعجّل المسير إليه. فخرجت فانتخبت الرجال واعترضت الدفَاتر، فبلغت عدّة من صحّحتُ اسمه عشرين ألف رجل. ثم توجّهت بهم إلى حُلوان.
стр. 5195
وذكر أن أحمد بن مزيد لمّا أراد الشخوص دخل على محمد، فقال: أوصِني أكرم الله أمير المؤمنين! فقال: أوصيك بخصال عِدّة: إياك والبغْيَ، فإنه عِقال النصر، ولا تقدّم رِجْلا إلا باستخارة، ولا تُشهِر سيفًا إلا بعد إعذار، ومهما قَدَرت باللين فلا تتعدّه إلى الخُرْق والشِّرَّة، وأحسِنْ صحابة مَنْ معك من الجند، وطالعني بأخبارك في كلّ يوم، ولا تخاطر بنفسك طلب الزلفة عندي، ولا تستقْها فيما تتخوّف رجوعه عليَّ، وكن لعبد الله أخًا مصافيًا، وقرينًا بَرًّا وأحسن مجامعته وصحبته ومعاشرته، ولا تخذله إن استنصرك، ولا تبطئ عنه إذا استصرخَك، ولتكن أيديكما واحدةً، وكلمتكما متفقة. ثم قال: سلْ حوائجك، وعجّل السراح إلى عدوّك. فدعا له أحمد، وقال: يا أميرَ المؤمنين، كَثِّرْ لي الدعاء ولاتقبل فيّ قول باغٍ، ولا ترفضني قبل المعرفة بموضع قدمي لك، [ولا تنقض عليّ ما استجمع من رأي، ومنّ عليّ بالصفح عن ابن أخي، قال: ذلك لك] ثم بعث إلى أسد فحلّ قيودَه وخلّى سبيله، فقال أبو الأسد الشيبانيّ في ذلك [يمدح أحمد ويذكر حاله ومنزلته]:
لِيَهْنِ أَبا العباسِ رَأيُ إِمامِهِ ... وما عِندَهُ منهُ القَضا بمَزِيدِ
دَعاهُ أميرُ المؤمنينَ إلى التي ... يُقَصِّرُ عنها ظِلُّ كلِّ عَميدِ
فَبادَرَها بالرَّأَي والحَزمِ والحجى ... وَرأيُ أَبي العباس رأيُ سَديدِ
نَهَضتَ بما أَعيا الرِّجالُ بحملِهِ ... وَأَنتَ بِسَعدٍ حاضِرٍ وسَعيِدِ
رَدَدتَ بها للرَّائدينَ أَعَزهُمْ ... ومثلكَ وَالى طَارِفًا بتليد
كَفَى أَسَدًا ضيقَ الكبول وكرْبَها ... وكانَ عليهِ عاطفًا كيَزيدِ
وحَصَّلَهُ فيها كلَيثٍ غضَنْفرٍ ... أبي أَشْبلٍ عبْلِ الذِّراع مَدِيدِ
وذكر يزيد بن الحارث أنّ محمّدًا وجّه أحمد بن مزيد في عشرين ألف رجل من الأعراب، وعبد الله بن حميد بن قَحْطبة في عشرين ألف رجل من الأبناء، وأمرهما أن ينزلا حُلْوان، ويدفعا طاهرًا وأصحابه عنها، وإن أقام طاهر بشلاشان أن يتوجّها إليه في أصحابهما حتى يدفعاه، وينصبا له الحرْب، وتقدّم إليهما في اجتماع الكلمة والتوادِّ والتحابّ على الطاعة، فتوجّها حتى نزلا قريبًا من حُلوان بموضعٍ يقال له خانقين، وأقام طاهر بموضعه، وخندق عليه وعلى أصحابه، ودس الجواسيس والعيون إلى عسكريهما، فكانوا يأتونهم بالأراجيف،
стр. 5196
ويخبرونهم أنّ محمدًا قد وضع العطاء لأصحابه، وقد أمر لهم من الأرزاق بكذا وكذا، ولم يزل يحتال في وقوع الاختلاف والشَّغْب بينهم حتى اختلفوا، وانتقض أمرهم، وقاتل بعضهم بعضًا، فأخلوْا خانقين، ورجعوا عنها من غير أن يلقوْا طاهرًا، ويكون بينهم وبينه قتال. وتقدّم طاهر حتى نزل حُلوان، فلما دخل طاهر حُلوان لم يلبث إلّا يسيرًا حتى أتاه هَرْثمة بن أعيْنَ بكتاب المأمون والفضل بن سهل، يأمرانِه بتسليم ما حوى من المدن والكُور إليه، والتوجّه إلى الأهواز، فسلم ذلك إليه، وأقام هرثمة بحُلوان فحصنها ووضع مسالحه ومراصده في طرقها وجبالها، وتوجّه طاهر إلى الأهواز (١).
[ذكر رفع منزلة الفضل بن سهل عند المأمون]
وفي هذه السنة رفع المأمون منزلة الفضل بن سهل وقدّره.
ذكر الخبر عمّا كان من المأمون إليه في ذلك:
ذُكر أن المأمون لمّا انتهى إليه الخبر عن قتل طاهر عليَّ بن عيسى واستيلائه على عسكره وتسميته إيّاه أمير المؤمنين، وسلم الفضل بن سهل عليه بذلك، وصحّ عنده الخبر عن قتل طاهر عبد الرحمن بن جَبلة الأبناويّ وغلبته على عسكره، دعا الفضل بن سهل، فعقد له في رجَبَ من هذه السنة على المشرق من جبل هَمَذان إلى جبل سقينان والتبّت طولًا، ومن بحر فارس والهند إلى بحر الدّيْلم وجُرجان عرضًا، وجعل عُمالته ثلاثة آلاف ألف درهم، وعقد له لواء على سنان ذي شُعبتين، وأعطاه علَمًا، وسمّاه ذا الرياستين، فذكر بعضهم أنه رأى سيفه عند الحسن بن سهل مكتوبًا عليه بالفِضّة من جانب: رياسة الحرب، ومن الجانب الآخر: رياسة التدبير. فحمل اللواء عليّ بن هشام، وحمل العَلَم
стр. 5197
نُعيم بن حازم، وولّى الحسن بن سهل ديوان الخراج (١).
* * *
[ذكر خبر ولاية عبد الملك بن صالح على الشام]
وفي هذه السنة ولّي محمد بن هارون عبد الملك بن صالح بن عليّ على الشام وأمره بالخروج إليها، وفرض له من رجالها جنودًا يقاتل بها طاهرًا وهرثمة (٢).
* ذكر الخبر عن سبب توليته ذلك:
ذكر داود بن سليمان أنّ طاهرًا لما قويَ واستعلى أمرُه، وهَزَمَ مَن هزم من قوّاد محمد وجيوشه، دخل عبد الملك بن صالح على محمد - وكان عبد الملك محبوسًا في حبس الرشيد، فلما تُوُفِّيَ الرشيد، وأفضى الأمر إلى محمد أمر بتخلية سبيله، وذلك في ذي القعدة سنة ست وتسعين ومائة، فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد، ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته - فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك، وقد بذلتَ سماحتك، فإن أتممت على أمرك أفسدتهم وأبطرتهم، وإن كففت أمرك عن العطاء والبذل أسخطتَهم وأغضبتَهم، وليس تُملك الجنود بالإمساك، ولا يبقى ثبوت الأموال على الإنفاق والسرف، ومع هذا فإن جندك قد رعِبتْهم الهزائم، ونهكتْهم وأضعفتهم الحرب والوقائع، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوّهم، ونكولًا عن لقائهم ومناهضتهم، فإن سيّرتهم إلى طاهر غلب بقليل مَنْ معه كثيرَهم، وهزم بقوّة نيّتِه ضَعْف نصائحهم ونيّاتهم، وأهلُ الشام
стр. 5198
قوم قد ضرّستهم الحروب، وأدّبتهم الشدائد، وجلُّهم منقاد إليّ، مسارع إلى طاعتي، فإن وجّهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندًا تَعظم نكايتهم في عدوّه، ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته. فقال محمد: فإني موليك أمرَهم، ومقوّيك بما سألت من مال وعُدّة، فعجّل الشخوص إلى ما هُنالك، فاعمل عملًا يَظهر أثرُه، وُيُحمَد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله، فولّاه الشام والجزيرة، واستحثّه بالخروج استحثاثًا شديدًا، ووجّه معه كنَفًا من الجند والأبناء.
وفي هذه السنة سار عبد الملك بن صالح إلى الشام، فلما بلغ الرقة أقام بها. وأنفذ رسله وكتبه إلى رؤساء أجناد أهل الشام بجمع الرّجال بها، وإمداد محمد بهم لحرب طاهر.
* ذكر الخبر عن ذلك:
قد تقدّم ذكرى سببَ توجيه محمد إياه لذلك، فذكر داود بن سليمان أنه لما قدم عبد الملك الرّقة، أنفذ رسلَه، وكتب إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة، فلم يبقَ أحد ممّن يرجَى ويذكر بأسه وغناءه إلا وعده وبسط له في أمله وأمنيته، فقدموا عليه رئيسًا بعد رئيس، وجماعة بعد جماعة، فكان لا يدخل عليه أحدٌ إلا أجازه وخلع عليه وحمله، فأتاه أهلُ الشام: الزواقيل والأعراب من كلّ فَجّ، واجتمعوا عنده حتى كثروا. ثم إن بعضَ جند أهل خُراسان نظر إلى دابَّةٍ كانت أخذِت منه في وقعة سليمان بن أبي جعفر تحت بعض الزواقيل، فتعلّق بها، فجرى الأمر بينهما إلى أن اختلفا، واجتمعت جماعة من الزّواقيل والجند، فتلاحموا، وأعان كلّ فريق منهم صاحبَه، وتلاطموا وتضاربوا بالأيدي، ومشى بعض الأبناء إلى بعض، فاجتمعوا إلى محمد بن أبي خالد، فقالوا: أنت شيخنا وفارسنا، وقد ركب الزواقيلَ منّا ما قد بلغك، فاجمع أمرنا وإلا استذلُّونا، وطمعوا فينا، وركبوا بمثل هذا في كلّ يوم. فقال: ما كنت لأدخل في شَغْب، ولا أشاهدكم على مثل الحالة. فاستعدّ الأبناء وتهيؤوا، وأتوا الزواقيل وهم غارُّون، فوضعوا فيهم السيوف، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وذبحوهم في رحالهم، وتنادى الزواقيل، فركبوا خيولَهم، ولبسوا أسلحتهم، ونشبت الحرب بينهم. وبلغ ذلك عبد الملك بن صالح، فوجّه إليهم رسولًا يأمرهم بالكفّ ووضع السلاح، فرموْه بالحجارة، واقتتلوا يومهم ذلك قتالًا شديدًا،
стр. 5199
وأكثرت الأبناء القتل في الزوافيل: فأخبِر عبد الملك بكثرةِ مَنْ قتل - وكان مريضًا مدنَفًا - فضرب بيده على يد، ثم قال واذلّاه! تستضام العرب في دارها ومحلّها وبلادها! فغضب من كان أمسك عن الشرّ من الأبناء، وتفاقم الأمر فيما بينهم، وقام بأمر الأبناء الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان، واصبح الزّواقيل، فاجتمعوا بالرَّقة، واجتمع الأبناء وأهل خُراسان بالرافقة، وقام رجل من أهل حمْص، فقال: يا أهلَ حمْص، الهرب أهْوَنُ من العطب، والموتُ أهونُ من الذّل، إنكم بعُدتم عن بلادكم، وخرجتم من أقاليمكم، ترجون الكثرة بعد القلة والعزّة بعد الذلة! ألا وفي الشرّ وقعتم، وإلى حَوْمة الموت أنختم. إن المنايا في شوارب المسودة وقلانسهم. النفير النفير، قبل أن ينقطع السبيل، وينزل الأمر الجليل، ويفوت المطلب، ويعسر المذهب، ويبعد العمل، ويقترب الأجل! .
وقام رجل من كلب في غَرْز ناقته، ثم قال:
شُؤبُوبُ حَرْبٍ خابَ من يَصْلاها ... قَدْ شَرَّعَتْ فُرْسانُها قَناها
فأَوْرَدَ اللهُ لظىً لظاها ... إن غُمِرَت كلبٌ بها لحَاها
ثم قال: يا معشَر كلْب، إنها الرّاية السوداء، والله ما ولّت ولا عدَلْت ولا ذلّ ناصرها، ولا ضعف وليُّها، وإنكم لتعرفون مواقعَ سيوف أهل خُراسان في رقابكم، وآثار أسنَّتهم في صدوركم. اعتزلوا الشرّ قبل أن يعظم، وتخَطَوْه قبل أن يضطرم. شأمَكم شأمكم، داركم داركم! الموت الفلسطينيّ خير من العيش الجزَريّ. ألا وإني راجع، فمن أراد الانصراف فلينصرف معي.
ثم سار وسار معه عامة أهل الشام، وأقبلت الزّواقيل حتى أضرموا ما كان التّجار جمعوا من الأعلاف بالنار، وأقام الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان مع جَماعة أهل خراسان والأبناء على باب الرافقة تخوّفًا لطوق بن مالك. فأتى طوقًا رجل من بني تَغْلِب، فقال: ألا ترى ما لقيت العرب من هؤلاء! انهض فإنّ مثلك لا يقعد عن هذا الأمر، قد مدّ أهلُ الجزيرة أعينَهم إليك، وأمّلوا عونَك ونصرَك. فقال: والله ما أنا من قيسها ولا يمنِها، ولا كنت في أوّل هذا الأمر لأشهدَ آخره، وإني لأشدّ إبقاء على قومي، وأنظرُ لعشيرتي منْ أن أعرِّضهم للهلاك بسبب هؤلاء السفهاء من الجند وجهال قيس، وما أرى السّلامة إلا في الاعتزال.
стр. 5200
وأقبل نصر بن شبث في الزّواقيل على فرس كُمَيت أغرّ، عليه درّاعة سوداء قد ربطها خَلْف ظهره، وفي يده رُمح وترْس، وهو يقول:
فُرْسانَ قَيْسٍ أصْمُدُنّ للموت ... لا تُرْهِبُني عَن لِقاء الفَوتْ
* دَعى التَّمَنِّي بِعَسَى وَلَيْتْ *
ثم حمل هو وأصحابُه، فقاتل قتالًا شديدًا، فصبر لهم الجند، وكثر القتل في الزّواقيل، وحملت الأبناء حملاتٍ، في كلِّها يقتلون ويجرحون، وكان أكثر القتل والبلاء في تلك الدفعة لكثير بن قادرة وأبي الفيل وداود بن موسى بن عيسى الخُراساني، وانهزمت الزواقيل، وكان على حاميتهم يومئذ نصر بن شبث وعمرو السلميّ والعباس بن زفر (١).
وتوفِّيَ في هذه السنة عبد الملك بن صالح.
[ذكر خلع الأمين والمبايعة للمأمون] (٢)
وفي هذه السنة خُلع محمد بن هارون، وأخِذت عليه البيعة لأخيه عبد الله المأمون ببغداد.
وفيها حُبس محمد بن هارون في قصر أبي جعفر مع أم جعفر بنت جحفر بن أبي جعفر.
* ذكر الخبر عن سبب خلعه:
ذُكر عن داود بن سليمان أنّ عبد الملك بن صالح لما تُوُفِّيَ بالرّقة، نادى الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان في الجند، فصيّر الرّجَالة في السفن
стр. 5201
والفرسان على الظهر ووصلهم، وقوّى ضعفاءهم، ثم حملهم حتى أخرجهم من بلاد الجزيرة، وذلك في سنة ست وتسعين ومائة.
وذكر أحمد بن عبد الله، أنه كان فيمن شهد مع عبد الملك الجزيرة لمّا انصرف بهم الحسين بن عليّ، وذلك في رجب من سنة ست وتسعين ومائة. وذكر أنه تلقاه الأبناء وأهل بغداد بالتكرمة والتعظيم، وضربوا له القِباب، واستقبله القوّاد والرؤساء والأشراف، ودخل منزله في أفضل كرامة وأحسن هيئة، فلما كان في جوف الليل بعث إليه محمد يأمره بالركوب إليه، فقال للرسول: والله ما أنا بمغَن ولا بمسامر ولا مضحك، ولا وليتُ له عملًا، ولا جرى له على يدي مال، فلأيّ شيء يريدني في هذه الساعة! انصرف، فإذا أصبحتُ غدوتُ إليه إن شاء الله.
فانصرف الرسول، وأصبح الحسين فوافى بابَ الجسر، واجتمع إليه النّاس، فأمر بإغلاق الباب الذي يخرج منه إلى قصر عبد الله بن عليّ وباب سوق يحيى، وقال: يا معشر الأبناء، إن خلافة الله لا تجاور بالبطر، ونِعَمه لا تستصحَب بالتجبر والتكبر، وإن محمدًا يريد أن يوتغ أديانكم، وينكث بيعتكم، ويفرّق جمعكم، وينقل عزّكم إلى غيركم، وهو صاحب الزّواقيل بالأمس، وبالله إن طالت به مدّة وراجعه من أمره قوة، ليرجعن وبال ذلك عليكم، وليعرَفنّ ضرره ومكروهه في دولتكم ودعوتكم، فاقطعوا أثَره قبل أن يقطع آثاركم، وضعوا عزّه قبل أن يضع عزَّكم، فوالله لا ينصره منكم ناصر إلا خُذِل، ولا يمنعه مانع إلا قُتِل، وما عند الله لأحد هوادة، ولا يراقب على الاستخفاف بعهوده والحنْث بأيمانه. ثم أمر الناس بعبُور الجسر فعبروا، حتى صاروا إلى سكة باب خُراسان، واجتمعت الحربية وأهل الأرْباض ممّا يلي باب الشام، [وباب الأنبار وشطّ الصراة مما يلي باب الكوفة]. وتسرّعت خيول من خيول محمد من الأعراب وغيرهم إلى الحسين بن عليّ، فاقتتلوا قتالًا شديدًا مليًّا من النهار، وأمر الحسين مَنْ كان معه من قوّاده وخاصة أصحابه بالنزول فنزلوا إليهم بالسّيوف والرماح، وصدَقوهم القتال، وكشفوهم حتى تفرّقوا عن باب الخلد.
قال: فخلع الحسين بن عليّ محمدًا يوم الأحد لإحدى عشرة ليلة خلَت من
стр. 5202
رجب سنة ست وتسعين ومائة، وأخذ البيْعة لعبد الله المأمون من غد يوم الإثنين إلى الليل، وغدا إلى محمد يوم الثلاثاء، فوثب بعد الوقعة التي كانت بين الحسين وبين أصحاب محمد العباس بن موسى بن عيسى الهاشميّ على محمّد، ودخل عليه فأخرجه من قصر الخُلْد إلى قصر أبي جعفر، فحبسه هناك إلى صلاة الظهر، ثم وثب العباس بن موسى بن عيسى على أمّ جعفر فأمرها بالخروج من قصرها إلى مدينة أبي جعفر، فأبت، فدعا لها بكرسيّ، وأمرها بالجلوس فيه، فقنعها بالسوْط وساءها، وأغلظ لها القول، فجلست فيه، ثم أمر بها فأدخلت المدينة مع ابنها وولدها. فلما أصبح الناس من الغد طلبوا من الحسين بن عليّ الأرزاق وماجَ الناس بعضهم في بعض، وقام محمد بن أبي خالد بباب الشام، فقال: أيها الناس، والله ما أدري بأي سبب يتأمّر الحسين بن عليّ علينا، ويتولى هذا الأمر دوننا! ما هو بأكبرنا سنًّا، ولا أكرمنا حسبًا، ولا أعظمنا منزلة، وإن فينا مَنْ لا يرضى بالدنيّة، ولا يقاد بالمخادعة، وإني أوّلكم نقض عهده، وأظهر التغيير عليه، والإنكار لفعله، فمن كان رأيه رأي فليعتزل معي.
وقام أسد الحربيّ، فقال: يا معشر الحربيّة، هذا يوم له ما بعده، إنكم قد نمتم وطال نومكم، وتأخرّتم فقدِّم عليكم غيركم، وقد ذهب أقوام بذكر خَلْع محمد وأسره، فاذهبوا بذكر فكّه وإطلاقه.
فأقبل شيخ كبير من أبناء الكفاية على فَرَس، فصاح بالناس: اسكتوا، فسكتوا، فقال: أيّها الناس، هل تعتدون على محمد بقطعٍ منه لأرزاقكم؟ قالوا: لا، قال: فهل قصر بأحد منكم أو من رؤسائكم وكبرائكم؟ قالوا: ما علمنا، قال: فهل عزل أحدًا من قوّادكم؟ قالوا: معاذ الله أن يكون فعل ذلك! قال: فما بالكم خذلتموه وأعنتُم عدوّه على اضطهاده وأسره! أما والله ما قَتَلَ قومٌ خليفتَهم قطّ إلا سلّط الله عليهم السيف القاتل، والحتف الجارف، انهضوا إلى خليفتكم وادفعوا عنه، وقاتلوا مَنْ أراد خلعه والفتك به. ونهضت الحربيَة، ونهض معهم عامّة أهل الأرباض في المشهّرات والعُدّة الحسنة. فقاتلوا الحسين بن عليّ وأصحابَه قتالًا شديدًا منذ ارتفاع النهار إلى انكسار الشمس، وأكثروا في أصحابه الجِراح، وأسِر الحسين بن عليّ، ودخل أسد الحربيّ على محمد، فكسر قيودَه وأقعده في مجلس الخلافة، فنظر محمد إلى قوم ليس عليهم لباس الحرب
стр. 5203
والجند، ولا عليهم سلاح، فأمرهم فأخذوا من السلاح الذي في الخزائن حاجتَهم ووعدهم ومنّاهم، وانتهب الغوغاء بذلك السبب سلاحًا كثيرًا ومتاعًا من خَزّ وغير ذلك، وأتِيَ بالحسين بن عليّ، فلامه محمد على خلافه وقال له: ألم أقدّم أباك على الناس، وأُوَلِّهِ أعنّة الخيل وأملأ يده من الأموال، وأشرّف أقداركم في أهل خراسان، وأرفع منازلَكم على غيركم من القوّاد! قال: بلى، قال: فما الذي استحققتُ به منك أن تخلع طاعتي، وتؤلّب الناس عليّ، وتندبهم إلى قتالي! قال: الثقة بعفو أميرِ المؤمنين وحسن الظن بصفحه وتفضله. قال: فإن أمير المؤمنين قد فعل ذلك بك، وولَاك الطلب بثأرِك، ومن قتِل من أهل بيتك. ثم دعا له بخِلعة فخلعها عليه، وحمله على مراكب، وأمره بالمسير إلى حُلوان، وولّاه ما وراء بابه.
وذُكر عن عثمان بن سعيد الطائي، قال: كانت لي من الحسين بن عليّ ناحية خاصّة، فلما رضي عنه محمد، وردّ إليه قيادتَه ومنزلتَه، عبرت إليه مع المهنئين، فوجدته واقفًا بباب الجسر، فهنّاته ودعوت له، ثم قلت له: إنكَ قد أصبحتَ سيّد العسكرين، وثقة أميرّ المؤمنين، فأشكر العفو والإقالة، ثم داعبتُه ومازحته، ثم أنشأت أقول:
همُ قتَلوه حين تَمَّ تمامُه ... وصار مُعَزًّا بالنَّدَى والتَّمَجُّدِ
أَغَرُّ كأَنَّ البدرَ سُنَّةُ وَجْهِه ... إِذا جاءَ يمشي في الحديد المُسرّد
إذا جَشَأَت نفسُ الجَبانِ وَهَلَّلتْ ... مَضَى قُدُمًا بالمَشرَفيّ المُهَنَّدِ
حليمٌ لدَى النادِي جَهُولٌ لَدى الوغَى ... عَكورٌ على الأَعدَاء قليلُ التَّزَيدِ
فثَأرَكَ أَدرِكْهُ مِنَ القَوم إنَّهمْ ... رَموكَ على عَمْدٍ بِشَنعضا مُزَنّدِ
فضحك، ثم قال: ما أحرصتني على ذاك إن ساعدني عُمْر، وأيِّدت بفتْح ونَصْر. ثم وقف على باب الجسر، وهرب في نفر من خدمه ومواليه، فنادى محمد في الناس، فركبوا في طلبه، فأدركوه بمسجد كوثر، فلما بصر بالخيل نزل وقيّد فرَسه، وصلى ركعتين وتحرّم، ثم لقيهم فحمل عليهم حملات في محلِّها يهزمهم ويقتل فيهم. ثم إنّ فرسه عثر به وسقط، وابتدره الناس طعنًا وضربا وأخذوا رأسه، وفي ذلك يقول عليّ بن جبلة - وقيل الخرَيميّ:
أَلا قاتَلَ اللهُ الأُلَى كفروا به ... وفازوا برأس الْهَرْثمِيِّ حُسَيْنِ
стр. 5204
لقد أَورَدُوا منهُ قناةً صليبةً ... بشَطبٍ يَمانيَّ ورمحِ رُدَيْني
رَجا في خِلافِ الحقِّ عِزًّا وِإمْرَةً ... فأَلبسهُ التأْمِيلُ خُفَّ حُنَين
وقيل: إن محمدًا لما صفح عن الحسين استوزره ودفع إليه خاتمه.
وقتل الحسين بن عليّ بن عيسى بن ماهان للنصف من رجب من هذه السنة في مسجد كوثر، وهو على فرسخ من بغداد في طريق النّهرين.
وجدّد البيعة لمحمد يوم الجمعة لست عشرة خلت من رجب من هذه السنة، وكان حبس الحسين محمدًا في قصر أبي جعفر يومين.
وفي الليّلة التي قتِل فيها حسين بن عليّ هرب الفضل بن الربيع (١).
وفي هذه السنة توجّه طاهر بن الحسين حين قدم عليه هَرْثمة من حُلوان إلى الأهواز، فقتَل عامل محمد عليها، وكان عامله عليها محمد بن يزيد المهلبيّ بعد تقديم طاهر جيوشًا أمامه إليها قبل انفصاله إليه لحربه.
стр. 5205
ذكر الخبر عن مقتل محمد بن يزيد المهلبيّ ودخول طاهر إلى الأهواز (١)
ذُكر عن يزيد بن الحارث، قال: لما نزل طاهر شلاشان، وجّه الحسين بن عمر الرستميّ إلى الأهواز، وأمره أن يسير سيرًا مقتصدًا، ولا يسير إلَّا بطلائع، ولا ينزل إلا في موضع حَصِين يأمن فيه على أصحابه. فلما توجّه أتت طاهرًا عيونه، فأخبروه أن محمد بن يزيد المهلبيّ - وكان عاملًا لمحمد على الأهواز - قد توجّه في جمع عظيم يريد نزول جندي سابور - وهو حدّ ما بين الأهواز والجبل - ليحمي الأهواز، ويمنع من أراد دخولها من أصحاب طاهر، وإنه في عدّة وقوّة، فدعا طاهر عدّةً من أصحابه، منهم محمد بن طالوت ومحمد بن العلاء والعباس بن بخاراخذاه والحارث بن هشام وداود بن موسى وهادي بن حفص، وأمرهم أن يكمّشوا السَّير حتى يتّصل أوّلهم بآخر أصحاب الحسين بن عمر الرّستميّ، فإن احتاج إلى إمداد أمدّوه، أو لقيه جيش كانوا ظهرًا له. فوجّه تلك الجيوش، فلم يلقهم أحدٌ حتى شارفوا الأهواز.
وبلغ محمد بن يزيد خبرُهم، فعرض أصحابَه، وقوّى ضعفاءهم، وحمل الرجّالة على البغال، وأقبل حتى نزل سوق عسكر مُكرَم، وصيّر العمران والماء وراء ظهره، وتخوّف طاهر أن يعجل إلى أصحابه، فأمدّهم بقريش بن شبل، وتوجّه هو بنفسه حتى كان قريبًا منهم، ووجّه الحسن بن عليّ المأموني، وأمره بمضامّة قريش بن شبل والحسين بن عمر الرستميّ، وسارت تلك العساكر حتى قاربوا محمد بن يزيد بعسكر مُكرم، فجمع أصحابه فقال: ما ترون؟ أطاول القوم القتال وأماطلهم اللقاء، أم أناجزهم كانت لي أم عليّ؟ فوالله ما أرى أن أرجع إلى أمير المؤمنين أبدًا، ولا أنصرف عن الأهواز، فقالوا له: الرأي أن ترجع إلى الأهواز، فتتحصن بها وتغادي طاهرًا القتال وتبعث إلى البصرة فتفرض بها الفروض، وتستجيش من قدرت عليه وتابعك من قومك. فقبل ما أشاروا عليه، وتابعه قومه، فرجع حتى صار بسوق الأهواز. وأمر طاهر قريش بن شبل أن
стр. 5206
يتبعه، وأن يعاجله قبل أن يتحصّن بسوق الأهواز، وأمر الحسن بن عليّ المأمونيّ والحسين بن عمر الرستميّ أن يسيرا بعقبه، فإن احتاج إلى معونتهما أعاناه. ومضى قريش بن شبل يقفو محمد بن يزيد، كلّما ارتحل محمد بن يزيد من قرية نزلها قريش، حتى صاروا إلى سوق الأهواز.
وسبق محمد بن يزيد إلى المدينة فدخلها، واستند إلى العمران، فصيّره وراء ظهره، وعبّى أصحابه، وعزم على مواقعتهم، ودعا بالأموال فصبّت بين يديه، وقال لأصحابه: مَنْ أحبّ منكم الجائزة والمنزلة فليعرفني أثره. وأقبل قريش بن شبل حتى صار قريبًا منه، وقال لأصحابه: الزموا مواضعكم ومصافّكم، وليكن أكثر ما قاتلتموهم وأنتم مريحون فقاتلوهم بنشاط وقوّة، فلم يبق أحدٌ من أصحابه إلّا جمع بين يديه ما قدر عليه من الحجارة، فلم يعبر إليهم محمد بن يزيد، حتى أوهنوهم بالحجارة، وجرحوهم جراحاتٍ كثيرة بالنُّشاب، وعبرت طائفة من أصحاب محمد بن يزيد، فأمر قريش أصحابَه أن ينزلوا إليهم فنزلوا إليهم، فقاتلوهم قتالًا شديدًا حتى رجعوا، وترادَّ الناس بعضهم إلى بعض. والتفت محمد بن يزيد إلى نفر كانوا معه من مواليه، فقال: ما رأيكم؟ قالوا: في ماذا؟ قال: إني أرى من معي قد انهزم، ولست آمنُ من خذلانهم، ولا آملُ رجعتهم، وقد عزمت على النزول والقتال بنفسي، حتى يقضي الله ما أحبّ، فمن أراد منكم الانصراف فلينصرف، فوالله لأن تبقوا أحبّ إليّ من أن تعطبوا وتهلكوا. فقالوا: والله ما أنصفناكَ، إذًا تكون أعتقتَنا من الرّق ورفعتنا من الضّعة، ثم أغنيتنا بعد القِلّة، ثم نخذلك على هذه الحال، بل نتقدّم أمامك ونموت تحت ركابك، فلعن الله الدنيا والعيش بعدك. ثم نزلوا فعرقبوا دوابَّهم، وحملوا على أصحاب قريش حملةً منكرَة، فأكثروا فيهم القتل، وشدخوهم بالحجارة وغير ذلك، وانتهى بعض أصحاب طاهر إلى محمد بن يزيد، فطعنه بالرمح فصرعه، وتبادروا إليه بالضّرب والطعن حتى قتلوه، فقال بعض أهل البصرة يرثيه، ويذكر مقتله:
مَن ذاقَ طعم الرُّقادِ مِن فَرَحٍ ... فإِنني قد أَضَرَّ بي سَهَرِي
ولَّى فتَى الرُّشدِ فافتَقَدتُ به ... قلبي وسمعي وغرّني بصري
كانَ غِياثًا لدَى المُحولِ فقد ... ولَّى غمامُ الرَّبيعِ والمطَر
стр. 5207
وَفي العُيَيْنِيُّ للإِمامِ ولمْ ... يُرهِبْهُ وقْعُ المُشَطَّبِ الذَّكَرِ
سَاورَ رَيبُ المَنونِ دَاهِيَةً ... لولا خُضَوعُ العِبادِ للقَدَرِ
فامضِ حميدًا فكلُّ ذي أَجل ... يسْعَى إلى ما سَعَيتَ بالأَثرِ
وقال بعض المهالبة، وجرح في تلك الوقعة جراحات كثيرة وقطعت يده:
فما لمتُ نفسي غيرَ أَنِّي لم أُطِقْ ... حرَاكَا وأَني كنتُ بالضَّرْب مُثخنَا
ولو سَلِمَتْ كفَّاي قاتلتُ دونه ... وضارَبتُ عنه الطاهِرِيَّ المُلَعَّنا
فتًى لا يَرَى أَنْ يَخذِل السيفَ في الوغى ... إِذَا ادَّرَعَ الهيجاءَ في النقع واكتَنَى
وذكر عن الهيثم بن عديّ، قال: لما دخل ابن أبي عيينة على طاهر فأنشده قوله:
مَنْ آنسَتْه البلادُ لم يَرِمِ ... منها ومَن أَوحشَتْهُ لم يُقِم
حتى انتهى إلى قوله:
ما ساءَ ظَنِّي إلا لواحدةٍ ... في الصَّدرِ محصَورةٍ عنِ الكلِمِ
فتبسمّ طاهر، ثم قال: أما والله لقد ساءني من ذلك ما ساءك، وآلمني ما آلمك، ولقد كنت كارهًا لما كان، غير أن الحتف واقع، والمنايا نازلة، ولا بدّ من قَطْع الأواصر والتنكّر للأقارب في تأكيد الخلافة، والقيام بحقّ الطاعة، فظننا أنه يريد محمد بن يزيد بن حاتم (١).
وذكر عمر بن أسد، قال: أقام طاهر بالأهواز بعد قتله محمد بن يزيد بن حاتم، وأنفذ عمّاله في كُورها، وولّي على اليمامة والبحرين وعُمان مما يلي الأهواز، ومما يلي عمل البصرة، ثم أخذ على طريق البرّ متوجّهًا إلى واسط، وبها يومئذ السنديّ بن يحيى بن الحَرشيّ والهيثم خليفة خزيمة بن خازم، فجعلت المسالح والعمال تتقوّض، مسلحة مسلحة، وعاملًا عاملًا، كلّما قرب طاهر منهم تركوا أعمالهم وهربوا عنها، حتى قرب من واسط، فنادى
стр. 5208
السنديّ بن يحيى والهيثم بن شعبة في أصحابهما، فجمعاهم إليهما، وهمّا بالقتال، وأمر الهيثم بن شعبة صاحب مراكبه أن يسرج له دوابه، فمرّب إليه فرسًا، فأقبل يقسم طرفه بينها، واستقبلته عدّة، فرأى المراكبيّ التغيّر والفزع في وجهه فقال: إنْ أردت الهرب فعليك بها، فإنها أبسط في الركض، وأقوى على السفر. فضحك ثم قال: قرّب فرس الهرب، فإنّه طاهر، ولا عار علينا في الهرب منه، فتركا واسطًا، وهربا عنها. ودخل طاهر واسطًا، وتخوّف إن سبق الهيثم والسنديّ إلى فم الصِّلح فيتحصنا بها. فوجه محمد بن طالوت، وأمره أن يبادرهما إلى فم الصلح ويمنعهما من دخولها إن أرادا ذلك، ووجّه قائدًا من قوّاده يقال له أحمد بن المهلب نحو الكوفة. وعليها يومئذ العباس بن موسى الهادي، فلمّا بلغ العباس خبر أحمد بن المهلب خلع محمدًا، وكتب بطاعته إلى طاهر وببيعته للمأمون، ونزلت خيل طاهر فم النيل، وغلب على ما بين واسط والكوفة، وكتب المنصور بن المهديّ - وكان عاملًا لمحمد على البصرة - إلى طاهر بطاعته، ورحل طاهر حتى نزل طرنايا، فأقام بها يوميْن فلم يرها موضعًا للعسكر، فأمر بجسر فعقد وخندق له، وأنفذ كتبه بالتولية إلى العمال.
وكانت بيعة المنصور بن المهديّ بالبصرة وبيعة العباس بن موسى الهادي بالكوفة؛ وبيعة المطلب بن عبد الله بن مالك بالموصل للمأمون، وخلعهم محمدًا في رجب من سنة ست وتسعين ومائة (١).
وقيل: إنّ الذي كان على الكوفة حين نزل طاهر من قبَل محمد الفضل بن العباس بن موسى بن عيسى.
ولما كتب من ذكرت إلى طاهر ببيعتهم للمأمون وخلعهم محمدًا، أقرّهم طاهر على أعمالهم، وولّى داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي الهاشمي مكة والمدينة، ويزيد بن جرير البَجَليّ اليَمن، ووجّه الحارث بن هشام وداود بن موسى إلى قصر ابن هبيرة.
* * *
стр. 5209
[ذكر خبر استيلاء طاهر على المدائن ونزوله بصرصر]
وفي هذه السنة أخذ طاهر بن الحسين من أصحاب محمد المدائن؛ ثم صار منها إلى صَرْصر، فعقد جسرًا، ومضى إلى صَرْصر.
ذكر الخبر عن سبب دخوله المدائن ومصيره إلى صرصر:
ذُكر أنّ طاهرًا لما وجّه إلى قصر ابن هبيرة الحارث بن هشام وداود بن موسى، بلغ محمدًا خبرُ عامله بالكوفة وخلعه إياه وبيعته للمأمون، وجّه محمد بن سليمان القائد ومحمد بن حماد البربريّ، وأمرهما أن يبيتا الحارث وداود بالقَصْر، فقيل لهما: إن سلكتما الطريق الأعظم لم يخفَ ذلك عليهما؛ ولكن اختصر الطريق إلى فم الجامع، فإنه موضع سوق ومعكسر، فانزلاه وبيتاهما إن أردتما ذلك، وقد قربتما منهما، فوجّها الرّجال من الياسرّية إلى فم الجامع.
وبلغ الحارث وداود الخبر، فركبا في خيل مجرّد، وتهيآ للرّجالة، فعبرا من مخاضة في سُوراء إليهم؛ وقد نزلوا إلى جَنْبها، فأوقعا بهم وقعة شديدة. ووجه طاهر محمد بن زياد ونصير بن الخطاب مددًا للحارث وداود، فاجتمعت العساكر بالجامع، وساروا حتّى لقوا محمد بن سليمان ومحمد بن حمّاد فيما بين نهر دُرْقيط والجامع، فاقتتلوا قتالا شديدًا، وانهزم أهلُ بغداد، وهرب محمد بن سليمان حتى صار إلى قرية شاهى، وعبر الفرات، وأخذ على طريق البرّية إلى الأنبار، ورجع محمد بن حماد إلى بغداد، وقال أبو يعقوب الخرَيميّ في ذلك:
هُمَا عَدَوا بالنكث كي يَصدعَا به ... صفَا الحقِّ فانفَضّا بجمعِ مُبَدَّدِ
وأَفلتَنَا ابن البَربريِّ مُضَمَّرٌ ... مِنَ الخيل يَسمُو للجيادِ ويَهتَدِى (١)
وذكر يزيد بن الحارث، أنّ محمد بن حماد البربريّ لما دخل بغداد، وجّه محمدٌ المخلوع الفضلَ بن موسى بن عيسى الهاشميّ إلى الكوفة، وولَاه عليها، وضمّ إليه أبا السلاسل وإياس الحرابيّ وجمهورًا النجاريّ؛ وأمره بسرعة السير؛ فتوجّه الفضل؛ فلمّا عبر نهر عيسى عثر به فرسُه، فتحوّل منه إلى غيره وتطيّر،
стр. 5210
وقال: اللهمّ إني أسألك بركة هذا الوجه. وبلغ طاهرًا الخبرُ، فوجّه محمد بن العلاء، وكتب إلى الحارث بن هشام وداود بن موسى بالطاعة له، فلقي محمد بن العلاء الفضل بقرية الأعراب، فبعث إليه الفضل: إني سامع مطيع لطاهر؛ وإنما كان مخرجي بالكيد مني لمحمد؛ فخلّ لي الطريق حتى أصير إليه، فقال له محمد: لستُ أعرف ما تقول ولا أقبله ولا أنكره، فإن أردت الأمير طاهرًا فارجع وراءك؛ فخذ أسهلَ الطريق وأقصدها، فرجع وقال محمد لأصحابه: كونوا على حذر؛ فإنى لست آمن مكرَ هذا؛ فلم يلبث أن كبّر وهو يرى أن محمد بن العلاء قد أمِنَه، فوجده على عدّة وأهبة؛ واقتتلوا كأشدّ ما يكون من القتال، وكبا بالفضل فرسُه؛ فقاتل عنه أبو السلاسل حتى ركب، وقال: أذكر هذا الموقف لأمير المؤمنين. وحمل أصحابُ محمد بن العلاء على أصحاب الفضل فهزموه، ولم يزالوا يقتلونهم إلى كوثى، وأسِر في تلك الوقعة إسماعيل بن محمد القرشي وجمهور النجاريّ، وتوجّه طاهر إلى المدائن، وفيها جند كثير من خيول محمد؛ عليهم البرمكيّ قد تحصن بها، والمدد يأتيه في كلّ يوم، والصِّلات والخلع من قبَل محمد. فلما قرب طاهر من المدائن - وكان منها على رأس فرسخين - نزل فصلى ركعتين، وسبّح فأكثر التسبيح، فقال: اللهمّ إنا نسألك نصرًا كنصرك المسلمين يوم المدائن. ووجّه الحسن بن علي المأمونيّ وقريش بن شبل، ووجّه الهادي بن حفص على مقدّمته وسار. فلما سمع أصحابُ البرمكيّ صوتَ طبوله، أسرجوا الدوابّ، وأخذوا في تعبيتهم، وجعل مَنْ في أوائل الناس ينضمّ إلى أواخرهم، وأخذ البرمكيّ في تسوية الصفوف؛ فكلَّما سوّى صفًّا انتقض واضطرب عليه أمرهم، فقال: اللهمّ إنا نعوذ بك من الخذلان، ثم التفت إلى صاحب ساقته، فقال: خلّ سبيل الناس؛ فإنّي أرى جندًا لا خير عندهم؛ فركب بعضهم بعضًا نحو بغداد، فنزل طاهر المدائن، وقدّم منها قريش بن شبل والعباس بن بخار اخذاه إلى الدّرْزيجان، وأحمد بن سعيد الحَرشيّ ونصر بن منصور بن نصر بن مالك معسكران بنهر ديائي، فمنعا أصحاب البرمكيّ من الجواز إلى بغداد، وتقدم طاهر حتى صار إلى الدرزيجان حيال أحمد ونصر بن منصور، فسيّر إليهما الرجال، فلم يجر بينهما كثيرُ قتال
стр. 5211
حتى انهزموا، وأخذ طاهر ذات اليسار إلى نهر صرصر، فعقد بها جسرًا ونزلها (١).
* * *
[ذكر خبر خلع داود بن عيسى الأمين]
وفي هذه السنة خلع داود بن عيسى عاملُ مكة والمدينة محمدًا - وهو عامله يومئذ عليهما - وبايع للمأمون، وأخذ البيعة بهما على الناس له؛ وكتب بذلك إلى طاهر والمأمون؛ ثم خرج بنفسه إلى المأمون.
ذكر الخبر عن ذلك وكيف جرى الأمر فيه:
ذُكر أنّ الأمين لما أفضت الخلافة إليه، بعث إلى مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وعزل عامل الرّشيد على مكة؛ وكان عاملُه عليها محمد بن عبد الرحمن بن محمد المخزوميّ، وكان إليه الصلاة بها وأحداثها والقضاء بين أهلها؛ فعُزل محمد عن ذلك كلِّه بداود بن عيسى؛ سوى القضاء فإنه أقرّه على القضاء. فأقام داود واليًا على مكة والمدينة لمحمد، وأقام للناس أيضًا الحجّ سنة ثلاث وأربع وخمس وتسعين ومائة، فلمّا دخلت سنة ست وتسعين ومائة، بلغه خلع عبد الله المأمون أخاه، وما كان فحل طاهر بقوّاد محمد، وقد كان محمد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى، وبعث محمد إلى الكتابين اللذيْن كان الرّشيد كتبهما وعلّقهما في الكعبة فأخذهما، فلما فعل ذلك جمع داود حَجَبة الكعبة والقرشيِين والفقهاء ومَنْ كان شهد على ما في الكتابيْن من الشهود - وكان داود أحدَهم - فقال داود: قد علمتم ما أخَذَ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق
стр. 5212
عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيْه؛ لنكوننّ مع المظلوم منهما على الظالم، ومع المبغيّ عليه على الباغي، ومع المغدور به على الغادر؛ فقد رأينا ورأيتم أنّ محمدًا قد بدأ بالظلم والبغي والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن، وخلَعهما وبايع لابنه الطفل، رضيع صغير لم يفطم، واستخرج الشرْطين من الكعبة عاصيًا ظالمًا، فحرّقهما بالنار. وقد رأيت خلعه، وأن أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة، إذ كان مظلومًا مبغيًّا عليه. فقال له أهل مكة: رأينا تبعٌ لرأيك، ونحن خالعوه معك، فوعدهم صلاة الظهيرة، وأرسل في فجاج مكة صائحًا يصيح: الصلاة جامعة! فلمّا جاء وقت صلاة الظهر - وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليلة خلت من رجب سنة ست وتسعين ومائة - خرج داود بن عيسى، فصلّى بالناس صلاة الظهر، وقد وضع له المنبر بين الرّكن والمقام، فصعد فجلس عليه، وأمر بوجوه الناس وأشرافهم فقربوا من المنبر؛ وكان داود خطيبًا فصيحًا جهير الصوت؛ فلما اجتمع الناس قام خطيبًا، فقال:
الحمد لله مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممّن يشاء، ويعزّ من يشاء ويذلّ من يشاء، بيده الخير وهو على كل شئ قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالدين، وختم به النبيين، وجعله رحمةً للعالمين، صلى الله عليه في الأولين والآخرين. أما بعد يا أهلَ مكة، فأنتم الأصل والفرع، والعشيرة والأسرة، والشركاء في النعمة، إلى بلدكم نفذ وفدُ الله، وإلى قبلتكم يأتمّ المسلمون، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرّشيد هارون رحمة الله عليه وصلاتُه حين بايع لابنيه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق لتنصُرنَّ المظلوم منهما على الظالم، والمبغيَّ عليه على الباغي، والمغدورَ به على الغادر؛ ألا وقد علمتم وعلمنا أن محمد بن هارون قد بدأ بالظلم والبغي والغدر، وخالف الشروط التي أعطاها من نفسه في بطن البيت الحرام، وقد حلّ لنا ولكم خلعُه من الخلافة وتصييرها إلى المظلوم المبغيّ عليه المغدور به. ألا وإني أشهدكم أني قد خلعت محمد بن هارون من الخلافة كما خلعت قَلنسوتي هذه من رأسي - وخلع قلنسوته عن رأسه فرمى بها إلى بعض الخدم تحته، وكانت من برود حبرة مسلسلة حمراء، وأتى بقلنسوة سوداء
стр. 5213
هاشمية فلبسها - ثم قال: قد بايعتُ لعبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين بالخلافة، ألا فقوموا إلى البيعة لخليفتكم.
فصعد جماعة من الوجوه إليه إلى المنبر، رجل فرجل، فبايع لعبد الله المأمون بالخلافة، وخلَع محمدًا، ثم نزل عن المنبر، وحانت صلاة العصر، فصلىّ بالناس، ثم جلس في ناحية المسجد، وجعل الناس يبايعونه جماعةً بعد جماعةً؛ يقرأ عليهم كتاب البَيْعة، ويصافحونه على كفه، ففعل ذلك أيامًا.
وكتب إلى ابنه سليمان بن داود بن عيسى وهو خليفته على المدينة، يأمره أن يفعل بأهل المدينة مثل ما فعل هو بأهل مكة؛ من خلْع محمد والبيعة لعبد الله المأمون. فلما رجع جواب البيعة من المدينة إلى داود وهو بمكة، رحل من فوره بنفسه وجماعة من ولده يريد المأمون بمَرْو على طريق البصرة، ثم على فارس، ثم على كرْمان؛ حتى صار إلى المأمون بمرو، فأعلمه ببيعته وخلعه محمدًا ومسارعة أهل مكة وأهل المدينة إلى ذلك، فسر بذلك المأمون، وتيمن ببركة مكة والمدينة؛ إذ كانوا أوّل من بايعه، وكتب إليهم كتابًا لينًا لطيفًا يعدهم فيه الخير، ويبسط أملهم. وأمر أن يُكتب لداود عهد على مكة والمدينة وأعمالها من الصلاة والمعاون والجباية، وزيد له ولاية عك، وعقد له على ذلك ثلاثة ألوية، وكتب له إلى الريّ بمعونة خمسمائة ألف درهم، وخرج داود بن عيسى مسرعًا مُغذًّا مبادرًا لإدراك الحجّ، ومعه ابن أخيه العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وقد عقد المأمون للعباس بن موسى بن عيسى على ولاية الموسم، فسار هو وعمّه داود حتّى نزلا بغداد على طاهر بن الحسين، فأكرمهما وقرّبهما، وأحسن معونتهما، ووجّه معهما يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْريّ، وقد عقد له طاهر على ولاية اليمن، وبعث معه خيلًا كثيفة، وضمن لهم يزيد بن جرير بن يزيد بن خالد بن عبد الله القَسْريّ أن يستميل قومَه وعشيرته من ملوك أهل اليمن وأشرافهم؛ ليخلعوا محمدًا ويبايعوا عبد الله المأمون.
فساروا جميعًا حتى دخلوا مكة. وحضر الحجّ، فحجّ بأهل الموسم العباس بن موسى بن عيسى؛ فلما صدروا عن الحجّ انصرف العباس حتى أتى طاهر بن الحسين - وهو على حصار محمد - وأقام داود بن عيسى على عمله بمكة
стр. 5214
والمدينة، ومضى يزيد بن جرير إلى اليمن، فدعا أهلها إلى خَلْع محمد وبيعة عبد الله المأمون، وقرأ عليهم كتابًا من طاهر بن الحسين يعدُهم العدل والإنصاف، ويرغّبهم في طاعة المأمون، ويعلّمهم ما بسط المأمون من العَدل في رعيّته، فأجاب أهل اليمن إلى بيعة المأمون، واستبشروا بذلك، وبايعوا للمأمون، وخلعوا محمدًا، فسار فيهم يزيد بن جرير بن يزيد بأحسن سيرة، وأظهر عدلا وإنصافًا، وكتب بإجابتهم وبيعتهم إلى المأمون وإلى طاهر بن الحسين.
* * *
وفي هذه السنة عقد محمد في رجب وشعبان منها نحوًا من أربعمائة لواء لقوّاد شتى، وأمّر على جميعهم عليّ بن محمد بن عيسى بن نهيك، وأمرهم بالمسير إلى هرثمة بن أعين، فساروا فالتقوا بجَلُلْتَا في رمضان على أميال من النّهروان، فهزمهم هرثمة، وأسر عليّ بن محمد بن عيسى بن نهيك، وبعث به هرثمة إلى المأمون، وزحف هرثمة فنزل النهروان (١).
[ذكر خبر شغب الجند على طاهر بن الحسين]
وفي هذه السنة استأمن إلى محمد من طاهر جماعة كثيرة، وشغب الجند على طاهر، ففرّق محمد فيمن صار إليه من أصحاب طاهر مالًا عظيمًا، وقوّد رجالًا، وغلف لحاهم بالغالية، فسمُّوا بذلك قواد الغالية.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الأمر فيه:
ذكر عن يزيد بن الحارث، قال: أقام طاهر على نهر صَرصْر لما صار إليها، وشمّر في محاربة محمد وأهل بغداد، فكان لا يأتيه جيش إلا هزمه، فاشتدّ على أصحابه ما كان محمد يعطي من الأموال والكُسا، فخرج من عسكره نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خُراسان ومن التف إليهم، فسُرّ بهم محمد، ووعدهم ومناهم، وأثبت أسماءهم في الثمانين. قال: فمكثوا بذلك أشهرًا، وقوّد جماعة
стр. 5215
من الحربية وغيرهم ممن تعرض لذلك وطلبه، وعقد لهم، ووجّههم إلى دسكرة الملك والنهروان، ووجّه إليهم حبيب بن جهم النمري الأعرابيّ في أصحابه؛ فلم يكن بينهم كثير قتال، وندب محمد قوادًا من قواد بغداد، فوجّههم إلى الياسريّة والكوثريّة والسفينتين، وحمل إليهم الأطعمة، وقواهم بالأرزاق، وصيّرهم ردءًا لمن خلفهم، وفرّق الجواسيس في أصحاب طاهر، ودسَّ إلى رؤساء الجند الكتب بالإطماع والترغيب فشغبوا على طاهر واستأمن كثير منهم إلى محمد، ومع كل عشرة أنفس منهم طبل، فأرعدوا وأبرقوا وأجلبوا، ودنَوْا حتى أشرفوا على نهر صرصر، فعبَّى طاهر أصحابه كراديس، ثم جعل يمرّ على كل كرِدوس منهم، فيقول: لا يغرنكم كثرة مَنْ ترون، ولا يمنعكم استئمان من استأمن منهم، فإنّ النصر مع الصدق والثبات، والفتح مع الصبر، وربّ فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ثم أمرهم بالتقدم، فتقدمّوا واضطربوا بالسيوف مليًّا. ثم إن الله ضرب أكتاف أهل بغداد فولَّوْا منهزمين، وأخلوا موضع عسكرهم، فانتهب أصحاب طاهر كلّ ما كان فيه من سلاح ومال. وبلغ الخبرُ محمدًا، فأمر بالعطاء فوُضع، وأخرج خزائنه وذخائره، وفرّق الصلات وجمع أهل الأرباض، واعترض الناس على عينه، فكان لا يرى أحدًا وسيما حسن الرّواء إلا خلع عليه وقوّده، وكان لا يقوّد أحدًا إلا غلِّفت لحيته بالغالية؛ وهم الذين يسمون قواد الغالية. قال: وفرّق في قواده المحدثين لكل رجلٍ منهم خمسمائة درهم وقارورة غالية، ولم يعط جند القواد وأصحابهم شيئًا. وأتت عيون طاهر وجواسيسه طاهرًا بذلك؛ فراسلهم وكاتبهم، ووعدهم واستمالهم، وأغرى أصاغرهم بأكابرهم، فشغبوا على محمد يوم الأربعاء لست خلون من ذي الحجة سنة ست وتسعين ومائة، فقال رجل من أبناء أهل بغداد في ذلك:
قُلْ لِلأَمينِ اللهِ في نَفسِهِ ... ما شتت الجندَ سِوَى الغاليهْ
وطاهرٌ نفسي تقِى طاهرًا ... برسلِه والعُدَّةِ الكافيَهْ
أَضحى زمامُ المُلكِ في كفّهِ ... مُقاتلا للفِئةِ الباغيةْ
يا ناكثًا أَسلَمَهُ نكثُه ... عُيوبُهُ مِنْ خُبثِهِ فاشِيَهْ
قد جَاءك الليثُ بشَدّاته ... مُستَكلبًا في أُسْدٍ ضارِيَه
стр. 5216
فاهرُبْ ولا مَهْرَبَ من مِثْلِهِ ... إلَّا إلى النارِ أَو الهاوية
قال: ولمّا شغب الجند، وصعب الأمر على محمد شاور قواده، فقيل له: تدارك القوم، فتَلاف أمرك؛ فإنّ بهم قوام ملكك؛ وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين، وهم ردّوه عليك، وهم من قد عرفْتَ نجدتَهم وبأسهم. فلجّ في أمرهم وأمر بقتالهم، فوجّه إليهم التنوخيّ وغيره من المستأمنة والأجناد الذين كانوا معه، فعاجل القوم القتال وراسلهم طاهر وراسلوه؛ فأخذ رهائنهم على بذْل الطاعة له، وكتب إليهم، فأعطاهم الأمان، وبذلَ لهم الأموال، ثم قدم فصار إلى البستان الذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من ذي الحجة، فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه، ونزل مَنْ لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفي الأرباض، وألحقهم جميعًا بالثمانين في الأرزاق، وأضعف للقواد وأبناء القوّاد الخواص، وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الأموال، ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها، وفُتِن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدُّعار والشطار، فعزّ الفاجر، وذلّ المؤمن، واختلّ الصالح، وساءت حالُ الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده أمرَهم، وأخذه على أيدي سفهائهم وفساقهم، واشتد في ذلك عليهم، وغادى القتال وراوَحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الدار (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أوّل موسم دُعيَ له فيه بالخلافة بمكة والمدينة (٢).
стр. 5217
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففي هذه السنة لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهديّ بالمأمون من العراق، فوجّه المأمون القاسم إلى جرجان.
* * *
[ذكر خبر حصار الأمين ببغداد]
وفيها حاصر طاهر وهَرْثمة وزهير بن المسيّب محمد بن هارون ببغداد (١).
ذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم في هذه السنة، وكيف كان الحصار فيها:
ذكر محمد بن يزيد التميمي وغيره أن زهير بن المسيب الضبي نزل قصر رقة كلواذى، ونصب المجانيق والعرّادات واحتفر الخنادق، وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمى بالعرّادات مَنْ أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار ويجبي السفن، وبلغ من الناس كل مبلغ؛ وبلغ أمرُه طاهرًا وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزل بهم من زهير بن المسيب، وبلغ ذلك هرثمة، فأمده بالجند، وقد كاد يؤخذ، فأمسك عنه الناس، فقال الشاعر من أهل الجانب الشرقي - لم يعرف اسمه - في زهير وقتله الناس بالمجانيق:
لا تَقْرَبِ المَنجنيقَ والحجَرا ... فقد رأيْتَ القتيلَ إذ قُبرَا
باكَرَ كيْ لا يفوتَه خبرٌ ... راحَ قتيلًا وخَلَّفَ الخبرَا
ماذا به كان من نشاطٍ ومنْ ... صحّةِ جسمٍ به إذا ابتكرَا
أرادَ ألَّا يقال كان له ... أمر فلم يَدْرِ مَن به أَمرَا
يا صاحبَ المِنجنيق ما فَعَلتْ ... كفَاكَ، لمْ تُبقيَا ولم تَذَرَا
كانَ هَوَاهُ سوَى الَّذي قُدِرَا ... هَيْهَاتَ لَنْ يَغلِبَ الهَوى القدَرَا
ونزل هرثمة نهر بين، وجعل عليه حائطًا وخندقًا، وأعدّ المجانيق والعرّادات، وأنزل عبيد الله بن الوضّاح الشمّاسيّة، ونزل طاهر البُستان بباب
стр. 5218
الأنبار، فذُكر عن الحسين الخليع أنه قال: لما تولَّى طاهر البُستان بباب الأنبار، دخل محمدًا أمر عظيم من دخوله بغداد، وتفرّق ما كان في يده من الأموال، وضاق ذَرْعًا، وتحرّق صدرًا، فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذّهب والفضّة دنانير ودراهم، وحملها إليه لأصحابه وفي نفقاته، وأمر حينئذ برمي الحرّبية بالنفط والنيران والمجانيق والعرّادات، يقتل بها المقبل والمدبر، ففي ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العِتْري الوراق:
يا رماةَ المنجنيق ... كُلُّكمْ غيرُ شَفيقِ
ما تبالونَ صَدِيقًا ... كانَ أَو غيرَ صدِيقِ
ويلَكم تَدْرونَ ما ترْ ... مونَ مُرَّارَ الطَّريقِ
رُبّ خَوْدٍ ذَاتِ دَل ... وهْيَ كالغصنِ الوريقِ
أخرِجَت مِنْ جَوْف دُنيَا ... هَا وَمِنْ عَيْشٍ أَنيقِ
لم تَجدْ مِن ذَاكَ بُدا ... أُبْرِزت يومَ الحريقِ (١)
وذكر عن محمد بن منصور الباوَرْديّ، قال: لما اشتدّت شوكة طاهر علي محمد، وهزمت عساكره، وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فلحق به، فولاه ناحية البغيِّين والأسواق هنالك وشاطئ دَجْلة؛ وما اتّصل به أمامه إلى جسور دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كلِّ ما غلب عليه من الدّور والدّروب، وأمدّه بالنفقات والفَعلة والسلاح، وأمر الحربيّة بلزومه على النوائب، ووكّل بطريق دار الرقيق وباب الشام واحدًا بعد واحد؛ وأمر بمثل الذي أمر به سعيد بن مالك؛ وكثُر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد؛ ففي ذلك يقول العِتْري:
مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعَينِ ... أَلَمْ تكُوني زمانًا قُرَّةَ العينِ!
стр. 5219
أَلم يَكُنْ فيكِ قومٌ كان مسكنهمْ ... وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْن!
صَاحَ الغرابُ بهمْ بالْبيْن فَافتَرقُوا ... مَاذا لقيتُ بهم من لَوْعَةِ البَيْن!
أَستودعُ الله قومًا مَا ذكرتهمُ ... إلّا تحدَّرَ ماءُ العينِ منْ عَيْنِي
كانوا فَفَرَّقهم دَهْر وصَدَّعَهم ... والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بينَ الفريقين
قال: ووكّل محمد عليًّا فراهرمد؛ فيمن ضم إليه من المقاتلة، بقصر صالح وقصر سليمان بن أبي جعفر إلى قُصور دجلة وما والاها، فألحّ في إحْرَاق الدُّور والدُّرُوب وهدْمها بالمجانيق والعرّادات على يَدَيْ رجلٍ كان يعرف بالسَّمَرْقنديّ؛ فكان يرمي بالمَنجنيق، وفعل طاهر مثل ذلك؛ وأرسل إلى أهل الأرْباض من طريق الأنْبَار وباب الكوفة وما يليها؛ وكلما أجابه أهلُ ناحية خندق عليهم، ووضع مسالحِه وأعلامه، ومَنْ أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله، وأحرق منزله؛ فكان كذلك يغدو ويروح بقوّداه وفرسانه ورجّالته؛ حتى أوحشت بغداد، وخاف الناس أن تبقى خرابًا؛ وفي ذلك يقول الحسين الخليع:
أَتُسْرعُ الرِّجْلَة إغْذَاذا ... عَنْ جَانِبيْ بغداذ أَمْ ماذَا!
ألمْ تَرَ الفتنةَ قد ألّفَتْ ... إلى أُولي الفتنةِ شُذاذا
وانتقضتْ بغدادُ عُمْرَانها ... عن رأي لا ذاك ولا هذا
هَدْمًا وَحَرْقًا قد أُبِيدَ أهلُها ... عقوبة لاذَت بمَنْ لاذا
ما أَحسنَ الحالات إن لم تَعُدْ ... بغداذ في القلَّة بَغْداذا
قال: وسمّى طاهر الأرباضَ التي خالفه أهلها ومدينةَ أبي جعفر الشرقية، وأسواقَ الكرخ والخلد وما والاها دارَ النكث، وقبض ضياع ممَنْ لم ينحز إليه من بني هاشم والقوّاد والموالى وغلاتهم، حيث كانت من عمله، فذلُّوا وانكسروا وانقادوا، وذلّت الأجناد وتواكلت عن القتال؛ إلا باعة الطريق والعُراة وأهل السجون والأوباش والرّعاع والطرّارين وأهل السوق. وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النَّهب، وخرج الْهِرْش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفترُ عن ذلك ولا يمَلُّه، ولا يني فيه فقال الخزيمي يذكر بغداد، ويصف ما كان فيها:
قالوا: ولم يلعبِ الزمانُ ببغـ ... ـدادَ وتَعثرْ بها عواثرها
إذ هي مثلُ العروس باطنها ... مشوّقٌ للفتى وظاهِرُها
جنَّة خُلْدٍ ودارُ مَغبَطَةٍ ... قلَّ من النائبات وَاترُها
стр. 5220
دَرَّتْ خُلوفُ الدّنيا لساكنها ... وقلَّ مَعسورُها وعاسِرُها
وانفرَجَتْ بالنعيمِ وانتجعَتْ ... فيها بلذاتها حواضِرُها
فالقومُ منها في روضةٍ أُنُفٍ ... أَشرَقَ غِبَّ القِطارِ زاهرُها
مَن غرَّهُ العيشُ في بُلهْنِيةٍ ... لو أنَّ دُنيا يدُومُ عامرُها
دارُ ملوك رَسَت قواعدها ... فيها وقرَّت بها منابرُها
أهلُ العلا والندى وأندِيةُ الـ ... ـفخرِ إذا عُدّدَت مَفاخرُها
أَفراخُ نُعْمَى في إرْثِ مَمْلَكَةٍ ... شَدَّ عُراها لها أَكابِرُها
فلمْ يَزل والزَّمان ذُو غِيَرٍ ... تقدَحُ في مُلكِهَا أَصاغِرُها
حتى تَساقتْ كأسًا مُثَمِّلةً ... من فتنة لا يقال عاثِرُها
وافترقتْ بعدَ ألفَةٍ شِيَعًا ... مقطوعةً بينَها أَواصرُها
يا هل رأَيتَ الأَملاكَ ما صنعت ... إذ لم يَرُعْها بالنصح زاجِرُها
أَوْرَدَ أَملاكُنا نفوسَهُم ... هُوَّةَ غَي أَعْيَتْ مَصادِرُها
ما ضرها لو وَفَتْ بمَوْثِقِهَا ... واستحكمت في التُّقَى بصائرها
ولم تسافِك دماءَ شيعتها ... وتبتعِث فتيةً تكابرها
وأَقنعتها الدنيا التي جُمعَت ... لها وَرُعْبُ النفوسِ ضائرُها
ما زال حوض الأَملاك يحفره ... مسجُورها بالهوى وساجِرُها
تبغي فضول الدنيا مكاثَرَةً ... حتى أُبِيحَت كُرْهًا ذَخائِرُها
تَبيعُ ما جمَّع الأُبُوَّةُ لِلـ ... ـأبناءَ لا أَربحَت متاجِرُها
يا هل رأيت الجنَان زاهرةً ... يرُوقُ عينَ البصيرِ زَاهرُها
وهل رأيتَ القُصورَ شارعةً ... تُكِنُّ مثلَ الدُّمى مقاصرُها
وهل رأيت القُرى التي غَرسَ الـ ... ـأملاكُ مخضرَّةً دَساكِرُها
محفوفةً بالكرومِ والنخل والرَّ ... يحانِ ما يستغلُّ طائرُها
فإنها أصبحت خلايا من الـ ... ـإنسانِ قد أُدْمِيَتْ محاجرها
قَفرًا خَلاءً تعوِى الكلابُ بها ... ينكرُ منها الرسومَ زائرُها
وأَصبحَ البؤْسُ ما يفارُقها ... إلفًا لها والسُّرورُ هاجرُها
بِزَندوَرْدٍ واليَاسِرِيَّةِ والشَّطـ ... ـين حيث انتهت معابرها
ويا ترلحى والخيزُرَانية الـ ... ـعليا التي أَشرفت قناطرُها
وقَصرِ عَبدوَيْه عبرةٌ وهُدًى ... لكلِّ نفسٍ زَكَتَ سَرائِرُها