وكلُّ مَنْ ها هنا من البطارقة إنما هم أهل بيتكَ، قد صار لكَ منهم أولاد؛ وذلكَ أن بابك كان إذا علم أن عند بعض البطارقةِ ابنة أو أختًا جميلة وجه إليها يطلبها، فإن بعث بها إليه وإلا بيَّته وأخذها، وأخذ جميعَ ماله من متاعٍ وغير ذلك، وصار به إلى بلده غصبًا.
ثم قال ابن سنباط له: صرْ عندي في حصني؛ فإنَّما هو منزلك؛ وأنا عبدك، كُنْ فيهِ شتوتَك هذه ثم ترى رأيكَ. وكانَ بابك قد أصابهُ الضرُّ والجهدُ، فركن إلى كلامِ سهل بن سنباط؛ وقال لهُ: ليس يستقيمُ أن أكون أنا وأخي في موضع واحد؛ فلعلهُ أن يُعثَر بأحدنا فيبقى الآخر؛ ولكن أقيم عندكَ أنا، ويتوجَّهُ عبد الله أخي إلى ابن اصطفانوس؛ لا ندري ما يكون؛ وليس لنا خلَفٌ يقوم بدعوتِنا. فقال لهُ ابن سنباط: ولدكَ كثير، قال: ليس فيهم خير. وعزم على أن يصيِّرَ أخاه في حصن ابن اصطفانوس - وكان يثق به - فصار هو مع ابن سنباط في حِصنه، فلما أصبح عبد الله مضى إلى حصن اصطفانوس، وأقامَ بابك عند ابن سنباط، وكتب ابن سنباط إلى الأفشين يعلمهُ أن بابك عندهُ في حصنهِ. فكتبَ إليهِ: إِنْ كانَ هذا صحيحًا فلك عندي وعندَ أمير المؤمنين - أيدهُ الله - الذي تحبُّ؛ وكتب يجزيهِ خيرًا، ووصف الأفشين صفة بابك لرجل من خاصته، ممَّن يثق به، ووجَّهَ به إلى ابن سنباط وكتب إليه يعلمه أنه قد وجه إليهِ برجل من خاصته، يحبُّ أن يرى بابك ليحكي للأفشين ذلك. فكره ابن سنباط أن يُوحشَ بابك، فقال للرجل: ليس يمكن أن تراه إلا في الوقت الذي يكون منكبًا على طعامه يتغدَّى؛ فإذا رأيتنا قد دعونا بالغداء فالبس ثياب الطبَّاخين الذين معنا على هيئة علوِجنا وتعال كأنكَ تقدم الطعام، أو تناول شيئًا؛ فإنهُ يكونُ منكبًا على الطعام، فتفقَّدْ منهُ ما تريد؛ فاذهب فاحكه لصاحبك.
ففعل ذلكَ في وقت الطعام، فرفع بابك رأسه فنظر إليهِ فأنكره، فقال: مَنْ هذا الرجل؟ فقال له ابن سنباط: هذا رجل من أهل خراسان، منقطع إلينا منذ زمن، نصراني. فلقن ابنُ سنباط الأشروسنيَّ ذلك. فقال لهُ بابك: منذ كم أنت ها هنا؟ قال: منذ كذا وكذا سنة، قال: وكيفَ أقمتَ ها هنا؟ قال: تزوَّجتُ ها هنا، قال: صدقت إذا قيل للرجل من أين أنت؟ قال: مِنْ حيث امرأَتي.
ثم رجعَ إلى الأفشين فأخبرهُ، ووصف له جميع ما رأى ثَمَّ من بابك، ووجَّهَ
стр. 5462
الأفشين أبا سعيد وبُوزبارة إلى ابن سنباط، وكتب إليه معهما، وأمرهما إذا صارا إلى بعض الطريق قدَّما كتابه إلى ابن سنباط مع علج من الأعلاج، وأمرهما ألَّا يخالفا ابن سنباط فيما يشيرُ به عليهما. ففعلا ذلك، فكتبَ إليهما ابن سنباط في المقام بموضع - قد سماه ووصفه لهما - إلى أن يأتيَهُما رسوله. فلم يزالا مقيمين بالموضع الذي وصفه لهما، ووجَّهَ إليهما ابن سنباط بالميرة والزاد؛ حتى تحركَ بابك للخروج إلى الصيد، فقال لهُ: ها هنا وادٍ طيب، وأنتَ مغموم في جوف هذا الحصن! فلو خرجنا ومعنا بازي وباشق وما يحتاجُ إليهِ فتتفرج إلى وقت الغداء بالصيد! فقال لهُ بابك: إذا شئت. فأنفذ ليركبا بالغداة، وكتب ابن سنباط إلى أبي سعيد وبوزبارة يعلمهما ما قد عزم عليه، ويأمرهما أن يوافياه، واحد من هذا الجانب من الجبل والآخر من الجانب الآخر في عسكرهما وأن يسيرا متكمنين مع صلاة الصبح؛ فإذا جاءهما رسوله أشرفا على الوادي، فانحدروا عليهِ إذا رأوهم وأخذوهم.
فلما ركب ابن سنباط وبابك بالغداة وجَّهَ سنباط رسولًا إلى أبي سعيد ورسولًا إلى بوزبارة، وقال لكل رسول: جئ بهذا إلى موضع كذا، وجئ بهذا إلى موضع كذا؛ فأشرفا علينا، فإذا رأيتمونا فقولوا: هم هؤلاء خذوهم؛ وأرادَ أن يشبّه على بابك؛ فيقول: هذا خيل جاءتنا فأخذتنا، ولم يحبّ أن يدفعهُ إليهما من منزله؛ فصار الرسولان إلى أبي سعيد وبوزبارة، فمضيا بهما حتى أشرفا على الوادي؛ فإذا هما ببابك وابن سنباط، فنظرا إليهِ وانحدرا وأصحابهما عليه؛ هذا من ها هنا، وهذا من ها هنا، وأخذاهما ومعهما البواشيق، وعلى بابك دُرَّاعة بيضاء وعمامة بيضاء، وخُف قصير. ويقال كان بيدهِ باشق؛ فلما نظر إلى العساكر قد أحدقت به وقف، فنظر إليهما، فقالا له: انزل، فقال: ومن أنتما؟ فقال أحدهما: أنا أبو سعيد، والآخر: أنا بوزبارة، فقال: نعم، وثنى رجله، فنزل، وكان ابنُ سنباط ينظرُ إليهِ؛ فرفعَ رأسهُ إلى ابن سنباط فشتمه، وقال: إنما بعتني لليهود بالشيء اليسير، لو أردت المالَ وطلبته لأعطيتكَ أكثر مما يعطيكَ هؤلاء، فقال له أبو سعيد: قم فاركب، قال: نعم فحملوه وجاءوا بهِ إلى الأفشين؛ فلما قرب من العسكر صعد الأفشين برزند، فضربت له خيمة على برزند، وأمر الناسَ فاصطفوا صفين، وجلس الأفشين في فازة، وجاءوا بهِ،
стр. 5463
وأمر الأفشين ألا يتركوا عربيًّا يدخل بين الصفين فرَقًا أن يقتلهُ إنسان أو يجرحه ممن قتل أولياءه؛ أو صنع به داهية. وكانَ قد صار إلى الأفشين نساءٌ كثيرٌ وصبيان؛ ذكروا أن بابك كان أسرهم، وأنهم أحرار من العرب والدهاقين، فأمر الأفشينُ فجُعلت لهم حظيرة كبيرة، وأسكنهم فيها، وأجرى لهم الخبز، وأمرهم أن يكتبوا إلى أوليائهم حيث كانوا، فكانَ كلُّ من جاء فعرف امرأة أو صبيًا أو جارية، وأقام شاهدين أنه يعرفها وأنَّها حرمة له أو قرابة دفعها إليه؛ فجاء الناسُ، فأخذوا منهم خلقًا كثيرًا، وبقي منهم ناسٌ كثير ينتظرون أن يجيء أولياؤهم.
ولما كان ذلك اليوم الذي أمر الأفشين الناس أن يصطفوا، فصار بين بابك وبينهُ قَدر نصف ميل، أنزِل بابك يمشي بين الصَّفين في دُراعته وعمامته وخفيه، حتى جاء فوقف بين يدي الأفشين فنظر إليه الأفشين، ثم قال: انزلوا به إلى العسكر؛ فنزلوا به راكبًا، فلما نظر النساء والصبيان الذين في الحظيرة إليهِ لَطموا على وجوههم، وصحاحوا وبكوا حتى ارتفعت أصواتهم، فقال لهم الأفشين: أنتم بالأمس؛ تقولون أسرنا، وأنتم اليوم تبكون عليه! عليكم لعنة الله. قالوا: كان يحسن إلينا. فأمر به الأفشين فأدخل بيتًا، ووكل بهِ رجالًا من أصحابه.
وكان عبد الله أخو بابك لما أقام بابك عند ابن سنباط، صار إلى عيسى بن يوسف بن اصطفانوس؛ فلما أخذ الأفشين بابك، وصيره معهم في عسكره ووكلَ بهِ، أعلِمَ بمكان عبد الله أنه عند ابن اصطفانوس؛ فكتب الأفشين إلى ابن اصطفانوس أن يوجّه إليهِ بعبد الله، فوجهَ به ابن اصطفانوس إلى الأفشين، فلما صارَ في يد الأفشين حبسه مع أخيهِ في بيت واحد؛ ووكَّلَ بهما قومًا يحفظونهما.
وكتبَ الأفشين إلى المعتصم بأخذهِ بابك وأخاه، فكتب المعتصم إليه يأمرهُ بالقدومِ بهما عليه، فلما أرادَ أن يسير إلى العراق وجَّهَ إلى بابك فقال: إني أريد أن أسافرَ بكَ، فانظر ما تشتهي من بلاد أذْرَبيجان، فقال: أشتهي أن أنظر إلى مدينتي، فوجهَ معهُ الأفشين قومًا في ليلةٍ مُقمرةٍ إلى البذ حتى دار فيهِ، ونظر إلى القتلى والبيوت إلى وقت الصباح، ثم رده إلى الأفشين، وكان الأفشين قد وكَّلَ بهِ رجلًا من أصحابه فاستعفاهُ منه بابك، فقال لهُ الأفشين: لم استعفيتَ منه؟ قال: يجيء ويده ملأى غمَرا، حتى ينام عند رأسي فيؤذيني ريحُها، فأعفاهُ منه.
стр. 5464
وكان وصول بابك إلى الأفشين ببرزند لعشر خلون من شوال بين بوزبارة وديوداذ (١).
وحجَّ بالناسِ في هذه السنة محمد بن داود (٢).
ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر قدوم الأفشين ببابك على المعتصم] (٣)
فمن ذلكَ قدوم الأفشين على المعتصم ببابك وأخيه، ذُكرَ أنَّ قدومهُ عليه به كان ليلة الخميس لثلاث خلون من صفر سامراء، وأنَّ المعتصم كان يوجه إلى الأفشين كل يوم من حين فصل من برزند إلى أن وافَى سامراء فرسًا وخِلْعة، وأنَّ المعتصم لعنايتهِ بأمر بابك وأخباره ولفساد الطريق بالثلج وغيره، جعل من سامراء إلى عقبة حلوان خيلًا مضمَّرة على رأس كلِّ فرسخ فرسًا معه مُجْرٍ مرتب؛ فكانَ يركضُ بالخبر ركضًا حتى يؤديهِ من واحدٍ إلى واحد، يدًا بيد؛ وكان ما خَلْف حُلوان إلى أذربيجان قد رتبوا فيهِ المرج؛ فكان يركض بها يومًا أو يومين ثم تبدل ويصير غيرها، ويُحمل عليها غلمان من أصحاب المرج كل دابة على رأس فرسخ، وجعل لهم ديادبة على رؤوس الجبال بالليل والنهار، وأمرهم أن ينعروا إذا جاءهم الخبر فإذا سمع الذي يليه النعير تهيأ فلا يبلغ إليه صاحبه الذي نعر حتى يقفَ لهُ على الطريق؛ فيأخذ الخريطة منه؛ فكانت الخريطة تصلُ من عسكر الأفشين إلى سامراء في أربعة أيام وأقل؛ فلما صار الأفشين بقناطر حُذَيفة تلقاهُ هارون بن المعتصم وأهل بيت المعتصم؛ فلما صار الأفشين ببابك إلى سامراء أنزله الأفشين في قصره بالمَطيرة؛ فلمَّا كان في جوف الليل ذهب أحمد بن أبي دواد متنكرًا، فرآهُ وكلمه، ثم رجع إلى المعتصم، فوصفه له، فلم يصبر
стр. 5465
المعتصم حتى ركب إليهِ بين الحائطين في الحِير؛ فدخلَ إليهِ متنكرًا، ونظرَ إليهِ وتأملهُ، وبابك لا يعرفه؛ فلما كان من غدٍ قعد له المعتصم يوم إثنين أو خميس، واصطف الناس من باب العامَّة إلى المطيرة، وأراد المعتصم أن يشُهره ويريه الناس، فقال: على أيِّ شيء يُحمل هذا؟ وكيفَ يُشهر! فقال حزام: يا أمير المؤمنين، لا شيء أشهر من الفيل، فقال: صدقت؛ فأمر بتهيئةِ الفيل، وأمرَ به فجُعِلَ في قبَاء ديباج وقلنسوة سمّور مدوَّرة؛ وهو وحدهُ؛ فقال محمد بن عبد الملك الزيات:
قد خُضِبَ الفيلُ كعاداته ... يَحملُ شيطانَ خراسانِ
والفيلُ لا تُخضَبُ أعضاؤه ... إلا لذي شأنٍ من الشانِ
فاستشرفه الناسُ من المَطيرة إلى باب العامَةِ؛ فأدخل دار العامة إلى أمير المؤمنين، وأحضر جزَّارًا ليقطع يديه ورجليه؛ ثم أمر أن يحضر سيَّافُه، فخرج الحاجب من باب العامة؛ وهو ينادي: نودنود - وهو اسم سياف بابك - فارتفعت الصيحةُ بنودنود حتى حضر، فدخل دار العامةِ، فأمرهُ أمير المؤمنين أن يقطعَ يديه ورجليه، فقطعهما فسقط، وأمر أميرُ المؤمنين بذبحهِ وشقّ بطن أحدهما، ووجَّهَ برأسه إلى خُراسان، وصلبَ بدنهُ بسامراء عند العقبة، فموضعُ خشبته مشهور، وأمر بحمل أخيه عبد الله مع ابن شَرْوين الطَّبَرِيّ إلى إسحاق بن إبراهيم خليفته بمدينة السَّلام، وأمره بضرب عنقه، وأن يفعل بهِ مثل ما فعل بأخيه، وصلبه؛ فلما صارَ به الطبري إلى البَردَان، نزلَ به ابن شروين في قصر البردان، فقال عبد الله أخو بابك لابن شروين: مَنْ أَنْت؟ فقال: ابن شروين ملك طبرستان، فقال: الحمدُ لله الذي وفَّق لي رجلًا من الدَّهاقين يتولى قتلي، قال: إنما يتولَّى قتلك هذا - وكانَ عندهُ نودنود، وهو الذي قتل بابك - فقال له: أنتَ صاحبي، وإنما هذا علج، فأخبرني، أأمرتَ أن تطعمني شيئًا أم لا؟ قال: قل ما شئت، قال: اضرب لي فالوذجة، قال: فأمر فضربت له فالوذجة في جوف الليل، فأكل منها حتى تملأ، ثم قال يا أبا فلان، ستعلم غدًا أني دِهقان إن شاء الله. ثم قال: تقدر أن تسقيني نبيذًا؟ قال: نعم، ولا تُكثِر، قال: فإني لا أكثر، قال: فأحضر أربعة أرطالِ خمر، فقعد فشربها على مَهل إلى قريب من الصبح، ثم رحل في السَّحر، فوافى به مدينة السلام، ووافى به رأس الجسر، وأمر
стр. 5466
إسحاق بن إِبراهيم بقطع يديهِ ورجليهِ، فلم ينطق ولم يتكلم، وأمر بصلبهِ فصُلِبَ في الجانب الشرقيِّ بينَ الجسرين بمدينة السلام (١).
وذكر عن طَوق بن أحمد، أن بابك لما هرب صار إلى سهل بن سنباط فوجَّهَ الأفشين أبا سعيد وبوزبارة، فأخذاه منه، فبعث سهل مع بابك بمعاوية ابنه إلى الأفشين، فأمر لمعاوية بمائة ألف درهم، وأمر لسهل بألف ألف درهم استخرجها لهُ من أمير المؤمنين ومنطقة مغرقة بالجوهر وتاج البطرقة، فبطرق سهل بهذا السبب، والذي كانَ عنده عبد الله أخو بابك عيسى بن يوسف المعروف بابن أخت اصطفانوس ملك البَيلقان.
وذكر عن محمد بن عمران كاتب على بن مر، قال: حدَّثني علي بن مرِّ، عن رجل من الصعاليك يقال له مَطر، قال: كان واللهِ يا أبا الحسن بابك ابني، قلت: وكيف؟ قال: كنا مع ابن الرَّوَّاد، وكانت أمه ترتوميذ العوراء من علوج ابن الرَّواد، فكنت أنزل عليها، وكانت مصكة فكانت تخدمني، وتغسل ثيابي، فنظرتُ إليها يومًا، فواثبتها بشبق السفر وطول الغربة، فأقررتُه في رحمها، ثم قال: غبنا غيبة بعد ذلكَ، ثم قدمنا فإذا هي تطلبني، فنزلتُ في منزل آخر، فصارت إليَّ يومًا، فقالت: حين ملأتَ بطني تنزلُ ها هنا وتتركني! فأذاعت أنه منِّي فقلت: واللهِ لئن ذكرتِني لأقتلنَّكِ؛ فأمسكت عني، فهو واللهِ ابني.
وكان يُجزَى الأفشين في مقامه بإزاء بابك سوى الأرزاق، والأنزال والمعاون في كلِّ يوم يركب فيهِ عشرة آلاف درهم، وفي كلِّ يومٍ لا يركب فيهِ خمسة آلاف درهم.
وكان جميعُ من قتل بابك في عشرين سنة مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفًا وخمسمائة إنسان، وغلب يحيى بن معاذ وعيسى بن محمد بن أبي خالد وأحمد بن الجُنيد، وأسره وزُريق بن علي بن صدقة ومحمد بن حميد الطوسي وإبراهيم بن الليث، وأسِر مع بابك ثلاث آلاف وثلثمائة وتسعة أناسي، واستنقذ ممن كان في يده من المسلمات وأولادهم سبعة آلاف وستمائة إنسان، وعدَّة من صار في يد الأفشين من بني بابك سبعة عشر رجلًا، ومن البنات والكنَّات ثلاث
стр. 5469
وعشرون امرأة، فتوّج المعتصم الأفشين وألبسه وشاحين بالجوهر، ووصله بعشرين ألف درهم، منها عشرة آلاف ألف صلة وعشرة آلاف ألف درهم يفرِّقها في أهل عسكره، وعقد له على السَّند وأدخل عليه الشعراء يمدحونه، وأمر للشعراء بصلات، وذلكَ يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر، وكان مما قيلَ فيه قول أبي تمام الطائيّ:
بذَّ الجلادُ البذَّ فهو دفينُ ... ما إِن به إلَّا الوحوش قطينُ
لم يقر هذا السيفُ هَذَا الصَّبر في ... هَيْجاءَ إلَّا عَزَّ هذا الدين
قد كان عُذرةَ سُودَد فافتضَّها ... بالسيفِ فَحْلُ المشرقِ الأَفشين
فأَعادها تَعوِي الثعالبُ وسطها ... ولقد تُرى بالأَمس وهي عرينُ
هطلتْ عليها من جَماجِمِ أَهلها ... دِيَمٌ أَمارَتُها طُلىً وشؤون
كانت من المُهَجات قبلُ مفازةً ... عِسرًا فأَضحتْ وهي منه مَعين
[ذكر خبر إيقاع الروم بأهل زبطرة]
وفي هذه السنة أوقع تَوفِيل بن ميخائيل صاحب الروم بأهل زَبَطرة، فأسرهم وخرب بلدهم، ومضى من فوره إلى مَلَطية فأغار على أهلها وعلى أهل حصون من حصون المسلمين؛ إلى غير ذلك؛ وسبا من المسلمات - فيما قيل - أكثر من ألف امرأة، ومثَّل بمن صار في يده من المسلمين، وسمَل أعينهم، وقطع آذانهم، وآنافهم (١).
ذكر الخبر عن سبب فعل صاحب الروم بالمسلمين ما فعل من ذلك:
ذُكر أنّ السبب في ذلكَ كان ما لحق بابك من تضييق الأفشين عليه وإشرافه على الهلاك، وقهْر الأفشين إياه؛ فلما أشرف على الهلاك، وأيقن بالضَّعْفِ من نفسه عن حربه، كتب إلى ملك الروم توفيل بن ميخائيل بن جُورجس؛ يعلمه أن ملك العرب قد وجَّهَ عساكرهُ ومقاتلتهُ إليه حتى وجَّهَ خيَّاطه - يعني جعفر بن
стр. 5470
دينار - وطباخه - يعني إيتاخ - ولم يبقَ على بابهِ أحد؛ فإن أردتَ الخروجَ إليهِ فاعلم أنهُ ليس في وجهكَ أحدٌ يمنعُكَ؛ طمعًا منهُ بكتابهِ ذلكَ إليه في أن ملك الروم إن تحرك انكشف عنه بعض ما هو فيه بصرف المعتصم بعض مَنْ بإزائهِ من جيوشه إلى ملك الروم، واشتغاله به عنه.
فذكر أن توفيل خرج في مائة ألف - وقيل أكثر - فيهم من الجند نيِّف وسبعون ألفًا، وبقيَّتهم أتباع حتى صار إلى زِبَطرة، ومعه من المحمرة الذين كانوا خرجوا بالجبال فلحقوا بالروم حين قاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب جماعة رئيسهم بارسيس، وكان ملك الروم قد فرَض لهم، وزوجهم وصيرهم مقاتلة يستعينُ بهم في أهم أمورهِ إليه؛ فلما دخلَ ملكُ الرومِ زِبَطرة وقتل الرجال الذين فيها، وسبى الذراري والنساء التي فيها وأحرقها، بلغ النفير - فيما ذكر - إلى سامراء، وخرج أهل ثغور الشأم والجزيرة وأهل الجزيرة إلا من لم يكن عندهُ دابةٌ ولا سلاح واستعظم المعتصم ذلك.
فذكر أنه لما انتهى إليهِ الخبرُ بذلكَ صاحَ في قصره النفير، ثم ركب دابتهُ وسمَّطَ خلفهُ شكالا وسكة حديد وحقيبة، فلم يستقم له أن يخرج إلا بعد التعبية، فجلس - فيما ذكر - في دار العامة، وقد أحضر من أهل مدينة السلام قاضيها عبد الرحمن بن إسحاق وشعيب بن سهل، ومعهما ثلثمائة وثمانية وعشرون رجلًا من أهل العدالة، فأشهدهم على ما وقف من الضياع، فجعل ثلثًا لولدهِ، وثلثًا لله وثلثًا لمواليه. ثم عسكر بغربي دجلة؛ وذلكَ يوم الإثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى.
ووجه عُجيف بن عنبسة وعمرًا الفرغاني ومحمد كُوتة وجماعة من القُواد إلى زِبطرة إعانة لأهلها، فوجد ملك الروم قد انصرف إلى بلادهِ بعدما فعل ما قد ذكرناه، فوقفوا قليلًا؛ حتى تراجعَ الناسُ إلى قراهم، واطمأنُّوا، فلما ظفر المعتصم ببابك، قال: أيِّ بلاد الروم أمنعُ وأحصن؟ فقيل: عمُّورية، لم يعرض لها أحدٌ من المسلمين منذ كان الإسلام، وهي عين النصرانية وبُنكها، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية.
стр. 5471
ذكر الخبر عن فتح عمورية (١)
وفي هذه السنة شخص المعتصم غازيًا إلى بلاد الروم، وقيل كان شخوصهُ إليها من سامراء في سنة أربع وعشرين ومائتين - وقيل في سنة اثنتين وعشرين ومائتين - بعد قتلهِ بابك.
فذكر أنه تجهّز جهازًا لم يتجهز مثله قبله خليفة قطُّ من السلاح والعُدد والآلة وحياض الأدم والبِغال والرَّوايا والقِرَب وآلة الحديد والنفط، وجعل على مقدِّمتهِ أشناس، ويتلوه محمد بن إبراهيم، وعلى ميمنتهِ إيتاخ، وعلى ميسرتهِ جعفر بن دينار بن عبد الله الخياط، وعلى القلب عُجَيف بن عنبسة.
ولما دخل بلاد الروم أقام على نهر اللمِس وهو على سَلُوقية قريبًا من البحر، بينهُ وبين طرَسُوس مسيرة يوم، وعليه يكون الفداء إذا فُودِي بين المسلمين والروم، وأمضى المعتصم الأفشين خيذر بن كاوس إلى سَرُوج، وأمرهُ بالبروز منها والدخول من دربِ الحدَث، وسمَّى لهُ يومًا أمرهُ أن يكونَ دخولهُ فيه، وقدَّر لعسكرهِ وعسكر أشناس يومًا جعلهُ بينهُ وبين اليوم الذي يدخلُ فيه الأفشين، بقدر ما بين المسافتين إلى الموضع الذي رأى أن يجتمعَ العساكر فيه - وهو أنقِرة - ودبَّر النزول على أنقرة، فإذا فتحها اللهُ عليهِ صار إلى عمُّورية، إذ لم يكن شيء مما يقصد لهُ من بلاد الروم أعظم من هاتين المدينتين، ولا أحرى أن تجعل غايته التي يؤمّها.
وأمر المعتصم أشناس أن يدخل من درب طَرسُوس، وأمره بانتظاره
стр. 5472
بالصفصاف فكان شخوص أشناس يوم الأربعاء لثمانٍ بقينَ من رجب، وقدَّمَ المعتصم وصيفًا في إثر أشناس على مقدِّمات المعتصم، ورحل المعتصم يوم الجمعة لستٍّ بقينَ من رجب.
فلما صارَ أشناس بمرج الأُسقُف، ورد عليه كتاب المعتصم من المطامير يعلمهُ أن الملك بين يديه، وأنه يريد أن يجوز العساكرُ اللِمس، فيقف على المخاضة، فيكبسهم، ويأمره بالمقام بمرج الأسقُف - وكان جعفر بن دينار على ساقة المعتصم - وأعلم المعتصم أشناس في كتابهِ أن ينتظر موافاة الساقة، لأن فيها الأثقال والمجانيق والزَّاد وغير ذلك؛ وكانَ ذلكَ بعد في مضيق الدرب لم يخلُص، ويأمرهُ بالمقامِ إلى أن يتخلص صاحب الساقة من مضيق الدَّرب بمن معه، ويُصحر حتى يصير في بلاد الروم.
فأقام اشناس بمرج الأسقف ثلاثة أيام؛ حتى ورد كتاب المعتصم، يأمرهُ أن يوجِّهَ قائدًا من قُواده في سرية يلتمسون رجلًا من الروم، يسألونهُ عن خبر الملك ومَنْ معهُ، فوجَّهَ أشناس عمرًا الفرغانيِّ في مائتي فارس، فسارَوا ليلتهم حتى أتوا حصن قرَّة فخرجوا يلتمسون رجلًا من حَوْلِ الحصن؛ فلم يمكن ذلكَ، ونذر بهم صاحب قُرة، فخرج في جميع فرسانه الذين كانوا معهُ بالقُرَّة، وكمن في الجبل الذي فيما بين درَّة ودُرَّة؛ وهو جبل كبير يحيط برستاق يسمى رستاق قُرَّة، وعلم عمرو الفرغاني أن أصحاب قُرَّة قد نذر بهم، فتقدَّمَ إلى دُرَّة، فكمن بها ليلته؛ فلما انفجرَ عمود الصبح صيَّرَ عسكرهُ ثلاثة كراديس، وأمرهم أن يركُضوا ركضًا سريعًا، بقدر ما يأتونهُ بأسير عنده خبر الملك، ووعدهم أن يوافوه به في بعض المواضع التي عرفها الأدلَّاء، ووجَّهَ مع كل كُردوسٍ دليلين.
وخرجوا مع الصبح، فتفرقوا في ثلاثة وجوه؛ فأخذوا عدَّة من الروم؛ بعضهم من أهل عسكر الملك، وبعضهم من الضواحي، وأخذ عمرو رجلًا من الروم من فرسان أهل القرَّة، فسألهُ عن الخبر؛ فأخبره أن الملك وعسكره بالقرب منه وراء اللمس بأربعة فراسخ، وأنَّ صاحب قُرَّة نذر بهم في ليلتهم هذه، وأنه ركب فكمن في هذا الجبل فوق رؤوسهم؛ فلم يزل عمرو في الموضع الذي كانَ وعد فيهِ أصحابه، وأمر الأدلاء معهُ أن يتفرَّقوا في رؤوس الجبال، وأن يشرفوا على الكراديس الذين وجَّههم إشفاقًا أَنْ يخالفهم صاحب قُرة إلى أحد
стр. 5473
الكراديس، فرآهم الأدلاءُ، ولوحوا لهم، فأقبلوا فتوافوا هم وعمرو في موضع غير الموضع الذي كانوا اتَّعدوا له، ثم نزلوا قليلًا، ثم ارتحلوا يريدون العسكر، وقد أخذوا عدَّة ممن كان في عسكر الملك، فصاروا إلى أشناس في اللَّمس، فسألهم عن الخبر، فأخبروه أن الملك مقيم منذ أكثر من ثلاثين يومًا ينتظرُ عُبور المعتصم ومقدَّمته باللَّمس؛ فيواقعهم من وراء اللَّمس، وأنه جاءه الخبر قريبًا؛ أنه قد رحل من ناحية الأرمنياق عسكرٌ ضخم، وتوسط البلاد - يعني عسكر الأفشين - وأنه قد صار خلفه.
فأمرَ الملك رجلًا من أهل بيته ابن خاله، فاستخلفه على عسكره، وخرجَ ملكُ الروم في طائفةٍ من عسكرهِ يريدُ ناحية الأفشين، فوجَّهَ أشناس بذلك الرجل الذي أخبره بهذا الخبر إلى المعتصم فأخبره الخبر، فوجه المعتصم من عسكره قومًا من الأدلَّاء، وضمن لهم لكل رجلٍ منهم عشرة آلاف درهم، على أن يوافُوا بكتابه الأفشين، وأعلمهُ فيه أنَّ أمير المؤمنين مقيمٌ، فليقم إشفاقًا من أن يواقعه ملكُ الروم. وكتبَ إلى أشناس كتابًا يأمرهُ أن يوجه من قِبَله رسولًا من الأدلاء الذين يعرفون الجبال والطرق والمشبهة بالرُّوم، وضمِنَ لكلِّ رجلٍ منهم عشرة آلاف درهم إن هو أوصل الكتاب، ويكتب إليهِ أن ملك الروم قد أقبل نحوهُ فليُقم مكانهُ حتى يوافيَهُ كتاب أمير المؤمنين.
فتوجَّهت الرسل إلى ناحية الأفشين، فلم يلحقه أحد منهم؛ وذلكَ أنه كان وغل في بلاد الروم، وتوافت آلات المعتصم وأثقالهُ مع صاحب الساقة إلى العسكر، فكتب إلى أشناس يأمرهُ بالتقدُّم؛ فتقدَّمَ أشناس والمعتصم من ورائه، بينهم مرحلة ينزلُ هذا ويرحل هذا. ولم يرد عليهم من الأفشين خبر؛ حتى صاروا من أنقرة على مسيرة ثلاثة مراحل؛ وضاق عسكر المعتصم ضيقًا شديدًا من الماء والعَلَف.
وكانَ أشناس قد أسرَ عدَّةَ أسرى في طريقهِ، فأمر بهم فضُربت أعناقهم حتى بقي منهم شيخٌ كبير؛ فقال الشيخ: ما تنتفع بقتلي، وأنت في هذا الضيق، وعسكركَ أيضًا في ضيقٍ من الماءِ والزاد، وها هنا قوم قد هربوا من أَنقرة خوفًا من أن ينزل بهم ملك العرب؛ وهم بالقرب منا ها هنا، معهم من الميرة والطعام، والشعير شيءٌ كثير، فوجِّهْ معي قومًا لأدفعهم إليهم، وخلِّ سبيلي! .
стр. 5474
فنادى منادي أشناس: مَنْ كان بهِ نشاط فليركب، فركب معهُ قريب من خمسمائة فارس؛ فخرجَ أشناس حتى صار من العسكر على ميل، وبرز معه مَنْ نشطَ من الناس، ثم برز فضرب دابته بالسوط، فركض قريبًا من ميلين ركضًا شديدًا، ثم وقف ينظر إلى أصحابهِ خَلفه، فمَنْ لم يلحق بالكُردوس لضعف دابتهِ ردَّهُ إلى العسكر، ودفعَ الرجل الأسير إلى مالك بن كَيدر، وقال له: متى ما أراكَ هذا سَبْيًا وغنيمةً كثيرة فخلِّ سبيله على ما ضِمِنَّا له. فسار بهم الشيخ إلى وقت العتمة، فأوردهم على وادٍ وحشيش كثير، فأمرج الناس دوابَّهم في الحشيش حتى شبعت، وتعشى الناسُ وشربوا حتى رَووا، ثم سارَ بهم حتى أخرجهم من الغَيضةِ، وسار أشناسُ مِنْ موضعهِ الذي كانَ بهِ متوجِّهًا إلى أنقرة.
وأمر مالك بن كيدر والأدلَّاء الذين معه أن يوافُوه بأنقرة، فسار بهم الشيخ العِلج بقية ليلتهم يدُورُ بهم في جبل ليسَ يخرجهم منه، فقال الأدلاءُ لمالك بن كيدر: هذا الرجلُ يدورُ بنا، فسألهُ مالك عما ذكر الأدلَّاء، فقال: صدقوا؛ القوم الذين تريدهم خارج الجبل، وأخافُ أن أخرج من الجبل بالليل فيسمعوا صوتَ حوافر الخيل على الصخر؛ فيهربوا، فإذا خرجنا من الجبل ولم نرَ أحدًا قتلني، ولكن أدور بكَ في هذا الجبل إلى الصبح؛ فإذا أصبحنا خرجنا إليهم، فأريتُكَ إياهم حتى آمن ألَّا تقتلني. فقال لهُ مالك: ويحك! فأنزلنا في هذا الجبل حتى نستريح، فقال: رأيك؛ فنزلَ مالك ونزل الناس على الصخرة، وأمسكوا لُجم دوابهم حتى انفجر الصبح؛ فلما طلعَ الفجر قال: وجهوا رجلين يصعدان هذا الجبل؛ فينظران ما فوقه، فيأخذان من أدركا فيهِ، فصعد أربعةٌ من الرجال فأصابوا رجلًا وامرأةً؛ فأنزلوهما فسألَهُما العِلج: أين باتَ أهلُ أنقرة؟ فسمُّوا لهم الموضع الذي باتوا فيهِ، فقال لمالك: خلِّ عن هذين؛ فإنا قد أعطيناهما الأمان حتى دلونا، فخلَّى مالك عنهما، ثم سار بهم العلج إلى الموضع الذي سمَّاهُ لهم، فأشرف بهم على العسكر عسكر أهل أنقرة، وهم في طرف ملَّاحة، فلما رأوا العسكر صاحوا بالنساء والصبيان، فدخلوا الملَّاحة، ووقفوا لهم على طرف الملَّاحة يقاتلون بالقَنا، ولم يكن موضع حجارة ولا موضع خيل، وأخذوا منهم عدة أسرى، وأصابوا في الأسرى عدَّة بهم جراحات عُتق من جراحات متقدمة، فسألوهم عن تلك الجِراحات، فقالوا: كنا في وقعة الملك مع
стр. 5475
الأفشين، فقالوا لهم: حدِّثونا بالقضية فأخبروهم أنَّ الملكَ كان معسكرًا على أربعة فراسخ من اللَّمس؛ حتى جاءه رسول، أن عسكرًا ضخمًا قد دخل من ناحية الأرمنياق، فاستخلف على عسكره رجلًا من أهل بيتهِ، وأمرهُ بالمقام في موضعهِ؛ فإن ورد عليه مقدِّمةُ ملك العرب، واقعه إلى أن يذهب هو فيواقع العسكر الذي دخل الأرمنياق يعني عسكر الأفشين - فقال أميرهم: نعم؛ وكنت ممن سار مع الملك، فواقعناهم صلاة الغداة فهزمناهم؛ وقملنا رجَّالتهم كلَّهم، وتقطعت عساكرنا في طلبهم، فلما كان الظهر رجع فرسانهم، فقاتلونا قتالًا شديدًا حتى حرَّقوا عسكرنا، واختلطوا بنا واختلطنا بهم؛ فلم ندرِ في أيِّ كُردوسٍ الملك! فلم نزل كذلكَ إلى وقتِ العصر، ثم رجعنا إلى موضع عسكر الملك الذي كنا فيه فلم نصادفه، فرجعنا إلى موضع معسكر الملك الذي خلَّفهُ على اللَّمس، فوجدنا العسكرَ قد انتقض، وانصرفَ الناس عن الرجل قرابة الملك الذي كانَ الملك استخلفهُ على العسكر؛ فأقمنا على ذلكَ! ليلتنا؛ فلمَّا كانَ الغدُ، وافانا الملكُ في جماعة يسيرة، فوجد عسكرهُ قد اختلَّ، وأخذ الذي استخلفهُ على العسكر، فضرب عنقه، وكتب إلى المدن والحصون ألَّا يأخذوا رجلًا ممن انصرف من عسكر الملك إلا ضربوه بالسياط، أو يرجع إلى موضع سماهُ لهم الملك انحاز إليهِ ليجتمعَ إليهِ الناسُ، ويعسكر بهِ، ليناهضَ ملك العرب؛ ووجَّهَ خادمًا له خصيًا إلى أنقرة على أن يقيمَ بها، ويحفظ أهلها إن نزل بها ملك العرب.
قال الأسير: فجاء الخصي إلى أنقرة وجئنا معهُ، فإذا أنقرةَ قد عطَّلها أهلها، وهربوا منها، فكتب الخصي إلى ملكِ الروم يعلمهُ ذلك، فكتبَ إليه الملك يأمره بالمسير إلى عَمورية.
قال: وسألتُ عن الموضع الذي قصد إليه أهلها يعني أهل أنقرة - فقالوا لي: إنهم بالملَّاحة فلحقنا بهم.
قال مالك بن كيدر: فدعوا الناس كلهم، خذوا ما أخذتم، ودعوا الباقي، فتركَ الناس السبي والمقاتلة وانصرفوا راجعين، يريدون عسكر أشناس، وساقوا في طريقهم غنمًا كثيرًا وبقرًا، أطلق ذلكَ الشيخ الأسيرَ مالك، وسار إلى عسكر أشناس بالأسرى؛ حتى لحق بأنقرة، فمكث أشناس يومًا واحدًا، ثم لحقه المعتصم من غد، فأخبرهُ بالذي أخبره به الأسير، فسُرَّ المعتصم بذلك. فلمَّا كانَ
стр. 5476
اليوم الثالث جاءت البُشرى من ناحية الأفشين يخبرون بالسلامة، وأنه وارد على أمير المؤمنين بأنقرة.
قال: ثم ورد على المعتصم الأفشين بعد ذلكَ اليوم بيوم بأنقرة، فأقاموا بها أيامًا، ثم صيَّرَ العسكرَ ثلاثة عساكر: عسكر فيه أشناس في الميسرة، والمعتصم في القلب، والأفشين في الميمنة؛ وبين كل عسكر وعسكر فرسخان، وأمر كل عسكر منهم أن يكونوا له ميمنة وميسرة، وأن يحرقوا القرى ويخربوها، ويأخذوا من لحقوا فيها من السَّبي، وإذا كان وقت النزول توافَى كلُّ أهل عسكر إلى صاحبهم ورئيسهم، يفعلون ذلكَ فيما بينَ أنقرةَ إلى عَموريَّة؛ وبينهما سبع مراحل؛ حتى توافت العساكر بعمُّورية.
قال: فلما توافت العساكر بعمُّورية، كان أوَّل مَنْ وردها أشناس وردَها يوم الخميس ضَحوة، فدار حولها دَورة، ثم نزل على ميلين منها بموضع فيهِ ماء وحشيش؛ فلما طلعت الشمسُ من الغد، ركبَ المعتصم، فدار حولها دورة، ثم جاء الأفشين في اليوم الثالث، فقسمها أميرُ المؤمنين بين القوَّاد كما تدور؛ صيَّرَ إلى كل واحدٍ منهم أبراجًا منها على قدر كثرة أصحابه وقلَّتهم، وصار لكلِّ قائد منهم ما بين البرجين إلى عشرين برجًا وتحصَّنَ أهلُ عمُّورية وتحرَّزوا.
وكان رجلٌ من المسلمين قد أسرهُ أهل عمُّورية، فتنصر وتزوجَ فيهم فحبس نفسه عند دخولهم الحصن، فلمَّا رأى أميرَ المؤمنين ظهر وصار إلى المسلمين، وجاء إلى المعتصم، وأعلمه أن موضعًا من المدينة حمل الوادي عليه من مطر جاءهم شديد، فحمل الماء عليه، فوقع السور من ذلكَ الموضع، فكتب ملك الروم إلى عامل عَمورية أن يبني ذلكَ الموضع، فتوانى في بنائهِ حتى كان خروج الملك من القسطنطينية إلى بعض المواضعِ، فتخوفَ الوالي أن يمرَّ الملك على تلك الناحية فيمرَّ بالسور فلا يراه يُبنى، فوَجَّه خلف الصنَّاع فبنى وجه السور بالحجارةِ حجرًا حجرًا، وسيرَ وراءه من جانب المدينةِ حشوًا، ثم عقد فوقه الشُّرَف كما كانَ، فوقَّفَ ذلكَ الرجلُ المعتصِمَ على هذه الناحية التي وصف، فأمر المعتصم فضرب مضربه في ذلكَ الموضع، ونصب المجانيق على ذلكَ البناء، فانفرج السور من ذلك الموضع، فلما رأى أهل عموريَّة انفراج السور، علَّقوا عليه الخشب الكبار، كل واحد بلزق الأخرى؛ فكانَ حجر المجنيق إذا
стр. 5477
وقع على الخشب تكسر، فعلَّقوا خشبًا غيره، وصيَّروا فوقَ الخشب البراذع ليترِّسوا السور.
فلما ألحَّت المجانيق على ذلك الموضع، انصدع السور، فكتب ياطس والخصيُّ إلى ملك الروم، كتابًا يعلمانه أمر السور، وجَّها الكتاب مع رجل فصيح بالعربية وغلام رومي، وأخرجاهما من الفصيل، فعبرا الخندق، ووقعا إلى ناحية أبناء الملوك المضمومين إلى عمرو الفرغاني، فلمَّا خرجا من الخندق أنكروهما، فسألوهما: من أين أنتما: قالا لهم: نحن من أصحابكم، قالوا: من أصحاب مَنْ أنتم؟ فلم يعرفا أحدًا من قوَّادِ العسكر يسميانه لهم، فأنكروهما، وجاءوا بهما إلى عمرو الفرغاني بن أربخا، فوجَّهَ بهما عمرو إلى أشناس، فوجَّهَ بهما أشناس إلى المعتصم، فسألهما المعتصم وفتَّشهما، فوجد معهما كتابًا من ياطس إلى ملك الروم، يعلمه فيهِ أن العسكر قد أحاطَ بالمدينةِ في جَمعٍ كثير، وقد ضاق بهم الموضع. وقد كان دخولهُ ذلكَ الموضع خطأ - وأنه قد اعتزم على أن يركب، ويحمل خاصة أصحابهِ على الدواب التي في الحصن، ويفتح الأبواب ليلًا غفلة، ويخرج فيحمل على العسكر كائنًا فيهِ ما كان؛ أفلت فيه من أفلت، وأصيبَ فيهِ مَن أصيب، حتى يتخلَّص من الحصار، ويصير إلى الملك.
فلما قرأ المعتصم الكتاب أمر للرجل الذي يتكلم منهما بالعربية والغلام الرومي الذي معهُ ببدرة، فأسلما وخلع عليهما، وأمر بهما حين طلعت الشمس فأداروهما حول عَمورية، فقالا: ياطس يكون في هذا البرج، فأمر بهما فوقفا بحذاء البرج الذي فيهِ ياطس طويلًا، وبين أيديهما رجلان يحملان لهما الدراهم وعليهما الخلع، ومعهما الكتاب حتى فهمهما ياطس وجميع الروم، وشتَّموهما من فوق السور، ثم أمر بهما المعتصم فنحَّوهما، وأمر المعتصم أن يكون الحراسة بينهم نوائب؛ في كلِّ ليلة يحضرها الفرسان، يبيتون على دوابهم بالسلاح وهم وقوف عليها؛ لئلا يُفتح الباب ليلًا، فيخرج من عَمُّورَية إنسان، فلم يزل الناس يبيتون كذلكَ نوائب على ظهور الدوَّابِ في السلاح ودوابهم بسروجها، حتى انهدمَ السُّور ما بين بُرجين من الموضع الذي وصف للمعتصم أنه لم يحكم عمله.
وسمع أهل العسكر الوجبة فتشوَّفوا، وظنُّوا أن العدوَّ قد خرج على بعض
стр. 5478
الكراديس حتى أرسل المعتصم مَنْ طافَ على الناس في العسكر يعلمهم أن ذلكَ صوت السور وقد سقط، فطِيبُوا نفسًا.
وكان المعتصم حين نزل عَمُّورية ونظر إلى سعة خندقها وطول سورها؛ وكان قد استاق في طريقه غنمًا كثيرة، فدبَّرَ في ذلكَ أن يتَّخذ مجانيق كبارًا على قدر ارتفاع السور، يسع كلُّ مِنجنيق منها أربعة رجال، وعملها أوثق ما يكون وأحكمه، وجعلها على كراسي تحتها عجل، ودبَّرَ في ذلكَ أن يدفع الغنم إلى أهل العسكر إلى كلِّ رجل شاة، فيأكل لحمها، ويحشو جلدها ترابًا ثم يؤتى بالجلودِ مملوءة ترابًا، حتى تطرح في الخندق.
ففعل ذلكَ بالخندق، وعمِل دبَّابات كبارًا تسع كل دبابة عشرة رجال، وأحكمها على أن يُدَحرجها على الجلود المملوءة ترابًا حتى يمتلئ الخندق؛ ففعل ذلكَ، وطُرحت الجلود فلم تقع الجلود؛ مستوية منضدَّة خوفًا منهم من ججارة الروم، فوقعت مختلفة؛ ولم يمكن تسويتها، فأمر أن يطرح فوقها التراب حتى استوت، ثم قدّمت دبَّابة فدحرجها، فلما صارت من الخندق في نصفه تعلقت بتلك الجلود، وبقي القومُ فيها؛ فما تخلَّصوا منها إلا بعد جهد. ثم مكثت تلك العجلة مقيمة هناك، لم يمكن فيها حيلة حتى فتحت عَمُّورية، وبطلت الدبابات والمنجنيقات والسلاليم وغير ذلك؛ حتى أحرقت.
فلما كان من الغد قاتلهم على الثُّلمة؛ وكان أوَّلُ من بدأ بالحرب أشناس وأصحابه، وكان الموضع ضَيِّقًا، فلم يمكنهم الحرب فيه؛ فأمر المعتصم بالمنجنيقات الكبار التي كانت متفرِّقة حول السور، فجمع بعضها إلى بعض، وصيرها حول الثلمة، وأمر أن يُرمَى ذلكَ الموضع؛ وكانت الحربُ في اليوم الثاني على الأفشين وأصحابه، فأجادوا الحرب وتقدَّموا. وكانَ المعتصم واقفًا على دابتهِ بإزاء الثلمةِ وأشناس وأفشين وخواصِّ القواد معهم وكان باقي القواد الذين دون الخاصَّةِ وقوفًا رجَّالة، فقال المعتصم: ما كان أحسن الحرب اليوم! فقال عمرو الفرغاني: الحرب اليوم أجودُ منها أمس، وسمعها أشناس فأمسك؛ فلما انتصفَ النهار، وانصرف المعتصم إلى مضربه، فتغدَّى وانصرف القوادُ إلى مضاربهم يتغدون، وقرب أشناس من باب مضربه، ترجَّل له القواد كما كانوا يفعلون؛ وفيهم عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام، فمشوا بين يديه
стр. 5479
كعادتهم، عند مَضربه، فقال لهم أشناس: يا أولاد الزنا، أيْشٍ تمشون بين يدي! كان ينبغي أن تقاتلوا أمس حيث تقفون بين يدي أمير المؤمنين، فتقولون: إن الحرب اليوم أحسن منها أمس؛ كان أمس يقاتل غيركم. انصرفوا إلى مضاربكم.
فلما انصرف عمرو الفرغاني وأحمد بن الخليل بن هشام، قال أحدهما للآخر: أما ترى هذا العبد ابن الفاعلة - يعني أشناس - ما صنع بنا اليوم! أليسَ الدخولُ إلى بلاد الرومِ أهونَ من الذي سمعناهُ اليوم! فقال عمرو الفرغاني لأحمد بن الخليل - وكان عند عمرو خبر -: يا أبا العباس سيكفيكَ اللهُ أمره، عن قريبٍ أبشر، فأوهم أحمدَ أن عندهُ خبرًا، فألَّح عليه أحمد يسألهُ؛ فأخبره بما هم فيه؛ وقال: إن العباس بن المأمون قد تمَّ أمرُه، وسنبايعُ له ظاهرًا، نقتل المعتصم وأشناس وغيرهما من قريب. ثم قال له: أشير عليك أن تأتيَ العباس، فتقدم فتكونُ في عداد من مال إليه. فقال له أحمد: هذا أمر لا أحسبهُ يتم، فقال له عمرو: قد تمَّ وفرغ، وأرشده إلى الحارث السمرقندي - قرابة سلمة بن عبيد الله بن الوضاح، وكان المتولِّي لإيصال الرجال إلى العباس وأخذ البيعة عليهم - فقال له عمرو: أنا أجمع بينك وبين الحارث حتى تصير في عداد أصحابنا، فقال لهُ أحمد: أنا معكم إن كان هذا الأمرُ يتم فيما بيننا وبين عشرة أيام، وإن جاوزَ ذلكَ فليس بيني وبينكم عمل؛ فذهبَ الحارث، فلقي العباس فأخبره أن عمرًا قد ذكره لأحمد بن الخليل فقال له: ما كنت أحب أن يطَّلع الخليل على شيءٍ من أمرنا؛ أمسكوا عنه؛ ولا تشركوه في شيء من أمركم، دعوه بينهما، فأمسكوا عنه.
فلما كان في اليوم الثالث كانت الحرب على أصحاب أمير المؤمنين خاصَّة، ومعهم المغاربة والأتراك، والقيّم بذلكَ إيتاخ، فقاتلوا وأحسنوا واتسع لهم الموضع المنثلم؛ فلم تزل الحرب كذلك حتى كثرت في الروم الجراحات.
وكان قوَّادُ ملك الروم عند ما نزلَ بهم عسكر المعتصم اقتسموا البروج؛ لكل قائد وأصحابه عدَّة أبرجة؛ وكان الموكَّل بالموضع الذي انثلمَ من السور رجلًا من قوَّادِ الروم يقالُ لهُ وندوا، وتفسيره بالعربية "ثَور" فقاتل الرَّجُلُ وأصحابه قتالًا شديدًا بالليل والنهار والحرب عليه وعلى أصحابهِ، لم يمدَّهُ ياطس ولا غيره
стр. 5480
بأحد من الرُّوم؛ فلما كان بالليل مضى القائد الموكل بالثلمة إلى الرُّومِ، فقال: إنَّ الحربَ عليَّ وعلى أصحابي، ولم يبقَ معي أحدٌ إلَّا قد جُرح؛ فصيِّرُوا أصحابكم على الثلمة يرمون قليلا؛ وإلا افتضحتم وذهبت المدينة. فأبوا أن يمدُّوه بأحد، فقالوا: سلِم السور من ناحيتنا، وليسَ نسألكَ أن تمدَّنا؛ فشأنَك وناحيتَك؛ فليس لك عندنا مدد. فاعتزمَ هُوَ وأصحابهُ أن يخرجوا إلى أميرِ المؤمنين المعتصم ويسألوه الأمان، على الذُّرَّية، ويسلِّموا إليه الحصن بما فيه من الخُرثي والمتاع والسلاح وغير ذلك.
فلما أصبح وكَّلَ أصحابه بجنبي الثلمة؛ وخرج فقال: إني أُريد أمير المؤمنين؛ وأمر أصحابه ألا يحاربوا حتى يعود إليهم؛ فخرج حتى وصل إلى المعتصم؛ فصار بين يديه، والناسُ يتقدمون إلى الثلمة؛ وقد أمسكَ الرُّوم عن الحرب، حتى وصلوا إلى السور والروم يقولون بأيديهم: لا تَحيَوا، وهم يتقدمون، ووندوا بين يدي المعتصم جالس؛ فدعا المعتصم بفرس فحملهُ عليه، وقابل حتى صار الناس معهم على حرف الثلمة، وعبد الوهاب بن علي بين يدي المعتصم، فأومأ إلى الناس بيده: أن ادخلوا، فدخلَ الناس المدينة، فالتفتَ وندوا، وضرب بيدهِ إلى لحيته، فقال له المعتصم: ما لك؟ قال: جئتُ أريدُ أن أسمعَ كلامكَ وتسمعَ كلامي، فغدرتَ بي؛ فقال المعتصم: كلُّ شيء تريدُ أن تقولهُ فهو لك عليَّ، قُل ما شئتَ؛ فإني لست أخالفك. قال: أيشٍ لا تخالفني وقد دخلوا المدينة! فقال المعتصم: اضرب بيدكَ إلى ما شئتَ فهو لك، وقل ما شئتَ فإني أعطيكه. فوقف في مضرب المعتصم. وكان ياطس في برجه الذي هو فيهِ وحولهُ جماعة من الروم مجتمعين، وصارت طائفة منهم إلى كنيسة كبيرة في زاوية عمُّورية؛ فقاتلوا قتالًا شديدًا، فأحرق الناسُ الكنيسة عليهم فاحترقوا عن آخرهم، وبقي ياطس في بُرجهِ حوله أصحابه، وباقي الروم وقد أخذتهم السيوف؛ فبين مقتولٍ ومجروح؛ فركب المعتصم عند ذلكَ حتى جاء فوقف حذاء ياطس، وكان مما يلي عسكر أشناس، فصاحوا: يا ياطس، هذا أمير المؤمنين؛ فصاحَ الرُّوم من فوق البرج: ليس ياطس ها هنا، قالوا: بلى، قولوا لهُ: إنَّ أمير المؤمنين واقف، فقالوا: ليس ياطس ها هنا فمرَّ أميرُ المؤمنين مغضبًا، فلما جاوز صاح الرُّومُ: هذا ياطس، هذا ياطس! فرجع المعتصم إلى
стр. 5481
حيال البُرج حتى وقفَ؛ ثم أمر بتلكَ السلاليم التي هُيئت، فحمل سُلَّم منها، فوضعَ علىَ البُرج الذي هو فيه، وصعِدَ عليه الحسن الرُّومي - غلامُ لأبي سعيد محمد بن يوسف - وكلَّمَه ياطس، فقال: هذا أمير المؤمنين، فانزل على حكمه؛ فنزلَ الحسن، فأخبر المعتصم أنه قد رآه وكلَّمه، فقال المعتصم: قل له فلينزل؛ فصعد الحسن ثانية، فخرج ياطس من البُرجِ مُتقلِّدًا سيفًا حتى وقف على البُرج والمعتصم ينظرُ إليه، فخلع سيفهُ من عُنقه، فدفعهُ إلى الحسن، ثم نزل ياطس، فوقف بين يدي المعتصم، فقنَّعه سوطًا، وانصرف المعتصم إلى مَضْربه، وقال: هاتوه، فمشى قليلًا، ثم جاءه رسول المعتصم، أن احملوه، فحملوه، فذُهب به إلى مضرب أمير المؤمنين.
ثم أقبل الناسُ بالأسرى والسَّبي من كلِّ وجه حتى امتلأَ العسكر؛ فأمر المعتصم بسَيل الترجمان أن يميز الأسرى، فيعزل منهم أهل الشرف والقدر من الروم في ناحية، ويعزل الباقين في ناحية؛ ففعل ذلكَ بسيل، ثم أمر المعتصم فوكّل بالمقاسم قوَّادهُ، ووكل أشناس بما يخرج من ناحيته، وأمره أن ينادي عليه، ووكَّلَ الأفشينُ بما يخرج من ناحيته، وأمره أن ينادي عليه، ووكل الأفشين بما يخرج من ناحيته وأمره أن ينادي ويبيع، وأمر إيتاخ بناحيته مثل ذلك، وجعفرًا الخياط بمثل ذلك في ناحيته ووكَّل مع كَّل قائد من هؤلاء رجلًا من قِبَل أحمد بن أبي دواد يحصِي عليهِ، فبيعت المقاسم في خمسة أيامٍ، بيعَ منها ما استباع، وأمر بالباقي فضُرِبَ بالنار، وارتحل المعتصم منصرفًا إلى أرض طَرسُوس.
ولما كان يوم إيتاخ قبل أن يرتحل المعتصم منصرفًا، وثب الناس على المغنم الذي كانَ إيتاخ على بيعهِ، وهو اليومُ الذي كان عُجيفُ وعدَ الناسَ فيه أن يثب بالمعتصم، فركب المعتصم بنفسه ركضًا، وسلَّ سيفه، فتنحَّى الناس عنه من بين يديه، وكَفُّوا عن انتهاب المغنم، فرجع إلى مضربهِ؛ فلما كان من الغد أمر ألا ينادى على السَّبي إلا ثلاثة أصوات، ليتروَّجَ البيع؛ فمن زاد بعد ثلاثة أصوات، وإلَّا بيع العلق؛ فكانَ يفعل ذلكَ في اليوم الخامس؛ فكان ينادي على الرقيق خمسة خمسة، وعشرة عشرة، والمتاعُ الكثير جملة واحدة.
قال: وكان ملك الرومِ قد وجَّهَ رسولًا في أول ما نزل المعتصم على عَمُّورية
стр. 5482
فأمر به المعتصم فأنزل على موضع الماء الذي كانَ الناسُ يستقونَ مِنه؛ وكانَ بينهُ وبين عَمُّورية ثلاثة أميال، ولم يأذن لهُ في المصير إليهِ حتى فتحَ عَمورية، فلما فتحها أذن له في الانصراف إلى ملك الروم، فانصرف وانصرف المعتصم يريد الثغور؛ وذلكَ أنه بلغه أن ملك الروم يريد الخروج في أثره، أو يريد التعبث بالعسكر؛ فمضى في طريق الجادَّة مرحلة، ثم رجع إلى عمُّورية، وأمر الناسَ بالرجوعِ، ثم عدل عن طريق الجادةِ إلى طريق وادي الجَوْر.
ففرق الأسرى على القواد، ودفع إلى كل قائد من القواد طائفة منهم يحفظهم، ففرقهم القواد على أصحابهم؛ فساروا في طريق نحوًا من أربعين ميلا؛ ليس فيه ماء؛ فكان كل من امتنع من الأسرى أن يمشي معهم لشدة العطش الذي أصابهم ضربوا عنقه؛ فدخل الناس في البرية في طريق وادي الجور فأصابهم العطش، فتساقط الناس والدواب وقتل بعض الأسرى بعض الجند وخرب.
وكان المعتصم قد تقدم العسكر، فاستقبل الناس، ومعه الماء قد حمله من الموضع الذي نزله، وهلك الناس في الوادي من العطش، وقال الناس للمعتصم: إن هؤلاء الأسرى قد قتلوا بعض جندنا، فأمر عند ذلك بسيل الرومي بتمييز من له القدر منهم، فعزلوا ناحية، ثم أمر بالباقين فأصعدوا إلى الجبال، وأنزلوا إلى الأودية فضربت أعناقهم جميعًا، وهم مقدار ستة آلاف رجل؛ قتلوا في موضعين بوادي الجور وموضع آخر.
ورحل المعتصم من ذلك الموضع يريد الثغر حتى دخل طرسوس، وكان قد نصب له الحياض من الأدم حول العسكر من الماء إلى العسكر بعمورية والحياض مملوءة، والناس يشربون منها لا يتعبون في طلب الماء وقد كانت الوقعة التي وقعت بين الأفشين وملك الروم فيما ذكر يوم الخميس لخمس بقين من شعبان وكانت إناخة المعتصم على عمورية يوم الجمعة لست خلون من شهر رمضان وقفل بعد خمسة وخمسين يومًا.
وقال الحسن بن الضحاك الباهلي يمدح الأفشين، ويذكر وقعته التي كانت بينه وبين ملك الروم:
أَثبتَ المَعْصومُ عزًّا لأَبي ... حَسَنٍ أَثبَتَ من رُكن إضم
كلُّ مجد دُونَ ما أَثَّلهُ ... لبَنِي كاوُسَ أَملاكِ العَجَمْ
стр. 5483
إنما الأفشينُ سيْفُ سلَّهُ ... قَدَرُ اللهِ بكَفِّ المُعتصمْ
لم يَدَعْ بالبَذِّ من ساكِنه ... غير أمثال كأَمثال إرَمْ
ثم أَهْدى سَلَمًا بابِكَهُ ... رَهْن حجليْنِ نجيًّا للندَمْ
وقَرَا تَوْفيلَ طَعنًا صادقًا ... فضَّ جمْعَيْهِ جميعًا وهَزَمْ
قُتِلَ الأَكثرُ منهم ونجا ... من نجا لحْمًا على ظَهْرِ وضَمْ
[ذكر خبر المعتصم مع العباس بن المأمون]
وفي هذه السنة حبس المعتصم العباس بن المأمون وأمر بلعنه (١).
ذكر الخبر عن سبب فعله ذلك:
ذُكِر أنّ السبب كان في ذلك أن عُجيف بن عنبسة حين وجّهه المعتصم إلى بلاد الروم، لمّا كان من أمر ملك الروم بِزبَطْرَة مع عمرو بن أربخا الفرغانيِّ ومحمد كوته، لم يطلق يد عُجيف في النفقات كما أطلقت يد الأفشين، واستقصر المعتصم أمر عُجيف وأفعاله، واستبان ذلك لعُجيف، فوبّخ عُجيف العباس على ما تقدّم من فعله عند وفاة المأمون حين بايع أبا إسحاق وعلى تفريطه فيما فعل، وشجّعه على أن يتلافَى ما كان منه.
فقبل العباس ذلك، ودسّ رجلًا يقال له الحارث السمرقنديّ قرابة عبيد الله بن الوضّاح - وكان العباس يأنس به، وكان الحارث رجلًا أديبًا له عقل ومداراة - فصيّره العباس رسوله وسفيره إلى القوّاد، فكان يدور في العسكر حتى تألّف له جماعة من القواد، وبايعوه وبايعه منهم خواصّ، وسمّى لكل رجل من قُوّاد المعتصم رجلًا من ثقات أصحابه ممن بايعه، ووكله بذلك، وقال: إذا أمرنا بذلك؛ فليثب كلّ رجل منكم على من ضمنَّاه أن يقتله، فضمنوا له ذلك، فكان يقول للرجل ممن بايعه: عليك يا فلان أن تقتُل فلانًا، فيقول: نعم، فوكل مَنْ بايعه من خاصّة المعتصم بالمعتصم ومن خاصة الأفشين بالأفشين، ومن خاصّة أشناس بأشناس؛ ممن بايعه من الأتراك، فضمنوا ذلك جميعًا. فلما أرادوا أن
стр. 5484
يدخلوا الدّرب وهم يريدون أنقرة وعَمّوريَة، ودخل الأفشين من ناحية مَلَطْية، أشار عُجيف على العباس أن يثب على المعتصم في الدّرب وهو في قلة من الناس، وقد تقطعت عنه العساكر، فيقتله ويرجع إلى بغداد، فكان الناس يفرحون بانصرافهم من الغزو، فأبى العباس عليه، وقال: لا أفسد هذه الغزاة، حتى دخلوا بلاد الروم، وافتتحوا عَمّورية، فقال عُجيف للعباس: يا نائم، كم تنام! قد فتحت عَمُّوريّة، والرجل ممكن، دُسَّ قومًا ينتبهون هذا الخرثي، فإنه إذا بلغه ذلك ركب بسرعة، فتأمر بقتله هناك، فأبى عليه العباس، وقال: أنتظر حتى يصير إلى الدرب، فيخلو كما خلا في البدْأة؛ فهو أمكن منه هاهنا، وكان عُجيف قد أمر مَنْ ينتهب المتاع، فانتُهب بعص الخرْثيّ في عسكر إيتاخ.
فركب المعتصم وجاء ركضًا، فسكن الناس، ولم يطلق العباس أحدًا من أولئك الرجال الذين كان واعدهم، فلم يُحدثوا شيئًا، وكرهوا أن يفعلوا شيئًا بغير أمره.
وكان عمرو الفرغانيّ قد بلغه الخبر ذلك اليوم، ولعمرو الفرغانيّ قرابة، غلام أمرد في خاصة المعتصم، فجاء الغلام إلى ولد عمرو يشرب عندهم في تلك الليلة، فأخبرهم أن أمير المؤمنين ركب مستعجلًا، وأنه كان يعدو بين يديه، وقال: إنّ أمير المؤمنين قد غضب اليوم، فأمرني أن أسلّ سيفي، وقال: لا يستقبلك أحد إلا ضربتَه، فسمع عمرو ذلك من الغلام، فأشفق عليه أن يصاب فقال له: يا بني، أنت أحمق، أقلّ من الكينونة عند أمير المؤمنين بالليل، والزم خيمتك، فإن سمعت صحيةً مثل هذه الصيحة، أو شَغبًا أو شيئًا فلا تبرح من خيمتك؛ فإنك غلامِ غرّ؛ لست تعرف بعدُ العساكر، فعرف الغلام مقالَة عمرو.
وارتحل المعتصم من عَمّوريّة يريد الثغر ووجّه الأفشين ابن الأقطع في طريق خلاف طريق المعتصم، وأمره أن يغير على موضع سمّاه له، وأن يوافيه في بعض الطريق، فمضى ابن الأقطع، وتوجّه المعتصم يريد الثغر، فسار حتى صار إلى موضع أقام فيه ليُريح ويستريح، وليسلك الناس من المضيق الذي بين أيديهم، ووافى ابن الأقطع عسكر الأفشين بما أصاب من الغنائم، وكان عسكر المعتصم على حدة وعسكر الأفشين على حدة، بين كل عسكر قدر ميلين أو أكثر، واعتل
стр. 5485
أشناس فركب المعتصم صلاة الغداة يعوده؛ فجاء إلى مضربه فعاده؛ ولم يكن الأفشيْن لحقه بعد.
ثم خرج المعتصم منصرفًا، فتلقاه الأفشين في الطريق، فقال له المعتصم: تريد أبا جعفر. وكان عمرو الفرغانيّ وأحمد بن الخليل عند منصرف المعتصم من عيادة أشناس توجها إلى ناحية عسكر الأفشين لينظرا ما جاء به ابن الأقطع من السبي فيشتريا منه ما أعجبهما، فتوجها ناحية عسكر الأفشين ولقيهما الأفشين يريد أشناس - فترجلا، وسلما عليه، ونظر إليهما حاجب أشناس من بعد، فدخل الأفشين إلى أشناس، ثم انصرف، وتوجها إلى عسكر الأفشين، فلم يكن السَّبي أخرج بعد، فوقفا ناحية ينتظران أن ينادى على السَّبْي، فيشتريا منه، ودخل حاجب أشناس على أشناس، فقال: إن عمرًا الفرغانيّ وأحمد بن الخليل تلقّيا الأفشين، وهما يريدان عسكره، فترجّلا وسلما عليه، وتوجها إلى عسكره.
فدعا أشناس محمد بن سعيد السعديّ؛ فقال له: اذهب إلى عسكر الأفشين، فانظر هل ترى هناك عمرًا الفرغانيّ وأحمد بن الخليل! وانظر عند مَن نزلا، وأيّ شيء قصّتهما؟ فجاء محمد بن سعيد، فأصابهما واقفين على ظهور دوابّهما فقال: ما أوقفكما هاهنا؟ قالا: وقفنا ننتظر سَبْيَ ابن الأقطع يخرج، فنشتري بعضَه، فقال لهما محمد بن سعيد: وكّلَا وكيلًا يشتري لكما، فقالا: لا نحب أن نشتري إلا ما نراه، فرجع محمد، فأخبر أشناس بذلك، فقال لحاجبه: قل لهؤلاء الزموا عسكركم: فهو خير لكم - يعني عمرًا وابن الخليل - ولا تذهبوا هاهنا وهاهنا، فذهب الحاجب إليهما، فأعلمهما، فاغتمّا لذلك واتفقا على أن يذهبا إلى صاحب خبر العسكر، فيستعفياه من أشناس، فصارا إلى صاحب الخبر، فقالا: نحن عبيد أمير المؤمنين، يضمّنا إلى من شاء، فإنّ هذا الرجل يستخفّ بنا، قد شتمنا وتوعدنا، ونحن نخاف أن يقدم علينا، فليضمّنا أمير المؤمنين إلى من أحبّ.
فأنهى صاحب الخبر ذلك إلى المعتصم من يومه؛ واتفق الرّحيل صلاة الغداة؛ وكان إذا ارتحل الناس سارت العساكر على حيالها، وسار أشناس والأفشين وجميع القوَّاد في عسكر أمير المؤمنين، ووكّلوا خلفاءهم بالعساكر؛ فيسيرون بها. وكان الأفشين على الميسرة وأشناش على الميمنة، فلما ذهب
стр. 5486
أشناس إلى المعتصم، قال له: أحسِنْ أدب عمرو الفرغانيّ وأحمد بن الخليل، فإنهما قد حمَّقا أنفسهما؛ فجاء أشناس ركضًا إلى معسكره، فسأل عن عمرو وابن الخليل، فأصاب عمرًا؛ وكان ابن الخليل قد مضى في الميسرة يبادر الروم، فجاءوه بعمرو الفرغانيّ؛ وقال: هاتوا سياطًا؛ فمكث طويلًا مجرّدًا ليس يؤتى بالسياط، فتقدّم عمّه إلى أشناس، فكلمه في عمرو - وكان عمه أعجميًّا - وعمرو واقف، فقال: احملوه، فألبسوه قباء طاق، فحملوه على بغل في قبّه، وساروا به إلى العسكر، وجاء أحمد بنِ الخليل وهو يركُض، فقال: احبسوا هذا معه، فأنزل عن دابته، وصُيِّر عديله، ودُفعا إلى محمد بن سعيد السعديّ يحفظهما؛ فكان يضرب لهما مضربًا في فازة وحجرة ومائدة، ويفرش لهما فرشًا وطيّة، وحوضًا من ماء وأثقالهما وغلمانهما في العسكر؛ لم يحرَّك منها شيء، فلم يزالا كذلك حتى صارا إلى جبل الصَّفْصاف.
وكان أشناس على الساقة، وكان بغا على ساقة عسكر المعتصم، فلمّا صار بالصّفصاف، وسمع الغلام الفرغانيّ قرابة عمرو بحبس عمرو، ذكر الغلام للمعتصم ما دار بينه وبين عمرو من الكلام في تلك الليلة، مما قال له عمرو؛ إذا رأيت شغْبًا فالزم خيمتك؛ فقال المعتصم لبغا: لاترحل غدًا حتى تجئ أشناس، فتأخذ منه عمرًا، وتلحقني به؛ وكان هذا بالصفصاف.
فوقف بُغا بأعلامه ينتظر أشناس، وجاء محمد بن سعيد ومعه عمرو وأحمد بن الخليل، فقال بغا لأشناس: أمرني أمير المؤمنين أن أوافيَه بعمرو الساعة، فأنزل عمرو، وجعل مع أحمد بن الخليل في القبة رجل يعادله، ومضى بغا بعمرو إلى المعتصم، فأرسل أحمد بن الخليل غلامًا من غلمانه إلى عمرو، لينظر ما يصنع به، فرجع الغلام فأخبره أنه أدخل على أمير المؤمنين، فمكث ساعة ثم دُفع إلى إيتاخ؛ وكان أمير المؤمنين لما دخل ساءله عن الكلام الذي قاله للغلام قرابته؛ فأنكر وقال: هذا الغلام كان سكران؛ ولم يفهم ولم أقل شيئًا ممّا ذكره؛ فأمر به فدفع إلى إيتاخ، وسار المعتصم حتى صار إلى باب مضايق البذندون، وأقام أشناس ثلاثة أيام على مضيق البذندون ينتظر أن تتخلّص عساكر أمير المؤمنين؛ لأنه كان على الساقة، فكتب أحمد بن الخليل إلى أشناس رقعة يعلمه أنّ لأمير المؤمنين عنده نصيحة، وأشناس مقيم على مضيق
стр. 5487
البذندون، فبعث إليه أشناس بأحمد بن الخصيب وأبي سعيد محمد بن يوسف يسألانه عن النصيحة؛ فذكر أنه لا يخبر بها إلا أمير المؤمنين، فرجعا فأخبرا أشناس بذلك، فقال: ارجعا فاحلفا له: إني حلفت بحياة أمير المؤمنين؛ إن هو لم يخبرني بهذه النصيحة أن أضربه بالسياط حتى يموت، فرجعا فأخبرا أحمد بن الخليل بذلك.
فأخرج جميع من عنده، وبقي أحمد بن الخصيب وأبو سعيد فأخبرهما بما ألقى إليه عمرو الفرغاني من أمر العباس، وشرح لهما جميع ما كان عنده، وأخبرهما بخبر الحارث السمرقندي، فانصرفا إلى أشناس، فأخبراه بذلك فبعث أشناس في طلب الحدّادين، فجاءوا بحدّادين من الجند، فدفع إليهما حديدًا، فقال: اعملا لي قيدًا مثل قيد أحمد بن الخليل، وعجّلا به الساعة، ففعلا ذلك، فلمّا كان عنده حبسه، وكان حاجب أشناس يبيت عند أحمد بن الخليل مع محمد بن سعيد السعديّ.
فلما كان تلك الليلة عند العتمة ذهب الحاجب إلى خيمة الحارث السمرقندي فأخرجه منها، وجاء به إلى أشناس فقيّده، وأمر الحاجب أن يحمله إلى أمير المؤمنين، فحمله الحاجب إليه، واتفق رحيل أشناس صلاة الغداة، فجاء أشناس إلى موضع معسكره، فتلقاه الحارث معه رجل من قِبلَ المعتصم، وعليه خلع، فقال له أشناس: مه، فقال: القيد الذي كان في رجلي صار في رجل العباس. وسأل المعتصم الحارث حين صار إليه عن أمره، فأقرّ أنه كان صاحب خبر العباس، وأخبره بجميع أمره وجميع مَنْ بايع العباس من القوّاد فأطلق المعتصم الحارث وخلع عليه، ولم يصدق على أولئك القواد لكثرتهم وكثرة من سمى منهم.
وتحير المعتصم في أمر العباس، فدعا به حين خرج إلى الدّرب فأطلقه ومنَّاه، وأوهمه أنه قد صفح عنه، وتغدّى معه، وصرفه إلى مضربه، ثم دعاه بالليل، فنادمه على النبيذ، وسقاه حتى أسكره، واستحلفه ألا يكتمه من أمره شيئًا، فشرح له قصته، وسمّى له جميع مَنْ كان دبّ في أمره، وكيف كان السبب في ذلك في كلّ واحد منهم، فكتبه المعتصم وحفظه، ثم دعا الحارث السمرقندي بعد ذلك، فسأله عن الأسباب، فقص عليه مثل ما قصّ عليه
стр. 5488
العباس، ثم أمر بعد ذلك بتقييد العباس، ثم قال للحارث: قد رضتك على أن تكذب؛ فأجد السبيل إلى سَفْك دمك فلم تفعل، فقد أفْلَتَّ، فقال له: يا أمير المؤمنين، لست بصاحب كذب.
ثم دفع العباس إلى الأفشين، ثم تتبَّع المعتصم أولئك القوّاد، فأخذوا جميعًا، فأمر أن يحمَل أحمد بن الخليل على بغل بإكاف بلا وطاء، ويطرح في الشمس إذا نزل، ويطعم في كلّ يوم رغيفًا واحدًا، وأخذ عُجيف بن عَنْبسة فيمن أخذ من القوّاد، فدفع من سائر القواد إلى إيتاخ، ودفع ابن الخليل إلى أشناس، فكان عجيف وأصحابه يحملون في الطريق على بغال بأكُفٍ بلا وطاء، وأخذ الشاه بن سهل - وهو الرأس ابن الرأس من أهل قرية من خراسان يقال لها سجستان - فدعا به المعتصم والعباس بين يديه، فقال له: يابن الزانية، أحسنتُ إليك فلم تشكر! فقال له الشاه بن سهل: ابن الزّانية، هذا الذي بين يديك - يعني العباس - لو تركني هذا كنت أنتَ الساعة لا تقدر أن تقعد في هذا المجلس وتقول لي: يابن الفاعلة؛ فأمر به المعتصم، فضُربت عنقه، وهو أوّل من قتل من القواد ومعه صحبه، ودفع عُجيف إلى إيتاخ فعلَّق عليه حديدًا كثيرًا وحمله على بغل في محمل بلا وطاء.
وأما العبّاس فكان في يدي الأفشين؛ فلما نزل المعتصم مَنْبج - وكان العباس جائعًا - سأل الطعام، فقدُم إليه طعام كثير؛ فأكل فلمّا طلب الماء مُنِع وأدرج في مِسْحٍ، فمات بمنبج، وصلى عليه بعض إخوته.
وأما عمرو الفَرغانيّ، فإنه لما نزل المعتصم بنصيبين في بستان، دعا صاحب البستان، فقال له: احفر بئرًا في موضع أومأ إليه بقدر قامة، فبدأ صاحب البستان فحفرها، ثم دعا بعمرو والمعتصم جالسٌ في البستان، قد شرب أقداحًا من نبيذ؛ فلم يكلمه المعتصم، ولم يتكلم عمرو حتى مثل بين يديه، فقال: جرّدُوه، فجُرّد، وضرب بالسياط ضربة الأتراك، والبئر تُحفر، حتى إذا فُرغ من حفرها قال صاحب البستان: قد حفرتها، فأمر المعتصم عند ذلك فضُرب وجه عمرو وجسده بالخشب؛ فلم يزل يُضرب حتى سقط، ثم قال جُرّوه إلى البئر فاطرحوه فيها، فلم يتكلم عمرو ولم ينطق يومه ذلك، حتى مات فطرح في البئر، وطُمّت عليه.
стр. 5489
وأما عُجيف بن عنبسة؛ فلما صار بباعَينَاثا، فوق بلدَ قليلًا، مات في المحمل، فطُرح عند صاحب المسلحة، وأمر أن يُدفن فيها، فجاء به إلى جانب حائط خرب فطرحه عليه فقبِر هناك.
وذُكر عن علي بن حسن الرّيدانيّ أنه قال: كان عُجيف في يد محمد بن إبراهيم بن مُصعب، فسأله المعتصم عنه؛ فقال له: يا محمد، لم يمت عُجيف؟ قال: يا سيّدي اليوم يموت، ثم أتى محمد مضرَبه، فقال لعجيف يا أبا صالح، أيَّ شيء تشتهي؟ قال أسفيدباج وحَلْوى فالوذج، فأمر أن يعمَل له من كلِّ طعام، فأكل وطلب الماء فمنع؛ فلم يزل يطلب وهو يسوق حتى مات، فدفن بباعَيْنَاثا.
قال: وأما التركيّ الذي كان ضمن للعباس قتل أشناس متى ما أمره العباس - وكان كريمًا على أشناس ينادمه ولا يحجب عنه في ليل ولا نهار - فإنه أمر بحبسه، فحبسه أشناس قبَله في بيت، وطيَّن عليه الباب، وكان يلقي إليه في كلّ يوم رغيفًا وكوز ماء، فأتاه ابنه في بعض أيامه، فكلمه من وراء الحائط، فقال له: يا بنيّ، لو كنت تقدر لي على سِكِّين كنت أقدر أن أتخلص من موضعي هذا: فلم يزل ابنه يتلطّف في ذلك حتى أوصل إليه سكِّينًا، فقتل به نفسه.
وأما السنديّ بن بختاشه، فأمر المعتصم أن يوهب لأبيه بختاشه - لأن بختاشه لم يكن يتلطّخ بشيء من أمر العباس - فقال المعتصم: لا يفجع هذا الشيخ بابنه، فأمر بتخلية سبيله.
وأما أحمد بن الخليل؛ فإنه دفعه أشناس إلى محمد بن سعيد السعديّ، فحفر له بئرًا في الجزيرة بسامراء، فسأل عنه المعتصم يومًا من الأيام، فقال لأشناس: ما فعل أحمد بن الخليل؟ فقال له أشناس: هو عند محمد بن سعيد السعديّ، قد حفر له بئرًا وأطبق عليه، وفتح له فيها كوّة ليرمي إليه بالخبز والماء، فقال المعتصم: هذا أحسبه قد سمن على هذه الحال، فأخبر أشناس محمد بن سعيد بذلك، فأمر محمد بن سعيد أن يسقى الماء، ويصبّ عليه في البئر حتى يموت، ويمتلئ البئر؛ فلم يزل يصُبّ عليه الماء؛ والرمل ينشف الماء؛ فلم يغرق ولم يمتلئ البئر؛ فأمر أشناس بدفعه إلى غِطريف الخجنديّ، فدُفع إليه، فمكث عنده أيامًا، ثم مات فدفُن.
стр. 5490
وأما هرثمة بن النضر الخُتَّليّ، فكان واليًا على المراغة، وكان في عداد مَنْ سَمّاه العباس أنه من أصحابه؛ فكتب في حمله في الحديد، فتكلّم فيه الأفشين، واستوهبه من المعتصم، فوهبه له، فكتب الأفشين كتابًا إلى هرثمة بن النضر يعلمه أنّ أمير المؤمنين قد وهبه له، وأنه قد ولّاه البلد الذي يصل إليه الكتاب فيه، فورد به الدينور عند العشاء مقيّدًا، فطرح في الخان، وهو موثَقٌ في الحديد، فوافاه الكتاب في جُنح الليل، فأصبح وهو والي الدّينور.
وقُتل باقي القواد ومَنْ لم يُحفظ اسمه من الأتراك والفراغنة وغيرهم، قُتلوا جميعًا (١).
وورد المعتصم سامراء سالمًا بأحسن حال، فسُمّي العباس: اللعين يومئذ، ودفع ولد سندُس من ولد المأمون إلى إيتاخ، فحبِسوا في سرداب من داره ثم ماتوا بعدُ.
وجرح في هذه السنة في شوال إسحاقُ بن إبراهيم، جرحه خادم له.
وحجّ بالناس فيها محمد بن داود (٢)
ثم دخلت سثة أربع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن مخالفة مازيار بطبرستان]
فمما كان فيها من ذلك إظهار مازيار بن قارن بن ونداهُرْمز بطبرستان الخلافَ
стр. 5491
على المعتصم، ومحاربته أهل السفح والأمصار منها (١):
ذكر الخبر عن سبب إظهاره الخلاف على المعتصم وفعله ما فعل من الوثوب بأهل السفح:
ذكر أن السبب في ذلك، كان أن مازيار بن قارن كان منافرًا لآل طاهر، لا يحمل إليهم الخراج؛ وكان المعتصم يكتب إليه يأمره بحمله إلى عبد الله بن طاهر، فيقول: لا أحمله إليه؛ ولكني أحمله إلى أمير المؤمنين، فكان المعتصم إذا حمل المازيار إليه الخراج، يأمر: إذا بلغ المالُ همَذان رجلا من قِبَله أن يستوفيه ويسلّمه إلى صاحب عبد الله بن طاهر ليردّه إلى خراسان، فكانت هذه حاله في السنين كلها. ونافر آل طاهر حتى تفاقم الأمر بينهم.
وكان الأفشين يسمع من المعتصم أحيانًا كلامًا يدلّ على أنه يريد عزل آل طاهر عن خُراسان، فلما ظفر الأفشين ببابك، ونزل من المعتصم المنزلة التي لم يتقدّمه فيها أحدٌ، طمع في ولاية خراسان، وبلغته منافرة مازيار آل طاهر، فرجا أن يكون ذلك سببًا لعزل عبد الله بن طاهر، فدس الأفشين الكتب إلى المازيار يستميله بالدّهقنة، يعلمه ما هو عليه من الموّدة له، وأنه قد وُعد ولاية خراسان؛ فدعا ذلك المازيار إلى ترك حمل خراجه إلى عبد الله بن طاهر، وواتر عبد الله بن طاهر الكتب فيه إلى المعتصم، حتى أوحش المعتصم منه وأغضبه عليه، وحمل ذلك المازيار إلى أن وثب وخالف، ومثه الخراج، وضبط جبال طبّرستان وأطرافه.
وكان ذلك مما يسُرّ الأفشين ويُطمعه في الولاية، فكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر يأمره بمحاربة مازيار، وكتب الأفشين إلى المازيار يأمره بمحاربة عبد الله بن طاهر، ويُعلمه أنه يقوم له عند المعتصم بما يحب، وكاتبه المازيار أيضًا؛ فلا يشك الأفشين أن المازيار سيواقف عبد الله بن طاهر ويقاومه، حتى يحتاج المعتصم إلى أن يوجّهه وغيره إليه.
فذُكر عن محمد بن حفص الثقَفيّ الطبريّ أنّ المازيار لما عزم على الخلاف،
стр. 5492
دعا الناس إلى البيْعة، فبايعوه كَرْهًا، وأخذ منهم الرهائن، فحبسهم في بُرْج الأصبَهْبذ، وأمر أَكَرَةَ الضياع بالوثوب بأرباب الضياع وانتهاب أموالهم؛ وكان المازيار يكاتب بابك؛ ويحرّضه ويعرض عليه النُّصرة. فلمّا فرغ المعتصم من أمر بابك، أشاع الناس أنّ أمير المؤمنين يريد المسير إلى قَرْماسين، ويوجّه الأفشين إلى الريّ لمحاربة مازيار؛ فلما سمع المازيار بإرجاف الناس بذلك، أمر أن يمسح البلد، خلا مَنْ قاطعَ على ضياعه بزيادة العشرة ئلاثة، ومَن لم يقاطع رجع عليه، فحسب ما عليه من الفَضْل ولم يحسب له النقصان.
ثم أنشأ كتابًا إلى عامله على الخراج، وكان عامله عليه رجلًا يقال له شاذان بن الفضل، نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم: إن الأخبار تواترتْ علينا، وصحّت عندنا بما يرجُف به جُهّال أهل خراسان وطبرستان فينا، ويولّدون علينا من الأخبار ويحملون عليه رؤوسهم، من التعصّب لدولتنا، والطعن في تدبيرنا، والمرّاسلة لأعدائنا وتوقّع الفتن، وانتظار الدوائر فينا، جاحدين للنعم مستقلّين للأمن والدّعة والرفاهية والسعة التي آثرهم الله بها، فما يردُ الرّيَّ قائد ولا مشرّق ولا مغرّب، ولا يأتينا رسول صغير ولا كبير إلا قالوا كيت وكيت، ومدُّوا أعناقهم نحوه، وخاضوا فيما قد كذّب الله أحدوثتهم، وخيّب [أمانيهم] فيه مرّة بعد مرة، فلا تنهاهم الأولى عن الآخرة، ولا يزجرهم عن ذلك تقيّة ولا خشية، كلّ ذلك نُغضي عليه، ونتجرّع مكروهه، استبقاءً على كافتهم، وطلبًا للصلاح والسلامة لهم إلحاحًا، فلا يزيدهم استبقاؤنا إلا لجاجًا، ولا كفُنا عن تأديبهم إلا إغراءً إن أخَّرنا عنهم افتتاح الخراج نظرًا لهم ورفقًا بهم، قالوا: معزول، وإن بادرنا به قالوا: لحادث أمر؛ لا يزدجرون عن ذلك بالشدّة إن أغلظنا، ولا برفق إن أنعمنا؛ والله حسبُنا وهو ولينا؛ وعليه نتوكل وإليه ننيب، وقد أمرنا بالكتاب إلى بندار آمُل والرويان في استغلاق الخراج في عملهما، وأجّلناهما في ذلك إلى سَلْخ تيرماه، فاعلم ذلك، وجرّدْ جبايتك، واستخرج ما على أهل ناحيتك كمَلا، ولا يمضين عنك تيرماه، ولك درهم باقٍ؛ فإنك إن خالفت ذلك إلى غيره لم يكن جزاؤك عندنا إلا الصلب، فانظر لنفسك، وحامٍ عن مهجتك، وشمر في أمرك، وتابع كتابك إلى العباس. وإياك والتغرير؛ واكتب بما يحدث منك من
стр. 5493
الانكماش والتشمير، فإنا قد رجونا أن يكون في ذلك مشغلة لهم عن الأراجيف، ومانع عن التسويف، فقد أشاعوا في هذه الأيام أن أمير المؤمنين أكرمه الله صائر إلى قَرْماسين، وموجه الأفشين إلى الرّيّ، ولعمري لئن فعل أيده الله ذلك، إنه لمّا يسرّنا الله به، ويؤنسنا بجواره، ويبسط الأمل فيما قد عُوّدنا من فوائده وإفضاله، ويكبت أعداءه وأعداءنا، ولن يهمل أكرمه الله أموره، ويرفض ثغوره، والتصرف في نواحي ملكه، لأراجيف مُرجف بعماله، وقول قائل في خاصّته، فإنه لا يسرب أكرمه الله جنده إذا سرّب، ولا يندب قواده إذا ندب، إلا إلى المخالف، فاقرأ كتابنا هذا على من بحضرتك من أهل الخراج؛ ليبلِّغ شاهدُهم غائبهم؛ وعنف عليهم في استخراجه، ومَنْ همّ بكسره. فليُبْد بذلك صفحته، لينزل الله به ما أنزل بأمثاله؛ فإن لهم أسوةً في الوظائف وغيرها بأهل جرجان والرّيّ وما والاهما، فإنما خفف الخلفاء عنهم خراجهم، ورُفعت الرفائع عنهم للحاجة التي كانت إليهم في محاربة أهل الجبال ومغازي الديلم الضّلّال، وقد كفى الله أمير المؤمنين أعزّه الله ذلك كله، وجعل أهل الجبال والديلم جندًا وأعوانًا، والله المحمود.
قال: فلما ورد كتاب المازيار على شاذان بن الفضل عامله على الخراج، أخذ الناس بالخراج، فجبى جميع الخراج في شهرين، وكان يُجبَى في اثني عشر شهرًا، في كل أربعة أشهر الثلث، وإنّ رجلًا يقال له عليّ بن يَزْداد العطار؛ وهو ممن أخذ منه رهينة، هرب وخرج من عمل المازيار، فأخبر أبو صالح سرخاستان بذلك؛ وكان خليفة المازيار على ساريَة، فجمع وجوه أهل مدينة سارية، وأقبل يوبّخهم، ويقول: كيف يطمئنّ الملك إليكم! أم كيف يثق بكم! وهذا عليّ بن يزداد ممن قد حلف وبايع، وأعطى الرهينة ثم نكث وخرج، وترك رهينته؛ فأنتم لا تفون بيمين، ولا تكرهون الخُلْف والحِنْث، فكيف يثق بكم الملك؟ أم كيف يرجع لكم إلى ما تحبون! فقال بعضهم: نقتُل الرهينة حتى لا يعود غيره إلى الهرب، فقال لهم: أتفعلون ذلك؟ قالوا: نعم؛ فكتب إلى صاحب الرهائن، فأمره أن يوجه بالحسن بن علي بن يزداد وهو رهينة أبيه، فلمّا صاروا به إلى سارية ندم الناس على ما قالوا لأبي صالح، وجعلوا يرجعون على الذي أشار بقتله بالتعنيف. ثم جمعهم سرخاستان، وقد أحضر الرَّهينة، فقال لهم: إنكم قد
стр. 5494
ضمنتم شيئًا؛ وهذا الرهينة فاقتلوه، فقال له عبد الكريم بن عبد الرحمن الكاتب: أصلحك الله! إنك أجلت من خرج من هذا البلد شهرين، وهذا الرهينة قبلك، نسألك أن تؤجله شهرين، فإن رجع أبوه وإلا أمضيت فيه رأيك.
قال: فغضب على القوم، ودعا بصاحب حرسه - وكان يقال له رستم بن بارويه - فأمره بصلب الغلام، وإن الغلام سأله أن يأذن له أن يصلِّي ركعتين، فأذن له، فطوّل في صلاته وهو يُرعَد، وقد مُدّ له جذع، فجذبوا الغلام من صلاته، ومدُّوه فوق الجِذْع، وشدوا حلقه معه حتى اختنق، وتوفِّي فوقه، وأمر سرخاستان أهل مدينة سارية أن يخرجوا إلى آمُل، وتقدّم إلى أصحاب المسالح في إحضار أهل الخنادق من الأبناء والعرب، فأحضروا ومضى مع أهل سارية إلى آمُل، وقال لهم؛ إنِّي أريد أن أشهدكم على أهل آمُل، وأشهد أهل آمُل عليكم، وأردّ ضياعكم وأموالكم؛ فإن لزمتم الطاعة والمناصحة زدناكم من عندنا ضعف ما كنا أخذنا منكم. فلما وافوْا آمُل جمعهم بقصر الخليل بن ونداسنجان، وصيّر أهل سارية ناحية عن غيرهم ووكّل بهم اللوزجان، وكتب أسماء جميع أهل آمُل حتى لم يخف منهم أحدٌ عليه، ثم عرضهم بعد ذلك على الأسماء حتى اجتمعوا؛ ولم يتخلّف منهم أحد، وأحدق الرجال في السلاح بهم، وصُفُّوا جميعًا، ووكّل بكل واحد منهم رجلين بالسلاح، وأمر الموكل بهم أن يحمل رأس كل من كاع عن المشي، وساقهم مكتفين حتى وافى بهم جبلا يقال له هُرْمُزْ داباذ، على ثمانية فراسخ من آمُل وثمانية فراسخ من مدينة سارية، وكبَّلهم بالحديد، وحبسهم.
وبلغت عدتهم عشرين ألفًا، وذلك في سنة خمس وعشرين ومائتين فيما ذُكر عن محمد بن حفص.
فأما غيره من أهل الأخبار وجماعة ممن أدرك ذلك فإنهم قالوا: كان ذلك في ستة أربع وعشرين ومائتين، وهذا القول عندي أولى بالصواب، وذلك أن مقتل مازيار كان في سنة خمس وعشرين ومائتين وكان فعله ما فعل بأهل طبرستان قبل ذلك بسنة (١).
стр. 5495
رجع الحديث إلى الخبر عن قصة مازيار وفعله بأهل آمُل على ما ذكر عن محمد بن حفص، قال: وكتب إلى الدُّري ليفعل ذلك بوجوه العرب والأبناء ممن كان معه بمرو، وكبّلهم بالحديد، وحبسهم، ووكل بهم الرجال في حبْسهم، فلما تمكن المازيار، واستوى له أمره وأمْر القوم، جمع أصحابه، وأمر سرخاستان بتخريب سُور مدينة آمُل، فخرَّبه بالطبول والمزامير، ثم سار إلى مدينة سارية؛ ففعل بها مثل ذلك.
ثم وجّه مازيار أخاه فوهِيَار إلى مدينة طَمِيس - وهي على حدّ جرجان من عمل طبرستان - فخرّب سورها ومدينتها، وأباح أهلها، فهرب منهم مَنْ هرب، وبُلي مَنْ بُلِيَ، ثم توجّه بعد ذلك إلى طميس سرخاستان؛ وانصرف عنها قُوهِيار، فلحق بأخيه المازيار، فعمل سرخاستان سورًا من طميس إلى البحر، ومده في البحر مقدار ثلاثة أميال. وكانت الأكاسرة بنته بينها وبين الترك؛ لأن الترك كانت تُغير على أهل طبرستان في أيامها، ونزل معسكرًا بطميس سرخاستان وصير حولها خندقًا وثيقًا وأبراجًا للحرس، وصير عليها بابًا وثيقًا، ووكّل به الرجال الثقات؛ ففزع أهل جرجان، وخافوا على أموالهم ومدينتهم؛ فهرب منها نفر إلى نيسابور، وانتهى الخبر إلى عبد الله بن طاهر وإلى المعتصم، فوجّه إليه عبد الله بن طاهر عمَّه الحسن بن الحسين بن مُصعب، وضمّ إليه جيشًا كثيفًا يحفظ جُرجان، وأمره أن يعسكر على الخندق، فنزل الحسن بن الحسين
стр. 5496
معسكرًا على الخندق الذي عمله سرخاستان، وصار بين العسكرين عرض الخندق، ووجَّه أيضًا عبد الله بن طاهر حيَّان بن جبلة في أربعة آلاف إلى قُومِس معسكرًا على حدّ جبال شروين، ووجّه المعتصم من قبله محمد بن إبراهيم بن مصعب أخا إسحاق بن إبراهيم في جمع كثيف، وضمَّ إليه الحسن بن قارن الطبري القائد ومَنْ كان بالباب من الطبرية، ووجه منصور بن الحسن هار صاحب دُنْباوند إلى مدينة الرّيّ ليدخل طبرستان من ناحية الرّيّ، ووجّه أبا الساج إلى اللارز ودنباوند، فلما أحدقت الخيل بالمازيار من كل جانب بعث عند ذلك إبراهيم بن مهران صاحب شرطته وعلي بن ربن الكاتب النصراني، ومعهما خليفة صاحب الحرس إلى أهل المدن المحتبسين عنده؛ أن الخيل قد زحفت إليَّ من كل جانب، وإنما حبستكم ليبعث إلي هذا الرجل فيكم - يعني المعتصم - فلم يفعل، وقد بلغني أن الحجّاج بن يوسف غضب على صاحب السند، في امرأة أسرت من المسلمين وأدخلت إلى بلاد السند حتى غزا السند، وأنفق بيوت الأموال حتى استنقذ المرأة وردّها إلى مدينتها، وهذا الرجل لا يكترث بعشرين ألفًا، ولا يبعث إلي يسأل فيكم؛ وإني لا أقدم على حربه، وأنتم ورائي، فأدّوا إليّ خراج سنتين، وأخلّي سبيلكم، ومن كان منكم شابًا قويًّا قدمته للقتال؛ فمن وفى لي منكم رددت عليه ماله، ومن لم يوف أكون قد أخذت ديته، ومن كان شيخًا أو ضعيفًا صيّرتُه من الحفظة والبوابين.
فقال رجل يقال له موسى بن هرمز الزاهد - كان يقال إنه لم يشرب الماء منذ عشرين سنة - أنا أؤدي إليك خراج سنتين، وأقوم به، فقال خليفة صاحب الحرس لأحمد بن الصُّقَيْر: لِمَ لا تتكلم، وقد كنتَ أحظى القوم عند الأصبهبذ؛ وقد كنت أراك تتغذى معه، وتتكى على وسادته! وهذا شيء لم يفعله الملك بأحد غيرك؛ فأنت أولى بالقيام بهذا الأمر من موسى، قال أحمد: إنّ موسى لا يقدر على القيام بجباية درهم واحد، وإنما أجابكم بجهل وبما هو عليه وعلى الناس أجمع؛ ولو علم صاحبكم أن عندنا درهمًا واحدًا لم يحبسنا، وإنما حبسنا بعد ما استنظف كلّ ما عندنا من الأموال والذخائر، فإن أراد الضياع بهذا المال أعطيناه. فقال له عليّ بن ربن الكاتب: الضياع للملك لا لكم، فقال إبراهيم بن مهران: أسألك بالله يا أبا محمد، لما سكتَّ عن هذا الكلام! فقال له أحمد: لم
стр. 5497
أزل ساكتًا حتى كلمني هذا بما قد سمعت.
ثم انصرفت الرسل على ضمان موسى الزاهد، وأعلموا المازيار ضمانه، وانضم إلى موسى الزاهد قومٌ من السعاة، فقالوا: فلان يحتمل عشرة آلاف، وفلان يحتمل عشرين ألفًا وأقل وأكثر، وجعلوا يستأكلون الناس أهل الخراج وغيرهم؛ فلما مضى لذلك أيام، ردّ مازيار الزُسل مقتضيًا المال، ومتنجزًا ما كان من ضمان موسى الزاهد، فلم يرَ لذلك أثرًا ولا تحقيقًا، وتحقق قول أحمد، وألزمه الذنْب. وعلم المازيار أن ليس عند القوم ما يؤدون، وإنما أراد أن يلقى الشر بين أصحاب الخراج، ومن لا خراج عليه من التجار والصناع.
قال: ثم إن سرخاستان كان معه ممَّن اختار من أبناء القوّاد وغيرهم من أهل آمُل فِتيانٌ لهم جلّد وشجاعة، فجمع منهم في داره مائتين وستين فتىً ممَّن يخاف ناحيته، وأظهر أنه يريد جمعهم للمناظرة، وبعث إلى الأكرة المختارين من الدَّهاقين، فقال لهم: إنّ الأبناء هواهم مع العرب والمسؤدة؛ ولست آمَنُ غدرَهم ومكرهم؛ وقد جمعت أهل الظِّنَّة ممن أخاف ناحيتَه، فاقتلوهم لتأمنوا، ولا يكون في عسكركم ممن يخالف هواه هواكم. ثم أمر بكتفهم ودفْعهم إلى الأكرة ليلا، فدفعوهم إليهم، وصاروا بهم إلى قناة هناك، فقتلوهم ورَمَوا بهم في آبار تلك القناة وانصرفوا. فلما ثاب إلى الأكرة عقولُهم ندموا على فعلهم، وفزعوا من ذلك؛ فلما علم المازيار أن القوم وليس عندهم ما يؤدونه إليه، بعث الأكرة المختارين الذين قتلوا المائتين والستين فتًى، فقال لهم: إني قد أبحتكم منازل أرباب الضياع وحرمهم - إلا ما كان من جارية جميلة من بناتهم؛ فإنها تصير للملك - وقال لهم: صيروا إلى الحبس فاقتلوا أرباب الضياع جميعهم قبل ذلك، ثم حُوزوا بعد ذلك، ما وهبتُ لكم من المنازل والحرم، فجبُن القوم عن ذلك وخافوا وحذروا فلم يفعلوا ما أمرهم به.
قال: وكان الموكلون بالسّور من أصحاب سرخاستان يتحدثون ليلا مع حرس الحسن بن الحسين بن مصعب، وبينهم عُرْض الخندق، حتى استأنس بعضُهم ببعض، وتآمروا وحرس سرخاستان بتسليم السور إليهم، فسلموه، ودخل أصحابُ الحسن بن الحسين من ذلك الموضع إلى عسكر سرخاستان في غفلة من الحسن بن الحسين ومن سرخاستان، فنظر أصحاب الحسن إلى قوم يدخلون من
стр. 5498
الحائط، فدخلوا معهم فنظر الناس بعضهم إلى بعض، فثاروا، وبلغ الحسن بن الحسين بن مصعب، فجعل يصيح بالقوم ويمنعهم، ويقول: يا قوم؛ إني أخاف عليكم أن تكونوا مثل قوم داونْدَان، ومضى أصحاب قيس بن زنجويه - وهو من أصحاب الحسن بن الحسين - حتى نصبوا العلم على السور في معسكر سرخاستان، وانتهى الخبر إلى سرخاستان أن العرب قد كسروا السور، ودخلوا بغتةً، فلم تكن له همة إلا الهرب، وكان سرخاستان في الحمَّام، فسمع الصياح، فخرج هاربًا في غلالة، وقال الحسن بن الحسين حين لم يقدر على رد أصحابه: اللهمّ إنهم قد عصوْني وأطاعوك، اللهم فاحفظهم وانصرهم، ولم يزل أصحاب الحسن يتبعون القوم حتى صاروا إلى الدّرْب الذي على السور فكسروه، ودخل الناس من غير مانع حتى استولوا على جميع ما في العسكر، ومضى قوم في الطلب.
وذُكر عن زرارة بن يوسف السجزي أنه قال: مررتُ في الطلب؛ فبينا أنا كذلك؛ إذ صرت إلى موضع عن يَسرة الطريق، فوجلت من الممر فيه، ثم تقحمتُه بالرمح من غير أن أرى أحدًا، وصحتُ: من أنت؟ ويلك! فإذا شيخ جسيم قد صاح "زينهار" - يعني الأمان - قال: فحملت عليه، فأخذته، وشددت كتافه، فإذا هو شهريار أخو أبي صالح سرخاستان، صاحب العسكر، قال: فدفعته إلى قائدي يعقوب بن منصور، وحال الليل بيننا وبين الطلب، فرجع الناس إلى المعسكر، وأتى بشهريار إلى الحسن بن الحسين فضرب عنقه، وأما أبو صالح فمضى حتى صار على خمسة فراسخ من معسكره، وكان عليلا؛ فجهده العطش والفزع، فنزل في غَيْضة يمنة الطريق إلى سفح جبل، وشدّ دابته واستلقى، فبصر به غلام له ورجل من أصحابه يقال له جعفر بن وَنْدَاميد؛ فنظر إليه نائمًا، فقال سرخاستان: يا جعفر: شربة ماء، فقد أجهدني العطش، قال: فقلت: ليس معي إناء أغرف به من هذا الموضع فقال سرخاستان: خذ رأس جعبتي فاسقني به، قال جعفر: وملتُ إلى عداد من أصحابي، فقلت لهم: هذا الشيطان قد أهلكنا فلم لا نتقرب به إلى السلطان، ونأخذ لأنفسنا الأمان! فقالوا لجعفر: كيف لنا به؟ قال: فوقفهم عليه، وقال لهم: أعينوني ساعة، وأنا أثاوره، فأخذ جعفر خشبة عظيمة وسرخاستان مستلقٍ، فألقى نفسه عليه،
стр. 5499
وملكوه وشدُّوه كتافًا مع الخشبة، فقال لهم أبو صالح: خذوا مني مائة ألف درهم واتركوني؛ فإن العرب لا تعطيكم شيئًا، قالوا له: أحضرها، قال: هاتوا ميزانًا، قالوا: ومن أين هاهنا ميزان؟ قال: فمن أين هاهنا ما أعطيكم! ولكن صيروا معي إلى المنزل، وأنا أعطيكم العهود والمواثيق أنِّي أفي لكم بذلك، وأوفر عليكم، فصاروا به إلى الحسن بن الحسين، فاستقبلتهم خيل للحسن بن الحسين، فضربوا رؤوسهم، وأخذوا سرخاستان منهم، فهمتهم أنفسهم، ومضى أصحاب الحسن بأبي صالح إلى الحسن، فلما وقفوه بين يديه، دعا الحسن قواد طبرستان؛ مثل محمد بن المغيرة بن شعبة الأزدي، وعبد الله بن محمد القُطقُطي الضبي والفتح بن قراط وغيرهم، فسألهم: هذا سرخاستان؟ قالوا: نعم، فقال لمحمد بن المغيرة، قم فاقتله بابنك وأخيك، فقام إليه فضربه بالسيف، وأخذته السيوف فقتل.
ذكر خبر أبي شاس الشاعر
وكان أبو شاس الشاعر، وهو الغطريف بن حُصين بن حنش فتًى من أهل العراق، ربِّيَ بخراسان، أديبًا فهمًا، وكان سرخاستان ألزمه نفسه يتعلم منه أخلاق العرب ومذاهبها، فلما نزل بسرخاستان ما نزل به، وأبو شاس في معسكره، ومعه دواب وأثقال، هجم عليه قوم البُخارية، من أصحاب الحسن؛ فانتهبوا جميع ما كان معه، وأصابته جراحات، فبادر أبو شاس فأخذ جرة كانت معه، فوضعها على عاتقه، وأخذ بيده قدحًا، وصاح: الماء للسبيل؛ حتى أصاب غفلة من القوم، فهرب من مضربه، وقد أصابته جراحة، فبصر به غلام - وقد كان مرَّ بمضرب عبد الله بن محمد بن حميد القُطْقُطي الطبري، وكان كاتب الحسن بن الحسين - فعرفوه، عَرَفَهُ خدمه، وعلى عاتقه الجرة وهو يسقى الماء، فأدخلوه خيمتهم، وأخبروا صاحبهم بمكانه، فأدخل عليه، فحمله وكساه، وأكرمه غاية الإكرام، ووصفه للحسن بن الحسين، وقال له: قل في الأمير قصيدة، فقال أبو شاس: والله لقد امّحَى ما في صدري من كتاب الله من الهول، فكيف أحسن الشعر! ووجه الحسن برأس أبي صالح سرخاستان إلى عبد الله بن طاهر، ولم يزل من معسكره.
стр. 5500
وذكر عن محمد بن حفص أن حيان بن جَبَلة مولى عبد الله بن طاهر، كان أقبل مع الحسن بن الحسين إلى ناحية طميس، فكاتب قارن بن شهريار، ورغبه في الطاعة، وضمن له أن يملكه على جبال أبيه وجده، وكان قارن من قواد مازيار وهو ابن أخيه. وكان مازيار صيَّره مع أخيه عبد الله بن قارن، وضمّ إليهما عدة من ثقات قواده وقراباته؛ فلما استملاه حيان؛ وكان قارن قد ضمن له أن يسلم له الجبال، ومدينة سارية إلى حد جُرجان، على أن يملكه على جبال أبيه وجده إذا وفى له بالضمان، وكتب بذلك حيان إلى عبد الله بن طاهر، سجل له عبد الله بن طاهر بكل ما سأل، وكتب إلى حيان بأن يتوقف ولا يدخل الجبل ولا يُوغل حتى يكون من قارن ما يُستدل به على الوفاء، لئلا يكون منه مكر؛ فكتب حيان إلى قارن بذلك، فدعا قارن بعبد الله بن قارن وهو أخو مازيار، ودعا جميع قواده إلى طعامه، فلما أكلوا ووضعوا سلاحهم واطمأنوا أحدق بهم أصحابه في السلاح الشاك، وكتفهم ووجه بهم إلى حيان بن جبلة، فلما صاروا إليه استوثق منهم، وركب حيان في جمعه حتى دخل جبال قارن.
وبلغ مازيار الخبر فاغتم لذلك، وقال له القوهيار أخوه: في حبسك عشرون ألفًا من المسلمين، من بين إسكاف وخياط، وقد شغلت نفسك بهم، وإنما أتيت من مأمنك وأهل بيتك وقرابتك فما تصنع بهؤلاء المحبسين عندك؟ قال: فأمر مازيار بتخلية جميع من في حبسه، ثم دعا إبراهيم بن مهران صاحب شرطته، وعليَّ بن ربَّن النصرانيَّ كاتبه، وشاذان بن الفضل صاحب خراجه، ويحيى بن الروذبهار جهبذه، وكان من أهل السهل عنده، فقال لهم: إن حرمكم ومنازلكم وضياعكم بالسهل، وقد دخلت العرب إليكم، وأكره أن أشُومكم، فاذهبوا إلى منازلكم، وخذوا لأنفسكم الأمان ثم وصلهم، وأذن لهم في الانصراف، فصاروا إلى منازلهم وأخذوا الأمان لأنفسهم.
ولما بلغ أهل مدينة سارية أخذ سرخاستان واستباحة عسكره ودخول حيان بن جبلة جبل شروين، وثبوا على عامل مازيار بسارية - وكان يقال له مهريستاني بن شهريز - فهرب منهم، ونجا بنفسه، وفتح الناس باب السجن، وأخرجوا من فيه، ووافى حيان بعد ذلك مدينة سارية، وبلغ قوهيار أخا مازيار موافاة حيان سارية، فأطلق محمد بن موسى بن حفص الذي كان عامل طبرسان من حبسه،