فاهرُبْ ولا مَهْرَبَ من مِثْلِهِ ... إلَّا إلى النارِ أَو الهاوية
قال: ولمّا شغب الجند، وصعب الأمر على محمد شاور قواده، فقيل له: تدارك القوم، فتَلاف أمرك؛ فإنّ بهم قوام ملكك؛ وهم بعد الله أزالوه عنك أيام الحسين، وهم ردّوه عليك، وهم من قد عرفْتَ نجدتَهم وبأسهم. فلجّ في أمرهم وأمر بقتالهم، فوجّه إليهم التنوخيّ وغيره من المستأمنة والأجناد الذين كانوا معه، فعاجل القوم القتال وراسلهم طاهر وراسلوه؛ فأخذ رهائنهم على بذْل الطاعة له، وكتب إليهم، فأعطاهم الأمان، وبذلَ لهم الأموال، ثم قدم فصار إلى البستان الذي على باب الأنبار يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من ذي الحجة، فنزل البستان بقواده وأجناده وأصحابه، ونزل مَنْ لحق بطاهر من المستأمنة من قواد محمد وجنده في البستان وفي الأرباض، وألحقهم جميعًا بالثمانين في الأرزاق، وأضعف للقواد وأبناء القوّاد الخواص، وأجرى عليهم وعلى كثير من رجالهم الأموال، ونقب أهل السجون السجون وخرجوا منها، وفُتِن الناس، ووثب على أهل الصلاح الدُّعار والشطار، فعزّ الفاجر، وذلّ المؤمن، واختلّ الصالح، وساءت حالُ الناس إلا من كان في عسكر طاهر لتفقده أمرَهم، وأخذه على أيدي سفهائهم وفساقهم، واشتد في ذلك عليهم، وغادى القتال وراوَحه، حتى تواكل الفريقان، وخربت الدار (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ من قبل طاهر، ودعا للمأمون بالخلافة، وهو أوّل موسم دُعيَ له فيه بالخلافة بمكة والمدينة (٢).
стр. 5217
ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
ففي هذه السنة لحق القاسم بن هارون الرشيد ومنصور بن المهديّ بالمأمون من العراق، فوجّه المأمون القاسم إلى جرجان.
* * *
[ذكر خبر حصار الأمين ببغداد]
وفيها حاصر طاهر وهَرْثمة وزهير بن المسيّب محمد بن هارون ببغداد (١).
ذكر الخبر عما آل إليه أمر حصارهم في هذه السنة، وكيف كان الحصار فيها:
ذكر محمد بن يزيد التميمي وغيره أن زهير بن المسيب الضبي نزل قصر رقة كلواذى، ونصب المجانيق والعرّادات واحتفر الخنادق، وجعل يخرج في الأيام عند اشتغال الجند بحرب طاهر، فيرمى بالعرّادات مَنْ أقبل وأدبر، ويعشر أموال التجار ويجبي السفن، وبلغ من الناس كل مبلغ؛ وبلغ أمرُه طاهرًا وأتاه الناس فشكوا إليه ما نزل بهم من زهير بن المسيب، وبلغ ذلك هرثمة، فأمده بالجند، وقد كاد يؤخذ، فأمسك عنه الناس، فقال الشاعر من أهل الجانب الشرقي - لم يعرف اسمه - في زهير وقتله الناس بالمجانيق:
لا تَقْرَبِ المَنجنيقَ والحجَرا ... فقد رأيْتَ القتيلَ إذ قُبرَا
باكَرَ كيْ لا يفوتَه خبرٌ ... راحَ قتيلًا وخَلَّفَ الخبرَا
ماذا به كان من نشاطٍ ومنْ ... صحّةِ جسمٍ به إذا ابتكرَا
أرادَ ألَّا يقال كان له ... أمر فلم يَدْرِ مَن به أَمرَا
يا صاحبَ المِنجنيق ما فَعَلتْ ... كفَاكَ، لمْ تُبقيَا ولم تَذَرَا
كانَ هَوَاهُ سوَى الَّذي قُدِرَا ... هَيْهَاتَ لَنْ يَغلِبَ الهَوى القدَرَا
ونزل هرثمة نهر بين، وجعل عليه حائطًا وخندقًا، وأعدّ المجانيق والعرّادات، وأنزل عبيد الله بن الوضّاح الشمّاسيّة، ونزل طاهر البُستان بباب
стр. 5218
الأنبار، فذُكر عن الحسين الخليع أنه قال: لما تولَّى طاهر البُستان بباب الأنبار، دخل محمدًا أمر عظيم من دخوله بغداد، وتفرّق ما كان في يده من الأموال، وضاق ذَرْعًا، وتحرّق صدرًا، فأمر ببيع كل ما في الخزائن من الأمتعة، وضرب آنية الذّهب والفضّة دنانير ودراهم، وحملها إليه لأصحابه وفي نفقاته، وأمر حينئذ برمي الحرّبية بالنفط والنيران والمجانيق والعرّادات، يقتل بها المقبل والمدبر، ففي ذلك يقول عمرو بن عبد الملك العِتْري الوراق:
يا رماةَ المنجنيق ... كُلُّكمْ غيرُ شَفيقِ
ما تبالونَ صَدِيقًا ... كانَ أَو غيرَ صدِيقِ
ويلَكم تَدْرونَ ما ترْ ... مونَ مُرَّارَ الطَّريقِ
رُبّ خَوْدٍ ذَاتِ دَل ... وهْيَ كالغصنِ الوريقِ
أخرِجَت مِنْ جَوْف دُنيَا ... هَا وَمِنْ عَيْشٍ أَنيقِ
لم تَجدْ مِن ذَاكَ بُدا ... أُبْرِزت يومَ الحريقِ (١)
وذكر عن محمد بن منصور الباوَرْديّ، قال: لما اشتدّت شوكة طاهر علي محمد، وهزمت عساكره، وتفرق قواده كان فيمن استأمن إلى طاهر سعيد بن مالك بن قادم، فلحق به، فولاه ناحية البغيِّين والأسواق هنالك وشاطئ دَجْلة؛ وما اتّصل به أمامه إلى جسور دجلة، وأمره بحفر الخنادق وبناء الحيطان في كلِّ ما غلب عليه من الدّور والدّروب، وأمدّه بالنفقات والفَعلة والسلاح، وأمر الحربيّة بلزومه على النوائب، ووكّل بطريق دار الرقيق وباب الشام واحدًا بعد واحد؛ وأمر بمثل الذي أمر به سعيد بن مالك؛ وكثُر الخراب والهدم حتى درست محاسن بغداد؛ ففي ذلك يقول العِتْري:
مَنْ ذا أصابكِ يا بغدادُ بالعَينِ ... أَلَمْ تكُوني زمانًا قُرَّةَ العينِ!
стр. 5219
أَلم يَكُنْ فيكِ قومٌ كان مسكنهمْ ... وكان قربهُمُ زينًا من الزَّيْن!
صَاحَ الغرابُ بهمْ بالْبيْن فَافتَرقُوا ... مَاذا لقيتُ بهم من لَوْعَةِ البَيْن!
أَستودعُ الله قومًا مَا ذكرتهمُ ... إلّا تحدَّرَ ماءُ العينِ منْ عَيْنِي
كانوا فَفَرَّقهم دَهْر وصَدَّعَهم ... والدَّهْرُ يَصْدَعُ ما بينَ الفريقين
قال: ووكّل محمد عليًّا فراهرمد؛ فيمن ضم إليه من المقاتلة، بقصر صالح وقصر سليمان بن أبي جعفر إلى قُصور دجلة وما والاها، فألحّ في إحْرَاق الدُّور والدُّرُوب وهدْمها بالمجانيق والعرّادات على يَدَيْ رجلٍ كان يعرف بالسَّمَرْقنديّ؛ فكان يرمي بالمَنجنيق، وفعل طاهر مثل ذلك؛ وأرسل إلى أهل الأرْباض من طريق الأنْبَار وباب الكوفة وما يليها؛ وكلما أجابه أهلُ ناحية خندق عليهم، ووضع مسالحِه وأعلامه، ومَنْ أبى إجابته والدخول في طاعته ناصبه وقاتله، وأحرق منزله؛ فكان كذلك يغدو ويروح بقوّداه وفرسانه ورجّالته؛ حتى أوحشت بغداد، وخاف الناس أن تبقى خرابًا؛ وفي ذلك يقول الحسين الخليع:
أَتُسْرعُ الرِّجْلَة إغْذَاذا ... عَنْ جَانِبيْ بغداذ أَمْ ماذَا!
ألمْ تَرَ الفتنةَ قد ألّفَتْ ... إلى أُولي الفتنةِ شُذاذا
وانتقضتْ بغدادُ عُمْرَانها ... عن رأي لا ذاك ولا هذا
هَدْمًا وَحَرْقًا قد أُبِيدَ أهلُها ... عقوبة لاذَت بمَنْ لاذا
ما أَحسنَ الحالات إن لم تَعُدْ ... بغداذ في القلَّة بَغْداذا
قال: وسمّى طاهر الأرباضَ التي خالفه أهلها ومدينةَ أبي جعفر الشرقية، وأسواقَ الكرخ والخلد وما والاها دارَ النكث، وقبض ضياع ممَنْ لم ينحز إليه من بني هاشم والقوّاد والموالى وغلاتهم، حيث كانت من عمله، فذلُّوا وانكسروا وانقادوا، وذلّت الأجناد وتواكلت عن القتال؛ إلا باعة الطريق والعُراة وأهل السجون والأوباش والرّعاع والطرّارين وأهل السوق. وكان حاتم بن الصقر قد أباحهم النَّهب، وخرج الْهِرْش والأفارقة، فكان طاهر يقاتلهم لا يفترُ عن ذلك ولا يمَلُّه، ولا يني فيه فقال الخزيمي يذكر بغداد، ويصف ما كان فيها:
قالوا: ولم يلعبِ الزمانُ ببغـ ... ـدادَ وتَعثرْ بها عواثرها
إذ هي مثلُ العروس باطنها ... مشوّقٌ للفتى وظاهِرُها
جنَّة خُلْدٍ ودارُ مَغبَطَةٍ ... قلَّ من النائبات وَاترُها
стр. 5220
دَرَّتْ خُلوفُ الدّنيا لساكنها ... وقلَّ مَعسورُها وعاسِرُها
وانفرَجَتْ بالنعيمِ وانتجعَتْ ... فيها بلذاتها حواضِرُها
فالقومُ منها في روضةٍ أُنُفٍ ... أَشرَقَ غِبَّ القِطارِ زاهرُها
مَن غرَّهُ العيشُ في بُلهْنِيةٍ ... لو أنَّ دُنيا يدُومُ عامرُها
دارُ ملوك رَسَت قواعدها ... فيها وقرَّت بها منابرُها
أهلُ العلا والندى وأندِيةُ الـ ... ـفخرِ إذا عُدّدَت مَفاخرُها
أَفراخُ نُعْمَى في إرْثِ مَمْلَكَةٍ ... شَدَّ عُراها لها أَكابِرُها
فلمْ يَزل والزَّمان ذُو غِيَرٍ ... تقدَحُ في مُلكِهَا أَصاغِرُها
حتى تَساقتْ كأسًا مُثَمِّلةً ... من فتنة لا يقال عاثِرُها
وافترقتْ بعدَ ألفَةٍ شِيَعًا ... مقطوعةً بينَها أَواصرُها
يا هل رأَيتَ الأَملاكَ ما صنعت ... إذ لم يَرُعْها بالنصح زاجِرُها
أَوْرَدَ أَملاكُنا نفوسَهُم ... هُوَّةَ غَي أَعْيَتْ مَصادِرُها
ما ضرها لو وَفَتْ بمَوْثِقِهَا ... واستحكمت في التُّقَى بصائرها
ولم تسافِك دماءَ شيعتها ... وتبتعِث فتيةً تكابرها
وأَقنعتها الدنيا التي جُمعَت ... لها وَرُعْبُ النفوسِ ضائرُها
ما زال حوض الأَملاك يحفره ... مسجُورها بالهوى وساجِرُها
تبغي فضول الدنيا مكاثَرَةً ... حتى أُبِيحَت كُرْهًا ذَخائِرُها
تَبيعُ ما جمَّع الأُبُوَّةُ لِلـ ... ـأبناءَ لا أَربحَت متاجِرُها
يا هل رأيت الجنَان زاهرةً ... يرُوقُ عينَ البصيرِ زَاهرُها
وهل رأيتَ القُصورَ شارعةً ... تُكِنُّ مثلَ الدُّمى مقاصرُها
وهل رأيت القُرى التي غَرسَ الـ ... ـأملاكُ مخضرَّةً دَساكِرُها
محفوفةً بالكرومِ والنخل والرَّ ... يحانِ ما يستغلُّ طائرُها
فإنها أصبحت خلايا من الـ ... ـإنسانِ قد أُدْمِيَتْ محاجرها
قَفرًا خَلاءً تعوِى الكلابُ بها ... ينكرُ منها الرسومَ زائرُها
وأَصبحَ البؤْسُ ما يفارُقها ... إلفًا لها والسُّرورُ هاجرُها
بِزَندوَرْدٍ واليَاسِرِيَّةِ والشَّطـ ... ـين حيث انتهت معابرها
ويا ترلحى والخيزُرَانية الـ ... ـعليا التي أَشرفت قناطرُها
وقَصرِ عَبدوَيْه عبرةٌ وهُدًى ... لكلِّ نفسٍ زَكَتَ سَرائِرُها
стр. 5221
فأَين حُرّاسُها وحارسُها ... وأَين مجبورُها وجابرها!
وأَين خِصيانها وحِشْوَتُهَا ... وأَين سكَّانُها وعامرُها
أَين الجَرادِيَّةُ الصقالبُ والـ ... ـأحبُشُ تعدوُ هُدْلًا مَشافرُها
ينصدعُ الجندُ عن مواكبها ... تعْدُو بها سُرَّبًا ضوامِرُها
بالسِّندِ والهند والصقالِبِ وَالـ ... ـتوبَةِ شِيبَتْ بها بَرابرُها
طيرًا أَبابيلَ أَرسلَت عَبَثًا ... يقدُمُ سُودانَها أَحامِرُها
أَين الظِّباءُ الأَبكارُ في روضة الـ ... ملكِ تَهادَى بها غَرائِرُها!
أَين غَضاراتُها وَلَذَّتها ... وأَين مَحبُورُها وحابِرُها!
بالمسك والعنبرِ اليمانِ والـ ... ـيلنجُوجِ مَشبُوبَة مَجامِرُها
يَرفُلْن في الخَزِّ والمجَاسِدِ وَالـ ... ـموْشيِّ محطومَةً مَزامِرُها
فأَين رقاصها وَزامِرُها ... يُجِبْنَ حيثُ انتهت حناجرُها
تكادُ أَسماعُهم تُسَكُّ إذا ... عَارضَ عِيدانَها مَزاهرُها
أَمسَت كَجَوف الحِمار خَاليَةً ... يَسعَرُها بالجحيم ساعرُها
كأنَّما أَصبحتْ بساحتهمْ ... عاد ومسَّتْهُمُ صراصرُها
لا تعلمُ النفسُ ما يُبايِتُها ... من حَادِث الدّهر أَو يُباكرُها
تُضحى وتُمسى دَريَّةً غَرَضًا ... حيث استقرّت بها شراشرها
لأَسْهُمِ الدّهرِ وهو يَرشُقَها ... مُحِنطُها مَرَّةً وَباقِرُها
يَا بُؤسَ بَغَدادَ دَار مَملَكَةٍ ... دارتْ على أَهلها دوائرُها
أَمهلها الله ثم عاقَبها ... لمّا أَحاطت بها كبائرُها
بالخسف والقَذف والحريق وبالـ ... ـحربِ التي أَصبحت تساورُها
كم قد رأينا من المعاصي ببغدا ... د فهل ذو الجلال غافرها!
حلَّت ببَغدادَ وهيَ آمنةٌ ... داهية لم تكن تحاذِرُها
طالَعَها السوءُ من مَطَالِعِهِ ... وأَدركت أَهلَها جرائرُها
رَقَّ بها الدينُ واستُخفَّ بذى الـ ... ـفضل وَعَزَّ النُّسَّاكَ فاجرُها
وخَطَّمَ العبدُ أنفَ سَيّدِهِ ... بالرّغْم وَاستُعبِدَت حرائرها
وصار رَبّ الجيران فَاسقَهُم ... وابتزَّ أَمرَ الدُّروب ذَاعُرها
من يَرَ بغدادَ والجنودُ بها ... قد ربَّقَتْ حَوْلَها عَساكُرها
كلُّ طَحونٍ شهباءَ بَاسِلَةٍ ... تسْقِطُ أَحْبالها زَماجِرُها
стр. 5222
تُلقى بغيِّ الرّدَى أَوانِسَها ... يُرْهِقها للّقاءِ طَاهِرُها
والشيخ يَعدُو حَزمًا كتائبه ... يُقدِمُ أَعجازَها يعاوِرُها
وَلزُهيرٍ بالفِرْك مأسَدَةٌ ... مرقومةُ صلبَةٌ مَكاسِرُها
كتائبُ الموتِ تحتَ أَلوِيَةٍ ... أَبْرَحَ منصورُها وَناصِرُها
يعلم أن الأَقدار واقعة ... أَبْرَحَ منصورُها وَناصِرُها
فتلكَ بغدادُ ما يُبنَّى من الذ ... لَّةِ في دُورِها عَصافِرُها
محفوفةً بالرَّدَى مُنَطقَةً ... بِالصُّغر مَحْصُورَةً جَبابرُها
ما بين شطِّ الفراتِ منه إلى ... دِجْلةَ حيث انتهت معابِرُها
بارك هادِى الشَّقْراءَ نافِرُه ... تُرْكضُ من حولها أَشَاقِرُها
يُحْرِقها ذا وذاكَ يهدمها ... ويَشتِفي بالنهابِ شاطرُها
والكَرْخُ أَسواقِها مُعَطَّلة ... يَستنّ عَيَّارُها وعائرُها
أَخرجت الحربُ من سواقِطها ... آسادَ غِيلٍ غُلْبًا تُسَاورُها
من البواري تِرَاسُها ومن الـ ... ـخُوصِ إذا استلأَمَت مَغافرها
تَغدوُ إلى الحرب في جَواشنِها الـ ... ـصّوف إذا ما عُدَّت أَساورُها
كَتَائبُ الهِرْشِ تحت رايتهِ ... ساعَدَ طَرّارَها مُقامِرُها
لا الرزقَ تبغى ولا العطاء ولا ... يَحشُرُها للَقاء حاشِرُها
في كلّ دَرْبٍ وكلِّ ناحيةٍ ... خطَّارَةٌ يَستَهلُّ خَاطِرُها
بمثل هَامِ الرجَال من فلَق الصَّـ ... ـخر يَزُودُ المِقلاع بَائرُها
كأنما فوقَ هَامِها فِرَقٌ ... من القطا الكُدْرِ هاج نافِرُها
والقومُ من تحتها لهم زَجَلٌ ... وهي ترامى بها خَواطِرُها
بلْ هل رأَيتَ السيوفَ مُصلَتَةٌ ... أشهَرَها في الأَسواقِ شاهِرُها
والخيلَ تستَنُّ في أَزِقَّتها ... بالتُّركِ مسنونةً خَناجِرُها
وَالنّفطَ والنَّارَ في طَرائِقِها ... وهابِيا للدخَانِ عامِرُها
والنَّهبُ تَعدُو به الرِّجالُ وقَدْ ... أَبدَتْ خَلاخيلها حَرائِرُها
مُعصوصباتٍ وسطَ الأَزِقَّةِ قَدْ ... أَبرَزها للعيون ساترها
كلُّ رَقودِ الضُّحَى مخَبَّأةٍ ... لم تَبدُ في أَهلها محاجرُها
بَيْضةُ خِدرٍ مكنونةٌ بَرَزَت ... للناس منشورةً غَدائرُها
تَعثرُ في ثوبها وَتُعْجلها ... كَبَّةُ خَيلِ رِيعَتْ حَوافرُها
стр. 5223
تسأَلُ أين الطريقُ وَالهةً ... والنَّارُ من خَلْفها تُبَادرُها
لم تَجتَلِ الشَّمْسُ حُسنَ بَهجَتِها ... حتى اجتلتها حربٌ تباشرُها
يا هَلْ رأيتَ الثَّكلى مُوَلولَةً ... في الطُّرْق تسعى والجَهدُ بَاهرُها!
في إثر نَعش عليهِ واحدُها ... في صَدْرهِ طعنةٌ يُساورُها
فَرغاءُ ينقى الشنار مربَدُها ... يَهزّها بَالسنان شاجرُها
تنظرُ في وجههِ وتهتف بالثـ ... ـكلِ وجَارِى الدموع حادِرُها
غَرغَر بالنَّفس ثم أَسلمها ... مَطلولَةً لا يُخاف ثائرها
وقد رأَيت الفتيان في عَرصَةِ الـ ... ـمعرَك مَعفورَة مناخرها
كلُّ فتًى مَانعٌ حَقيقَتَهُ ... تَشقَى بهِ في الوَغَى مسَاعرها
باتَتْ عليهِ الكِلابُ تَنْهَشُهُ ... مخضُوبةٌ مِنْ دمٍ أَظَافِرُها
أمَا رَأَيتَ الخُيولَ جائلَةً ... بالقَوْم مَنكُوبَةً دَوَائرُها
تعثرُ بالأَوجُهِ الحِسَانِ منَ الـ ... ـقتلى وغُلَّتْ دمًا أَشاعِرُهُا
يطأنَ أكبادَ فتيةٍ نُجُدٍ ... يَفْلِقُ هاماتِهمْ حوافرُها
أمَا رأَيت النساءَ تحتَ المجا ... نيق تعادَى شُعْثًا ضفائرُها
عقائل القومِ والعجائزَ والـ ... ـعُنَّسَ لم تحتبَرْ معاصِرُها
يحْمِلن قوتًا من الطْحِينِ على الْـ ... ـأكتَافِ مَعْصُوبَةً مهاجِرُها
وذاتُ عيش ضنكٍ ومُقعِسَةٌ ... تشدخُها صَخرةٌ تعاوِرُها
تسأَلُ عنْ أهلها وقد سُلِبتْ ... وابْتُزَّ عنْ رأسها غفائرُها
ياليتَ شِعْرى والدَّهْرُ ذُو دُولٍ ... يُرجَى وأُخرَى تُخْشَى بَوادرُها
هل تَرْجعنْ أرضنا كما غنِيَتْ ... وقد تناهتْ بنا مصايِرُها
منْ مُبلغ ذا الرياستيْنِ رسا ... لاتٍ تَأتَى للنُّصْحِ شاعِرُها
بأَنَّ خيْرَ الوُلاةِ قدْ علمَ النَّ ... ـاسُ إذا عُدِّدت مآثِرُها
خليفةُ اللهِ في بريّتِهِ الـ ... ـمأمُونُ مُنْتَاشُها وجابرُها
سَمَتْ إليه آمالُ أُمّته ... منقادَةٌ بَرُّها وفاجرُها
شامُوا حيا العدْلِ من مخايلِهِ ... وأَصْحَرَتْ بالتُّقَى بَصَائرها
وأحمدُوا منك سيرة جلتِ الـ ... ـشَّكَّ وأخرى صَحَّتْ معاذِرُها
واستجمعتْ طاعة برفقكَ للمَأْ ... مونِ نجديُّها وغائرها
وأنتَ سمعٌ في العالمينَ له ... ومُقلةٌ ما يكلّ ناظرُها
стр. 5224
فاشكر لذي الْعَرْشِ فضلَ نعمتِهِ ... أَوجبَ فضلَ المزيدِ شاكرها
واحذَرْ فداءً لك الرّعيةُ والـ ... ـأجنادُ مأمورها وآمرها
لا تردن غمْرةً بنفسكَ لا ... يَصْدُرُ عنها بالرأي صادرُها
عليك ضحْضاحها فلا تلجِ الغَمـ ... ـرة ملتجّةً زواخِرُها
والقصْدَ إنَّ الطريقَ ذو شعبٍ ... أَشأَمها وَعْثُها وَجَائرُها
أَصْبَحْتَ في أمةٍ أوائلها ... قد فارقت هَدْيَها أواخُرها
وأنتَ سُرْسُورُها وشائِسُها ... فَهَلْ على الحق أَنت قاسرها!
أَدِّبْ رجالًا رأَيتَ سِيرتهُم ... خالفَ حُكْمَ الكِتَابِ سائرها
وامدُدْ إلى الناس كفَّ مَرحَمَةٍ ... تُسَدُّ منهم بها مفَاقرها
أَمكنكَ الْعَدْلُ إذ هَمَمْتَ به ... ووافقَتْ مَدَّه مقادرُها
وأَبصر الناسُ قصدَ وجههمُ ... ومُلِّكَتْ أُمَّةً أخايرُها
تُشْرَعُ أعناقها إليكَ إذ الـ ... سَّاداتُ يومًا جَمَّتْ عَشائِرُها
كم عندنا من نصيحَة لك في اللـ ... ـهِ وقُرْبى عَزَّتْ زوافرها
وحرمةٍ قرَّبتْ أَواصِرُها ... منك، وأخْرى هل أنت ذاكرُها!
سعي رجالٍ في العلم مطلبُهُمْ ... رائحُها باكرٌ وباكرها
دونك غراءَ كالوَذيلَةِ لا ... تُفقَدُ في بلدةٍ سوِائرها
لا طمعًا قُلتُها ولا بَطرًّا ... لكلِّ نفس هوًى يُؤامرها
سيرَها الله بالنصيحَةِ والـ ... ـخَشيَةِ فاستدمجَت مرائرها
جاءتك تحكي لك الأمور كما ... ينشر بزَّ التِّجارِ ناشرها
حمَّلتُها صاحبًا أخا ثقةٍ ... يظلُّ عُجبًا بها يحاضرها (١).
стр. 5225
وفي هذه السنة استأمن الموكّلون بقصر صالح من قبلَ محمد.
* * *
[ذكر خبر وقعة قصر صالح]
وفيها كانت الوقعة التي كانت على أصحاب طاهر بقصر صالح.
ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
ذكر محمد بن الحسين بن مصعب، أنّ طاهرًا لم يزل مصابرًا محمدًا وجندَه على ما وصفت من أمرِه؛ حتى ملَّ أهلُ بغداد من قتاله، وأن عليَّ فراهمرد الموكّل بقصريْ صالح وسليمان بن أبي جعفر من قبل محمد، كتب إلى طاهر يسأله الأمان، ويضمن له أن يدفع ما في يده من تلك الأموال ومن الناحية إلى الجسور وما فيها من المجانيق والعرّادات إليه؛ وأنه قَبل ذلك منه، وأجابه إلى ما سأل، ووجّه إليه أبا العباس يوسف بن يعقوب البَاذغيسيّ صاحب شرَطه فيمن ضُمّ إليه من قوّاده وذوي البأس من فُرسانه ليلًا، فسلم إليه كلّ ما كان محمد وكّله به من ذلك ليلة السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة سبع وتسعين ومائة. واستأمن إليه محمد بن عيسى صاحب شُرْطة محمد؛ وكان يقاتل مع الأفارقة وأهل السجون والأوباش؛ وكان محمد بن عيسى غير مداهِنٍ في أمر محمد؛ وكان مهيبًا في الحرْب، فلمّا استأمن هذان إلى طاهر، أَشفى محمد على الهلاك، ودخله من ذلك ما أقامه وأقعده حتى استسلم؛ وصار على باب أم جعفر يتوقّع ما يكون؛ وأقبلت الغُواة من العيّارين وباعة الطرق والأجناد؛ فاقتتلوا داخل قصر صالح وخارجه إلى ارتفاع النهار.
قال: فقتل في داخل القصر أبو العباس يوسف بن يعقوب الباذغيسي ومن كان معه من القواد والرؤساء المعدودين، وقاتل فراهمرد وأصحابه خارجًا من القصر حتى فلَّ وانحاز إلى طاهر؛ ولم تكن وقعة قبلها ولا بعدها أشدَّ على طاهر وأصحابه منها، ولا أكثر قتيلًا وجريحًا معقورًا من أصحاب طاهر من تلك الوقعة؛
стр. 5226
فأكثرت الشعراء فيها القول من الشعر، وذكر ما كان فيها من شدة الحرب. وقال فيها الغوغاء والرعاء، وكان مما قيل في ذلك قول الخليع:
أمين الله ثق بالله ... تعط الصَّبر والنُّصرة
كل الأمر إلى الله ... كلاك الله ذو القدرة
لنا النَّصر بعون الله ... والكرَّة لا الفرَّة
وللمرَّاق أعداء ... ك يوم السوء والدَّبره
وكأس تلفظ الموت ... كريهٍ طعمها مرَّه
سقينا وسقيناهم ... ولكن بهم الحِرّه
كذاك الحرب أحيانًا ... علينا ولنا مرَّه
فذكر عن بعض الأبناء أن طاهرًا بثَّ رسله، وكتب إلى القوّاد والهاشميين وغيرهم بعد أن حاز ضياعهم وغلاتهم يدعوهم إلى الأمان والدخول في خلع محمد والبيعة للمأمون؛ فلحق به جماعة، منهم عبد الله بن حميد بن قحطبة الطائي وإخوته، وولد الحسن بن قحطبة ويحيى بن علي بن ماهان ومحمد بن أبي العاص، وكاتبه قوم من القوّاد والهاشميين في السرّ، وصارت قلوبهم وأهواؤهم معه.
قال: ولما كانت وقعة قصر صالح أقبل محمد على اللهو والشرب، ووكل الأمر إلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى الهرش؛ فوضعا مما يليهما من الدروب والأبواب وكلاهما بأبواب المدينة والأرباض وسوق الكرخ. وفرض دجلة وباب المحول والكناسة؛ فكان لصوصها وفساقها يسلبون من قدروا عليه من الرِّجال والنساء والضعفاء من أهل الملة والذمة؛ فكان منهم في ذلك ما لم يبلغنا أن مثله كان في شيء من سائر بلاد الحروب.
قال: ولما طال ذلك بالناس، وضاقت بغداد بأهلها، خرج عنها من كانت به قوة بعد الغرم الفادح والمضايقة الموجعة والخطر العظيم؛ فأخذ طاهر أصحابه بخلاف ذلك، واشتد فيه، وغلظ على أهل الريب. وأمر محمد بن أبي خالد بحفظ الضعفاء والنساء وتجويزهم وتسهيل أمرهم؛ فكان الرجل والمرأة إذا تخلص من أيدي أصحاب الهرش، وصار إلى أصحاب طاهر ذهب عنه الروع وأمن، وأظهرت المرأة ما معها من ذهب وفضة أو متاع أو بزّ؛ حتى قيل: إن مثل
стр. 5227
أصحاب طاهر ومثل أصحاب الهرش وذويه ومثل الناس إذا تخلصوا، مثل السور الذي قال الله تعالى ذكره: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].
فلما طال علي الناس ما بلوا به ساءت حالهم وضاقوا به ذرعًا؛ وفي ذلك يقول بعض فتيان بغداد:
بكيت دمًا على بغدادَ لمَّا ... فَقَدتُ غَضَارة العيشِ الأنيقِ
تبدلنا همومًا من سرور ... ومن سَعَةٍ تبدَّلنا بضيقِ
أصابتها من الحُسَّادِ عينٌ ... فأفنَت أهلها بالمنجنيقِ
فقوم أُحْرِقُوا بالنار قسرًا ... ونائحةٌ تنوحُ على غريقِ
وصائحةٌ تنادي واصباحًا ... وباكية لفقدان الشفيق
وحوراء المدامع ذات دل ... مضمخة المجاسد بالخلوق
تفرُّ من الحريق إلى انتهابٍ ... ووالِدها يفرُّ إلى الحريقِ
وسالبةُ الغزالةِ مقلتَيْهَا ... مضاحكُها كلأَلأَةِ البرُوقِ
حيارى كالهدايا مُفْكِراتٌ ... عليهنَّ القلائدُ في الحُلوقِ
ينادين الشفيق ولا شفيقٌ ... وقد فُقِدَ الشقيق من الشقيقِ
وقومٌ أخرجُوا من ظلِّ دُنيا ... متاعُهُمُ يُباعُ بكلِّ سوقِ
ومغتربٌ قريب الدارِ مُلقىً ... بلا رأس بقارعة الطريقِ
توسَّط مِنْ قتالهمُ جميعًا ... فما يدرون مِنْ أيِّ الفريقِ
فلا ولد يقيم على أبيه ... وقد هرب الصديق بلا صديقِ
ومهما أنس من شيءٍ تولَّى ... فإنِّي ذاكرٌ دار الرَّقيقِ
وذكر أن قائدًا من قواد أهل خراسان ممن كان مع طاهر من أهل النجدة والبأس، خرج يومًا إلى القتال، فنظر إلى قوم عراة، لا سلاح معهم، فقال لأصحابه: ما يقاتلنا إلا من أرى؛ استهانة بأمرهم واحتقارًا لهم؛ فقيل له: نعم هؤلاء الذين ترى هم الآفة؛ فقال: أف لكم حين تنكصون عن هؤلاء وتخيمون عنهم، وأنتم في السلاح الظاهر، والعدة والقوة؛ ولكم ما لكم من الشجاعة والنجدة! وما عسى أن يبلغ كيد من أرى من هؤلاء ولا سلاح معهم ولا عدة لهم ولا جنة تقيهمَّ فأوتر قوسه وتقدم، وأبصره بعضهم فقصد نحوه وفي يده بارية مقيَّرة، وتحت إبطه مخلاة فيها حجارة، فجعل الخراساني كلما رمى بسهم استتر
стр. 5228
منه العيَّار، فوقع في باريّته أو قريبًا منه؛ فيأخذه فيجعله في موضع من باريته، قد هيأه لذلك، وجعله شبيهًا بالجعبة. وجعل كلما وقع سهم أخذه، وصاح: دانق، أي ثمن النشابة دانق قد أحرزه؛ ولم يزل تلك حالة الخراساني وحال العيَّار حتى أنفذ الخراساني سهامه، ثم حمل على العيَّار ليضربه بسيفه؛ فأخرج من مخلاته حجرًا؛ فجعله في مقلاع ورماه فما أخطأ به عينه، ثم ثناه بآخر؛ فكاد يصرعه عن فرسه لولا تحاميه؛ وكرّ راجعًا وهو يقول: ليس هؤلاء بإنس؛ قال: فحدثت أن طاهرًا حدث بحديثه فاستضحك وأعفى الخراساني من الخروج إلى الحرب؛ فقال بعض شعراء بغداد في ذلك:
خرجت هذه الحروب رجالا ... لا لقحطانها ولا لنزار
معشرًا في جواشن الصوف يغدو ... ن إلى الحرب كالأسود الضَّواري
وعليهم مغافر الخوص تجزيـ ... هم عن البيض. والتِّراس البواري
ليس يدرون ما الفرار إذا الأبـ ... طال عاذوا من القنا بالفرار
واحد منهم يشد على ألـ ... فين عريان ماله من إزار
ويقول الفتى إذا طعن الطعـ ... نة: خذها من الفتى العيَّار
كم شريف قد أخملته وكم قد ... رفعت من مُقامرٍ طرَّار
* * *
[ذكر خبر منع طاهر الملاحين من إدخال شيء إلى بغداد]
[قال محمد بن جرير: وفي هذه السنة منع طاهر الملاحين وغيرهم من إدخال شيء إلى بغداد إلا إلى من كان من عسكره منهم، ووضع الرصيد عليهم بسبب ذلك].
ذكر الخبر عما كان منه ومن أصحاب محمد المخلوع في ذلك
وعن السبب الذي من أجله فعل ذلك طاهر:
أما السبب في ذلك فإنه - فيما ذكر - كان أنّ طاهرًا لما قتل من قتل في قصر صالح من أصحابه، ونالهم فيه من الجراح ما نالهم، مضه ذلك وشق عليه؛ لأنه
стр. 5229
لم يكن له وقعة إلا كانت له لا عليه؛ فلما شق عليه أمر بالهدم والإحراق عند ذلك، فهدم دور من خالفه ما بين دجلة ودار الرقيق وباب الشام وباب الكوفة، إلى الصراة وأرجاء ابي جعفر وربض حميد ونهر كرخايا والكناسة؛ وجعل يبايت أصحاب محمد ويدالجهم، ويحوى في كل يوم ناحية، ويخندق عليها المراصد من المقاتلة؛ وجعل أصحاب محمد ينقصون، ويزيدون؛ حتى لقد كان أصحاب طاهر يهدمون الدار وينصرفون؛ فيقلع أبوابها وسقوفها أصحاب محمد، ويكونون أضرَّ على أصحابهم من أصحاب طاهر تعديًا؛ فقال شاعر منهم - وذكر أنه عمرو بن عبد الملك الورّاق العتري - في ذلك:
لنا كلَّ يوم ثُلمةٌ لا نَسُدُّها ... يزيدونَ فيما يَطلبونَ ونَنقُصُ
إذَا هَدموا دارًا أَخذنا سُقوفَها ... ونحن لأُخرى غيرِها نتربَّصُ
وإن حَرصوا يومًا على الشَّرِّ جُهْدَهمْ ... فغوغاؤنا منهمْ على الشرّ أَحرَصُ
فقد ضيَّقوا من أَرضنا كلَّ واسعٍ ... وصار لهم أَهل بها، وتعرَّصوا
يثيرونَ بالطبلِ القنيصَ فإِن بدًا ... لهم وجهُ صيدٍ من قريب تقنّصوا
لقد أَفسدوا شَرْقَ البلادِ وغَربَها ... علينا فما ندري إِلى أَين نشخُص!
إذا حضروا قالوا بما يَعرفونه ... وإن يَرَوْا شيئًا قبيحًا تَخَرَّصوا
وما قتلَ الأَبطالَ مثلُ مجرّبٍ ... رسولِ المنايا ليلَهُ يتلصّصُ
ترى البطلَ المشهورَ في كلّ بلدة ... إذا ما رأَى العريانَ يومًا يُبصبِصُ
إذا ما رآه الشَّمَّري مُقَزِّلا ... على عقبَيهِ للمخافةِ يَنكصُ
يبيعُك رأسًا للصبيّ بِدِرهمٍ ... فإِن قال إني مُرْخِصٌ فهو مرخِصُ
فكم قاتل منا لآخر منهمُ ... بمقتله عنه الذُّنوبُ تُمحَّصُ
تراه إذا نادى الأَمانَ مبارزًا ... ويَغمِزنا طَورًا وطورًا يخصِّص
وقد رخَّصَت قراؤنا في قتالِهِمْ ... وما قتل المقتولَ إلَّا المرخّصُ
وقال أيضًا في ذلك:
النَّاسُ في الهدمِ وفي الانتقالْ ... قد عَرَّض النَّاسُ بقيلٍ وقالْ
يا أَيُّها السائل عن شأْنهمْ ... عينك تكفيكَ مكان السُّؤَالْ
قد كان للرحمن تكبيرُهُم ... فاليوم تكبيرهمْ للقتالْ
اطرحْ بعينيك إلى جمعهم ... وانتظر الرَّوْحَ وعُدَّ الليالْ
стр. 5230
لم يبق في بغدادَ إلَّا امرؤٌ ... حالَفَهُ الفقر كثيرُ العيالْ
لا أمّ تحمِي عن حماها ولا ... خالٌ له يحمي ولَا غيرُ خالْ
ليس له مالٌ سوى مِطْرَدٍ ... مِطردُهُ في كفَّه رأسُ مالْ
هانَ على الله فأَجْرَى على ... كفَّيه للشِّقوةِ قتلَ الرجالْ
إن صارَ ذا الأَمر إلى واحدٍ ... صارَ إلى القتلِ على كلّ حالْ
ما بالنا نُقتَلُ من أَجْلهِمْ ... سُبْحَانَكَ اللهمّ يا ذَا الجلالْ!
وقال أيضًا:
ولستُ بتاركٍ بغدادَ يومًا ... تَرَحَّلَ مَن ترحَّل أَوْ أَقَامَا
إذا ما العيش ساعدنا فلسنا ... نبالي بعد من كان الإماما
قال عمرو بن عبد الملك العتري: لما رأى طاهر أنهم لا يحفلون بالقتل والهدم والحرق أمر عند ذلك بمنع التجار أن يجوزوا بشيء من الدقيق وغيره من المنافع من ناحيته إلى مدينة أبي جعفر والشرقية والكرخ، وأمر بصرف سفن البصرة وواسط بطرنايا إلى الفرات؛ ومنه إلى المحول الكبير وإلى الصراة، ومنها إلى خندق باب الأنبار؛ بما كان زهير بن المسيب يبذرقه إلى بغداد، وأخذ من كل سفينة فيها حمولة ما بين الألف درهم إلى الألفين والثلاثة، وأكثر وأقل، وفعل عمال طاهر وأصحابه ببغداد في جميع طرقها مثل ذلك وأشد، فغلت الأسعار، وصار الناس في أشد الحصار، فيئسوا أو كثير منهم من الفرج والروح، واغتبط من كان خرج منها، وأسف على مقامه من أقام.
وفي هذه السنة استأمن ابن عائشة إلى طاهر، وكان قد قاتل مع محمد حينًا بالياسرية.
* * *
[ذكر خبر وقعة الكناسة]
وفيها جعل طاهر قوادًا من قواده بنواحي بغداد، فجعل العلاء بن الوضاح الأزدي في أصحابه ومن ضم إليه بالوضاحية على المحول الكبير، وجعل نعيم بن الوضاح أخاه فيمن كان معه من الأتراك وغيرهم مما يلي ربض أبي أيوب على شاطئ الصراة، ثم غادى القتال وراوح أشهرًا، وصبر الفريقان جميعًا؛ فكانت
стр. 5231
لهما فيها وقعة بالكناسة؛ باشرها طاهر بنفسه، قتل فيها بشر كثير من أصحاب محمد، فقال عمرو بن عبد الملك:
وَقْعَةُ يومِ الأَحَد ... صارت حَدِيثَ الأبد
كَمْ جسدٍ أَبصرتَهُ ... مُلقًى وكَمْ مِن جَسَدِ
وناظرٍ كانت له ... مَنِيَّةٌ بالرَّصَد
أَتاهُ سَهْمٌ عائرٌ ... فشكَّ جَوفَ الكَبِد
وصائحٍ يا والدي ... وصائحٍ يا ولدي!
وكم غريقٍ سابح ... كان متينَ الجَلَدِ!
لم يَفتقدْه أَحدٌ ... غَيرُ بناتِ البلد
وكم فقيدٍ بَئِسٍ ... عزَّ على المفتقِد
كَانَ مِن النَّظارةِ الـ ... ـأولى شديد الحَرَدِ
لو أَنه عايَن ما ... عاينَه لم يَعُد
لم يبقَ من كهلِ لهُمْ ... فَاتَ وَلا مِنْ أَمْرَدِ
وطاهرٌ ملتهِمٌ ... مثلَ التهامِ الأَسد
خيَّمَ لا يبرَح في الـ ... ـعرصَةِ مثلَ اللُّبَد
تقذِفُ عيناه لَدَى الـ ... ـحربِ بنارِ الوَقَد
فقائلٌ قد قتلوا ... أَلفًا ولمَّا يزدِ
وقائلٌ أكثر بل ... ما لهُمُ من عدد
وهاربٌ نحوهُمُ ... يرهَبُ من خوفِ غدِ
هيهات لا تبصرُ مِمّـ ... ـن قَدْ مَضَى من أَحَدِ
لا يرجع الماضي إلى الْـ ... ـبَاقِي طَوَالَ الأَبد
قلتُ لمطعونٍ وفيـ ... ـه رُوحُهُ لَمْ تبد
مَنْ أَنَت يا وَيْلكَ يا ... مِسكينُ من مُحَمَّدِ
فقالَ لا من نَسب ... دانٍ ولا منْ بَلد
لم أَره قطّ ولم ... أَجدْ لهُ من صَفدِ
وقال لا لِلغيِّ قَا ... تَلتُ ولا للرَّشَد
إلَّا لشيءٍ عاجلٍ ... يصيرُ مِنهُ فِي يدِي
стр. 5232
وذكر عن عمرو بن عبد الملك أن محمدًا أمر زريحًا غلامه بتتبع الأموال وطلبها عند أهل الودائع وغيرهم، وأمر الهرش بطاعته، فكان يهجم على الناس في منازلهم، ويبيتهم ليلًا، ويأخذ بالظنة، فجبى بذلك السبب أموالًا كثيرة، وأهلك خلقًا، فهرب الناس بعلة الحج، وفر الأغنياء، فقال القراطيسي في ذلك:
أَظهروا الحجّ وما ينوونَهُ ... بل من الهِرش يُريدون الهربْ
كم أُناسٍ أصبحوا في غبطة ... وكلَ الهرشُ عليهم بالعطب
كلُّ من راد زُريحٌ بيتَهُ ... لقِىَ الذُّلَّ وَوَافاهُ الحرَبْ
* * *
[ذكر خبر وقعة درب الحجارة]
وفيها كانت وقعة درب الحجارة.
ذكر الخبر عنها.
ذكر أن هذه الوقعة كانت بحضرة درب الحجارة؛ وكانت لأصحاب محمد على أصحاب طاهر، قتل فيها خلق كثير، فقال في ذلك عمرو بن عبد الملك العتريّ:
وَقعَةُ السبتِ يومَ درب الحِجَارَهْ ... قطعَت قِطعةً من النَّظَّارة
ذاك من بعد ما تَفَانَوا ولكن ... أهلكَتهمْ غوغاؤنا بالحجَارهْ
قَدِم الشُّورَجِينَ للقتل عمدًا ... قال إني لَكُمْ أُرِيد الإِمَارَة
فتلقَاه كلُّ لِصٍّ مُريِبٍ ... عَمَر السجنَ دهرَه بالشَّطَارَهْ
ما عليه شيءٌ يواريه مِنْهُ ... أيرُه قائمٌ كمثلِ المنارَهْ
فتَوَلوْا عنهم وَكَانُوا قديمًا ... يُحسِنونَ الضِّرابَ في كلِّ غارَهْ
هؤلاء مثلُ هؤلاكَ لدينا ... ليس يَرعوْن حق جارٍ وجَارَهْ
كلّ منْ كانَ خاملًا صار رأسًا ... من نعيم في عيشه وغضارهْ
حاملٌ في يمينِهِ كلَّ يومٍ ... مِطرَدًا فوقَ رأسه طَيَّارهْ
أَخرجتْهُ من بيتها أمٌّ سوءٍ ... طَلَبَ النَّهبَ أُمّه العَيَّارَهْ
يشتم الناس ما يبالي بإفصا ... ح لذي الشتم لا يشير إشارهْ
ليس هذا زمان حرٍّ كريم ... ذا زمان الأنذال أهل الزعارهْ
стр. 5233
كان فيما مضى القتال قِتالا ... فهُوَ اليومَ يا عليُّ تِجارَهْ
وقال أيضًا:
بارِيَّة قَيَّرْتَ ظَاهِرَها ... محمَّد فيها وَمَنصُورُ
العِزُّ والأَمنُ أَحادِيثهم ... وَقَوْلُهمُ قد أخِذَ السُّورُ
وأَيُّ نفعٍ لكَ في سورهمْ ... وأَنتَ مَقتولٌ وَمَأْسُور؟
قد قُتِلَتْ فُرْسَانكُمْ عَنوَةً ... وَهُدِمَتْ من دُورِكُمْ دُورُ
هاتوا لكمْ من قائدٍ وَاحدٍ ... مهذَّبٍ في وَجهه نُورُ
يا أَيُّها السَّائل عَنْ شأْننا ... محمَّد في القَصْرِ مَحْصورُ
* * *
[ذكر خبر وقعة باب الشماسية]
وفيها أيضًا كانت وقعة بباب الشماسية، أسر فيها هرثمة.
ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان وإلى ما آل الأمر فيه:
ذكر عن علي بن يزيد أنه قال: كان ينزل هرثمة نهر بين، وعليه حائط وخندق، وقد أعد المجانيق والعرادات، وأنزل عبيد الله بن الوضاح الشماسية، وكان يخرج أحيانًا، فيقف بباب خراسان مشفقًا من أهل العسكر، كارهًا للحرب، فيدعو الناس إلى ما هو عليه فيشتمه، ويستخف به، فيقف ساعة ثم ينصرف. وكان حاتم بن الصقر من قواد محمد؛ وكان قد واعد أصحابه الغزاة والعيارين أن يوافوا عبيد الله بن الوضاح ليلًا، فمضوا إلى عبيد الله مفاجأة وهو لا يعلم؛ فأوقعوا به وقعة أزالوه عن موضعه، وولى منهزمًا، فأصابوا له خيلًا وسلاحًا ومتاعًا كثيرًا، وغلب على الشماسية حاتم بن الصقر. وبلغ الخبر هرثمة، فأقبل في أصحابه لنصرته، وليرد العسكر عنه إلى موضعه؛ فوافاه أصحاب محمد، ونشب الحرب بينهم، وأسر رجل من الغزاة هرثمة ولم يعرفه، فحمل بعض أصحاب هرثمة على الرجل، فقطع يده وخلّصه، فمرّ منهزمًا، وبلغ خبره أهل عسكره، فتقوض بما فيه، وخرج أهله هاربين على وجوههم نحو حلوان، وحجز أصحاب محمد الليل عن الطلب، وما كانوا فيه من النهب والأسر. فحدثت أن عسكر هرثمة لم يتراجع أهله يومين، وقويت الغزاة بما سار في أيديهم.
стр. 5234
وقيل في تلك الوقعة أشعار كثيرة، فمن ذلك قول عمرو الورّاق:
عُرْيانُ ليس بذِي قَميصِ ... يَغدُو على طَلبِ القَميصِ
يَعْدُو عَلى ذِي جوشَنٍ ... يعمي العيونَ من البَصيصِ
في كفِّه طَرَّادَةٌ ... حمراءُ تلمعُ كالفُصوصِ
حَرِصًا عَلى طَلَب القِتَا ... ل أَشَدّ من حِرْص الحريصِ
سلِسَ القِيادِ كأَنَّما ... يَغدُو عَلى أَكلِ الخبيص
لَيْثًا مُغِيرًا لَم يَزَل ... رَأسًا يعدّ من اللصُوصِ
أَجْرى وأَثبَتَ مَقْدَمًا ... في الحرْبِ من أَسد رَهيصِ
يدْنو على سَنَنِ الهَوَا ... نِ وَعِيصُهُ من شَرِّ عيصِ
يَنجُو إِذا كانَ النَّجا ... ءُ على أَخَفَّ من القَلُوصِ
ما للكَمِيِّ إذا لِمَقْـ ... ـتَلهِ تعَرّضَ من محيصِ
كَم من شُجاعٍ فارسٍ ... قد بَاعَ بالثَّمَن الرَّخيصِ
يدعُو: أَلا مَنْ يَشترِي رأسَ ... الكمي بكَفِّ شيصِ!
وقال بعض أصحاب هرثمة:
يَفنَى الزَّمانُ وما يَفنَى قتالهُمُ ... والدُّور تُهدَمُ والأموال تَنتَقِصُ
والناس لا يستطيعون الذي طلبوا ... لا يدفعون الردى عنهم وإن حَرصُوا
يأتوننا بحديثٍ لا ضياءَ لَهُ ... في كلّ يوم لأَولادِ الزِّنا قصصُ
قال: ولما بلغا طاهرًا ما صنع الغزاة وحاتم بن الصقر بعبيد الله بن الوضاح وهرثمة اشتد ذلك عليه، وبلغ منه، وأمر بعقد جسر على دجلة فوق الشماسية، ووجه أصحابه وعبَّأهم، وخرج معهم إلى الجسر، فعبروا إليهم وقاتلوهم أشد القتال، وأمدهم بأصحابه ساعة بعد ساعة حتى ردوا أصحاب محمد وأزالوهم عن الشماسية، ورد المهاجر عبيد الله بن الوضاح وهرثمة.
قال: وكان محمد أعطى بنقض قصوره ومجالسه الخيزرانية بعد ظفر الغزاة ألفي ألف درهم، فحرقها أصحاب طاهر كلها، وكانت السقوف مذهّبة، وقتلوا من الغزاة والمنتهبين بشرًا كثيرًا، وفي ذلك يقول عمرو الوراق:
ثَقَلان وطاهر بن الحسين ... صبَّحونا صبيحةَ الإثنينِ
جمعوا جمعَهم بليل ونادَوا ... اطلبوا اليومَ ثأركم بالحسين
стр. 5235
ضربوا طبلَهُمْ فثارَ إليهم ... كلّ صُلبِ القَناة والسَّاعِدَيْنِ
يا قَتِيلا بالقاعِ مُلقًى على الشطِّ ... هواه بِطَيِّئٍ الجَبَلَيْنِ
ما الَّذِي في يَدْيك أَنت إذا ما أصْـ ... طلحَ النَّاسُ أَنتَ بالخَلَّتيْنِ
أَوَزيرٌ أَم قائدٌ، بَلْ بعيدٌ ... أَنْتَ من ذَينِ مَوضع الفَرقَدَينِ
كم بصيرٍ غَدَا بعينَيْنِ كي يُبـ ... صِرَ ما حالهم فعادَ بعينِ
ليس يُخْطونَ ما يريدون ما يَعمد ... راميهمُ سِوَى الناظرَينِ
سائلِي عنهمُ همُ شرُّ مَنْ أَبصرتُ ... في النَّاس ليس غير كذينِ
شرّ باقٍ وشرّ ماض منَ الناس ... مَضَى أَو رأَيتُ في الثَّقَلَيْنِ
قال: وبلغ ذلك من فعل طاهر محمدًا، فاشتد عليه غمه وأحزنه؛ فذكر كاتب لكوثر أن محمدًا قال - أو قيل على لسانه هذه الأبيات:
مُنيتُ بِأَشْجع الثَّقَلَيْنِ قَلبًا ... إذا ما طالَ لَيْسَ كما يطولُ
له مَعْ كلِّ ذِي بَدَنٍ رقيبٌ ... يشاهدُه ويعلمُ ما يَقُولُ
فليس بمُغْفلٍ أَمرًا عنادًا ... إِذا ما الأَمر ضَيَّعه الغَفُولُ
وفي هذه السنة ضعف أمر محمد، وأيقن بالهلاك، وهرب عبد الله بن خازم بن خزيمة من بغداد إلى المدائن، فذكر عن الحسين بن الضحاك أن عبد الله بن خازم بن خزيمة ظهرت له التهمة من محمد والتحامل عليه من السفلة والغوغاء، فهمَّ على نفسه وماله، فلحق بالمدائن ليلًا في السفن بعياله وولده، فأقام بها ولم يحضر شيئًا من القتال.
وذكر غيره أن طاهرًا كاتبه وحذره قبض ضياعه واستئصاله، فحذره ونجا من تلك الفتنة وسلم؛ فقال بعض قرائبه في ذلك:
وما جَبنَ ابن خازمَ منِ رَعاعٍ ... وَأوباشِ الطَّغامِ من الأَنام
ولكنْ خاف صَولةَ ضيغَمي ... هَصُورِ الشَّدِّ مشهور العُرامِ
فذاع أمره في الناس، ومشى تجار الكرخ بعضهم إلى بعض، فقالوا: ينبغي لنا أن نكشف أمرنا لطاهر ونظهر له براءتنا من المعونة عليه، فاجتمعوا وكتبوا كتابًا أعلموه فيه أنهم أهل السمع والطاعة والحب له؛ لما يبلغهم من إيثاره طاعة الله والعمل بالحق، والأخذ على يد المريب، وأنهم غير مستحلي النظر إلى الحرب؛ فضلًا عن القتال، وأن الذي يكون حزبه من جانبهم ليس منهم، قد ضاقت بهم
стр. 5236
طرق المسلمين حتى إن الرجال [الذين بلوا من حربه من جانبهم ليس منهم]، ولا لهم بالكرخ دور ولا عقار؛ وإنما هم بين طرار وسواط ونطاف، وأهل السجون. وإنما مأواهم الحمامات والمساجد، والتجار منهم إنما هم باعة الطريق يتجرون في محقرات [البيوع، قد ضاقت بهم طرق المسلمين، حتى إن الرجل ليستقبل، المرأة في زحمة الناس فيلتثان قبل التخلص؛ وحتى إن الشيخ ليسقط لوجهه ضعفًا؛ وحتى إن الحامل الكيس في حجزته وكفه ليطر منه، وما لنا بهم يدان ولا طاقة؛ ولا تملك لأنفسنا معهم شيئًا؛ وأن بعضهم يرفع الحجر عن الطريق لما جاء فيه من الحديث عن النبي ﷺ ؛ فكيف لو اقتدرنا على من في إقامته عن الطريق، وتخليده السجن، وتنفيته عن البلاد وحسم الشر والشغب ونفي الزعارة والطر والسرق، وصلاح الدين والدنيا، وحاش لله أن يحاربك منا أحد!
فذكر أنهم كتبوا بهذا قصة، واتعد قوم على الانسلال إليه بها، فقال لهم أهل الرأي منهم والحزم: لا تظنوا أن طاهرًا غبي عن هذا أو قصَّر عن إذكاء العيون فيكم وعليكم؛ حتى كأنه شاهدكم؛ والرأي ألا تشهروا أنفسكم بهذا؛ فإنا لا نأمن إن رآكم أحد من السفلة أن يكون به هلاككم وذهاب أموالكم؛ والخوف من تعرضكم لهؤلاء السفلة أعظم من طلبكم براءة الساحة عند طاهر خوفًا، بل لو كنتم من أهل الآثام والذنوب لكنتم إلى صفحه وتغمده وعفوه أقرب، فتوكلوا على الله ﵎ وأمسكوا. فأجابوهم وأمسكوا. وقال ابن أبي طالب المكفوف:
دَعُوا أَهل الطَّريق فَعَنْ قليل ... تَنالهمُ مخاليبُ الهَصُورِ
فتهتِكُ حُجْبَ أَفئدةٍ شِدادٍ ... وشيكًا ما تصير إلى القُبُورِ
فإِنَّ الله مُهلكُهُمُ جميعًا ... بأَسباب التمني والفُجُورٍ
وذكر أن الهرش خرج ومعه الغوغاء والغزاة ولفيفهم حتى صار إلى جزيرة العباس، وخرجت عصابة من أصحاب طاهر، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وكانت ناحية لم يقاتل فيها، فصار ذلك على الوجه بعد ذلك اليوم موضعًا للقتال؛ حتى كان الفتح منه؛ وكان أول يوم قاتلوا فيه استعلى أصحاب محمد على أصحاب طاهر حتى بلغوا بهم دار أبي يزيد الشروي. وخاف أهل الأرباض في تلك النواحي مما يلي طريق باب الأنبار؛ فذكر أن طاهرًا لما رأى ذلك وجه إليهم قائدًا من أصحابه،
стр. 5237
وكان مشتغلًا بوجوه كثيرة يقاتل منها أصحاب محمد، فأوقع بهم فيها وقعة صعبة، وغرق في الصراة بشر كثير، وقتل آخرون، فقال في هزيمة طاهر في أول [يوم] عمر والوراق:
نَادَى مُنَادِي طَاهِرٍ عِنْدَنَا ... يا قومُ كُفُّوا واجْلِسُوا في الْبُيُوتْ
فَسَوْفَ يَأْتِيكمْ غَدٌ فاحْذَرُوا ... [ليتًا هريتَ الشدق فيه عُيُوتْ]
فثارتِ الغوغاءُ في وَجْهِهِ ... بَعْدَ انتِصَافِ اللَّيْلِ قَبْلَ الْقُنُوتْ
في يومِ سبتٍ تَرَكُوا جَمْعَهُ ... فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ سُمودًا خُفُوتْ
وقال في الوقعة التي كانت على أصحاب محمد:
كم قتيل قد رأَينا ... ما سأَلْنَاهُ لأَيشِ
دَارِعًا يَلْقَاهُ عُرْيَانٌ ... بجهلِ وِبطيش
إن تلقَّاهُ بِرُمْحٍ ... يتلقَّاهُ بِفيْش
حَبشيًّا يَقتُلُ النَّاسَ ... على قِطْعَةِ خَيْشِ
مُرتَدٍ بالشَّمْس راضٍ ... بالمُنَى مِن كلِّ عيشِ
يَحْمِلُ الْحَمْلَةَ لا يَقْتل ... إلَّا رَأسَ جَيْش
كعلي أَفَراهَمَرْدٍ ... أَو عَلاءٍ أَو قُرَيشُ
احْذَرِ الرّميةَ ياطا ... هرُ من كف الحُبيشِي
وقال أيضًا عمرو الوراق في ذلك:
ذَهَبَتْ بَهْجَةُ بَغْدَا ... دَ وَكَانَتْ ذَاتَ بَهْجَهْ
فَلَها فِي كلِّ يَوْمٍ ... رجَّةٌ منْ بَعْدِ رجّهْ
ضجَّتِ الأَرضُ إِلى الله ... مِنَ المُنْكَرِ ضَجَّهْ
أَيّها المقتولُ مَا أَنت ... عَلى دِينِ المحَجَّهْ
لَيْتَ شِعْرِى ما الَّذِي نِلتَ ... ووَقدْ أَدْلجتَ دَلجهْ
أَإِلى الفردوس وُجِّهتَ ... أَمِ النَّارِ تُوجَّه
حجر أرداك أم أر ... ديت قسرًا بالأَزِجّه
إِن تكُنْ قَاتَلْتَ بِرًّا ... فعليْنَا أَلفُ حَجَّهْ
وذكر عن علي بن يزيد أن بعض الخدم حدثه أن محمدًا أمر ببيع ما بقى في الخزائن التي كانت أنهبت، فكتم ولاتها ما فيها لتسرق، فتضايق على محمد
стр. 5238
أمره، وفقد ما كان عنده، وطلب الناس الأرزاق، فقال يومًا وقد ضجر مما يرد عليه: وددت أن الله قتل الفريقين جميعًا، وأراح الناس منهم؛ فما منهم إلا عدو ممن معنا وممن علينا؛ أما هؤلاء فيريدون مالي؛ وأما أولئك فيريدون نفسي. وذكرت أبياتًا قيل إنه قالها:
تَفَرَّقُوا وَدَعونِي ... يَا مَعْشَرَ الأَعْوَانِ
فكُلُّكُمْ ذُو وُجوهٍ ... كَخلقة الإِنسان
وما أَرى غيرَ إفكٍ ... وتُرَّهاتِ الأَمانِي
ولستُ أَملك شيئًا ... فسائِلوا خُزّانى
فالويلُ لي ما دهاني ... من ساكنِ البُستانِ
قال: وضعف أمر محمد، وانتشر جنده وارتاع في عسكره، وأحس من طاهر بالعلو عليه وبالظفر به (١).
* * *
وحج بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بتوجيه طاهر إياه على الموسم بأمر المأمون بذلك (٢).
وكان على مكة في هذه السنة داود بن عيسى.
стр. 5239
ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر خبر استيلاء طاهر على بغداد] (١)
فمن ذلك ما كان من خلاف خزيمة بن خازم محمد بن هارون ومفارقته إياه واستئمانه إلى طاهر بن الحسين ودخول هرثمة الجانب الشرقي.
ذكر الخبر عن سبب فراقه إياه وكيف كان الأمر في مصيره والدخول في طاعة طاهر:
ذكر أن السبب في ذلك كان أن طاهرًا كتب إلى خزيمة يذكر له أن الأمر إن يقطع بينه وبين محمد ولم يكن له أثر في نصرته، لم يقصر في أمره. فلما وصل كتابه إليه شاور ثقات أصحابه وأهل بيته، فقالوا له: نرى والله أن هذا الرجل أخذ بقفا صاحبنا، فاحتل لنفسك ولنا؛ فكتب إلى طاهر بطاعته، وأخبره أنه لو كان هو النازل في الجانب الشرقي مكان هرثمة لكان يحمل نفسه له على كل هول، وأعلمه قلة ثقته بهرثمة، ويناشده ألا يحمله على مكروه من أمره إلا أن يضمن له القيام دونه، وإدخال هرثمة إليه ليقطع الجسور، ويتبعَ هو أمرًا يؤثر رأيه ورضاه؛ وأنه إن لم يضمن له ذلك؛ فليس يسعه تعريضه للسفلة والغوغاء والرعاع والتلف. فكتب طاهر إلى هرثمة يلومه ويعجزه، ويقول: جمعت الأجناد، وأتلفت الأموال، وأقطعتها دون أمير المؤمنين ودوني، وفي مثل حاجتي إلى الكلف والنفقات؛ وقد وقفت على قوم هينة شوكتهم، يسير أمرهم، وقوف المحجم الهائب؛ إن في ذلك جرمًا؛ فاستعد للدخول؛ فقد أحكمت الأمر على دفع العسكر وقطع الجسور؛ وأرجو ألا يختلف عليك في ذلك اثنان إن شاء الله.
قال: وكتب إليه هرثمة: أنا عارف ببركة رأيك، ويمن مشورتك، فمر بما
стр. 5240
أحببت؛ فلن أخالفك؛ قال: فكتب طاهر بذلك إلى خزيمة.
وقد ذكر أن طاهرًا لما كاتب خزيمة كتب أيضًا إلى محمد بن علي بن عيسى بن ماهان بمثل ذلك. قيل: فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة وثب خزيمة بن خازم ومحمد بن علي بن عيسى على جسر دجلة فقطعاه، وركزا أعلامهما عليه، وخلعا محمدًا، ودعوا لعبد الله المأمون؛ وسكن أهل عسكر المهدي ولزموا منازلهم وأسواقهم في يومهم ذلك؛ ولم يدخل هرثمة حتى مضى إليه نفر يسير غيرهما من القواد، فحلفوا له أنه لا يرى منهم مكروهًا، فقبل ذلك منهم، فقال حسين الخليع في قطع خزيمة الجسر:
عَلَيْنَا جَمِيعًا من خُزَيمةَ مِنَّةٌ ... بها أَخمدَ الرحمنُ ثائرةَ الحرْبِ
تولَّى أُمورَ المسلمين بنفسهِ ... فذَبَّ وحامى عنهمُ أَشرفَ الذَّبِّ
ولولا أَبو العباس ما انفكَّ دَهرُنا ... يبيتُ على عتبٍ ويَغدُو على عَتْبِ
خزيمةُ لم ينكَرْ له مثلُ هَذِه ... إذا اضطَرَبَتْ شرْقُ البلاد مع الغرْب
أَناخَ بجِسْرَىْ دجلة القَطعَ والقنا ... شوارعُ والأَرواحُ في راحةِ الغضبِ
وَأمَّ المَنَايَا بالْمَنَايا مُخيلةً ... تَفجَّعُ عن خَطْبٍ وتضحكُ عن خطْبِ
فكانت كنارٍ مَا كَرَتهَا سَحَابَةٌ ... فأَطفأَت اللَّهْبَ المُلفَّف بَاللهْبِ
وما قتلُ نفسٍ فِي نفوسٍ كثيرةٍ ... إذا صارَت الدُّنيا إِلى الأَمن والخصب
بلاءُ أَبي العباسِ غيرُ مكفَّر ... إِذا فَزعَ الْكَرْبُ المقيمُ إلى الكربِ (١)
فذكر عن يحيى بن سلمة الكاتب أن طاهرًا غدا يوم الخميس على المدينة الشرقية وأرباضها، والكرخ وأسواقها، وهدم قنطرتي الصراة العتيقة والحديثة واشتد عندهما القتال، واشتد طاهر على أصحابه، وباشر القتال بنفسه، وقاتل من كان معه بدار الرقيق فهزمهم حتى ألحقهم بالكرخ، وقاتل طاهر بباب الكرخ وقصر الوضَّاح، فهزمهم أصحاب محمد ورُدُّوا على وجوههم، ومر طاهر لا يلوي على أحد حتى دخل قسرًا بالسيف. وأمر مناديه فنادى بالأمان لمن لزم منزله، ووضع بقصر الوضَّاح وسوق الكرخ والأطراف قوادًا وجندًا في كل موضع
стр. 5241
على قدر حاجته منهم؛ وقصد إلى مدينة أبي جعفر، فأحاط بها وبقصر زبيدة وقصر الخلد من لدن باب الجسر إلى باب خراسان وباب الشأم وباب الكوفة وباب البصرة وشاطئ الصراة إلى مصبها في دجلة بالخيول والعدة والسلاح، وثبت على قتال طاهر حاتم بن الصقر والهرش والأفارقة، فنصب المجانيق خلف السور على المدينة وبإزاء قصر زبيدة وقصر الخلد ورمى، وخرج محمد بأمه وولده إلى مدينة أبي جعفر، وتفرق عنه عامّة جنده وخصيانه وجواريه في السكك والطرق، لا يلوي منهم أحد على أحد، وتفرق الغوغاء والسفلة، وفي ذلك يقول عمرو الوراق (١):
يا طاهر الظَّهر الذي ... مثالهُ لم يُوجَدِ
يا سيّدَ بن السيدِ بـ ... ـن السَّيّد بنِ السيدِ
رجَعَتْ إِلى أَعمالها الأُ ... ولى غُزاةُ محمّد
منْ بينِ نَطَّافٍ وسوّ ... اطٍ وبَيْنَ مُقرِّدِ
وَمُجَرِّدٍ يأْوِى إِلى ... عَيَّارةٍ ومُجَرَّدِ
ومُقَيَّدٍ نَقَبَ السّجو ... ن فعادَ غيرَ مقيَّدِ
ومسوَّدِ بالنَّهب سا ... دَ وكان غيرَ مسوَّدِ
ذَلُّوا لعزِّك واستكا ... نوا بعدَ طُول تمرّدِ
وذكر عن علي بن يزيد. أنه قال: كنت يومًا عند عمرو الوراق أنا وجماعة، فجاء رجل، فحدثنا بوقعة طاهر بباب الكرخ وانهزام الناس عنه، فقال عمرو: ناولني قدحًا، وقال في ذلك:
خُذهَا فلِلخَمْرةِ أَسماءُ ... لها دواءٌ ولَهَا داءُ
يُصلِحها الماءُ إِذا صُفِّقتْ ... يومًا وَقَدْ يُفسِدُها الماءُ
وقائل كانت لهم وَقعَةٌ ... في يومِنا هذا وأَشياءُ
قلتُ له: أَنت امرؤ جاهلٌ ... فيكَ عن الخَيْرَاتِ إبطاءُ
اشْرَبْ ودَعْنَا مِن أَحاديثِهِمْ ... يَصْطَلِحُ النَّاس إِذا شاءوا
قال: ودخل علينا آخر، فقال: قاتل فلان الغزاة، وأقدم فلان، وانتهب فلان، قال: فقال أيضًا:
стр. 5242
أَيُّ دهْرٍ نحنُ فيهِ ... مَاتَ فِيهِ الكُبَراءُ
هذهِ السّفْلَةُ والغَوْ ... غاءُ فينا أُمناءُ
ما لنا شيءٌ من الأَشـ ... ـياء إلَّا ما يشاءُ
ضجَّت الأَرض وقد ضجَّت ... إلى الله السَّماءُ
رُفع الدِّينُ وقد ها ... نت على الله الدِّماءُ
يا أبا مُوسى لك الخيـ ... راتُ قَدْ حَانَ اللِّقَاءُ
هاكَها صرْفًا عُقارًا ... قد أتاك النُّدماء
وقال أيضًا عمرو الوراق في ذلك:
إذا ما شِئتَ أن تُغْضِـ ... ـبَ جنديًّا وتستامرْ
فقل: يا معشر الأَجنا ... دِ قد جاءَكُمُ طاهِرْ
* * *
قال وتحصن محمد بالمدينة هو ومن يقاتل معه، وحصره طاهر وأخذ عليه الأبواب، ومنع منه ومن أهل المدينة الدقيق والماء وغيرهما.
فذكر عن الحسين بن أبي سعيد أن طارقًا الخادم - وكان من خاصة محمد، وكان المأمون بعد مقدمه أخبره أن محمدًا سأله يومًا من الأيام وهو محصور، أو قال في آخر يوم من أيامه، أن يطعمه شيئًا - قال: فدخلت المطبخ فلم أجد شيئًا، فجئت إلى جمرة العطارة - وكانت جارية الجوهر - فقلت لها: إن أمير المؤمنين جائع، فهل عندك شيء، فإني لم أجد في المطبخ شيئًا؟ فقالت لجارية لها يقال لها بنان: أي شيء عندك؟ فجاءت بدجاجة ورغيف، فأتيته بهما فأكل، وطلب ماء يشربه فلم يوجد في خزانة الشراب، فأمسى وقد كان عزم على لقاء هرثمة؛ فما شرب ماء حتى أتى عليه.
وذكر عن محمد بن راشد أن إبراهيم بن المهديّ أخبره أنه كان نازلًا مع محمد المخلوع في مدينة المنصور في قصره بباب الذهب، لما حصره طاهر. قال: فخرج ذات ليلة من القصر يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه، فصار إلى قصر القرار - في قرن الصراة، أسفل من قصر الخلد - في جوف الليل، ثم أرسل إليَّ فصرت إليه، فقال: يا إبراهيم، أما ترى طيب هذه الليلة، وحسن القمر في
стр. 5243
السماء، وضوءه في الماء! ونحن حينئذ في شاطئ دجلة، فهل لك في الشرب! فقلت: شأنك، جعلني الله فداك! فدعا برطل نبيذ فشربه، ثم أمر فسقيت مثله. قال: فابتدأت أغنية من غير أن يسألني؛ لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كنت أعلم أنه يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك؛ فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها ضعف، فتطيرت من اسمها؛ ونحن في تلك الحال التي هو عليها، فلما صارت بين يديه، قال: تغني، فغنت بشعر النابغة الجعدي:
كُليبٌ لَعمري كان أكثرَ ناصرا ... وأَيسر ذَنبًا منك ضرّجَ بالدَّم
قال: فاشتد ما غنت به عليه، وتطيَّر منه، وقال لها: غني غير هذا، فتغنت:
أَبكى فِراقهُمُ عَيْني وأَرَّقها ... إنَّ التفرُّقَ للأَحباب بَكَّاءُ
ما زالَ يَعْدُو عليهمْ ريبُ دهرهمُ ... حتى تَفَانَوْا وريْبُ الدَّهرِ عَدَّاءُ
فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين من الغناء شيئًا غير هذا! قالت: يا سيدي، ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه؛ وما أردت ما تكرهه؛ وما هو إلا شيء جاءني. ثم أخذت في غناء آخر:
أَما وَرَبِّ السُّكُون والحَرَكِ ... إنَّ المنايا كثيرةُ الشّرَكِ
ما اختلفَ الليلُ والنَّهَار ولا ... دارت نُجوم السّماء في الفَلكِ
إلا لنقل النَّعيم من مَلِك ... عانٍ بحُبِّ الدُّنيا إلى مَلِكِ
ومُلْكُ ذي العرشِ دائم أَبدًا ... ليس بفانٍ ولا بمشتَركِ
فقال لها: قومي غضب الله عليك! قال: فقامت وكان له قدح بلور حسن الصنعة، وكان محمد يسمية زبّ رُباح، وكان موضوعًا بين يديه فقامت الجارية منصرفة فتعثرت بالقدح فكسرته - قال إبراهيم: والعجب أنا لم نجلس مع هذه الجارية قط إلا رأينا ما نكره في مجلسنا ذلك - فقال لي: ويحك يا إبراهيم! ما ترى ما جاءت به هذه الجارية؛ ثم ما كان من أمر القدح! والله ما أظن أمري إلا وقد قرب، فقلت: يطيل الله عمرك، ويعز ملكك ويديم لك، ويكبت عدوك. فما استتم الكلام حتى سمعنا صوتًا من دجلة (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان) فقال: يا إبراهيم، أما سمعت ما سمعت! قلت: لا والله ما سمعت شيئًا - وقد كنت سمعت - قال: تسمع حسًا! قال: فدنوت من الشط فلم أر شيئًا، ثم عاودنا
стр. 5244
الحديث، فعاد الصوت: (قضى الأمر الذي فيه تستفتيان)، فوثب من مجلسه ذلك مغتمًا، ثم ركب فرجع إلى موضعه بالمدينة، فما كان بعد هذا إلا ليلة أو ليلتان حتى حدث ما حدث من قتله، وذلك يوم الأحد لست - أو لأربع - خلون من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة (١).
وذكر عن أبي الحسن المدائني؛ قال: لما كان ليلة الجمعة لسبع بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، دخل محمد بن هارون مدينة السلام هاربًا من القصر الذي كان يقال له الخلد، مما كان يصل إليه من حجارة المنجنيق وأمر بمجالسه وبسطه أن تحرق فأحرقت، ثم صار إلى المدينة؛ وذلك لأربع عشرة شهرًا، منذ ثارت الحرب مع طاهر إلا اثني عشر يومًا.
* * *
[ذكر الخبر عن قتل الأمين]
وفي هذه السنة قتل محمد بن هارون (٢).
ذكر الخبر عن مقتله:
ذكر عن محمد بن عيسى الجلودي أنه قال: لما صار محمد إلى المدينة، وقرَّ فيها، وعلم قواده أنه ليس لهم ولا له فيها عدة للحصار، وخافوا أن يظفر بهم؛ دخل على محمد حاتم بن الصقر ومحمد بن إبراهيم بن الأغلب الإفريقي وقواده، فقالوا: قد آلت حالك وحالنا إلى ما ترى؛ وقد رأينا رأيًا نعرضه عليك؛ فانظر فيه
стр. 5245
واعتزم عليه؛ فإنا نرجو أن يكون صوابًا، ويجعل الله فيه الخيرة إن شاء الله. قال: ما هو؟ قالوا: قد تفرق عنك الناس، وأحاط بك عدوك من كل جانب، وقد بقي من خيلك معك ألف فرس من خيارها وجيادها؛ فنرى أن نختار من قد عرفناه بمحبتك من الأبناء سبعمائة رجل، فنحملهم على هذه الخيل ونخرج ليلًا على باب من هذه الأبواب فإن الليل لأهله، ولن يثبت لنا أحد إن شاء الله؛ فنخرج حتى نلحق بالجزيرة والشأم فتفرض الفروض، وتجبى الخراج، وتصير في مملكة واسعة، وملك جديد، فيسارع إليك الناس، وينقطع عن طلبك الجنود، وإلى ذلك ما قد أحدث الله في مَكَر الليل والنهار أمورًا. فقال لهم: نعم ما رأيتم، واعتزم على ذلك.
وخرج الخبر إلى طاهر؛ فكتب إلى سليمان بن أبي جعفر، وإلى محمد بن عيسى بن نهيك وإلى السنديّ بن شاهك: والله لئن لم تقروه وتردوه عن هذا الرأي لا تركت لكم ضيعة إلا قبضتها، ولا تكون لي همة إلا أنفسكم. فدخلوا على محمد، فقالوا: قد بلغنا الذي عزمت عليه، فنحن نذكرك الله في نفسك! إن هؤلاء صعاليك، وقد بلغ الأمر إلى ما ترى من الحصار، وضاق عليهم المذهب، وهم يرون ألا أمان لهم على أنفسهم وأموالهم عند أخيك وعند طاهر وهرثمة لما قد انتشر عنهم من مباشرة الحرب والجد فيها؛ ولسنا نأمن إذا برزوا بك، وحصلت في أيديهم أن يأخذوك أسيرًا، ويأخذوا رأسك فيتقربوا بك، ويجعلوك سبب أمانهم؛ وضربوا له فيه الأمثال.
قال محمد بن عيسى الجلودي: وكان أبي وأصحابه قعودًا في رواق البيت الذي محمد وسليمان وأصحابه فيه. قال: فلما سمعوا كلامهم، ورأوا أنه قد قبله مخافة أن يكون الأمر على ما قالوا له، هموا أن يدخلوا عليهم فيقتلوا سليمان وأصحابه؛ ثم بدا لهم وقالوا: حرب من داخل، وحرب من خارج. فكفوا وأمسكوا.
قال محمد بن عيسى: فلما نكت ذلك في قلب محمد، ووقع في نفسه ما وقع منه، أضرب عما كان عزم عليه، ورجع إلى قبول ما كانوا بذلوا له من الأمان والخروج؛ فأجاب سليمان والسندي ومحمد بن عيسى إلى ما سألوه من ذلك، فقالوا؛ إنما غايتك اليوم السلامة واللهو، وأخوك يتركك حيث أحببت، ويفردك
стр. 5246
في موضع، ويجعل لك كل ما يصلحك وكل ما تحب وتهوى؛ وليس عليك منه بأس ولا مكروه. فركن إلى ذلك، وأجابهم إلى الخروج إلى هرثمة.
قال محمد بن عيسى: وكان أبي وأصحابه يكرهون الخروج إلى هرثمة: لأنهم كانوا من أصحابه، وقد عرفوا مذاهبه، وخافوا أن يجفوهم ولا يخصهم، ولا يجعل لهم مراتب، فدخلوا على محمد فقالوا له: إذ أبيت أن تقبل منا ما أشرنا عليك - وهو الصواب - وقبلت من هؤلاء المداهنين، فالخروج إلى طاهر خير لك من الخروج إلى هرثمة. قال محمد بن عيسى: فقال لهم: ويحكم! أنا أكره طاهرًا؛ وذلك أني رأيت في منامي كأني قائم على حائط من آجر شاهق في السماء، عريض الأساس وثيق، لم أر حائطًا يشبهه في الطول والعرض والوثاقة، وعليَّ سوادي ومنطقتي وسيفي وقلنسوتي وخفي؛ وكان طاهر في أصل ذلك الحائط، فما زال يضرب أصله حتى سقط الحائط وسقطت، وندرت قلنسوتي من رأسي، وأنا أتطير من طاهر، وأستوحش منه، وأكره الخروج إليه لذلك؛ وهرثمة مولانا وبمنزلة الوالد، وأنا به أشد أنسًا وأشد ثقة.
وذكر عن محمد بن إسماعيل، عن حفص بن أرميائيل، أن محمدًا لما أراد أن يعبر من الدار بالقرار إلى منزل كان في بستان موسى - وكان له جسر في ذلك الموضع - أمر أن يفرش في ذلك المجلس ويطيَّب. قال: فمكثت ليلتي أنا وأعواني نتخذ الروائح والطيب ونكثب التفاح والرمان والأترج، ونضعه في البيوت؛ فسهرت ليلتي أنا وأعواني؛ ولما صليت الصبح دفعت إلي عجوز قطعة بخور من عنبر، فيها مائة مثقال كالبطيخة، وقلت لها: إني سهرت ونعست نعاسًا شديدًا؛ ولا بد لي من نومة، فإذا نظرت إلى أمير المؤمنين قد أقبل على الجسر، فضعي هذا العنبر على الكانون. وأعطيتها كانونًا من فضة صغيرًا عليه جمر، وأمرتها أن تنفخ حتى تحرقها كلها، ودخلت حراقة فنمت، فما شعرت إلا وبالعجوز قد جاءت فزعة حتى أيقظتني، فقالت لي: قم يا حفص؛ فقد وقعت في بلاء، قلت: وما هو؟ قالت: نظرت إلى رجل مقبل على الجسر منفرد، شبيه الجسم بجسم أمير المؤمنين، وبين يديه جماعة وخلفه جماعة؛ فلم أشك أنه هو؛ فأحرقت العنبرة، فلما جاء، فإذا هو عبد الله بن موسى، وهذا أمير المؤمنين قد
стр. 5247
أقبل. قال: فشتمتها وعنفتها. قال: وأعطيتها أخرى مثل تلك لتحرقها بين يديه، ففعلت؛ وكان هذا من أوائل الإدبار.
وذكر علي بن يزيد، قال: لما طال الحصار على محمد، فارقه سليمان بن أبي جعفر وإبراهيم بن المهدي ومحمد بن عيسى بن نهيك، ولحقوا جميعًا بعسكر المهدي، ومكث محمد محصورًا في المدينة يوم الخميس ويوم الجمعة والسبت. وناظر محمد أصحابه ومن بقى معه في طلب الأمان؛ وسألهم عن الجهة في النجاة من طاهر؛ فقال له السندي: والله يا سيدي؛ لئن ظفر بنا المأمون لعلى رغم منا وتعس جدودنا؛ وما أرى فرجًا إلا هرثمة. قال له: وكيف بهرثمة؛ وقد أحاط الموت بي من كل جانب! وأشار عليه آخرون بالخروج إلى طاهر وقالوا: لو حلفت له بما يتوثق به منك أنك مفوِّض إليه ملكك؛ فلعله كان سيركن إليك. فقال لهم: أخطأتم وجه الرأي، وأخطأت في مشاورتكم؛ هل كان عبد الله أخي لو جهد نفسه وولى الأمور برأيه بالغًا عشر ما بلغه له طاهر! وقد محصته وبحثت عن رأيه، فما رأيته يميل إلى غدر به؛ ولا طمع فيما سواه؛ ولو أجاب إلى طاعتي، وانصرف إليَّ ثم ناصبني أهل الأرض ما اهتممت بأمر؛ ولوددت أنه أجاب إلى ذلك، فمنحته خزائني وفوضت إليه أمري، ورضيت أن أعيش في كنفه؛ ولكني لا أطمع في ذلك منه. فقال له السندي: صدقت يا أمير المؤمنين؛ فبادر بنا إلى هرثمة؛ فإنه يرى ألا سبيل عليك إذا خرجت إليه من الملك؛ وقد ضمن إليَّ أنه مقاتل دونك إن همَّ عبد الله بقتلك؛ فاخرج ليلًا في ساعة قد نوِّم الناس فيها؛ فإني أرجو أن يغبى على الناس أمرنا.
وقال أبو الحسن المدائني: لما همّ محمد بالخروج إلى هرثمة، وأجابه إلى ما أراد، اشتد ذلك على طاهر، وأبى أن يرفه عنه ويدعه يخرج، وقال: هو في حيزي والجانب الذي أنا فيه، وأنا أخرجته بالحصار والحرب؛ حتى صار إلى طلب الأمان؛ ولا أرضى أن يخرج إلى هرثمة دوني؛ فيكون الفتح له.
ولما رأى هرثمة والقوّاد ذلك، اجتمعوا في منزل خزيمة بن خازم؛ فصار إليهم طاهر وخاصة قواده، وحضرهم سليمان بن المنصور ومحمد بن عيسى بن نهيك والسندي بن شاهك، وأداروا الرأي بيثهم، ودبروا الأمر، وأخبروا طاهرًا أنه لا يخرج إليه أبدًا، وأنه إن لم يجب إلى ما سأل لم يؤمن أن يكون الأمر في
стр. 5248
أمره مثله في أيام الحسين بن علي بن عيسى بن ماهان؛ فقالوا له: يخرج ببدنه إلى هرثمة - إذ كان يأمن به ويثق بناحيته، وكان مستوحشًا منك، ويدفع إليك الخاتم والقضيب والبردة - وذلك الخلافة - ولا تفسد هذا الأمر واغتنمه إذ يسره الله. فأجاب إلى ذلك ورضي به. ثم قيل: إن الهرش لما علم بالخبر، أراد التقرب إلى طاهر، فخبره أن الذي جرى بينهم وبينه مكر، وأن الخاتم والبردة والقضيب تحمل مع محمد إلى هرثمة. فقبل طاهر ذلك منه، وظن أنه كما كتب به إليه، فاغتاظ وكمن حول قصر أم جعفر وقصور الخلد كمناء بالسلاح ومعهم العتل والفؤوس، وذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة، وفي الشهر السرياني خمسة وعشرون من أيلول.
فذكر الحسن بن أبي سعيد، قال: أخبرني طارق الخادم، قال: لما هم محمد بالخروج إلى هرثمة عطش قبل خروجه، فطلبت له في خزانة شرابه ماء فلم أجده. قال: وأمسى فبادر يريد هرثمة للوعد الذي كان بينه وبينه؛ ولبس ثياب الخلافة؛ دراعة وطيلسانًا والقلنسوة الطويلة، وبين يديه شمعة فلما انتهينا إلى دار الحرس من باب البصرة، قال: اسقني من جباب الحرس، فناولته كوزًا من ماء، فعافه لزهوكته فلم يشرب منه؛ وصار إلى هرثمة. فوثب به طاهر، وأكمن له نفسه في الخلد؛ فلما صار إلى الحراقة؛ خرج طاهر وأصحابه فرموا الحراقة بالسهام والحجارة، فمالوا ناحية الماء، وانكفأت الحراقة؛ فغرق محمد وهرثمة ومن كان فيها، فسبح محمد حتى عبر وصار إلى بستان موسى، وظن أن غرقه إنما كان حيلة من هرثمة، فعبر دجلة حتى صار إلى قرب الصراة، وكان على المسلحة إبراهيم بن جعفر البلخي ومحمد بن حميد هو ابن أخي شكلة أم إبراهيم بن المهدي - وكان طاهر ولاه وكان إذا ولى رجلًا من أصحابه خراسانيًا ضم إليه قومًا - فعرفه محمد بن حميد وهو المعروف بالطاهري؛ وكان طاهر يقدمه في الولايات، فصاح بأصحابه فنزلوا، فأخذوا، فبادر محمدًا لمًّا، فأخذ بساقيه فجذبه، وحمل على برذون، وألقى عليه إزار من أزر الجند غير مفتول، وصار به إلى منزل إبراهيم بن جعفر البلخي، وكان ينزل بباب الكوفة، وأردف رجلًا خلفه يمسكه لئلا يسقط، كما يفعل بالأسير.
فذكر عن الحسن بن أبي سعيد، أن خطَّاب بن زياد حدثه أن محمدًا وهرثمة
стр. 5249
لما غرقا، بادر طاهر إلى بستان مؤنسة، بإزاء باب الأنبار، موضع معسكره لئلا يتهم بغرق هرثمة. قال: فلما انتهى طاهر - ونحن معه في الموكب والحسن بن علي المأموني والحسن الكبير الخادم للرشيد - إلى باب الشأم، لحقنا محمد بن حميد، فترجل ودنا من طاهر، فأخبره أنه قد أسر محمدًا، ووجه به إلى باب الكوفة إلى منزل إبراهيم البلخي. قال: فالتفت إلينا طاهر، فأخبرنا الخبر، وقال: ما تقولون؟ فقال له المأموني: (مكن)، أي لا تفعل فعل حسين بن علي. قال: فدعا طاهر بمولى له يقال له قريش الدنداني، فأمره بقتل محمد. قال: واتبعه طاهر يريد باب الكوفة إلى الموضع.
وأما المدائني فإنه ذكر عن محمد بن عيسى الجُلودي، قال: لما تهيأ للخروج - وكان بعد عشاء الآخرة من ليلة الأحد - خرج إلى صحن القصر، فقعد على كرسي، وعليه ثياب بيض وطيلسان أسود، فدخلنا عليه، فقمنا بين يديه بالأعمدة قال: فجاء كتلة الخادم، فقال: يا سيدي، أبو حاتم يقرئك السلام، ويقول: يا سيدي وافيت للميعاد لحملك، ولكني أرى ألا تخرج الليلة، فإني رأيت في دجلة على الشط أمرًا قد رابني، وأخاف أن أغلب فتؤخد من يدي أو تذهب نفسك، ولكن أقِم بمكانك حتى أرجع تم استعد ثم آتيك القابلة فأخرجك؛ فإن حوربت حاربت دونك ومعي عدتي. قال: فقال له محمد: ارجع إليه، فقل له: لا تبرح؛ فإني خارج إليك الساعة لا محالة، ولست أقيم إلى غد. قال: وقلق وقال: قد تفرق عني الناس ومن على بابي من الموالي والحرس، ولا آمن إن أصبحت وانتهى الخبر بتفريقهم إلى طاهر أن يدخل علي فيأخدني ودعا بفرس له أدهم محذوف أغر محجل كان يسميه الزهري ثم دعا بابنيه فضمهما إليه، وشمهما وقبلهما، وقال: أستودعكما الله؛ ودمعت عيناه، وجعل يمسح دموعه بكمِّه، ثم قام فوثب على الفرس، وخرجنا بين يديه إلى باب القصر؛ حتى ركبنا دوابنا؛ وبين يديه شمعة واحدة. فلما صرنا إلى الطاقات ممايلي باب خراسان، قال لي أبي: يا محمد، أبسط يدك عليه؛ فإني أخاف أن يضربه إنسان بالسيف؛ فإن ضرب كان الضرب بك دونه. قال: فألقيت عنان فرسي بين معرفته، وبسطت يدي عليه حتى انتهينا إلى باب خراسان، فأمرنا به ففتح، ثم خرجنا إلى المشرعة، فإذا حراقة هرثمة، فرقى إليها، فجعل الفرس يتلكأ وينفر، وضربه بالسوط وحمله
стр. 5250
عليها، حتى ركبها في دجلة، فنزل في الحراقة، وأخذنا الفرس، ورجعنا إلى المدينة، فدخلناها وأمرنا بالباب فأغلق، وسمعنا الواعية، فصعدنا على القبة التي على الباب؛ فوقفنا فيها نسمع الصوت.
فذكر عن أحمد بن سلام صاحب المظالم أنه قال: كنت فيمن ركب مع هرثمة من القواد في الحراقة، فلما نزلها محمد قمنا على أرجلنا إعظامًا وجثى هرثمة على ركبتيه، وقال له: يا سيدي، ما أقدر على القيام لمكان النِّقرس الذي بي، ثم احتضنه وصيره في حجره، ثم جعل يقبل يديه ورجليه وعينيه، ويقول: يا سيدي ومولاي وابن سيدي ومولاي. قال: وجعل يتصفح وجوهنا، قال: ونظر إلى عبيد الله بن الوضاح، فقال له: أيهم أنت؟ قال أنا عبيد الله بن الوضاح، قال: نعم فجزاك الله خيرًا، فما أشكرني لما كان منك من أمر الثلج! ولو قد لقيت أخي أبقاه الله لم أدع أن أشكرك عنده، وسألته مكافأتك عني. قال: فبينا نحن كذلك - وقد أمر هرثمة بالحراقة أن تدفع - إذ شد علينا أصحاب طاهر في الزواريق والشذوات وعطعطوا وتعلقوا بالسكان، فبعض يقطع السكان، وبعض ينقب الحراقة، وبعض يرمي بالآجر والنشاب. قال: فنقبت الحراقة، فدخلها الماء فغرقت، وسقط هرثمة إلى الماء، فأخرجه ملاح؛ وخرج كل واحد منا على حيله؛ ورأيت محمدًا حين صار إلى تلك الحال قد شق عليه ثيابه، ورمى بنفسه إلى الماء. قال: فخرجت إلى الشط: فعلقني رجل من أصحاب طاهر؛ فمضى بي إلى رجل قاعد على كرسي من حديد على شط دجلة في ظهر قصر أم جعفر، بين يديه نار توقد، فقال بالفارسية: هذا رجل خرج من الماء ممن غرق من أهل الحراقة، فقال لي: من أنت؟ قلت: من أصحاب هرثمة؛ أنا أحمد بن سلام صاحب شرطة مولى أمير المؤمنين، قال: كذبت فاصدقني، قال: قلت. قد صدقتك، قال: فما فعل المخلوع قلت: قد رأيته حين شق عليه ثيابه، وقذف بنفسه في الماء قال: قدموا دابتي؛ فقدموا دابته، فركب وأمر بي أن أجنب. قال: فجعل في عنقي حبل وجنبت؛ وأخذ في درب الرشدية، فلما انتهى إلى مسجد أسد بن المرزبان، انبهرت من العدو فلم أقدر أن أعدو، فقال الذي يجنبني: قد قام هذا الرجل؛ وليس يعدو، قال: انزل فحزَّ رأسه، فقلت له: جعلت فداك! لم تقتلني وأنا رجل علي من الله نعمة، ولم أقدر على العدو، وأنا أفدي نفسي بعشرة آلاف
стр. 5251
درهم. قال: فلما سمع ذكر العشرة آلاف درهم، قلت: تحبسني عندك حتى تصبح وتدفع إلي رسولًا حتى أرسله إلى وكيلي في منزلي في عسكر المهدي، فإن لم يأتك بالعشرة آلاف فاضرب عنقي. قال: قد أنصفت، فأمر بحملي، فحملت ردفا لبعض أصحابه، فمضى بي إلى دار صاحبه، دار أبي صالح الكاتب؛ فأدخلني الدار، وأمر غلمانه أن يحتفظوا بي، وتقدم إليهم، وأوعز وتفهم مني خبر محمد ووقوعه في الماء، ومضى إلى طاهر ليخبره خبره؛ فإذا هو إبراهيم البلخي. قال: فصيرني غلمانه في بيت من بيوت الدار فيه بوار ووسادتان أو ثلاث - وفي رواية حصر مدرَّجة - قال: فقعدت في البيت وصيروا فيه سراجًا، وتوثقوا من باب الدار، وقعدوا يتحدثون. قال: فلما ذهب من الليل ساعة؛ إذا نحن بحركة الخيل فدقوا الباب؟ ، ففتح لهم، فدخلوا وهم يقولون: (يسر زبيدة) قال: فأدخل علي رجل عريان عليه سراويل وعمامة متلثم بها، وعلى كتفيه خرقة خلقة، فصيروه معي، وتقدموا إلى من في الدار في حفظه، وخلفوا معهم قومًا آخرين أيضًا منهم.
قال: فلما استقر في البيت حسر العمامة على وجهه؛ فإذا هو محمد، فاستعبرت واسترجعت فيما بيني وبين نفسي، قال: وجعل ينظر إلي، ثم قال: أيهم أنت؟ قال: قلت: أنا مولاك يا سيدي، قال: وأي الموالي؟ قلت: أحمد بن سلام صاحب المظالم، فقال: وأعرفك بغير هذا، كنت تأتيني بالرقة؟ قال: قلت: نعم، قال: كنت تأتيني وتلطفني كثيرًا، لست مولاي بل أنت أخي ومني. ثم قال: يا أحمد، قلت: لبيك يا سيدي، قال: ادن مني وضمني إليك، فإني أجد وحشة شديدة. قال: فضممته إليَّ، فإذا قلبه يخفق خفقا شديدًا كاد أن يفرج عن صدره فيخرج. قال: فلم أزل أضمه إلي وأسكنه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما فعل أخي؟ قال: قلت: هو حي، قال: قبح الله صاحب بريدهم ما أكذبه! كان يقول: قد مات، شبه المعتذر من محاربته، قال: قلت: بل قبح الله وزراءك! قال: لا تقل لوزرائي إلا خيرًا، فما لهم ذنب؛ ولست بأول من طلب أمرًا فلم يقدر عليه. قال: ثم قال: يا أحمد، ما تراهم يصنعون بي؟ أتراهم يقتلون أو يفون لي بأيمانهم؟ قال: قلت: بل يفون لك يا سيدي. قال: وجعل يضم على نفسه الخرقة التي على كتفيه، ويضمها ويمسكها بعضده يمنة ويسرة. قال: فنزعت مبطنة كانت علي ثم قلت: يا سيدي، ألق هذه عليك. قال: ويحكَ دعني، هذا من الله لي في هذا الموضع خير.
стр. 5252
قال فبينا نحن كذلك، إذ دق باب الدار، ففتح، فدخل علينا رجل عليه سلاحه، فتطلع في وجهه مستثبتًا له، فلما أثبته معرفة، انصرف وغلق الباب؛ وإذا هو محمد بن حميد الطاهري، قال: فعلمت أن الرجل مقتول قال: وكان بقي علي من صلاتي الوتر، فخفت أن أقتل معه ولم أوتر، قال فقمت أوتر، فقال لي: يا أحمد لا تتباعد مني، وصل إلى جانبي، أجد وحشة شديدة. قال: فاقتربت منه؛ فلما انتصف الليل أو قارب، سمعت حركة الخيل. ودق الباب، ففتح فدخل الدار قوم من العجم بأيديهم السيوف مسللة، فلما رآهم قام قائمًا، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون! ذهبت والله نفسي في سبيل الله! أما من حيلة! أما من مغيث! أما من أحد من الأبناء قال: وجاءوا حتى قاموا على باب البيت الذي نحن فيه، فأحجموا عن الدخول، وجعل بعضهم يقول لبعض: تقدم، ويدفع بعضهم بعضًا. قال: فقمت فصرت خلف الحصر المدرجة في زاوية البيت، وقام محمد، فأخذ بيده وسادة وجعل يقول: ويحكم! إني ابن عم رسول الله ﷺ ، أنا ابن هارون؛ وأنا أخو المأمون، الله الله في دمي! قال: فدخل عليه رجل منهم يقال له خمارويه - غلام لقريش الدنداني مولى طاهر - فضربه بالسيف ضربة وقعت على مقدم رأسه؛ وضرب محمد وجهه بالوسادة التي كانت في يده، واتكأ عليه ليأخذ السيف من يده فصاح خمارويه: قتلني قتلني بالفارسية قال: فدخل منهم جماعة؛ فنخسه واحد منهم بالسيف في خاصرته، وركبوه فذبحوه ذبحًا من قفاه، وأخذوا رأسه فمضوا به إلى طاهر، وتركوا جثته. قال: ولما كان في وقت السحر جاءوا إلى جثته فأدرجوها في جل، وحملوها قال: فأصبحت فقيل لي: هات العشرة آلاف درهم وإلا ضربنا عنقك. قال: فبعثت إلى وكيلي فأتاني، فأمرته فأتاني بها، فدفعتها إليه. قال: وكان دخول محمد المدينة يوم الخميس وخرج إلى دجلة يوم الأحد.
وذكر عن أحمد بن سلام في هذه القصة أنه قال: قلت لمحمد لما دخل على البيت وسكن: لا جزى الله وزراءك خيرًا، فإنهم أوردوك هذا المورد! فقال لي: يا أخي؛ ليس بموضع عتاب. ثم قال: أخبرني عن المأمون أخي، أحيٌ هو؟ قلت: نعم؛ هذا القتال عمن إذًا هو إلا عنه! قال: فقال لي: أخبرني يحيى أخو عامر بن إسماعيل بن عامر - وكان يلي الخبر في عسكر هرتمة - أن المأمون مات،
стр. 5253
فقلت له كذب. قال: ثم قلت له: هذا الإزار الذي عليك إزار غليظ فالبس إزاري وقميصي هذا فإنه لين، فقال لي: من كانت حاله مثل حالي فهذا له كثير. قال: فلقنته ذكر الله والاستغفار، فجعل يستغفر. قال: وبينا نحن كذلك، إذ هدة تكاد الأرض ترجف منها، وإذا أصحاب طاهر قد دخلو الدار وأرادوا البيت، وكان في الباب ضيق فدافعهم محمد بمجنة كانت معه في البيت؛ فما وصلوا إليه حتى عرقبوه، ثم هجموا عليه، فحزوا رأسه. واستقبلوا به طاهرًا، وحملوا جثته إلى بستان مؤنسة إلى معسكره؛ إذ أقبل عبد السلام بن العلاء صاحب حرس هرثمة فأذن له - وكان عبر إليه على الجسر الذي كان بالشماسية - فقال له: أخوك يقرئك السلام، فما خبرك؟ قال: يا غلام؛ هات الطس، فجاءوا به وفيه رأس محمد، فقال: هذا خبري فاعلمه. فلما أصبح نصب رأس محمد على باب الأنبار، وخرج من أهل بغداد للنظر إليه ما لا يحصى عددهم، وأقبل طاهر يقول: رأس المخلوع محمد.
وذكر محمد بن عيسى أنه رأى المخلوع على ثوبه قملة، فقال: ما هذا؟ فقالوا: شيء يكون في ثياب الناس، فقال: أعوذ بالله من زوال النعمة! فقتل من يومه (١).
وذكر عن الحسن بن أبي سعيد أن الجندين: جند طاهر وجند أهل بغداد، ندموا على قتل محمد لما كانوا يأخذون من الأموال.
وذكر عنه أنه ذكر أن الخزانة التي كان فيها رأس محمد ورأس عيسى بن ماهان ورأس أبي السرايا كانت إليه. قال: فنظرت في رأس محمد؛ فإذا فيه ضربة في وجهه، وشعر رأسه ولحيته صحيح لم يتحات منه شيء، ولونه على حاله. قال: وبعث طاهر برأس محمد إلى المأمون مع البردة والقضيب والمصلى - وهو من سعف مبطن - مع محمد بن الحسن بن مصعب ابن عمه، فأمر له بألف ألف درهم، فرأيت ذا الرياستين، وقد أدخل رأس محمد على ترس بيده إلى المأمون، فلما رآه سجد (١).
قال الحسن: فأخبرني ابن أبي حمزة، قال: حدثني علي بن حمزة العلوي، قال: قدم جماعة من آل أبي طالب على طاهر وهو بالبستان حين قتل محمد بن زبيدة ونحن بالحضرة، فوصلهم ووصلنا، وكتب إلى المأمون بالإذن لنا أو لبعضنا، فخرجنا إلى مرو، وانصرفنا إلى المدينة، فهنؤونا بالنعمة، ولقينا من بها من أهلها وسائر أهلها وسائر أهل المدينة، فوصفنا لهم قتل محمد، وأن طاهر بن الحسين دعا مولى يقال له قريش الدنداني، وأمره بقتله. قال: فقال لنا شيخ منهم: كيف قلت! فأخبرته، فقال الشيخ: سبحان الله! كنا نروي هذا أن قريشًا يقتله؛ فذهبنا إلى القبيلة فوافق الاسم الاسم (٢).
وذكر عن محمد بن أبي الوزير أن علي بن محمد بن خالد بن برمك أخبره أن إبراهيم بن المهدي لما بلغه قتل محمد، استرجع وبكى طويلًا ثم قال:
عُوجا بِمغْنَى طلل داثِرِ ... بالخُلْدِ ذاتِ الصَّخْرِ والآجُرِ
والمرمَر المسنونِ يُطلَى به ... والبابِ باب الذَّهبِ النَّاضرِ
عوجا بها فاستَيقِنا عندها ... على يقينٍ قُدْرَةَ القادرِ
وأَبلِغَا عنِّي مقالًا إلى الـ ... ـموْلى على المأْمورِ والآمرِ