منصور ومحمد غائب عن المجلس، وقد بلغه الخبر، فقال: يا بن الفاعلة، تخدع أمير المؤمنين، فتأخذ متاعه! والله لقد هممتُ أفعل وأفعل، فقلت: يا سيّدي، قد كان ذاك؛ وكان السبب فيه كذا وكذ، فإن أحببتَ أن تقتلني فتأثَم فشأنك، وإن تفضّلت فأهل لذلك أنت، ولستُ أعود. قال: فإني أتفضّل عليك. قال: وجاء محمد، فقال: افرشوا لنا على تلك البرْكة، ففرشوا له عليها، فجلس وجلسنا وهي مملوءة ماء، فقال: يا عمّ، اشتهيتُ أن أصنع شيئًا؛ أرمي بعبيد الله إلى البرْكة وتضحك منه. قال: يا سيّدي إن فعلتَ هذا قتلتَه لشدة برد الماء وبرد يومنا هذا، ولكني أدلك على شيء خيرتُ به، طيّب، قال: ما هو؟ قال: تأمر به يشُدّ في تخت، ويُطرح على باب المتوضأ، ولا يأتي بابَ المتوضّأ أحد إلا بال على رأسه. فقال: طيّب والله؛ ثم أتَى بتخت فأمر فشُددت فيه، ثم أمر فحمِلت وألقِيتُ على باب المتوضأ، وجاء الخدم فأرخوا الرِّباط عني، وأقبلوا يرونه أنهم يبولون عليّ وأنا أصرخ، فمكث بذلك ما شاء الله وهو يضحك. ثم أمر بي فحُلِلتُ ورأيته أني تنظّفت وأبدلت ثيابي وجاوزت عليه (١).
وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربجع عن أبيه - وكان حاجبَ المخلوع - قال: كنتُ قائمًا على رأسه، فأتَى بغدَاء فتغدّى وحده، وأكل أكلًا عجيبًا، وكان يومًا يعدّ للخلفاء قبله على هيئة ما كان يُهيَّأ لكلّ واحد منهم يأكل من كلّ طعام، ثم يؤتَى بطعامه. قال: فأكل حتى فرغ ثم رفع رأسه إلى أبي العنبر - خادم كان لأمه - فقال: ادْهب إلى المطبخ، فقل لهم يهيئون لي بزْماورْد، ويتركونه طوالًا لا يقطّعونه، ويكون حشوه شحوم الدّجاج والسمن والبَقْل والبيض والجبن والزيتون والجوز، ويكثرون منه ويعجلونه؛ فما مكت إلا يسيرًا حتى جاءوا به في خوان مربّع، وقد جعل عليه البزْماورد الطوال، على هيئة القبة العبدصمديّة، حتى صيّر أعلاها بزماوردة واحدة، فوُضع بين يديه، فتناول واحدةً فأكلها، ثم لم يزل كذلك حتى لم يُبقِ على الخوان شيئًا.
وذكر عن عليّ بن محمد أنّ جابر بن مصعب حدّثه، قال: حدثني مخارق، قال: مرّت بي ليلة ما مرّت بي مثلها قطّ، إني لفي منزلي بعد ليلٍ؛ إذ أتاني رسول
стр. 5287
محمد - وهو خليفة - فركض بي ركضًا، فانتهى بي إلى داره، فأدخِلت فإذا إبراهيم بن المهديّ قد أرسل إليه كما أرسل إليّ، فوافينا جميعًا، فانتهى إلى باب مُفضٍ إلى صحن، فإذا الصحن مملوء شمعًا من شمع محمد العظام، وكأنّ ذلك الصحن في نهار، وإذا محمد في كُرّج، وإذا الدار مملوءة وصائف وخدمًا، وإذا اللعّابون يلعبون، ومحمد وسطهم في الكرّج يرقص فيه، فجاءنا رسول يقول: قال لكما: قُوما في هذا الموضع على هذا الباب مما يلي الصحن، ثم ارفعا أصواتكما معبّرًا ومقصّرًا عن السورناي، واتبعاه في لحنه قال: وإذا السورناي والجواري واللعابون في شيء واحد:
هذي دنانير تنساني وأذكرها
تتبع الزَّمار. قال: فوالله ما زلتُ وإبراهيم قائمين نقولها، نشقّ بها حلوقنا حتى انفلق الصبح، ومحمد في الكرّج ما يسأمه ولا يملّه حتى أصبح يدنو منا، أحيانًا نراه، وأحيانًا يحول بيننا وبينه الجواري والخدم (١).
وذكر الحسين بن فراس مولى بني هاشم، قال: غزا الناس في زمان محمد على أن يردّ عليهم الخُمس، فرُدّ عليهم، فأصاب الرجل ستة دنانير، وكان ذلك مالًا عظيمًا.
* * *
وذى عن ابن الأعرابيّ، قال: كنت حاضر الفضل بن الربيع، وأتِيَ بالحسن بن هانئ، فقال: رُفع إلى أمير المؤمنين أنك زنديق، فجعل يبرأ من ذلك ويحلف، وجعل الفضل يكرّر عليه، وسأله أن يكلّم الخليفة فيه، ففعل وأطلقه، فخرج وهو يقول:
أَهلي أَتيتكُمُ منَ القبْرِ ... والناسُ محْتَبسون للحَشرِ
لولا أبو العباسِ ما نظرَتْ ... عيني إِلى ولدٍ ولا وفرِ
فالله أَلبسني بِه نعمًا ... شَغَلَتْ حسابَتها يدَيْ شكرِي
стр. 5288
لقِيتها من مُفهّمٍ فهمِ ... فمددتها بأَناملٍ عشْرِ
وذكر عن الرياسيّ أن أبا حبيب الموشيّ حدّثه، قال: كنت مع مؤنس بن عمران، ونحن نريد الفضل بن الربيع ببغداد، فقال لي مؤنس: لو دخلنا على أبي نواس! فدخلنا عليه السجن، فقال لمؤنس: يا أبا عمران، أين تريد؟ قال: أردت أبا العباس الفضل بن الربيع، قال: فتبلّغه رقعة أعطيكها؟ قال: نعم، قال: فأعطاه رقعة فيها:
ما من يدٍ في الناسِ واحدَةٍ ... إِلا أَبو العباسِ مولاها
نامَ الثقاتُ على مضاجعهِمْ ... وسرى إلى نفسي فأحيَاها
قد كنتُ خفتُكَ ثم أَمّنِني ... من أَن أخافكَ خوفُكَ الله
فَعفوتَ عنِّي عفوَ مُقتدِرٍ ... وجبَت له نقَمٌ فأَلغَاها
قال: فكانت هذه الأبيات سببَ خروجه من الحبس (١).
وذُكر عن محمد بن خلاد الشروِيّ، قال: حدثني أبي قال: سمع محمد شعر أبي نواس وقوله:
ألا سَقِّنِي خَمْرًا وقل لي هل الخَمْرُ
وقوله:
اسقنيها يا ذُفافهْ ... مُزَّة الطَّعْم سُلافهْ
ذَلَّ عندِي مَنْ قلاها ... لِرَجاءِ أَو مخافَهْ
مثلَ ما ذَلَّتْ وضاعَتْ ... بعد هارونَ الخِلافهْ
قال: ثم أنشد له:
فجاءَ بها زَيتِيَّةً ذَهَبيَّةً ... فلم تستطِع دُونَ السُّجُودِ لها صبرا
قال: فحبسه محمد على هذا، وقال: إيه! أنت كافر، وأنت زنديق. فكتب فِي ذلك إلى الفضل بن الربيع:
أَنت يا بنَ الرَّبيع علَّمتَني الخير ... وعوَّدتَنيهِ والخيَرُ عادَهْ
стр. 5289
فارعَوَى باطِلي وأَقصَرَ جَهْـ ... لي وأَظهرتُ رهبَةً وَزَهادَهْ
لو ترَاني شبَّهْتَ بي الحسَنَ البَصـ ... ريَّ في حالِ نُسْكِهِ وقتَادَهْ
برُكُوعٍ أَزينُهُ بسُجُودٍ ... واصفِرارٍ مثلِ اصفرار الجرادهْ
فادعُ بي لا عَدِمتَ تقوِيمَ مثلي ... فتأَمّل بعينكَ السَّجّاده
لو رآها بعْضُ المُرَائينَ يومًا ... لاشتَرَاها يُعِدُّها للشَّهادِهْ (١)
* * *
стр. 5290
خلافة المأمون عبد الله بن هارون
وفي هذه السنة وضعت الحرب - بين محمد وعبد الله ابني هارون الرّشيد - أوزارها، واستوسَق الناس بالمشرق والعراق والحجاز لعبد الله المأمون بالطاعة (١).
وفيها خرج الحسن الهِرْش في ذي الحجة منها يدعو إلى الرضيّ من آل محمد - بزعمه - في سفْلة الناس، وجماعة كثيرة من الأعراب، حتى أتى النّيل، فجبى الأموالَ، وأغار على التجّار، وانتهب القرى، واستاق المواشي.
وفيها ولّى المأمون كلّ ماكان طاهر بن الحسين افتتحه من كُور الجبال وفارس والأهواز والبَصْرة والكوفة والحجاز واليمن الحسنَ بن سهل أخا الفضل بن سهل؛ وذلك بعد مقتل محمد المخلوع ودخول الناس في طاعة المأمون.
وفيها كتب المأمون إلى طاهر بن الحسين، وهو مقيم ببغداد بتسليم جميع ما بيده من الأعمال في البلدان كلّها إلى خلفاء الحسن بن سهل، وأن يشخص عن ذلك كلّه إلى الرقّة، وجعل إليه حرب نصر بن شبت، وولّاه الموصل والجزيرة والشام والمغرب (٢).
وفيها قدم عليّ بن أبي سعيد العراق خليفةً للحسن بن سهل على خراجها، فدافع طاهر عليًّا بتسليم الخراج إليه؛ حتى وفَّى الجند أرزاقهم، فلما وفّاهم سلّم إليه العمل.
стр. 5291
وفيها كتب المأمون إلى هَرْثمة يأمره بالشُّخوص إلى خُراسان.
وحجّ بالناس في هذه السنة العباس بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ (١).
ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث المشهورة
فمن ذلك قدومُ الحسن بن سهل فيها بغدادَ من عند المأمون، وإليه الحرب والخراج، فلمّا قدمها فرّق عماله في الكُور والبلدان (٢).
وفيها شخص طاهر إلى الرّقة في جُمادى الأولى، ومعه عيسى بن محمد بن أبي خالد. وفيها شخص أيضًا هَرْثمة إلى خُراسان.
وفيها خرج أزهر بن زهير بن المسيب إلى الهِرْش، فقتله في المحرم.
وفيها خرج بالكوفة محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب يوم الخميس لعشر خلوْن من جُمادى الآخرة يدعو إلى الرضى من آل محمد والعمل بالكتاب والسنّة، وهو الذي يقال له ابن طباطبا، وكان القيّمَ بأمره في الحرب وتدبيرها وقيادة جيوشه أبو السرايا، واسمه السريّ بن منصور، وكان يذكر أنه من ولد هانى بن قبيصة بن هانئ بن مسعود بن عامر بن عمرو بن أبي ربيعة بن ذُهل بن شيبان (٣).
* * *
ذكر الخبر عن سبب خروج محمد بن إبراهيم بن طباطبا
اختُلف في ذلك، فقال بعضهم: كان سببُ خروجه صرف المأمون طاهر بن الحسين عمّا كان إليه من أعمال البلدان التي فتحها وتوجيهه إلى ذلك الحسن بن
стр. 5292
سهل؛ فلمّا فعل ذلك تحدّث الناس بالعراق بينهم أن الفَضْل بن سهل قد غلب على المأمون، وأنه قد أنزله قصرًا حجبه فيه عن أهل بيته ووجوه قوّاده من الخاصّة والعامة، وأنه يُبرم الأمور على هُواه، ويستبد بالرأي دونه، فغضب لذلك بالعراق مَنْ كان بها من بني هاشم وجوه الناس، وأنفوا من غلبَة الفضل بن سهل على المأمون، واجترؤوا على الحسن بن سهل بذلك، وهاجت الفتن في الأمصار؛ فكان أوّل مَنْ خرج بالكوفة ابن طباطبا الذي ذكرت.
وقيل كان سبب خروجه أن أبا السّرايا كان من رجال هَرْثمة، فمطله بأرزاقه وأخّره بها، فغضب أبو السرايا من ذلك، ومضى إلى الكوفة فبايع محمد بن إبراهيم وأخذ بالكوفة، واستوسق له أهلها بالطاعة، وأقام محمد بن إبراهيم بالكوفة، وأتاه الناس من نواحي الكوفة والأعراب وغيرهم (١).
ذكر الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيّب
وفيها وجّه الحسن بن سهل زُهير بن المسيّب في أصحابه إلى الكوفة - وكان عامل الكوفة يومئذ حين دخلها ابن طباطبا سليمان بن أبي جعفر المنصور من قبَل الحسن بن سهل، وكان خليفة سليمان بن أبي جعفر بها خالد بن محجّل الضبّيّ - فلما بلغ الخبر الحسن بن سهل عنّف سليمان وضعّفه، ووجّه زهير بن المسيّب في عشرة آلاف فارس وراجل؛ فلما توجّه إليهم وبلغهم خبرُ شخوصه إليهم تهيَّئوا للخروج إليه؛ فلم تكن لهم قوّة على الخروج، فأقاموا حتى إذا بلغ زهير قرية شاهى خرجوا فأقاموا حتى إذا بلغوا القنطرة أتاهم زُهير، فنزل عشية الثلاثاء صعْنبا، ثم واقعهم من الغد فهزموه واستباحوا عسكره، وأخذوا ما كان معه من مال وسلاح ودوابّ وغير ذلك يوم الأربعاء.
فلما كان من غد اليوم الذي كانت فيه الوقعة بين أهل الكوفة وزهير بن المسيّب - وذلك يوم الخميس لليلة خلت من رجب سنة تسع وتسعين ومائة -
стр. 5293
مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا فجأة، فذُكر أن أبا السرايا سمّه، وكان السبب في ذلك - فيما ذُكر - أنّ ابن طباطبا لما أحرزَ ما في عسكر زهير من المال والسلاح والدوابّ وغير ذلك منعه أبا السرايا، وحظره عليه؛ وكان النّاس له مطيعين، فعلم أبو السرايا أنه لا أمر له معه فسمّه؛ فلما مات ابن طباطبا أقام أبو السّرايا مكانه غلاما أمردَ حدَثًا يقال له محمد بن محمد بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب؛ فكان أبو السرايا هو الذي ينفِّذ الأمور، ويولّى مَنْ رأى، ويعزل من أحبّ؛ وإليه الأمور كلها، ورجع زهير من يومه الذي هُزم فيه إلى قصر ابن هبيرة، فأقام به. وكان الحسن بن سهل قد وجّه عبدوس بن محمد بن أبي خالد المروَرُّوذي إلى النِّيل حين وُجِّه زهير إلى الكوفة، فخرج بعدما هُزِم زهير عبدوس يريد الكوفة بأمر الحسن بن سهل، حتى بلغ الجامع هو وأصحابه، وزهير مقيم بالقصر، فتوجّه أبو السرايا إلى عبدوس، فواقعه بالجامع، يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من رجب فقتله، وأسرَ هارون بن محمد بن أبي خالد، واستباح عسكره. وكان عبدوس - فيما ذكر - في أربعة آلاف فارس، فلم يفلت منهم أحد، كانوا بين قتيل وأسير، وانتشر الطالبيُون في البلاد، وضرب أبو السرايا الدراهم بالكوفة، ونقش عليها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤]، ولما بلغ زهيرًا قتلُ أبي السرايا عبدوسًا وهو بالقصر، انحاز بمن معه إلى نهر الملك.
ثم إن أبا السرايا أقبل حتى نزل قصر ابن هبيرة بأصحابه، وكانت طلائعه تأتي كُوثَى ونهر الملك، فوجّه أبو السرايا جيوشًا إلى البصرة وواسط فدخلوهما، وكان بواسط ونواحيها عبد الله بن سعيد الحَرَشيّ واليًا عليها من قبَل الحسن بن سهل، فواقعه جيش أبي السرايا قريبًا من واسط فهزموه، فانصرف راجعًا إلى بغداد، وقد قتل من أصحابه جماعة وأسر جماعة. فلما رأى الحسن بن سهل أنّ أبا السرايا ومَنْ معه لا يلْقوْن له عسكرًا إلا هزموه، ولا يتوجّهون إلى بلدة إلا دخلوها؛ ولم يجد فيمن معه من القوّاد مَنْ يكفيه حربه، اضطر إلى هرثمة - وكان هرثمة حين قدم عليه الحسن بن سهل العراقَ واليًا عليها من قبَل المأمون. سلّم ما كان بيده من الأعمال، وتوجه نحو خُراسان مغاضبًا للحسن، فسار حتى بلغ حُلوان - فبعث إليه السنديّ وصالحًا صاحب المصلّى يسأله الانصراف إلى بغداد
стр. 5294
لحرب أبي السرايا، فامتنع وأبى. وانصرف الرسول إلى الحسن بإبائه؛ فأعاد إليه السنديّ بكتب لطيفة، فأجاب، وانصرف إلى بغداد، فقدمها في شعبان؛ فتهيّأ للخروج إلى الكوفة. وأمر الحسن بن سهل عليّ بن أبي سعيد أن يخرج إلى ناحية المدائن وواسط والبصرة، فتهيّئوا لذلك. وبلغ الخبر أبا السرايا وهو بقصر ابن هبيرة، فوجّه إلى المدائن، فدخلها أصحابه في رمضان، وتقدّم هو بنفسه وبمن معه حتى نزل نهر صَرْصَر مما يلي طريق الكوفة في شهر رمضان. وكان هرثمة لمّا احتبس قدومه على الحسن ببغداد أمر المنصور بن المهديّ أن يخرج فيعسكر بالياسريّة إلى قدوم هرثمة، فخرج فعسكر، فلما قدم هَرْثمة خرج فعسكر بالسفينتين بين يدي منصور، ثم مضى حتى عسكر بنهر صَرْصر بإزاء أبي السرايا، والنهر بينهما؛ وكان عليّ بن أبي سعيد معسكرًا بكلْوَاذى، فشخص يوم الثلاثاء بعد الفطْر بيوم، ووجّه مقدمته إلى المدائن، فقاتل بها أصحاب أبي السرايا غداة الخميس إلى اللّيل قتالًا شديدًا. فلمّا كان الغد غدا وأصحابه على القتال فانكشف أصحاب أبي السرايا وأخذ ابن أبي سعيد المدائن. وبلغ الخبر أبي السرايا وأخذ ابن أبي سعيد المدائن؛ فلمّا كان ليلة السبت لخمس خَلَوْن من شوّال رجع أبو السرايا من نهر صرصر إلى قصر ابن هبيرة؛ فنزل به، وأصبح هرثمة فجدَّ في طلبه، فوجد جماعة كثيرة من أصحابه فقتلهم، وبعث برؤوسهم إلى الحسن بن سهل، ثم صار هرثمة إلى قصر ابن هبيرة، فكانت بينه وبين أبي السرايا وقعة قتل فيها من أصحاب أبي السرايا خلْق كثير، فانحاز أبو السّرايا إلى الكوفة، فوثب محمد بن محمد ومن معه من الطالبيين على دور بني العباس ودور مواليهم وأتباعهم بالكوفة، فانتهبوها وخرّبوها وأخرجوهم من الكوفة، وعملوا في ذلك عملًا قبيحًا، واستخرجوا الودائع التي كانت لهم عند الناس فأخذوها. وكان هَرْثمة - فيما ذكر - يخبر الناس أنه يريد الحجّ، فكان قد حبس من يريد الحجّ من خُراسان والجبال والجزيرة وحاجّ بغداد وغيرهم؛ فلم يدَع أحدًا يخرج، رجاء أن يأخذ الكوفة، ووجّه أبو السرايا إلى مكة والمدينة مَنْ يأخذهما، ويقيم الحجّ للناس.
وكان الوالي على مكة والمدينة داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس، وكان الذي وجّهه أبو السرايا إلى مكة حسين بن
стр. 5295
حسن الأفطس بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب والذي وجّهه إلى المدينة محمد بن سليمان بن داود بن الحسن بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب، فدخلها ولم يقاتله بها أحد، ومضى حسين بن حسن يريد مكة فلمّا قرب منها وقف هُنيهة من فيها. وكان داود بن عيسى لمّا بلغه توجيه أبي السرايا حسين بن حسن إلى مكة لإقامة الحجّ للناس جمع موالي بني العبّاس وعبيد حوائطهم، وكان مسرور الكبير الخادم قد حجّ في تلك السنة في مائتي فارس من أصحابه، فتعبّأ لحرب مَنْ يريد دخول مكة وأخذها من الطالبيّين، فقال لداود بن عيسى: أقم لي شخصَك أو شخص لعض ولدك، وأنا أكفيك قتالَهم، فقال له داود: لا أستحلُّ القتال في الحرم؛ والله لئن دخلوا من هذا الفجّ لأخرجنّ من هذا الفجّ الآخر، فقال له مسرور: تُسَلِّم ملكك وسلطانك إلى عدوّك ومن لا يأخذه فيك لومة لائم في دينك ولا حرمك ولا مالك! قال له داود: أيّ مُلْك لي! والله لقد أقمتُ معهم حتى شيّخْت فما ولّوْني ولاية حتى كبرتْ سني، وفنيَ عمري، فولّوني من الحجاز ما فيه القوت؛ إنما هذا الملك لك وأشباهك، فقاتل إن شئت أو دَعْ فانحاز داود من مكة إلى ناحية المُشاش، وقد شدّ أثقالَه على الإبل، فوجّه بها في طريق العراق، وافتعل كتابًا من المأمون بتولية ابنه محمد بن داود على صلاة الموسم، فقال له: اخرج فصلّ بالناس الظهر والعصر بمنىً، والمغرب والعشاء، وبتْ بمنىً، وصلّ بالناس الصبح، ثم اركب دوابّك فانزل طريق عرَفَة، وخُذْ على يسارك في شعب عمرو؛ حتى تأخذ طريق المشاش، حتى تلحقني ببستان ابن عامر. ففعل ذلك، وافترق الجمع الذي كان داود بن عيسى معهم بمكَّة من موالي بني العباس وعبيد الحوائط، وفتّ ذلك في عضد مسرور الخادم، وخشي إن قاتلهم أن يميل أكثر الناس معهم، فخرج في أثر داود راجعًا إلى العراق، وبقي الناس بعرفة؛ فلمّا زالت الشمس وحضرت الصّلاة، تدافعها قوم من أهل مكة، فقال أحمد بن محمد بن الوليد الردميّ - وهو المؤذن وقاضي الجماعة والإمام بأهل المسجد الحرام: إذ لم تحضر الولاة - لقاضي مكة محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ: تقدم فاخطب بالناس، وصلّ بهم الصلاتين؛ فإنك قاضي البلد. قال: فلمن أخطبُ وقد هرب الإمام؛ وأطلّ هؤلاء القوم على الدخول! قال: لا تدْعُ لأحد، قال له محمد: بل أنت فتقدّمْ واخطب، وصلّ بالناس، فأبى؛ حتى قدّموا رجلا من عُرْض أهل مكة، فصلى بالناس الظهر
стр. 5296
والعصر بلا خطبة، ثم مضوا فوقفوا جميعًا بالموقف من عرَفَة حتى غربت الشمس، فدفع الناس لأنفسهم من عرفة بغير إمام، حتى أتوْا مزدلفة، فصلّى بهم المغرب والعشاء رجلٌ أيضًا من عُرْض الناس وحسين بن حسن يتوقف بسرف يرهب أن يدخل مكة، فيُدفع عنها ويقاتَل دونها، حتى خرج إليه قوم من أهل مكة ممّن يميل إلى الطالبيّين، ويتخوّف من العباسيين، فأخبروه أن مكة ومنىً وعرَفة قد خلتْ ممن فيها من السلطان، وأنهم قد خرجوا متوجّهين إلى العراق. فدخل حسين بن حسن مكة قبل المغرب من يوم عرفة، وجميع من معه لا يبلغون عشرة، فطافوا بالبيت وسعوْا بين الصفا والمروة، ومضوا إلى عرفة في الليل، فوقفوا بها ساعة من الليل، ثم رجع إلى مُزدلفة فصلى بالناس الفجْر، ووقف على قُزَح، ودفع بالناس منه.
وأقام بمنى أيامَ الحجّ، فلم يزل مقيمًا حتى انقضت سنة تسع وتسعين ومائة، وأقام محمد بن سليمان بن داود الطالبيّ بالمدينة السنة أيضًا، فانصرف الحاج ومَنْ كان شهد مكة والموسم، على أن أهل الموسم قد أفاضوا من عرَفَة بغير إمام.
وقد كان هرثمة لما تخوّف أن يفوته الحجّ - وقد نزل قرية شاهى - واقع أبا السرايا وأصحابه في المكان الذي واقعه فيه زهير، فكانت الهزيمة على هرثمة في أول النهار، فلما كان آخر النهار كانت الهزيمةُ على أصحاب أبي السرايا، فلما رأى هرثمة أنه لم يصر إلى ما أراد، أقام بقرية شاهى، وردّ الحاج وغيرهم، وبعث إلى المنصور بن المهديّ فأتاه بقرية شاهى، وصار يكاتب رؤساء أهل الكوفة، وقد كان عليّ بن أبي سعيد لما أخذ المدائن توجّه إلى واسط فأخذها، ثم إنه توجّه إلى البصرة فلم يقدر على أخذها حتى انقضت سنة تسع وتسعين ومائة (١).
ثم دخلت سنة مائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
ذكر الخبر عن هرب أبي السرايا وما آل إليه أمره
فمما كان فيها من ذلك هرب أبي السرايا من الكوفة ودخول هرثمة إليها.
ذُكِر أن أبا السرايا هرب هو ومن معه من الطالبيّين من الكوفة ليلةَ الأحد لأربع عشرة ليلة بقيتْ من المحرم من سنة مائتين، حتى أتى القادسيّة. ودخل منصور بن المهديّ وهرثمة الكوفة صبيحةَ تلك الليلة، وأمنوا أهلَها، ولم يعرضوا لأحد منهم، فأقاموا بها يومهم إلى العصر، ثم رجعوا إلى معسكرهم، وخلّفوا بها رجلًا منهم يقال له غسان بن أبي الفرج أبو إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خراسان، فنزل في الدار التي كان فيها محمد بن محمد وأبو السرايا.
стр. 5299
ثم إنّ أبا السرايا خرج من القادسيّة هو ومَنْ معه حتى أتوْا ناحية واسط، وكان بواسط عليّ بن أبي سعيد، وكانت البصرة بيد العلويّين بعد، فجاء أبو السرايا حتى عبر دجْلة أسفل من واسط، فأتى عبْدَسِي؛ فوجد فيها مالًا كان حُمِل من الأَهواز، فأخذه ثم مضى حتى أتى السوس، فنزلها ومَن معه، وأقام بها أربعة أيام، وجعل يعطى الفارس ألفًا والراجل خمسمائة، فلما كان اليوم الرابع أتاهم الحسن بن علي الباذغيسيّ المعروف بالمأمونيّ. فأرسل إليهم: اذهبوا حيث شئتم، فإنه لا حاجةَ لي في قتالكم، وإذا خرجتم من عملي فلست أتبعكم. فأبى أبو السرايا إلا القتال، فقاتلهم، فهزمهم الحسن، واستباح عسكرهم، وجُرح أبو السرايا جراحة شديدة، فهرب، واجتمع هو ومحمد بن محمد وأبو الشوْك، وقد تفرّق أصحابهم، فأخذوا ناحية طريق الجزيرة يريدون منزل أبي السرايا برأس العين؛ فلما انتهوا إلى جلولاء عُثِر بهم، فأتاهم حماد الكُنْدُغُوش فأخذهم، فجاء بهم إلى الحسن بن سهل، وكان مقيمًا بالنهْروان حين طردته الحربية، فقدم بأبي السرايا، فضرب عنقه يوم الخميس لعشر خلوْن من ربيع الأول. وذكروا أنّ الذي تولّى ضرب عنقه هارون بن محمد بن أبي خالد، وكان أسيرًا في أيدي أبي السرايا. وذكروا أنه لم يروا أحدًا عند القتل أشدّ جزعًا من أبي السرايا، كان يضطرب بيديهِ ورجليه، ويصيح أشدّ ما يكون من الصياح؛ حتى جُعل في رأسه حبل، وهو في ذلك يضطرب ويلتوي ويصيح؛ حتى ضربت عنقه. ثم بعث برأسه فطِيف به في عسكر الحسن بن سهل، وبعث بجسده إلى بغداد، فصُلِب نصفين على الجسر، في كلّ جانب نصف، وكان بين خروجه بالكوفة وقتله عشرة أشهر (١).
стр. 5300
وكان عليّ بن أبي سعيد حين عبر أبو السرايا توجّه إليه، فلمّا فاته توجه إلى البصرة فافتتحها. والذي كان بالبصرة من الطالبيّين زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب ومعه جماعة من أهل بيته، وهو الذي يقال له زيد النار - وإنما سمي زيد النار لكثرة ما حرّق من الدور بالبصرة من دور بني العباس وأتباعهم؛ وكان إذا أُتِيَ برجل من المسوّدة كانت عقوبته عنده أن يحرقه بالنار - وانتهبوا بالبصرة أموالًا، فأخذه عليّ بن أبي سعيد أسيرًا. وقيل إنه طلب الأمان فأمنه. وبعث عليّ بن أبي سعيد ممن كان معه من القواد عيسى بن يزيد الجُلوديّ وورقاء بن جَميل وحمدويه بن عليّ بن عيسى بن ماهان وهارون بن المسيّب إلى مكة والمدينة واليمن، وأمرهم بمحاربة مَنْ بها من الطالبيين. وقال التميميّ في قتل الحسن بن سهل أبا السرايا:
أَلم ترَ ضَرْبةَ الحَسَنِ بن سهْلٍ ... بسيفِكَ يا أَميرَ المُؤْمنينَا
أَدَارت مَرْوَ رأْسَ أَبي السرايا ... وأَبقت عِبْرَةً للعابرينا
وبعث الحسن بن سهل محمد بن محمد حين قتل أبو السرايا إلى المأمون بخراسان (١).
* * *
ذكر الخبر عن خروج إبراهيم بن موسى باليمن
وفي هذه السنة خرج إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب باليمن.
стр. 5301
ذكر الخبر عنه وعن أمره:
وكان إبراهيم بن موسى - فيما ذُكر - وجماعة من أهل بيته بمكّة حين خرج أبو السرايا وأمْرُه وأمر الطالبيين بالعراق ما ذُكر. وبلغ إبراهيم بن موسى خبرهم، فخرج من مكة مع مَنْ كان معه من أهل بيته يريد اليمن، ووالي اليمن يومئذ المقيم بها من قبَل المأمون إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس. فلما سمع بإقبال إبراهيم بن موسى العلوي وقربه من صنعاء، خرج منصرفًا عن اليمن، في الطريق النجدية بجميع منْ في عسكره من الخيل والرّجْل، وخلّى لإبراهيم بن موسى بن جعفر اليمن وكره قتاله، وبلغه ما كان من فعل عمّه داود بن عيسى بمكة والمدينة، ففعل مثل فعله، وأقبل يريد مكة؛ حتى نزل المُشاش، فعسكر هناك، وأراد دخول مكة، فمنعه مَن كان بها من العلويّين، وكانت أم إسحاق بن موسى بن عيسى متواريةً بمكة من العلويّين، وكانوا يطلبونها فتوارت منهم، ولم يزل إسحاق بن موسى معسكرًا بالمشاش، وجعل مَن كان بمكة مستخفيًا يتسللون من رؤوس الجبال، فأتوا بها ابنها في عسكره. وكان يقال لإبراهيم بن موسى: الجزّار، لكثرة من قتل باليمن من الناس وسبَى وأخذ من الأموال (١).
* * *
ذكر ما فعله الحسين بن الحسن الأفطس بمكة
وفي هذه السنة في أول يوم من المحرّم منها بعدما لفرّق الحاجّ من مكة جلس حسين بن حسن الأفطس خلف المقام على نُمرقة مثنيّة، فأمر بثياب الكعبة التي عليها فجُرّدت منها حتى لم يُبق عليها من كسوتها شيئًا، وبقيَت حجارة مجرّدة، ثم كساها ثوبين من قَزّ رقيق، كان أبو السرايا وجّه بهما معه مكتوب عليهما: أمرَ به الأصفر بن الأصفر أبو السرايا داعية آل محمد، لكسوة بيت الله الحرام، وأن
стр. 5302
يطرح عنه كُسوة الظلَمة من ولد العباس، لتطهّر من كُسوتهم. وكتب في سنة تسع وتسعين ومائة.
ثم أمر حسين بن حسن بالكسوة التي كانت على الكعبة فقسمت بين أصحابه من العلويّين وأتباعهم على قدر منازلهم عنده، وعمَد إلى ما في خزانة الكعبة من مالٍ فأخذه، ولم يسمع بأحد عنده وديعة لأحد من ولد العباس وأتباعهم إلّا هجم عليه في داره؛ فإن وجد من ذلك شيئًا أخذه وعاقب الرجل؛ وإن لم يجد عنده شيئًا حبَسه وعذّبه حتى يفتدي نفسه بقدر طَوْله، ويقرّ عند الشهود أن ذلك للمسوّدة من بني العباس وأتباعهم، حتى عمّ هذا خلقًا كثيرًا.
وكان الذي يتولى العذابَ لهم رجلًا من أهل الكوفة يقال له محمد بن مسلمة، كان ينزل في دار خالصة عند الحنّاطين؛ فكان يقال لها دار العذاب، وأخافوا الناس؛ حتى هرب منهم خلْق كثير من أهل النّعم، فتعقبوهم بهدم دورهم حتى صاروا من أمر الحرم، وأخذ أبناء الناس في أمر عظيم، وجعلوا يحكّون الذهب الرقيق الذي في رؤوس أساطين المسجد، فيخرج من الأسطوانة بعد التعب الشديد قدْر مثقال ذهب أو نحوه، حتى عمّ ذلك أكثر أساطين المسجد الحرام، وقلعوا الحديد الذي على شبابيك زمزم، ومن خشب الساج، فبيع بالثّمن الخسيس. فلما رأى حسين بن حسن ومَنْ معه من أهل بيته تغيّر الناس لهم بسيرتهم، وبلغهم أن أبا السرايا قد قُتل، وأنه قد طرد من الكوفة والبصرة وكور العراق من كان بها من الطالبيين، ورجعت الولاية بها لولد العباس، اجتمعوا إلى محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب - وكان شيخًا ودِّاعًا محبّبًا في الناس، مفارقًا لما عليه كثير من أهل بيته من قبح السيرة، وكان يروي العلم عن أبيه جعفر بن محمد، وكان الناس يكتبون عنه وكان يظهر سَمْتًا وزهدًا - فقالوا له: قد تعلم حالك في الناس، فأبْرِزْ شخصك نبايع لك بالخلافة؛ فإنك إن فعلت ذلك لم يختلف عليك رجلان؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزل به ابنه عليّ بن محمد بن جعفر وحسين بن حسن الأفطس حتى غلبا الشيخ على رأيه؛ فأجابهم. فأقاموه يوم صلاة الجمعة بعد الصلاة لستّ من ربيع الآخر، فبايعوه بالخلافة، وحشروا إليه الناسَ من أهل مكة والمجاورين، فبايعوه طوعًا وكرهًا، وسموْه بإمرة المؤمنين، فأقام بذلك أشهرًا، وليس له من الأمر إلا
стр. 5303
اسمه، وابنه عليّ وحسين بن حسن وجماعة منهم أسوأ ما كانوا سيرة، وأقبح ما كانوا فعلًا، فوثب حسين بن حسن على امرأة من قريش من بني فهر - وزوْجها رجل من بني مخزوم، وكان لها جمال بارع - فأرسل إليها لتأتيَه فامتنعت عليه فأخاف زوجها وأمر بطلبها فتوارت منه، فأرسل ليلًا جماعة من أصحابه فكسروا بابَ الدار، واغتصبوها نفسها، وذهبوا بها إلى حسين، فلبثت عنده إلى قرب خروجه من مكة، فهربت منه ورجعت إلى أهلها وهم يقاتلون بمكة. ووثب عليّ بن محمد بن جعفر على غلام من قريش، ابن قاض بمكة يقال له إسحاق بن محمد، - وكان جميلًا بارعًا في الجمال - فاقتحم عليه بنفسه نهارًا جهارًا في داره على الصفا مشرفًا على المسعى؛ حتى حمله على فرسه في السرْج. وركب عليّ بن محمد على عجُز الفرس، وخرج به يشق السوق حتى أتى بئر ميمون - وكان ينزل في دار داود بن عيسى في طريق منىً - فلما رأى ذلك أهلُ مكة ومَنْ بها من المجاورين، خرجوا فاجتمعوا في المسجد الحرام، وغلقت الدكاكين، ومال معهم أهلُ الطواف بالكعبة، حتى أتوا محمد بن جعفر بن محمد، وهو نازل دار داود، فقالوا: والله لنخلعنك ولنقتلنّك، أو تردنّ إلينا هذا الغلام الذي ابنك أخذه جهرة. فأغلق باب الدار، وكلمهم من الشباك الشارع في المسجد، فقال: والله ما علمت، وأرسل إلى حسين بن حسن يسأله أن يركب إلى ابنه عليّ فيستنقذ الغلام منه. فأبى ذلك حسين، وقال: والله إنك لتعلم أني لا أقوى على ابنك، ولو جئتُه لقاتلني وحاربني في أصحابه. فلما رأى ذلك محمد قال لأهل مكة: آمنوني حتى أركب إليه وآخذ الغلام منه. فآمنوه وأذنوا له في الركوب، فركب بنفسه حتى صار إلى ابنه، فأخذ الغلام منه وسلمه إلى أهله. وقال: فلم يلبثوا إلا يسيرًا حتى أقبل إسحاق بن موسى بن عيسى العباسي مقبلًا من اليمن حتى نزل المُشاش، فاجتمع العلويّون إلى محمد بن جعفر بن محمد، فقالوا له: يا أميرَ المؤمنين، هذا إسحاق بن موسى مقبلًا إلينا في الخيل والرجال، وقد رأينا أن نخندق خندقًا بأعلَى مكة، وتبرز شخصك ليراك الناس ويحاربوا معك. وبعثوا إلى مَنْ حولهم من الأعراب، ففرضوا لهم، وخندقوا على مكة ليقاتلوا إسحاق بن موسى من ورائه، فقاتلهم إسحاق أيامًا. ثم إن إسحاق كره القتال والحرب، وخرج يريد العراق، فلقيه ورقاء بن جميل في أصحابه ومنْ كان معه من أصحاب الجُلوديّ، فقالوا: ارجع معنا إلى مكة ونحن نكفيك القتال. فرجع
стр. 5304
معهم حتى أتوْا مكة فنزلوا المُشاش. واجتمع إلى محمد بن جعفر من كان معه من غوغائها، ومن سودان أهل المياه، ومَن فرض له من الأعراب، فعبّأهم ببئر ميمون، وأقبل إليهم إسحاق بن موسى وورقاء لن جميل بمَنْ معه من القوّاد والجند، فقاتلهم ببئر ميمون، فوقعت بينهم قتلى وجراحات. ثم رجع إسحاق وورقاء إلى معسكرهم، ثم عادوهم بعد ذلك بيوم فقاتلهم، فكانت الهزيمة على محمد بن جعفر وأصحابه؛ فلما رأى ذلك محمد، بعث رجالًا من قريش فيهم قاضي مكة يسألون لهم الأمان؛ حتى يخرجوا من مكة، ويذهبوا حيث شاؤوا، فأجابهم إسحاق وورقاء بن جميل إلى ذلك، وأجّلُوهم ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الثالث، دخل إسحاق وورقاء إلى مكة في جمادى الآخرة وورقاء الوالي على مكة للجلوديّ، وتفرّق الطالبيون من مكة، فذهب كلّ قوم ناحية؛ فأمّا محمد بن جعفر فأخذ ناحية جُدّة، ثم خرج يريد الجُحفة، فعرض له رجل من موالي بني العباس يقال له محمد بن حكيم بن مروان، قد كان الطالبيون انتهبوا داره بمكة، وعذّبوه عذابًا شديدًا؛ وكان يتوكّل لبعض العباسيين بمكة لآل جعفر بن سليمان، فجمع عبيد الحوائط من عبيد العبّاسيين حتى لحق محمد بن جعفر بين جُدّة وعُسْفان، فانتهب جميع ما معه مما خرج به من مكة، وجرّده حتى تركه في سراويل، وهمّ بقتله، ثم طرح عليه بعد ذلك قميصًا وعمامة ورداء ودريهمات يتسبّب بها، فخرج محمد بن جعفر حتى أتى بلاد جهينة على الساحل، فلم يزل مقيمًا هنالك حتى انقضى الموسم، وهو في ذلك يجمع الجموع. وقد وقع بينه وبين هارون بن المسيّب والي المدينة وقعات عند الشجرة وغيرها، وذلك أن هارون بعث ليأخذه، فلما رأى ذلك أتاه بمن اجتمع حتى بلغ الشجرة، فخرج إليه هارون فقاتله، فهزم محمد بن جعفر، وفقئِت عينه بنشابة، وقتِل منْ أصحابه بشر كثير، فرجع حتى أقام بموضعه الذي كان فيه ينتظر ما يكون من أمر الموسم، فلم يأته مَنْ كان وعده. فلما رأى ذلك وانقضى الموسم، طلب الأمان من الجُلوديّ ومن رجاء ابن عمّ الفضل بن سهل، وضمن له رجاء على المأمون وعلى الفضل بن سهل ألّا يُهاج، وأن يُوَفّى له بالأمان، فقبل ذلك ورضيَه، ودخل به إلى مكة، يوم الأحد بعد النفر الأخير بثمانية أيام لعشر بقين من ذي الحجة، فأمر عيسى بن يزيد الجُلودي ورجاء بن أبي الضحاك ابن عمّ الفضْل بن سهل بالمنبر؛ فوضع بين الركن والمقام حيث كان محمد بن
стр. 5305
جعفر بويع له فيه، وقد جمع الناس من القريشيين وغيرِهم، فصعد الجُلودي رأسَ المنبر، وقام محمد بن جعفر تحته بدرجة، وعليه قبَاء أسود وقَلنسوة سوداء؛ وليس عليه سيف ليخلع نفسه. ثم قام محمد، فقال:
أيها الناس مَنْ عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب؛ فإنه كان لعبد الله عبد الله أمير المؤمنين في رَقبتي بيعة بالسمع والطاعة، طائعًا غير مُكْرَه، وكنت أحد الشهود الذين شهدوا في الكعبة في الشرطين لهارون الرشيد على ابنيه: محمد المخلوع وعبد الله المأمون أمير المؤمنين. ألا وقد كانت فتنة غشيت عامة الأرض منّا ومن غيرنا. وكان نُميَ إليّ خبر؛ أن عبد الله عبد الله المأمون أمير المؤمنين كان توفيَ؛ فدعاني ذلك إلى أن بايعوا لي بإمرة المؤمنين، واستحللت قبول ذلك لما كان عليّ من العهود والمواثيق في بيعتي لعبد الله عبد الله الإمام المأمون، فبايعتموني - أو من فعل منكم - ألا وقد بلغني وصحّ عندي أنه حيّ سويّ. ألا وإني أستغفر الله مما دعوتكم إليه من البيعة، وقد خلعت نفسي من بَيْعتي التي بايعتموني عليها؛ كما خلعت خاتمي هذا من إصبعي، وقد صرت كرجل من المسلمين فلا بيعة لي في رقابهم، وقد أخرجت نفسي من ذلك، وقد ردّ الله الحق إلى الخليفة المأمون عبد الله المأمون أمير المؤمنين، والحمد لله رب العالمين؛ والصلاة على محمد خاتم النبيين والسلام عليكم أيها المسلمون.
ثم نزل. فخرج به عيسى بن يزيد الجلوديّ إلى العراق، واستخلف على مكة ابنه محمد بن عيسى في سنة إحدى ومائتين، وخرج عيسى ومحمد بن جعفر حتى سلّمه إلى الحسن بن سهل، فبعث به الحسن بن سهل إلى المأمون بمَرْو مع رجاء بن أبي الضحاك (١).
стр. 5306
وفي هذه السنة وجّه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد الطالبيّ بعض ولد عَقيل بن أبي طالب من اليمن في جند كثيف إلى مكة ليحجّ بالناس، فحورب العَقيليّ فهزم، ولم يقدر على دخول مكة.
стр. 5307
ذكر الخبر عن أمر إبراهيم العقيليّ الذي ذكرنا أمره
ذكر أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد حجّ بالناس في سنة مائتين، فسار حتى دخل مكة، ومعه قوّاد كثير، فيهم حمدويه بن عليّ بن عيسى بن ماهان، وقد استعمله الحسن بن سهل على اليمن، ودخلوا مكة، وبها الجلوديّ في جنده وقواده، ووجه إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد العلويّ من اليمن راجلًا من ولد عَقيل بن أبي طالب، وأمره أن يحجّ بالناس، فلما صار العميليّ إلى بستان ابن عامر، بلغه أن أبا إسحاق بن هارون الرشيد قد ولي الموسم، وأن معه من القواد والجنود ما لا قبل لأحد به، فقام ببستان ابن عامر، فمرّت به قافلة من الحاجّ والتجار، فيها كسوة الكعبة وطيبها، فأخذ أموال التجار وكسوة الكعبة وطيبها، وقدم الحاج والتجار مكة عراة مسلّبين، فبلغ ذلك أبا إسحاق بن الرشيد وهو نازل بمكة في دار القوارير، فجمع إليه القوّاد فشاورهم، فقال له الجلوديّ - وذلك قبل التروية بيومين أو ثلاثة: أصلح الله الأمير! أنا أكفيكهم، أخرج إليهم في خمسين من نخبة أصحابي، وخمسين أنتخبهم من سائر القوّاد. فأجابوه إلى ذلك، فخرج الجُلوديّ في مائة حتى صبّح العقيليّ وأصحابه ببستان ابن عامر، فأحدق بهم، فأسر أكثرهم وهرب من هرب منهم يسعى على قدميه، فأخذ كسوة الكعبة إلّا شيئًا كان هرب به من هرب قبل ذلك بيوم واحد، وأخذ الطيب وأموال التجار والحافي، فوجّه به إلى مكة، ودعا بمَنْ أسر من أصحاب العقيليّ، فأمر بهم فقُنِّع كلّ رجل منهم عشرة أسواط، ثم قال: اعزبوا يا كلاب النار؛ فولله ما قتلكم وعِر، ولا في أسركم جمال. وخلّى سبيلَهم، فرجعوا إلى اليمن يستطعمون في الطريق حتى هلك أكثرهم جوعًا وعريًا.
وخالف ابن أبي سعيد على الحسن بن سهل، فبعث المأمون بسراج الخادم، وقال له: إن وضع عليّ يد الحسن أو شخص إليّ بمرْو وإلا فاضرب عنقه. فشخص إلى المأمون مع هرثمة بن أعين.
وفي هذه السنة شخص هرثمة في شهر ربيع الأول منها من معسكره إلى المأمون بمرو.
стр. 5308
ذكر الخبر عن شخوص هرثمة إلى المأمون وما آل إليه أمره في مسيره ذلك
ذُكر أنّ هرثمة لما فَرغ من أمر أبي السرايا ومحمد بن محمد العلويّ، ودخل الكوفة، أقام في معسكره إلى شهر ربيع الأول؛ فلما أهلّ الشهر خرج حتى أتى نهر صَرْصر، والناس يروْن أنه يأتي الحسن بن سهل بالمدائن؛ فلما بلغ نهر صرصر خرج على عقْرَقُوف، ثم خرج حتى أتى البرَدَان، ثمّ أتى النَّهروَان، ثم خرج حتى أتى إلى خُراسان؛ وقد أتته كتب المأمون في غير منزل، أن يرجع فيَلِيَ الشام أو الحجاز، فأبى وقال: لا أرجع حتى ألْقَى أمير المؤمنين؛ إدلالًا منه عليه؛ لما كان يعرف من نصيحته له ولابائه، وأراد أن يعرّف المأمون ما يدبّر عليه الفضل بن سهل، وما يكتم عنه من الأخبار، وألّا يدَعه حتى يردّه إلى بغداد، دار خلافة آبائه وملكهم ليتوسط سلطانه، ويُشرف على أطرافه. فعلم الفضل ما يريد، فقال للمأمون: إنّ هرثمة قد أنغْلَ عليك البلاد والعباد، وظاهرَ عليك عدوّك، وعادى وليّك، ودسّ أبا السرايا، وهو جنديّ من جنده حتى عمل ما عمل، ولو شاء هرثمة ألّا يفعل ذلك أبو السرايا ما فعله. وقد كتب إليه أمير المؤمنين عدّة كتب؛ أن يرجع فيَليَ الشام أو الحجاز فأبى، وقد رجع إلى باب أمير المؤمنين عاصيًا مشاقّأ، يُظهر القوْل الغليظ، ويتواعد بالأمر الجليل، وإن أطلِق هذا كان مفسدة لغيره. فأشرب قلب أمير المؤمنين عليه.
وأبطأ هرثمة في المسير فلم يصل إلى خُراسان حتى كان ذو القعدة؛ فلما بلغ مَرْو خشي أن يكتم المأمون قدومه، فضرب بالطبول لكي يسمعها المأمون، فسمعها فقال: ما هذا؟ قالوا: هرثمة قد أقبل يُرعد ويبرِق، وظنّ هرثمةُ أنّ قوله المقبول. فأمر بإدخاله، فلما أدخل - وقد أشرِب قلبه ما أشرب - قال له المأمون: مالأتَ أهل الكوفة والعلوييّن وداهنت ودَسست إلى أبي السرايا حتى خرج وعمل ما عمل؛ وكان رجلًا من أصحابك؛ ولو أردت أن تأخذهم جميعًا لفعلت؛ ولكنَّك أرخيت خناقهم، وأجررت لهم رَسَنهم. فذهب هرثمةُ ليتكلم ويعتذر، ويدفع عن نفسه ما قُرِف به فلم يُقْبَل ذلك منه، وأمر به فوجئ على
стр. 5309
أنفه، وديس بطنه، وسُحب من بين يديه. وقد تقدم الفضل بن سهل إلى الأعوان بالغلظِ عليه والتّشديد حتى حبس، فمكث في الحبس أيامًا، ثم دسوا إليه فقتلوه وقالوا له: إنه مات (١).
ذكر الخبر عن وثوب الحربية ببغداد
وفي هذه السنة هاج الشَّغْب ببغداد بين الحربيّة والحسن بن سهل.
ذكر الخبر عن ذلك وكيف كان:
ذُكر أنّ الحسن بن سهل كان بالمدائن حين شخص هرْثمة إلى خُراسان، ولم يزل مقيمًا بها إلى أن اتّصل بأهل بغداد والحربية ما صُنع به، فبعث الحسن بن سهل إلى عليّ بن هشام - وهو والي بغداد، من قبَله: أن أمطل الجندَ من الحربيَّة والبغداديين أرزاقَهم، ومنِّهم ولا تُعطهم. وقد كان الحسن قبل ذلك اتَّعدَهم أن يعطيَهم أرزاقهم، وكانت الحربيّة حين خرج هرثمة إلى خُراسان وثبوا وقالوا: لا نرضى حتى نطرد الحسن بن سهل عن بغداد؛ وكان من عمّاله بها محمد بن أبي خالد وأسد بن أبي الأسد، فوثبت الحربية عليهم فطردوهم، وصيّروا إسحاق بن موسى بن المهديّ خليفة للمأمون ببغداد؛ فاجتمع أهل الجانبين على
стр. 5310
ذلك، ورضُوا به، فدسّ الحسنُ إليهم، وكاتب قوّادهم حتى وثبوا من جانب عسكر المهديّ، وجعل يعطي الجندَ أرزاقهم لستة أشهر عطاء نزْرًا؛ فحوّل الحربية إسحاق إليهم، وأنزلوه على دُجيل.
وجاء زهير بن المسيّب فنزل في عسكر المهديّ، وبعث الحسن بن سهل عليّ بن هشام، فجاء من الجانب الآخر؛ حتى نزل نهر صَرْصر، ثم جاء هو ومحمد بن أبي خالد وقوّادهم ليلًا؛ حتى دخلوا بغداد، فنزل عليّ بن هشام دارَ العباس بن جعفر بن محمد بن الأشعث الخُزاعي على باب المحوّل لثمانٍ خلوْن من شعبان، وقبل ذلك ما كان الحربية حين بلغهم أنّ أهل الكرخ يريدون أن يُدخلوا زهيرًا وعليّ بن هشام، شدّوا على باب الكرخ فأحرقوه، وأنهبوا من حدّ قصر الوضّاح إلى داخل باب الكرْخ إلى أصحاب القراطيس ليلةَ الثلاثاء، وفى خل عليّ بن هشام صبيحةَ تلك الليلة، فقاتل الحربية ثلاثة أيام على قنطرة الصّراة العتيقة والجديدة والأرحاء.
ثم إنه وعد الحربيّة أن يعطيَهم رزق ستة أشهر إذا أدركت الغلّة، فسألوه أن يعجّل لهم خمسين درهمًا لكل رجل لينفقوها في شهر رمضان، فأجابهم إلى ذلك، وجعل يعطى، فلم يُتمّ لهم إعطاءهم، حتى خرج زيد بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب، الخارج بالبَصْرة المعروف بزيد النار؛ كان أفلت من الحبْس عند عليّ بن أبي سعيد، فخرج في ناحية الأنبار ومعه أخو أبي السرايا في ذي القعدة سنة مائتين، فبعثوا إليه، فأخذ، فأتي به عليّ بن هشام، فلم يلبث إلّا جمعة حتى هرب من الحربيّة، فنزل نهر صرصر، وذلك أنه كان يكذبهم، ولم يفِ لهم بإعطاء الخمسين، إلى أن جاء الأضحى؛ وبلغهم خبرُ هرثمة وما صُنع به، فشدّوا على عليّ فطردوه.
وكان المتولي ذلك والقائم بأمر الحرْب محمد بن أبي خالد؛ وذلك أن عليّ بن هشام لما دخل بغداد كان يُستخفّ به، فوقع بين محمد بن أبي خالد وبين زُهير بن المسيّب إلى أن قنّعه زهير بالسوط. فغضب محمد من ذلك، وتحوّل إلى الحربية في ذي القعدة، ونصب لهم الحرْب، واجتمع إليه الناس فلم يقْوَ
стр. 5311
بهم عليّ بن هشام حتى أخرجوه من بغداد، ثم اتبعه حتى هزمهم من نهر صرصر (١).
* * *
وفي هذه السنة وجّه المأمون رجاء بن أبي الضحّاك وفرناس الخادم لإشخاص عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد ومحمد بن جعفر.
وأُحصِيَ في هذه السنة ولد العباس؛ فبلغوا ثلاثة وثلاثين ألفًا ما بين ذكرٍ وأنثى.
* * *
وفي هذه السنة قتلت الروم ملكها ليون، فكان قد ملك عليهم سبع سنين وستة أشهر، وملكوا عليهم ميخائيل بن جورجس ثانية (٢).
وفيها قَتَل المأمون يحيى بن عامر بن إسماعيل؛ وذلك أن يحيى أغلظ له، فقال له: يا أميرَ الكافرين؛ فقتِل بين يديه.
وأقام للناس الحجّ في هذه السنة أبو إسحاق بن الرّشيد (٣).
* * *
ثم دخلت سنة إحدى ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
* * *
ولاية منصور بن المهديّ ببغداد
فمما كان فيها من ذلك مراودَة أهل بغداد منصورَ بن المهديّ على الخلافة
стр. 5312
وامتناعه عليهم؛ فلما امتنع من ذلك راودوه على الإمْرة عليهم، على أن يدعوْ للمأمون بالخلافة؛ فأجابهم إلى ذلك (١).
ذكر الخبر عن سبب ذلك وكيف كان الأمر فيه:
قد ذكرنا قبل ذلك سببَ إخراج أهل بغداد عليّ بن هشام من بغداد، ويذكر عن الحسن بن سهل أن الخبر عن إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد لما اتصل به وهو بالمدائن انهزم حتى صار إلى واسط وذلك في أول سنة إحدى ومائتين.
وقد قيل إن سبب إخراج أهل بغداد علي بن هشام من بغداد كان أنّ الحسن بن سهل وجّه محمد بن خالد المرورّوذيّ بعدما قُتل أبو السرايا، أفسده وولّى عليّ بن هشام الجانب الغربيّ من بغداد وزهير بن المسيّب يلي الجانب الشرقيّ، وأقام هو بالخيزرانيّة، وضرب الحسنُ عبد الله بن عليّ بن عيسى بن ماهان حدًّا بالسياط، فغضب الأبناء، فشغب الناس، فهرب إلى برْبَخا ثم إلى باسَلَامَا، وأمر بالأرزاق لأهل عسكر المهديّ، ومنع أهل الغربيّ، واقتتل أهل الجانبين، ففرّق محمد بن أبي خالد على الحربيّة مالًا، فهُزم عليّ بن هشام، فانهزم الحسن بن سهل بانهزام عليّ بن هشام، فلحق بواسط، فتبعه محمد بن أبي خالد بن الهندوان مخالفًا له؛ وقد تولّى القيام بأمر الناس، وولّى سعيد بن الحسن بن قحطبة الجانب الغربيّ ونصر بن حمزة بن مالك الشرقيّ، وكنفه ببغداد منصور بن المهديّ وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع.
وقد قيل إنّ عيسى بن محمد بن أبي خالد قدم في هذه السنة من الرّقّة، وكان عند طاهر بن الحسين، فاجتمع هو وأبوه على قتال الحسن، فمضَيا حتى انتهيا ومَنْ معهما من الحربيّة وأهل بغداد إلى قرية أبي قريش قرب واسط، وكان كلما أتيا موضعًا فيه عسكر من عساكر الحسن فيكون بينهما فيه وقعة، تكون الهزيمة فيه على أصحاب الحسن.
ولما انتهى محمد بن خالد إلى دير العاقول، أقام به ثلاثًا، وزهير بن
стр. 5313
المسيّب حينئذ مقيم بإسكاف بني الجُنيد، وهو عامل الحسن على جوخَى مقيم في عمله؛ فكان يكاتب قوّاد أهل بغداد. فبعث ابنه الأزهر، مضى حتى انتهى إلى نهر النهروان، فلقي محمد بن أبي خالد، فركب إليه، فأتاه بإسكاف، فأحاط به فأعطاه الأمان، وأخذه أسيرًا، فجاء به إلى عسكره بدير العاقول، وأخذ أمواله ومتاعه وكلّ قليل وكثير وجد له. ثم تقدّم محمد بن أبي خالد، فلما صار إلى واسط بعث به إلى بغداد، فحبسه عند ابن له مكفوف، يقال له جعفر؛ فكان الحسن مقيمًا بجرْجرايا، فلما بلغه خبر زهير، وأنه قد صار في يد محمد بن أبي خالد ارتحل حتى دخل واسط، فنزل بفم الصِّلح، ووجه محمّد من دير العاقول ابنَه هارون إلى النيل وبها سعيد بن الساجور الكوفيّ، فهزمه هارون، ثم تبعه حتى دخل الكوفة، فأخذها هارون، وولّى عليها. وقدم عيسى بن يزيد الجُلوديّ من مكّة، ومعه محمد بن جعفر، فخرجوا جميعًا حتى أتوْا واسط في طريق البرّ، ثم رجع هارون إلى أبيه، فاجتمعوا جميعًا في قرية أبي قريش ليدخلوا واسط، وبها الحسن بن سهل، فتقدّم الحسن بن سهل، فنزل خلف واسط في أطرافها.
وكان الفضل بن الربيع مختفيًا من حين قتل المخلوع، فلما رأى أن محمد بن أبي خالد. قد بلغ واسطَ بعث إليه يطلب الأمان منه، فأعطاه إياه وظهر. ثم تعبّأ محمد بن أبي خالد للقتال، فتقدّم هو وابنه عيسى وأصحابهما، حتى صاروا على ميلين من واسط، فوجّه إليهم الحسن أصحابَه وقوّاده، فاقتتلوا قتالًا شديدًا عند أبيات واسط. فلما كان بعد العصر هبّت ريح شديدة وغُبْرة حتى اختلط القوم بعضهم ببعض، وكانت الهزيمة على أصحاب محمد بن أبي خالد، فثبت للقوم فأصابتْه جراحات شديدة في جَسَده، فانهزم هو وأصحابه هزيمةً شديدة قبيحة، فهزم أصحابه الحسن، وذلك يوم الأحد لسبع بقين من شهر ربيع الأول سنة إحدى ومائتين.
فلما بلغ محمد فم الصِّلْح خرج عليهم أصحابُ الحسن فصافّهم للقتال، فلما جنّهم الليل، ارتحلَ هو وأصحابه حتى نزلوا المبارك، فأقاموا به؛ فلمّا أصبحوا غدَا عليهم أصحابُ الحسن فصافّوهم، واقتتلوا.
فلما جنّهم الليل ارتحلوا حتى أتوا جَبُّل، فأقاموا بها، ووجّه ابنه هارون إلى
стр. 5314
النيل، فأقام بها، وأقام محمد بجَرْجَرايا، فلما اشتدّت به الجراحات خلّف قوّاده في عسكره، وحمَله ابنه أبو زنبيل حتى أدخله بغداد ليلة الإثنين لستّ خلوْن من شهر ربيع الآخر، فدخل أبو زنبيل ليلة الإثنين، ومات محمد بن أبي خالد من ليلته من تلك الجراحات، ودفن من ليلته في داره سرًّا.
وكان زهير بن المسيّب محبوسًا عند جعفر بن محمد بن أبي خالد، فلما قدم أبو زنبيل أتى خزيمة بن خازم يوم الإثنين لثمان خلون من شهر ربيع الآخر، فأعلمه أمر أبيه، فبعث خزيمة إلى بني هاشم والقوّاد وأعلمهم ذلك، وقرأ عليهم كتاب عيسى بن محمد بن أبي خالد، وأنه يكفيهم الحرب. فرضوا بذلك، فصار عيسى مكان أبيه على الحرْب، وانصرف أبو زنبيل من عند خُزيمة حتى أتى زهير بن المسيّب، فأخرجه من حَبْسه، فضرب عنقه ويقال: إنه ذبحه ذبحًا وأخذ رأسه، فبعث به إلى عيسى في عسكره، فنصبه على رمح وأخذوا جسدَه، فشدّوا في رجليه حبلًا، ثم طافوا به في بغداد، ومرّوا به على دوره ودور أهل بيته عند باب الكوفة، ثم طافوا به في الكرْخ، ثم ردُّوه إلى باب الشام بالعشيّ؛ فلما جنّهم الليل طرحوه في دِجلة، وذلك يوم الإثنين لثمان خلوْن من شهر ربيع الآخر.
ثم رجع أبو زنبيل حتى انتهى إلى عيسى فوجّهه عيسى إلى فم الصّراة.
وبلغ الحسن بن سهل موت محمد بن أبي خالد، فخرج من واسط حتى انتهى إلى المُبارك، فأقام بها. فلما كان جمادى الآخرة وجّه حميد بن عبد الحميد الطوسيّ ومعه عركو الأعرابيّ وسعيد بن الساجور وأبو البط ومحمد بن إبراهيم الإفريقيّ، وعدّة سواهم من القوّاد، فلقوا أبا زنبيل بفم الصَّراة فهزموه، وانحاز إلى أخيه هارون بالنّيل، فالتقوْا عند بيوت النيل، فاقتتلوا ساعة، فوقدت الهزيمة على أصحاب هارون، وأبي زنبيل، فخرجوا هاربين حتى أتوا المدائن؛ وذلك يوم الإثنين لخمس بَقين من جمادى الآخرة.
ودخل حميد وأصحابه النِّيل فانتهبوها ثلاثة أيام؛ فانتهبوا أموالَهم وأمتعتهم، وانتهبوا ما كان حوْلهم من القرى؛ وقد كان بنو هاشم والقوّاد حين مات محمد بن أبي خالد تكلّموا في ذلك؛ وقالوا: نصيّر بعضنا خليفة ونخلع المأمون، فكانوا يتراضَوْن في ذلك، إذ بلغهم خبر هارون وأبي زنبيل وهزيمتهم، فجدُّوا فيما
стр. 5315
كانوا فيه، وأرادوا منصور بن المهديّ على الخلافة؛ فأبى ذلك عليهم، فلم يزالوا به حتى صيّروه أميرًا خليفة للمأمون ببغداد والعراق، وقالوا: لا نرضى بالمجوسيّ ابن المجوسيّ الحسن بن سهل، ونطرده حتى يرجع إلى خراسان.
وقد قيل: إنّ عيسى بن محمد بن أبي خالد لمّا اجتمع إليه أهل بغداد، وساعدوه على حرب الحسن بن سهل، رأى الحسن أنه لا طاقة له بعيسى، فبعث إليه وهب بن سعيد الكاتب، وبذَل له المصاهرة ومائة ألف دينار والأمان له ولأهل بيته ولأهل بغداد وولاية أيّ النواحي أحبّ، فطلب كتاب المأمون بذلك بخطِّه، فردّ الحسن بن سهل وهبًا بإجابته، فغرق وهب بين المُبارك وجبل؛ فكتب عيسى إلى أهل بغداد: إني مشغول بالحرب عن جباية الخراج، فولّوا رجلًا من بني هاشم، فولوْا منصور بن المهديّ، وعسكر منصور بن المهديّ بكَلْواذَى، وأرادوه على الخلافة فأبى، وقال: أنا خليفة أمير المؤمنين حتى يقدم أو يولي مَنْ أحبّ، فرضى بذلك بنو هاشم والقوّاد والجند؛ وكان القيّم بهذا الأمر خزيمة بن خازم، فوجّه القوّاد في كلّ ناحية، وجاء حميد الطوسي من فوره في طلب بني محمد حتى انتهى إلى المدائن، فأقام بهما يومه، ثم انصرف إلى النيل.
فلما بلغ منصورًا خبرُه خرج حتى عسكر بكَلْواذى، وتقدّم يحيى بن عليّ بن عيسى بن ماهان إلى المدائن.
ثم إن منصورًا وجّه إسحاق بن العباس بن محمد الهاشميّ من الجانب الآخر، فعسكر بنهر صَرْصر، ووجّه غسان بن عباد بن أبي الفرج أبا إبراهيم بن غسان صاحب حرس صاحب خُراسان ناحية الكوفة، فتقدّم حتى أتى قصر ابن هبيرة، فأقام به. فلما بلغ حُميدًا الخبر لم يعلم غسان إلا وحُميد قد أحاط بالقصر، فأخذ غسانَ أسيرًا، وسلب أصحابه، وقتل منهم، وذلك يوم الإثنين لأربع خلوْن من رجب.
ثم لم يزل كلُّ قوم مقيمين في عساكرهم، إلّا أن محمد بن يقطين بن موسى كان مع الحسن بن سهل، فهرب منه إلى عيسى، فوجّهه عيسى إلى منصور، فوجّهه منصور إلى ناحية حُميد، وكان حُميد مقيمًا بالنيل إلّا أنّ له خيلا بالقَصْر.
وخرج ابن يقطين من بغداد يوم السبت لليلتين خَلَتا من شعبان حتى أتى
стр. 5316
كُوثى. وبلغ حُميدًا الخبر، فلم يعلم ابن يقطين حتى أتاه حُميد وأصحابه إلى كُوثى، فقاتلوه فهزموه، وقتلوا من أصحابه، وأسروا، وغرق منهم بشر كثير، وانتهب حميد وأصحابه ما كان حول كوثى من القُرى وأخذوا البقر والغنم والحمير وما قَدَروا عليه من حَلْي ومتاع وغير ذلك؛ ثم انصرف حتى النّيل، وراجع ابنُ يقطين، فأقام بنهر صَرصَر.
وفي محمد بن أبي خالد قال أبو الشدّاخ:
هَوَى خيلُ الأَبناء بعدَ محمَّدٍ ... وأَصْبحَ منها كاهِلُ العِزِّ أَخضَعَا
فلا تَشمَتُوا يا آلَ سهلٍ بموْتِه ... فإِنَّ لكم يومًا من الدهرِ مَصْرَعَا
وأحْصَى عيسى بن محمد بن أبي خالد ما كان في عسكره، فكانوا مائة ألف وخمسة وعشرين ألفًا بين فارس وراجل؛ فأعطى الفارس أربعين درهمًا، والرّاجل عشرين درهمًا (١).
ذكر خبر خروج المطوّعة للنكير على الفساق
وفي هذه السنة تجرّدت المطوّعة للنكير على الفساق ببغداد، ورئيسهم خالد الدريوش وسهل بن سلامة الأنصاريّ أبو حاتم من أهل خُراسان (٢).
ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله فعلت المطوّعة ما ذكرت:
كان السبب في ذلك أن فساق الحربيّة والشطار الذين كانوا ببغداد والكَرْخ آذوا الناس أذى شديدًا، وأظهروا الفسْق وقطع الطريق وأخذِ الغلمان والنساء علانيةً
стр. 5317
من الطرق؛ فكانوا يجتمعون فيأتُون الرّجل، فيأخذونَ ابنَه، فيذهبون به فلا يقدر أن يمتنع، وكانوا يسألون الرَّجُل أن يُقرِضهم أو يصِلهم فلا يقدر أن يمتنع عليهم؛ وكانوا يجتمعون فيأتُون القرى، فيكاثرون أهلَها، ويأخذون ما قدروا عليه من متاع ومال وغير ذلك؛ لا سلطانَ يمنعهم، ولا يقدر على ذلك منهم؛ لأن السلطان كان يعتزّ بهم، وكانوا بطانته، فلا يقدر أن يمنَعهم من فسق يركبونه، وكانوا يَجْبُون المارّة في الطرق وفي السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين، ويقطعون الطرق علانية، ولا أحد يعدو عليهم، وكان الناس منهم في بلاء عظيم؛ ثم كان آخر أمرهم أنهم خرجوا إلى قُطْرَبّل، فانتهبوها علانيةً، وأخذوا المتاع والذهب والفضة والغنم والبقر والحمير وغير ذلك، وأدخلوها بغداد، وجعلوا يبيعونها علانية، وجاء أهلها فاستعَدوْا السلطان عليهم، فلم يمكنه إعداؤهم عليهم، ولم يردّ عليهم شيئًا مما كان أخِذ منهم، وذلك آخر شعبان.
فلما رأى الناس ذلك وما قد أخِذ منهم؛ وما بيع من متاعِ الناس في أسواقهم، وما قد أظهروا من الفساد في الأرض والظلم والبغي وقَطْع الطريق، وأن السلطان لا يغيّر عليهم، قام صُلحاء كل رَبَض وكلّ دَرْب، فمشى بعضهم إلى بعض، وقالوا: إنما في الدّرب الفاسق والفاسقان إلى العشرة، وقد غلبوكم وأنتم أكتر منهم؛ فلو اجتمعتم حتى يكون أمركم واحدًا، لقمعتم هؤلاء الفُساق، وصاروا لا يفعلون ما يفعلون من إظهار الفسق بين أظهركم.
فقام رجل من ناحية طريق الأنبار يقال له خالد الدريوش، فدعا جيرَانه وأهل بيته وأهل محلّته على أن يعاونوه على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فأجابوه إلى ذلك، وشدّ على مَنْ يليه من الفساق والشطار، فمنعهم مما كانوا يصنعون، فامتنعوا عليه، وأرادوا قتاله، فقاتلهم فهزمهم وأخذ بعضهم، فضربهم وحبسهم ورفعهم إلى السلطان، إلا أنه كان لا يرى أن يُغَيّر على السلطان شيئًا، ثم قام من بعده رجلٌ من أهل الحربيّة، يقال له سهل بن سلامة الأنصاريّ من أهل خُراسان، يكنى أبا حاتم، فدعا الناس إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعمل بكتاب الله جلّ وعزّ وسنّة نبيه ﷺ ، وعلّق مصحفًا في عنقه، ثم بدأ بجيرانه وأهلِ محِلّته، فأمرهم ونهاهم فقبِلوا منه، ثم دعا الناس جميعًا إلى ذلك؛ الشريفَ منهم والوضيعَ، بني هاشم ومَنْ دونهم، وجعل له ديوانًا
стр. 5318
يثبت فيه اسم من أتاه منهم، فبايعه على ذلك، وقتال مَنْ خالفه وخالف ما دعا إليه كائنًا من كان؛ فأتاه خلق كثير، فبايعوا.
ثمّ إنه طاف ببغداد وأسواقها وأرباضها وطرقها، ومنع كلّ من يخفر ويجبي المارّة والمختلفة، وقال: لا خفارة في الإسلام - والخفارة أنه كان يأتي الرجل بعض أصحاب البساتين فيقول: بستانك في خَفري، أدفع عنه من أراده بسوء، ولي في عُنقك كلّ شهر كذا وكذا درهمًا، فيعطيه ذلك شائيًا وآبِيًا - فقوي على ذلك إلا أن الدريوش خالفه، وقال: أنا لا أعيبُ على السلطان شيئًا ولا أغيِّره، ولا أقاتله، ولا آمره بشيء ولا أنهاه. وقال سهل بن سلامة: لكني أقاتل كلّ من خالف الكتاب والسنة كائنًا من كان؛ سلطانًا أو غيره؛ والحق قائم في الناس أجمعين، فمن يبايعني على هذا قبلتُه، ومن خالفني قاتلته، فقام في ذلك سهل يوم الخميس لأربع خلون من شهر رمضان سنة إحدى ومئتين في مسجد طاهر بن الحسين؛ الذي كان بناه في الحربيّة. وكان خالد الدريوش قام قبله بيومين أو ثلاثة، وكان منصور بن المهديّ مقيمًا بعسكره بجَبُّل، فلما كان من ظهور سهل بن سلامة وأصحابه ما كان، وبلغ ذلك منصورًا وعيسى - وإنما كان عُظم أصحابهما الشّطار، ومن لا خير فيه - كسرهما ذلك، ودخل منصور بغداد.
وقد كان عيسى يكاتب الحسن بن سهل، فلما بلغه خبر بغداد، سأل الحسن بن سهل أن يعطيَه الأمان له ولأهل بيته ولأصحابه؛ على أن يعطي الحسن أصحابه وجنده وسائر أهل بغداد رزق ستة أشهر إذا أدركتْ له الغَلّة، فأجابه الحسن، وارتحل عيسى من مُعسكره، فدخل بغداد يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت من شوّال، وتقوّضت جميع عساكرهم، فدخلوا بغداد فأعلمهم عيسى مما دخل لهم فيه من الصّلح، فرضُوا بذلك.
ثم رجع عيسى إلى المدائن، وجاء بحيى بن عبد الله، ابن عمّ الحسن بن سهل، حتى نزل دَير العاقول، فوَلّوْه السواد، وأشركوا بينه وبين عيسى في الولاية، وجعلوا لكلّ عدّة من الطّسَاسيج وأعمال بغداد. فلمّا دخل عيسى فيما في خل فيه - وكان أهل عسكر المهديّ مخالفين له - وثب المطلب بن عبد الله بن مالك الخُزاعيّ يدعو إلى المأمون وإلى الفضل والحسن ابني سهل؛ فامتنع عليه سهل بن سلامة، وقال: ليس على هذا بايعتَني.
стр. 5319
وتحوّل منصور بن المهديّ وخزيمة بن خازم والفضل بن الربيع - وكانوا يوم تحؤلوا بايعوا سهلَ بن سلامة على ما يدعُو إليه من العمل بالكتاب والسنة - فنزلوا بالحربية فرارًا من الطلب، وجاء سهل بن سلامة إلى الحسن، وبعث إلى المطلب أن يأتيَه، وقال: ليس على هذا بايعتَنِي، فأبى المطلب أن يجيئَه، فقاتله سهل يومين أو ثلاثة قتالًا شديدًا؛ حتى اصطلح عيسى والمطلب، فدسّ عيسى إلى سهلٍ مَن اغتاله فضربه ضربة بالسيف؛ إلا أنها لم تعمل فيه؛ فلما اغتيل سهل رجع إلى منزله، وقام عيسى بأمر الناس، فكفُّوا عن القتال.
وقد كان حميد بن عبد الحميد مقيمًا بالنيل، فلما بلغه هذا الخبر دخل الكوفة، فأقام بها أيامًا. ثم إنه خرج منها حتى أتى قصر ابن هبيرة، فأقام به، واتخذ منزلًا وعمل عليه سورًا وخندقًا؛ وذلك في آخر ذي القعدة، وأقام عيسى ببغداد يعرض الجند ويصحّحهم، إلى أن تدرك الغلّة، وبعث إلى سهل بن سلامة فاعتذر إليه مما كان صنع به، وبايعه وأمره أن يعود إلى ما كان عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وأنه عونه على ذلك، فقام سهل بما كان قام به أولا من الدعاء إلى العمل بالكتاب والسنّة.
* * *
ذكر خبر البيعة لعليّ بن موسى بولاية العهد
وفي هذه السنة جعل المأمون عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين بن علي بن أبي طالب ﵁ وليّ عهد المسلمين والخليفة من بعده، وسماه الرّضِيّ من آل محمد ﷺ ، وأمر جنده بطرح السَّواد ولبس ثياب الخُضرة، وكتب بذلك إلى الآفاق (١).
стр. 5320
ذكر الخبر عن ذلك وعما كان سبب ذلك وما آل الأمر فيه إليه:
ذُكر أن عيسى بن محمد بن أبي خالد، بينما هو فيما هو من عَرْض أصحابه بعد منصرَفه من عسكره إلى بغداد، إذ ورد عليه كتاب من الحسن بن سهل يُعلمه أنّ أمير المؤمنين المأمون قد جعل عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد وليّ عهده من بعده، وذلك أنه نظر في بني العباس وبني عليّ، فلم يجد أحدًا هو أفضل ولا أورعَ ولا أعلم منه، وأنه سمَّاه الرضِيّ من آل محمد، وأمره بطرح لُبْس الثياب السود ولبس ثياب الخضرة؛ وذلك يوم الثلاثاء لليلتين خلتا من شهر رمضان سنة إحدى ومائتين، ويأمره أن يأمر مَنْ قبله من أصحابه والجند والقوّاد وبني هاشم بالبيعة له، وأن يأخذهم بلبس الخُضْرة في أقبيتهم وقلانسهم وأعلامهم، ويأخذ أهل بغداد جميعًا بذلك.
فلما أتى عيسى الخبر دعا أهلَ بغداد إلى ذلك على أن يعجِّل لهم رزق شهر، والباقي إذا أدركت الغلّة، فقال بعضهم: نبايع ونلبس الخضرة، وقال بعضهم: لا نبايع ولا نلبس الخضرة، ولا نُخرِج هذا الأمر من ولد العباس؛ وإنما هذا دسيس من الفضل بن سهل، فمكثوا بذلك أيامًا. وغضب ولد العباس من ذلك، واجتمع بعضهم إلى بعض، وتكلموا فيه، وقالوا: نولِّي بعضَنا، ونخلع المأمون، وكان المتكلم في هذا والمختلف والمتقلّد له إبراهيم ومنصور ابنا المهديّ.
* * *
ذكر الدعوة لمبايعة إبراهيم بن المهديّ وخلع المأمون
وفي هذه السنة بايع أهلُ بغداد إبراهيم بن المهديّ بالخلافة وخلعوا المأمون ذكر السبب في ذلك:
قد ذكرنا سببَ إنكار العباسيين ببغداد على المأمون ما أنكروا عليه، واجتماع
стр. 5321
من اجتمع على محاربة الحسن بن سهل منهم؛ حتى خرج عن بغداد. ولمّا كان من بيعة المأمون لعليّ بن موسى بن جعفر - وأمره الناس بلبس الخضرة ما كان، وورود كتاب الحسن على عيسى بن محمد بن أبي خالد يأمره بذلك، وأخْذ الناس به ببغداد، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقِين من ذي الحجة - أظهر العباسيون ببغداد أنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهديّ بالخلافة، ومن بعده ابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهديّ؛ وأنهم قد خلعوأ المأمون (١) وأنهم يعطون عشرة دنانير كل إنسان، أوّل يوم من المحرّم أول يوم من السنة المستقبلة. فقبل بعض ولم يقبل بعض حتى يعطَى؛ فلما كان يوم الجمعة وأرادوا الصلاة أرادوا أن يجعلوا إبراهيم خليفة للمأمون مكان منصور، فأمروا رجلًا يقول حين أذّن المؤذن: إنا نريد أن ندعوَ للمأمون ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة؛ وكانوا قد دسُّوا قومًا، فقالوا لهم: إذا قام يقول: ندعُو للمأمون، فقوموا أنتم فقولوا: لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم ومنْ بعده لإسحاق، وتخلعوا المأمون أصلًا، ليس نريد أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور، ثم تجلسوا في بيوتكم. فلما قام
стр. 5322
مَن يتكلم أجابه هؤلاء، فلم يُصَلّ بهم تلك الجمعة صلاة الجمعة، ولا خطب أحد، إنما صلى الناس أربم ركعات ثم انصرفوا؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين.
وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن خُرْداذْبه وهو والي طَبرستان اللارز والشيرز، من بلاد الديلم، وزادهما في بلاد الإسلام، وافتتح جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شَروين عنها، فقال سلّام الخاسر:
إِنا لنَأْمُلُ فتْحَ الرومِ والصِّين ... بمن أَدال لنا من مُلك شَرْوِينِ
فاشدُدْ يديك بِعبدِ اللهِ إِنَّ لهُ ... مع الأَمانةِ رأْيٌ غيرُ مَوهُونِ (١)
وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون، وأسر أبا ليلى ملك الديلم بغير عهد في هذه السنة.
وفيها مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا.
وفيها تحرّك بابك الخرَّميّ في الجاويذَانيّة أصحاب جاويذان بن سهل، صاحب البذّ، وادّعى أن رُوح جاويذان دخلت فيه، وأخذ في العيْث والفساد.
وفيها أصابَ أهلَ خراسان والريّ وإصبهان مجاعة، وعزَّ الطعام، ووقع الموت.
* * *
وحجّ بالناس فيها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي (٢).
стр. 5323
ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
ذكر خبر بيعة إبراهيم بن المهديّ
فممّا كان فيها من ذلك بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهديّ بالخلافة، وتسميتهم إيّاه المُبارك. وقيل إنهم بايعوه في أوّل يوم من المحرّم بالخلافة، وخلعوا المأمون؛ فلمّا كان يوم الجمعة صعد إبراهيم المنبر؛ فكان أوّل من بايعه عُبيد الله بن العباس بن محمد الهاشميّ، ثم منصور بن المهديّ، ثم سائر بني هاشم، ثم القوّاد. وكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، وكان الذي سعى في ذلك وقام به السنديّ وصالح صاحب المصلّى ومنْجاب ونُصير الوصيف وسائر الموالي؛ إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء والقادة غضبًا منهم على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد عليّ، ولتركه لباس آبائه من السّواد ولبسِه الخُضرة (١).
ولما فرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيَهم أرزاق الأشهر، فدافعهم بها، فلما رأوا ذلك شغَبُوا عليه، فأعطاهم مائتي درهم لكل رجل، وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة بقيّة مالهم حنطة وشعيرًا. فخرجوا في قَبْضها فلم يمرّوا بشيء إلا انتهبوه، فأخذوا النصيبيْن جميعًا، نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان. وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسَّواد كله، وعسكر بالمدائن. وولّى الجانب الشرقيّ من بغداد العباس بن موسى الهادي والجانب الغربيّ إسحاق بن
стр. 5324
موسى الهادي. وقال إبراهيم بن المهديّ:
أَلم تعلَمُوا يا آل فهرٍ بأَنَّني ... شَرَيْتُ بنفسي دُوَنكُمْ في المهالكِ
* * *
خبر تحكيم مهديّ بن علوان الحَرُوريّ (١)
وفي هذه السنة حَكَّم مهديّ بن عُلوان الحروريّ، وكان خروجه بِبُزرجسابور، وغلب على طساسيج هنالك. وعلى نهر بوق والراذانيْن. وقد قيل: إن خروج مهديّ كان في سنة ثلاث ومئتين في شوّال منها، فوجّه إليه إبراهيم بن المهدي أبا إسحاق بن الرشيد في جماعة من القوّاد، منهم أبو البطّ وسعيد بن الساجور، ومع أبي إسحاق غلمان له أتراك؛ فذُكر عن شُبيل صاحب السلبة، أنه كان معه وهو غلام، فلقوا الشُّراة، فطَعن رجل من الأعراب أبا إسحاق، فحامى عنه غلام له تركيّ، وقال له: أشناس مَرَا، أي اعرفْني، فسماه يومئذٍ أشناس، وهو أبو جعفر أشِناس، وهُزم مهديّ إلى حّوْلَايا.
وقال بعضهم: إنما وجّه إبراهيم إلى مهديّ بن علوان الدهقاني الحروريّ المُطَّلبَ، فسار إليه، فلمّا قرب منه أخذ رجلًا من قَعدِ الحروريّة يقال له أقْذَى، فقتله، واجتمعت الأعراب فقاتلوه فهزموه حتى أدخلوه بغداد.
وفي هذه السنة وثب أخو أبي السرايا بالكوفة، فبيّض، واجتمعت إليه جماعة، فلقيه غَسان بن أبي الفرج في رَجب فقتله، وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهديّ.
* * *
ذكر الخبر عن تبييض أخي أبي السرايا وظهوره بالكوفة (٢)
ذكر أن الحسن بن سهل أتاه وهو مقيم بالمبَارك في معسكره كتاب المأمون يأمره بلبس الخضرة، وأن يبايع لعليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بولاية العهد
стр. 5325
من بعده، ويأمره أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها، فارتحل حتى نزل سمّر، وكتب إلى حميد بن عبد الحميد أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها من ناحية أخرى، ويأمر بلباس الخُضرة، ففعل ذلك حميد. وكان سعيد بن الساجور وأبو البطّ وغسان بن أبي الفرج ومحمد بن إبراهيم الإفريقيّ وعِدّة من قوّاد حُميد كاتبوا إبراهيم بن المهديّ، على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة. وكان قد تباعد ما بينهم وبين حميد، فكانوا يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حُميدًا يكاتب إبراهيم، وكان يكتب فيهم بمثل ذلك، وكان الحسن يكتب إلى حُميد يسأله أن يأتيه فلم يفعل، وخاف إن هو خرج إلى الحسن أن يثب الآخرون بعسكره، فكانوا يكتبون إلى الحسن أنّه ليس يمنعه من إتيانك إلّا أنه مخالف لك، وأنه قد اشترى الضياع بين الصّراة وسُورا والسواد. فلما ألحّ عليه الحسن بالكُتب، خرج إليه يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر، فكتب سعيد وأصحابه إلى إبراهيم يعلمونه، ويسألون أن يبعث إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، حتى يدفعوا إليه القصر وعسكر حميد، وكان إبراهيم قد خرج من بغداد يوم الثلاثاء حتى عسكر بكَلْواذى يريد المدائن، فلما أتاه الكتاب وجّه عيسى إليهم.
فلما بلغ أهلَ عسكر حميد خروجُ عيسى ونزوله قرية الأعراب على فرسخ من القصر تهيّئوا للهرب؛ وذلك ليلة الثلاثاء، وشدّ أصحاب سعيد وأبي البطّ والفضل بن محمد بن الصباح الكنديّ الكوفيّ على عسكر حميد؛ فانتهبوا ما فيه، وأخذوا لحُميد - فيما ذكر - مائة بَدْرة أموالًا ومتاعًا، وهرب ابن لحُميد ومعاذ بن عبد الله، فأخذ بعضهم نحو الكوفة وبعض نحو النيل؛ فأمّا ابنُ حميد، فإنه انحدر بجواري أبيه إلى الكوفة، فلما أتى الكوفة اكترى بغالًا ثم أخذ الطريق، ثم لحق بأبيه بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر وسلّمه له سعيد وأصحابه، وصار عيسى وأخذه منهم، وذلك يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الآخر. وبلغ الحسن بن سهل وحميد عنه، فقال له حميد: ألم أعلمك بذلك! ولكن خُدعت، وخرج من عنده حتى أتى الكوفة، فأخذ أموالًا له كانت هنالك ومتاعًا. وولّى على الكوفة العباس بن موسى بن جعفر العلويّ، وأمره بلباس الخضرة، وأن يدعُو للمأمون ومن بعده لأخيه عليّ بن موسى، وأعانه بمائة ألف