من اجتمع على محاربة الحسن بن سهل منهم؛ حتى خرج عن بغداد. ولمّا كان من بيعة المأمون لعليّ بن موسى بن جعفر - وأمره الناس بلبس الخضرة ما كان، وورود كتاب الحسن على عيسى بن محمد بن أبي خالد يأمره بذلك، وأخْذ الناس به ببغداد، وذلك يوم الثلاثاء لخمس بقِين من ذي الحجة - أظهر العباسيون ببغداد أنهم قد بايعوا إبراهيم بن المهديّ بالخلافة، ومن بعده ابن أخيه إسحاق بن موسى بن المهديّ؛ وأنهم قد خلعوأ المأمون (١) وأنهم يعطون عشرة دنانير كل إنسان، أوّل يوم من المحرّم أول يوم من السنة المستقبلة. فقبل بعض ولم يقبل بعض حتى يعطَى؛ فلما كان يوم الجمعة وأرادوا الصلاة أرادوا أن يجعلوا إبراهيم خليفة للمأمون مكان منصور، فأمروا رجلًا يقول حين أذّن المؤذن: إنا نريد أن ندعوَ للمأمون ومن بعده لإبراهيم يكون خليفة؛ وكانوا قد دسُّوا قومًا، فقالوا لهم: إذا قام يقول: ندعُو للمأمون، فقوموا أنتم فقولوا: لا نرضى إلا أن تبايعوا لإبراهيم ومنْ بعده لإسحاق، وتخلعوا المأمون أصلًا، ليس نريد أن تأخذوا أموالنا كما صنع منصور، ثم تجلسوا في بيوتكم. فلما قام
стр. 5322
مَن يتكلم أجابه هؤلاء، فلم يُصَلّ بهم تلك الجمعة صلاة الجمعة، ولا خطب أحد، إنما صلى الناس أربم ركعات ثم انصرفوا؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين بقيتا من ذي الحجة سنة إحدى ومائتين.
وفي هذه السنة افتتح عبد الله بن خُرْداذْبه وهو والي طَبرستان اللارز والشيرز، من بلاد الديلم، وزادهما في بلاد الإسلام، وافتتح جبال طبرستان، وأنزل شهريار بن شَروين عنها، فقال سلّام الخاسر:
إِنا لنَأْمُلُ فتْحَ الرومِ والصِّين ... بمن أَدال لنا من مُلك شَرْوِينِ
فاشدُدْ يديك بِعبدِ اللهِ إِنَّ لهُ ... مع الأَمانةِ رأْيٌ غيرُ مَوهُونِ (١)
وأشخص مازيار بن قارن إلى المأمون، وأسر أبا ليلى ملك الديلم بغير عهد في هذه السنة.
وفيها مات محمد بن محمد صاحب أبي السرايا.
وفيها تحرّك بابك الخرَّميّ في الجاويذَانيّة أصحاب جاويذان بن سهل، صاحب البذّ، وادّعى أن رُوح جاويذان دخلت فيه، وأخذ في العيْث والفساد.
وفيها أصابَ أهلَ خراسان والريّ وإصبهان مجاعة، وعزَّ الطعام، ووقع الموت.
* * *
وحجّ بالناس فيها إسحاق بن موسى بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي (٢).
стр. 5323
ثم دخلت سنة اثنتين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
ذكر خبر بيعة إبراهيم بن المهديّ
فممّا كان فيها من ذلك بيعة أهل بغداد لإبراهيم بن المهديّ بالخلافة، وتسميتهم إيّاه المُبارك. وقيل إنهم بايعوه في أوّل يوم من المحرّم بالخلافة، وخلعوا المأمون؛ فلمّا كان يوم الجمعة صعد إبراهيم المنبر؛ فكان أوّل من بايعه عُبيد الله بن العباس بن محمد الهاشميّ، ثم منصور بن المهديّ، ثم سائر بني هاشم، ثم القوّاد. وكان المتولي لأخذ البيعة المطلب بن عبد الله بن مالك، وكان الذي سعى في ذلك وقام به السنديّ وصالح صاحب المصلّى ومنْجاب ونُصير الوصيف وسائر الموالي؛ إلا أن هؤلاء كانوا الرؤساء والقادة غضبًا منهم على المأمون حين أراد إخراج الخلافة من ولد العباس إلى ولد عليّ، ولتركه لباس آبائه من السّواد ولبسِه الخُضرة (١).
ولما فرغ من البيعة وعد الجند أن يعطيَهم أرزاق الأشهر، فدافعهم بها، فلما رأوا ذلك شغَبُوا عليه، فأعطاهم مائتي درهم لكل رجل، وكتب لبعضهم إلى السواد بقيمة بقيّة مالهم حنطة وشعيرًا. فخرجوا في قَبْضها فلم يمرّوا بشيء إلا انتهبوه، فأخذوا النصيبيْن جميعًا، نصيب أهل البلاد ونصيب السلطان. وغلب إبراهيم مع أهل بغداد على أهل الكوفة والسَّواد كله، وعسكر بالمدائن. وولّى الجانب الشرقيّ من بغداد العباس بن موسى الهادي والجانب الغربيّ إسحاق بن
стр. 5324
موسى الهادي. وقال إبراهيم بن المهديّ:
أَلم تعلَمُوا يا آل فهرٍ بأَنَّني ... شَرَيْتُ بنفسي دُوَنكُمْ في المهالكِ
* * *
خبر تحكيم مهديّ بن علوان الحَرُوريّ (١)
وفي هذه السنة حَكَّم مهديّ بن عُلوان الحروريّ، وكان خروجه بِبُزرجسابور، وغلب على طساسيج هنالك. وعلى نهر بوق والراذانيْن. وقد قيل: إن خروج مهديّ كان في سنة ثلاث ومئتين في شوّال منها، فوجّه إليه إبراهيم بن المهدي أبا إسحاق بن الرشيد في جماعة من القوّاد، منهم أبو البطّ وسعيد بن الساجور، ومع أبي إسحاق غلمان له أتراك؛ فذُكر عن شُبيل صاحب السلبة، أنه كان معه وهو غلام، فلقوا الشُّراة، فطَعن رجل من الأعراب أبا إسحاق، فحامى عنه غلام له تركيّ، وقال له: أشناس مَرَا، أي اعرفْني، فسماه يومئذٍ أشناس، وهو أبو جعفر أشِناس، وهُزم مهديّ إلى حّوْلَايا.
وقال بعضهم: إنما وجّه إبراهيم إلى مهديّ بن علوان الدهقاني الحروريّ المُطَّلبَ، فسار إليه، فلمّا قرب منه أخذ رجلًا من قَعدِ الحروريّة يقال له أقْذَى، فقتله، واجتمعت الأعراب فقاتلوه فهزموه حتى أدخلوه بغداد.
وفي هذه السنة وثب أخو أبي السرايا بالكوفة، فبيّض، واجتمعت إليه جماعة، فلقيه غَسان بن أبي الفرج في رَجب فقتله، وبعث برأسه إلى إبراهيم بن المهديّ.
* * *
ذكر الخبر عن تبييض أخي أبي السرايا وظهوره بالكوفة (٢)
ذكر أن الحسن بن سهل أتاه وهو مقيم بالمبَارك في معسكره كتاب المأمون يأمره بلبس الخضرة، وأن يبايع لعليّ بن موسى بن جعفر بن محمد بولاية العهد
стр. 5325
من بعده، ويأمره أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها، فارتحل حتى نزل سمّر، وكتب إلى حميد بن عبد الحميد أن يتقدّم إلى بغداد حتى يحاصر أهلها من ناحية أخرى، ويأمر بلباس الخُضرة، ففعل ذلك حميد. وكان سعيد بن الساجور وأبو البطّ وغسان بن أبي الفرج ومحمد بن إبراهيم الإفريقيّ وعِدّة من قوّاد حُميد كاتبوا إبراهيم بن المهديّ، على أن يأخذوا له قصر ابن هبيرة. وكان قد تباعد ما بينهم وبين حميد، فكانوا يكتبون إلى الحسن بن سهل يخبرونه أن حُميدًا يكاتب إبراهيم، وكان يكتب فيهم بمثل ذلك، وكان الحسن يكتب إلى حُميد يسأله أن يأتيه فلم يفعل، وخاف إن هو خرج إلى الحسن أن يثب الآخرون بعسكره، فكانوا يكتبون إلى الحسن أنّه ليس يمنعه من إتيانك إلّا أنه مخالف لك، وأنه قد اشترى الضياع بين الصّراة وسُورا والسواد. فلما ألحّ عليه الحسن بالكُتب، خرج إليه يوم الخميس لخمس خلون من ربيع الآخر، فكتب سعيد وأصحابه إلى إبراهيم يعلمونه، ويسألون أن يبعث إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد، حتى يدفعوا إليه القصر وعسكر حميد، وكان إبراهيم قد خرج من بغداد يوم الثلاثاء حتى عسكر بكَلْواذى يريد المدائن، فلما أتاه الكتاب وجّه عيسى إليهم.
فلما بلغ أهلَ عسكر حميد خروجُ عيسى ونزوله قرية الأعراب على فرسخ من القصر تهيّئوا للهرب؛ وذلك ليلة الثلاثاء، وشدّ أصحاب سعيد وأبي البطّ والفضل بن محمد بن الصباح الكنديّ الكوفيّ على عسكر حميد؛ فانتهبوا ما فيه، وأخذوا لحُميد - فيما ذكر - مائة بَدْرة أموالًا ومتاعًا، وهرب ابن لحُميد ومعاذ بن عبد الله، فأخذ بعضهم نحو الكوفة وبعض نحو النيل؛ فأمّا ابنُ حميد، فإنه انحدر بجواري أبيه إلى الكوفة، فلما أتى الكوفة اكترى بغالًا ثم أخذ الطريق، ثم لحق بأبيه بعسكر الحسن، ودخل عيسى القصر وسلّمه له سعيد وأصحابه، وصار عيسى وأخذه منهم، وذلك يوم الثلاثاء لعشر خلون من ربيع الآخر. وبلغ الحسن بن سهل وحميد عنه، فقال له حميد: ألم أعلمك بذلك! ولكن خُدعت، وخرج من عنده حتى أتى الكوفة، فأخذ أموالًا له كانت هنالك ومتاعًا. وولّى على الكوفة العباس بن موسى بن جعفر العلويّ، وأمره بلباس الخضرة، وأن يدعُو للمأمون ومن بعده لأخيه عليّ بن موسى، وأعانه بمائة ألف
стр. 5326
درهم، وقال له: قاتل عن أخيك، فإن أهل الكوفة يُجيبونك إلى ذلك؛ وأنا معك.
فلمّا كان الليل خرج حميد من الكوفة وترَكه، وقد كان الحسن وجّه حكيمًا الحارثيّ حين بلغه الخبر إلى النيل، فلما بلغ ذلك عيسى وهو بالقصر تهيّأ هو وأصحابه، حتى خرجوا إلى النّيل؛ فلما كان ليلة السبت لأربع عشرة ليلة خلتْ من ربيع الآخر طلعت حُمرة في السماء، ثم ذهبت الحمرة، وبقي عمودان أحمران في السماء إلى آخر الليل؛ وخرج غداة السبت عيسى وأصحابه من القصر إلى النيل، فواقعهم حكيم، وأتاهم عيسى وسعيد وهم في الوقعة، فانهزم حكيم، ودخلوا النِّيل.
فلما صاروا بالنِّيل، بلغهم خبر العباس بن موسى بن جعفر العلويّ، وما يدعو إليه أهل الكوفة، وأنه قد أجابه قوم كثير منهم، وقال له آخرون: إن كنتَ تدعو للمأمون ثم من بعده لأخيك فلا حاجةَ لنا في دعوتك، وإن كنت تدعو إلى أخيك أو بعض أهل بيتك أو إلى نفسك أجبناك. فقال: أنا أدعو إلى المأمون ثم من بعده لأخي؛ فقعد عنه الغالية من الرّافضة وأكثر الشيعة. وكان يُظهر أن حميدًا يأتيه فيعينه ويقوّيه، وأن الحسن يوجّه إليه قومًا من قبَله مددًا، فلم يأته منهم أحد، وتوجّه إليه سعيد وأبو البط من النيل إلى الكوفة، فلما صاروا بدير الأعور، أخذوا طريقًا يخرج بهم إلى عسكر هرثمة عند قرية شاهي.
فلمّا التأم إليه أصحابه، خرجوا يوم الإثنين لليلتين خَلتَا من جمادى الأولى. فلما صاروا قرب القنطرة خرج عليهم عليّ بن محمد بن جعفر العلويّ، ابن المبايع له بمكة. وأبو عبد الله أخو أبي السرايا ومعهم جماعة كثيرة، وجّههم مع علي بن محمد ابنُ عمه صاحب الكوفة العباسُ بن موسى بن جعفر، فقاتلوهم ساعة، فانهزم عليّ وأصحابه حتى دخلوا الكوفة، وجاء سعيد وأصحابه حتى نزلوا الحيرة؛ فلمّا كان يوم الثلاثاء غدوْا فقاتلوهم مما يلي دار عيسى بن موسى، وأجابهم العباسيون ومواليهم، فخرجوا إليهي من الكوفة، فاقتتلوا يومهم إلى الليل، وشعارهم: "يا إبراهيم يا منصور، لا طاعة للمأمون"، وعليهم السّواد، وعلى العباس وأصحابه من أهل الكوفة الخُضْرة.
فلما كان يوم الأربعاء اقتتلوا في ذلك الموضع، فكان كلّ فريق منهم إذا
стр. 5327
ظهروا على شيء أحرقوه. فلما رأى ذلك رؤساء أهل الكوفة، أتوْا سعيدًا وأصحابَه، فسألوه الأمان للعباس بن موسى بن جعفر وأصحابه؛ على أن يخرج من الكوفة، فأجابوهم إلى ذلك، ثم أتَوا العباس فأعلموه، وقالوا: إن عامّة مَن معك غوغاء، وقد ترى ما يلقى الناس من الحرْق والنهب والقتل؛ فاخرج من بين أظهرنا، فلا حاجة لنا فيك. فقبل منهم، وخاف أن يُسلموه، وتحوّل من منزله الذي كان فيه بالكُناسة، ولم يعلم أصحابه بذلك، وانصرف سعيد وأصحابه إلى الحيرة، وشدّ أصحاب العباس بن موسى على مَنْ بقي من أصحاب سعيد وموالي عيسى بن موسى العباسيّ، فهزموهم حتى بلغوا بهم الخندق، ونهبُوا ربَض عيسى بن موسى، فأحرقوا الدّور، وقتلوا من ظهروا به. فبعث العباسيّون ومواليهم إلى سعيد يعلمونه بذلك، وأنّ العباس قد رجع عما كان طلب من الأمان. فركب سعيد وأبو البط وأصحابهما حتى أتوا الكوفة عَتمَةً، فلم يظفروا بأحد منهم ينتهب إلّا قتلوه، ولم يظهروا على شيء مما كان في أيدي أصحاب العباس إلا أحرقوه؛ حتى بلغوا الكُناسة، فمكثوا بذلك عامة الليل حتى خرج إليهم رؤساء أهل الكوفة، فأعلموهم أنّ هذا من عمل الغوغاء، وأن العباس لم يرجع عن شيء. فانصرفوا عنهم.
فلمّا كان غداة الخميس لخمس خلون من جمادى الأولى، جاء سعيد وأبو البطّ حتى دخلوا الكوفة، ونادى مناديهم: أمن الأبيض والأسود؛ ولم يعرضوا لأحد من الخلق إلا بسبيل خير، وولّوْا على الكوفة الفضل بن محمد بن الصباح الكنديّ، من أهلها. فكتب إليهم إبراهيم بن المهديّ يأمرهم بالخروج إلى ناحية واسط، وكتب إلى سعيد أن يستعمل على الكوفة غير الكنديّ، لميله إلى أهل بلده؛ فولّاها غسان بن أبي الفرج، ثم عزله بعدما قتل أبا عبد الله أخا أبي السرايا، فولاها سعيدٌ ابنَ أخيه الهوْل؛ فلم يزل واليًا عليها حتى قدمها حميد بن عبد الحميد، وهرب الهوْل منها، وأمر إبراهيم بن المهديّ عيسى بن محمد بن أبي خالد أن يسيرَ إلى ناحية واسط على طريق النيل، وأمر ابن عائشة الهاشميّ ونعيم بن خازم أن يسيرا جميعًا، فخرجا مما يلي جُوخى، وبذلك أمرهما، وذلك في جمادى الأولى. ولحق بهما سعيد وأبو البطّ والإفريقي حتى عسكروا بالصيّادة قرب واسط، فاجتمعوا جميعًا في مكان واحد، وعليهم
стр. 5328
عيسى بن محمد بن أبي خالد، فكانوا يركبون حتى يأتوا عسكر الحسن وأصحابه بواسط في كلّ يوم، فلا يخرج إليهم من أصحاب الحسن أحد، وهم متحصّنون بمدينة واسط.
ثم إن الحسن أمر أصحابه بالتهيُّؤ للخروج للقتال، فخرجوا إليهم يوم السبت لأربع بقينَ من رجب، فاقتتلوا قتالًا شديدًا إلى قريب الظهر. ثم وقعت الهزيمة على عيسى وأصحابه، فانهزموا حتى بلغوا طرنايا والنيل، وأخذ أصحاب الحسن جميع ما كان في عسكرهم من سلاح ودوابّ وغير ذلك.
* * *
ظفر إبراهيم بن المهديِّ بسهل بن سلامة المطوّعيّ
وفى هذه السنة ظفر إبراهيم بن المهدي بسهل بن سلامة المطوّعيّ فحبسه وعاقبه (١).
ذكر الخبر عن سبب ظفره به وحبسه إياه:
ذُكر أنّ سهل بن سلامة كان مقيمًا ببغداد، يدعو إلى العمل بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ فلم يزل كذلك حتى أجتمع إليه عامةُ أهل بغداد ونزلوا عنده؛ سوى مَنْ هو مقيم في منزله، وهواه ورأيه معه؛ وكان إبراهيم قد همّ بقتاله قبل الوَقعة، ثم أمسك عن ذلك، فلمَّا كانت هذه الوقعة وصارت الهزيمة على أصحاب عيسى ومَنْ معه أقبل على سهل بن سلامة، فدسّ إليه وإلى أصحابه الذين بايعوه على العمل بالكتاب والسنة، وألَّا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق؛ فكان كلُّ مَنْ أجابه إلى ذلك قد عمل على باب داره بُرجًا بجصّ وآجرّ، ونصب عليه السلاح والمصاحف؛ حتى بلغوا قرب باب الشأم؛ سوى مَنْ أجابه من أهل الكرْخ وسائر الناس؛ فلما رجع عيسى من الهزيمة إلى بغداد، أقبل هو وإخوته وجماعة أصحابه نحو سهل بن سلامة؛ لأنه كان يذكّرهم بأسوأ أعمالهم وفعَالهم، ويقول: الفسّاق؛ لم يكن لهم عنده اسم غيره، فقاتلوه أيامًا؛ وكان الذي تولى قتاله عيسى بن محمد بن أبي خالد، فلمّا صار إلى الدّروب التي قرب سهل أعطى
стр. 5329
أهلَ الدروب الألف الدرهم والألفين درهمًا؛ على أن يتنحوْا له عن الدروب، فأجابوه إلى ذلك؛ فكان نصيبُ الرجل الدرهم والدرهمين ونحو ذلك؛ فلما كان يوم السبت لخمس بقين من شعبان تهيئوا له من كلّ وجه، وخذَله أهل الدروب حتى وصلوا إلى مسجد طاهر بن الحسين وإلى منزله؛ وهو بالقرب من المسجد؛ فلما وصلوا إليه اختفى منهم، وألقى سلاحه، واختلط بالنظارة، ودخل بين النساء فدخلوا منزله.
فلمّا لم يظفروا به جعلوا عليه العيون؛ فلمّا كان الليل أخذوه في بعض الدّروب التي قرب منزله، فأتوا به إسحاق بن موسى الهادي - وهو وليّ العهد بعد عمّه إبراهيم بن المهديّ وهو بمدينة السلام - فكلّمه وحاجّه، وجمع بينه وبين أصحابه، وقال له: حرّضت علينا الناس، وعبتَ أمرنا! فقال له: إنما كانت دعوتي عباسيّة؛ وإنما كنتُ أدعو إلى العمل بالكتاب والسنة؛ وأنا على ما كنْتُ عليه أدعوكم إليه الساعة. فلم يقبلوا ذلك منه. ثم قالوا له: اخرج إلى الناس، فقل لهم: إن ما كنت أدعوكم إليه باطلٌ. فأخرِج إلى الناس وقال: قد علمتم ما كنتُ أدعوكم إليه من العمل بالكتاب والسنة، وأنا أدعوكم إليه الساعة. فلما قال لهم هذا وجؤوا عنقه، وضربوا وجهه؛ فلما صنعوا ذلك به قال: المغرور مَنْ غررتموه يا أصحاب الحربيّة؛ فأخِذ فأدخل إلى إسحاق، فقيّده، وذلك يوم الأحد. فلما كان ليلة الإثنين خرجوا به إلى إبراهيم بالمدائن، فلما دخل عليه كلمه بما كلم به إسحاق، فردّ عليه مثل ما ردّ على إسحاق. وقد كانوا أخذوا رجلًا من أصحابه يقال له محمد الرواعيّ، فضربه إبراهيم، ونتَف لحيته، وقيّده وحبسه؛ فلما أخذ سهل بن سلامة حبسوه أيضًا، وادّعوا أنه كان دُفع إلى عيسى، وأنّ عيسى قتله؛ وإنما أشاعوا ذلك تخوّفًا من الناس أن يعلموا بمكانه فيخرجوه؛ فكان بين خروجه وبين أخذه وحبسه اثنا عشر شهرًا.
* * *
стр. 5330
ذكر خبر شخوص المأمون إلى العراق
وفي هذه السنة شخص المأمون من مَرْو يريد العراق (١)
ذكر الخبر عن شخوصه منها:
ذُكر أن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمد العلويّ أخْبر المأمون بما فيه الناس من الفتنة والقتال منذ قتل أخوه، وبما كان الفضل بن سهل يستر عنه من الأخبار، وأنّ أهل بيته والناس قد نقَموا عليه أشياء؛ وأنهم يقولون إنه مسحور مجنون، وأنهم لما رأوا ذلك بايعوا لعمّه إبراهيم بن المهديّ بالخلافة. فقال المأمون: إنهم لم يبايعوا له بالخلافة؛ وإنما صيّروه أميرًا يقوم بأمرهم، على ما أخبره به الفضل، فأعلمه أن الفضل قد كذَبه وغشّه، وأن الحرب قائمة بين إبراهيم والحسن بن سهل، وأنّ الناس ينقمون عليك مكانه ومكان أخيه ومكاني ومكان بيعتك لي من بعدك، فقال: ومَنْ يعلم هذا من أهل عسكري؟ قال له: يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وعدّة من وجوه أهل العسكر، فقال له: أدخلهم على حتى أسألهم عمّا ذكرتْ، فأدخلهم عليه؛ وهم يحيى بن معاذ وعبد العزيز بن عمران وموسى وعليّ بن أبي سعيد - وهو ابن أخت الفضل - وخلف المصريّ، فسألهم عما أخبره، فأبوْا أن يخبروه حتى يجعل لهم الأمان من الفضل بن سهل؛ ألا يعرض لهم، فضمن ذلك لهم، وكتب لكلّ رجل منهم كتابًا بخطه، ودفعه إليهم، فأخبروه بما فيه الناس من الفتن، وبيّنوا ذلك له، وأخبروه بغضب أهل بيته ومواليه وقوّاده عليه في أشياء كثيرة، وبما موّه عليه الفضل من أمر هرثمة، وأنّ هرثمة إنما جاءه لينصحه وليبين له ما يعمل عليه، وأنه إن لم يتدارك أمره خرجت الخلافة منه ومن أهل بيته، وأنّ الفضل دسّ إلى هرثمة مَنْ قتله، وأنه أراد نصحه؛ وأن طاهر بن الحسين قد أبلى في طاعته ما أبلى، وافتتح ما افتتح، وقاد إليه الخلافة مزمومة، حتى إذا وطّأ الأمر أخرِج من ذلك كله، وصُيّر في زاوية من الأرض بالرّقة، قد حُظرت عليه الأموال حتى ضعف أمرُه فشغب عليه جنده، وأنه لو كان على خلافتك ببغداد لضبط الملك،
стр. 5331
ولم يجتَرأ عليه بمثل ما اجترِى به على الحسن بن سهل، وأنّ الدنيا قد تفتّقت من أقطارها، وأن طاهر بن الحسين قد تُنوسيَ في هذه السنين منذ قتل محمد في الرّقة، لا يُستعان به في شيء من هذه الحروب؛ وقد أستعين بمن هو دونه أضعافًا، وسألوا المأمون الخروج إلى بغداد في بني هاشم والموالي والقواد، والجندُ لو رأوا عزّتك سكنوا إلى ذلك، وبخَعُوا بالطاعة.
فلما تحقق ذلك عند المأمون أمر بالرحيل إلى بغداد؛ فلمّا أمر بذلك علم الفضل بن سهل ببعض ذلك من أمرهم، فتعنّتهم حتى ضرب بعضهم بالسياط وحبس بعضًا، ونتف لحى بعض؛ فعاوده عليّ بن موسى في أمرهم، وأعلمه ما كان من ضمانه لهم؛ فأعلمه أنه يداري ما هو فيه. ثم ارتحل من مرْو فلما أتى سرخَسْ شدّ قوم على الفضل بن سهل وهو في الحمام، فضربوه بالسيوف حتى مات؛ وذلك يوم الجمعة لليلتين خلتا من شعبان سنة اثنتين ومائتين. فأخِذوا، وكان الذين قتلوا الفضل من حشم المأمون وهو أربعة نفر: أحدهم غالب المسعوديّ الأسود، وقسطنطين الروميّ، وفرج الديلميّ، وموفّق الصّقلبيّ، وقتلوه وله ستون سنة؛ وهربوا. فبعث المأمون في طلبهم، وجعل من جاء بهم عشرة آلاف دينار، فجاء بهم العباس بن الهيثم بن بُزُرْجمهر الدينوريّ، فقالوا للمأمون: أنت أمرتَنا بقتله، فأمر بهم فضرِبت أعناقهم (١). وقد قيل: إن الذين قتلوا الفضل لمّا أخِذوا ساءلهم المأمون؛ فمنهم من قال: إن عليّ بن أبي سعيد، ابن أخت الفضل دسّهم، ومنهم من أنكر ذلك، وأمر بهم فقتلوا. ثم بعث إلى عبد العزيز بن عمران وعليّ وموسى وخلف فساءلهم فأنكروا أن يكونوا علموا بشيء من ذلك؛ فلم يقبل ذلك منهم وأمر بهم فقتلوا، وبعث برءوسهم إلى الحسن بن سهل إلى واسط، وأعلمه ما دخل عليه من المصيبة لقتل الفضل،
стр. 5332
وأنه قد صيّره مكانه. ووصل الكتاب بذلك إلى الحسن في شهر رمضان، فلم يزل الحسن وأصحابه حتى أدركت الغلّة وجُبيَ بعض الخراج، ورحَل المأمون من سَرخَسْ نحو العراق يوم الفطْر، وكان إبراهيم بن المهديّ بالمدائن وعيسى وأبو البطّ وسعيد بالنيل وطرنايا يراوحون القتال ويغادونه؛ وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك بن عبد الله قدِم من المدائن، فاعتلّ بأنه مريض، وجعل يدعو في السرّ إلى المأمون؛ على أن المنصور بن المهديّ خليفة المأمون، ويخلعون إبراهيم، فأجابه إلى ذلك منصور وخزيمة بن خازم وقوّاد كثير من أهل الجانب الشرقيّ، وكتب المطلب إلى حُميد وعليّ بن هشام أن يتقدّما فينزل حُميد نهر صرصر وعليّ النهروان؛ فلما تحقق عند إبراهيم الخبر خرج من المدائن إلى بغداد، فنزل زَنْدَوردْ يوم السبت لأربع عشرة خلت من صفر، وبعث إلى المطلب ومنصور وخزيمة، فلما أتاهم رسولُه اعتلّوا عليه؛ فلما رأى ذلك بعث إليهم عيسى بن محمد بن أبي خالد وإخوته؛ فأما منصور وخزيمة فأعطوْا بأيديهما، وأما المطلب فإن مواليه وأصحابه قاتلوا عن منزله حتى كثر الناس عليهم، وأمر إبراهيم مناديًا فنادى: من أراد النهب فليأت دار المطّلب، فلما كان وقت الظهر وصلوا إلى داره، فانتهبوا ما وجدوا فيها، وانتهبوا دورَ أهل بيته، وطلبوه فلم يظفروا به، وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من صفر.
فلما بلغ حميدًا وعلي بن هشام الخبر بعث حميد قائدًا فأخذ المدائن، وقَطَع الجسر، ونزل بها، وبعث عليّ بن هشام قائدًا فنزل المدائن، وأتى نهر دَيَالى فقطَعه، وأقاموا بالمدائن، وندم إبراهيم حيث صنع بالمطّلب ما صنع، ثم لم يظفر به.
* * *
وفي هذه السنة تزوّج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل.
وفيها زوّج المأمون عليّ بن موسى الرضِيّ ابنته أم حبيب، وزوّج محمد بن عليّ بن موسى ابنته أم الفضل (١).
стр. 5333
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد، فدعا لأخيه بعد المأمون بولاية العهد (١).
وكان الحسن بن سهل كتب إلى عيسى بن يزيد الجُلُوديّ، وكان بالبصرة فوافى مكة في أصحابه، فشهد الموسم، ثم انصرف ومضى إبراهيم بن موسى إلى اليمن؛ وكان قد غلب عليها حمدويه بن عليّ بن عيسى بن ماهان.
ثم دخلت سنة ثلاث ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
موت عليّ بن موسى الرضيّ ذكر أن مما كان فيها موت عليّ بن موسى بن جعفر (٢)
ذكر الخبر عن سبب وفاته:
ذُكر أنّ المأمون شخص من سَرَخْس حتى صار إلى طُوس، فلما صار بها أقام بها عند قبر أبيه أيامًا. ثم إنّ عليّ بن موسى أكل عنبًا فأكثر منه، فمات فجأة؛ وذلك في آخر صفر، فأمر به المأمون فدفن عند قبر الرّشيد، وكتب في شهر ربيع الأول إلى الحسن بن سهل يعلمه أن عليّ بن موسى بن جعفر مات، ويعلمه ما دخل عليه من الغمّ والمصيبة بموته، وكتب إلى بني العباس والموالي وأهل بغداد يعلمهم موتَ عليّ بن موسى، وأنهم إنما نقَموا بيعته له من بعده؛ ويسألهم الدخول في طاعته. فكتبوا إليه وإلى الحسن جواب الكتاب بأغلظ ما يُكتَب به إلى أحد. وكان الذي صلّى على علي بن موسى المأمون.
* * *
стр. 5334
ورحل المأمون في هذه السنة من طوس يريد بغداد، فلما صار إلى الرّيّ أسقط من وظيفتها ألفي ألف درهم (١).
وفي هذه السنة غلبت السوداء على الحسن بن سهل، فذُكر سبب ذلك أنه كان مرض مرضًا شديدًا، فهاج به من مرضه تغيّر عقله، حتى شُدّ في الحديد وحبِس في بيت. وكتب بذلك قوّاد الحسن إلى المأمون، فأتاهم جواب الكتاب أن يكون على عسكره دينار بن عبد الله، ويعلمهم أنه قادم على أثر كتابه.
* * *
خبر حبس إبراهيم بن المهديّ عيسى بن محمد بن أبي خالد
وفي هذه السنة ضرب إبراهيم بن المهديّ عيسى بن محمد بن أبي خالد وحبسه.
ذكر الخبر عن سبب ذلك:
ذُكر أن عيسى بن محمد بن أبي خالد كان يكاتب حُميدًا والحسن؛ وكان الرّسول بينهم محمد بن محمد المعبديّ الهاشميّ، وكان يُظهر لإبراهيم الطاعة والنصيحة، ولم يكن يقاتل حُميدًا ولا يعرض له في شيء من عمله؛ وكان كلّما قال إبراهيم: تهيّأ للخروج لقتال حُميد، يعتلّ عليه بأنّ الجند يريدون أرزاقهم، ومرة يقول: حتى تُدرِك الغلّة؛ فما زال بذلك حتى إذا توثق مما يريد مما بينه وبين الحسن وحُميد فارقهم، على أن يدفع إليهم إبراهيم بن المهديّ يوم الجمعة لانسلاخ شوّال. وبلغ الخبر إبراهيم؛ فلما كان يوم الخميس، جاء عيسى إلى باب الجسر، فقال للناس: إني قد سالمت حُميدًا، وضمنت له ألّا أدخل عمله، وضمن لي ألّا يدخل عملي. ثم أمر أن يُحفَر خندق بباب الجسر وباب الشأم، وبلغ إبراهيمَ ما قال وما صنع، وقد كان عيسى سأل إبراهيم أن يصلِّي الجمعة بالمدينة، فأجابه إلى ذلك، فلمّا تكلم عيسى بما تكلم به، وبلغ إبراهَيمَ الخبر وأنه يريد أخذه حذر.
стр. 5335
وذُكر أنّ هارون أخا عيسى أخبر إبراهيم بما يريد أن يصنع به عيسى؛ فلمّا أخبره، بعث إليه أن يأتيَه حتى يناظره في بعض ما يريد، فاعتلّ عليه عيسى، فلم يزل إبراهيم يعيد إليه الرّسل حتى أتاه إلى قصره بالرّصافة، فلما دخل عليه حُجب الناس، وخلا إبراهيم وعيسى، وجعل يعاتبه، وأخذ عيسى يعتذر إليه مما يعتبه به، وينكر بعض ما يقول؛ فلما قرّره بأشياء أمر به فضرب. ثم إنه حبسه وأخذ عدّة من قوّاده فحبسهم، وبعث إلى منزله، فأخذ أم ولده وصبيانًا له صغارًا؛ فحبسهم؛ وذلك ليلة الخميس لليلة بقيت من شوال. وطلب خليفة له يقال له العباس فاختفى. فلما بلغ حبسُ عيسى أهلَ بيته وأصحابه، مشى بعضُهم إلى بعض، وحرّض أهلَ بيته وإخوته الناس على إبراهيم واجتمعوا؛ وكان رأسَهُم عباس خليفة عيسى، فشدُّوا على عامل إبراهيم على الجسر فطردوه، وعبرَ إلى إبراهيم فأخبره الخبر، وأمر بقطع الجسر فطردوا كلَّ عامل كان لإبراهيم في الكرخ وغيره، وظهر الفسّاق والشطار، فقعدوا في المسالح. وكتب عباس إلى حُميد يسأله أن يقدم إليهم حتى يسلموا إليه بغداد، فلمّا كان يوم الجمعة صلّوا في مسجد المدينة أربع ركعات، صلّى بهم المؤذن بغير خطبة.
* * *
ذكر خبر خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهديّ
وفي هذه السنة خلع أهل بغداد إبراهيم بن المهديّ، ودعوا للمأمون بالخلافة (١).
ذكر الخبر عن سبب ذلك:
قد ذكرنا قبل ماكان من إبراهيم وعيسى بن محمد بن أبي خالد وحبْس إبراهيم إياه، واجتماع عباس خليفة عيسى وإخوة عيسى على إبراهيم، وكتابهم إلى حُميد يسألونه المصيرَ إليهم ليُسلّموا بغداد إليه؛ فذكِر أنّ حُميدًا لما أتاه
стр. 5336
كتابُهم، وفيه شرط منهم عليه أن يعطيَ جند أهل بغداد؛ كلّ رجل منهم خمسينَ درهمًا، فأجابهم إلى ذلك، وجاء حتى نزل صَرْصر بطريق الكوفة يوم الأحد، وخرج إليه عباس وقوّاد أهل بغداد، فلقُوه غَداة الإثنين، فوعدهم ومنَّاهم، وقبلوا ذلك منه، فوعدهم أن يضع لهم العطاء يوم السبت في الياسريّة، على أن يصلّوا الجمعة فيدعوا للمأمون، ويخلعوا إبراهيم؛ فأجابوه إلى ذلك. فلما بلغ إبراهيمَ الخبرُ أخرج عيسى وإخوته من الحبس، وسأله أن يرجع إلى منزله، ويكفيه أمر هذا الجانب، فأبى ذلك عليه.
فلما كان يوم الجمعة بعث عباس إلى محمد بن أبي رجاء الفقيه، فصلّى بالناس الجمعة، ودعا للمأمون، فلما كان يوم السبت جاء حُميد إلى الياسريّة فعرض حُميد جند أهل بغداد، وأعطاهم الخمسين التي وعدهم، فسألوه أن ينقصهم عشرة عشرة، فيعطيَهم أربعين أربعين درهمًا لكل رجل منهم؛ لما كانوا تشاءموا به من عليّ بن هشام حين أعطاهم الخمسين، فغَدر بهم، وقطع العطاء عنهم، فقال لهم حميد: لا بل أزيدكم وأعطيكم ستين درهمًا لكل رجل. فلما بلغ ذلك إبراهيم دعا عيسى فسأله أن يقاتل حُميدًا، فأجابه إلى ذلك، فخلَّى سبيله، وأخذ منه كُفلاء، فكلم عيسى الجند أن يعطيَهم مثل ما أعطى حميد؛ فأبوا ذلك عليه، فلما كان يوم الإثنين عبر إليهم عيسى وإخوته وقوّاد أهل الجانب الشرقيّ، فعرضوا على أهل الجانب الغربيّ أن يزيدُوهم على ما أعطى حُميد، فشتموا عيسى وأصحابه، وقالوا: لا نريد إبراهيم. فخرج عيسى وأصحابه حتى دخلوا المدينة، وأغلقوا الأبواب، وصعدوا السور، وقاتلوا الناس ساعة. فلما كثر عليهم الناس انصرفوا راجعين؛ حتى أتوا باب خُراسان، فركبوا في السفن، ورجع عيسى كأنه يريد أن يقاتلهم، ثم احتال حتى صار في أيديهم شبه الأسير، فأخذه بعض قواده فأتى به منزله، ورجع الباقون إلى إبراهيم فأخبروه الخبر، فاغتمّ لذلك غمًّا شديدًا؛ وقد كان المطلب بن عبد الله بن مالك اختفى من إبراهيم، فلما قدم حُميد أراد العبور إليه فأخذه المعبِّر، فذهب إلى إبراهيم فحبسه عنده ثلاثة أيام أو أربعة، ثم إنه خلّى عنه ليلة الإثنين لليلة خلت من ذي الحجة.
* * *
стр. 5337
ذكر خبر اختفاء إبراهيم بن المهديّ
وفي هذه السنة اختفى إبراهيم بن المهديّ، وتغيّب بعد حربٍ بينه وبين حميد بن عبد الحميد، وبعد أن أطلق سعد بن سلامة من حبسه.
ذكر الخبر عن اختفائه والسبب في ذلك:
ذُكر أنّ سهل بن سلامة كان الناس يذكرون أنه مقتول، وهو عند إبراهيم محبوس؛ فلمّا صار حُميد إلى بغداد ودخلها أخرجه إبراهيم. وكان يدعو في مسجد الرُّصافة كما كان يدعو، فإذا كان الليل ردّه إلى حبسه؛ فمكث بذلك أيامًا، فأتاه أصحابه ليكونوا معه، فقال لهم: الزموا بيوتكم، فإني أرْزَأ هذا - يعني إبراهيم - فلما كان ليلة الإثنين لليلة خلت من ذي الحجّة خلى سبيله، فذهب فاختفى، فلما رأى أصحاب إبراهيم وقوّاده أن حُميدًا قد نزل في أرجاء عبد الله بن مالك، تحوّل عامّتُهم إليه، وأخذوا له المدائن؛ فلمّا رأى ذلك إبراهيم، أخرج جميع مَنْ عنده حتى يقاتلوا، فالتقوْا على جسر نهر ديَالى، فاقتتلوا، فهزمهم حُميد، فقطعوا الجسر، فتبعهم أصحابُه حتى أدخلوهم بيوت بغداد، وذلك يوم الخميس لانسلاخ ذي القعدة.
فلما كان يوم الأضحى أمر إبراهيم القاضيَ أن يصلِّيَ بالناس في عيساباذ، فصلّى بهم فانصرف الناس، واختفى الفضل بن الربيع، ثم تحوّل إلى حُميد، ثم تحوّل عليّ بن ريطة إلى عسكر حُميد، وجعل الهاشميون والقوّاد يلحقون بحُميد واحدًا بعد واحد؛ فلما رأى ذلك إبراهيم أسقِط في يديه، فشقّ عليه. وكان المطّلب يكاتب حميدًا على أن يأخذ له الجانب الشرقيّ، وكان سعيد بن الساجور وأبو البطّ وعبدويه وعدّة معهم من القواد يكاتبون عليّ بن هشام، على أن يأخذوا له إبراهيم؛ فلمّا علم إبراهيم بأمرهم وما اجتمع عليه كلّ قوم من أصحابه، وأنهم قد أحدقوا به، جعل يُداريهم؛ فلما جنّه الليل اختفى ليلة الأربعاء لثلاث عشرة بقيت من ذي الحجة من ثلاث ومائتين، وبعث المطلب إلى حُميد يعلمه أنه قد أحدق بدار إبراهيم هو وأصحابه؛ فإن كان يريده فليأته.
وكتب ابن الساجور وأصحابه إلى عليّ بن هشام، فركب حُميد من ساعته؛ وكان نازلًا في أرجاء عبد الله، فأتى باب الجسر، وجاء عليّ بن هشام حتى نزل
стр. 5338
نهر بَيْن، وتقدّم إلى مسجد كَوْثر، وخرج إليه ابن الساجور وأصحابه، وجاء المطلب إلى حُميد، فلقوه بباب الجسر، فقرّبهم ووعَدهم ونبّأهم أن يُعلم المأمون ما صنعوا، فأقبلوا إلى دار إبراهيم، وطلبوه فيها فلم يجدوه، فلم يزل إبراهيم متواريًا حتى قدم المأمون وبعد ما قدم؛ حتى كان من أمره ما كان.
وقد كان سهل بن سلامة حيث اختفى وتحوّل إلى منزله وظهر، وبعث إليه حُميد، فقرّبه وأدناه، وحمله على بغل، ورده إلى أهله؛ فلم يزل مقيمًا حتى قدم المأمون، فأتاه فأجازه ووصله، وأمره أن يجلس في منزله.
* * *
وفي هذه السنة انكسفت الشمس يوم الأحد لليلتين بقيتا من ذي الحجة حتى ذهب ضوءها، وكان غاب أكثر من ثلثيها، وكان انكسافها ارتفاع النهار، فلم يزل كذلك حتى قرب الظهر ثم انجلت.
فكانت أيام إبراهيم بن المهدي كلها سنة وأحَدَ عشر شهرًا واثني عشر يومًا.
وغلب عليّ بن هشام على شرقيّ بغداد وحميد بن عبد الحميد على غربيها، وصار المأمون إلى همَذان في آخر ذي الحجة.
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة سليمان بن عبد الله بن سليمان بن عليّ (١).
ثم دخلت سنة أربع ومائتين ذكر الأحداث التي كانت فيها
* * *
خبر قدوم المأمون إلى بغداد
فممّا كان فيها من ذلك قدوم المأمون العراق، وانقطاع مادّة الفتن ببغداد
стр. 5339
ذكر الخبر عن مقْدمه العراق وما كان فيه بها عند مقدمه:
ذُكر عن المأمون أنه لمّا قدِم جُرجان أقام بها شهرًا، ثم خرج منها، فصار إلى الريّ في ذي الحجة، فأقام بها أيّامًا، ثم خرج منها، فجعل يسير المنازل، ويقيمُ اليوم واليومين حتى صار إلى النهروان؛ وذلك يوأ السبت، فأقام فيه ثمانية أيام، وخرج إليه أهلُ بيته والقوّاد ووجوه الناس، فسلموا عليه؛ وقد كان كتب إلى طاهر بن الحسين من الطريق وهو بالرّقة، أن يوافيَه إلى النّهروان، فوافاه بها، فلمّا كان السبت الآخر دخل بغداد ارتفاعَ النهار، لأربع عشرة ليلة بقيت من صفر سنة أربع ومائتين، ولباسه ولباس أصحابه؛ أقبيتُهم وقلانسهم وطرّاداتهم وأعلامهم كلُّها الخضرة. فلما قدم نزل الرّصافة (١)، وقدم معه طاهر، فأمره بنزول الخيزرانيّة مع أصحابه، ثم تحوّل فنزل قصره على شطّ دِجْلة، وأمر حميد بن عبد الحميد وعليّ بن هشام وكلّ قائد كان في عسكره أن يقيم في عسكره؛ فكانوا يختلفون إلى دار المأمون في كلّ يوم؛ ولم يكن يدخل عليه أحد إلّا في الثياب الخُضْر، ولبس ذلك أهل بغداد وبنو هاشم أجمعون، فكانوا يخرقون كلّ شيء يروْنه من السواد على إنسان إلا القلنسوة؛ فإنه كان يلبسها الواحد بعد الواحد على خوف ووجَل؛ فأما قبَاء أو علم فلم يكن أحد يجترئ أن يلبس شيئًا من ذلك ولا يحمله. فمكثوا بذلك ثمانية أيام؛ فتكلم في ذلك بنو هاشم وولد العباس خاصةً، وقالوا له: يا أمير المؤمنين، تركت لباس آبائك وأهل بيتك ودولتهم، ولبست الخضرة. وكتب إليه في ذلك قوّاد أهل خراسان.
وقيل إنه أمر طاهر بن الحسين أن يسأله حوائجه، فكان أوّل حاجة سأله أن يطرح لباس الخضرة، ويرجع إلى لبس السواد وزيّ دولة الآباء؛ فلمّا رأى طاعةَ الناس له في لبس الخُضرة وكراهتَهم لها، وجاء السّبت قعد لهم وعليه ثياب خضْر، فلما اجتمعوا عنده دعا بسَواد فلبسه، ودعا بخلْعة سواد فألبسها طاهرًا،
стр. 5340
ثم دعا بعدّة من قوّاده، فألبسهم أقبية وقلانس سودًا؛ فلما خرجوا من عنده وعليهم السواد، طرح سائر القواد والجند لبْس الخضرة، ولبسوا السّواد، وذلك يوم السبت لسبع بقين من صفر (١).
وقد قيل: إن المأمون لبس الثياب الخضر بعد دخوله بغداد سبعة وعشرين، ثم مزّقت.
وقيل: إنه لم يزل مقيمًا ببغداد في الرّصافة حتى بنى منازل على شطّ دجلة عند قصره الأول؛ وفي بستان موسى.
وذكر عن إبراهيم بن العباس الكاتب، عن عمرو بن مسعدة، أن أحمد بن أبي خالد الأحول قال: لمّا قدمنا من خُراسان مع المأمون وصرْنا في عقبة حُلوان - وكنت زميله - قال لي: يا أحمد، إني أجد رائحة العراق، فأجبتُ بغير جوابه، وقلت: ما أخلقه! قال: ليس هذا جوابي، ولكني أحسبك سهوت أو كنت مفكرًا، قال: قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: فيم فكرت؟ قال: قلت: يا أميرَ المؤمنين، فكرت في هجومنا على أهل بغداد وليس معنا إلا خمسون ألف درهم، مع فتنة غلبت على قلوب الناس، فاستعذبوها، فكيف يكون حالنا إن هاج هائج، أو تحرّك متحرّك! قال: فأطرق مليًّا، ثم قال: صدقت يا أحمد، ما أحسن ما فكرت؛ ولكني أخبرك؛ الناسُ على طبقات ثلاث في هذه المدينة: ظالم، ومظلوم، ولا ظالم ولا مظلوم، فأما الظالم فليس يتوقع إلا عفوَنا وإمساكَنا، وأما المظلوم فليس يتوقع أن ينتصف إلّا بنا، ومَنْ كان لا ظالمًا ولا مظلومًا فبيتُه يسعه. فوالله ما كان إلا كما قال.
وأمر المأمون في هذه السنة بمقاسمة أهل السواد على الخُمسين؛ وكانوا يقاسمون على النصف، واتخذ القفيز الملجم - وهو عشرة مكاكيك بالمكُّوك الهارونيّ - كيلا مرسَلا (٢).
* * *
стр. 5341
وفي هذه السنة واقع يحيى بن معاذ بابك، فلم يظفر واحد منهما بصاحبه.
وولّى المأمون صالح بن الرشيد البصرة، وولّى عبيد الله بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن عليّ بن أبي طالب الحرَمين (١).
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن (٢).
ثم دخلت سنة خمس ومائتين ذكر الخبر عما كان في هذه السنة من الأحداث
* * *
ولاية طاهر بن الحسين خراسان
فمن ذلك تولية المأمون فيها طاهر بن الحسين من مدينة السلام إلى أقصَى عمل المشرق؛ وقد كان قبل ذلك ولَاه الجزيرة والشُّرَط وجانبي بغداد ومعاون السواد، وقعد للناس (٣).
ذكر الخبر عن سبب توليته:
وكان سبب توليته إياه خُراسان والمشرق، ما ذُكر عن حماد بن الحسن، عن بشر بن غياث المريسيّ، قال: حضرتُ عبد الله المأمون أنا وثمامة ومحمد بن أبي العباس وعليّ بن الهيثم، فتناظروا في التشيّع، فنصر محمد بن أبي العباس الإمامة، ونصر عليّ بن الهيثم الزيدئة، وجرى الكلام بينهما؛ إلى أن قال محمد لعليّ: يا نَبطيْ، ما أنت والكلام! قال: فقال المأمون - وكان متّكئًا فجلس:
стр. 5342
الشتم عيّ، والبذاء لؤم؛ إنا قد أبحنا الكلام، وأظهرنا المقالات، فمن قال بالحق حمدناه، ومن جهل ذلك وقَفناه، ومن جهل الأمرين حكَمنا فيه بما يجب؛ فاجعلا بينكما أصلا، فإنّ الكلام فروع؛ فإذا افترعتم شيئًا رجعتم إلى الأصول. قال: فإنا نقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وذكرا الفرائض والشرائع في الإسلام، وتناظرا بعد ذلك. فأعاد محمد لعليّ بمثل المقالة الأولى، فقال له عليّ: والله لولا جلالةُ مجلسه وما وهب الله من رأفته، ولولا ما نهى عنه لأعرقتُ جبينك؛ وبحسبك من جهلك غُسْلك المنبر بالمدينة.
قال: فجلس المأمون - وكان متّكئًا - فقال: وما غُسْلك المنبر؟ ألتقصير مني في أمرك أو لتقصير المنصور كان في أمر أبيك؟ لولا أن الخليفة إذا وهب شيئًا استحيا أن يرجع فيه لكان أقرَب شيء بيني وبينك إلى الأرض رأسك، قمْ وإياك ما عدت.
قال: فخرج محمد بن أبي العباس، ومضى إلى طاهر بن الحسين - وهو زوج أخته - فقال له: كان من قصّتي كيت وكيت؛ وكان يحجب المأمون على النبيذ فتْح الخادم، وياسر يتولى الخِلَع، وحسين يسقى، وأبو مريم غلام سعيد الجوهريّ يختلف في الحوائج. فركب طاهر إلى الدار؛ فدخل فتح، فقال: طاهر بالباب؛ فقال: إنه ليس من أوقائه، ائذن له: فدخل طاهر فسلّم عليه، فردّ ﵇، وقال: اسقوه رِطلا، فأخذه في يده اليمنى، وقال له: اجلس، فخرج فشربه ثم عاد، وقد شرب المأمون رطلًا آخر، فقال: اسقوه ثانيًا، ففعل كفعله الأول، ثم دخل، فقال له المأمون: اجلس، فقال: يا أميرَ المؤمنين؛ ليس لصاحب الشرطة أن يجلس بين يدي سيّده، فقال له المأمون: ذلك في مجلس العامة، فأما مجلس الخاصة فطلق، قال: وبكى المأمون، وتغرغرت عيناه، فقال له طاهر: يا أميرَ المؤمنين؛ لِمَ تبكي لا أبكى الله عينيك! فوالله لقد دانتْ لك البلاد، وأذعن لك العباد، وصرتَ إلى المحبّة في كلّ أمرك. فقال: أبكي لأمر ذِكرُه ذلّ، وستره حزن، ولن يَخْلُوَ أحد من شَجَن؛ فتكلّم بحاجة إن كانت لك، قال: يا أمير المؤمنين، محمد بن أبي العباس أخطأ فأقِلْه عثرتَه، وارض عنه.
стр. 5343
قال: قد رضيت عنه، وأمرتُ بصلته، ورَددتُ عليه مرتبته؛ ولولا أنّه ليس من أهل الأنس لأحضرتُه.
قال: وانصرف طاهر، فأعلم ابن أبي العباس ذلك، ودعا بهارون بن جبغويه؛ فقال له: إن للكتاب عشيرة، وإن أهل خُراسان يتعصّب بعضهم لبعض؛ فخذ معك ثلثمائة ألف درهم، فأعطِ الحسين الخادم مائتي ألف، وأعط كاتبه محمد بن هارون مائة ألف، وسلْه أن يسأل المأمون: لم بكى؟ قال: ففعل ذلك، قال: فلما تغدّى قال: يا حسين اسقني، قال: لا والله لأسقينّك أو تقول لي: لِمَ بكيت حين دخل عليك طاهر؟ قال: يا حسين، وكيف عُنِيْت بهذا حتى سألتَني عنه! قال: لغمّي بذاك، قال: يا حسين هو أمرٌ إن خرج من رأسك قتلتُك، قال: ياسيّدي، ومتى أخرجتُ لك سرًّا! قال: إني ذكرت محمدًا أخي، وما ناله من الذلة، فخنقتني العَبْرة فاسترحت إلى الإفاضة، ولن يفوت طاهرًا منّي ما يكره. قال: فأخبر حسين طاهرًا بذلك؛ فركب طاهر إلى أحمد بن أبي خالد، فقال له: إن الثناء منّي ليس برخيص، وإنّ المعروف عندي ليس بضائع، فغيِّبْنِي عن عينه، فقال له: سأفعل، فبكِّرْ إليّ غدًا. قال: فركب ابنُ أبي خالد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال: ما نمتُ البارحة، فقال: لِمَ ويحك! ققال: لأنك ولّيتَ غَسَّان خراسان، وهو ومَنْ معه أكلَةُ رأس، فأخاف أن يخرج عليه خارجة من الترك فتصطلمه، فقال له: لقد فكرتُ فيما فكرتَ فيه، قال: فمن ترى؛ قال: طاهر بن الحسين، قال: ويلك يا أحمد! هو الله خالع، قال: أنا الضامن له، قال: فأنفذْه، قال: فدعا بطاهر من ساعته، فقعد له؛ فشخص من ساعته، فنزل في بستان خليل بن هاشم، فحمل إليه في كلّ يوم ما أقام فيه مائة ألف. فأقام شهرًا، فحمل إليه عشرة آلاف ألف، التي تحمَل إلى صاحب خراسان.
قال أبو حسان الزياديّ: وكان قد عَقد له على خُراسان والجبال من حلوان إلى خُراسان، وكان شخوصُه من بغداد يوم الجمعة لليلة بقيت من ذي القعدة سنة خمس ومائتين، وقد كان عسكر قبل ذلك بشهرين، فلم يزل مقيمًا في عسكره. قال أبو حسان: وكان سبب ولايته - فيما اجتمع الناس عليه - أن عبدَ الرحمن المطَّوّعيّ جمع جموعًا بنيسابور ليقاتل بهم الحروريّة بغير أمر والي خراسان،
стр. 5344
فتخوّفوا أن يكون ذلك لأصل عمله عليه. وكان غسان بن عبّاد يتولى خراسان من قبَل الحسن بن سهل، وهو ابن عم الفضل بن سهل (١).
وذكر عن عليّ بن هارون أن طاهر بن الحسين قبل خروجه إلى خُراسان وولايته لها، ندبه الحسن بن سهل للخروج إلى محاربة نصر بن شبث، فقال حاربتُ خليفة، وسقتُ الخلافة إلى خليفة، وأومر بمثل هذا! وإنما كان ينبغي أن توجّه لهذا قائدًا من قوّادي؛ فكان سبب المصارمة بين الحسن وطاهر.
قال: وخرج طاهر إلى خراسان لما تولّاها، وهو لا يكلم الحسن بن سهل، فقيل له في ذلك، فقال: ما كنت لأحل عقدة عقدها لي في مصارمته.
وفي هذه السنة ورد عبد الله بن طاهر بغداد منصرفًا من الرقّة، وكان أبوه طاهر استخلفه عليها، وأمره بقتال نصر بن شبّث، وقدم يحيى بن معاذ فولّاه المأمون الجزيرة.
وفيها ولّى المأمون عيسى بن محمد بن أبي خالد أرمينيَةَ وأذربيجان ومحاربة بابك.
وفيها مات السريّ بن الحَكَم بمصر، وكان واليها.
وفيها مات داود بن يزيد عامل السند، فولّاها المأمون بشر بن داود علَى أن يحمَل إليه في كلّ سنة ألف ألف درهم.
وفيها ولّى المأمون عيسى بن يزيد الجُلوديّ محاربة الزّطّ (٢).
وفيها شخص طاهر بن الحسين إلى خُراسان في ذي القعدة، وأقام شهرين حتى بلغه خروج عبد الرحمن النيسابوريّ المطوّعِيّ بنيسابور، فشخص ووافى التّغُرْغُزيّة أشْرُوسنَةَ.
وفيها أخذ فرج الرخَّجيّ عبد الرحمن بن عمار النيسابوريّ.
* * *
стр. 5345
وحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن، وهو والي الحَرمين (١).
* * *
ثم دخلت سنة ست ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك تولية المأمون داود بن ماسجور محاربة الزّطّ وأعمال البصرة وكُور دجلة واليمامة والبحرين.
وفيها كان المدّ الذي غرق منه السواد وكَسْكر وقطيعة أم جعفر وقطيعة العباس وذهب بأكثرها.
وفيها نَكَبَ بابك بعيسى بن محمد بن أبي خالد (٢).
* * *
ولاية عبد الله بن طاهر على الرّقة:
وفيها ولّى المأمون عبد الله بن طاهر الرّقة لحرب نصر بن شَبَث ومُضر (٣).
ذكر الخبر عن سبب توليته إياه:
وكان السبب في ذلك - فيما ذكر - أن يحيى بن معاذ كان المأمون ولَّاه الجزيرَة؛ فمات في هذه السنة، واستخلف ابنه أحمد على عمله، فذكر عن يحيى بن الحسن بن عبد الخالق، أنّ المأمون دعا عبد الله بن طاهر في شهر رمضان، فقال بعض: كان ذلك في سنة خمس ومائتين، وقال بعض: في سنة
стр. 5346
ست. وقال بعض: في سنة سبع، فلما دخل عليه: قال: يا عبد الله أستخير الله منذ شهر، وأرجو أن يخير الله لي، ورأيت الرّجل يصف ابنه ليطريَه لرأيه فيه، وليرفعه، ورأيتُك فوق ما قال أبوك فيك، وقد مات يحيى بن معاذ، واستخلف ابنه أحمد بن يحيى، وليس بشيء، وقد رأيت توليتَك مُضر ومحاربة نصر بن شبَث، فقال: السمع والطاعة يا أميرَ المؤمنين، وأرجو أن يجعل الله الخيرة لأمير المؤمنين وللمسلمين.
قال: فعقد له، ثم أمر أن تقطع حبال القصّارين عن طريقه، وتُنحَّى عن الطرقات المظالّ، كيلا يكون في طريقه ما يردّ لواءه، ثم عقد له لواء مكتوبًا عليه بصُفرة ما يكتب على الألوية؛ وزاد فيه المأمون: "يا منصور"، وخرج ومعه الناس فصار إلى منزله؛ ولما كان من غدٍ ركب إليه الناس، وركب إليه الفضل بن الربيع؛ فأقام عنده إلى الليل؛ فقام الفضل، فقال عبد الله: يا أبا العباس، قد تفضّلت وأحسنت، وقد تقدّم أبي وأخوك إليّ ألّا أقطَع أمرًا دونَك، وأحتاج أن أستطلع رأيك، وأستضيء بمشورتك؛ فإن رأيتَ أن تقيم عندي إلى أن نُفطر فافعل.
فقال له: إن لي حالات ليس يمكنني معها الإفطار هاهنا. قال: إنْ كنت تكره طعام أهل خُراسان فابعث إلى مطبخك يأتون بطعامك، فقال له: إن لي ركعات بين العشاء والعَتمَة، قال: ففي حفظ الله؛ وخرج معه إلى صحن داره يشاوره في خاصّ أموره.
وقيل: كان خروج عبد الله الصحيح إلى مُضر، لقتال نصر بن شبث بعد خروج أبيه إلى خراسان، بستّة أشهر.
* * *
وصية طاهر إلى ابنه عبد الله
وكان طاهر حينَ ولى ابْنُه عبد الله ديار ربيعة، كتب إليه كتابًا نسخته:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
عليك بتقوى الله وحدَه لا شريك له، وخشيته ومراقبته ومزايلةَ سخطه وحفظ
стр. 5347
رعيّتك، والزم ما ألبسك الله من العافية بالذكر لمعادك، وما أنت صائر إليه؛ وموقوف عليه، ومسؤول عنه؛ والعمل في ذلك كله بما يعصمك الله، وينجّيك يوم القيامة من عذابه وأليم عقابه؛ فإنّ الله قد أحسن إليك وأوجبَ عليك الرّأفة بمن استرعاك أمرهم من عباده، وألزمك العدل عليهم، والقيام بحقه وحدوده فيهم، والذبّ عنهم، والدّفع عن حريمهم وبَيْضتهم، والحقن لدمائهم، والأمن لسبيلهم، وإدخال الرّاحة عليهم في معايشهم، ومؤاخذك بما فرض عليك من ذلك، وموقِفك عليه، ومُسائلك عنه، ومُثيبك عليه بما قدّمتَ وأخّرتَ؛ ففرِّغ لذلك فكرَك وعقلَك وبصرَك ورؤيتَك، ولا يذْهلك عنه ذاهل، ولا يَشْغَلك عنه شاغل؛ فإنه رأس أمرِك، ومِلاك شأنك، وأوَّل ما يوفّقك الله به لرشدك.
وليكن أوّل ما تلزِم به نفسَك، وتَنسب إليه فعالك؛ المواظبة على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس، والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها؛ في إسباغ الوضوء لها، وافتتاح ذكر الله فيها. وترتّل في قراءتك، وتمكّن في ركوعك وسجودك وتشهّدك، ولتصْدُق فيها لربك نيَّتُك. واحضض عليها جماعةَ مَنْ معك وتحت يدك، وادأب عليها فإنها تأمُرُ بالمَعْروفِ وَتَنْهَى عَن المُنكَرِ. ثم أتَّبعْ ذلك الأخذ بسُنن رسول الله ﷺ والمثابرة على خلائقه، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده؛ وإذا ورد عليك أمر فاستعنْ عليه باستخارة الله وتقواه ولزوم ما أنزل الله في كتابه؛ من أمره ونهيه، وحلاله وحرامه، وائتمام ما جاءت به الآثار على النبي ﷺ ؛ ثم قم فيه بما يحقّ لله عليك، ولا تَمِلْ عن العدل فيما أحببتَ أو كرهتَ لقريب من الناس أو بعيد. وآثر الفقه وأهله، والدِّين وحَمَلته، وكتاب الله والعاملين به؛ فإن أفضل ما تَزيَّنَ به المرء الفقهُ في دين الله، والطلب له، والحثّ عليه، والمعرفة بما يتقرب فيه منه إلى الله؛ فإنه الدّليل على الخير كله، والقائد له، والآمر به، والناهي عن المعاصي والموبقات كلها. وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفةً بالله ، وإجلالا له، ودركًا للدرجات العلا في المعاد؛ مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك، والهيبة لسلطانك، والأنسة بك والثقة بعدلك.
وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها؛ فليس شيء أبينَ نفعًا، ولا أحضر أمنًا،
стр. 5348
ولا أجمعَ فضلًا من القصد، والقصدُ داعية إلى الرشد، والرشد دليل على التَّوفيق، والتوفيق منقاد إلى السَّعادة. وقوامُ الدين والسنن الهادية بالاقتصاد، فآثره في دنياك كلها، ولا تقصّر في طلب الآخرة والأجر والأعمال الصالحة والسنن المعروفة، ومعالم الرّشد فلا غاية للاستكثار من البرّ والسعي له؛ إذا كان يُطلَب به وجه الله ومرضاته، ومرافقة أوليائه في دار كرامته.
واعلم أن القصد في شأن الدنيا يورث العزّ، ويحصِّن من الذنوب، وإنك لن تحوط نفسك ومَنْ يليك، ولا تستصلح أمورَك بأفضلَ منه، فأته واهتدِ به، تتمّ أمورك، وتزْدَدْ مقدرتُك، وتصلح خاصّتك وعامتك.
وأحسن الظن بالله تستقمْ لك رعيّتك، والتمس الوسيلة إليه في الأمور كلّها تستدم به النعمة عليك؛ ولا تنهض أحدًا من الناس فيما تولِّيه من عملك قبل تكشف أمره بالتهمة؛ فإنّ إيقاع التّهم بالبرآء والظنون السيئة بهم مأثم. واجعل من شأنك حسن الظنّ بأصحابك واطرد عنهم سوء الظنّ بهم، وارفضه عنهم يُعنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم. ولا يجدنّ عدوّ الله الشيطان في أمرك مغمَزًا، فإنه إنما يكتفي بالقليل من وَهنك فيدخل عليك من الغمّ في سوء الظنّ ما ينغصك لذاذة عيشِك.
واعلم أنك تجد بحسن الظن قوةً وراحة، وكفي به ما أحببت كفايته من أمورك، وتدعو به الناس إلى محبّتك والاستقامة في الأمور كلها لك. ولا يمنعْك حسنُ الظنّ بأصحابك والرأفة برعيّتك أن تستعمل المسألة والبحث عن أمورك، والمباشرة لأمور الأولياء، والحياطة للرّعيّة والنظر فيما يقيمها ويصلحها؛ بل لتكن المباشرة لأمورِ الأولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثرَ عندك مما سوى ذلك، فإنه أقوم للبدن، وأحيا للسنة.
وأخلص نيّتك في جميع هذا، وتفرّد بتقويم نفسك تفرّدَ من يعلم أنه مسؤولٌ عما صنع، ومجزيٌّ بما أحسن، ومأخوذ بما أساء، فإن الله جعل الدين حرْزًا وعزًّا، ووفع من اتّبعه وعزّزه، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهجَ الدين وطريقة الهدى. وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم، وما استحقُّوه. ولا تُعَطِّلْ ذلك ولا تهاون به. ولا تؤخّر عقوبة أهل العقوبة؛ فإنّ في تفريطك في ذلك لمَا يفسد عليك حسنَ ظنك.
стр. 5349
واعزم على أمرك في ذلك بالسنن المعروفة، وجانب الشُّبَه والبدعات، يسلَمْ لك دينك، وتقم لك مروءتك. وإذا عاهدتَ عهدًا فَفِ به، وإذا وعدت الخير فأنجزه، واقبل الحسنة، وادفع بها، واغمض عن عيْب كلِّ ذي عيب من رعيتك، واشدد لسانك عن قول الكذب والزُّور، وابغض أهله، وأقص أهلَ النميمة؛ فإنّ أوّل فساد أمرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب؛ لأن الكذب رأس المآثم، والزور والنميمة خاتمتها؛ لأن النميمة لا يسلم صاحبها، وقائلها لا يسلم له صاحب، ولا يستقيم لمطيعها أمر.
وأحبّ أهلَ الصدق والصلاح، وأعن الأشراف بالحق، وواصل الضعفاء، وصل الرّحم، وابتغ بذلك وجه الله وعزّة أمره، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة.
واجتنب سوءَ الأهواء والجور، واصرف عنهما رأيّك، وأظهر براءتك من ذلك لرعيّتك؛ وأنعم بالعدل سياستهم، وقم بالحقّ فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى. واملُك نفسك عند الغضب، وآثر الوقار والحلْم، وإيّاك والحدّة والطِّيَرة والغرور فيما أنت بسبيله.
وإياك أن تقول إنّي مسلّط أفعل ما أشاء، فإن ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي، وقلة اليقين بالله وحده لا شريك له. وأخلص لله النيّة فيه واليقين به؛ واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء، وينزعه ممن يشاء، ولن تجد تغيّر النعمة وحلول النقمة إلى أحدٍ أسرع منه إلى حملة النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله. ودعْ عنك شرَه نفسك. ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدّخر وتكنز البرَّ والتقوى والمعدلة واستصلاح الرّعية، وعمارة بلادهم، والتفقد لأمورهم، والحفظَ لدهمائهم، والإغاثة لملهوفهم.
واعلم أن الأموال إذا كثُرت وذُخّرتْ في الخزائن لا تثمر؛ وإذا كانت في إصلاح الرّعية وإعطاء حقوقهم وكفّ المؤنة عنهم نمتْ وربتْ، وصلَحت به العامة، وتزيّنت به الولاة، وطاب به الزمان، واعتقد فيه العزّ والمَنعة؛ فليكن كنز خزائنك تفريق الأموال في عمارة الإسلام وأهله، ووفِّرْ منه على أولياء أمير المؤمنين قَبلك حقوقَهم، وأوْفِ رعيّتك من ذلك حصصَهم، وتعهّد ما يصلح
стр. 5350
أمورهم ومعايشهم؛ فإنك إذا فعلتَ ذلك قرّت النعمة عليك، واستوجبتَ المزيد من الله، وكنتَ بذلك على جباية خراجك وجمع أموال رعيّتك وعملك أقدَر، وكان الجمع لما شملهم من عدلك وإحسانك أسلس لطاعتك، وأطيب أنفسًا لكلّ ما أردت.
فاجهد نفسك فيما حددتُ لك في هذا الباب، ولتعظم حسبتك فيه، فإنما يبقى من المال ما أنفق في سبيل حقه، واعرف للشاكرين شكرَهم وأثبهم عليه. وإياك أن تنسيَك الدنيا وغرورُها هولَ الآخرة فتتهاون بما يحقّ عليك؛ فإنّ التهاون يوجب التفريط، والتفريط يورث البوار. وليكن عملك لله وفيه ﵎، وارجُ الثوابَ؛ فإن الله قد أسبغ عليك نعمته في الدنيا، وأظهر لديك فضله؛ فاعتصم بالشكر، وعليه فاعتمد يزدك الله خيرًا وإحسانًا، فإنّ الله يثيب بقدر شكر الشاكرين وسيرة المحسنين؛ وقضّ الحقّ فيما حمل من النّعم، والبس من العافية والكرامة. ولا تحقرنّ ذنبًا، ولا تمايلن حاسدًا، ولا ترحمنّ فاجرًا، ولا تصلنّ كَفُورًا، ولا تداهننّ عدوًّا، ولا تصدقنّ نمامًا، ولا تأمننّ غدّارًا، ولا توالينّ فاسقًا، ولا تتبعنّ غاويًا، ولا تحمَدنّ مرائيًا، ولا تحقرنّ إنسانًا، ولا تردنّ سائلًا فقيرًا، ولا تجيبنَّ باطلًا، ولا تلاحظنّ مضحكًا، ولا تخلفنّ وعدًا، ولا ترهبنّ فُجَّرًا، ولا تعملنّ غضبًا، ولا تأتينّ بذخًا، ولا تمشينّ مَرحًا، ولا تركبنّ سفهًا، ولا تفرّطنّ في طلب الآخرة، ولا تدفع الأيام عيانًا، ولا تغمضنّ عن الظالم رهبةً أو مخافة، ولا تطلبنّ ثواب الآخرة بالدنيا. وأكثرْ من مشاورة الفقهاء، واستعمل نفسك بالحلْم، وخذ عن أهل التجارب وذوي العقل والرّأي والحكمة، ولا تُدخلنّ في مشورتك أهل الدِّقة والبخل، ولا تسمعنّ لهم قولًا؛ فإنّ ضرَرهم أكثر من منفعتهم. وليس شيء أسرع فسادًا لما استقبلت في أمر رعيتك من الشحّ، واعلم أنك إذا كنت حريصًا كنت كثير الأخذ، قليل العطية؛ وإذا كنت كذلك لم يستقمْ لك أمرك إلّا قليلًا؛ فإن رعيّتك إنما تعتقد على محبّتك بالكفّ عن أموالهم وترك الجوْر عنهم، ويدوم صفاء أوليائك لك بالإفضال عليهم وحسن العطيّة لهم، فاجتنب الشحّ، واعلم أنه أول ما عَصَى به الإنسان ربّه، وأن العاصي بمنزلة خزي؛ وهو قول الله : ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛ فسهّل طريق الجود بالحق، واجعل للمسلمين كلهم من
стр. 5351
نيّتك حظًّا ونصيبًا، وأيقن أن الجود من أفضل أعمال العباد، فاعدده لنفسك خُلقًا، وارض به عملًا ومذهبًا.
وتفقّد أمور الجند في دواوينهم ومكاتبهم، وأدرر عليهم أرزاقهم، ووشع عليهم في معايشهم؛ ليُذهبَ بذلك الله فاقتهم، ويقومَ لك أمرهم، ويزيد به قلوبهم في طاعتك وأمرك خلوصًا وانشراحًا، وحسب ذي سلطان من السعادة أن يكون على جنده ورعيّته رحمةً في عدله وحيطته وإنصافه وعنايته وشفقته وبرّه وتوسعته؛ فزايل مكروه إحدى البليّتين باستشعار تكملة الباب الآخر، ولزوم العمل به تلقَ إن شاء الله نجاحًا وصلاحًا وفلاحًا.
واعلم أنّ القضاء من الله بالمكان الذي ليس به شيء من الأمور، لأنه ميزان الله الذي تعتدل عليه الأحوال في الأرض، وبإقامة العدل في القضاء والعمل، تصلح الرعيّة، وتأمن السبل، وينتصف المظلوم، ويأخذ الناس حقوقهم وتحسن المعيشة، ويؤدَّى حق الطاعة، ويرزق الله العافية والسلامة، ويقوم الدين، وتجرى السنن والشرائع، وعلى مجاريها ينتجز الحق والعدل في القضاء.
واشتدّ في أمر الله، وتورّع عن النَّطَف، وامض لإقامة الحدود، واقلل العجلة، وأبعد من الضّجر والقلق، واقنع بالقَسْم، ولتسكن ريحك، ويقرّ جدُّك، وانتفع بتجربتك، وانتبه في صمتك، واسددْ في منطقك، وأنصف الخصم، وقف عند الشُّبهة، وابلغ في الحجة، ولا يأخذْك في أحدٍ من رعيتك محاباة ولا محاماة، ولا لوم لائم، وتثبّت وتأنّ، وراقب وانظر، وتدبّرْ وتفكر، واعتبر، وتواضع لربك، وارأف بجميع الرعية، وسلّط الحقّ على نفسك، ولا تُسرعنّ إلى سفك دم - فإن الدماء من الله بمكان عظيم - انتهاكًا لها بغير حقها.
وانظر هذا الخراج الذي قد استقامت عليه الرعيّة، وجعله الله للإسلام عزًّا ورفعة، ولأهله سعة ومنعَة، ولعدوّه وعدوهم كَبْتًا وغيظًا، ولأهل الكفر من معاهدتهم ذلًّا وصَغارًا، فوزِّعه بين أصحابه بالحقّ والعدْل، والتسوية والعموم فيه، ولا ترفعنَّ منه شيئًا عن شريف لشرفه، وعن غنيٍّ لغناه، ولا عن كاتب لك، ولا أحدٍ من خاصّتك. ولا تأخذنّ منه فوق الاحتمال له، ولا تكلفنّ أمرًا
стр. 5352
فيه شطط. وأحمل الناس كلَّهم على مرّ الحق؛ فإنّ ذلك أجمعُ لألْفتِهم وألزمُ لرضا العامة. واعلم أنك جُعلت بولايتك خازنًا وحافظًا وراعيًا؛ وإنما سُمِّي أهل عملك رعيّتك؛ لأنك راعيهم وقيّمهم؛ تأخذ منهم ما أعطوْك من عفوهم ومقدرتهم، وتنفقه في قوام أمرهم وصلاحهم، وتقويم أودهم؛ فاستعمل عليهم في كُور عملك ذوي الرأي والتدبير والتجربة والخبرة بالعمل والعلم بالسياسة والعَفاف، ووسِّع عليهم في الرزق؛ فإنّ ذلك من الحقوق اللازمة لك فيما تقلّدت وأسند إليك، ولا يشغلنّك عنه شاغل، ولا يصرفنّك عنه صارف، فإنك متى آثرته وقُمْت فيه بالواجب استدعيتَ به زيادة النعمة من ربّك، وحسن الأحدوثة في أعمالك، واحترزتَ النصيحة من رعيّتك، وأعنت على الصلاح، فدرّت الخيرات ببلدك، وفشت العمارة بناحيتك، وظهر الخِصْب في كُورك، فكثر خراجُك، وتوفَّرَت أموالك، وقويَت بذلك على ارتباط جندك، وإرضاء العامة باقامة العطاء فيهم من نفسك، وكنت محمودَ السياسة، مرضيّ العدل في ذلك عند عدوِّك، وكنت في أمورك كلها ذا عدل وقوّة، وآلة وعدّة، فنافس في هذا ولا تقدّم عليه شيئًا تحمد مغبة أمرك إن شاء الله.
واجعل في كلّ كورة من عملك أمينًا يخبرك أخبارَ عمّالك، ويكتب إليك بسيرتهم وأعمالهم؛ حتى كأنك مع كلّ عامل في عمله، معاينٌ لأمره كلِّه. وإن أردت أن تأمره بأمر فانظر في عواقب ما أردت من ذلك؛ فإن رأيت السَّلامة فيه والعافية، ورجوت فيه حسن الدفاع والنصح والصنع فأمضه؛ وإلا فتوقّف عنه. وراجع أهل البصر والعلم، ثم خذ فيه عدّته؛ فإنه ربما نظر الرجل في أمرٍ من أمره قد واتاه على ما يهوى، فقوّاه ذلك وأعجبه، وإن لم ينظر في عواقبه أهلكه، ونقضَ عليه أمرَه.
فاستعمل الحزْم في كلّ ما أردت، وباشره بعْد عون الله بالقوّة، وأكثر استخارة ربِّك في جميع أمورك، وافرغ من عمل يومك ولا تؤخّره لغدِك؛ وأكثر مباشرته بنفسك، فإن لغد أمورًا وحوادث تلهيك عن عمل يومك الذي أخّرتْ. واعلم أنّ اليوم إذا مضى ذهب بما فيه، وإذا أخّرت عمله اجتمع عليك أمر يومين، فشغلك ذلك حتى تعرض عنه؛ فإذا أمضيتَ لكلّ يوم عمَله أرحْتَ نفسَك وبدَنك، وأحكمت أمور سلطَانك.
стр. 5353
وانظر أحرارَ الناس وذوِي الشرف منهم، ثم استيقنْ صفاء طويّتهم وتهذيبَ مودّتهم لك، ومظاهرتهم بالنصح والمخالصة على أمرك، فاستخلصهم وأحسن إليهم، وتعاهَدْ أهلَ البيوتات ممن قد دخلت عليهم الحاجة، فاحتمل مؤْنتهم، واصلح حالهم؛ حتى لا يجدوا لخلّتهم مسًّا. وأفرد نفسك للنظر في أمور الفقراء والمساكين، ومن لا يقدر على رفع مظلمة إليك. والمحتقر الذي لا علم له بطلب حقه؛ فاسأل عنه أحفَى مسألة، ووكّل بأمثاله أهلَ الصلاح من رعيّتك، ومرهم برفع حوائجهم وحالاتهم إليك، لتنظر فيها بما يصلح الله أمرهم. وتعاهد ذوي البأساء ويتاماهم وأراملَهم، واجعل لهم أرزاقًا من بيت المال اقتداءً بأمير المؤمنين أعزّه الله، في العَطْف عليهم، والصلة لهم، ليصلح الله بذلك عيشُهم ويرزقك به بركة وزيادة. وأجْرِ للأضرّاء من بيت المال، وقدّم حَملة القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجراية على غيرهم، وانصب لمرضى المسلمين دورًا تؤويهم، وقُوَّامًا يرفقون بهم، وأطباء يعالجون أسقامهم، وأسعفهم بشهواتهم ما لم يؤدّ ذلك إلى سرف في بيت المال. واعلم أنّ الناس إذا أعطُوا حقوقَهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك، ولم تطِب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى وُلاتهم طمعًا في نيل الزيادة، وفضل الرفق منهم، وربما برِم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنة ومشقة؛ وليس مَنْ يرغب في العدل، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الآجل؛ كالذي يستقبل ما يقرّبه إلى الله، ويلتمس رحمته به. وأكثر الإذن للناس عليك، وأبرز لهم وجهَك، وسكِّنْ لهم أحراسك، واخفض لهم جناحك، وأظهر لهم بشْرَك، ولنْ لهم في المسألة والمنطق، واعطف عليهم بجودك وفَضْلك؛ وإذا أَعطيتَ فأعْطِ بسماحة وطيب نفس، والتمس الصنيعة والأجر غيرَ مكدّر ولا منّان؛ فإن العطيّة على ذلك تجارة مربحة إن شاء الله.
واعتبر بما ترى من أمور الدنيا، ومَن مضى من قَبْلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائدة؛ ثم اعتصم في أحوالك كلِّها بأمر الله، والوقوف عند محبَّته، والعمل بشريعته وسنته وإقامة دينه وكتابه؛ واجتنب ما فارق ذلك وخالفَه، ودعا إلى سخط الله. واعرف ما يَجمع عُمّالُك من الأموال وينفقون منها، ولا تجمعْ حرامًا، ولا تنفق إسرافًا، وأكثر مجالسة العلماء
стр. 5354
ومشاورتَهم ومخالطتهم. وليكن هواك اتّباع السنن وإقامتها، وإيثار مكارم الأمور ومعاليها؛ وليكن أكرمُ دُخلائك وخاصّتك عليك مَنْ إذا رأى عيبًا فيك لم تمنعه هيبتُك من إنهاء ذلك إليك في سرّ، وإعلامك ما فيه من النقص؛ فإن أولئك أنصحُ أوليائك ومظاهريك.
وانظر عمّالك الذين بحضرتك وكتَّابَك؛ فوقّتْ لكل رجل منهم في كلِّ يوم وقتًا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته، وما عنده من حوائج عملك، وأمر كُورك ورعيتك، ثم فرّغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك، وكرّر النظر إليه والتدبير له؛ فما كان موافقًا للحزم والحق فامضه واستخر الله فيه، وما كان مخالفًا لذلك فاصرفه إلى التثبّت فيه، والمسألة عنه.
ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم، ولا تقبل من أحد منهم إلّا الوفاء والاستقامة والعوْن في أمور أمير المؤمنين، ولا تَضَعنّ المعروف إلّا على ذلك.
وتفهم كتابي إليك، وأكثر النظر فيه والعمل به، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره، فإن الله مع الصلاح وأهله؛ وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله رضًا ولدينه نظامًا، ولأهله عزًّا وتمكينًا؛ وللذمة والملة عدلًا وصلاحًا.
وأنا أسأل الله أن يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك، وأن يُنزل عليك فضله ورحمتَه بتمام فضله عليك وكرامته لك؛ حتى يجعلك أفضَل مثالك نصيبًا، وأوفرهم حظًّا، وأسناهم ذكرًا، وأمرًا، وأن يهلك عدوّك ومَنْ ناوأك وبغى عليك، ويرزقك من رعيّتك العافية، ويحجز الشّيطان عنك وساوسه، حتى يستعلى أمرُك بالعزّ والقوّة والتوفيق، إنه قريب مجيب.
* * *
وذكر أن طاهرًا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه، وتدارسوه وشاع أمره؛ حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه، فقال: ما بقَّى أبو الطّيب شيئًا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة وإصلاح الملك والرعيّة وحفظ البَيْضة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلّا وقد أحكَمه، وأوصى
стр. 5355
به وتقدم؛ وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.
وتوجّه عبد الله إلى عمله فسار بسيرته، واتبع أمره وعمل بما عهد إليه (١).
وفي هذه السنة ولّى عبد الله بن طاهر إسحاق بن إبراهيم الجسرين، وجعله خليفتَه على ما كان طاهر أبوه استخلفه فيه من الشرَط وأعمال بغداد؛ وذلك حين شخص إلى الرَّقة لحرب نصر بن شبث.
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة عبيد الله بن الحسن؛ وهو والي الحرميْن (٢).
ثم دخلت سنة سبع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
ذكر خروج عبد الرحمن بن أحمد العلَويّ باليمن
فمن ذلك خروجُ عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب ببلاد عكّ من اليمن يدعو إلى الرضيّ من آل محمد ﷺ .
ذكر الخبر عن سبب خروجه:
وكان السبب في خروجه أنّ العمال باليمن أساءوا السيرة، فبايعوا عبد الرحمن هذا، فلما بلغ ذلك المأمون وَجّه إليه دينار بن عبد الله في عسكر كثيفٍ، وكتب معه بأمانِه، فحضر دينار بن عبد الله الموسم وحجّ، فلما فرغ من حجّه سار إلى اليمن حتى أتى عبد الرحمن، فبعث إليه بأمانه من المأمون؛ فقبل ذلك، ودخل ووضع يده في يد دينار، فخرج به إلى المأمون، فمنع المأمون
стр. 5356
عند ذلك الطالبيين من الدخول عليه، وأمر بأخذهم بلبس السواد؛ وذلك يوم الخميس لليلة بقيتْ من ذي القعدة (١).
* * *
ذكر الخبر عن وفاة طاهر بن الحسين
وفي هذه السنة كانت وفاة طاهر بن الحسين (٢).
ذكر الخبر عن وفاته:
ذكر عن مطهّر بن طاهر، أنّ وفاة ذي اليمينين كانت من حمّى وحرارة أصابته، وأنه وُجد في فراشه ميّتًا.
وذكر أن عمّيه عليّ بن مصعب وأخاه أحمد بن مصعب، صارا إليه يعودانه، فسألا الخادم عن خبره - وكان يغلِّس بصلاة الصّبح - فقال الخادم: هو نائم لم ينتبه، فانتظراه ساعة، قلما انبسط الفجر، وتأخّر عن الحركة في الوقت الذي كان يقوم فيه للصلاة، أنكرا ذلك، وقالا للخادم: أيقظْه، فقال الخادم: لست أجسرُ على ذلك، فقالا له: اطرق لنا لندخل إليه، فدخلا فوجداه ملتفًّا في دُواج، قد أدخله تحته، وشدّه عليه من عند رأسه ورجليه، فحركاه فلم يتحرّك، فكشفا عن وجهه فوجداه قد مات. ولم يعلما الوقت الذي توفِّيَ فيه، ولا وقف أحد من خدمه على وقت وفاته؛ وسألا الخادم عن خبره وعن آخر ما وقف عليه منه؛ فذكر أنه صلى المغرب والعشاء الآخرة، ثم التفّ في دُواجه. قال الخادم: فسمعتُه يقول بالفارسية كلامًا وهو "دِرْمَك ينزمَرْدِي وَيَذْ"؛ تفسيره أنه يحتاج في الموت أيضًا إلى الرّجلة.
وذُكر عن كلثوم بن ثابت بن أبي سعد - وكان يكنى أبا سعدة - قال: كنت على بَريد خُراسان، ومجلسي يوم الجمعة في أصل المنبر، فلما كان في سنة سبع ومائتين؛ بعد ولاية طاهر بن الحسين بسنتين، حضرت الجمعة، فصعد طاهر
стр. 5357
المنبر، فخطب، فلما بلغ إلى ذكر الخليفة أمسك عن الدّعاء له، فقال: اللهمَّ أصلح أمة محمد بما أصلحت به أولياءك، واكفِها مؤونة مَنْ بغى فيها، وحشد عليها، بلمّ الشعث، وحقْن الدّماء، وإصلاح ذات البين. قال: فقلت في نفسي: أنا أوّل مقتول؛ لأني لا أكتم الخبر، فانصرفت واغتسلت بغسل الموتى، وائتزرت بإزار الموتى، ولبست قميصًا، وارتديت رداء، وطرحت السواد، وكتبت إلى المأمون. قال: فلمّا صلى العصر دعاني، وحدَث به حادث في جفن عينه وفي مأقه، فخرّ ميتًا. قال: فخرج طلحة بن طاهر، فقال: ردّوه ردّوه - وقد خرجت - فردّوني، فقال: هل كتبت بما كان؟ قلت: نعم، قال: فاكتب بوفاته، وأعطاني خمسمائة ألف ومائتي ثوب، فكتبت بوفاته وبقيام طلحة بالجيش.
قال: فوردت الخريطة على المأمون بخلعه غدْوة، فدعا ابنَ أبي خالد فقال له: اشخص: فأتِ به - كما زعمت، وضمنت - قال: أبيتُ ليلتي، قال: لا لعمري لا تبيت إلا على ظَهْر. فلم يزل يناشده حتى أذن له في المبيت. قال: ووافت الخريطة بموته ليلًا، فدعاه فقال: قد مات، فمن ترى؟ قال: ابنه طلحة، قال: الصواب ما قلت، فاكتب بتوليته. فكتب بذلك، وأقام طلحة واليًا على خراسان في أيام المأمون سبع سنين بعد موت طاهر، ثم توفِّيَ، وولى عبد الله خُراسان - وكان يتولى حرب بابك - فأقام بالدينور، ووجّه الجيوش، ووردت وفاة طلحة على المأمون، فبعث إلى عبد الله يحيى بن أكثم يعزّيه عن أخيه ويهنئه بولاية خراسان، وولّى عليّ بن هشام حرب بابك.
وذكر عن العباس أنه قال: شهدت مجلسًا للمأمون، وقد أتاه نعي الطاهر، فقال: لليدين وللفم! الحمد لله الذي قدّمه وأخَّرنا.
وقد ذُكر في أمر ولاية طلحة خراسان بعد أبيه طاهر غير هذا القول؛ والذي قيل من ذلك، أنّ طاهرًا لما مات - وكان موته في جمادى الأولى - وثب الجند، فانتهبوا بعض خزائنه، فقام بأمرهم سلّام الأبرش الخصيّ، فأمر فأعطوا رزق ستة أشهر. فصيّر المأمون عمله إلى طلحة خليفة لعبد الله بن طاهر؛ وذلك أنّ المأمون ولّى عبد الله في قول هؤلاء بعد موت طاهر عمل طاهر كله - وكان مقيمًا بالرَّقة على حرب نصر بن شبَث - وجمع له مع ذلك الشأم، وبعث إليه بعده على خُراسان وعمل أبيه؛ فوجّه عبد الله أخاه طلحة بخراسان، واستخلف بمدينة
стр. 5358
السلام إسحاق بن إبراهيم، وكاتب المأمونَ طلحةُ باسمه، فوجّه المأمون أحمد بن أبي خالد إلى خُراسان للقيام بأمر طلحة، فشخص أحمد إلى ما وراء النهر، فافتتح أشْروسَنة، وأسر كاوس بن خاراخره وابنه الفضل، وبعث بهما إلى المأمون، ووهب طلحة لابن أبي خالد ثلاثة آلاف ألف درهم وعَروضًا بألفي ألف، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتب أحمد بن أبي خالد خمسمائة ألف درهم.
وفي هذه السنة غلا السعر ببغداد والبصرة والكوفة حتى بلغ سعر القفِيز من الحنطة بالهارونيّ أربعين درهمًا إلى الخمسين بالقفيز الملجَم.
وفي هذه السنة وُلِّيَ موسى بن حفص طبرستان والرُّويان ودُنْباونْد.
وحجّ بالناس في هذه السنة أبو عيسى بن الرشيد (١).
ثم دخلت سنة ثمان ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك مصير الحسن بن الحسين بن مصعب من خُراسان إلى كرمان ممتنعًا بها، ومصير أحمد بن خالد إليه حتى أخذه، فقدِم به على المأمون، فعفا عنه (٢).
وفيها ولّى المأمون محمد بن عبد الرحمن المخزوميّ قضاءَ عسكر المهديّ في المحرّم (٣).
وفيها استعفى محمد بن سماعة القاضي من القضاء فأعفِيَ، وولّى مكانه إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة (٤).
وفيها عُزل محمد بن عبد الرحمن عن القضاء بعد أن وُلِّيَه فيها في شهر ربيع
стр. 5359
الأول، ووليَه بشر بن الوليد الكنديّ، فقال بعضهم (١):
يأَيُّها الملِكُ الموحِّدُ ربَّهُ ... قاضيكَ بشرُ بنُ الوليدِ حِمارْ
يَنفِي شَهادَةَ مَن يَدِينُ بما بِهِ ... نطَقَ الكتابُ وجاءَتِ الأَخبارْ
ويَعُدُّ عدلًا مَن يقولُ بأَنَّهُ ... شيخٌ يُحيط بجسمه الأَقطارْ (٢)
ومات موسى بن محمد المخلوع في شعبان، ومات الفضل بن الربيع في ذي القعدة (٣).
* * *
وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن الرشيد (٤).
ثم دخلت سنة تسع ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
خبر الظفر بنصر بن شبث (٥)
فمن ذلك ما كان من حصر عبد الله بن طاهر نصر بن شبَث وتضييقه عليه؛ حتى طلب الأمان، فذُكر عن جعفر بن محمد العامويّ أنه قال: قال المأمون لثُمامة: ألا تدلّني على رجل من أهل الجزيرة له عقل وبيان ومعرفة، يؤدّي عنّي ما أوجّهه به إلى نصر بن شبَث؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين، رجل من بني عامر يقال له جعفر بن محمد، قال له: أحضرنيه، قال جعفر: فأحضرني ثمامة، فأدخلني عليه، فكلّمني بكلام كثير، ثم أمرني أن أبلغه نصر بن شبَث. قال:
стр. 5360
فأتيت نصْرًا وهو بكفر عَزُون بسَروج، فأبلغته رسالتَه، فأذعن وشرط شروطًا، منها ألا يطأ له بساطًا. قال: فأتيتُ المأمون فأخبرته، فقال: لا أجيبه والله إلى هذا أبدًا، ولو أفضيت إلى بيع قميصي حتى يطأ بساطي؛ وما باله ينفر منّي! قال: قلتُ لجرْمه وما تقدّم منه. فقال: أتراه أعظم جُرْمًا عندي من الفضل بن الربيع ومن عيسى بن أبي خالد! أتدري ما صنع بي الفضل! أخذ قوّادي وجنودي وسلاحي وجميع ما أوْصى به لي أبي. فذهب به إلى محمد وتركني بمروْ وحيدًا فريدًا وأسلمني، وأفسد عليّ أخي؛ حتى كان من أمره ما كان؛ وكان أشدّ عليّ من كل شيء. أتدري ما صنع بي عيسى بن أبي خالد! طرد خليفتي من مدينتي ومدينة آبائي، وذهب بخراجي وفيئي، وأخرب عليّ دياري، وأقعد إبراهيم خليفة دوني، ودعاه باسمي. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في الكلام فأتكلم؟ قال: تكلم، قلتُ: الفضل بن الربيع رضيعكم ومولاكم، وحال سلفه حالكم، وحال سلفكم حاله، ترجع عليه بضروب كلّها تردّك إليه، وأما عيسى بن أبي خالد فرجُلٌ من أهل دولتك، وسابقتُه وسابقة مَنْ مضى من سلفه سابقتهم ترجع عليه بذلك؛ وهذا رجل لم تكن له يد قطّ فيُحْملُ عليها، ولا من مضى من سلفه؛ إنما كانوا من جند بني أمية. قال: إن كان ذلك كما تقول، فكيف بالحَنَق والغيظ؛ ولكني لستُ أقلع عنه حتى يطأ بساطي، قال: فأتيت نصرًا فأخبرته بذلك كلّه، قال: فصاح بالخيل صيحة فجالت، ثم قال: ويلي عليه! هو لم يقْوَ على أربعمائة ضفدع تحت جناحه - يعني الزّط - يقوى على حَلْبة العرب!
فذُكر أن عبد الله بن طاهر لما جادّه القتال وحصره وبلغ منه، طلب الأمان فأعطاه، وتحوّل من معسكره إلى الرّقّة سنة تسع ومائتين، وصار إلى عبد الله بن طاهر، وكان المأمون قد كتب إليه قبل ذلك بعد أن هزم عبد الله بن طاهر جيوشَه كتابًا يدعوه إلى طاعته ومفارقة معصيته، فلم يقبل، فكتب عبد الله إليه - وكان كتاب المأمون إليه من المأمون كتبه عمرو بن مسعدة:
أما بعد؛ فإنك يا نصر بن شبَث قد عرفتَ الطاعة وعزّها وبَرْد ظلِّها وطيب مَرْتعها وما في خلافها من النّدم والخَسار، وإن طالت مدّة الله بك، فإنه إنما يُملى من يلتمس مظاهرة الحجّة عليه لتقع عبَرُه بأهلها على قَدْر إصرارهم