← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 5426–5465 · переход к 5431.

стр. 5426

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ذكر خلاف محمد بن القاسم العلوي] (١) فمن ذلكَ ما كانَ مِنْ ظُهورِ محمد بن القاسم بن عُمر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بالطالقان من خُراسان، يدعو إلى الرضا من آل محمد ﷺ ؛ فاجتمعَ إليهِ بها ناسٌ كثير؛ وكانت بينه وبين قوَّاد عبد الله بن طاهر وقعات بناحية الطالقان وجبالها، فهُزِمَ هو وأصحابه، فخرجَ هاربًا يريدُ بعض كُور خُراسان، كانَ أهلهُ كاتبوه؛ فلما صارَ بنَسا، وبها والد لبعض مَنْ معه، مضى الرجلُ الذي معه من أهل نَسا إلى والدهِ ليسلِّمَ عليهِ، فلما لقيَ أباهُ سألهُ عن الخبر، فأخبرهُ بأمرهم وأنهم يقصدون كورة كذا، فمضى أبو ذلكَ الرجل إلى عامل نَسا، فأخبره بأمر محمد بن القاسم؛ فذكر أن العامل بذل له عشرة آلاف درهم على دلالته عليه فدلَّهُ عليهِ، فجاء العاملُ إلى محمد بن القاسم، فأخذه واستوثق منه؛ وبعث به إلى عبد الله بن طاهر، فبعث بهِ عبد الله بن طاهر إلى المعتصم، فَقُدِمَ بهِ عليه يوم الإثنين لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر؛ فحبس - فيما ذكر - بسامراء عندَ مسرور الخادم الكبير في محبس ضيق، يكون على قدر ثلاث أذرع في ذراعين، فمكث فيهِ ثلاثة أيام، ثم حَوَّلَ إلى موضع أوسعَ من ذلكَ، وأجرى عليهِ طعام، ووُكِلَ به قوم يحفظونهُ، فلمَّا كان ليلة الفِطر، واشتغلَ الناسُ بالعيد

стр. 5427

والتهنئة احتال للخروج، ذُكر أنه هرب من الحبس بالليل، وأنهُ دُلّيَ إِليهِ حَبل من كُوَّةٍ كانت فِي أعلى البيت، يدخل عليه منها الضوء، فلما أصبحوا أتوا بالطعام للغداء افتقد. فذكر أنهُ جُعِلَ لمن دلَّ عليهِ مائة ألف درهم، وصاحَ بذلكَ الصائح، فلم يُعرف له خبر. وفي هذه السنة قدم إسحاق بن إبراهيم بغداد من الجبل، يوم الأحد لإحدى عشرةَ ليلةٍ خَلَّتْ مِن جمادى الأولى، ومعهُ الأسرى من الخرمية والمستأمنة. وقيلَ: إن إسحاق بن إبراهيم قتل مِنْهُمْ في محاربته إياهم نحوًا من مائة ألف سوى النساء والصبيان (١). [ذكر الخبر في محاربة الزط] (٢) وفي هذه السنة وجَّهَ المعتصم عُجَيف بن عنبسة في جمادى الآخرة منها لحرب الزُّط الذين كانوا قد عاثوا في طريق البصرة، فقطعوا فيهِ الطريق، واحتملوا الغلَّات من البيادر بكسْكَر وما يليها من البَصْرة، وأخافوا السبيل، ورتَّبَ الخيل في كل سكة من سكك البرد تركض بالأخبار، فكان الخبرُ يخرج من عند عجيف فيصل إلى المعتصم من يومه؛ وكان الذي يتولى النفقة على عجيف من قِبَل المُعْتَصم محمد بن منصور كاتب إبراهيم بن البَختري، فلما صارَ عُجَيف إلى واسط، ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها الصافية في خمسة آلاف رجل، وصار عُجَيف إلى نَهر يحمل من دجلة يقال له بَرْدُودَا؛ فلم يزل مقيمًا عليه حتى سدَّهُ. وقيل إنَّ عُجَيفًا إنما ضرب عسكره بقرية أسفل واسط يقال لها نجيدا، ووجَّهَ هارون بن نعيم ابن الوضاح القائد الخراسانيّ إلى موضعٍ يُقالُ لهُ الصافية في خمسة آلاف رجل، ومضى عُجيفُ في خمسة آلاف إلى بَرْدُودا، فأقامَ عليهِ حتى سدَّهُ وسَدَّ أَنهارًا أُخَر كانوا يدخلون منها ويخرجون، فحصرهم من كل وجه؛ وكان من الأنهار التي سدَّها عجيف، نهر يقال لهُ العروس؛ فلما أخذ

стр. 5428

عليهم طرقهم حاربهم، وأسر منهم خمسمائة رجل، وقتل منهم في المعركة ثلاثمائة رجل، فضرب أعناق الأسرى وبعثَ برؤوس جميعهم إلى باب المعتصم؛ ثم أقام عُجَيف لإِزاء الزُّط خمسةَ عشرَ يومًا، فظفرَ منهم بخلْقٍ كثير، وكانَ رئيسُ الزُّط رجلًا يُقالُ لَهُ محمد بن عثمان؛ وكان صاحب أمره والقائم بالحرب سملق، ومكث عُجيف يقاتلهم - فيما قيل تِسعة أشهر. وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد (١). ثم دخلت سنة عشرين ومائتين ذكر ما كان فيها من الأحداث [ذكر ظفر عجيف بالزط] فمن ذلكَ ما كان من دخول عُجيف بالزُّط بغداد، وقهره إياهم حتى طلبوا منهُ الأمان فآمنهم، فخرجوا إليهِ في ذي الحجة سنة تسع عشرة ومائتين على أنهم آمنون على دمائهم وأموالهم؛ وكانت عِدَّتهم - فيما ذكر - سبعةُ وعشرينَ ألفًا؛ المقاتلةُ منهم اثنا عشر ألفًا؛ وأحصاهم عُجَيفَ سبعةَ وعشرين ألف إنسان؛ بين رجل وامرأة وصبي، ثم جعلهم في السُّفنِ، وأقبل بهم حتى نزل الزعفرانية فأعطى أصحابهُ دينارين دينارين جائزة، وأقامَ بها يومًا، ثمَّ عَبأهم في زواريقهم على هيئتهم في الحرب؛ معهم البوقات، حتى دخلَ بهم بغداد يوم عاشوراء سنة عشرين ومائتين والمعتصم بالشماسيَّة في سفينةٍ يُقَالُ لَها الزَّو، حتى مرَّ به الزطُّ على تَعبئتهم ينفخون بالبوقات؛ فكان أولهم بالقُفْص وآخرهم بحذاء الشماسيَّة، وأقاموا في سفُنهم ثلاثة أيام، ثم عبر بهم إلى الجانب الشرقي؛ فدفعُوا إلى بشر بن السميدع، فذهب بهم إلى خانقين، ثم نقلوا إلى الثَّغْرِ إلى عين زربة، فأغارت عليهم الروم، فاجتاحوهم فلم يفلت منهم أحد (٢).، فقال شاعرهم:

стр. 5429

يا أهلَ بغدادَ موتوا دامَ غَيظكمُ ... شوقًا إلى تمرِ بَرْنِيٍّ وَشُهْرِيزِ نَحن الذينَ ضربناكم مجاهَرَةً ... قَسرًا وسُقناكم سَوقَ المعاجيزِ فلم تشكروا الله نَعْماهُ التي سَلفَتْ ... ولم تحوطوا أَياديه بتَعزِيز فاسْتَنْصِرُوا العبدَ من أَبناء دَوْلَتِكُمْ ... مِنْ يا زمانَ ومن بلجٍ ومن تُوزِ ومن شِناسَ وأَفشِينٍ، ومن فرجٍ ... المُعَلِمينَ بديباجٍ وإِبريز واللابِسي كيمخار الصين قد خرَطَت ... أردانَهُ دَرْزُ بَرْوَازِ الدَّخاريزِ والحاملين الشُّكَى نِيْطت علائقها ... إلى مناطقِ خاصٍ غيرِ مَخروز يَفرى بِبَيض من الهندي هامَهُمُ ... بنو بَهِلَّةَ في أبْنَاءَ فيروزِ فوارسٌ خيلُها دُهْم مودَّعةٌ ... على الخراطِيم منها والفراريز مسخَّرَات لها في الماء أَجْنِحَةٌ ... كالآبَنُوسِ إذا اسْتَحضِرْن والشِّيز متى ترموا لنا في غَمرِ لجَّتِنا ... حِذْرًا نَصيدُكُمْ صيدَ المعافِيزِ أَوْ اختِطَافًا وإِزهاقًا كما اختُطِفت ... طيرُ الدِّحال حثاثًا بالمناقيزِ ليسَ الجلادُ جِلادَ الزَّطِّ فاعترفوا ... أَكلَ الثَّريدِ ولا شُربَ القَواقيز نحنُ الذين سقينا الحرب دِرَّتَها ... ونقنقنا مقاساة الكواليز لنَسْفَعَنَّكُم سَفعًا يَذِلُّ لَهُ ... رب السَّرِير ويُشجِي صاحبَ التِّيز فأَبكوا على التَّمر أَبكى اللهُ أَعيُنكم ... في كلِّ أَضحَى، وفي فطرٍ ونيروزِ [ذكر خبر مسير الأفشين لحرب بابك] وفي هذه السنة عقد المعتصم للأفشين حيدر بن كاوس على الجبال، ووجَّه به لحرب بابك؛ وذلك يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الآخرة، فعسكر بمصلَّى بغداد، ثم صارَ إلى بَرزَنَدْ (١).

стр. 5430

[ذكر الخبر عن أمر بابك ومخرجه] ذُكر أن ظهور بابك كان في سنة إحدى ومائتين، وكانت قريتهُ ومدينتهُ البَذ؛ وهزم من جيوش السلطان، وقتلَ من قواده جماعة فلما أفضى الأمر إلى المعتصم، وجه أبا سعيد محمد بن يوسف إلى أردبيل، وأمره أن يبني الحصونَ التي خربها بابك فيما بين زَنْجان وأردبيل، ويجعل فيها الرجال مسالح لحفظ الطريق لمن يجلب الميرَة إلى أَردَبيل، فتوجَّهَ أبو سعيد لذلك، وبنى الحصون التي خرَّبها بابك، ووجهَ بابك سريّة لهُ في بعض غاراته، وصيَّرَ أميرهم رجلًا يقال لهُ معاوية؛ فخرج فأغار على بعض النواحي، ورجعَ منصرفًا؛ فبلغَ ذلكَ أبا سعيد محمد بن يوسف، فجمعَ الناسَ وخرج إليهِ يعترضه في بعض الطريق، فواقعهُ، فقتل من أصحابهِ جماعة وأسر منهم جماعة، واستنقذ ما كان حواه؛ فهذه أول هزيمة كانت على أصحاب بابك. ووجَّهَ أبو سعيد الرؤوس والأسرى إلى المعتصم. ثم كانت الأخرى لمحمد بن البعيث؛ وذلكَ أن محمد بن البعيث كان في قلعة له حصينة تسمى شاهى؛ كان ابن البعيث أخذها من الوجناء بن الرَّوَّاد، عرضها نحو من فرسخين، وهي من كورة أذْرَبِيجان، وله حصن آخر في بلاد أذربيجان يسمى تبْريز، وشاهى أمنعهما؛ وكان ابن البعيث مصالحًا لبابك، إذا توجهت سراياه نزلت به. فأضافهم، وأحسنَ إليهم حتى أنسوا به، وصارت لهم عادة. ثم إنَّ بابك وجَّهَ رجلًا من أصحابهِ يقالُ لَهُ عِصْمَة من أصبهبذته في سرية، فنزل بابن البعيث، فأنزل إليه ابن البعيث على العادة الجارية الغنم والأنزال وغير ذلك، وبعث إلى عصمة أن يصعد إليهِ في خاصَّتهِ ووجوهِ أصحابه، فصعد فغدَّاهم وسقاهم حتى أسكرهم ثم وثبَ على عصمة فاستوثقَ منهُ، وقتل مَن كانَ معهُ من أصحابهِ، وأمرهُ أن يسمِّي رجلًا رجلًا من أصحابهِ باسمهِ؛ فكانَ يُدعى بالرجل فيصعد، ثم يأمر بهِ فيضرب عنقه؛ حتى علموا بذلك؛ فهربوا، ووجَّهَ ابن البعيث بعصمة إلى المعتصم - وكان البعيث أبو محمد صعلوكًا من صعاليك ابن الرَّواد - فسأل المعتصم عصمة عن بلاد بابك، فأعلمه طُرقها ووجوه القتال فيها؛ ثم لم يزل عصمة محبوسًا إلى أيامِ الواثق. ولما صار الأفشين إلى بَرَزنَد عسكر

стр. 5431

بها، ورمَّ الحصون فيما بين برزَندْ وأردبيل، وأنزل محمد بن يوسف بموضع يقال لهُ خُش، فاحتفر فيه خندقًا، وأنزلَ الهيثم الغنوي القائد من أهل الجزيرة في رستاق يقال لهُ أرشق، فرمَّ حصنه وحفر حوله خندقًا، وأنزلَ عَلّويه الأعور من قُوَادِ الأبناء في حصن ممَّا يلي أردبيل يسمى حصن النهر؛ فكانت السابلة والقوافل تخرجُ من أردبيل معها من يُبذرِقها حتى تصل إلى حصن النَّهر، ثم يُبَذْرقها صاحب حصن النهر إلى الهيثم الغنوي، ويخرجُ هيثم فيمن جاء من ناحيته حتى يسلمه إلى أصحابِ حصن النَّهر، ويُبَذْرق مَن جاء من أردبيل حتى يصير الهيثم وصاحب حصن النهر في منتصف الطريق، فيسلِّمَ صاحب حصن النهر مَنْ معهُ إلى هيثم، ويسلم هيثم من معهُ إلى صاحب حصن النهر؛ فيسير هذا مع هؤلاء؛ وهذا مع هؤلاء. وِإنْ سبقَ أحدهما صاحبه إلى الموضع لم يَجُزْه حتى يجيء الآخر؛ فيدفع كلَّ واحدٍ منهما مَنْ معهُ إلى صاحبهِ ليُبذْرقهم، هذا إلى أردبيل، وهذا إلى عسكر الأفشين، ثم يُبَذْرق الهيثم الغنوي مَنْ كانَ معهُ إلى أصحاب أبي سعيد؛ وقد خرجوا فوقفوا على منتصف الطريق، معهم قوم، فيدفع أبو سعيد وأصحابه مَنْ معهم إلى الهيثم، ويدفعُ الهثيم مَنْ معهُ إلى أصحاب أبي سعيد، فيصيرُ أبو سعيد وأصحابه بمَنْ في القافلة إلى خُش، وينصرف الهيثم وأصحابهُ بمن صار في أيديهم إلى أرشق حتى يصيروا به من غد، فيدفعوهم إلى عَلَّويه الأعور وأصحابه ليوصلوهم إلى حيث يريدون، ويصير أبو سعيد ومن معه إلى خُش، ثم إلى عسكر الأفشين، فتلقاه صاحب سيارة الأفشين، فيقبص منه من في القافلة، فيؤديهم إلى عسكر الأفشين؛ فلم يزل الأمرُ جاريًا على هذا؛ وكلما صارَ إلى أبي سعيد أو إلى أحدِ من المسالح أحدٌ من الجَواسيس وجهّوا به إلى الأفشين؛ فكانَ لا يقتلُ الجواسيس ولا يضربُهم، ولكن يهب لهم ويصلهم ويسألهم ما كان بابك يعطيهم، فيُضعفه لهم، ويقول للجاسوس: كن جاسوسًا لنا. [ذكر خبر وقعة الأفشين مع بابك بأرشق] وفيها كانت وقعة بين بابك وأفشين بأرشق، قتلَ فيها الأفشين من أصحاب

стр. 5432

بابك خلقًا كثيرًا، قيل أكثر من ألف، وهرب بابك إلى مُوقَان، ثم شخص منها إلى مدينته التي تدعى البذ (١). [ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة بين الأفشين وبابك] ذُكر أنَ سبب ذلكَ أن المعتصم وجَّهَ مَع بُغا الكبير بمال إلى الأفشين عَطاءً لجندهِ وللنفقات، فقدم بُغَا بذلكَ المالَ إلى أَردَبيل، فلمَّا نزل أردبيل بلغَ بابك وأصحابه خبرهُ، فتهيَّأ بابك وأصحابه ليقطعوا عليه قبل وصوله إلى الأفشين، فقدم صالح الجاسوس على الأفشين، فأخبره أنّ بُغا الكبير قد قدمَ بمال، وأن بابك وأصحابه تهيَّئوا ليقتطعوه قبل وصوله إليك. وقيل: كان مجيء صالح إلى أبي سعيد، فوجَّهَ بهِ أبو سعيد إلى الأفشين وهيأ بابك كمينًا في مواضع، فكتب الأفشين إلى أبي سعيد يأمره أن يحتال لمعرفة صحة خبر بابك، فمضى أبو سعيد متنكرًا هو وجماعة من أصحابه، حتى نظروا إلى النيران والوقود في المواضع التي وصفها لهم صالح، فكتب الأفشين إلى بُغا؛ أن يقيم بأَردَبيل حتى يأتيه رأيَهُ، وكتب أبو سعيد إلى الأفشين بصحَّة خبر صالح، فوعد الأفشين صالحًا وأحسن إليه، ثم كتب الأفشين إلى بُغا أن يظهر أنه يريد الرحيل، ويشدَّ المالَ على الإبل ويُقْطرها ويسير متوجِّهًا من أَردبيل؛ كأنهُ يريد برْزَنْد؛ فإذا صارَ إلى مَسلحة النهر، أو سارَ شبيهًا بفرسخين، احتبسَ القطار حتى يجوزَ مَن صحب المال إلى بَرْزند فإذا جَازَت القافلةُ رجع بالمالِ إلى أردبيل. ففعل ذلكَ بُغا، وسارت القافلةُ حتى نزلت النهر، وانصرف جواسيس بابك إليهِ يعلمونه أنَّ المال قد حُمل، وعاينوه محمولًا حتى صارَ إلى النهر، ورجعَ بُغا بالمال إلى أردبيل، وركب الأفشينُ في اليوم الذي وعد فيه بُغا عند العصر من برزند، فوافى خشَّ مع غروب الشمس، فنزل معسكرًا خارج خندق أبي سعيد؛ فلما أصبح ركب في سرِّ، لم يضرب طبلًا ولا نَشرَ علمًا، وأمر أن يلفّ الأعلامُ، وأمر الناسَ بالسكوت، وجدَّ في السير، ورحلت القافلةُ التي كانت توجَّهت في ذلكَ اليوم من النهر إلى ناحية الهيثم الغنوي، ورحل الأفشين من خشّ يريد ناحية الهيثم ليصادفه في الطريق، ولم يعلم الهيثم [بمن كانَ معه]

стр. 5433

فرحل بمَن كان معهُ من القافلة يريد بها النهر. وتعبَّأَ بابك في خَيلهِ ورجالهِ وعساكره، وصار على طريق النهر، وهو يظنُّ أن المالَ موافيه، وخرجَ صاحب النهر ببذَرق مَنْ قِبَله إلى الهيثم، فخرجت عليه خيل بابك؛ وهم لا يشكّون أنَّ المال معه، فقاتلهم صاحبُ النهر، فقتلوه وقتلوا مَنْ كانَ معهم من الجند والسابلة، وأخذوا جمِيعَ ما كان معهم من المتاع، وغيره، وعلموا أن المال قد فاتهم، وأخذوا علمَه، وأخذوا لباسَ أهل النهر ودراريعهم وطراداتهم وخفاتينَهم فلبسوها، وتنكروا ليأخذوا الهيثم الغنوي ومن معهُ أيضًا، ولا يعلمون بخروج الأفشين، وجاءوا كأنهم أصحاب النهر، فلما جاءوا لم يعرفوا الموضع الذي كانَ يقف فيه علم صاحب النهر، فوقفوا في غير موضِع صاحب النهر، وجاء الهيثم فوقف في موقفه، فأنكرَ ما رأى، فوجَّهَ ابن عَمٍّ لهُ، فقال لهُ: اذهب إلى هذا البغيض، فقل له: لأيِّ شيءٍ وقوفك؟ فجاء ابن عم الهيثم، فلما رأى القومَ أنكرهم لما دنا منهم فرجعَ إلى الهيثم فقال له: إنَّ هؤلاء القومُ لستُ أعرفهم، فقال له الهيثم: أَخزاك الله! ما أجبنَكَ! ووجهَ خمسة فرسان من قبله، فلما جاءوا وقربوا من بابك، خرج من الخُرّمية رجلان فتلقَّوهما وأنكروهما، وأعلموهما أنهم قد عرفوهما، ورجعوا إلى الهيثم ركضًا، فقالوا: إِنَّ الكافرَ قد قتل علويه وأصحابه، وأخذوا أعلامهم ولباسهم، فرحل هيثم منصرفًا، فأتى القافلةَ التي جاء بها معه، وأمرهم أن يركضوا ويرجعوا، لئلا يُؤخذوا، ووقفَ هو في أصحابه، يسير بهم قليلًا قليلًا، ويقف بهم قليلًا، ليشغل الخرميّة عن القافلة، وصار شبيهًا بالحامية لهم؛ حتى وصلت القافلة إلى الحصن الذي يكونُ فيهِ الهيثم - وهو أرشق - وقال لأصحابه: مَنْ يذهب منكم إلى الأمير وإلى أبي سعيد فيعلمهما وله عشرة آلاف درهم وفرس بدل فرسهِ إن نَفق فرسه فله مثل فرسه على مكانه؟ فتوجَّهَ رجلانِ من أصحابهِ على فرسينِ فارهين يركضانِ، ودخل الهيثم الحصنَ، وخرجَ بابكَ فيمن معه، فنزل بالحصن، وضع له كرسي وجلس على شرف بحيال الحصن، وأرسل إلى الهيثم: خلِّ عَن الحصن وانصرف حتى اهدمه. فأبى الهيثم وحاربه. وكان مع الهيثم في الحصن ستمائة راجل وأربعمائة فارس، وله خندق حصين، فقاتله، وقعد بابك فيمن معه، ووضع الخمر بين يديه ليشربها، والحرب مشتبكة كعادته، ولقى

стр. 5434

الفارسان الأفشين على أقلِّ من فرسخ من أرشق، فساعة نظر إليهما من بعيد قال لصاحب مقدَّمته: أرى فارسين يركُضان ركضًا شديدًا، ثم قال: اضربوا الطبل، وانشروا الإعلام واركضوا نحو الفارسين، ففعل أصحابه ذلك، وأسرعوا السير، وقال لهم: صيحوا بهما لبيكَ لبيك! فلم يزل الناس في طَلقٍ واحدٍ متراكضينَ، يكسرُ بعضهم بعضًا حتى لحقوا بابك؛ وهو جالسٌ، فلم يتدارك أن يتحوَّل ويركب حتى وافتهُ الخيل والناس، واشتبكت الحرب، فلم يفلت من رجالة بابك أحد، وأفلت هو في نفر يسير، ودخل مُوقان، وقد تقطَّع عنه أصحابه، وأقامَ الأفشين في ذلك الموضع، وبات ليلته ثم رجع إلى معسكره ببرزند، فأقام بابك بمُوقان أيامًا. ثم إنه بعث إلى البذ، فجاءه في الليل عسكر فيهِ رجَّالة، فرحل بهم من موقان حتى دخل البذ، فلم يزل الأفشين معسكرًا ببرزَند، فلما كان في بعض الأيام مرَّت به قافلة من خُش إلى بَرزند، ومعها رجلٌ من قِبَل أبي سعيد يسمى صالح آب كش - تفسيره السقاء - فخرج عليه أصبهبذ بابك، فأخذ القافلةَ وقتل مَنْ فيها، وقتل مَنْ كانَ مع صالح، وأفلتَ صالح، بلا خف مع من أفلت، وقُتِلَ جميعُ أهل القافلة، وانتُهِبَ متاعهم، فقحط عسكر الأفشين من أجل تلك القافلةِ التي أخذت من الآب كش؛ وذلكَ أنها كاتت تحمل الميرة، فكتب الأفشين إلى صاحب المراغة يأمرهُ بحمل الميرة تعجيلها عليه؛ فإنَّ الثاسَ قد قحطوا وجاعوا، فوجه إليه صاحب المراغة بقافلة ضخمة، فيها قريب من ألف ثَوْر سوى الحمرُ والدوابّ وغير ذلك، تحمل الميرة، ومعها جند يُبذرقونها، فخرجت عليهم أيضًا سريَّةُ لبابك، كان عليها طَرْخَان - أو آذين - فاستباحوها عن آخرها بجميعِ ما فيها، وأصابَ الناس ضيق شديد؛ فكتب الأفشين إلى صاحب السيروَان أن يحمل إليه طعامًا فحمل إليها طعامًا كثيرًا، وأغاثَ الناسَ في تلكَ السنة وقدم بُغا على الأفشين بمالٍ ورجال. [ذكر الخبر عن خروج المعتصم إلى القاطول] وفي هذه السنة خرج المعتصم إلى القاطُول، وذلكَ في ذي القعدة منها (١).

стр. 5435

[ذكر الخبر عن سبب خروجه إليها] ذكر عن أبي الوزير أحمد بن خالد، أنه قال: بعثني المعتصم في سنة تسع عشرة ومائتين، وقال لي: يا أحمد، اشترِ لِي بناحية سامراء موضعًا أَبني فيه مدينة؛ فإني أتخوفُ أَن يصيحَ هؤلاء الخرمية صيحة، فيقتلوا غلماني؛ حتى أكونَ فوقهم، فإِن رابني منهم ريبٌ أتيتُهم في البر والبحر؛ حتى آتي عليهم، وقال لي: خذ مائة ألف دينارٍ، قال: قلتُ: آخذ خمسة آلاف دينار، فكلَّما احتجتُ إلى زيادةٍ بعثتُ إليكَ فاستزدتُ؟ قال: نعم؛ فأتيت الموضع، فاشتريتُ سامراء بخمسمائةِ درهم من النصارى أصحاب الدير، واشتريتُ موضع البستان الخاقاني بخمسة آلاف درهم، واشتريتُ عدَّة مواضعٍ حتى أحكمت ما أردت، ثم انحدرتُ فأتيته بالصكاك، فعزم على الخروج إليها في سنة عشرين ومائتين، فخرج حتى إذا قارب القاطول ضُربت له فيه القباب والمضارب، وضرب الناس الأخبية، ثم لم يزل يتقدَّم وتضرب له القباب حتى وضع البناء بسامراء سنة إحدى وعشرينَ ومائتين. فذكر عن أبي الحسن بن أبي عباد الكاتب، أن مسرورًا الخادم الكبير، قال: سألني المعتصم: أين كانَ الرشيد يتنزَّهُ إذا ضجرَ من المقامِ ببغداد؟ قال: قلتُ لهُ: بالقاطول، وقد كان بنى هُناكَ مدينةً آثارها وسورها قائم؟ وقد كان خافَ من الجند ما خاف المعتصم، فلما وثبَ أهلُ الشأم بالشأم وعصوا، خرج الرشيد إلى الرَّقة فأقامَ بها، وبقيت مدينة القاطول لم تستتمَّ، ولما خرجَ المعتصم إلى القاطول استخلفَ ببغداد ابنهُ هارون الواثق. وقد حَدَّثني جعفر بن بوَّازة الفرَّاء، أن سبب خروج المعتصم إلى القاطول، كانَ أنَّ غلمانهُ الأتراك لا يزالون يجدُون الواحد بعد الواحد منهم قتيلًا في أرباضها؛ وذلكَ أنهم كانوا عُجْمًا جفاة يركبون الدواب، فيتراكضون في طُرق بغداد وشوارعها، فيصدمون الرجل والمرأة ويطئون الصبي، فيأخذهم الأبناء فينكسونهم عن دوابهم ويجرحون بعضهم، فربما هلكَ من الجراحِ بعضهم، فشكت الأتراك ذلكَ إلى المُعْتصم، وتأذَّت بهم العامة، فذُكِرَ أَنهُ رأى المعتصم راكبًا منصرفًا من المصلى في يوم عيد الأضحى أو فطر؛ فلما صار في مربعة

стр. 5436

الحَرشي، نظر إلى شيخ قد قام إليه، فقال لهُ: يا أبا إسحاق، قال: فابتدره الجند ليضربوه، فأشارَ إليهم المعتصم فكفهم عنه، فقال للشيخ: ما لك! قال: لا جَزاكَ اللهُ عن الجوارِ خيرًا! جاورتَنا وجئت بهؤلاء العُلوج فأسكنتَهم بين أَظهرنا، فأيتمت بهم صبياننا، وأرملتَ بهم نسواننَا، وقتلتَ بهم رجالنا! والمعتصم يسمع ذلكَ كله. قال: ثم دخلَ داره فلم يُرَ راكبًا إلى السنة القابلة في مثل ذلكَ اليوم؛ فلما كان العام المقبل في مثل ذلكَ اليوم خرج فصلَّى بالناس العيد؛ ثم لم يرجع إلى منزله ببغداد؛ ولكنهُ صرف وجه دابتهِ إلى ناحية القاطول، وخرج من بغداد ولم يرجع إليها. [ذكر الخبر عن غضب المعتصم على الفضل بن مروان] وفي هذه السنة غضب المعتصم على الفضل بن مروان وحبسه (١). ذكر الخبر عن سبب غضبه عليه وحبسه إياه وسبب اتصاله بالمعتصم: ذُكر أن الفضل بن مروان - وهو رجل من أهل البَرَدَان - كانَ مُتَصِلًا برجل من العمَّال يكتب له، وكان حسن الخط، ثم صار مع كاتب كان للمعتصم يقال له يحيى الجُرْمَقاني، وكانَ الفضلُ بن مروان يخطُّ بينَ يديهِ؛ فلما مات الجُرْمقاني صار الفضلُ في موضعهِ؛ وكان يكتبُ للفضل عليَّ بن حسان الأنباري، فلم يزل كذلكَ حتى بلغَ المعتصم الحالُ التي بلغها، والفضلُ كاتبه، ثم خرجَ معهُ إلى معسكر المأمون، ثم خرجَ معه إلى مصر، فاحتوى على أموال مصر، ثم قدم الفضل قبل موت المأمون بغداد، ينفذ أمور المعتصم، ويكتب على لسانه بما أحب حتى قدم المعتصم خليفةً، فصارَ الفضل صاحب الخلافة، وصارت الدَّواوين كلها تحت يديه وكنز الأموال، وأقبل أبو إسحاق حين دخلَ بغداد يأمرهُ بإعطاء المغنِّي والمُلهِي؛ فلا ينفذ الفضل ذلك؛ فثقلَ على أبي إسحاق.

стр. 5437

فحدثني إبراهيم بن جهروَيْه أن إبراهيم المعروف بالهفْتِي - وكان مضحكًا - أمر له المعتصم بمال، وتقدَّمَ إلى الفضل بن مروان في إعطائه ذلك، فلم يعطهِ الفضل ما أمر بهِ المعتصم؛ فبينا الهَفْتَي يومًا عند المعتصم، بعد ما بُنيت له داره التي ببغداد، واتُّخذ له فيها بستان، قام المعتصم يتمشَّى في البستان ينظر إليه وإلى ما فيهِ من أنواعِ الرَّياحينِ والغُروس، ومعهُ الهفتي، وكان الهفتي يصحب المعتصم قبل أن تُفضي الخِلافةُ إليهِ، فيقول فيما يداعبه: واللهِ لا تفلح أبدًا! قال: وكان الهفتي رجلًا مربوعًا ذا كُدنة، والمعتصم رجلًا معرَّقًا خفيف اللحم، فجعل المعتصم يسبقُ الهفتيَّ في المشي، فإذا تقدمهُ ولم ير الهفتي معه التفتَ إليهِ، فقال: ما لكَ لا تمشي! يستعجله المعتصم في المشي ليلحق بهِ؛ فلما كثر ذلكَ من أمر المعتصم على الهَفْتي، قال لهُ الهفتي، مداعبًا لهُ: كنتُ أصلحكَ الله، أراني أماشي خليفة؛ ولم أكن أراني أماشي فَيْجًا، واللهُ لا أفلحت! فضحكَ منها المعتصم، وقال: ويلكَ! هل بقيَ من الفلاحِ شيءٌ لم أدركهُ! أبعدَ الخلافةِ تقول هذا لي! فقال له الهفتي: أتحسب أنكَ قد أفلحتَ الآنَ إنما لكَ من الخِلافةِ الاسم؛ واللهِ ما يجاوز أمركَ أذُنيكَ؛ وإنما الخليفة الفَضْل بن مروان، الذي يأمر فينفذُ أمرهُ من ساعته، فقال له المعتصم: وأيُّ أمرٍ لي لا ينفذَ! ؟ فقال له الهفتي: أمرتَ لي بكذا وكذا منذ شهرين؛ فما أُعطِيتُ مما أمرتَ به منذ ذاكَ حبة! . قال: فاحتجنَها على الفضل المعتصم حتى أوقع به. فقيل: إن أوَّلَ ما أحدثه في أمرهِ حين تغير لهُ أن صيَّرَ أحمدَ بن عمار الخُراساني زمامًا عليه في نفقات الخاصة، ونصر بن منصور بن بسام زمامًا عليهِ في الخراج وجميع الأعمال؛ فلم يزل كذلك؛ وكان محمد بن عبد الملك الزيَّات يتولَّى ما كان أبوه يتولَّاه للمأمون من عمل المشمّس والفساطيط وآلة الجمَّازات ويكتب على ذلكَ مما جرى على يدي محمد بن عبد الملك، وكانَ يلبس إذا حضر الدار دُراعة سوداء وسيفًا بحمائل، فقال له الفضل بن مروان: إنما أنت تاجر، فما لكَ وللسواد والسيف! فتركَ ذلكَ محمد، فلما تركهُ أخذه الفضل برفع حسابه إلى دُليل بن يعقوب النصراني، فرفعه، فأحسن دُلَيل في أمره؛ ولم يرزأهُ شيئًا، وعرض عليه محمد هدايا، فأبى دُليل أن يقبل منها شيئًا، فلما

стр. 5438

كانت سنة تسع عشرة ومائتين - وقيل سنة عشرين وذلكَ عندي خطأ - خرجَ المعتصم يريد القاطول، ويريدُ البناء بسامراء، فصرفه كثرة زيادة دجلة؛ فلم يقدر على الحركة، فانصرفَ إلى بغداد إلى الشماسيَّة، تم خرجَ بعد ذلك؛ فلما صار بالقاطول غضب على الفَضْل بن مروان وأهل بيتهِ في صفر، وأمرهم برفع ما جرى على أيديهم؛ وأخذ الفضل وهو مغضوب عليه في عمل حسابه، فلما فرغَ من الحساب لم يناظر فيه، وأمر بحبسه، وأن يحمل إلى منزله ببغداد في شارع الميدان، وحبس أصحابه، وصيَّرَ مكانهُ محمد بن عبد الملك الزيات، فحبس دُليلًا، ونفى الفضل إلى قرية في طريق الموصل يقال لها السن، فلم يرْل بها مقيمًا؛ فصار محمد بن عبد الملك وزيرًا كاتبًا، وجرى على يديهِ عامةُ ما بنى المعتصم سامراء من الجانبين الشرقيِّ والغربيِّ، ولم يزل في مرتبته حتى استُخلِفَ المُتوكل، فقتل محمد بن عبد الملك. وذكر أن المعتصم لما استوزر الفضل بن مروان حلَّ من قبله المحل الذي لم يكن أحد يطمعُ في ملاحظته، فضلًا عن منازعته ولا في الاعتراض في أمرهِ ونهيه، وإرادتهِ وحكمه؛ فكانت هذه صفتهُ ومقدارهُ؛ حتى حملته الدَّالة، وحرَّكتهُ الحُرمةُ على خلافه في بعض ما كان يأمره به، ومنعَهُ ما كان يحتاجُ إليه من الأموال في مهم أموره؛ فذكر عن ابن أبي داود أنه قال: كنت أحضر مجلس المعتصم؛ فكثيرًا ما كنت اسمعه يقول للفضل بن مروان: احمل إليَّ كذا وكذا من المال، فيقول: ما عندي، فيقول: فاحتلها من وجه من الوجوه، فيقول: ومن أين أحتالها! ومَن يعطيني هذا القدر من المال؟ وعندَ من أجده؟ فكانَ ذلكَ يسوءهُ وأعرفهُ في وجهه؛ فلمَّا كثر هذا من فعله ركبتُ إليهِ يومًا فقلت له مستخليًا به: يا أبا العباس؛ إنَّ الناسَ يدخلون بيني وبينكَ بما أكرهُ وتكره، وأنتَ امرؤ قد عرفتُ أخلاقَكَ، وقد عرفها الداخلونَ بيننا؛ فإِن حُرِّكت فيك بحق فاجعله باطلًا، وعلى ذلكَ فما أدع نصيحتك وأداء ما يجب عليَّ في الحق لك؛ وقد أراكَ كثيرًا ما ترد على أميرِ المؤمنين أجوبةً غليظةً تُرمضه، وتقدح في قلبه، والسلطان لا يحتمل هذا لابنه، لا سيما إذا كثرَ ذلكَ وغلظ. قال: وما ذاك يا أبا عبد الله؟ قلتُ: أسمعهُ كثيرًا ما يقول لك: نحتاجُ إلى كذا منِ المال لنصرفَهُ في وجهِ كذا، فتقول: ومن يعطيني هذا! وهذا ما لا يحتملهُ الخُلفاء. قال: فما أصنعُ إذا طلب

стр. 5439

مني ما ليسَ عندي؟ قلت: تصنع أن تقول: يا أميرَ المؤمنين، نحتالُ في ذاك بحيلة، فتدفعُ عَنكَ أيامًا إلى أن يتهيّأ، وتحمل إليه بعض ما يطلب وتسوفه بالباقي، قال نعم أفعل وأصبر إلى ما أَشرتَ به. قال: فواللهِ لكأني كنتُ أغريهِ بالمنع، فكان إذا عاودهُ بمثلِ ذلكَ من القول عاد إلى مثل ما يكره من الجواب. فلما كَثُرَ ذلكَ عليه، دخلَ يومًا إليهِ وبينَ يديهِ حزمةُ نرجس غض، فأخذها المعتصم فهزَّها، ثم قال: حيَّاكَ اللهُ يا أبا العباس! فأخذها الفضلُ بيمينهِ وسلَّ المعتصم خاتمه من أصبعه بيساره، وقال لهُ بكلام خفي: أعطني خاتمي، فانتزعهُ من يدهِ، وضعه في يد ابن عبد الملك. وحجَّ بالناس في هذه السنة صالح بن العباس بن محمد (١). ثم دخلت سنة إحدى وعشرينَ ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلكَ الوقعة التي كانت بين بابك وبغا الكبير من ناحية هَشْتَادسر، فهزم بُغا واستبيح عسكره. [ذكر الخبر عن وقعة الأفشين مع بابك في هذه السنة] وفيها واقع الأفشين بابك وهزمه (٢). ذكر الخبر عن هذه الوقعة وكيف كان السبب فيها: ذكر أن بُغا الكبير قدم بالمال الذي قد مضى ذكره؛ وأنَّ المعتصم وجَّهه معه إلى الأفشين عطاءً للجند الذي كانَ معه ولنفقات الأفشين. على الأفشين، وبالرجال الذين توجَّهوا معهُ إليه، فأعطى الأفشين أصحابهُ، وتجهَّزَ بعد النيروز، ووجَّهَ بُغَا في عسكر ليدور حول هَشْتَادسر، وينزل في خندق محمد بن حميد ويحفره ويُحكمه وينزله، فتوجَّه بُغا إلى خندق محمد بن حُميد، وصار

стр. 5440

إليهِ، ورحل الأفشين من برْزَند، ورحل أبو سعيد من خُش يريد بابك، فتوافوا بموضع يقال لهُ دروذ، فاحتفر الأفشين بها خندقًا، وبنى حولهُ سورًا، ونزلَ هو وأبو سعيد في الخندق مع مَنْ كانَ صاد إليهِ من المطوعة؛ فكان بينهُ وبين البَذ سِتَّة أميال. ثم إن بُغا تجهزَّ، وحمل معه الزَّادَ من غير أن يكون الأفشين كتبَ إليه ولا أمرهُ بذلك، فدار حولَ هَشتادسر حتى دخلَ إلى قريةِ البذ، فنزل في وسطها، وأقامَ بها يومًا واحدًا، ثم وجه ألف رجل في علافة له، فخرج عسكر من عساكر بابك، فاستباح علافة، وقتل جميع مَنْ قاتلهُ منهم، وأسر من قدر عليه، وأخذ بعض الأسرى؛ فأرسلَ لهم رجلين مما يلي الأفشين، وقال لهما: اذهبا إلى الأفشين، وأعلماهُ ما نزل بأصحابكم. فأشرف الرَّجُلان، فنظر إليهما صاحب الكُوهْبانيَّة، فحرَّكَ العلمَ، فصاحَ أهلُ العسكر: السلاح السلاح! وركبوا يريدون البذّ، فتلقَّاهُم الرجلان عُريانين؛ فأخذهما صاحبُ المقدِّمة، فمضى بهما إلى الأفشين، فأخبراه بقضيتهما، فقال: فعل شيئًا من غير أن نأمره. ورجع بُغَا إلى خندق محمد بن حميد شبيهًا بالمنهزمِ؛ وكتبَ إلى الأفشين يعلمهُ ذلكَ، ويسألهُ المدد، ويعلمهُ أنَّ العسكر مفلول، فوجَّهَ إليهِ الأفشينُ أخاه الفضل بن كاوس وأحمد بن الخليل بن هشام وابن جَوْشن وجَنَاحا الأعور السكري، وصاحب شرطة الحسن بن سهل - وأحد الأخوين قرابة الفضل بن سهل - فداروا حولَ هَشْتادسر، فسُرَّ أهل عسكره بهم، ثم كتبَ الأفشين إلى بُغا يعلمهُ أنه يغزو بابك في يوم سمَّاه له، ويأمرهُ أن يغزوَه في ذلكَ اليوم بعينه، ليحاربهُ من كلا الوجهين؛ فخرجَ الأفشينُ في ذلكَ اليوم مِنْ دَروذ يريد بابك، وخرجَ بُغا من خندق محمد بن حميد، فصعد إلى هَشتادسر، فعسكر على دعوة بجنب قبر محمد بن حميد، فهاجت ريحٌ باردة ومطر شديد، فلم يكن للناس عليها صبر لشدة البرد وشدَّةِ الريح، فانصرفَ بُغا إلى عسكرهِ، وواقعهم الأفشين من الغد، وقد رجعَ بُغا إلى عسكره، فهزمهُ الأفشين، وأخذ عسكرهُ وخيمتهُ وامرأة كانت معه في العسكر. ونزل الأفشين في معسكر بابك، ثم تجهَّزَ بُغا من الغد، وصعد هَشْتادسر، فأصابَ العسكر الذي كانَ مقيمًا بإزائهِ بهشتادسر وقد انصرف إلى بابك، ورحل بُغا إلى موضعه، فأصابَ خُرَثيَّا وقُماشًا، وانحدر من هَشتادسر يريد البذ، فأصابَ رجلًا وغلامًا نائمين فأخذهما داودسياه - وكان على مقدمته - فسألهما، فذكرا أن رسولَ بابك أتاهم في الليلةِ التي انهزم فيها بابك، فأمرهم أن

стр. 5441

يوافوه بالبذ، فكان الرجل والغلام سكرانين، فذهب بهما النوم، فلا يعرفان من الخبر غير هذا؛ وكان ذلكَ قبل صلاة العصر، فبعث بُغا إلى داودسياه: قد توسطنا الموضع الذي نعرفه - يعني الذي كنا في المرة الأولى - وهذا وقت المساء، وقد تعب الرَّجالة، فانظر جبلًا حصينًا يسعُ عسكرنا، حتى نعسكرَ فيهِ ليلتنا هذه. فالتمسَ داودسياه ذلك، فصعد إلى بعض الجبال، فالتمسَ أعلاهُ فأشرف، فرأى أعلامَ الأفشين ومعسكره شبه الخيال فقال: هذا موضعنا إلى غدوة، وننحدر من الغد إلى الكافر إن شاء الله. فجاءهم في تلكَ الليلة سحابٌ وبرد ومطر وثلج كثير؛ فلم يقدر أحد حين أصبحوا أن ينزل من الجبل يأخذ ماء، ولا يسقي دابَّته من شدَّة البرد وكثرة الثلج؛ وكأنهم كانوا في ليل من شدَّة الظلمةِ والضباب. فلمَّا كانَ اليوم الثالث قال الناسُ لبُغَا: قد فني ما معنا من الزَّادِ، وقد أضرَّ بنا البردُ؛ فانزل على أيِّ حالة كانت؛ إما راجعين وإما إلى الكافر. وكان في أيامِ الضبَّاب. فبيتَ بابك الأفشين ونقض عسكره، وانصرف الأفشين عنه إلى معسكره، فضرب بُغا بالطَّبْلِ وانحدر يريدُ البذَّ حتى صار إلى البطنِ، فنظر إلى السماءَ منجليةً، والدُّنيا طيبة، غير رأس الجبل الذي كانَ عليهِ بُغا، فعبى بُغا أصحابه ميمنةً وميسرةً ومقدِّمة، وتقدَّمَ يريد البذ، وهو لا يشكُّ أن الأفشين في موضع معسكره، فمضى حتى صار بلزقِ جَبل البذ، ولم يبق بينهُ وبين أن يشرف على أبياتِ البذ إلا صعود قَدْر نصف ميل؛ وكان على مقدِّمته جماعة فيهم غلامٌ لابن البَعيث، له قرابة بالبذ، فلقيتهم طلائعُ لبابك، فعرف بعضهم الغلام، فقال له: فلان؛ فقال: من هذا ها هنا؛ فسمى له مَنْ كانَ معهُ من أهل بيته، فقال: ادنُ حتى أكلمك، فدنا الغلامُ منهُ، فقال لهُ: ارجع وقلْ لمن تعني به يتنحَّى؛ فإنا قد بيَّتنا الأفشين، وانهزمَ إلى خندقهِ وقد هيَّانا لكم عسكرين، فعجل الانصراف لعلكَ أن تفلت. فرجعَ الغلامُ فأخبر ابن البعيث بذلكَ، وسمَّى لهُ الرجل، فعرفهُ ابن البعيث، فأخبر ابن البعيث بُغا بذلك، فوقفَ بُغا شاورَ أصحابهُ، فقال بعضهم: هذا باطل؛ هذه خُدعة ليس من هذا شيء، فقال بعض الكُوهبانين: إنَّ هذا رأسُ جبل أعرفه، مَنْ صعدَ إلى رأسه نظر إلى عسكر الأفشين. فصعد بُغا والفضل بن كاوس وجماعة منهم ممن نشط، فأشرفوا على الموضع، فلم يروا فيه عسكر الأفشين فتيقنوا أنه قد مضى، وتشاوروا فرأوا أن ينصرف الناس راجعين في صدر النهار قبل أن يجنهم الليل، فأمر بُغا داودسياه

стр. 5442

بالانصراف، فتقدَّمَ داود وجدَّ في السير، ولم يقصد الطريق الذي كانَ دخلَ منهُ إلى هَشتادسر مخافةَ المضايق والعقاب، وأخذ الطريقَ الذي كانَ دخلَ منهُ في المرَّةِ الأولى، يدورُ حول هَشْتَادسر، وليس فيهِ مضيق إلَّا في موضع واحد: فسارَ بالناس، وبعث بالرجَّالة، فطرحوا رماحهم في الطريق، ودخلتهم وحشة شديدة ورُعب، وصار بُغا والفضل بن كاوس وجماعة القوَّاد في الساقة، وظهرت طلائع بابك، فكلما نزل هؤلاء جبلًا صعدتهُ طلائع بابك؛ يتراءون لهم مرَّة ويغيبون عنهم مرَّة، وهم في ذلكَ تقفُونَ آثارهم، وهم قدر عشرة فرسان؛ حتى كان بين الصَّلاتين: الظهر والعصر، فنزل بغا ليتوضَّا ويصلِّي، فتدانت منهم طلائع بابك، فبرزوا لهم، وصلى بُغا ووقف في وُجوههم، فوقفوا حين رأوهُ، فتخوفَ بُغا على عسكرهِ أن يواقعهُ الطلائع من ناحية، ويدور عليهم في بعض الجبال والمضايق قومٌ آخرون، فشاور من حضره، وقال: لستُ آمن أن يكونوا جعلوا هؤلاء مشغلة، يحبسوننا عن المسير، ويقدِّمونَ أصحابهم ليأخذوا على أصحابنا المضايق. فقال له الفضل بن كاوس: ليس هؤلاء أصحاب نهار، وإنما هم أصحاب ليل؛ وإنما يتخوف على أصحابنا من الليل، فوجَّهَ إلى داودسياه ليُسرعَ السير ولا ينزل، ولو صار إلى نصف الليل حتى يجاوز المضيق، ونقف نحن هاهنا؛ فإن هؤلاء ما داموا يروننا في وجوههم لا يسيرون. فنماطلهم وندافعهم قليلًا قليلًا حتى تجيء الظلمة؛ فإذا جاءت الظلمة لم يعرفوا لنا موضعًا، وأصحابنا يسيرون فينفذون أولًا فأولًا، فإن أخذ علينا نحنُ المضيقُ تخلصنا من طريق هَشتادسر أو من طريق آخر. وأشار غيره على بُغا. فقال: إنَّ العسكر قد تقطع، وليس يدرك أوَّله آخره. والناس قد رموا بسلاحهم، وقد بقي المالُ والسلاح على البغال، وليسَ معه أحد، ولا نأمن أن يخرج عليه من يأخذ المال والأسير - وكان ابن جويدان معهم أسيرًا أرادوا أن يفادوا بهِ كاتبًا لعبد الرحمن بن حبيب، أسره بابك - فعزم بُغا على أن يعسكر بالناسِ حين ذُكر له المال والسلاح والأسير، فوجَّهَ إلى داودسياه: حيثما رأيتَ جبلًا حصينًا، فعسكر عليه. فعدل داود إلى جبل مؤرب، لم يكن للناس موضع يقعدون فيهِ من شدَّةِ هبوطهِ، فعسكر عليه، فضرب مضربًا لبُغا على طرف الجبل في موضع شبيه

стр. 5443

بالحائط، ليس فيهِ مسلك، وجاء بغا فنزل، وأنزل الناسَ وقد تعبُوا وكلُّوا، وفنيت أزوادُهم، فباتوا على تعبئة وتحارُس من ناحية المصعد، فجاءهم العدوُ من الناحية الأُخرى، فتعلقوا بالجبل حتى صاروا إلى مضرب بُغا، فكسبوا المضرب، وبيتوا العسكر، وخرج بُغا راجلًا حتى نجا، وجُرح الفضل بن كاوس، وقتل جناح السكري، وقتل ابن جَوشن، وقتل أحد الأخوين قرابة الفضل بن سهل، وخرج بُغا مع العسكر راجلًا، فوجد دابة فركبها، مرَّ بابنِ البَعيث فأصعده على هَشتادسر، حتى انحدر بهِ على عسكر محمد بن حُميد، فوافاهُ في جوف الليل، وأخذ الخُرَّمية المال والسلاح والأسير ابن جويدان، ولم يتبعوا الناس، ومرَّ الناسُ منهزمين منقطعين حتى وافوا بُغا، وهو في خندق محمد بن حميد، فأقامَ بُغا في خندق محمد بن حُميد خمسةَ عشر يومًا، فأتاهُ كتاب الأفشين يأمرهُ بالرجوع إلى المَرَاغة، وأن يردَّ إليهِ المدد الذي كانَ أمدَّهُ بهِ، فمضَى بُغا إلى المراغة، وانصرفَ الفضل بن كاوس وجميعُ مَنْ كان جاء معهُ من معسكر الأفشين إلى الأفشين، وفرَّق الأفشين الناس في مشاتيهم تلك السنة، حتى جاء الربيع من السنة المقبلة. [خبر مقتل طرخان قائد بابك] وفي هذه السنة قُتِلَ قائد لبابك كان يقال لهُ طَرْخان. ذكر سبب قتله: ذُكِرَ أَنَّ طرخان هذا كان عظيم المنزلة عند بابك، وكان أحد قوِّادهِ، فلمَّا دخلَ الشتاء من هذه السنة، استأذنَ بابك في الإذن لهُ أن يشتو في قرية له بناحية المَرَاغة - وكان الأفشين يرصده، ويحبُّ الظفر به؛ لمكانه من بابك - فأذن لهُ بابك، فصار إلى قريته ليشتو بها بناحية هشتادسر، فكتب الأفشين إلى تُرك مولى إسحاق بن إبراهيم بن مصعب وهو بالمَراغة، أن يسري إلى تلك القرية - ووصفها له - حتى يقتل طرخان، أو يبعث به إليه أسيرًا. فأسرى تُرك إلى طِرخَان، فصار إليهِ في جَوفِ الليل، فقتل طرخان وبعث برأسهِ إلى الأفشين. * * *

стр. 5444

وفي هذه السنة قدم صول أرتكين وأهل بلادهِ في قيود فنُزعت قيودُهم، وحمل على الدواب منهم نحو من مائتي رجل. وفيها غضب الأفشين على رجاء الحضاري وبعث به مقيَّدًا. * * * وحجَّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وهو والي مكة (١). ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كانَ فيها من الأحداث فمن ذلكَ ما كان من لوجيه المعتصم جعفر بن دينار الخياط إلى الأفشين مددًا لهُ، ثم إتباعهُ بعد ذلكَ بإيتاخ وتوجيهه معه ثلاثين ألف ألف درهم عطاء للجند وللنفقات (٢). [ذكر خبر الوقعة بين أصحاب الأفشين وآذين قائد بابك] وفيها كانت وقعة بين أصحاب الأفشين وقائد لبايك يقال له آذين. ذكر الخبر عن هذه الوقعة وما كان سببها ذكر أن الشتاء لما انقضى من سنة إحدى وعشرين ومائتين وجاء الربيعُ، ودخلت سنةُ اثنتين وعشرين ومائتين، وجَّه المعتصم إلى الأفشين ما وجهه إليه من المدد والمال، فوافاهُ ذلكَ كله وهو ببرزند، سلّمَ إيتاخ إلى الأفشين المال والرِّجال الذين كانوا معهُ وانصرف، وأقامَ جعفر الخياط مع الأفشين مدة، ثم

стр. 5445

رحل الأفشين عند إمكان الزَّمان، فصار إلى موضع يقال له كلان روذ، فاحتفر فيهِ خندقًا، وكتب إلى أبي سعيد، فرحل من بَرْزَند إلى إزائه على طرف رِستاق كلان روذ، وتفسيره: نهر كبير؛ بينهما قدر ثلاثة أميال، فأقامَ معسكرًا في خندق، فأقامَ بكلان روذ خمسة أيام، فأتاهُ من أخبره أن قائدًا من قواد بابك يدعى آذين، قد عسكرَ بإزاء الأفشين، وأنهُ قد صير عيالهُ في جبل يشرف على رُوذ الروذ، وقال لا أتحصنُ من اليهود - يعني المسلمين - ولا أدخل عيالي حصنًا؛ وذلكَ أنَّ بابك قال له: أدخِل عيالكَ الحصن، قال: أنا أتحصَّن من اليهود! والله لا أدخلتهم حصنًا أبدًا، فنقلهم إلى هذا الجبل، فوجَّهَ الأفشين ظفر بن العلاء السعدي والحسين بن خالد المدائني من قواد أبي سعيد في جماعة من الفرسان والكوهبانية، فساروا ليلتهم من كلان روذ؛ حتى انحدروا في مضيق لا يمرُّ فيهِ راكب واحد إلَّا بجَهد، فأكثرُ الناس قادوا دوابَّهم، وانسلوا رجلًا خلفَ رجلٍ، فأمرهم أن يصيروا قبل طلوع الفجر على روذ الروذ، فيعبر الكوهبانية رجَّالة؛ لأنه لا يمكن الفارس أن يتحرَّكَ هُناك، ويتسلقوا الجبل، فصاروا على روذ الروذ قبل السَّحر، ثمَّ أمر من أطاق من الفرسان أن يرتجل وينزع ثيابه، فترجل عامة الفرسان، وعبروا وعبر معهم الكوهبانية جميعًا، وصعدوا الجبل؛ فأخذوا عيال آذين، وبعض ولده، وعبروابهم، وبلغ آذين الخبر بأخذ عياله؛ وكان الأفشين عند توجه هؤلاء الرجالة ودخولهم المضيق يخاف أن يؤخذ عليهم المضيق، فأمر الكُوهبانية أن يكون معهم أعلام، وأن يكونوا على رؤوس الجبال الشواهق في المواضع التي يشُرفون منها على ظَفَر بن العلاء وأصحابه، فإن رأوا أحدًا يخافونهُ حرَّكوا الإعلام، فبات الكوهبانية على رؤوس الجبال، فلما رجعَ ابنُ العلاء والحسين بن خالد بمن أخذوا من عيال آذين، وصاروا في بعض الطريق قبل أن يصيروا إلى المضيق، انحدر عليهم رجالة آذين فحاربوهم قبل أن يدخلوا المضيق، فوقع بينهم قتلى، واستنقذوا بعض النساء. ونظر إليهم الكوهبانية الذين رتَّبهم الأفشين، وكان آذين قد وجَّه عسكرين؛ عسكرًا يقاتلهم، وعسكرًا يأخذ عليهم المضيق؛ فلما حرَّكوا الأعلامَ وجه الأفشين مظفر بن كيدر في كردوس من أصحابه، فأسرع الركض. ووجَّهَ أبا سعيد خلف المظفر، وأتبعهما ببخارا خُذاه، فوافوا؛ فلما نظر إليهمْ رجَّالةُ آذين الذين كانوا على المضيق انحدروا عن المضيق، وانضموا إلى أصحابهم،

стр. 5446

ونجا ظفر بن العلاء والحسين بن خالد ومَن معهما من أصحابهما، ولم يقتل منهم إلا من قتل في الوقعةِ الأولى وجاؤوا جميعًا إلى عسكر الأفشين؛ ومعهم النساء اللواتي أخذوهن. [ذكر خبر فتح البذ مدينة بابك] وفي هذه السنة فتحت البذ مدينة بابك، ودخلها المسلمون واستباحوها، وذلكَ في يوم الجمعة لعشر بَقِيْنَ من شهر رمضان في هذه السنة (١). ذكر الخبر عن أمرها وكيف فُتِحَت والسبب في ذلك: ذُكر أنَّ الأفشين لما عزم على الدنو من البذ والارتحال من كلان روذ جعل يُزحلف قليلًا قليلًا - على خلافِ زحفهِ قبل ذلك - إلى المنازل التي كان ينزلها؛ فكان يتقدم الأميال الأربعة، فيعسكر في موضع على طريق المضيق الذي ينحدر إلى روذ الرَّوذ، ولا يحفر خندفًا؛ ولكنهُ يقيم معسكرًا في الحسك، وكتب إليه المعتصم يأمرهُ أن يجعل الناسَ نوائبَ كراديس تقف على ظهور الخيل، كما يدور العسكر بالليل؛ فبعض القوم معسكرون وبعضٌ وقوف على ظهور دوابِّهم على ميل كما يدور العسكر بالليل والنهار مخافة البيات؛ كي إن دهمهم أمر يكون الناسُ على تعبية والرَّجالةُ في العسكر؛ فضجَّ الناسُ من التعب، وقالوا: كم نقعد ها هنا في المضيق ونحن قعود في الصحراء، وبيننا وبين العدو أربعة فراسخ، ونحن نفعل فعلًا؛ كأنَّ العدو بإزائنا! قد استحينا من الناس والجواسيس الذين يمرُّونَ بيننا وبينَ العدو أربعة فراسخ؛ ونحن قَدْ متنا من الفزع؛ أقدم بنا؛ فإمَّا لنا وإما علينا، فقال: أنا واللهِ أعلمُ أنَّ ما تقولون حقٌّ؛ ولكن أمير المؤمنين أمرني بهذا. ولا أجدُ منهُ بُدًّا.

стр. 5447

فلم يلبث أن جاءه كتاب المعتصم يأمره أن يتحرى بدراجة الليل على حسب ما كان؛ فلم يزل كذلكَ أيامًا، ثم انحدر في خاصته حتى نزل إلى روذ الرَّوذ، وتقدَّمَ حتى شارف الموضع الذي به الرَّكوة التي واقعه عليها بابك في العام الماضي؛ فنظر إليها، ووجد عليها كُردوسًا من الخرمية؛ فلم يحاربوه ولم يحاربهم؛ فقال بعض العلوج: ما لكم تجيئون وتفرُّون! أما تستحيون! فأمر الأفشين ألا يجيئوهم ولا يبرز إليهم أحد؛ فلم يزل مُواقفهم إلى قريب من الظهر، ثم رجع إلى عسكره، فمكثَ فيه يومين، ثم انحدرَ أيضًا في أكثر مما كان انحدر في المرةِ الأولى، فأمرَ أبا سعيد أن يذهب فيواقفهم على حسب ما كان واقفهم في المرة الأولى، ولا يحرِّكهم ولا يهجم عليهم. وقام الأفشين بروذ الروذ، وأمر الكوهبانية أن يصعدوا إلى رؤوس الجبال التي يظنون أنها حصينة، فيتراءوا له فيها، ويختاروا له في رؤوس الجبال مواضع يتحصن فيها الرجالة، فاختاروا له ثلاثة أجبل، قد كانت عليها حصون فيما مضى؛ فخربت فعرفها، ثم بعث إلى أبي سعيد، فصرفه يومه ذلك؛ فلما كانَ بعد يومين انحدر من معسكره إلى روذ الروذ، وأخذ معهُ الكِلغَريَّة - وهم الفعلة - وحملوا معهم شِكاء الماء والكعك؛ فلما صاروا إلى روذ الروذ وجَّه أبا سعيد، وأمرهُ أن يواقفهم أيضًا على حسب ما كان أمرهُ به في اليوم الأوَّل، وأمر الفعلة بنقل الحجارة وتحصين الطرق التي تسلك إلى تلك الثلاثة الأجبل؛ حتى صارت شبه الحصون، وأمر فاحتفر على كل طريق وراء تلك الحجارة إلى المِصعد خندقًا؛ فلم يترك مسلكًا إلى جبل منها إلا مسلكًا واحدًا. ثم أمر أبا سعيد بالانصراف، فانصرف، ورجع الأفشين إلى معسكره. قال: فلما كانَ اليوم الثامن من الشهر، واستحكم الحصر، دفع إلى الرَّجالة كعكًا وسويقًا، ودفع إلى الفرسان الزاد والشعير، ووكَّلَ بمعسكرهِ ذلك مَن يحفظه، وانحدروا، وأمر الرَّجالة أن يصعدوا إلى رؤوس تلك الجبال، وأن يصعدوا معهم بالماء، وبجميع ما يحتاجونه إليهِ، ففعلوا ذلك، وعسكر ناحية ووجَّهَ أبا سعيد ليواقف القوم على حسب ما كان يواقفهم، وأمر الناس بالنزول في سلاحهم، وألا يأخذ الفرسان سروج دوابهم. ثم خطَّ الخندق، وأمر الفعلةَ بالعمل فيهِ، ووكَّلَ من يستحثهم، ونزل هو والفرسان، فوقفوا تحتَ الشجر في ظل يرعون دوابهم،

стр. 5448

فلما صلى العصر أمر الفعلة بالصعود إلى رؤوس الجبال التي حصنها مع الرَّجالة، وأمر الرجالة أن يتحارسوا ولا يناموا، ويدعو الفعلة فوق الجبال ينامون، وأمر الفرسان بالركوب عند اصفرار الشمس، فيصيّرهم كراديس وقفها حيالهم، بين كلِّ كردوس وكُردوس قَدْر رمية سهم، وتقدم إلى جميع الكراديس ألَّا يلتفتنَّ كل واحد منكم إلى الآخر؛ ليحفظ كلُّ واحد منكم ما يليه؛ فإن سمعتم هدَّةً فلا يلتفتن أحد منكم إلى أحد، وكلُّ كردوس منكم قائم بما يليه، فإنهُ لا بهدة يأخذ. فلم يزل الكراديس وقوفًا على ظهور دوابهم إلى الصباح، والرَّجالة فوق رؤوس الجبال يتحارسون، وتقدَّمَ إلى الرجالة: متى ما أحسوا في الليل بأحد فلا يكترثوا، وليلزم كلُّ قوم منهم المواضع التي لهم؛ وليحفظوا جبلهم وخندقهم فلا يلتفتنّ أحدٌ إلى أحد. فلم يزالوا كذلكَ إلى الصباح، ثم أمرَ مَنْ يتعاهد الفرسان والرَّجالة بالليل، فينظر إلى حالتهم؛ فلبثوا في حفر الخندق عشرة أيام، ودخله اليوم العاشر فقسمهُ بينَ الناسِ، وأمر القوَّادَ أن يبعثوا إلى أثقالهم وأثقال أصحابهم على الرفق، وأتاهُ رسولُ بابك ومعهُ قِثَّاء وبِطيخ وخيار؛ يعلمهُ أنه في أيامه هذه في جفاء؛ إنما يأكل الكعك والسويق هو وأصحابهِ، وأنه أحبُّ أن يُلطفه بذلك، فقال الأفشين للرسول: قد عرفتُ أيَّ شيءٍ أرادَ أخي بهذا، إنما أرادَ أن ينظر إلى العسكر، وأنا أحقُّ مَن قبل برَّه، وأعطاه شهوته؛ فقد صدق، أنا في جفاء. وقال للرَّسول: أما أنتَ فلا بدّ لكَ أن تصعد حتى ترى معسكرنا، فقد رأيت ما ها هنا، وترى ما وراءنا أيضًا؛ فأمرَ بحمله على دابةٍ، وأن يُصعد به حتى يرى الخندق، ويرى خندق كلان روذ خندق برزند، ولينظر إلى الخنادق الثلاثة، ويتأملها، ولا يخفى عليه منها شيء، ليخبر به صاحبه. ففُعل به ذلك؛ حتى صار إلى برزند، ثم رده إليه، فأطلقه وقال له: اذهب فأقرئه مني السلام - وكان من الخرمية الذين يتعرضون لمن يجلب الميرة إلى العسكر - ففعل ذلكَ مرَّة أو مرتين، ثم جاءت الخرَّمية بعد ذلكَ في ثلاثة كراديس، حتى صاروا قريبًا من سور خندق الأفشين يصيحون، فأمرَ الأفشين الناس ألا ينطق أحدٌ منهم، ففعلوا ذلكَ ليلتين أو ثلاث ليالٍ، وجعلوا يركضون دوابهم خلف السور، ففعلوا ذلكَ غير مرَّةٍ، فلما أنسوا هيَّأَ لهم الأفشين أربعة كراديس من الفرسان والرجَّالة، فكانت الرجالة ناشبة، فكمنوا لهم في الأودية، ووضع عليهم العيون؛ فلما انحدروا في وقتهم الذي كانوا ينحدرون فيهِ في كل مرة،

стр. 5449

وصاحوا وجلَّبوا كعادتهم شدَّت عليهم الخيلُ والرجالة الذين رُتِّبوا، فأخذوا عليهم طريقهم. وأخرج الأفشين إليهم كُردوسين من الرَّجالة في جوف الليل، فأحسوا أن قد أخذت عليهم العقبة، فتفرَّقوا في عدَّة طرق، حتى أقبلوا يتسلَّقون الجبال، فمرُّوا فلم يعودوا إلى ما كانوا يفعلون، ورجع الناسُ من الطلب مع صلاة الغداة إلى الخندق بروذ الروذ. ولم يلحقوا من الخرميَّةِ أحدًا. ثم إنَّ الأفشين كان في كل أسبوع يضرب الطبول نصفَ الليل، ويخرج بالشمع والنفاطات إلى باب الخندق، وقد عرف كل إنسان منهم كُردوسه؛ مَنْ كان في الميمنة ومن كان في الميسرة، فيخرج الناسُ فيقفون في مواقفهم ومواضعهم، وكان الأفشينُ يحمل أعلامًا سودًا كبارًا، اثني عشرَ علمًا يحملها على البغال؛ ولم يكن يحملها على الخيل لئلا تزعزع، يحملها على اثني عشر بغلًا وكانت طبولهُ الكبار واحدًا وعشرينَ طبلًا؛ وكانت الإعلام الصغار نحو من خمسمائة علم؛ فيقف أصحابه كل فرق على مترتبهم من رُبع الليل؛ حتى إذا طلع الفجر ركب الأفشين من مضربه، فيؤذِّن المؤذن بين يديه ويصلي، ثم يصلي الناس بغلَس. ثم يأمر بضرب الطبول، ويسير زحفًا، وكانت علامته في المسير الوقوف تحريك الطبول وسكونها، لكثرة الناس ومسيرهم في الجبال والأزقة على مصافهم؛ كلما استقبلوا جبلًا صعدوهُ، وإذا هبطوا إلى وادٍ مضوا فيه؛ إلا أن يكونَ جبلًا منيعًا لا يمكنهم صعودُه وهبوطهُ؛ فإنهم كانوا ينضمون إلى العساكر، ويرجعون إذا جاؤوا إلى الجبل إلى مصافهم ومواضعهمم وكانت علامة المسير ضرب الطبول؛ فإن أرادَ أن يقف أمسكَ عن ضرب الطبول؛ فيقف الناس جميعا من كلِّ ناحية على جبل، أو في وادٍ أو في مكانهم وكان يسيرُ قليلًا قليلًا؛ كلما جاءهُ كوهباني بخبر وقف قليلا؛ وكان يسير هذه الستة الأميال بين رُوذ الروذ، وبين البذ، ما بينَ طلوع الفجر إلى الضحى الأكبر، فإذا أرادَ أن يصعد إلى الرَّكوة التي كانت الحرب تكون عليها في العام الماضي، خلف بُخاراخُذاه على رأس العقبة مع ألف فارس وستمائة راجل؛ يحفظون عليهِ الطريق لا يخرج أحد من الخرمية؛ فيأخذ عليه الطريق، وكان بابك إذا أحسَ بالعسكر أنه وارد عليه وجه عسكرًا لهُ فيهِ رجالة إلى وادٍ تحت تلكَ العقبة التي كان عليها بُخاراخذاه،

стр. 5450

ويكمنون لمن يريد أن يأخذ عليه الطريق. وكان الأفشين يقف بخاراخذاه يحفظ هذه العقبة التي وجه بابك عسكرهُ إليها ليأخذها على الأفشين، وكان بُخاراخذاه يقف بها أبدًا، ما دام الأفشين داخل البذ على الرَّكوة، وكان الأفشين يتقدم إلى بخاراخذاه أن يقف على وادٍ فيما بينه وبين البذّ شبه الخندق. كان يأمرُ أبا سعيد محمد بن يوسف أن يعبُرَ ذلكَ الوادي في كُردوس من أصحابهِ، ويأمر جعفرًا الخياط أن يقفَ في كُردوس من أصحابهِ، ويأمر أحمد بن الخليل فيقف في كردوس آخر؛ فيصير في جانب ذلكَ الوادي ثلاثة كراديس في طرف أبياتهم؛ وكان بابك يُخرج عسكرًا مع آذين، فيقف على تل بإزاء هؤلاء الثلاثة الكراديس خارجًا من البذ لئلا يتقدم أحد من عساكر الأفشين إلى باب البذ. وكان الأفشين يقصد إلى باب البذ، ويأمرهم إذا عبروا بالوقوف فقط، وترك المحاربة، وكان بابك إذا أحسَّ بعساكر الأفشين أنها قد تحركت من الخندق تريده فرَّق أصحابه كمناء؛ ولم يبقَ معه إلا نُفير يسيرًا؛ وبلغ ذلكَ الأفشين، ولم يكن يعرف المواضع التي يكمنُونَ فيها. ثم أتاه الخبر بأن الخرّمية قد خرجوا جميعًا، ولم يبقَ مع بابك إلا شرذمة من أصحابه. وكان الأفشين إذا صعد إلى ذلك الموضع بُسط له نِطَع، ووُضع له كرسي، وجلس على تل مشرف يُشرف على باب قصر بابك، والناس كراديس وقوف، مَنْ كان معه من جانب الوادي هذا أمره بالنزول عن دابته، ومَنْ كانَ من ذاكَ الجانب مع أبي سعيد وجعفر الخياط وأصحابهُ وأحمد بن الخليل لم يُنزل لقربه من العدوِّ؛ فهم وقوف على ظهور دوابهم؛ ويفرق رجَّالته الكوهبانية ليفتشوا الأودية؛ طمع أن يقع على مواضع الكمناء فيعرفها. فكانت هذه حالته في التفتيش إلى بعد الظهر، والخُرّمية بين يدي بابك يشربون النبيذ، ويزمُرون بالسُّرنيايات، ويضربون بالطبول؛ حتى إذا صلى الأفشين الظهر؛ تقدم فانحدر إلى خندق بروذ الروذ؛ فكان أول من ينحدر أبو سعيد ثم أحمد بن الخليل ثم جعفر بن دينار، ثم ينصرف الأفشين، وكان مجيئهُ ذلكَ مما يغبط بابك، وانصرافه، فإذا دنا الانصراف، ضربوا بصنوجهم، ونفخوا بُوقاتهم استهزاء، ولا يبرح بخاراخذاه من العقبة التي هو عليها؛ حتى تجوزه الناسُ جميعًا، ثم ينصرفُ في آثارهم؛ فلما كان في بعض

стр. 5451

أيامهم ضجرت الخُرّمية من المعادلة والتفتيش الذي كان يفتش عليهم، فانصرف الأفشين كعادتهِ، وانصرفت الكراديسُ أولًا فأولًا، وعبر أبو سعيد الوادي، وعبر أحمد بن خليل، وعبر بعض أصحاب جعفر الخياط، وفتح الخُرمية باب خندقهم، وخرج منهم عشرة فوارس، وحملوا على مَنْ بقي من أصحاب جعفر الخياط في ذلكَ الموضع، وارتفعت الضجةُ في العسكر، فرجعَ جعفر مع كُردوسٍ من أصحابه بنفسهِ، فحملَ على أولئكَ الفرسان حتى ردَّهم إلى باب البذ، ثم وقعت الضجَّةُ في العسكر، فرجع الأفشين وجعفر وأصحابه من ذلكَ الجانب يقاتلون؛ وقد خرج من أصحاب جعفر عدة، وخرج بابك بعدَّة فرسان، ولم يكن معهم رجَّالة؛ لا من أصحاب الأفشين ولا من أصحاب بابك؛ كان هؤلاء يحملون، وهؤلاء يحملون، فوقعت بينهم جراحات، ورجع الأفشين حتى طُرحَ له النطع والكرسي، فجلس في موضعهِ الذي كانَ يجلس فيه، وهو يتلظَّى على جعفر، ويقول: قد أفسد علي تعبيتي وما أريد. وارتفعت الضجة، وكان مع أبي دُلف في كردوس قوم من المطَّوّعة من أهل البصرة وغيرهم؛ فلما نظروا إلى جعفر يحارب، انحدر أولئكَ المطوّعة بغير أمر الأفشين، وعبروا إلى ذلكَ جانب الوادي، حتى صاروا إلى جانب البذ؛ فتعلقوا به وأثَّروا فيهِ آثارًا؛ وكادوا يصعدونهُ فيدخلون البذّ، ووجه جعفر إلى الأفشين: أن أمدَّني بخمسمائة راجل من الناشبة، فماني أرجو أن أدخل البذَّ إن شاء الله؛ ولست أرى في وجهي كثير أحد إلَّا هذا الكُردوس الذي تَراهُ أنتَ فقط - يعني كردوس آذين - فبعثَ إليه الأفشين أن قد أفسدتَ عليَّ أمري، فتخلَّص قليلًا قليلًا، وخلِّص أصحابك وانصرف، وارتفعت الضجة من المطوعة حين تعلَّقوا بالبذ، وظنَّ الكُمناء الذين أخرجهم بابك أنها حرب قد اشتبكت، فنعروا ووثبوا من تحت عسكر بُخاراخذاه، ووثب كمين آخر من وراء الرَّكوة التي كان الأفشين يقعد عليها، فتحرَّكت الخُرّمية، والناس وقوف على رؤوسهم لم يزُل منهم أحد؛ فقال الأفشين: الحمدُ لله الذي بيَّنَ لنا مواضع هؤلاء. ثم انصرف جعفر وأصحابه والمطوّعة، فجاء جعفر إلى الأفشين؛ فقال له: إنما وجّهني سيدي أمير المؤمنين إلى الحرب التي ترى، ولم يوجهني للقعود ها هنا، وقد قطعتَ بي في موضع حاجتي ما كان يكفيني إلا خمسمائة راجل حتى

стр. 5452

أدخل البذ أو جوف داره؛ لأني قد رأيتُ من بين يدي، فقال له الأفشين: لا تنظر إلى ما بينَ يديكَ؛ ولكن انظر إلى ما خلفكَ وما قد وثبوا ببخاراخذاه وأصحابه، فقال الفضل بن كاوس لجعفر الخياط: لو كان الأمرُ إليكَ ما كنتَ تقدرُ أن تصعدَ إلى هذا الموضع الذي أنتَ عليهِ واقف؛ حتى تقول: كنت وكنت. . فقال له جعفر: هذه الحرب؛ وها أنا واقف لمن جاء. فقال له الفضل: لولا مجلس الأمير لعرَّفتُكَ نفسكَ الساعة؛ فصاحَ بهما الأفشينُ، فأمسكا، وأمر أبا دُلف أن يردّ المطوّعة عن السور، فقال أبو دُلف للمطوّعة: انصرفوا. فجاء رجل منهم ومعهُ صخرة، فقال: أتردّنا وهذا الحجر أخذته من السور! فقال له: الساعة، إذا انصرفتَ تَدْرِي مَنْ على طريقكَ جالس - يعني العسكر الذي وثبَ على بخاراخذاه من وراء الناس -. ثم قال الأفشين لأبي سعيد في وجه جعفر: أحسن اللهُ جزاءَكَ عن نفسكَ وعن أميرِ المؤمنين، فإنِّي ما علمتكَ عالمًا بأمر هذه العساكر وسياستها؛ ليس كلُّ من حفَّ رأسَهُ يقول: إنَّ الوقوف في الموضعِ الذي يحتاجُ إليهِ خير من المحاربة في الموضع الذي لا يحتاجُ إليه، لو وثبَ هؤلاء الذين تحتك - وأشارَ إلى الكمين الذي تحت الجبل - كيفَ كنتَ ترى هؤلاء المطوّعة الذين هم في القُمُص؟ أي شيء كان يكون حالهم، ومن كان يجمعهم؟ الحمدُ لله الذي سلّمهم؛ فقف ها هنا فلا تبرح حتى لا يبقى ها هنا أحد، وانصرف الأفشين؛ وكان من سنته إذا بدأ بالانصراف ينحدر علم الكراديس وفرسانه، ورجَّالته، والكُردوس الآخر واقفٌ بينهُ وبينهُ قدر رميَّة سهم؛ لا يدنو من العقبة، ولا من المضيق؛ حتى يرى أنه قد عبر كلَّ مَنْ في الكردوس الذي بين يديه وخلابه الطريق، ثم يدنوا بعد ذلكَ فينحدر في الكُردوس الآخر بفرسانه ورجَّالتهِ؛ ولا يزالُ كذلكَ؛ وقد عرَّف كلُّ كُردوس من خلف مَنْ ينصرف؛ فلم يكن يتقدم أحد منهم بين يدي صاحبه، ولا يتأخَّر هكذا؛ حتى إذا نفذت الكراديمس كلها ولم يبق أحد غير بخاراخذاه؛ انحدر بخاراخذاه وخلَّى العقبة. فانصرف ذلكَ اليوم على هذه الهيئة؛ وكان أبو سعيد آخر من انصرف؛ وكلَّما مرَّ العسكر بموضعٍ بُخاراخذاه، ونظروا إلى الموضع الذي كانَ فيهِ الكَمين؛ علموا ما كان وُطّئ لهم، وتفرَّقَ أولئكَ الأعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذي كان بُخاراخذاه يحفظه، ورجعوا إلى مواضعهم، فأقامَ الأفشين في خندقهِ بروذ الروذ أيامًا؛ فشكا إليهِ المطوّعة الضيق

стр. 5453

في العلوفة والأزواد والنفقات، فقال لهم: مَنْ صبرَ منكم فليصبر، ومَنْ لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام، معي جند أمير المؤمنين، ومن هو في أرزاقهِ يقيمون معي في الحرِّ والبرد، ولست أبرح من ها هنا حتى يسقطَ الثلج، فانصرف المطوّعةُ وهم يقولون: لو ترك الأفشين جعفرًا وتركنا لأخذنا البذ؛ هذا لا يَشتهي إلا المُماطلة؛ فبلغه ذلكَ وما كثر المطوّعة فيهِ، ويتناولونه بألسنتهم وأنه لا يحبُّ المناجزة، وإنَّما يُريد التطويل؛ حتى قال بعضهم إنه رأى في المنامِ، أن رسول الله ﷺ قال له: قل للأفشين: إِن أنتَ حاربتَ هذا الرجل وجددت في أمره وإلا أمرتُ الجبال أن ترجمكَ بالحجارة: فتحدَّثَ الناسُ بذلكَ في العسكر علانية؛ كأنه مستور، فبعث الأفشين إلى رؤساء المطّوعة، فأحضرهم وقال لهم: أحب أن تُروني هذا الرجل، فإن الناس يرون في المنامِ أبوابًا؛ فأتوه بالرجل في جماعة من الناس، فسلَّمَ عليهِ، فقرَّبهُ وأدناه، وقال له: قُصّ علينا رؤياك، ولا تحتشم ولا تستحي؛ فإنما تؤدي. قال: رأيتُ كذا ورأيتُ كذا؛ فقال: اللهُ يعلمُ كلَّ شيء قبل كل أحد، وما أُريدَ بهذا الخَلْق. إن اللهَ ﵎ لو أرادَ أن يأمرَ الجبال أن ترجمَ أحدًا لرجم الكافر، وكفانا مؤنته؛ كيف يرجمني حتى أكفيه مؤنة الكافر، كان يرجمه ولا يحتاجُ أن أقاتله أنا، وأنا أعلمُ أن الله لا يخفى عليهِ خافية، فهو مطَّلعٌ على قلبي؛ وما أُريدُ بكم يا مساكين! فقال رجل من المطوعة من أهل الدين: يا أيها الأمير، لا تحرمنا شهادةً إن كانت قد حضرت؛ وإنما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه؛ فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد أن يكون بإذنك؛ فلعلَ الله أن يفتح علينا؛ فقال الأفشين: إني أرى نياتِكم حاضرة؛ وأحسب هذا الأمر يريدهُ الله، وهو خيرٌ إن شاء الله؛ وقد نشطتم ونشط الناس، واللهُ أعلم ما كانَ هذا رأيي؛ وقد حدث الساعة لمَّا سمعت من كلامكم، وأرجو أن يكونَ أراد هذا الأمر وهو خير؛ اعزموا على بركةِ اللهِ أيِّ يومٍ أحببتم حتى نناهضهم؛ ولا حَولَ ولا قوَّةَ إلا بالله! فخرج القوم مستبشرين فبشَّروا أصحابهم، فمن كان أراد أن ينصرف أقام، ومن كان في القرب وقد خرج مسيرة أيام فسمع بذلكَ رجع؛ ووعد الناس ليوم، وأمر الجند والفرسان والرَّجالة وجميع الناس بالأهبة، وأظهر أنه يريدُ الحرب لا محالة. وخرج الأفشين وحمل المال والزاد، ولم يبقَ في العسكر بغل إلَّا وُضعَ عليه محمل للجرحى، وأخرجَ معهُ المتطبّبين، وحمل الكعك والسَّويق وغير ذلك؛ وجميع ما يحتاجُ إليه، وزحف

стр. 5454

الناسُ حتى صعدَ إلى البذِّ وخلَّفَ بخاراخذاه في موضعه الذي كان يخلِّفه عليه على العقبة، ثم طُرح النَّطع، ووُضعَ لهُ الكرسي، وجلس عليه كما كان يفعل، وقال لأبي دلف: قل للمطَّوعةِ: أي ناحية هي أسهل عليكم، فاقتصروا عليها. وقال لجعفر: العسكر كلُّه بين يديك، والناشبةُ والنفَّاطون؛ فإن أردتَ رجالًا دفعتُهم إليك؛ فخذ حاجتكَ وما تريدُ، واعزِم على بركةِ الله؛ فادنُ مِنْ أيِّ موضعٍ تريد. قال: أريدُ أن أقصد الموضع الذي كنتُ عليهِ، قال: امضِ إليهِ. ودعا أبا سعيد، فقال له: قف بين يديّ؛ أنت وجميعُ أصحابكَ، ولا يبرحنَّ منكم أحدٌ، ودعا أحمد بن الخليل فقال لهُ: قف أنتَ وأصحابكَ ها هنا، ودع جعفرًا يعبرُ وجميع مَنْ معهُ من الرجال؛ فإن أراد رجالًا أو فرسانًا أمددناهُ؛ ووجَّهنا بهم إليهِ؛ ووجهَ أبا دلف وأصحابه من المطّوعة؛ فانحدروا إلى الوادي، وصعدوا إلى حائط البذّ من الموضع الذي كانوا صعدوا عليه تلك المرَّة، وعلقوا بالحائط على حسب ما كان فعلوا ذلكَ اليوم؛ وحَمَل جعفر حملةً حتى ضرب باب البذّ؛ على حسب ما كان فعل تلك المرة الأولى؛ ووقف على الباب، وواقفه الكفرة ساعة صالحة؛ فوجَّه الأفشين برجل معه بدرة دنانير، وقال: اذهب إلى أصحاب جعفر، فقل: مَنْ تقدَّم، فاحثُ له ملء كفِّكَ، ودفع بَدْرة أخرى رجل من أصحابهِ، قال لهُ: اذهب إلى المطّوعة ومعكَ هذا المال وأطواق وأسورة؛ وقل لأبي دلف: كل من رأيتهُ محسنًا من المطّوعة وغيرهم فأعطه. ونادى صاحب الشراب، فقال: اذهب فتوسَّط الحرب معهم حتى أراكَ بعيني معكَ السويق والماء؛ لئلا يعطش القوم فيحتاجوا إلى الرجوع، وكذلكَ فعل بأصحاب جعفر في الماء والسويق، ودعا صاحب الكِلْغَريَّة، فقال له: مَنْ رأيته في وسط الحرب من المطّوعة في يدهِ فأس فله عندي خمسون درهمًا؛ ودفع إليهِ بَدْرة دراهم؛ وفعل مثل ذلكَ بأصحابِ جعفر، ووجه إليهم الكِلْغَريَّة بأيديهم الفؤوس، ووجه إلى جعفر بصندوق فيه أطواق وأسورة، فقال لهُ: ادفع إلى مَنْ أردتَ من أصحابكَ هذا سوى ما لهم عندي، وما تضمن لهم عليَّ من الزيادةِ في أرزاقهم والكتاب إلى أمير المؤمنين بأسمائهم، فاشتبكت الحرب على البابِ طويلًا، ثم فتح الخرميَّة الباب، وخرجوا على أصحاب جعفر، فنحّوهم عن الباب، وشدُّوا على المطّوعة من الناحية الأخرى؛ فأخذوا منهم علمينِ وطرحوهم عن السور، وجرحوهم بالصَّخرِ حتَّى أثَّروا فيهم، فرقّوا عن الحرب؛ ووقفوا، وصاح جعفر بأصحابهِ، فبدر

стр. 5455

منهم نحو من مائة رجل، فبركوا خلف تِراسهم التي كانت معهم، وواقفوهم متحاجزين؛ لا هؤلاء يقدمون على هؤلاء، ولا هؤلاء يقدمون على هؤلاء؛ فلم يزالوا كذلكَ حتى صلَّى الناس الظهر؛ وكان الأفشينُ قد حمل عرَّادات، فنصب عرَّادة منها مما يلي جعفرًا على الباب، وعرَّادةً أخرى من طرف الوادي من ناحية المطّوعة؛ فأما العرادةُ التي من ناحية جعفر؛ فدافعَ عَنها جعفر حتى صارت العرادة فيما بينهم وبين الخُرّمية ساعة طويلة؛ ثم تخلّصها أصحاب جعفر بعد جهد، فقلعوها وردُّوها إلى العسكر؛ فلم يزل الناس متواقفين متحاجزين؛ يختلف بينهم النَّشاب والحجارة أولئكَ على سورهم والباب، وهؤلاء قعود تحت أتراسهم، ثم تناجزوا بعدَ ذلك، فلَّما نظر الأفشين إلى ذلكَ كره أن يطمع العدوُّ في الناس، فوجَّهَ الرَّجالةُ الذين كان أعدَّهم قبله، حتى وقفوا في موضعِ المطّوعة، وبعث إلى جعفر بكردوس فيه رَجَّالة، فقال جعفر: لستُ أوتى من قلة الرِّجالة معي رجال فُرهٌ ولكني لستُ أرى للحرب موضعًا يتقدمون؛ إنما ها هنا موضع مجال رجل أو رجلين قد وقفوا عليه، وانقطعت الحرب، فبعث إليه: انصرف على بركة الله؛ فانصرف جعفر وبعث الأفشين بالبِغال التي كان جاء بها معه، عليها المحامل؛ فجُعلت فيها الجرحى ومن كان به وهن من الحجارة ولا يقدر على المشي؛ وأمر الناس بالانصراف، فانصرفوا إلى خَندقهم بروذ الروذ، وأيس الناسُ من الفتح في تلك السنة وانصرف أكثر المطوّعة. ثم إنَّ الأفشين تجهزَّ بعد جمعتين؛ فلمَّا كان في جَوفِ الليلِ؛ بعث الرجَّالةَ الناشبة؛ وهم مقدار ألف رجلٍ، فدفع إلى كل واحدٍ منهم شكوة وكعكًا، ودفع إلى بعضهم أعلامًا سودًا وغير ذلك، وأرسلهم عند مغيب الشمسِ، وبعث معهم أدلاء، فساروا ليلتهم في جبال منكرة صعبة على غير الطريق؛ حتى داروا، فصارَ خلْفَ التل الذى يقفُ آذين عليه - وهو جبل شاهق - وأمرهم ألا يعلم بهم أحد؛ حتى إذا رأوا أعلام الأفشين وصلوا الغداة ورأوا الوقعة، ركَّبوا تلكَ الأعلام في الرِّماح، وضربوا الطبول، وانحدروا من فوق الجبل، ورموا بالنشاب والصخر على الخُرَّمية؛ وإن هم لم يروا الإعلام لم يتحرَّكوا حتى يأتيهم خبره؛ ففعلوا ذلكَ؛ فوافَوا رأس الجبل عند السَّحر، وجعلوا في تلكَ الشكاء الماء من الوادي؛ وصاروا فوق الجبل، فلمَّا كان في بعض اللَّيلِ وجهَ الأفشين إلى القواد

стр. 5456

أن يتهيئوا في السلاح، فإنه يركب في السحر؛ فلما كان في بعض الليل، وجه بشيرًا التركي وقوَّادًا من الفراغنة كانوا معه؛ فأمرهم أن يسيروا حتى يصيروا تحت التل مع أسفل الوادي الذى حملوا منه الماء؛ وهو تحت الجبل الذي كان عليهِ آذين؛ وقد كان الأفشين علم أنَّ الكافر يكمنُ تحت ذلكَ الجبل كلَّما جاءه العسكر؛ فقصد بشير والفراغنة إلى ذلكَ الموضع الذي علم أن للخرَّمية فيه عسكرًا كامنين، فساروا في بعض الليل؛ ولا يعلم بهم أكثر أهل العسكر. ثم بعث للقؤَاد: تأهَّبوا للركوب في السلاح؛ فإن الأمير يغدو في السحر؛ فلما كان السَّحَر خرج وأخرج الناس، وأخرج النَّفاطين والنَّفاطات والشمع على حسب ما كان يخرج، فصلّى الغداةَ، وضرب الطبل، وركب حتى وافى الموضع الذي كان يقف فيهِ في كل مرة، وبُسط لهُ النطع، ووضع له الكرسي كعادته. وكانَ بخاراخذاه يقف على العقبة التي كان يقف عليها في كلِّ يومٍ؛ لمَّا كانَ ذلكَ اليوم صيَّرَ بخاراخذاه في المقدمة مع أبي سعيد وجعفر الخياط وأحمد بن الخليل؛ فأنكر الناس هذه التعبية في ذلكَ الوقت، وأمرهم أن يدنوا من التل الذي عليه آذين؛ فيحدقوا به؛ وقد كان ينهاهم عن هذا قبل ذلكَ اليوم؛ فمضى الناس مع هؤلاء القواد الأربعة الذين سمَّينا؛ حتى صاروا حولَ التلِّ. وكان جعفر الخياط مما يلي باب البذّ، وكانَ أبو سعيد مما يليه، وبخاراخذاه مما يلي أبا سعيد، وأحمد بن الخليل بن هشام ممَّا. يلي بخاراخذاه؛ فصاروا جميعًا حلقة حول التل، وارتفعت الضجة من أسفل الوادي؛ وإذا الكمين الذي تحتَ التل الذي كانَ يقفُ عليه آذين قد وثب ببشير التركي والفراغنة، فحاربوهم واشتبكت الحرب بينهم ساعة. وسمع أهل العسكر ضجَّتهم، فتحرَّكَ الناسُ، فأمر الأفشين أن ينادوا أيها الناس، هذا بشير التركي والفراغنة قد وجهتُهم، فأثاروا كمينًا فلا تتحركوا. فلما سمع الرجالة الناشبة الذين كانوا تقدموا، وصاروا فوق الجبل ركبوا الإعلام كما أمرهم الأفشين؛ فنظر الناس إلى الإعلام تجيء من جبل شاهق؛ أعلام سود وبين العسكر وبين الجبل نحو فرسخ؛ وهم ينحدرون على جبل آذين من فوقهم؛ قد ركَّبوا الإعلام، وجعلوا ينحدرون يريدون آذين؛ فلمَّا نظر إليهم أهل عسكر آذِين وجَّهَ آذين إليهم بعض رجالته الذين معه من الخرمية. ولما نظر الناس إليهم

стр. 5457

راعوهم؛ فبعث إليهم الأفشين: أولئكَ رجالنا أنجدتنا على آذين؛ فحمل جعفر الخياط وأصحابه على آذين وأصحابه، حتى صعدوا إليهم، فحملوا عليهم حملة شديدة، قلبوه وأصحابه في الوادي، وحمل عليهم رجل ممَّن في ناحية أبي سعيد من أصحاب أبي سعيد يقال له معاذ بن محمد - أو محمد بن معاذ - في عدَّة معه؛ فإذا تحت حوافر دوابهم آبارٌ محفورة تدخلُ أيدي الدواب فيها، فتساقطت فرسان أبي سعيد فيها؛ فوجهَ الأفشين الكلغرية يُقلعون حيطان منازلهم، ويطمُّونَ بها تلك الآبار؛ ففعلوا ذلكَ، فحملَ الناسُ عليهم حملة واحدة، وكان آذين قد هيَّأ فوق، الجبل عجلا عليها صخر؛ فلما حمل الناسُ عليه، دفع العجل على الناس فأفرجوا عنه، فقد حرجت؛ ثم حَمل الناسُ من كلِّ وجه. فلما نظر بابك إلى أصحابه قد أحدق بهم، خرج من طرف البذِّ من بابٍ مما يلي الأفشين، يكون بين هذا الباب وبين التل الذي عليهِ الأفشين قدر ميل. فأقبل بابك في جماعة معه يسألون عن الأفشين، فقال لهم أصحاب أبي دُلف: مَنْ هذا؟ فقالوا: هذا بابك يريد الأفشين؛ فأرسل أبو دلف إلى الأفشين يعلمه ذلك؛ فأرسل الأفشين رجلًا يعرف بابك؛ فنظر إليهِ، ثم عاد إلى الأفشين؛ فقال: نعم هو بابك؛ فركب إليهِ الأفشين، فدنا منهُ حتى صار في موضع يسمعُ كلامه وكلام أصحابه، والحرب مشتبكة في ناحية آذين، فقال لهُ: أريد الأمان من أميرِ المؤمنين، فقال له الأفشين: قد عرضتُ عليكَ هذا؛ وهو لك مبذولٌ متى شئتَ، فقال: قد شئتُ الآن؛ على أن تؤجلني أجلًا أحملُ فيه عيالي، وأتجهزُ. فقال له الأفشين: قد واللهِ نصحتُكَ غير مرَّةٍ فلم تقبل نصيحتي، وأنا أنصحكَ الساعة، خروجكَ اليوم في الأمان خيرٌ من غدٍ. قال: دد قبلت أيها الأميرُ؛ وأنا على ذلك؛ فقال لهُ الأفشين: فابعث بالرَّهائن الذين كنت سألتكَ. قال: نعم، أما فلان وفلان فهم على ذلكَ التل، فمر أصحابكَ بالتوقف. قال: فجاء رسولُ الأفشين ليرد الناس، فقيل له: إن أعلام الفراغنة قد دخلت البذ، وصعدوا بها القصور. فركب وصاح بالناس، فدخل ودخلوا، وصعِد الناس بالأعلام فوق قصورِ بابكِ؛ وكانَ قد كمَّنَ في قصوره - وهي أربعة - ستمائة رجل؛ فوافاهم الناسُ؛ فصعدوا بالأعلامِ فوق القصور، وامتلأت شوارع البذ

стр. 5458

وميدانها من الناس، وفتح أولئكَ الكُمناء أبواب القصور، وخرجوا رجالة يقاتلون الناس، ومرَّ بابك حتى دخل الوادي الذي يلي هشتاذسَر، واشتغل الأفشين وجميع قُوَّادهِ بالحرب على أبواب القصور، فقاتل الخرَّمية قتالًا شديدًا، وأحضرَ النَّفاطين، فجعلوا يصبون عليهم النِّفطَ والنَّار، والناس يهدمون القصور؛ حتى قتلوا عن آخرهم، وأخذ الأفشين أولاد بابك ومَنْ كانَ معهم في البذِّ من عيالهم، حتى أدركهم المساءُ، فأمر الأفشين بالانصراف فانصرفوا، وكان عامة الخرَّمية في البيوت، فرجع الأفشينُ إلى الخندق بروذ الرَّوذ. فذُكر أن بابك وأصحابهُ الذين نزلوا معه الوادي حينَ علموا أنَّ الأفشينَ قد رجع إلى خندقه، رجعوا إلى البذ، فحملوا من الزادِ ما أمكنهم حملُه، وحملوا أموالهم، ثم دخلوا الوادي الذي يلي هشتادسَر فلمَّا كان في الغد خرج الأفشين حتى دخل البذ، فوقف في القرية، وأمر بهدم القصور، ووجَّهَ الرجَّالة يطوفون في أطراف القرية، فلم يجدوا فيها أحدًا من العلوج؛ فأعد الكلغريَّة، فهدموا القصور وأحرقوها؛ فعل ذلكَ ثلاثة أيامٍ حتى أحرق خزائنه وقصوره؛ ولم يَدع فيها بيتًا ولا قصرًا إلا أحرقه، وهدمه؛ ثم رجعَ وعلم أنَّ بابك قد أفلت في بعض أصحابهِ؛ فكتب الأفشين إلى ملوك أرمينية وبطارقتها يعلمهم أنَّ بابك قد هربَ وعدَّة معه، وصار إلى وادٍ، وخرجَ منه إلى ناحية إرمينية؛ وهو مارٌّ بكم، وأمرهم أن يحفظ كلُّ واحدٌ منهم ناحيته، ولا يسلكها أحدٌ إلا أخذوه حتى يعرفوه. فجاء الجواسيس إلى الأفشين، فأخبروه بموضعه في الوادي؛ وكان واديًا كثيرُ العشب والشجر، طرفُه بإرمينيَة وطرفهُ الآخر بأذرَبيجان؛ ولم يمكن الخيل أن تنزل به، ولا يُرى من يستخفي فيه لكثرة شجره ومياهه؛ إنما كانت غيضةً واحدة؛ ويسمَّى هذا الوادي غَيضة. فوجه الأفشين إلى كلِّ موضعٍ يعلم أن منهُ طريقًا ينحدر منهُ إلى تلكَ الغَيضة، أو يمكن بابك أن يخرج من ذلكَ الطريق؛ فيصير على كلِّ طريق وموضع من هذه المواضع عسكرًا فيه ما بينَ أربعمائة إلى خمسمائة مقاتل، ووجَّهَ معهم الكُوهبانية ليقفوهم على الطريق، وأمرهم بحراسة الطريق في الليل لئلا يخرج منه أحد. وكان يوجِّه إلى كل عسكر من هذه العساكر الميرة من عسكره؛ وكانت هذه العساكر خمسة عشر عسكرًا، فكانوا كذلك حتى ورد كتاب أمير المؤمنين

стр. 5459

المعتصم بالذهب مختومًا، فيهِ "أمان" لبابك. فدعا الأفشين مَنْ كان استأمن إليه من أصحاب بابك؛ وفيهم ابن له كبير، أكبر ولدهُ، فقال له وللأسرى: هذا ما لم أكن أرجوهُ من أمير المؤمنين، ولا أطمع له فيه أن يكتب إليه وهو في هذه الحال بأمان؛ فمن يأخذه منكم ويذهبُ به إليه؟ فلم يجسر على ذلكَ أحد منهم، فقال بعضهم: أيها الأمير؛ ما فينا أحدٌ يجترئ أن يلقاه بهذا فقال له الأفشين: ويحك! إنه يفرح بهذا، قالوا: أصلح الله الأمير! نحنُ أعرف بهذا منك؛ قال: فلا بدَّ لكم من أن تهبوا لي أنفسكم، وتُوصلوا هذا الكتاب إليه. فقام رجلان منهم فقالا له: اضمن لنا أنك تُجري على عيالاتنا؛ فضمن لهما الأفشين ذلك، وأخذا الكتاب وتوجَّها فلم يزالا يدوران في الغَيْضَةِ حتى أصاباه، وكتب معهما ابن بابك بكتاب يُعلمهُ الخبر، ويسأله أن يصير إلى الأمان؛ فهو أسلم له وخير. فدفعا إليه كتاب ابنه، فقرأهُ، وقال: أيُّ شيء كنتم تصنعون؟ قال: أسِرَ عيالاتنا في تلك الليلة وصبياننا؛ ولم نعرف موضعكَ فنأتيكَ، وكنَّا في موضع تخوَّفنا أن يأخذونا؛ فطلبنا الأمان؛ فقال للذي كان الكتاب معهم: هذأ لا أعرفه؛ ولكن أنت يا بن الفاعلة، كيفَ اجترأتَ على هذا أن تجيئني من عند ذاكَ ابن الفاعلة فأخذه وضرب عنقه، وشدَّ الكتاب على صدره مختومًا لم يفضَّه؛ ثم قال للآخر: اذهب وقل لذاكَ ابنَ الفاعلة - يعني ابنه - حيث يكتب إليَّ؛ وكتب إليهِ: لو أنكَ لحقت بي واتبعت دعوتكَ حتى يجيئكَ الأمرُ يومًا كنتَ ابني؛ وقد صحَّ عندي الساعة فساد أمَّكَ الفاعلة، يا بن الفاعلة، عسى أن أعيشَ بعد اليوم! قد كنت باسم هذه الرياسة وحيثما كنت أو ذكرت كنت ملكًا؛ ولكنك من جنس لا خيرَ فيه، وأنا أشهد أنكَ لستَ بابني؛ تعيش يومًا واحدًا وأنت رئيس خير، أو تعيشُ أربعين سنة وأنت عبد ذليل! ورحل من موضعهِ، ووجَّهَ مع الرجل ثلاثة نفر حتى أصعدوهُ من موضع من المواضع، ثم لحقوا ببابك؛ فلم يزل في تلكَ الغَيضة حتى فني زادهُ، وخرجَ مما يلي طريقًا كان عليهِ بعض العساكر، وكان موضع الطريق جبلًا ليس فيه ماء؛ فلم يقدر العسكر أن يقيم على الطريق لبعده عن الماء، فتنحَّى العسكر عن الطريق إلى قرب الماء؛ وصيَّروا كوهبانيين وفارسين على طرف الطريق يحرسونهُ، والعسكر بينهُ وبين الطريق نحو من ميل ونصف، كان ينوب على الطريق كلَّ يوم

стр. 5460

فارسان وكوهبانيان، فبينا هم ذات يوم نصف النهار؛ إذ خرج بابك وأصحابه؛ فلم يروا أحدًا، ولم يروا الفارسين والكوهبانيين، وظنوا أن ليسَ هناك عسكر؛ فخرج هو وأخواه: عبد الله ومعاوية، وأمه وامرأة لهُ يقال لها ابنة الكَلْنَدانية. فخرجوا من الطريق، وساروا يريدون إرمينيةَ، ونظرَ إليهم الفارسان والكوهبانيان، فوجَّهوا إلى العسكر، وعليه أبو الساج: أنا قد رأينا فرسانًا يمرُّون ولا ندري مَنْ هُم. فركبَ الناسُ، وساروا، فنظروا إليهم من بُعد وقد نزلوا على عين ماء يتغدوَّن عليها؛ فلمَّا نظروا إلى الناسِ بادرَ الكافر فركبَ وركبَ مَنْ كانَ معهُ، فأفلت وأخذ معاوية أمَّ بابك والمرأةَ التي كانت معه، ومع بابك غلام له، فوجَّهَ أبو الساج بمعاوية والمرأتين إلى العسكر ومرَّ بابك متوجِّهًا حتى دخل جبال إرمينية يسير في الجبال متكمِّنًا؛ فاحتاج إلى طعام؛ وكان جميع بطارقة إرمينية قد تحفَّظوا بنواحيهم وأطرافهم، وأوصوا إلى مسالحهم ألا يجتاز عليهم أحد إلا أخذوه حتى يعرفوه؛ فكان أصحاب المسالح كلهم متحفظين؛ وأصاب بابك الجوع، فأشرف فإذا هو بحرَّاثٍ يحرثُ على فدان له في بعض الأودية، فقال لغلامه: انزل إلى هذا الحرَّاث، وخذ معك دنانير ودراهم؛ فان كان معه خبز فخذه وأعطه؛ وكان للحرَّاثِ شريك ذهب لحاجته؛ فنزل الغلامُ إلى الحرَّاث، فنظرَ إليه شريكهُ من بعيد، فوقف بالبعد يفرَق من أن يجيء إلى شريكه وهو ينظر ما يصنع شريكه، فدفعَ الغلام إلى الحرَّاثِ شيئًا، فجاءَ الحراث فأخذ الخبزَ، فدفعهُ إلى الغلام وشريكه قائم ينظر إليه؛ ويظنُّ أنما اغتصبه خبزَه؛ ولم يظن أنَّهُ أعطاهُ شيئًا، فعدا إلى المسلحة؛ فأعلمهم أن رجلًا جاءهم عليه سيف وسلاح؛ وأنهُ أخذ خبز شريكه من الوادي؛ فركب صاحب المسلحة - وكان في جبال ابن سُنباط - ووجَّهَ إلى سهل بن سنباط بالخبر، فركب ابن سنباط وجماعة معهُ حتى جاءه مسرعًا، فوافى الحرَّاث والغلام عنده، فقال له: ما هذا؟ قال لهُ الحراث: هذا رجل مرَّ بي، فطلبَ مني خبزًا فأعطيته، فقال للغلام: وأينَ مولاك؟ قال: ها هنا - وأومئ إليه - فاتبعه فأدركه وهو نازل؛ فلمَّا رأى وجهه عرفه، فترجل له ابن سنباط عن دابته، ودنا منهُ فقبَّلَ يدهُ، ثم قال له: يا سيَّداه؛ إلى أين؟ قال: أريدُ بلاد الروم - أو موضعًا سمَّاه - فقال له: لا تجدُ موضعًا ولا أحدًا أعرف بحقكَ، ولا أحقَّ أَن تكون عنده مني، تعرف موضعي، ليس بيني وبين السلطان عمل؛ ولا تدخل على أحد من أصحاب السلطان وأنت عارف بقضيتي وبلدي؛

стр. 5461

وكلُّ مَنْ ها هنا من البطارقة إنما هم أهل بيتكَ، قد صار لكَ منهم أولاد؛ وذلكَ أن بابك كان إذا علم أن عند بعض البطارقةِ ابنة أو أختًا جميلة وجه إليها يطلبها، فإن بعث بها إليه وإلا بيَّته وأخذها، وأخذ جميعَ ماله من متاعٍ وغير ذلك، وصار به إلى بلده غصبًا. ثم قال ابن سنباط له: صرْ عندي في حصني؛ فإنَّما هو منزلك؛ وأنا عبدك، كُنْ فيهِ شتوتَك هذه ثم ترى رأيكَ. وكانَ بابك قد أصابهُ الضرُّ والجهدُ، فركن إلى كلامِ سهل بن سنباط؛ وقال لهُ: ليس يستقيمُ أن أكون أنا وأخي في موضع واحد؛ فلعلهُ أن يُعثَر بأحدنا فيبقى الآخر؛ ولكن أقيم عندكَ أنا، ويتوجَّهُ عبد الله أخي إلى ابن اصطفانوس؛ لا ندري ما يكون؛ وليس لنا خلَفٌ يقوم بدعوتِنا. فقال لهُ ابن سنباط: ولدكَ كثير، قال: ليس فيهم خير. وعزم على أن يصيِّرَ أخاه في حصن ابن اصطفانوس - وكان يثق به - فصار هو مع ابن سنباط في حِصنه، فلما أصبح عبد الله مضى إلى حصن اصطفانوس، وأقامَ بابك عند ابن سنباط، وكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمهُ أن بابك عندهُ في حصنهِ. فكتبَ إليهِ: إِنْ كانَ هذا صحيحًا فلك عندي وعندَ أمير المؤمنين - أيدهُ الله - الذي تحبُّ؛ وكتب يجزيهِ خيرًا، ووصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصته، ممَّن يثق به، ووجَّهَ به إلى ابن سنباط وكتب إليه يعلمه أنه قد وجه إليهِ برجل من خاصته، يحبُّ أن يرى بابك ليحكي للأفشين ذلك. فكره ابن سنباط أن يُوحشَ بابك، فقال للرجل: ليس يمكن أن تراه إلا في الوقت الذي يكون منكبًا على طعامه يتغدَّى؛ فإذا رأيتنا قد دعونا بالغداء فالبس ثياب الطبَّاخين الذين معنا على هيئة علوِجنا وتعال كأنكَ تقدم الطعام، أو تناول شيئًا؛ فإنهُ يكونُ منكبًا على الطعام، فتفقَّدْ منهُ ما تريد؛ فاذهب فاحكه لصاحبك. ففعل ذلكَ في وقت الطعام، فرفع بابك رأسه فنظر إليهِ فأنكره، فقال: مَنْ هذا الرجل؟ فقال له ابن سنباط: هذا رجل من أهل خراسان، منقطع إلينا منذ زمن، نصراني. فلقن ابنُ سنباط الأشروسنيَّ ذلك. فقال لهُ بابك: منذ كم أنت ها هنا؟ قال: منذ كذا وكذا سنة، قال: وكيفَ أقمتَ ها هنا؟ قال: تزوَّجتُ ها هنا، قال: صدقت إذا قيل للرجل من أين أنت؟ قال: مِنْ حيث امرأَتي. ثم رجعَ إلى الأفشين فأخبرهُ، ووصف له جميع ما رأى ثَمَّ من بابك، ووجَّهَ

стр. 5462

الأفشين أبا سعيد وبُوزبارة إلى ابن سنباط، وكتب إليه معهما، وأمرهما إذا صارا إلى بعض الطريق قدَّما كتابه إلى ابن سنباط مع علج من الأعلاج، وأمرهما ألَّا يخالفا ابن سنباط فيما يشيرُ به عليهما. ففعلا ذلك، فكتبَ إليهما ابن سنباط في المقام بموضع - قد سماه ووصفه لهما - إلى أن يأتيَهُما رسوله. فلم يزالا مقيمين بالموضع الذي وصفه لهما، ووجَّهَ إليهما ابن سنباط بالميرة والزاد؛ حتى تحركَ بابك للخروج إلى الصيد، فقال لهُ: ها هنا وادٍ طيب، وأنتَ مغموم في جوف هذا الحصن! فلو خرجنا ومعنا بازي وباشق وما يحتاجُ إليهِ فتتفرج إلى وقت الغداء بالصيد! فقال لهُ بابك: إذا شئت. فأنفذ ليركبا بالغداة، وكتب ابن سنباط إلى أبي سعيد وبوزبارة يعلمهما ما قد عزم عليه، ويأمرهما أن يوافياه، واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر في عسكرهما وأن يسيرا متكمنين مع صلاة الصبح؛ فإذا جاءهما رسوله أشرفا على الوادي، فانحدروا عليهِ إذا رأوهم وأخذوهم. فلما ركب ابن سنباط وبابك بالغداة وجَّهَ سنباط رسولًا إلى أبي سعيد ورسولًا إلى بوزبارة، وقال لكل رسول: جئ بهذا إلى موضع كذا، وجئ بهذا إلى موضع كذا؛ فأشرفا علينا، فإذا رأيتمونا فقولوا: هم هؤلاء خذوهم؛ وأرادَ أن يشبّه على بابك؛ فيقول: هذا خيل جاءتنا فأخذتنا، ولم يحبّ أن يدفعهُ إليهما من منزله؛ فصار الرسولان إلى أبي سعيد وبوزبارة، فمضيا بهما حتى أشرفا على الوادي؛ فإذا هما ببابك وابن سنباط، فنظرا إليهِ وانحدرا وأصحابهما عليه؛ هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا، وأخذاهما ومعهما البواشيق، وعلى بابك دُرَّاعة بيضاء وعمامة بيضاء، وخُف قصير. ويقال كان بيدهِ باشق؛ فلما نظر إلى العساكر قد أحدقت به وقف، فنظر إليهما، فقالا له: انزل، فقال: ومن أنتما؟ فقال أحدهما: أنا أبو سعيد، والآخر: أنا بوزبارة، فقال: نعم، وثنى رجله، فنزل، وكان ابنُ سنباط ينظرُ إليهِ؛ فرفعَ رأسهُ إلى ابن سنباط فشتمه، وقال: إنما بعتني لليهود بالشيء اليسير، لو أردت المالَ وطلبته لأعطيتكَ أكثر مما يعطيكَ هؤلاء، فقال له أبو سعيد: قم فاركب، قال: نعم فحملوه وجاءوا بهِ إلى الأفشين؛ فلما قرب من العسكر صعد الأفشين برزند، فضربت له خيمة على برزند، وأمر الناسَ فاصطفوا صفين، وجلس الأفشين في فازة، وجاءوا بهِ،

стр. 5463

وأمر الأفشين ألا يتركوا عربيًّا يدخل بين الصفين فرَقًا أن يقتلهُ إنسان أو يجرحه ممن قتل أولياءه؛ أو صنع به داهية. وكانَ قد صار إلى الأفشين نساءٌ كثيرٌ وصبيان؛ ذكروا أن بابك كان أسرهم، وأنهم أحرار من العرب والدهاقين، فأمر الأفشينُ فجُعلت لهم حظيرة كبيرة، وأسكنهم فيها، وأجرى لهم الخبز، وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائهم حيث كانوا، فكانَ كلُّ من جاء فعرف امرأة أو صبيًا أو جارية، وأقام شاهدين أنه يعرفها وأنَّها حرمة له أو قرابة دفعها إليه؛ فجاء الناسُ، فأخذوا منهم خلقًا كثيرًا، وبقي منهم ناسٌ كثير ينتظرون أن يجيء أولياؤهم. ولما كان ذلك اليوم الذي أمر الأفشين الناس أن يصطفوا، فصار بين بابك وبينهُ قَدر نصف ميل، أنزِل بابك يمشي بين الصَّفين في دُراعته وعمامته وخفيه، حتى جاء فوقف بين يدي الأفشين فنظر إليه الأفشين، ثم قال: انزلوا به إلى العسكر؛ فنزلوا به راكبًا، فلما نظر النساء والصبيان الذين في الحظيرة إليهِ لَطموا على وجوههم، وصحاحوا وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال لهم الأفشين: أنتم بالأمس؛ تقولون أسرنا، وأنتم اليوم تبكون عليه! عليكم لعنة الله. قالوا: كان يحسن إلينا. فأمر به الأفشين فأدخل بيتًا، ووكل بهِ رجالًا من أصحابه. وكان عبد الله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط، صار إلى عيسى بن يوسف بن اصطفانوس؛ فلما أخذ الأفشين بابك، وصيره معهم في عسكره ووكلَ بهِ، أعلِمَ بمكان عبد الله أنه عند ابن اصطفانوس؛ فكتب الأفشين إلى ابن اصطفانوس أن يوجّه إليهِ بعبد الله، فوجهَ به ابن اصطفانوس إلى الأفشين، فلما صارَ في يد الأفشين حبسه مع أخيهِ في بيت واحد؛ ووكَّلَ بهما قومًا يحفظونهما. وكتبَ الأفشين إلى المعتصم بأخذهِ بابك وأخاه، فكتب المعتصم إليه يأمرهُ بالقدومِ بهما عليه، فلما أرادَ أن يسير إلى العراق وجَّهَ إلى بابك فقال: إني أريد أن أسافرَ بكَ، فانظر ما تشتهي من بلاد أذْرَبيجان، فقال: أشتهي أن أنظر إلى مدينتي، فوجهَ معهُ الأفشين قومًا في ليلةٍ مُقمرةٍ إلى البذ حتى دار فيهِ، ونظر إلى القتلى والبيوت إلى وقت الصباح، ثم رده إلى الأفشين، وكان الأفشين قد وكَّلَ بهِ رجلًا من أصحابه فاستعفاهُ منه بابك، فقال لهُ الأفشين: لم استعفيتَ منه؟ قال: يجيء ويده ملأى غمَرا، حتى ينام عند رأسي فيؤذيني ريحُها، فأعفاهُ منه.

стр. 5464

وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال بين بوزبارة وديوداذ (١). وحجَّ بالناسِ في هذه السنة محمد بن داود (٢). ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ذكر خبر قدوم الأفشين ببابك على المعتصم] (٣) فمن ذلكَ قدوم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه، ذُكرَ أنَّ قدومهُ عليه به كان ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سامراء، وأنَّ المعتصم كان يوجه إلى الأفشين كل يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافَى سامراء فرسًا وخِلْعة، وأنَّ المعتصم لعنايتهِ بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره، جعل من سامراء إلى عقبة حلوان خيلًا مضمَّرة على رأس كلِّ فرسخ فرسًا معه مُجْرٍ مرتب؛ فكانَ يركضُ بالخبر ركضًا حتى يؤديهِ من واحدٍ إلى واحد، يدًا بيد؛ وكان ما خَلْف حُلوان إلى أذربيجان قد رتبوا فيهِ المرج؛ فكان يركض بها يومًا أو يومين ثم تبدل ويصير غيرها، ويُحمل عليها غلمان من أصحاب المرج كل دابة على رأس فرسخ، وجعل لهم ديادبة على رؤوس الجبال بالليل والنهار، وأمرهم أن ينعروا إذا جاءهم الخبر فإذا سمع الذي يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذي نعر حتى يقفَ لهُ على الطريق؛ فيأخذ الخريطة منه؛ فكانت الخريطة تصلُ من عسكر الأفشين إلى سامراء في أربعة أيام وأقل؛ فلما صار الأفشين بقناطر حُذَيفة تلقاهُ هارون بن المعتصم وأهل بيت المعتصم؛ فلما صار الأفشين ببابك إلى سامراء أنزله الأفشين في قصره بالمَطيرة؛ فلمَّا كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبي دواد متنكرًا، فرآهُ وكلمه، ثم رجع إلى المعتصم، فوصفه له، فلم يصبر

стр. 5465

المعتصم حتى ركب إليهِ بين الحائطين في الحِير؛ فدخلَ إليهِ متنكرًا، ونظرَ إليهِ وتأملهُ، وبابك لا يعرفه؛ فلما كان من غدٍ قعد له المعتصم يوم إثنين أو خميس، واصطف الناس من باب العامَّة إلى المطيرة، وأراد المعتصم أن يشُهره ويريه الناس، فقال: على أيِّ شيء يُحمل هذا؟ وكيفَ يُشهر! فقال حزام: يا أمير المؤمنين، لا شيء أشهر من الفيل، فقال: صدقت؛ فأمر بتهيئةِ الفيل، وأمرَ به فجُعِلَ في قبَاء ديباج وقلنسوة سمّور مدوَّرة؛ وهو وحدهُ؛ فقال محمد بن عبد الملك الزيات: قد خُضِبَ الفيلُ كعاداته ... يَحملُ شيطانَ خراسانِ والفيلُ لا تُخضَبُ أعضاؤه ... إلا لذي شأنٍ من الشانِ فاستشرفه الناسُ من المَطيرة إلى باب العامَةِ؛ فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين، وأحضر جزَّارًا ليقطع يديه ورجليه؛ ثم أمر أن يحضر سيَّافُه، فخرج الحاجب من باب العامة؛ وهو ينادي: نودنود - وهو اسم سياف بابك - فارتفعت الصيحةُ بنودنود حتى حضر، فدخل دار العامةِ، فأمرهُ أمير المؤمنين أن يقطعَ يديه ورجليه، فقطعهما فسقط، وأمر أميرُ المؤمنين بذبحهِ وشقّ بطن أحدهما، ووجَّهَ برأسه إلى خُراسان، وصلبَ بدنهُ بسامراء عند العقبة، فموضعُ خشبته مشهور، وأمر بحمل أخيه عبد الله مع ابن شَرْوين الطَّبَرِيّ إلى إسحاق بن إبراهيم خليفته بمدينة السَّلام، وأمره بضرب عنقه، وأن يفعل بهِ مثل ما فعل بأخيه، وصلبه؛ فلما صارَ به الطبري إلى البَردَان، نزلَ به ابن شروين في قصر البردان، فقال عبد الله أخو بابك لابن شروين: مَنْ أَنْت؟ فقال: ابن شروين ملك طبرستان، فقال: الحمدُ لله الذي وفَّق لي رجلًا من الدَّهاقين يتولى قتلي، قال: إنما يتولَّى قتلك هذا - وكانَ عندهُ نودنود، وهو الذي قتل بابك - فقال له: أنتَ صاحبي، وإنما هذا علج، فأخبرني، أأمرتَ أن تطعمني شيئًا أم لا؟ قال: قل ما شئت، قال: اضرب لي فالوذجة، قال: فأمر فضربت له فالوذجة في جوف الليل، فأكل منها حتى تملأ، ثم قال يا أبا فلان، ستعلم غدًا أني دِهقان إن شاء الله. ثم قال: تقدر أن تسقيني نبيذًا؟ قال: نعم، ولا تُكثِر، قال: فإني لا أكثر، قال: فأحضر أربعة أرطالِ خمر، فقعد فشربها على مَهل إلى قريب من الصبح، ثم رحل في السَّحر، فوافى به مدينة السلام، ووافى به رأس الجسر، وأمر
следующие страницы →