وحفرا له، فلم يعمِّقا؛ فذُكِر أن الكلاب نبشته؛ وأكلت لحمه.
وكان إبراهيم بن العباس على الأهواز، وكان محمد بن عبد الملك له صديقًا، فوجّه إليه محمد أحمدَ بن يوسف أبا الجهم، فأقامه للناس فصالحه عن نفسه بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، فقال إبراهيم:
وكنتَ أَخي بإِخاء الزمانِ ... فلما نَبَا عُدْتَ حربًا عَوَانا
وكنت أَذمُّ إِليك الزمانَ ... فأَصْبَحْتُ منك أَذمُّ الزمانا
وكنت أَعُدُّك للنائباتِ ... فها أَنا أَطلبُ منك الأَمانا
قال:
أَصبحت مِن رأَي أَبي جعفرٍ ... في هيئةٍ تنذِرُ بالصَّيْلَمِ
مِنْ غيرِ ما ذَنبٍ ولكنَّها ... عَدَاوة الزنديقِ للمسْلِمِ
وأحدِر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربيّ إلى بغداد، لأخذ ماله بها، فوردها، فأَخذ رَوْحًا غلامَه - وكان قَهرمانه - في يده أمواله يتّجر بها، وأخذ عدّة من أهل بيته، وأخذ معهم حمل بغل، وجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحِنْطة والشعير والدّقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت مملوء ثومًا، فكان جميع ما قبض له مع قيمته تسعين ألف دينار، وكان حبس المتوكل إياه يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الأول (١).
* * *
стр. 5567
[ذكر غضب المتوكل على عمر بن فرج] (١)
وفيها غضب المتوكل على عمر بن فرج؛ وذلك في شهر رمضان، فدُفع إلى إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب، فحُبس عنده، وكتب في قبض ضياعه وأمواله، وصار نَجَاح بن سَلمة إلى منزِله؛ فلم يجد فيه إلا خمسة عشر ألف درهم، وحضر مسرور سمانة، فقبض جواريه، وقُيِّد عمر ثلاثين رطلًا، وأحضر مولاه نصر من بغداد، فحمل ثلاثين ألف دينار، وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار، وأصيب له بالأهواز أربعون ألف دينار، ولأخيه محمد بن فرج مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار، وحُمِل من داره من المتاع ستة عشر بعيرًا فُرُشًا، ومن الجوهر قيمة أربعين ألف دينار، وحُمِل من متاعه وفرشه على خمسين جملًا، كرّت مرارًا، وألبس فَرَجِيّه صوف وقُيِّد، فمكث بذلك سبعًا، ثم أطلق عنه وقبض قصره، وأخذ عياله، ففتِّشوا وكنّ مائة جارية؛ ثم صولح على عشرة آلاف ألف درهم، على أن يردّ عليه ما حيز عنه من ضياع الأهواز فقط، ونزعت عنه الجبة الصّوف والقيد؛ وذلك في شوّال.
وقال عليّ بن الجهم بن بدر لنجاحٍ بن سلمة يحرّضه على عمر بن فرج:
أَبلِغْ نَجَاحًا فتى الكتّابِ مَألُكةً ... تمضِي بِهَا الرِّيحُ إِصدارًا وإيرادَا
لا يخرُج المالُ عفوًا من يَدَيْ عمرٍ ... أَو يُغْمَدَ السَّيفُ في فَوْدَيْه إِغمادًا
الرُّخَّجيُّونَ لا يُوفون ما وعَدُوا ... والرخَّجيّات لا يُخلِفْنَ ميعادا
وقال أيضًا يهجوه:
جَمَعتَ أَمرَيْنِ ضاعَ الحزمُ بينهما ... تِيهَ المُلوكِ وأفعالَ! المماليكِ
أَردتَ شكرًا بلا برٍّ ومَرْزئة ... لقد سَلَكتَ سبيلا غيرَ مسلوك
ظَنَنْتَ عِرْضَك لم يُقرَعْ بقارعة ... وما أَراك على حالٍ بِمتروكِ
* * *
وفي هذه السنة أمر المتوكّل بإبراهيم بن الجنيد النصرانيّ، أخي أيوب كاتب
стр. 5568
سمانة، فضُرب له بالأعمدة حتى أقرَّ بسبعين ألف دينار، فوجّه معه مباركًا المغربيّ إلى بغداد حتى استخرجها من منزله، وجيء به فحُبس.
* * *
[ذكر غضب المتوكل علي أبي الوزير وغيره] (١)
وفيها غضب المتوكل على أبي الوزير في ذي الحجة، وأمر بمحاسبته، فحمل نحوًا من ستين ألف دينار، وحمل بدورَ دراهم وحليًّا، وأخذ له من متاع مصر اثنين وستين سَفطًا واثنين وثلاثين غلامًا وفرشًا كثيرًا، وحبس بخيانته محمد بن عبد الملك أخا موسى بن عبد الملك والهيثم بن خالد النصرانيّ وابن أخيه سعدون بن عليّ، وصولح سعدون على أربعين ألف دينار، وصولح ابنا أخيه عبد الله وأحمد على نيّف وثلاثين ألف دينار؛ وأخذت ضياعهم بذلك.
* * *
وفي هذه السنة استكتب المتوكل محمد بن الفضل الجرجرائيّ.
وفي هذه السنة عزل المتوكل يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيَت من شهر رمضان
стр. 5569
عن ديوان الخراج الفضلَ بن مرْوان، وولّاه يحيى بن خاقان الخُراسانيّ مولى الأزْد، وولَّى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صُول في هذا اليوم ديوان زِمام النفقات وعزل عنه أبا الوزير.
* * *
وفيها ولَّى المتوكل ابنه محمدًا المنتصر الحَرَمين واليمن والطائف، وعقد له يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان (١).
وفيها فُلِج أحمد بن أبي دواد لستّ خلون من جمادى الآخرة (٢).
وفيها قدم يحيى بن هرثمة مكة وهو والي طريق مكة بعليّ بن محمد بن عليّ الرضيّ بن موسى بن جعفر من المدينة.
وفيها وثب ميخائيل بن توفيل على أمّه تذورة فشمّسها وأدخلها الدير، وقتل اللُّغُشِيط لأنه اتهمها به؛ وكان ملكها ستّ سنين (٣).
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٤).
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث]
فمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حَلْبَسْ؛ جيء به أسيرًا من قبل أذْربيجان فحبس (٥).
стр. 5570
* ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره:
ذكر أنّ السبب في ذلك كان أنّ المتوكل كان اعتَلّ في هذه السنة؛ وكان مع ابن البعيث رجلٌ يخدمه يسمّى خليفة، فأخبره بأنّ المتوكل قد تُوفِّيَ، وأعدّ له دوابٌ، فهرب هو وخليفة الذي أخبره الخبر إلى موضعه من أذْرَبيجان، وموضعه منها مَرَنْد - وقيل: كانت له قلعتان تُدْعى إحداهما شاهى والأخرى يَكدرُ - ويكدر خارج البحيرة، وشاهى في وسط البحيرة، والبحيرة قدرُ خمسين فرسخًا من حدّ أرْمية؛ إلى رُستاق داخَرّقَان بلاد محمد بن الرواد، وشاهى قلعة ابن البعيث حصينة يحيط بها ماء قائم ثَمَ، يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرْمِيَة وهي بحيرة لا سمك فيها ولا خير.
وذُكر أنّ ابن البَعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بُغَا الشرابيّ، وأخذ منه الكُفَلاء نحوًا من ثلاثين كَفيلًا، منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانيّ؛ فكان يتردّد بسامراء؛ فهرب إلى مَرَنْد، فجمع بِمَرنْد الطعام؛ وفيها عيون ماء، فرَمَّ ما كان وَهيَ من سُورها، وأتاه من أراد الفتنة من كلّ ناحية؛ من ربيعة وغيرهم؛ فصار في نحو من ألفين ومائتي رجل.
وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصّر في طلبه، فولَّى المتوكل حمدويه بن عليّ بن الفضل السعديّ أَذْرَبيجان، ووجّهه من سامراء على البريد، فلما صار إليها جمع الجند والشاكريّة ومَن استجاب له، فصار في عشرة آلاف، فزَحف إلى ابن البَعيث، فألجأه إلى مدينة مَرَنْد - وهي مدينة استدارتها فرسخان وفي داخلها بساتين كثيرة، ومن خارجها كما تدور شجر إلّا في موضع أبوابها - وقد جمع فيها ابن البعيث آلة الحصار، وفيها عيون ماء، فلما طالت مدّته وجه المتوكل زيرك التركي في مائة ألف فارس من الأتراك فلم يصنع شيئًا، فوجّه إِليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال في تسعمائة من الشاكريّة، فلم يُغنِ شيئًا، فوجَه إليه بغا الشرابيّ في أربعة آلاف ما بين تركيّ وشاكريّ ومغربيّ، وكان حمدويه بن عليّ وعمرو بن سيسل وزيرك زحفوا إلى مدينة مَرَنْد، وقطعوا ما حولها من الشجر، فقطعوا نحوًا من مائة ألف شجرة وغير ذلك من شجر الغِياض، ونصبوا عليها عشرين مِنْجَنيقًا، وبنوْا بحذاء المدينة ما يستكنّون فيه،
стр. 5571
ونصب عليهم ابن البعيث من المجانيق مثلَ ذلك؛ وكان مَنْ معه من عُلُوج رساتيقه يرمون بالمقاليع، فكان الرَّجُل لا يقدر على الدنوّ من سُور المدينة، فقُتل من أولياء السلطان في حَرْبه في ثمانية أشهر نحو من مائة رجل، وجُرح نحو من أربعمائة، وقتِل وجرِح من أصحابه مثل ذلك.
وكان حمدويه وعمرو وزيرك يغادونه القتال ويُراوحونه؛ وكان السور من قِبَل المدينة ذليلًا، ومن القرار نحوًا من عشرين ذراعًا، وكانت الجماعة من أصحاب ابن البعيث يتدلَّوْن بالحبال، معهم الرماح فيقاتلون؛ فإذا حُمِل عليهم من أصحاب السلطان لجؤوا إلى الحائط؛ وكانوا ربما فتحوا بابًا يقال له باب الماء؛ فيخرج منه العِدّة يقاتلون ثم يرجعون.
ولما قرب بُغا الشرابيّ من مَرَنْد بعث - فيما ذكر - عيسى بن الشيخ بن السَّليل الشيبانيّ، ومعه أمانات لوجوه أصحاب ابن البعيث، ولابن البعيث أن ينزلوا وينزل على حكم أمير المؤمنين وإلّا قاتلهم، فإن ظفر بهم لم يستبقِ منهم أحدًا، ومَنْ نزل فله الأمان؛ وكان عامة مَنْ مع ابن البَعيث من ربيعة من قوم عيسى بن الشيخ؛ فنزل منهم قوم كثير بالحبال، ونزل خَتن ابن البعيث على أخته أبو الأغر.
وذكر عن أبي الأغرّ هذا أنه قال: ثم فتحوا باب المدينة، فدخل أصحاب حمدويه وزيرك، وخرج ابن البعيث من منزله هاربًا يريد أن يخرج من وجه آخر؛ فلحقه قوم من الجند، معهم منصور قَهرمانه؛ وهو راكب دابةً، يريد أن يصير إلى نهر عليه رحًا ليستخفيَ في الرحا، وفي عنقه السيف، فأخذوه أسيرًا وانتهب الجند منزله ومنازل أصحابه وبعض منازل أهل المدينة، ثم نودي بعد ما انتهب الناس: برئت الذّمة ممن انتهب وأخذوا له أختين وثلاث بنات وخالته والبواقي سراريّ؛ فحصل في يد السلطان من حرمه ثلاث عشرة امرأة، وأخذ من وجوه أصحابه المذكورين نحوٌ من مائتي رجل، وهرب الباقون؛ فوافاهم بُغا الشرابيّ من غد، فنادى مناديه بالمنع من النهْب، فكتب بُغا الشرابيّ بالفتح لنفسه.
* * *
وخرج المتوكل فيها إلى المدائن في جمادى الأولى.
стр. 5572
[ذكر الخبر عن حج إيتاخ وسببه]
وحجّ في هذه السنة إيتاخ، وكان والي مكة والمدينة والموسم، ودُعِي له على المنابر (١).
* ذكر الخبر عن سبب حجه في هذه السنة:
ذُكر أن إيتاخ كان غلامًا خَزَريًّا لسلام الأبرش طباخًا، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، وكان لإيتاخ رُجْلة وبأس، فرفعه المعتصم ومنْ بعده؛ حتى ضمّ إليه من أعمال السلطان أعمالًا كثيرة، وولاه المعتصم معونة سامراء مع إسحاق بن إبراهيم؛ وكان مِنْ قِبَله رجل، ومن قبَل إسحاق رجل؛ وكان مَنْ أراد المعتصم أو الواثق قتله فعند إيتاخ يُقتل، وبيدهُ يحبْس؛ منهم محمد بن عبد الملك الزيات، وأولاد المأمون من سندس، وصالح بن عُجيف وغيرهم؛ فلمَّا ولِيَ المتوكل كان إيتاخ في مرتبته، إليه الجيش والمغاربة والأتراك والموالي والبريد والحجابة ودار الخلافة؛ فخرج المتوكل بعد ما استوتْ له الخلافة متنزِّها إلى ناحية القَاطُول، فشرب ليلة، فعربَد على إيتاخ فهمّ إيتاخ بقتله؛ فلما أصبح المتوكل قيل له، فاعتذر إليه والتزمه، وقال له: أنت أبي وربَّيْتَني، فلما صار المتوكل إلى سامراء دسَّ إليه مَنْ يشير عليه بالاستئذان للحجّ، ففعل وأذِن له، وصيَّره أمير كلِّ بلدة يدخلها، وخلع عليه، وركب جميع القوَّاد معه، وخرج معه من الشاكرّية والقوّاد والغلمان سوى غلمانه وحَشمه بشر كثير؛ فحين خرج صُيِّرت الحجابة إلى وصيف، وذلك يوم السبت لاثنتَي عشرة ليلة بقيت من ذي القعد". (٢).
وقد قيل إن هذه القصة من أمر إيتاخ كانت في سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وإن
стр. 5573
المتوكل إنما صيَّر إلى وصيف الحجابة لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة من سنة ثلاث وثلاثين ومائتين.
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود بن عيسى بن موسى (١).
* * *
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن مقتل إيتاخ]
فمن ذلك مقتل إيتاخ الخزَريّ (٢).
* ذكر الخبر عن صفة مقتله:
ذُكر عن إيتاخ أنه لما انصرف من مكّة راجعًا إلى العراق، وجّه المتوكل إليه سعيد بن صالح الحاجب مع كسوة وألطاف، وأمره أن يلقاه بالكُوفة أو ببعض طريقه، وقد تقدّم المتوكل إلى عامله على الشرطة ببغداد بأمره فيه.
فذكر عن إبراهيم بن المدبّر، أنه قال: خرجت مع إسحاق بن إبراهيم حين قَرُب إيتاخ من بغداد، وكان يريد أن يأخذ طريق الفُرات إلى الأنبار، ثم يخرج إلى سامراء، فكتب إليه إسحاق بن إبراهيم: إنّ أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، قد أمر أن تدخل بغداد، وأنْ يلقَاك بنو هاشم ووجُوه الناس، وأن تقعد لهم في دار خُزيمة بن خازم، فتأمر لهم بجوائز. قال: فخرجنا حتى إذا كنا بالياسريّة،
стр. 5574
وقد شحن ابن إبراهيم الجسر بالجُنْد والشاكريّة، وخرج في خاصّته، وطُرِح له بالياسرية صُفَّة، فجلس عليها حتى قالوا: قد قَرُب منك. فركب فاستقبله؛ فلما نظر إليه أهوى إسحاق لينزل، فحلف عليه إيتاخ ألّا يفعل.
قال: وكان إيتاخ في ثلاثمائة من أصحابه وغلمانه، عليه قَباء أبيض، متقلّدًا سيفًا بحمائل، فسارا جميعًا؛ حتى إذا صارا عند الجسر تقدّمه إسحاق عند الجسر، وعبرَ حتى وقف على باب خُزيمة بن خازم، وقال لإيتاخ: تدخل أصلح الله الأمير! وكان الموكَّلون بالجْسر كلما مرَ بهم غلام من غلمانه قدّموه؛ حتى بقيَ خاصّة غلمانه، ودخل بين يديه قوم، وقد فرشت له دار خزيمة، وتأخّر إِسحاق، وأمر ألّا يدخل الدار من غلمانه إلا ثلاثة أو أربعة، وأخذت عليه الأبواب، وأمر بحراسته من ناحية الشطّ، وكسرت كل درجة في قصر خُزيمة بن خازم، فحين دخل أغلق الباب خلفه، فنظر فإذا ليس معه إِلّا ثلاثة غلمان، فقال: قد فعلوها! ولو لم يؤخذ ببغداد ما قدروا على أخذه؛ ولو دخل إلى سامراء، فأراد بأصحابه قتلَ جميع من خالفه أمكنه ذلك. قال: فأتِيَ بطعام قرب الليل، فأكل فمكث يومين أو ثلاثة، ثم ركب إسحاق في حرّاقة وأعدّ لإيتاخ أخرى، ثم أرسل إليه أن يصير إلى الحرّاقة، وأمر بأخذ سيفه، فحدَروه إلى الحرّاقة، وصُيِّرَ معه قوم في السلاح وصاعَدَ إسحاق، حتى صار إلى منزله، وأخرج إيتاخ حين بلغ دار إسحاق، فأدخِل ناحية منها، ثم قيِّد فأثقِل بالحديد في عُنقه ورجليه، ثم قدِّم بابنيه منصور ومظفر، وبكاتبيه سليمان بن وهبْ وقدامة بن زياد النصرانيّ بغداد. وكان سليمان على أعمال السلطان، وقدامة على ضياع إيتاخ خاصّة، فحبِسوا ببغداد؛ فأما سليمان وقُدامة فضُرِبا، فأسلم قُدامة وحُبس منصور ومظفر.
وذكر عن تُرْك مولى إِسحاق أنه قال: وقفت على باب البيت الذي فيه إيتاخ محبوس، فقال لي: يا ترك، قلت: ما تريد يا منصور؟ قال: أقريء الأمير السلام، وقل له: قد علمتَ ما كان يأمرني به المعتصم والواثق في أمرك؛ فكنت أدفع عنك ما أمكنني؛ فلينفعْني ذلك عندك؛ أما أنا فقد مرّ بي شدّة ورخاء؛ فما أبالي ما أكلت وما شربت، وأمّا هذان الغلامان؛ فإنهما عاشا في نعمة ولم يعرفا البؤس، فصيّرْ لهما مَرَقة ولحمًا وشيئًا يأكلان منه. قال ترْك: فوقفتُ على
стр. 5575
باب مجلس إسحاق، قال لي: ما لك يا ترك؛ أتريد أن تتكلم بشيء؟ قلت: نعم، قال لي إيتاخ كذا، كذا، قال: وكانت وظيفة إيتاخ رغيفًا وكوزًا من ماء، ويأمر لابنيه بخوان فيه سبعة أرغفة وخمس غُرف؛ فلم يزل ذلك قائمًا حياة إسحاق، ثم لا أدري ما صنع بهما؛ فأما إيتاخ فقُيِّد وصُيِّر في عنقه ثمانون رطلًا، وقَيْدٌ ثقيل، فمات يوم الأربعاء لخمس خلوْن من جمادى الآخرة سنة خمس وثلاثين ومائتين، وأشهد إسحاق على موته أبا الحسن إسحاق بن ثابت بن أبي عباد وصاحب بريد بغداد والقضاة، وأراهم إياه لا ضَرْبَ به ولا أثر.
وحدثني بعض شيوخنا أن إيتاخ كان موته بالعطش، وأنه أطعِم فاستسقى فمنع الماء، حتى مات عطشًا، وبقي ابناه في الحبس حياةَ المتوكل، فلما أفضَى الأمر إلى المنتصر أخرجَهما؛ فأما مظفّر فإنه لم يعش بعد أن أخرج من السجن إلا ثلاثة أشهر حتى مات؛ وأما منصور فعاش بعده.
* * *
[ذكر خبر أسر ابن البعيث وموته] (١)
وفي هذه السنة قدم بُغا الشرابيّ بابن البَعيث في شوّال وبخليفته أبي الأغرّ وبأخوَي ابن البعيث صقْر وخالد - وكانا نزلا بأمان - وبابن لابن البعيث، يقال له العلاء؛ خرج بأمان، وقدم من الأسرى بنحو من مائة وثمانين رجلًا، ومات باقيهم قبل أن يصلوا، فلمّا قربوا من سامراء حُملوا على الجِمال يستشرفهم الناس، فأمر المتوكل بحبسه وحبسهم، وأثقله حديدًا.
فذُكر عن عليّ بن الجهم، أنه قال: أتي المتوكل بمحمد بن البعيث، فأمر بضرب عنقه، فطرِح على نِطَع، وجاء السيَّافون فلوّحوا له، فقال المتوكّل، وغلظ عليه: ما دعاك يا محمد إلى ما صنعتَ؟ قال: الشقوة، وأنت الحبل
стр. 5576
الممدود بين الله وبين خلقه؛ وإن لي فيك لظنَّيْن أسبقهما إلى قلبي أوْلاهما بك؛ وهو العفو؛ ثم اندفع بلا فضل، فقال:
أَبَى الناسُ إلا أَنك اليومَ قاتِلِي ... إِمامَ الهُدَى والصفح بالناسِ أَجمَلُ
وهل أَنا إِلا جُبلةٌ من خَطيَّةٍ ... وعفوك من نور النبوَّةِ يُجْبَلُ
فإنَّك خيرُ السابقين إِلى العُلَا ... ولا شك أن خير الفعالين تفعل
قال عليّ: ثم التفت إليّ المتوكل، فقال: إن معه لأدبًا، وبادرت فقلت: بل يفعل أمير المؤمنين خيرَهما ويمنّ عليك؛ فقال: ارجع إلى منزلك.
وحدّثني .... أنه أنشدني بالمراغة جماعة من أشياخها أشعارًا لابن البعيث بالفارسية، ويذكرون أدبه وشجاعته، وله أخبار وأحاديث.
وحدّثني بعضُ مَنْ ذكر أنه شهد المتوكّل حين أتيَ بابن البَعِيث، وكلّمه ابن البَعيث بما كلَّمه به، فتكلّم فيه المعتزّ؛ وهو جالس مع أبيه المتوكل، فاستوهبه فُوهِب له، وعُفي عنه.
وكان ابن البَعيث حين هرب قال:
كمْ قد قضيت أمورًا كان أَهمَلَها ... غيرِي وقد أَخذ الإِفلاسُ بالكَظَم
لا تَعْذِلِينِيَ فيما ليس ينفعُني ... إِليكِ عني جَرى المِقدارُ بالقَلمِ
سأتلِفُ المالَ في عُسرٍ وفي يُسرٍ ... إِن الجوَادَ الذي يُعْطِي على العدَمِ
وكان ابن البعيث حين هرب خلّف في منزله ثلاثة بنين له، يقال لهم: البَعيث وجعفر وحَلْبس، وجواريَ، فحبِسوا ببغداد في قصر الذّهب، فتكلّم بُغا الشرابيّ بعد موت ابن البعيث - ومات بعد دخوله سامراء بشهر - في أبي الأغرّ خَتنَه، فأطلِق وأطلقتْ خالةٌ لابن البعيث، فخرجتْ من السجن، فماتت فرحًا من يومها، وبقي الباقون في الحبس.
وذكر أنّ ابن البعيث صُيِّر في عنقه مائة رطل، فلم يزل مكبوبًا على وجهه حتى مات.
ولما أخِذ ابنُ البعيث أخرِج من الحبس مَنْ كان محبوسًا بسبب كفالته به، وقد كان بعضهم مات، في الحبْس، فأخرج بعدُ باقي عياله وصُيِّرَ بنوه: حَلْبسَ
стр. 5577
والبعيث وجعفر في عِداد الشاكريّة مع عبيد الله بن خاقان، وأجْريتْ عليهم الأنزال.
* * *
[أمر المتوكل مع النصارى] (١)
وفي هذه السنة أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذّمة كلهم بلبس الطيالسة العسليّة والزّنانير وركوب السروج يركب الخشَب وبتصيير كُرَتيْن على مؤخّر السروج، وبتصيير زِرّين على قَلانس مَنْ لبس منهم قلنسوة مخالفة لون القلنسوة التي يلبسها المسلمون، وبتصيير رقعتين على ما ظهر من لباس مماليكهم مخالفٌ لونهما لون الثوب الظاهر الذي عليه؛ وأن تكون إحدى الرُّقعتين بين يديه عند صدره، والأخرى منهما خلْف ظهره؛ وتكون كلُّ واحدة من الرُّقعتين قَدْر أربع أصابع، ولونهما عسليًّا، ومن لبس منهم عمامة فكذلك يكون لونها لون العسليّ، ومن خرج من نسائهم فبرزتْ فلا تبرز إلَّا في إزار عسليّ، وأمر بأخذ مماليكهم بلبس الزَّنانير وبمنعهم لبسَ المناطق، وأمر بهدم بيَعهم المحدثة، وبأخذ العشر من منازلهم، وإن كان الموضع واسعًا صُيِّر مسجدًا، وإن كان لا يصلح أن يكون مسجدًا صُيِّر فضاء، وأمر أن يجعل على أبواب دورهم صورَ شياطين من خشب مسمورة؛ تفريقًا بين منازلهم وبين منازل المسلمين، ونهى أن يستعان بهم في الدواوين وأعمال السلطان التي يجري أحكامهم فيها على المسلمين، ونهى أن يتعلّم أولادُهم في كتاتيب المسلمين، ولا يعلِّمهم مسلم، ونهى أن يُظهروا في شعانينهم صليبًا، وأن يشمعلوا في الطريق، وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض، لئلا تشبه قبور المسلمين.
وكتب إلى عماله في الآفاق: (٢)
بسم الله الرحمن الرحيم؛ أما بعد؛ فإنّ الله ﵎ بعزّته التي لا تحاوَل
стр. 5578
وقدرته على ما يريد؛ اصطفى الإسلام فَرَضيَهُ لنفسه، وأكرم به ملائكته، وبعث به رسله، وأيّد به أولياءه، وكَنفَه بالبرّ، وحاطه بالنصر، وحرسه من العاهة، وأظهره على الأديّان، مبرَّأً من الشبهات، معصومًا من الآفات، محبوًّا بمناقب الخير، مخصوصًا من الشرائع بأطهرها وأفضلها، ومن الفرائض بأزكاها وأشرفها، ومن الأحكام بأعدلها وأقنعها، ومن الأعمال بأحسنها وأقصدها؛ وأكرم أهله بما أحلّ لهم من حلالِه، وحرّم عليهم من حرامه؛ وبيّن لهم من شرائعه وأحكامه، وحدّ لهم من حدوده ومناهجه، وأعدّ لهم من سعة جزائه وثوابه، فقال في كتابه فيما أمر به ونهى عنه، وفيما حضّ عليه فيه ووعظ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾، وقال فيما حرّم على أهله مما غمط فيه أهل الأديان من رديء المطعم والمشرب والمنكح لينزّههم عنه وليظهر به دينهم، ليفضّلهم عليهم تفضيلا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ .... ﴾ إلى آخر الآية، ثم ختم ما حرّم عليهم من ذلك في هذه الآية بحراسة دينه؛ ممن عندَ عنه وبإتمام نعمته على أهله الذين اصطفاهم، فقال : ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية، وقال : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ... ﴾ الآية، فحرّم على المسلمين من مآكل أهل الأديان أرجسَها وأنجسها، ومن شرابهم أدعاه إلى العداوة والبغضاء، وأصدّه عن ذكر الله وعن الصلاة، ومن مناكحهم أعظمها عنده وزْرًا، وأولاها عند ذوي الحِجَى والألباب تحريمًا، ثم حباهم محاسنَ الأخلاق وفضائل الكرامات؛ فجعلهم أهلَ الإيمان والأمانة، والفَضْل والتراحم واليقين والصدق؛ ولم يجعل في دينهم التقاطع والتدابرُ، ولا الحميّة ولا التكبر، ولا الخيانة ولا الغدر، ولا التباغي ولا التظالم؛ بل أمر بالأولى ونهى عن الأخرى، ووعد وأوعد عليها جَنّته ونارَه، وثوابه وعقابه؛ فالمسلمون بما اختصَّهم الله من كرامتِه، وجعل لهم من الفضيلة بدينهم الذي اختاره لهم، بائنون على الأديان بشرائِعهم الزّاكية، وأحكامهم المرضية الطاهرة، وبراهينهم المنيرة، وبتطهير الله دينهم بما أحلّ وحرّم فيه لهم وعليهم، قضاء من الله في إعزاز دينه؛ حتمًا ومشيئة منه في إظهار حقه
стр. 5579
ماضية، وإرادة منه في إتمام نعمته على أهله نافذة: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ , وليجعل الله الفوز والعاقبة للمتقين، والخزيّ في الدُّنيا والآخرة على الكافرين.
وقد رأى أمير المؤمنين - وبالله توفيقه وإرشاده - أن يحمل أهل الذمّة جميعًا بحضرته وفي نواحي أعماله؛ أقربِها وأبعدها، وأخصّهم وأخسَّهم على تصيير طيالستهم التي يلبسونها؛ مَنْ لبسها من تجَّارهم وكتابهم، وكبيرهم وصغيرهم، على ألوان الثياب العسليّة، لا يتجاوز ذلك منهم متجاوز إلى غيره، ومَنْ قصر عن هذه الطبقة من أتباعهم وأرذالهم، ومَنْ يقعد به حاله عن لبس الطيالسة منهم أخذ بتركيب خِرْقتين صبغهما ذلك الصَّبغ يكون استدارة كلّ واحدة منهما شبرًا تاقًا في مثله، على موضع أمام ثوبه الذي يلبسه، تلقاء صدره، ومن وراء ظهره، وأن يؤخذ الجميع منهم في قلانسهم بتركيب أزرّة عليها تُخالف ألوانها ألوان القلانس؛ ترتفع في أماكنها التي تقع بها، لئلا تلصق فتُستَر ولا ما يركّب منها على حباك فتخفى؛ وكذلك في سروجهم باتّخاذ رُكب خشب لها، ونَصْبِ أكَرِ على قرابيسها؛ تكون ناتئة عنها، وموفية عليها، لا يرخَّص لهم في إزالتها عن قرابيسهم، وتأخيرها إلى جوانبها؛ بل يتُفقَّد ذلك منهم؛ ليقع ما وقع من الذي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليه ظاهرًا يتبيّنهُ الناظر من غير تأمُّل، وتأخذه الأعين من غير طلب، وأن تؤخذ عبيدهم وإماؤهم، ومَنْ يلبس المناطق من تلك الطبقة بشدّ الزنانير والكساتيج مكان المناطق التي كانت في أوساطهم، وأن توعِزَ إلى عمالك فيما أمر به أمير المؤمنين في ذلك إيعازًا تحدوهم به إلى استقصاء ما تقدّم إليهم فيه، وتحذّرهم إدهانًا وميلًا، وتتقدّم إليهم في إنزال العقوبة بمَنْ خالف ذلك من جميع أهل الذّمة عن سبيل عناد وتهوين إلى غيره؛ ليقتصر الجميع منهم على طبقاتهم وأصنافهم على السبيل التي أمر أمير المؤمنين بحملهم عليها، وأخذهم بها إن شاء الله.
فاعلم ذلك من رأى أمير المؤمنين وأمره، وأنفذ إلى عمالك في نواحي عملك ما ورد عليك من كتاب أمير المؤمنين بما تعمل به إن شاء الله؛ وأمير المؤمنين يسأل الله ربَّه ووليَّه أن يُصَلِّيَ على محمد عبده ورسوله ﷺ وملائكته، وأن يحفظه فيما استخلفه عليه من أمر دينه، ويتولى ما ولّاه مما لا يبلغ حقه فيه إلّا بعونه؛
стр. 5580
حفظًا يحمل به ما حمله، وولاية يقضي بها حقه منه ويوجب بها له أكمل ثوابه، وأفضل مزيده، إنه كريم رحيم.
وكتب إبراهيم بن العباس في شوال سنة خمس وثلاثين ومائتين (١).
فقال عليّ بن الجهم:
العَسلِيَّاتُ التي فرَّقَت ... بين ذوي الرِّشْدَةِ والغَيْ
وما على العاقل إِنْ تَكْثرُوا ... فإنه أَكثرُ للفَيْ
* * *
[ظهور محمود بن الفرج النيسابوريّ] (٢)
وفي هذه السنة ظهر بسامراء رجلٌ يقال له محمود بن الفرج النيسابوريّ فزعم أنه ذو القرنين، ومعه سبعة وعشرون رجلًا عند خشبة بابَك، وخرج من أصحابه بباب العامة رجُلان، وببغداد في مسجد مدينتها آخران، وزعما أنه نبيّ، وأنه ذو القرنين، فأتِيَ به وبأصحابه المتوكّل، فأَمر بضربه بالسياط؛ فضرب ضربًا شديدًا، فمات من بعد من ضَرْبِه ذلك، وحُبِس أصحابه، وكانوا قدموا من نيسابور، ومعهم شيء يقرؤونه، وكان معهم عيالاتهم، وفيهم شيخ يشهد له بالنبوّة، ويزعم أنه يوحى إليه، وأنّ جبريل يأتيه بالوحي، فضُرب محمود مائة سوط، فلم ينكر نبوّته حين ضُرب، وضُرب الشيخ الذي كان يشهد له أربعين سوطًا، فأنكر نبوَّته حتى ضرب. وحُمل محمود إلى باب العامّة، فأكذب نفسه، وقال: الشيخ قد اختدعني، وأمر أصحاب محمود أن يصفعوه فصفعوه؛ كلّ واحد منهم عشر صفعات، وأخذ له مصحف فيه كلام قد جمعه ذكر أنه قرآنه،
стр. 5581
وأن جبريل ﵇ كان يأتيه به، ثم مات يوم الأربعاء لثلاث خلوْن من ذي الحجة في هذه السنة ودفن في الجزيرة.
* * *
[ذكر عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة] (١)
وفي هذه السنة عقد المتوكل البيعة لبنيه الثلاثة: لمحمد وسماه المنتصر، ولأبي عبد الله بن قبيحة - ويختلف في اسمه، فقيل إن اسمه محمد، وقيل: اسمه الزبير، ولقبه المعتزّ - ولإبراهيم وسماه المؤيّد بولاية العهد، وذلك - فيما قبل - يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة - وقيل لليلتين بقيتا منه - وعقد لكلّ واحد منهم لواءين؛ أحدهما أسود وهو لواء العهد، والآخر أبيض وهو لواء العمل، وضمّ إلى كلِّ واحد من العمل ما أنا ذاكره.
فكَان ما ضمّ إلى ابنه محمد المنتصر من ذلك إفريقية والمغرب كله من عريش مصر إلى حيث بلغ سلطانه من المغرب وجند قنَّسرين والعواصم والثغور الشامية والجزريّة وديار مُضر وديار ربيعة والموصل وهيِت وعَانات والخابُور وقَرقيسيا وكور باجَرْمَى وتَكرِيت وطساسيج السواد وكور دِجلة والحرَمين واليمَن وعكّ وحضرموت واليَمامة والبحرين والسند ومكران وقندابيل وفَرْج بيت الذهب وكُور الأهواز والمستغلّات بسامراء وماه الكوفة وماه البصرة وماسَبَذان ومِهرجان قَذَق وشهرزور ودراباذ والصامغان وأصبهان وقمّ وقاشان وقزوين وأمور الجبل والضّياع المنسوبة إلى الجبال وصدقات العرب بالبصرة.
وكان ما ضمّ إلى ابنه المعتزّ كُور خراسان وما يضاف إليها، وطبرستان والرّيّ وإرمينيَة وأذْرَبيجان وكُور فارس. ضم إليه في سنة أربعين خَزْن بيوت الأموال في جميع الآفاق، ودور الضرب، وأمر بضرب اسمه على الدراهم.
وكان ما ضمّ إلى ابنه المؤيد جند دمشق وجند حمص وجند الأردن وجند فلسطين، فقال أبو الغصْن الأعرابيّ:
стр. 5582
إنَّ وُلَاة المسلمينَ الجِلَّهْ ... محمّدٌ ثم أبو عَبْدِ الله
ثمَّتَ إِبراهيمُ آبى الذِّلهْ ... بُورِكَ في بنِي خليفةِ اللهْ
وكتب بينهم كتابًا نسخته:
هذا كتاب كتبه عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين، وأشهد الله على نفسه بجميع ما فيه ومَنْ حضر من أهل بيته وشيعته وقوّاده وقُضاته وكفاته وفقهائه وغيرهم من المسلمين لمحمد المنتصر بالله، ولأبي عبد الله المعتز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله، بني أمير المؤمنين؛ في أصالة من رأيه، وعموم من عافية بدنه، واجتماع من فهمه، مختارًا لما شهد به، متوخيًّا بذلك طاعةَ ربه، وسلامة رعيّته واستقامتها وانقياد طاعتها، واتساعَ كلمتها؛ وصلاح ذات بينها؛ وذلك في ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين ومائتين [أنه جعل]؛ إلى محمد المنتصر بالله بن جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ولاية عهد المسلمين في حياته والخلافة عليهم من بعده؛ وأمره بتقوى الله التي هي عِصْمة مَن اعتصم بها ونجاةُ من لجأ إليها، وعزّ من اقتصر عليها؛ فإن بطاعة الله تمّ النعمة، وتجب من الله الرحمة، والله غفور رحيم. وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين الخلافة من بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين إلى أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، ثم من بعد أبي عبد الله المعتز ابن أمير المؤمنين الخلافة إلى إبراهيم المؤيد بالله ابن أميرِ المؤمنين.
وجعلَ عبدُ الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين لمحمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابني أمير المؤمنين السمع والطاعة والنصيحة والمشايعة والمُوالاة لأوليائه والمعاداة لأعدائه، في السرّ والجهر، والغضب والرضا، والمنع والإعطاء، والتمسك ببيعته، والوفاء بعهده، لا يبَغيانه غائلة، ولا يحاولانه مخاتَلةً، ولا يمالئان عليه عدوًّا، ولا يستبدّان دونه بأمر يكون فيه - نقضٌ لما جعل إليه أمير المؤمنين من ولاية العهد في حياته والخلافة من بعده.
وجعل عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتز بالله وإبراهيم المؤيد بالله ابني أمير المؤمنين الوفاء بما عقده لهما، وعهد به إليهما من الخلافة بعد محمد
стр. 5583
المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، وإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخليفة من بعد أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، والإتمام على ذلك، وألّا يَخْلعهما ولا واحدًا منهما، ولا يعقد دونهما ولا دون واحد منهما بيعةً لولد، ولا لأحد من جميع البريّة، ولا يؤخّر منهما مقدّمًا، ولا يقدّم منهما مؤخّرًا، ولا يَنْقصهما ولا واحدًا منهما شيئًا من أعمالهما التي ولاهما عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين وكلَّ واحد منهما؛ من الصلاة والمعاون والقضاء والمظالم والخراج والضّياع والغنيمة والصّدقات وغير ذلك من حقوق أعمالهما، وما في عمل كلّ واحد منهما؛ من البريد والطُّرُر وخزَن بيوت الأموال والمعاون ودُور الضّرْب وجميع الأعمال التي جعلها أمير المؤمنين، ويجعلها إلى كلّ واحد منهما، ولا ينقل عن واحد منهما أحدًا من ناحيته من القوّاد والجند والشاكريّة والموالي والغلمان وغيرهم؛ ولا يعترض عليه في شيء من ضِياعه وإقطاعاته وسائر أمواله وذخائره وجميع ما في يده، وما حواه وملكتْ يده من تالد وطارف، وقديم ومستأنف؛ وجميع ما يستفيده ويُستفاد له بنقص، ولا يحرم ولا يجنف، ولا يعرض لأحد من عماله وكتّابه وقضاته وخدمه ووكلائه وأصحابه، وجميع أسبابه بمناظرة ولا محاسبة؛ ولا غير ذلك من الوجوه والأسباب كلها، ولا يفسخ فيما وكّده أمير المؤمنين لهما في هذا العقد والعهد، بما يزيل ذلك عن جهته، أو يؤخّره عن وقته، أو يكون ناقضًا لشيء منه.
وجعل عبد الله جعفر المتوكل على الله أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين إن أفضت إليه الخلافة بعد محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين مثل الشرائط التي اشترَطها على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين بجميع ما سمّى فيه ووصف في هذا الكتاب، وعلى ما بيّن وفسّر، مع الوفاء من أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين، بما جعله أمير المؤمنين لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين من الخلافة وتسليم ذلك راضيًا به ممضيًا له؛ مقدّمًا ما فيه حق الله عليه وما أمره به أمير المؤمنين، غير ناكث ولا ناكب بذلك، ولا مبدّل، فإن الله تعالى جدُّه وعَزّ ذكره يتوعّد مَن خالف أمره، وعَنَد عن سبيله في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
стр. 5584
على أن لأبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، الأمان، وهما مقيمان بحضرته أو أحدهما، أو كانا غائبين عنه؛ أو مجتمعين كانا أو متفرّقين. ويستمر أبو عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بخراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمونة إليها، ويستمر إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين في ولايته بالشام وأجنادها؛ فعلى محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين، أن يُمضيَ أبا عبد الله المعتزّ بالله ابن أمير المؤمنين إلى خُراسان وأعمالها المتصلة بها والمضمومة إليها، وأن يسلّم له ولايتَها وأعمالها كلها وأجنادها والكُور الداخلة فيما ولّى جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين أبا عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين، فلا يعوّقه عنها، ولا يحبسُه قَبله ولا في شيء من البلدان دون خراسان والكور والأعمال المضمومة إليها، وأن يعجّل إشخاصه إليها واليًا عليها وعلى جميع أعمالها، مُفْرَدًا بها مفوّضًا إليه أعمالها كلها؛ لينزل حيث أحبّ من كُور عمله، ولا ينقله عنها، وأن يَشخص معه جميع من ضَمّ إليه أمير المؤمنين، ويضمّ من مواليه وقوّاده وشاكريّته وأصحابه وكتابه وعماله وخدَمَه ومَن اتبعه من صُنوف الناس بأهاليهم وأولادهم وعيالهم وأموالهم؛ ولا يحبس عنه أحدًا، ولا يشرك في شيء من أعماله أحدًا، ولا يوجّه عليه أمينًا ولا كاتبًا ولا بريدًا، ولا يضرب على يده في قليل ولا كثير.
وأن يطلق محمد المنتصر بالله لإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين الخروجَ إلى الشام وأجنادها فيمن ضمّ أمير المؤمنين ويضمه إليه من مواليه وقوّاده وخدَمه وجنوده وشاكريّته وصحابته وعُمّاله وخدّامه ومَن اتبعه من صنوف الناس بأهاليها وأولادهم وأموالهم، ولا يحبس عنهم أحدًا، ويسلّم إليه ولايتها وأعمالها وجنودها كلَّها، لا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قِبلَه ولا في شيء من البلدان دونَها، وأن يعجِّل إشخاصه إلى الشام وأجنادها واليًا عليها، ولا ينقله عنها؛ وأنّ عليه له فيمن ضمّ إليه من القوّاد والموالي والغلمان والجنود والشاكرية وأصناف الناس وفي جميع الأسباب والوجوه مثل الذي اشترط على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين لأبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين في خُراسان وأعمالها على ما رسم من ذلك، وبيّن ولخص، وشرح في هذا الكتاب.
стр. 5585
ولإبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين على أبي عبد الله المعتّز بالله ابن أمير المؤمنين - إذا أفضت الخلافة إليه، وإبراهيم المؤيد بالله مقيم بالشام - أن يُقرّه بها أو كان بحضرته، أو كان غائبًا عنه، أن يمضيَه إلى عمله من الشأم، ويسلّم إليه أجنادَها وولايتها وأعمالها كلها، ولا يعوّقه عنها، ولا يحبسه قِبلَه ولا في شيء من البلدان دونها، وأن يُعجّلَ إشخاصه إليها واليًا عليها وعلى جميع أعمالها؛ على مثل الشرط الذي أخذ لأبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين في خراسان وأعمالها؛ على ما رسم ووصف وشرط في هذا الكتاب؛ لم يجعل أمير المؤمنين لواحد ممن وقعت عليه وله هذه الشروط؛ من محمد المنتصر بالله، وأبي عبد الله المعتّز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله؛ بني أمير المؤمنين، أن يزيل شيئًا مما اشترطنا في هذا الكتاب، ووكّدنا، وعليهم جميعًا الوفاءُ به؛ لا يقبل الله منهم إلّا ذلك، ولا التمسُّك إلا بعهد الله فيه؛ وكان عهد الله مسؤولًا.
أشهد الله ربّ العالمين جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين ومن حضره من المسلمين بجميع ما في هذا الكتاب على إمضائه إياه؛ على محمد المنتصر بالله، وأبي عبد الله المعتّز بالله، وإبراهيم المؤيد بالله، بني أمير المؤمنين بجميع ما سمّى ووصَف فيه، وكفى بالله شهيدًا ومعينًا لمن أطاعه راجيًا، ووفَّى بعهده خائفًا وحسيبًا، ومعاقبًا من خالفه معاندًا، أو صَدَف عن أمره مجاهدًا.
وقد كتب هذا الكتاب أربع نسخ، وقعت شهادة الشهود بحضرة أمير المؤمنين في كلّ نسخة منها؛ في خزانة أمير المؤمنين نسخة، وعند محمد المنتصر ابن أمير المؤمنين نسخة، وعند أبي عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين نسخة، ونسخة عند إبراهيم المؤيد بالله ابن أمير المؤمنين.
وقد ولى جعفر الإمام المتوكل على الله أبا عبد الله المعتز بالله ابن أمير المؤمنين أعمال فارس وإرمينيَة وأذْرَبيجان إلى ما يلي أعمال خراسان وكُورها والأعمال المتصلة بها والمضمومة إليها، على أن يجعل له على محمد المنتصر بالله ابن أمير المؤمنين في ذلك الذي جعل له في الحياطة في نفسه، والوثاق في أعماله، والمضمومين إليه، وسائر من يستعين به من الناس جميعًا في خُراسان
стр. 5586
والكُور المضمومة إليها والمتصلة بها على ما سمَّي ووصف في هذا الكتاب.
وقال إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول يمدح بني المتوكل الثلاثة: المنتصر، والمعتّز، والمؤيد:
أَضْحَتْ عُرَى الإِسلامِ وَهيْ مَنُوطةٌ ... بالنَّصْرِ والإِعزاز والتأْييدِ
بخليفة من هاشمٍ وثلاثةٍ ... كنفوا الخلافةَ من وُلاهِ عهودِ
قمرٌ توالتْ حولهُ أَقمارُهُ ... يكنفْنَ مطلَعَ سعدِهِ بسعود
كَنَفَتْهمُ الآباءُ واكتنفتْ بهمْ ... فسعوا بأَكرمِ أَنفسٍ وجُدُودِ
وله في المعتّز بالله:
أَشرقَ المشرِقُ بالمعتز ... بالله ولاحَا
إِنما المعتز طِيبٌ ... بُثَّ في النَاس فَفاحا
وله أيضًا فيها:
اللهُ أَظهرَ دينَهُ ... وأَعزَّهُ بمحمد
واللهُ أَكرَمَ بالخلا ... فةِ جعفرَ بنَ محمدِ
واللهُ أَيد عهدَه ... بمحمدٍ ومحمد
ومُؤيّدٍ لمؤيدَيْنِ ... إِلى النبيّ محمَّد
* * *
وفيها كانت وفاة إسحاق بن إبراهيم صاحب الجسر في يوم الثلاثاء لستٍّ بقين من ذي الحجة، وقيل كانت وفاته لسبع بقين منه. وصيّر ابنه مكانه، وكسى خمس خلع، وقلِّد سيفًا، وبعث المتوكل حين انتهى إليه خبرُ مرضه بابنه المعتّز لعيادته مع بُغا الشرابيّ وجماعة من القواد والجند (١).
وذكر أن ماء دجلة تغيّر في هذه السنة إلى الصُّفْرة ثلاثة أيام، ففزع الناس لذلك، ثم صار في لون ماء المدود وذلك في ذي الحجة.
* * *
وفيها أتِي المتوكل بيحيى بن عمر بن حسين بن زيد بن عليّ بن أبي طالب
стр. 5587
عليه السلام من بعض النواحي؛ وكان - فيما ذكر - قد جمع قومًا، فضربه عمر بن فرج ثمان عشرة مقرعة، وحبس ببغداد في المطبق (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٢).
* * *
ثم دخلت سنة ستّ وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[خبر مقتل محمد بن إبراهيم بن مصعب] (٣)
فمن ذلك ما كان من مقتل محمد بن إبراهيم بن مُصعب بن زُرَيق، أخي إسحاق بن إبراهيم بفارس.
* ذكر الخبر عن مقتله وكيف قتل:
حدّثني غير واحد، عن محمد بن إسحاق بن إبراهيم؛ أن أباه إسحاق بلَغه عنه أنه أكول لا يملأ جوفَه شيء، وأنه أمر باتخاذ الطعام والإكثار منه، ثم أرسل إليه فدعاه، ثم أمره أن يأكل، وقال له: إني أحبّ أن أرى أكلك، فأكل وأكثر حتى عجب إسحاق منه، ثمّ قُدّم إليه بعد ما ظنّ أنه شبع وامتلأ من الطعام حَمَلٌ مشوي، فأكل منه حتى لم يبق منه إلا عظامُه؛ فلما فرغ من أكله، قال: يا بنيّ، مال أبيك لا يقوم بطعام بطنك؛ فالحق أمير المؤمنين؛ فإنّ ماله أحْمَلُ لك من مالي. فوجّهه إلى الباب وألزمه الخدمة، فكان في خدمة السلطان حياة أبيه، وخليفة أبيه ببابه، حتى مات أبوه إسحاق؛ فعقد له المعتّز على فارس، وعقد له المنتصر على اليمامة والبحرين وطريق مكة، في المحرّم من هذه السنة، وضمّ إليه المتوكّل أعمال أبيه كلها، وزاده المنتصر ولاية مصر؛ وذلك أنه كان - فيما ذكر - حمل إلى المتوكل وأولياء عهده مما كان في خزائن أبيه من الجواهر
стр. 5588
والأشياء النفيسة ما حظِيَ به عندهم، فرفعوه ورفعوا مرتبته.
فلما بلغ محمد بن إبراهيم ما فعِل بابن أخيه محمد بن إسحاق تنكَّر للسلطان، وبلغ المتوكل عنه أمور أنكرها، فأخبرني بعضهم أنّ تنكّر محمد بن إبراهيم إنما كان لابن أخيه محمد بن إسحاق، واعتلاله عليه بحمْل خراج فارس إليه. وإن محمدًا شكا إلى المتوكل ما كان من تنكر عمّه محمد بن إبراهيم في ذلك، فبسط يده عليه، وأطلق له العمل فيه بما أحبّ، فولّى محمد بن إسحاق الحسينَ بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب فارسَ، وعزل عمه، وتقدم محمد إلى الحسين بن إسماعيل في قتل عمِّه محمد بن إبراهيم؛ فذُكر أنه لما صار إلى فارس أهدى إليه في يوم النيروز هدايا؛ فكان فيما أهدى إليه حَلْواء، فأكل محمد بن إبراهيم منها، ثم دخل الحسين بن إسماعيل عليه، فأمر بإدخاله إلى موضع آخر وإعادة الحلواء عليه، فأكل أيضًا منها، فعطش فاستسقى، فمنِع الماء، ورام الخروج من الموضع الذي أدخِل إليه؛ فإِذا هو محبوس لا سبيلَ له إلى الخروج؛ فعاش يومين وليلتين، ومات. فحُمل ماله وعياله إلى سامراء على مائة جمل. ولما ورد نعيُّ محمد بن إبراهيم على المتوكل أمرَ بالكتاب فيه إلى طاهر بن عبد الله بن طاهر بالتعزية فكُتِب:
أما بعد، فإن أمير المؤمنين يوجب لك مع كلِّ فائدة ونعمة تهنئتك بمواهب الله وتعْزِيَتَك عن ملمّات أقداره؛ وقد قضى الله في محمد بن إبراهيم مولى أمير المؤمنين ما هو قضاؤه في عباده؛ حتى يكون الفناء لهم والبقاء له. وأمير المؤمنين يعزّيك عن محمد بما أوجب الله لمن عمل بما أمره به في مصائبه؛ من جزيل ثوابه وأجره؛ فليكن الله وما قرّبك منه أوْلى بك في أحوالك كلها؛ فإِنّ مع شكر الله مزيدَه، ومع التسليم لأمر الله رضاه؛ وبالله توفيق أمير المؤمنين. والسلام.
* * *
[ذكر خبر وفاة الحسن بن سهل] (١)
وفي هذه السنة تُوفِّيَ الحسنُ بن سهل في قول بعضهم في أوّل ذي الحجة
стр. 5589
منها، وقال قائل هذه المقالة: مات محمد بن إسحاق بن إبراهيم في هذا الشهر لأربع بقين منه. وذكر عن القاسم بن أحمد الكوفيّ، أنّه قال: كنت في خدمة الفتح بن خاقان في سنة خمس وثلاثين ومائتين، وكان الفتح يتولّى للمتوكل أعمالًا، منها أخبار الخاصة والعامّة بسامراء والهارونيّ وما يليها؛ فورد كتاب إبراهيم بن عطاء المتولي الأخبارَ بسامراء يذكر وفاة الحسن بن سهل، وأنه شرب شربة دواء في صبيحة يوم الخميس لخمس ليال بقين من ذي القعدة من سنة خمس وثلاثين ومائتين أفرطت عليه، وأنه توفِّيَ في هذا اليوم وقت الظهر، وأنّ المتوكل أمر بتجهيز جهازه من خزائنه. فلمّا وضع على سريره تعلق به جماعة من التجار من غرماء الحسن بن سهل، ومنعوه من دفنه، فتوسّط أمرهم يحيى بن خاقان وإبراهيم بن عتّاب ورجل يعرف ببرغوث؛ فقطعوا أمرهم، ودفن. فلما كان من الغد ورَد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام بوفاة محمد بن إسحاق بن إبراهيم بعد الظهر يوم الخميس لخمس خلوْن من ذي الحجة، فجزع عليه المتوكل جزعًا، وقال: تبارك الله وتعالى! كيف توافت منيّة الحسن ومحمد بن إسحاق في وقت واحد!
* * *
[ذكر خبر هدم قبر الحسين بن علي] (١)
وفيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن عليّ وهدْم ما حوله من المنازل والدّور، وأن يُحرَث ويُبذر ويُسقى موضع قبره، وأن يمنع الناس من إتيانه؛ فذكر أنّ عامل صاحب الشرطة نادى في الناحية: من وجدناه عند قبره بعد ثلاثة بعثنا به إلى المطبَق، فهرب الناس، وامتنعوا من المصير إليه، وحُرِث ذلك الموضع، وزُرع ما حواليه.
* * *
стр. 5590
وفيها استكتب المتوكل عبيد الله بن يحيى بن خاقان، وصرف محمد بن الفضل الجرجرائيّ.
وفيها حجّ محمد المنتصر، وحجّت معه جدّته شجاع أمّ المتوكل، فشيّعها المتوكل إلى النَّجَف (١).
وفيها هلك أبو سعيد محمد بن يوسف المروزيّ الكَبَح فجأة، ذكر أن فارس بن بُغا الشرابيّ وهو خليفة أبيه، عقد لأبي سعيد هذا، وهو مولى طيّئ على أذربيجان وإرمينيّة، فعسكر بالكرخ، كرخ فيروز؛ فلما كان لسبع بقين من شوّال وهو بالكرخ مات فُجأة، لبس أحد خفَّيه ومدّ الآخر ليلبسه فسقط ميتًا، فولّى المتوكل ابنَه يوسف ما كان أبوه وليَه من الحرب، وولّاه بعد ذلك خراج الناحية وضِياعها، فشخص إلى الناحية فضبَطها، وجّه عُمّاله في كل ناحية.
وحجّ بالناس في هذه السنة المنتصر محمد بن جعفر المتوكل (٢).
* * *
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر وثوب أهل إرمينية بعاملهم يوسف بن محمد]
فمن ذلك ما كان من وثوب أهل إرمينيّة بيوسف بن محمد فيها (٣).
* ذكر الخبر عن سبب وثوبهم به:
قد ذكرنا فيما مضى قبلُ سبب استعمال المتوكل يوسف بن محمد هذا إيّاه على إرمينيَة؛ فأما سبب وثُوب أهل إرمينيَة به، فإنه كان - فيما ذكر أنه لما صار
стр. 5591
إلى عمله من إرمينيَة خرج رجل من البطارقة يقال له بُقراط بن أشُوط؛ وكان يقال له بطريق البطارقة، يطلب الإمارة، فأخذه يوسف بن محمد، وقيّده وبعث به إلى باب الخليفة، فأسلم بُقراط وابنه، فذُكر أن يوسف لمّا حمل بقراط بن أشُوط اجتمع عليه ابن أخي بُقراط بن أشوط وجماعة من بطارقة إرمينيَة، وكان الثلج قد وقع في المدينة التي فيها يوسف، وهي - فيما قيل - طَرُون؛ فلما سكن الثلج أناخوا عليها من كلّ ناحية، وحاصروا يوسف ومَنْ معه في المدينة، فخرج يوسف إلى باب المدينة، فقاتلهم فقتلوه وكلّ مَنْ قاتل معه؛ فأما من لم يقاتل معه، فإنهم قالوا له: ضع ثيابك، وانجُ عريانًا، فطرح قوم منهم كثير ثيابهم، ونجوا عُراة حُفاة، فمات أكثرهم من البَرد، وسقطت أصابع قوم منهم ونجوا؛ وكانت البطارقة لمَا حمل يوسف بقراط بن أشوط تحَالفوا على قتله، ونذروا دمَه، ووافقهم على ذلك موسى بن زرارة، وهو على ابنة بقراط، فنهى سوادة بن عبد الحميد الحجّافيّ يوسفَ بن أبي سعيد عن المقام بموضعه، وأعلمه بما أتاه من أخبار البطارقة، فأبى أن يفعل، فوافاه القوم في شهر رمضان، فأحدقوا بسُور المدينة والثلج ما بين عشرين ذراعًا إلى أقلّ حول المدينة إلى خِلاط إلى دُبَيل، والدنيا كلها ثلج.
وكان يوسف قبل ذلك قد فرّق أصحابه في رساتيق عمله، فتوجّه إلى كلّ ناحية منها قوم من أصحابه، فوُجِّه إلى كل طائفة منهم من البطارقة، وممن معهم جماعة، فقتلوهم في يوم واحد، وكانوا قد حاصروه في المدينة أيامًا، فخرج إليهم فقاتل حتى قتِل، فوجّه المتوكل بُغا الشرابيّ إلى إرمينيَة طالبًا بدم يوسف، فشخص إليها من ناحية الجزيرة، فبدأ بأرزَن بموسى بن زرارة، وهو [أبو الحرّ] وله إخوة: إسماعيل وسليمان وأحمد وعيسى ومحمد وهارون، فحمل بغا موسى بن زرارة إلى باب الخليفة، ثم سار فأناخ بجبل الخويثي؛ وهم جَمّة أهل إرمينيَة، وقتلة يوسف بن محمد، فحاربهم فظفِر بهم، فقتل زهاء ثلاثين ألفًا، وسبى منهم خلقًا كثيرًا، فباعهم بإرمينيَة، ثم سار إلى بلاد الباق فأسر أشُوط بن حمزة أبا العباس وهو صاحب الباق - والباق من كُور البُسفُرّجان وبنيَ النشَوَى، ثم سار إلى مدينة دُبيل من إرمينية، فأقام بها شهرًا، ثم سار إلى تفليس.
* * *
стр. 5592
وفي هذه السنة وُلِّي عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم بغداد ومعاون السواد.
وفيها قدم محمد بن عبد الله بن طاهر من خُراسان، لثمان بقين من شهر ربيع الآخر، فولِّيَ الشرطة والجزية وأعمال السَّوَاد وخلافة أمير المؤمنين بمدينة السلام، ثم صار إلى بغداد.
وفيها عزل المتوكلُ محمد بن أحمد بن أبي دواد عن المظالم، وولاها محمد بن يعقوب المعروف بأبي الربيع (١).
وفيها رضي عن ابن أكثم، وكان ببغداد فأشخص إلى سامراء، فوُلِّيَ القضاء على القضاة، ثم ولِّيَ أيضًا المظالم، وكان عزل المتوكل محمد بن أحمد بن أبي دواد عن مظالم سامراء لعشر بقين من صفَر من هذه السنة (٢).
[ذكر غضب المتوكل على ابن أبي دواد]
وفيها غضب المتوكّل على ابن أبي دواد؛ وأمر بالتوكيل على ضياع أحمد بن أبي دواد لخمسٍ بقين من صفر، وحُبِسَ يوم السبت لثلاث خَلَون من شهر ربيع الأول ابنه أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد في ديوان الخراج، وحبس إخوته عند عبيد الله بن السريّ خليفة صاحب الشرطة، فلما كان يوم الإثنين حمل أبو الوليد مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار وجواهر بقيمة عشرين ألف دينار، ثم صُولح بعد ذلك على ستة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم جميعًا ببيع كلّ ضيعة لهم؛ وكان أحمد بن أبي دواد قد فُلج، فلما كان يوم الأربعاء لسبع خلوْن من شعبان، أمر المتوكل بولد أحمد بن أبي دواد، فحُدِروا إِلى بغداد، فقال أبو العتاهية:
لو كنتَ في الرأيِ منسوبًا إلى رشَدٍ ... وكان عزمُك عزمًا فيه توفيقُ
لكانَ في الفقه شغلٌ لو قَنِعْتَ به ... عن أَنْ تقولَ: كلامُ اللهِ مخلوقُ
стр. 5593
ماذا عليك وأَصلُ الدينِ يَجمَعهمْ ... ما كان في الفرعِ لولا الجهلُ والمُوقُ (١)
وأقيم فيها الخلنجيّ للناس في جمادى الآخرة.
* * *
وفيها ولَّى ابن أكثم قضاء الشرقية حيّان بن بشر، وولَّى سَوّار بن عبد الله العنبريّ قضاء الجانب الغربيّ، وكلاهما أعور، فقال الجمّاز:
رأيتُ من الكبائرِ قاضِيَيْنِ ... هُما أَحدُوثةٌ في الخافقين
هما اقتَسَمَا العمَى نِصفَين قدَّا ... كما اقتسما قَضاءَ الجانبَيْنِ
وتَحسِبُ منهما مَن هزَّ رأْسًا ... ليَنظرَ؛ في مَواريثٍ ودَيْنِ
كأَنَّكَ قد وضَعْتَ عليه دنًّا ... فتحْتَ بُزَالَهُ من فَرْدِ عَيْنِ
هما فَأْلُ الزمانِ بهُلْكِ يحيى ... إِذِ افتَتَح القضاءَ بأَعْوَرَيْنِ
[خبر إنزال جثة ابن نصر ودفعه إلى أوليائه]
وفيها أمر المتوكل في يوم الفطر منها بإنزال جُثّة أحمد بن نصر بن مالك الخُزاعيّ، ودفعه إلى أوليائه (٢).
стр. 5594
* ذكر الخبر عما فعل به وما كان من الأمر بسبب ذلك:
ذُكر أنّ المتوكل لمّا أمر بدفع جُثّته إلى أوليائه لدفنه، فُعل ذلك، فدُفع إليهم؛ وقد كان المتوكل لما أفضت إليه الخلافة، نهى عن الجدال في القرآن وغيره، ونفذت كتبه بذلك إلى الآفاق، وهمّ بإنزال أحمد بن نصر عن خَشبته، فاجتمع الغَوْغاء والرّعاع إلى موضع تلك الخشبة، وكثَّروا وتكلمَّوا، فبلغ ذلك المتوكل، فوجّه إليهم نصر بن الليث، فأخذ منهم نحوًا من عشرين رجلًا، فضربهم وحبَسهم، وترك إنزال أحمد بن نصر من خَشبته لِمَا بلغه من تكثير العامة في أمره، وبقيَ الذين أخذوا بسببه في لحبْس حينًا، ثم أطلقوا، فلما دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت الذي ذكرت، حمله ابن أخيه موسى إلى بغداد، وغُسل ودُفن، وضُمّ رأسه إلى بدنه، وأخذ عبد الرحمن بن حمزة جسدَه في منديل مصريّ، فمضى به إلى منزله، فكفَّنه وصلى عليه، وتولَّى إدخاله القبر مع بعض أهله رجل من التجار، ويقال له الأبزاريّ.
فكتب صاحب البريد ببغداد - وكان يعرف بابن الكلبي، من موضع بناحية واسط، يقال له الكلبانية - إلى المتوكل بخبر العامة، وما كان من اجتماعهما وتمسحها بالجنازة؛ جنازة أحمد بن نصر وبخشبة رأسه؛ فقال المتوكل ليحيى بن أكثم: كيف دخل ابن الأبزاريّ القبرَ على كُبْرة خزاعة! فقال: يا أمير المؤمنين، كان صديقًا له. فأمر المتوكل بالكتاب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بمنع العامة
стр. 5595
من الاجتماع والحركة في مثل هذا وشبهه، وكان بعضهم أوصى ابنَه عند موته أن يُرهِبَ العامة؛ فكتب المتوكل ينهي عن الاجتماع.
* * *
وغزا الصائفة في هذه السنة عليّ بن يحيى الأرمني (١).
وحجّ بالناس فيها عليّ بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور، وكان والي مكة (٢).
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر ظفر بغا بإسحاق بن إسماعيل وإحراقه مدينة تفليس]
فمن ذلك ما كان من ظفر بغا بإسحاق بن إسماعيل مولى بني أمية بتفليس وإحراقه مدينة تفليس (٣).
* ذكر الخبر عما كان من بغا في ذلك:
ذُكر أن بغا لما صار إلى دبيل بسبب قتل القاتلين من أهل إرمينيَة يوسفَ بن محمد أقام بها شهرًا؛ فلما كان يوم السبت لعشْر خلوْن من شهر ربيع الأول من سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وجه بغا زيرك التركي، فجاوز الكُر - وهو نهر عظيم مثل الصراة ببغداد وأكبر، وهو ما بين المدينة وتفليس في الجانب الغربيّ وصُغدبيل في الجانب الشرقيّ - وكان معسكر بُغا في الشرقي، فجاوز زيرك الكرّ إلى ميدان تَفْليس، لتفليس خمسة أبواب: باب الميدان، وباب قريس، وباب الصغير، وباب الرَّبَض، وباب صغدبيل - والكُرّ نهر ينحدر مع المدينة - ووجّه بغا أيضًا أبا العباس الواثيّ النصرانيّ إلى أهل إرمينيَة عربها وعجمها، فأتاهم زيرك مما يلي الميدان وأبو العباس مما يلي باب الرَّبَض، فخرج إسحاق بن
стр. 5596
إسماعيل إلى زيرك، فناوشه القتال، ووقف بغا على تلّ مطلّ على المدينة مما يلي صغدبيل؛ لينظر ما يصنع زيرك وأبو العباس، فبعث بُغا النفّاطين فضربوا المدينة بالنار، وهي من خشب الصَّنَوْبر، فهاجت الرّيح في الصنوبر، فأقبل إسحاق بن إسماعيل إلى المدينة لينظر؛ فإذا النار قد أخذت في قصره وجواريه، وأحاطت به النار؛ ثم أتاه الأتراك والمغاربة فأخذوه أسيرًا، وأخذوا ابنه عمرًا، فأتوْا بهما بُغَا، فأمر بُغا به، فرُدّ إلى باب الحسك، فضربت عنقه هناك صَبْرًا، وحُمِلَ رأسه إلى بُغَا، وصُلِبتْ جيفته على الكُرّ؛ وكان شيخًا محدودًا ضخم الرأس، يخضب بالوَسِمة، آدم أصلع أحول، فنُصب رأسه على باب الحَسك.
وكان الذي تولَّى قتلَه غامش خليفة بُغا، واحترق في المدينة نحو من خمسين ألف إنسان، وأطفِئتِ النار في يوم وليلة، لأنها نار الصَّنَوْبر، لا بقاء لها، وصبَّحهم المغاربة، فأسروا مَنْ كان حيًّا، وسلبوا الموتى. وكانت امرأة إسحاق نازلةً بصغدبيل، وهي حذاء تَفْلِيس في الجانب الشرقيّ، وهي مدينة بناها كسرى أنوشروان؛ وكان إسحاق قد حصّنها وحفر خندقَها، وجعل فيها مقاتلة من الخويثيّة وغيرهم. وأعطاهم بُغا الأمان على أن يضعوا أسلحتَهم، ويذهبوا حيث شاء. وكانت امرأة إسحاق ابنه صاحب السرير.
ثم وجّه بُغا - فيما ذكر - زيرك إلى قلعة الجَرْدمان - وهي بين برذعة وتَفْلِيس - في جماعة من جنده، ففح زيرك الجَردمان، وأخذ بطْريقها القِطْريج أسيرًا، فحمله إلى العسكر. ثم نهض بُغا إلى عيسى بن يوسف ابن أخت أصطفانوس؛ وهو في قلعة كثيش من كورة البَيْلَقان، وبينها وبين البَيْلَقان عشرة فراسخ، وبينها وبين برذعة خمسة عشر فرسخًا، فحاربه، ففتحها، ، أخذه وحمله ابنه معه وأباه، وحمل أبا العباس الواثيّ - واسمه سَنْبَاط بن أشُوط - وحمل معه معاوية بن سهل بن سَنْبَاط بطريق أرَّان، وحمل آذر نرسى بن إسحاق الخاشنيّ.
[ذكر مقدم الروم بمراكبهم إلى دمياط] (١)
وفي هذه السنة جاءت للروم ثلاثمائة مركب مع عرفا وابن قطونا وأمرد ناقه
стр. 5597
- وهم كانوا الرؤساء في البحر - مع كلّ واحد منهم مائة مركب، فأناخ ابن قطونا بدمياط، وبينها وبين الشطّ شبيه بالبحيرة يكون فيها الماء إلى صدْر الرجل؛ فمن جازها إلى الأرض أمِن من مراكب البحر؛ فجازها قوم فسلِموا، وغرق قوم كثير من نساء وصبيان؛ واحتمل من كانت له قوّة في السفن، فنجوا إلى ناحية الفسطاط، وبينها وبين الفسطاط مسيرة أربعة أيام. وكان والي معونة مصر عنْبسة بن إسحاق الضّبيّ، فلما قرب العيد، أمر الجند الذين بدمياط أن يُحضروا الفسطاط لتحمل لهم في العيد، وأخلى دمياط من الجند؛ فانتهى مراكب الروم من ناحية شطَا التي يعمل فيها الشطَويّ، فأناخ بها مائة مركب من الشلنديّة؛ تَحمل كلّ مركب ما بين الخمسين رجلًا إلى المائة؛ فخرجوا إليه وأحرقوا ما وصلوا إليه من دورها وأخصاصها، واحتملوا سلاحًا كان فيها أرادوا حمله إلى أبي حفص صاحب أقرِيطش نحوًا من ألف قناة وآلتها، وقَتَلُوا مَنْ أمكنهم قتله من الرجال، وأخذوا من الأمتعة والقَنْد والكَتّان ما كان عُبّئ ليُحمل إلى العراق، وسبوا من المسلمات والقِبْطيات نحوًا من ستمائة امرأة؛ ويقال إن المسلمات منهنّ مائة وخمس وعشرون امرأة والباقي من نساء القِبْط.
ويقال إنّ الروم الذين كانوا في الشلنديات التي أناخت بدمياط كانوا نحوًا من خمسة آلاف رجُل، فأوقروا سفنهم من المتاع والأموال والنساء، وأحرقوا خزانة القلوع وهي شُرُع السفن، وأحرقوا مسجد الجامع بدمياط، وأحرقوا كنائس؛ وكان مَنْ حُزِر منهم ممن غرق في بحيرة دمياط من النساء والصبيان أكثر ممن سباه الروم. ثم رحل الروم عنها.
وذُكر أنّ ابن الأكشف كان محبوسًا في سجن دمياط، حبسه عنبسة، فكسر قيده وخرج؛ فقاتلهم، وأعانه قوم، فقتَل من الروم جماعة، ثم صاروا إلى أشتوم تِنّيس، فلم يحمل الماء سفنهم إليها، فخشوا أن توحَل؛ فلما لم يحملهم الماء صاروا إلى أشتومها - وهي مرسى بينه وبين تنِيّس أربعة فراسخ وأقلّ، وله سور وباب حديد كان المعتصم أمر بعمله - فخرّبوا عامته، وأحرقوا ما فيه من المجانيق والعرّادات، وأخذوا بابيه الحديد؛ فحملوهما، ثم توجّهوا إلى بلادهم، لم يعرض لهم أحد.
* * *
стр. 5598
وخرج المتوكل في هذه السنة يوم الإثنين لخمس خلون من جمادى الآخرة من سامراء يريد المدائن، فصار إلى الشمّاسية يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، فأقام هنالك إلى يوم السبت، وعبر بالعشيّ إلى قُطْربُّل، ثم رجع ودخل بغداد يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت منه فمضى في سوقها وشارعها حتى نزل الزَّعفرانية، ثمّ صار إلى المدائن.
وغزا الصائفة فيها عليّ بن يحيى الأرمنيّ (١).
وحجّ بالناس فيها عليّ بن عيسى بن جعفر بن أبي جعفر (٢).
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك أمرُ المتوكل بأخذ أهل الذمّة بلبس دُرّاعتين عسليتين على الأقبية والدّراريع في المحرّم منها، ثم أمرُه في صفر بالاقتصار في مراكبهم على ركوب البغال والحُمر دون الخيل والبراذين (٣).
وفيها نفى المتوكل عليّ بن الجهم بن بدر إلى خراسان.
وفيها قتل الصَّنَاريّة بباب العامة في جمادى الآخر منها.
وفيها أمر المتوكل بهدم البِيَع المحدثة في الإسلام.
وفيها مات أبو الوليد محمد بن أحمد بن أبي دواد ببغداد في ذي الحجة.
وفيها غزا الصائفة عليّ بن يحيى الأرمنيّ (٤).
* * *
стр. 5599
وحجّ بالناس فيها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ، وكان والي مكة (١).
وفيها حجّ جعفر بن دينار، وكان والي طريق مكة مما يلي الكوفة فوُلِّيَ أحداث الموسم.
وفيها اتفق شعانين النصارى ويوم النيروز؛ وذلك يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة، فذُكر أن النصارى زعمت أنهما لم يجتمعا في الإسلام قط (٢).
ثم دخلت سنة أربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم]
فما كان فيها من ذلك وثوب أهل حمص بعاملهم على المعونة (٣).
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وما آل إليه أمرهم ووثوبهم:
ذكر أن عاملهم على المعونة قتل رجلا كان من رؤسائهم، وكان العامل يومئذ أبو المغيث الرافعيّ موسى بن إبراهيم، فوثب أهل حِمْص في جُمادى الآخرة من هذه السنة، فقتلوا جماعة من أصحابه، ثم أخرجوه وأخرجوا صاحب الخرَاج من مدينتهم؛ فبلغ ذلك المتوكل؛ فوجّه إليهم عتّاب بن عتاب، ووجه معه محمد بن عَبْدويه كرداس الأنباريّ، وأمره أن يقول لهم: إنّ أمير المؤمنين قد أبدلكم رجلًا مكان رجل، فإن سمعوا وأطاعوا ورضُوا، فوَلّ عليهم محمد بن عبدَويه؛ وإن أبوْا وثبتوا على الخلاف فأقمْ بمكانك، واكتب إلى أمير المؤمنين
стр. 5600
حتى يوجّهَ إليك رجاء، أو محمد بن رجاء الحضاريّ أو غيره من الخيل لمحاربتهم، فخرج عتّاب بن عتّاب من سامراء يوم الإثنين لخمس بقين من شهر جمادى الآخرة، فرضوا بمحمد بن عبدويه، فولّاه عليهم ففعل فيهم الأعاجيب.
* * *
وفيها مات أحمد بن أبي دواد ببغداد في المحرّم بعد ابنه أبي الوليد محمد؛ وكان ابنه محمد تُوُفِّيَ قبله بعشرين يومًا في ذي الحجة ببغداد (١).
وفيها عزل يحيى بن أكثم عن القضاء في صفَر، وقبض منه ما كان له ببغداد ومبلغه خمسة وسبعون ألف دينار، ومن أسطوانة في داره ألفا دينار وأربعة آلاف جريب بالبصرة (٢).
وفيها ولّى جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن عليّ القضاء على القضاة في صفر (٣).
وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الله بن محمد بن داود وحجّ جعفر بن دينار وهو والي الأحداث بالموسم (٤).
* * *
стр. 5601
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن وثوب أهل حمص بعاملهم مرة أخرى]
فمن ذلك ما كان من وثُوب أهل حمص بعاملهم على المعونة؛ وهو محمد بن عبدوَيْه (١).
* ذكر الخبر عما كان من أمرهم فيها وما آل إليه الأمر بينهم.
ذُكِر أنّ أهل حمص وثبوا في جمادى الآخرة من هذه السنة بمحمد بن عبدويْه عاملهم على المعونة، وأعانهم على ذلك قوم من نصارى حِمْص، فكتب بذلك إلى المتوكل، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وأمدّه بجند من راتبة دمشق، مع صالح العباسيّ التركيّ، وهو عامل دمشق وجند من جند الرّملة، فأمره أن يأخذ من رؤسائهم ثلاثة نفر فيضربهم بالسياط ضرب التَّلف؛ فإذا ماتوا صلبهم على أبوابهم، وأن يأخذ بعد ذلك من وجُوههم عشرين إنسانًا فيضربهم ثلاثمائة سوط، كلّ واحد منهم، ويحملهم في الحديد إلى باب أمير المؤمنين، وأن يخرّب ما بها من الكنائس والبِيَع، وأن يُدخل البيعة التي إلى جانب مسجدها في المسجد، وألّا يترك في المدينة نصرانيًّا إلا أخرجه منها، وينادَى فيهم قبل ذلك، فمن وجده فيها بعد ثلاثة أحسن أدبه. وأمر لمحمد بن عبدوِيْه بخمسين ألف درهم، وأمر لقواده ووجوه أصحابه بصلات، وأمر لخليفته عليّ بن الحسين بخمسة عشر ألف درهم، ولقوّاده بخمسة آلاف خمسة آلاف درهم، وأمر بخلَع؛ فأخذ محمد بن عبدويه عشرة منهم، فكتب بأخذهم، وأنه قد حملهم إلى دار أمير المؤمنين ولم يضربهم، فوجّه المتوكل رجلًا من أصحاب الفتح بن خاقان يقال له محمد بن رزق الله، ليردّ من الذين وجّه بهم ابن عبدويه
стр. 5602
محمد بن عبد الحميد الحميديّ والقاسم بن موسى بن فوعُوس إلى حمص، وأن يضربهما ضرب التلف، ويصلبَهما على باب حمْص، فردّهما وضربهما بالسياط حتى ماتا. وصلبهما على باب حمص، وقدم بالآخرين سامراء وهم ثمانية؛ فلما صاروا بنصيبين مات واحد منهم، فأخذ المتوكل بهم رأسه، وقدم بسبعة منهم سامراء وبرأس الميت. ثم كتب محمد بن عبدويه أنه أخذ عشرة نفر منهم بعد ذلك، وضرب منهم خمسة نفر بالسياط فماتوا، ثم ضرب خمسة فلم يموتوا. ثم كتب محمد ابن عبدويه بعد ذلك أنه ظفر برجل منهم من المخالفين يقال له عبد الملك بن إسحاق ابن عمارة - وكان فيما ذكر - رأسًا من رؤوس الفتنة؛ فضربه بباب حِمْص بالسياط حتى مات، وصلبه على حصن يعرف بتلّ العباس.
* * *
قال أبو حعفر؛ وفي هذه السنة مُطر الناس - فيما ذكر - بسامراء مطرًا جوْدًا في آب. وفيها ولى القضاء بالشرقيّة في المحرّم أبو حسان الزياديّ (١).
* * *
[ذكر الخبر عن ضرب عيسى بن جعفر وما آل إليه أمره] (٢)
وفيها ضرب عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب خان عاصم ببغداد - فيما قيل - ألف سوط.
* ذكر الخبر عن سبب ضربه وما كان من أمره في ذلك:
وكان السبب في ذلك أنه شُهد عند أبي حسان الزياديّ قاضي الشرقية عليه أنه
стр. 5603
شتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة، سبعة عشر رجلًا؛ شهاداتهم - فيما ذكر - مختلفة من هذا النحو؛ فكتب بذلك صاحب بريد بغداد إلى عبيد الله بن يحيى بن خاقان، فأنهى عبيدُ الله ذلك إلى المتوكل، فأمر المتوكل أن يكتب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بضرب عيسى هذا بالسياط، فإذا مات رَمَى به في دجلة، ولم تدفع جيفته إلى أهله.
فكتب عبيد الله إلى الحسن بن عثمان جواب كتابه إليه في عيسى:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ أبقاك الله وحفظك، وأتمّ نعمته عليك؛ وصل كتابك في الرّجل المسمّى عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم صاحب الخانات، وما شهد به الشهود عليه من شَتْم أصحاب رسول الله - صلي الله عليه وسلم - ولعنهم وإكفارِهم، ورميهم بالكبائر، ونسبتهم إلى النفاق؛ وغير ذلك مما خرج به إلى المعاندة لله ولرسوله ﷺ ، وتثبُّتك في أمر أولئك الشهود وما شهدوا به، وما صح عندك من عدالة من عدل منهم، ووضح لك من الأمر فيما شهدوا به، وشرحك ذلك في رُقعة درج كتابك؛ فعرضت على أمير المؤمنين أعزّه الله ذلك؛ فأمر بالكتاب إلى أبي العباس محمد بن طاهر مولَى أمير المؤمنين أبقاه الله بما قد نفذ إليه، مما يشبه ما عنده أبقاه الله، في نُصرة دين الله، وإحياء سنَّته، والانتقام ممن ألحد فيه، وأن يُضرب الرجل حدًّا في مجمع الناس حدّ الشتم، وخمسمائة سوط بعد الحدّ للأمور العظام التي اجترأ عليها، فإن مات ألقيَ في الماء من غير صلاة ليكون ذلك ناهيًا لكل مُلْحِد في الدين، خارج من جماعة المسلمين؛ وأعلمتك ذلك لتعرفه إن شاء الله تعالى - والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وذُكر أن عيسى بن جعفر بن محمد بن عاصم هذا - وقد قال بعضهم: إن اسمه أحمد بن محمد بن عاصم - لما ضُرِب ترِك في الشمس حتى مات، ثم رُمِيَ به في دِجلة.
* * *
وفي هذه السنة انقضّت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة خلتْ من جمادى الآخرة.
وفيها وقع بها الصدام فنفقت الدّوابّ والبقر.
стр. 5604
وفيها أغارت الروم على عين زَرْبه، فأسَرت مَنْ كان بها من الزّط؛ مع نسائهم وذرارتهم وجواميسهم وبقرهم (١).
[خبر الفداء بين المسلمين والروم في هذه السنة]
وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم (٢).
* ذكر الخبر عن السبب الذي كان ذلك من أجله:
ذكر أن تَذُورة صاحبة الروم أمّ ميخائيل، وجّهت رجلًا يقال له جُورْجِس بن قريافس يطلب الفداء لمن في أيدي الرّوم من المسلمين، وكان المسلمون قد قاربوا عشرين ألفًا، فوجّه المتوكل رجلًا من الشيعة يقال له نصر بن الأزهر بن فرج؛ ليعرف صحة مَنْ في أيدي الروم من أسارى المسلمين، ليأمر بمفاداتهم؛ وذلك في شعبان من هذه السنة بعد أن أقام عندهم حينًا. فذُكر أن تَذُورة أمرتْ بعد خروج نصر بعرض من في إسارها من المسلمين على النصرانية، فمن تنصّر منهم كان أسوة من تَنَصّر قبل ذلك، ومن أبى قتلته؛ فذُكر أنها قتلت من الأسرى اثني عشر ألفًا؛ ويقال إن قنقلة الخصي كان يقتلهم من غير أمرها. ونفذَ كتاب المتوكل إلى عمال الثغور الشامية والجزريّة أن شُنيفًا الخادم قد جرى بينه وبين جورجس رسول عظيم الروم في أمر الفِداء قول، وقد اتفق الأمر بينهما، وسأل جورجس هذا هدنة لخمس ليال تخلو من رجب سنة إحدى وأربعين ومائتين إلى سبع ليال بقين من شوّال من هذه السنة، ليجمعوا الأسرى، ولتكون مدّة لهم إلى انصرافهم إلى مأمنهم. فنفذ الكتاب بذلك يوم الأربعاء لخمس خلوْن من رجب؛ وكان الفداء يقع في يوم الفِطْر من هذه السنة.
وخرج جورجس رسول ملكة الروم إلى ناحية الثغور يوم السبت لثمان بقين من رجب على سبعين بغلا اكْتُرِيت له، وخرج معه أبو قحطبة المغربيّ الطرطوسيّ لينظروا وقتَ الفطر، وكان جورجس قدم معه جماعة من البطاركة وغلمانه بنحو من خمسين إنسانًا، وخرج شُنيف الخادم للفداء في النصف من
стр. 5605
شعبان، معه مائة فارس: ثلاثون من الأتراك، وثلاثون من المغاربة، وأربعون من فرسان الشاكريّة؛ فسأل جعفر بن عبد الواحد - وهو قاضي القضاة - أن يؤذَن له في حضور الفِداء، وأن يستخلف رجلًا يقوم مقامه - فأذن له، وأمر له بمائة وخمسين ألفًا مَعُونة وأرزاق ستين ألفًا؛ فاستخلف ابن أبي الشوارب - وهو يومئذ فتىً حدَث السن - وخرج فلحق شُنيفًا، وخرج أهل بغداد من أوساط الناس، فذكر أن الفِداء وقع من بلاد الروم على نهر اللامس، يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شوال سنة إحدى وأربعين ومائتين، فكان أسرى المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين إنسانًا، ومن النساء مائة وخمسًا وعشرين امرأة.
* * *
وفي هذه السنة جعل المتوكل كُورة شمشاط عُشْرًا، ونقلهم من الخراج إلى العشر، وأخرج لهم بذلك كتابًا.
[ذكر غارة البجة على مصر]
وفي هذه السنة غارت البُجَة على حرس من أرض مصر، فوجّه المتوكل لحربهم محمد بن عبد الله القُمّيَ (١).
* ذكر الخبر عن أمرهم وما آلت إليه حالهم:
ذُكر أن البُجَة كانت لا تغزو المسلمين ولا يغزوهم المسلمون لهدنة بينهم قديمة، قد ذكرناها فيما مضى قبل من كتابنا هذا، وهم جنس من أجناس الحبَش بالمغرب، وبالمغرب من السودان - فيما ذكر - البُجة وأهل غانة الغافر وبينور ورعوين والفرويّة وبِكسوم ومكاره أكرم والنوبة والحبش. وفي بلاد البجة معادن ذهب؛ فهم يقاسمون مَنْ يعمل فيها، ويؤدون إلى عمال السلطان في مصر في كلّ سنة عن معادنهم أربعمائة مثقال تِبْر قبل أن يطبخ ويصفَّى.
فلما كان أيام المتوكل امتنعت البُجَة عن أداء ذلك الخراج سنين متوالية فذُكر أن المتوكل ولَّى بريد مصر رجلًا من خَدَمِه يقال له يعقوب بن إبراهيم الباذغيسيّ