فقال لي: يا إسحاق؛ إذا نصر الهوى بطل الرّأي؛ فقلت له: كنت أحبّ يا أمير المؤمنين أن يكون معي شبابي؛ فأقوم مِنْ خدمتك بما أنويه، قال لي: أوَلست كنت تبلغ إذ ذاك جهدك؟ قلت: بلى، قال: فأنت الآن تبلغ جهدك فسيّان إِذًا.
وذكر عن أبي حسان أنه قال: كانت أمّ أبي إسحاق المعتصم من مولّدات الكوفة يقال لها ماردة.
وذكر عن الفضل بن مروان، أنه قال: كانت أمّ المعتصم ماردة سُغديّة، وكان أبوها نشأ بالسَّواد، قال: أحسبه بالبَنْدَنيجين.
وكان للرشيد من ماردة مع أبي إسحاق، أبو إسماعيل، وأمّ حبيب، وآخران لم يُعرف اسماهما.
وذكر عن أحمد بن أبي دواد أنه قال: تصدّق المعتصم ووهب على يدي وبسببي بقيمة مائة ألف ألف درهم.
* * *
خلافة هارون الواثق أَبي جعفر
وبُويع في يَوم تُوُفِّيَ المعتصم ابنه هارون الواثق بن محمد المعتصم، وذلك في يوم الأربعاء لثمان ليال خلون من شهر ربيع الأول سنة سبع وعشرين ومائتين وكان يكنى أبا جعفر، وأمه أمّ ولد رومية تسمى قراطيس (١).
وهلك هذه السنة توفيل ملك الروم وكان ملكه اثنتي عشرة سنة.
وفيها ملكت بعده امرأته تذورة، وابنها ميخائيل بن توفيل صبيّ (٢).
* * *
стр. 5532
وحجّ بالناس فيها جعفر بن المعتصم (١)، وكانت أم الواثق خرجت معه تريد الحج، فماتت بالحيرة لأربع خلوْن من ذي القعدة ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى.
ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من الوائق إلى أشناس أن توّجه وألبسه وشاحين بالجوهر في شهر رمضان (٢).
وفيها مات أبو الحسن المدائنّي في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصليّ (٣).
وفيها مات حبيب بن أوس الطائيّ أبو تمام الشاعر (٤).
وفيها حجّ سليمان بن عبد الله بن طاهر.
وفيها غلا السعر بطريق مكة، فبلغ رطل خبز بدرهم وراوية ماء بأربعين درهمًا. وأصاب الناس في الموقف حرّ شدّيد، ثم مطر شديد فيه برد، فأضرَّ بهم شدة الحر ثم شدة البرد في ساعة واحدة، ومُطروا بمنىً في يوم النحر مطرًا شديدًا لم يروا مثله، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة قتلت عدّة من الحاج (٥).
وحجّ بالناس في هده السنة محمد بن داود (٦).
* * *
стр. 5533
ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن حبس الواثق الكتّاب وإلزامهم الأموال] . (١)
فمن ذلك ما كان من حبس الواثق بالله الكتّاب وإلزامهم أموالًا، فدفع أحمد بن إسرائيل إلى إسحاق بن يحيى بن معاذ صاحب الحرس، وأمر بضربه كلّ يوم عشرة أسواط، فضربه - فيما قيل - نحوًا من ألف سوط، فأدّى ثمانين ألف دينار. وأخذ من سليمان بن وهب كاتب إيتاخ أربعمائة ألف دينار، ومن الحسن بن وهب أربعة عشر ألف دينار. وأخذ من أحمد بن الخصيب وكتابه ألف ألف دينار، ومن إبراهيم بن رَباح وكتابه مائة ألف دينار، ومن نَجَاح ستين ألف دينار، ومن أبي الوزير صلحًا مائة ألف وأربعين ألف دينار؛ وذلك سوى ما أخذ من العمّال بسبب عمَالاتهم. ونصب محمد بن عبد الملك لابن أبي دواد وسائر أصحاب المظالم العداوة، فكُشفوا وحبُسوا، وأجلس إسحاق بن إبراهيم؛ فنظر في أمرهم وأقيموا للناس ولقوا كلّ جهد.
ذكر الخبر عن السبب الذي بعث الواثق على فعله
ما ذكرت بالكتّاب في هذه السنة:
ذكر عن عزون بن عبد العزيز الأنصاريّ، أنه قال: كنّا ليلةً في هذه السنة عند الواثق، فقال: لست أشتهي الليلة النبيذ، ولكن هلمّوا نتحدث الليلة؛ فجلس في رِواقة الأوسط في الهارونيّ في البناء الأول الذي كان إبراهيم بن رَبَاح بناه؛ وقد كان في أحد شقي ذلك الرّواق قُبّةٌ مرتفعة في السماء بيضاء، كأنها بيضة إلا قدْر ذراع - فيما ترى العين - حولها في وسطها ساج منقوش مغشّي باللازورْد
стр. 5534
والذّهب، وكانت تسمّى قبة المنطقة؛ وكان ذلك الرواق يسمّى رواق قبّة المنطقة.
قال: فتحدَّثنا عامة الليل، فقال الواثق: مَنْ منكم يعلم السبب الذي به وثب جدي الرشيد على البرامكة فأزال نعمتهم؟ قال عزّون: فقلت: أنا والله أحدّثك يا أميرَ المؤمنين، كان سبب ذلك أن الرشيد ذُكرت له جارية لعوْن الخياط، فأرسل إليها فاعترضها، فرضيَ جمالها وعقلَها وحسن أدبها، فقال لعون: ما تقول في ثمنها؟ قال: يا أميرَ المؤمنين، أمر ثمنها واضح مشهور؛ حلفتُ بعتقها وعتق رقيقي جميعًا وصدقة مالي الأيمان المغلظة التي لا مخرج منها لي، واشهدت عليّ بذلك العدول ألّا أنقص ثمنها عن مائة ألف دينار، ولا أحتال في ذلك بشيء من الحِيل، هذه قضيتها. فقال أمير المؤمنين: قد أخذتها منك بمائة ألف دينار، ثم أرسل إلى يحيى بن خالد يخبره بخبر الجارية، ويأمره أن يرسل إليه بمائة ألف دينار، فقال يحيى: هذا مفتاح سوء، إذا اجترأ في ثمن جارية واحدة على طلب مائة ألف دينار فهو أحْرَى أن يطلب المال على قدر ذلك؛ فأرسل يخبره أنه لا يقدر على ذلك، فغضب عليه الرّشيد، وقال: ليس في بيت مالي مائة ألف دينار، فأعاد عليه: لا بدّ منها. فقال يحيى: اجعلوها دراهم، ليراها فيستكثرها، فلعله يردّها، فأرسل بها دراهم، وقال: هذه قيمة مائة ألف دينار، وأمر أن تُوضع في رواقة الذي يمرّ فيه إذا أراد المتوضّأ لصلاة الظهر. قال: فخرج الرّشيد في ذلك الوقت؛ فإذا جبل من بِدَر، فقال: ما هذا؟ قالوا: ثمن الجارية، لم تحضر دنانير، فأرسل قيمتها دراهم، فاستكثر الرشيد ذلك، ودعا خادمًا له، فقال: اضمم هذه إليك، واجعل لي بيت مال لأضمّ إليه ما أريده وسمّاه بيت مال العروس، وأمر بردّ الجارية إلى عون، وأخذ في التفتيش عن المال، فوجد البرامكة قد استهلكوه، فأقبل يهمّ بهم ويمسك؛ فكان يرسل إلى الصحابة وإلى قوم من أهل الأدب من غيرهم فيسامرهم، ويتعشّى معهم؛ فكان فيمن يحضر إنسان كان معروفًا بالأدب، وكان يعرف بكنيته يقال له أبو العُود؛ فحضر ليلةً فيمن حضره، فأعجبه حديثه؛ فأمر خادمًا له أن يأتيَ يحيى بن خالد إذا أصبْحَ، فيأمره أن يعطيَه ثلاثين ألف درهم. ففعل، فقال يحيى لأبي العود: أفعلُ؛ وليس بحضرتنا اليوم مال، غدًا يجيء المال، ونعطيك إن
стр. 5535
شاء الله. ثم دافعه حتى طالت به الأيام، قال: فأقبل أبو العود يحتال أن يجد من الرشيد وقتًا يحرّضه فيه على البرامكة - وقد كان شاع في الناس ما كان يهمّ به الرشيد في أمرهم - فدخل عليه ليلةً، فتحدّثوا، فلم يزل أبو العود يحتال للحديث حتى وصله بقول عمر بن أبي ربيعة:
وعَدتْ هندٌ وما كانت ... تَعِدْ ليتَ هندًا أَنْجَزَتنا ما تَعِدْ
واسْتبدَّتْ مرَّة واحدةً ... إنما العاجز مَن لا يَسْتَبدَ
فقال الرشيد: أجل والله؛ إنما العاجز من لا يستبدّ، حتى انقضى المجلس وكان يحيى قد اتخذ من خدم الرشيد خادمًا يأتيه بأخباره، وأصبح يحيى غاديًا على الرَّشيد، فلما رآه قال: قد أردت البارحة أن أرسل إليك بشعرٍ أنشدنيه بعضُ مَنْ كان عندي، ثم كرهت أن أزعجك، فأنشده البيتين، فقال: ما أحسنَهما يا أمير المؤمنين! وفطن لما أراد، فلما انصرف أرسل إلى ذلك الخادم، فسأله عن إنشاد ذلك الشعر؛ فقال؛ أبو العود أنشده، فدعا الوزير يحيى بأبي العود، فقال له: إنا كنا قد لويناك بمالك، وقد جاءنا مال، ثم قال لبعض خدمه: اذهب فأعطه ثلاثين ألف درهم من بيت مال أمير المؤمنين، وأعطه من عندي عشرين ألف درهم لمُطْلنا إياه، واذهب إلى الفضل وجعفر فقل لهما هذا رجل مستحقّ أن يبرّ، وقد كان أمير المؤمنين أمر له بمال فأطلْت مطله، ثم حضر المال؛ فأمرت أن يعطى ووصلتُه من عندي صِلة، وقد أحببت أن تصلاه، فسألا: بكَم وصله قال: بعشرين ألف درهم؟ فوصله كلّ واحد منهما بعشرين ألف درهم؛ فانصرف بذلك المال كله إلى منزله. وجدّ الرشيد في أمرهم حتى وثب عليهم، وأزال نعمتهم، وقتل جعفرًا وصنع ما صنع.
فقال الواثق: صدق والله جدي؛ إنما العاجز من لا يستبدّ! وأخذ في ذكر الخيانة وما يستحق أهلها.
قال عزُّون: أحسبه: سيوقع بكتّابه، فما مضى أسبوع حتى أوقع بكتّابه، وأخذ إبراهيم بن رباح وسليمان بن وهب وأبا الوزير وأحمد بن الخصيب وجماعتهم، قال: وأمر الواثق بحبس سليمان بن وَهْب كاتب إيتاخ، وأخذه بمائتي ألف درهم - وقيل دينار - فقيد وألبس مَدْرعة من مدارع الملاحين، فأدّى مائة ألف درهم، وسأل أن يؤخذ بالباقي عشرين شهرًا، فأجابه الواثق إلى ذلك،
стр. 5536
وأمر بتخلية سبيله وردّه إلى كتابة إيتاخ، وأمره بلبس السواد.
* * *
وفي هذه السنة وليَ شاربامِيَان لإيتاخ اليمن وشَخص إليها في شهر ربيع الآخر.
وفيها وَلِيَ محمد بن صالح بن العباس المدينة (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٢).
ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر مسير بغا إلى الأعراب بالمدينة]
فمن ذلك ما كان من توجيه الواثق بُغا الكبير إلى الأعراب الذين عاثوا بالمدينة وما حواليها (٣).
* ذكر الخبر عن ذلك:
ذكر أن بدء ذلك كان أن بني سُليم كانت تطاول على الناس حول المدينة بالشرّ، وكانوا إذا وردوا سوقًا من أسواق الحجاز أخذوا سعرها كيف شاءوا، ثم ترقَّى بهم الأمر إلى أن أوقعوا بالحجاز بناس من بني كنانة وباهلة، فأصابوهم وقَتلوا بعضهم، وذلك في جمادى الآخرة سنة ثلاثين ومائتين، وكان رأسهم عُزيزة بن قطّاب السُّلَمِيّ. فوجّه إليهم محمدُ بن صالح بن العباس الهاشميّ؛ وهو يومئذ عامل المدينة؛ مدينة الرسول ﷺ حمادَ بن جرير الطبريّ - وكان الواثق وجّه
стр. 5537
حمادًا مسلحةً للمدينة لئلّا يتطرقهّا الأعراب، في مائتي فارس من الشاكريّة - فتوجّه إليهم حمّاد في جماعة من الجند ومَنْ تطوّع للخروج من قريش والأنصار ومواليهم وغيرهم من أهل المدينة، فسار إليهم فلقيتْه طلائعهم. وكانت بنو سليم كارهة للقتال، فأمر حماد بن جرير بقتالهم، وحمل عليهم بموضع يقال له الرّوَيْثة من المدينة على ثلاث مراحل؛ وكانت بنو سليم يومئذ وأمدادها جاءوا من البادية في ستمائة وخمسين، وعامة مَنْ لقيَهم من بني عَوْف من بني سُلَيم، ومعهم أشهب بنُ دُوَيكل بن يحيى بن حمير العوفيّ وعمه سلمَة بن يحيى وعُزيزة بن قطَّاب اللَّبيديّ من بني لبيد بن سُليم، فكان هؤلاء قوّادهم، وكانت خيلهم مائة وخمسين فرسًا، فقاتلهم حماد وأصحابه؛ ثم أتت بني سليم أمدادُها خمسمائة من موضع فيه بَدْوهمْ وهو موضع يسمّى أعلى الرويثة؛ بينها وبين موضع القتال أربعة أميال، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فانهزمت سودان المدينة بالناس؛ وثبت حمّاد وأصحابه وقريش والأنصار، فصلُوا بالقتال حتى قُتِل حماد وعامة أصحابه، وقُتل مِمّن ثبت من قريش والأنصار عددٌ صالح، وحازت بنو سُليم الكُراع والسلاح والثياب؛ وغلُظ أمر بني سُلَيم، فاستباحت القرى والمناهل، فيما بينها وبين مكة والمدينة، حتى لم يمكن أحدًا أن يسلك ذلك الطريق؛ وتطرّقوا مَنْ يليهم من قبائل العرب.
فوجّه إليهم الواثق بُغا الكبير أبا موسى التركيّ في الشاكريّة والأتراك والمغاربة، فقدِمها بُغا في شعبان سنة ثلاثين ومائتين، وشخص إلى حَرّة بني سليم، لأيام بقين من شعبان، وعلى مقدّمته طردوش التركيّ، فلقيهم ببعض مياه الحَرّة؛ وكانت الوقعة بشقّ الحرّة من وراء السُّوارقيَّة، وهي قريتهم التي كانوا يأوون إليها - والسوارقية حصون - وكان جُلّ من لقيه منهم من بني عوف فيهم عُزيزة بن قطَّاب والأشهب - وهما رأسا القوّاد يومئذ - فقتَل بُغا منهم نحوًا من خمسين رجلًا، وأسر مثلهم؛ فانهزم الباقون، وانكشف بنو سليم لذلك؛ ودعاهم بُغا بعد الوقعة إلى الأمان على حُكْم أمير المؤمنين الواثق، وأقام بالسوارِقيَّة فأتوْه، واجتمعوا إليه، وجمعهم من عشرة واثنين وخمسة وواحد، وأخذ مَن جمعت السوارقيّة من غير بني سليم من أفناء الناس، وهربت خُفَاف بني سُلَيم إلّا أقلها، وهي التي كانت تؤذي الناس، وتطرّق الطريق، وجلّ مَنْ صار
стр. 5538
في يده ممّن ثبت من بني عَوْف، وكان آخر من أخذ منهم من بني حُبْشيّ من بني سُليم، فاحتبس عنده من وُصف بالشرّ والفساد؛ وهم زُهاء ألف رجل، وخلّى سبيلَ سائرهم؛ ثم رحل عن السوارقيّة بمَن صار في يده من أسارى بني سُلَيم ومستأمنيهم إلى المدينة في ذي القعدة سنة ثلاثين ومائتين، فحبسهم فيها في الدّار المعروفة بيزيد بن معاوية، ثم شخص إلى مكة حاجًّا في ذي الحجة؛ فلمّا انقضى الموسم انصرف إلى ذات عرْق، ووجه إلى بني هلال مَنْ عرض عليهم مثل الذي عَرض على بني سُلَيم فأقبلوا، فأخذ من مَردتهم وعُتاتهم نحوًا من ثلاثمائة رجل، وخلَّى سائرهم، ورجع من ذات عِرْق وهي على مرحلة من البستان، بينها وبين مكة مرحلتان.
* * *
[ذكر الخبر عن وفاة عبد الله بن طاهر]
وفي هذه السنة مات أبو العباس عبد الله بن طاهر بنيسابور يوم الإثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول بعد موت أشناس التركيّ بتسعة أيام ومات عبد الله بن طاهر وإليه الحرب والشرطة والسّواد وخُراسان وأعمالها والريّ وطبرستان وما يتصل بها وكِرْمان، وخراج هذه الأعمال كان يوم ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فولَّى الواثق أعمال عبد الله بن طاهر كلها ابنه طاهرًا (١).
وحجّ في هذه السنة إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب، فولي أحداث الموسم (٢).
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٣).
стр. 5539
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من أمر الفِداء الذي جرى على يد خاقان الخادم يين المسلمين والرّوم في المحرّم منها، فبلغت عدّة المسلمين - فيما قيل - أربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين إنسانًا (١).
* * *
[ذكر الخبر عن أمر بني سليم وغيرهم من القبائل]
وفيها قُتِل من قتل مَنْ بني سُليم بالمدينة في حبس بُغا.
* ذكر الخبر عن سبب قتلهم وما كان من أمرهم:
ذكر أنّ بُغا لمّا صار إليه بنو هلال بذات عِرْق، فأخذ منهم مَنْ ذكرت أنه أخذ منهم، شخص مُعْتمرًا عُمْرة المحرَّم، ثم انصرف إلى المدينة، فجمع كلّ من أخذ من بني هلال واحتبسهم عنده مع الذين كان أخذ من بني سُليم، وجمعهم جميعًا في دار يزيد بن معاوية في الأغلال والأقياد وكانت بنو سليم حُبِست قبل ذلك بأشهر. ثم سار بُغا إلى بني مرّة، وفي حبس المدينة نحو من ألف وثلثمائة رجل من بني سُليم وهلال، فنقبوا الدار ليخرجوا، فرأت امرأة من أهل المدينة النَّقْب، فاستصرخت أهل المدينة فجاءوا، فوجدوهم قد وثبوا على الموكَّلين بهم، فقتلوا منهم رجلًا أو رجلين، وخرج بعضهم أو عامّتهم؛ فأخذوا سلاح الموكَّلين بهم، واجتمع عليهم أهل المدينة؛ أحرارهم وعبيدهم - وعامل المدينة يومئذ عبد الله بن أحمد بن داود الهاشميّ - فمنعوهم الخروج، وباتوا محاصريهم حول الدار حتى أصبحوا، وكان وثوبهم عشيّة الجمعة؛ وذلك أن عُزيزة بن قَطَّاب قال لهم: إني أتشاءم بيوم السبت؛ ولم يزل أهل المدينة يعتقبون القتال،
стр. 5540
وقاتلتْهم بنو سُليم، فظهر أهل المدينة عليهم، فقتلوهم أجمعين، وكان عُزيزة يرتجز، ويقول:
لا بُدَّ مِنْ زَحْم وإن ضاقَ البابْ ... إني أَنا عُزَيزة بنُ القطَّابْ
لَلموتْ خيرٌ للفتَى من العَابْ ... هذا وربِّي عملٌ لِلبَوَّابْ
وقيْده في يده قد فكّه، فرمى به رجلا، فخرّ صريعًا، وقُتلوا جميعًا، وقتلمت سودان المدينة مَنْ لقيت من الأَعراب في أزقة المدينة ممّن دخل يمتار، حتى لقوا أعرابيًّا خارجًا من قبر النبي ﷺ فقتلوه؛ وكان أحد بني أبي بكر بن كلاب من ولد عبد العزيز بن زُرارة. وكان بُغا غائبًا عنهم؛ فلمّا قدم فوجدهم قد قُتِلوا شقَّ ذلك عليه، ووجد منه وجدًا شديدًا.
وذُكر أن البوّاب كان قد ارتشى منهم، ووعدهم أن يفتح لهم الباب، فدجلوا قبل ميعاده؛ فكانوا يرتجزون ويقولون وهم يقاتلون:
الموت خيرٌ للفتى مِنَ العارْ ... قد أَخَذَ البوابُ أَلْف دينارْ
وجعلوا يقولون حين أخذهم بُغَا:
يا بُغيَة الخْيرِ وسَيْفَ المُنتبِهْ ... وجانِبَ الجورِ البَعيدِ المشتَبِهْ
مَنْ كان منا جانِبًا فلستُ بِهْ ... افْعَلْ هَداك اللهُ ما أُمرتَ بهْ
فقال: أمِرْت أن أقتلَكم. وكان عُزَيزة بن قَطّاب رأس بني سُليم حين قتِل أصحابه صار إلى بئر، فدخلها، فدخل عليه رجل من أهل المدينة فقتله، وصُفَّت القتلى على باب مَرْوان بن الحكم، بعضُها فوق بعض.
وحدثني أحمد بن محمد أن مؤذِّن أهل المدينة أذّن ليلةَ حراستهم بني سليم بليل ترهيبًا لهم بطلوع الفجر، وأنهم قد أصبحوا، فجعل الأعراب يضحكون، ويقولون: يا شرَبة السَّويق؛ تُعلموننا بالليل، ونحن أعلم به منكم! فقال رجل من بني سُليم:
متى كانَ ابنُ عباسٍ أَميرًا ... يَصِلُّ لِصقلِ نابيْهِ صَرِيفُ
يجورُ ولا يُرَدُّ الجَوْرُ منه ... ويسطو ما لِوَقعَتِهِ ضعيفُ
وقد كنا نَرُدُّ الجور عنَّا ... إذا انتُضيتْ بأَيدينا السُّيوفُ
стр. 5541
أَميرُ المؤمنينَ سَمَا إلينا ... سُمُوَّ الليث ثار من الغَريفِ
فإِنْ يَمْنُنْ فَعَفْوَ اللهِ نرجو ... وإن تقتلْ فقاتِلنا شَريفُ
وكان سبب غَيبْة بُغا عنهم أنه توجه إلى فَدَك لمحاربة مَنْ فيها ممّن كان تغلّب عليها من بني فزارة ومُرّة؛ فلما شارفهم وجّه إليهم رجلًا من فَزارة يعرض عليهم الأمان، ويأتيه بأخبارهم، فلمّا قدم عليهم الفزاريّ حذّرَهم سطوته، وزيّن لهم الهرب، فهربوا ودخلوا في البرّ، ودخلوا فَدَك إلّا نفرًا بقُوا فيها منهم؛ وكان قصدهم خَيْبَر وجَنَفاء ونواحيها؛ فظفر ببعضهم، واستأمن بعضهم، وهرب الباقون مع رأس لهم يقال له الرّكاض إلى موضع من البلْقاء من عمل دمشق، وأقام بُغا بجنَفاء وهي قرية من حدّ عمل الشأم، مما يلي الحجاز نحوًا من أربعين ليلة، ثم انصرف إلى المدينة بمن صار في يديه من بني مُرّة وفزارة.
* * *
وفي هذه السنة صار إلى بُغا من بطون غَطَفان وفزارة وأشْجع جماعة؛ وكان وجّه إليهم وإلى بني ثعلبة؛ فلما صاروا إليه - فيما ذكر - أمر محمد بن يوسف الجعفريّ، فاستحلفهم الأيمان المؤكدة ألّا يتخلّفوا عنه متى دعاهم. فحلفوا، ثم شخص إلى ضَرِيّة لطلب بني كلاب، ووجّه إليهم رسلَه، فاجتمع إليه منهم - فيما قيل - نحو من ثلاثة آلاف رجل، فاحتبس منهم من أهل الفساد نحوًا من ألف رجل وثلاثمائة رجل، وخلَّى سائرهم، ثم قدم بهم المدينة في شهر رمضان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، فحبسهم في دار يزيد بن معاوية، ثم شخص إلى مكة بُغا، وأقام بها حتى شهِد الموسم، فبقى بنو كلاب في الحبس لا يجرى عليهم شيءٌ مدّة غيبة بُغا؛ حتى رجع إلى المدينة، فلما صار إلى المدينة أرسل إلى مَنْ كان استحلف من ثعلبة وأشجع وفَزارة فلم يجيبوه، وتفرّفوا في البلاد، فوجّه في طلبهم فلم يلحق منهم كثير أحد.
* * *
стр. 5542
[ذكر مقتل أحمد بن نصر الخزاعي على يد الواثق] (١)
وفي هذه السنة تحرّك ببغداد قومٌ في رَبَض عمرو بن عطاء، فأخذوا على أحمد بن نصر الخُزاعيّ البيعة.
* ذكر الخبر عن سبب حركة هؤلاء القوم وما آل إليه أمرهم وأمر أحمد بن نصر:
وكان السبب في ذلك أنّ أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخُزاعيّ - ومالك بن الهيثم أحد نقباء بني العبّاس، وكان ابنه أحمد يغْشاه أصحاب الحديث؛ كيحيى بن مَعين وابن الدَّوْرَقيّ وابن خَيْثمة، وكان يُظهر المباينة لمن يقول: القرآن مخلوق؛ مع منزلة أبيه كانت من السلطان في دولة بني العباس، ويبسط لسانه فيمن يقول ذلك، مع غِلْظة الواثق كانت على من يقول ذلك وامتحانه إياهم فيه، وغلبة أحمد بن أبي دواد عليه - فحدثني بعض أشياخنا، عمّن ذكره، أنه دخل على أحمد بن نصر في بعض تلك الأيام وعنده جماعة من الناس، فذُكر عنده الواثق، فجعل يقول: ألا فعل هذا الخنزير! أو قال: هذا الكافر: وفشا ذلك من أمره، فخُوّف بالسلطان، وقيل له: قد اتصل أمرُك به، فخافه.
وكان فيمن يغشاه رجل - فيما ذكر - يعرف بأبي هارون السرّاج وآخر يقال له طالب، وآخر من أهل خُراسان من أصحاب إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب صاحب الشرْطة ممّن يظهر له القول بمقالته، فحرّك المطيفون به - يعني أحمد بن نصر - من أصحاب الحديث، وممّن ينكر القول بخلْق القرآن من أهل بغداد - وحملوه على الحركة لإنكار القول بخلْق القرآن، وقصدوه بذلك دون غيره؛ لما كان لأبيه وجدّه في دولة بني العباس من الأثرَ، ولمّا كان له ببغداد، وأنه كان أحدَ مَنْ بايع له أهل الجانب الشرقيّ على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والسمع له في سنة إحدى ومائتين، لمَّا كثر الدّعَّار بمدينة السلام، وظهر بها
стр. 5543
الفساد والمأمون بخراسان؛ وقد ذكرنا خبره فيما مضى. وأنه لم يزل أمره على ذلك ثابتًا إلى أن قدم المأمون بغداد في سنة أربع ومائتين، فرجوا استجابة العامة له إذا هو تحرّك للأسباب التي ذكرت.
فذكر أنه أجاب من سأله ذلك؛ وأنّ الذي كان يسعى به في دعاء الناس له الرجلان اللذان ذكرت اسمهما قبل. وإن أبا هارون السرّاج وطالبًا فرّقا في قوم مالا، فأعطيا كلّ رجل منهم دينارًا دينارًا، وواعدهم ليلةً يضربون فيها الطَّبْل للاجتماع في صبيحتها للوثوب بالسلطان؛ فكان طالب بالجانب الغربيّ من مدينة السَّلام فيمن عاقده على ذلك، وأبو هارون بالجانب الشرقيّ فيمن عاقده عليه؛ وكان طالب وأبو هارون أعطيا فيمَنْ أعطيا رجلين من بني أشرس القائد دنانير يفرّقانها في جيرانهم، فانتبذ بعضُهم نبيذًا، واجتمع عدّة منهم على شربه، فلمّا ثمِلوا ضربوا بالطبل ليلة الأربعاء قبل الموعد بليلة؛ وكان الموعد لذلك ليلة الخميس في شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، لثلاث تخلو منه، وهم يحسبونها ليلة الخميس التي اتّعدوا لها، فأكثروا ضرب الطبْل، فلم يجبهم أحد. وكان إسحاق بن إبراهيم غائبًا عن بغداد وخليفته بها أخوه محمد بن إبراهيم، فوجّه إليهم محمد بن إبراهيم غلامًا له يقال له رَحش، فأتاهم فسألهم عن قصّتهم، فلم يظهر له أحد ممن ذكر بضرب الطَّبْل، فدُل على رجل يكون في الحمامات مصاب بعينه، يقال له عيسى الأعور، فهدّده بالضرب، فأقرّ على ابني أشرس وعلى أحمد بن نصر بن مالك وعلى آخرين سمّاهم، فتتبّع القوم من ليلتهم؛ فأخذ بعضهم، وأخذ طالبًا ومنزلُه في الرَّبض من الجانب الغربي، وأخذ أبا هارون السرّاج ومنزله في الجانب الشرقيّ، وتتبَّع مَنْ سمّاه عيسى الأعور في أيام وليال، فصُيروا في الحبس في الجانب الشرقيّ والغربيّ، كلُّ قوم في ناحيتهم التي أخذوا فيها، وقيِّد أبو هارون وطالب بسبعين رطلًا من الحديد كلّ واحد منهما، وأصيب في منزل ابني أشرس عَلَمان أخضر ان فيهما حُمرة في بئر، فتولَّى إخراجهما رجلٌ من أعوان محمد بن عيّاش - وهو عامل الجانب الغربيّ، وعامل الجانب الشرقيّ العباس بن محمد بن جبريل القائد الخراسانيّ - ثم أخذَ خصي لأحمد بن نصر فتُهُدِّد، فأقرّ بما أقرَّ به عيسى الأعور، فمضى إلى أحمد بن نصر وهو في الحمّام، فقال لأعوان السلطان: هذا منزلي؛ فإن أصبتم فيه عَلمًا أو عُدَّة
стр. 5544
أو سلاحًا لفتنة فأنتم في حِلّ منه ومن دِمي؛ ففتش فلم يُوجد فيه شيء، فحمِل إلى محمد بن إبراهيم بن مصعب وأخذوا خصيّين وابنين له ورجلًا ممن كان يغشاه يقال له إسماعيل بن محمد بن معاوية بن بكر الباهليّ، ومنزله بالجانب الشرقيّ، فحمل هؤلاء الستة إلى أمير المؤمنين الواثق وهو بسامراء على بغال بأكُفٍ ليس تحتهم وطاء، فَقيِّد أحمد بن نصر بزوج قيود، وأخرجوا من بغداد يوم الخميس لليلة بقيت من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وكان الواثق قد أعلم بمكانهم، وأحضر ابن أبي دواد وأصحابه، وجلس لهم مجلسًا عامًّا ليُمتحنوا امتحانًا مكشوفًا، فحضر القوم واجتمعوا عنده.
وكان أحمد بن أبي دواد - فيما ذكر - كارهًا قتله في الظاهر؛ فلما أتِيَ بأحمد بن نصر لم يناظره الواثق في الشَّغَب ولا فيما رُفع عليه من إرادته الخروج عليه؛ ولكنه قال له: يا أحمد، ما تقول في القرآن؟ قال: كلام الله - وأحمد بن نصر مستقتل قد تنوّر وتطيّب، قال: أفمخلوق هو؟ قال: هو كلام الله، قال: فما تقول في ربّك، أتراه يوم القيامة؟ قال: يا أمير المؤمنين جاءت الآثار عن رسول الله ﷺ أنه قال: "تروْن ربكم يوم القيامة كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته"؛ فنحن على الخبر. قال: وحدثني سفيان بن عيينة بحديث يرفعه: "أن قلب ابن آدم بين إصبعيْن من أصابع الله يقلبِّه"؛ وكان النبي ﷺ يدعو: "يا مقلِّب القلوب، ثبّت قلبي على دينك"؛ فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويلك! انظر ماذا تقول! قال: أنت أمرتني بذلك؛ فأشفق إسحاق من كلامه، وقال: أنا أمرتُك بذلك! قال: نعم، أمرَتني أن أنصح له إذ كان أمير المؤمنين، ومِنْ نصيحتي له ألا يخالِف حديث رسول الله ﷺ . فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون فيه؟ فأكثروا، فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيًا على الجانب الغربيّ فعزِل؛ وكان حاضرًا وكان أحمد بن نصر ودًّا له -: يا أمير المؤمنين؛ هو حلال الدّم، وقال أبو عبد الله الأرمنيّ صاحب ابن أبي دواد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين، فقال الواثق: القتل يأتي على ما تريد، وقال ابن أبي دواد: يا أمير المؤمنين كافر يُستتاب؛ لعلّ به عاهة أو تَغيُّر عقل - كأنه كره أن يقتَل بسببه - فقال الواثق: إذا رأيتموني قد قصتُ إليه، فلا يقومنّ أحد معي، فإني أحتسب خُطاي إليه، ودعا بالصَّمصامة - سيف عمرو بن معد يكرب الزّبيديّ وكان في الخزانة، كان أهدى
стр. 5545
إلى موسى الهادي، فأمر سَلْمًا الخاسر الشاعر أن يصفه له، فوصفه فأجازَه - فأخذ الواثق الصّمصامة - وهي صفيحة موصولة من أسفلها مسمورة بثلاثة مسامير تجمع بين الصّفيحة والصلة - فمشى إليه وهو في وسط الدار، ودعا بنطع فصيِّر في وسطه، وحبْل فشُدَّ رأسه، ومُدّ الحبل، فضربه الواثق ضربة، فوقعت على حبل العاتق، ثم ضربه أخرى على رأسه، ثم انتضى سِيَما الدمشّقيّ سيفه، فضرب عنقه وحزّ رأسه.
وقد ذُكر أن بُغا الشرابيّ ضربه ضربة أخرى، وطعنه الواثق بطرف الصَّمْصامة في بطنه، فحمِل معترضًا حتى أتِيَ به الحَظيرة التي فيها بابك، فصلِب فيها وفي رجله زَوْج قيود، وعليه سراويل وقميص، وحمِل رأسه إلى بغداد، فنُصب في الجانب الشرقيّ أيامًا، وفي الجانب الغربيّ أيامًا، ثم حُوّل إلى الشرقيّ، وحُظر على الرأس حظيرة، وضرِب عليه فسطاط، وأقيم عليه الحرس، وعُرف ذلك الموضع برأس أحمد بن نصر؛ وكتب في أذنه رُقْعة: هذا رأس الكافر المشرك الضالّ؛ وهو أحمد بن نصر بن مالك؛ ممّن قتله الله على يدي عبد الله هارون الإمام الواثق بالله أمير المؤمنين، بعد أن أقام عليه الحجة في خَلْق القرآن ونفي التشبيه، وعرَض عليه التوبة، ومكّنه من الرجوع إلى الحق؛ فأبى إلا المعاندة والتصريح، والحمد الله الذي عجّل به إلى ناره وأليمِ عقابه. وإنّ أمير المؤمنين سأله عن ذلك؛ فأقرّ بالتشبيه وتكلّم بالكفر، فاستحلَّ بذلك أمير المؤمنين دَمه، ولعنه (١).
стр. 5546
وأمر أن يُتتبع من وُسِم بصحبة أحمد بن نصر؛ ممن ذُكر أنه كان متشايعًا له؛ فوُضعوا في الحبوس، ثم جُعل نيِّف وعشرون رجلا وُسموا في حبوس الظلمة؛ ومُنعوا من أخذ الصدقة التي يُعطاها أهل السجون، ومنُعوا من الزُّوّار، وثقّلوا بالحديد. وحمِل أبو هارون السراج وآخَرُ معه إلى سامراء، ثم رُدُّوا إلى بغداد، فجُعلوا في المحابس.
وكان سبب أخذ الذين أخذوا بسبب أحمد بن نصر، أنّ رجلًا قصّارًا كان في
стр. 5547
الرَّبض جاء إلى إسحاقَ بن إبراهيم بن مصعب، فقال: أنا أدلّك على أصحاب أحمد بن نصر، فوجّه معه من يتبعهم؛ فلمّا اجتمعوا وجدوا على القصّار سببًا حبسوه معهم؛ وكان له في المِهْرزار نخل، فقُطع وانتُهبَ منزله؛ وكان ممن حُبس بسببه قوْم من ولد عمرو بن اسفنديار، فماتوا في الحبس؛ فقال بعض الشعراء في أحمد بن أبي دواد:
ما إنْ تحوّلتَ من إيادِ ... صِرْتَ عذابًا على العبادِ
أصنتَ كما قلتَ من إيادِ ... فارْفقْ بهذا الخلقِ يا إيادِي
* * *
وفي هذه السنة أرأد الواثق الحجّ، فاستعدّ له، ووجّه عمر بن فرَج إلى الطريق لإصلاحه، فرجع فأخبره بقلّة الماء فبدا له.
وحجّ بالناس فيها محمد بن داود بن عيسى (١).
وفيها ولّى الواثق جعفر بن دينار اليمن، فشخص إليها في شعبان، وحجّ هو وبُغا الكبير، وعلى أحداث الموسم بُغا الكبير؛ وكان شخوص جعفر إلى اليمن في أربعة آلاف فارس وألفي راجل وأعطى رزق ستة أشهر.
وعقد محمد بن عبد الملك الزيات لإسحاق بن إبراهيم بن أبي خمَيصة مولى بني قُشير من أهل أضاخ فيها على اليمامة والبحرين وطريق مكة، مما يلي البصرة في دار الخلافة؛ ولم يذكر أن أحدًا عقد لأحد في دار الخلافة إلّا الخليفة غير محمد بن عبد الملك الزيّات.
وفي هذه السنة نقب قوم من اللصوص بيت المال الذي في دار العامّة في جوف القصر، وأخذوا اثنين وأربعين ألفًا من الدراهم؛ وشيئًا من الدنانير يسيرًا، فأخذوا بعدُ وتتبع أخذهم يزيد الحلوانيّ، صاحب الشرطة خليفة إيتاخ.
وفيها خرج محمد بن عمرو الخارجيّ من بني زيد بن تغلب في ثلاثة عشر رجلًا في ديار ربيعة، فخرج إليه غانم بن أبي مسلم بن حُميد الطوسيّ، وكان على حرب الموصل في مثل عدّته، فقتل من الخوارج أربعة، وأخذ محمد بن
стр. 5548
عمرو أسيرًا فبعث به إلى سامراء، فبعث به إلى مطبَق بغداد، ونُصبت رؤوس أصحابه وأعلامه عند خشبة بابك.
وفي هذه السنة قدم وصيف التركيّ من ناحية أصبهان والجبال وفارس؛ وكان شخص في طلب الأكراد، لأنهم قد كانوا تطرّقوا إلى هذه النواحي، وقدم معه منهم بنحو من خمسمائة نفس؛ فيهم غلمان صغار، جمعهم في قيود وأغلال؛ فأمر بحبسهم، وأجِيز وصيف بخمسة وسبعين ألف دينار، وقلّد سيفًا وكُسىً.
* * *
[خبر الفداء بين المسلمين والرّوم]
وفي هذه السنة، تمّ الفداء بين المسلمين وصاحب الرُّوم، واجتمع فيها المسلمون والرُّوم على نهر يقال له اللمس على سَلُوقيّةَ علَى مسيرة يوم من طَرَسُوس (١).
* ذكر الخبر عن سبب هذا الفداء وكيف كان:
ذُكر عن أحمد بن أبي قَحْطبَة صاحب خاقان الخادم - وكان خادم الرشيد، وكان قد نشأ بالثغر - أنّ خاقان هذا قدِم على الواثق، وقدم معه نفر من وجوه أهل طَرَسوس وغيرها يشكون صاحب مظالم كان عليهم، يكنى أبا وهب؛ فأحضِر، فلم يزل محمد بن عبد الملك يجمع بينه وبينهم في دار العامّة عند انصراف يوم الإثنين والخميس، فيمكثون إلى وقت الظهر؛ وينصرف محمد بن عبد الملك وينصرفون، فعُزل عنهم، وأمر الواثق بامتحان أهل الثغور في القرآن، فقالوا بخلقه جميعًا؛ إلا أربعة نفر؛ فأمر الواثق بضرب أعناقهم إن لم يقولوه، وأمر لجميع أهل الثغور بجوائز على ما رأى خاقان، وتعجّل أهلُ الثغور إلى ثغورهم،
стр. 5549
وتأخّر خاقان بعدهم قليلًا؛ فقدم على الواثق رسلُ صاحب الروم - وهو ميخائيل بن توفيل بن ميخائيل بن أليون بن جورجس - يسأله أن يفادِيَ بمن في يده من أسارى المسلمين، فوجّه الواثق خاقان في ذلك، فخرج خاقان ومَنْ معه في فداء أسارى المسلمين في آخر سنة ثلاثين ومائتين على موعد بين خاقان ورسل صاحب الرّوم للالتقاء للفداء في يوم عاشوراء؛ وذلك في العاشر من المحرّم سنة إحدى وثلاثين ومائتين. ثم عقد الواثق لأحمد بن سعيد بن سلْم بن قتيبة الباهليّ على الثغور والعواصم، وأمره بحضور الفداء؛ فخرج على سبعة عشر من البُرُد وكان الرسل الذين قدموا في طلب الفداء قد جرى بينهم وبين ابن الزّيات اختلاف في الفداء، قالوا: لا نأخذ في الفداء امرأة عجوزًا ولا شيخًا كبيرًا ولا صبيًّا، فلم يزل ذلك بينهم أيامًا حتى رضُوا عن كلّ نفس بنفس.
فوجّه الواثق إلى بغداد والرّقة في شراء مَنْ يباع من الرقيق من مماليك، فاشترى مَنْ قدرَ عليه منهم، فلم تتم العدة، فأخرج الواثق من قصره من النساء الروميات العجائز وغيرهنّ؛ حتى تمّت العِدّة، ووجّه ممن مع ابن أبي دواد. رجلين، يقال لأحدهما يحيى بن آدم الكرخيّ، ويكنى أبا رملة، وجعفر [بن أحمد] بن الحذّاء؛ ووجّه معهما كاتبًا من كتّاب العَرْض يقال له طالب بن داود، وأمره بامتحانهم هو وجعفر، فمن قال: القرآن مخلوق فودي به، ومن أبى ذلك تُرك في أيدي الروم؛ وأمَرَ لطالب بخمسة آلاف درهم؛ وأمر أن يعطوا جميع من قال: إن القرآن مخلوق؛ ممن فُودِي به دينارًا لكل إنسان من ماله حُمل معهم، فمضى القوم.
فذكر عن أحمد بن الحارث أنه قال: سألت ابن أبي قحطبة صاحب خاقان الخادم - وكان السفير الموجّه بين المسلمين والروم، وُجِّه ليعرف عدّة المسلمين في بلاد الروم. فأتى ملك الروم وعرف عدّتهم قبل الفداء - فذكَر أنه بلغت عِدّتهم ثلاثة آلاف رجل وخمسمائة امرأة؛ فأمر الواثق بفدائهم، وعجّل أحمد بن سعيد على البَرِيد ليكون الفِداء على يديه، وجه من يمتحن الأسراء من المسلمين، فمن قال منهم: إنّ القرآن مخلوق، وإنّ الله لا يُرَى في الآخرة فُودي به؛ ومن لم يقل ذلك ترك في أيدي الرّوم، ولم يكن فداء منذ أيام محمد بن زبيدة في سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة.
стр. 5550
قال: فلما كان يوم عاشوراء، لعشر خلوْن من المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائتين، اجتمع المسلمون ومَنْ معهم من العُلوج وقائدان من قوّاد الروم؛ يقال لأحدهما أنقاس وللآخر لمسنوس، والمسلمون والمطوّعة في أربعة آلاف بين فارس وراجل، فاجتمعوا بموضع يقال له اللمس؛ فذكر عن محمد بن أحمد بن سعيد بن سلم بن قتيبة الباهليّ أن كتاب أبيه أتاه، أنّ من فُودِي به من المسلمين ومَنْ كان معهم من أهل ذمتهم أربعة آلاف وستمائة إنسان؛ منهم صبيان ونساء ستمائة؛ ومنهم من أهل الذمة أقلّ من خمسمائة والباقون رجالٌ من جميع الآفاق.
وذكر أبو قحطبة - وكان رسول خاقان الخادم إلى ملك الروم لينظر كَمْ عدد الأسرى، ويعلم صحّة ما عزم عليه ميخائيل ملك الروم - أنّ عدد المسلمين قبل الفداء كان ثلائة آلاف رجل وخمسمائة امرأة وصبيّ، ممّن كان بالقسطنطينية وغيرها؛ إلا مَنْ أحضره الرّوم ومحمد بن عبد الله الطرسوسيّ - وكان عندهم - فأوفده أحمد بن سعيد بن سلمْ وخاقان مع نَفر من وجوه الأسرى على الواثق، فحملهم الواثق على فرس فرس، وأعطى لكلّ رجل منهم ألف درهم.
وذكر محمد هذا أنه كان أسيرًا في أيدي الرّوم ثلاثين سنة، وأنه كان أسِر في غزاة رامية كان في العلَّافة فأسِر، وكان فيمن فُودي به في هذا الفداء، وقال: فودِيَ بنا في يوم عاشوراء على نهر يقال له اللامس، على سَلوقيَة قريبًا من البحر، وأنّ عِدتهم كانت أربعة آلاف وأربعمائة وستين نفسًا؛ النساء وأزواجهنّ وصبيانهنّ ثمانمائة وأهل ذمة المسلمين مائة أو أكثر، فوقع الفداء كلّ نفس عن نفس صغيرًا أو كبيرًا، فاستفرغ خاقان جميعَ مَنْ كان في بلد الرّوم من المسلمين ممن علم موضعه.
قال: فلمّا جُمعوا للفداء، وقف المسلمون من جانب النهر الشرقيّ والرّوم من الجانب الغربى - وهو مخاضة - فكان هؤلاء يرسلون من ها هنا رجلًا وهؤلاء من ها هنا رجلًا، فيلتقيان في وسط النهر، فإذا صار المسلم إلى المسلمين كبّر وكبّروا، وإذا صار الروميّ إلى الروم تكلم بكلامهم، وتكلموا شبيهًا بالتكبير.
وذكر عن السنديّ مولى حسين الخادم، أنه قال: عقد المسلمون جسرًا على النهر، وعقد الروم جسرًا؛ فكنا نرسل الروميّ على جسرنا ويرسل الروم المسلم على جسرهم؛ فيصير هذا إلينا وذاك إليهم، وأنكر أن يكون مخاضَة.
стр. 5551
وذكر عن محمد بن كريم أنه قال: لما صرنا في أيدي المسلمين، امتحنَنَا جعفر ويحيى، فقلنا، وأعطينا دينارين دينارين.
قال: وكان البطريقان اللذان قدما بالأسرى لا بأس بهما في معاشرتهما.
قال: وخاف الرّوم عدد المسلمين لقلتهم وكثرة المسلمين؛ فآمنهم خاقان من ذلك وضرب بينهم وبين المسلمين أربعين يومًا لا يُغْزَون حتى يصلوا إلى بلادهم ومأمنهم؛ وكان الفداء في أربعة أيام، ففضل مع خاقان ممن كان أمير المؤمنين أعدّ لفداء المسلمين عدّة كبيرة، وأعطى خاقان صاحب الروم ممن كان قد فضل في يده مائة نفس؛ ليكون عليهم الفضل استظهارًا مكان مَنْ يخشى أن يأسروه من المسلمين إلى انقضاء المدّة، وردّ الباقين إلى طَرسَوس، فباعهم.
قال: وكان خرج معنا ممن كان تنصّر ببلاد الروم من المسلمين نحوٌ من ثلاثين رجلا فُودي بهم (١).
قال محمد بن كريم: ولما انقضت المدّة بين خاقان والرّوم الأربعون يومًا، غزا أحمد بن سعيد بن سلم بن قُتيبة، فأصاب الناس الثلج والمطر، فمات منهم قَدْر مائتي إنسان وغرِق منهم في البذندون قوم كثير، وأسِر منهم نحو من مائتين؛ فوجد أمير المؤمنين الواثق عليه لذلك، وحصل جميع مَنْ مات وغرق خمسمائة إنسان؛ وكان أقبل إلى أحمد بن سعيد وهو في سبعة آلاف بِطْريق من عظمائهم فجبُنَ عنه، فقال له وجوه الناس: إن عسكرًا فيه سبعة آلف لا يتخوّف عليه، فإن كنت لا تواجه القوم فتطزق بلادهم. فأخذ نحوًا من ألف بقَرة وعشرة آلاف شاة، وخرج فعزله الواثق، وعقد لنصر بن حمزة الخُزاعيّ يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيتْ من جمادى الأولى من هذه السنة.
* * *
стр. 5552
في هذه السنة مات الحسن بن الحسين، أخو طاهر بن الحسين بطبَرِستان في شهر رمضان.
وفيها مات الخطاب بن وجه الفُلْس.
وفيهما مات أبو عبد الله الأعرابيّ الراوية يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان وهو ابن ثمانين سنة.
وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت عليّ بن موسى الرضيّ.
وفيها مات مخارق المغني، وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعيّ، وعمرو بن أبي عمرو الشيبانيّ ومحمد بن سعدان النحويّ (١).
* * *
ثم دخلت سنة اثنتين وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[بكر الخبر عن مسير بُغا الكبير إلى حرب بني نمير]
فمن ذلك ما كان من مسير بغا الكبير إلى بني نمير حتى أودع بهم (٢).
* ذكر الخبر عن سبب مسيره إليهم وكيف كان الأمر بينه وبينهم:
حدثني أحمد بن محمد بن مخلد بمعظم خبرهم؛ وذكر أنه كان مع بُغا في ذلك السفر، وأما سياق الكلام فلغيره. ذكر أنّ سبب شخوص بُغا إلى بني نُمير كان أنّ عُمارة بن عقيل بن بلال بن جرير ين الخطَفي امتدح الواثق بقصيدة، فدخل عليه فأنشده إياها، فأمر له بثلاثين ألف درهم، وبنُزُل فكلّم عُمارة الواثق في بني نُمير، وأخبره بعبثهم وفسادهم في الأرض، وإغارتهم على الناس وعلى اليمامة وما قرب منها؛ فكتب الواثق إلى بُغا يأمره بحربهم.
стр. 5553
فذكر أحمد بن محمد أنّ بُغا لمّا أراد الشخوص من المدينة إليهم حمل معه محمد بن يوسف الجعفريّ دليلًا له على الطريق، فمضى نحو اليمامة يُريدهم، فلقى منهم جماعة بموضع يقال له الشُّريف؛ فحاربوه، فقتل بُغا منهم نيِّفا وخمسين رجلًا، وأسر نحوًا من أربعين، ثم سار إلى حُظَيَّان، ثم سار إلى قرية لبني تميم من عمل اليمامة تدعى مرأة، فنزل بها، ثم تابع إليهم رسله، يَعرض عليهم الأمان، ودعاهم إلى السمع والطاعة؛ وهم في ذلك يمتنعون عليه، ويشتمون رسله، ويتفلّتون إلى حربه؛ حتى كان آخر من وجّه إليهم رجلين؛ أحدهما من بني عديّ من تميم والآخر من بني نُمير، فقتلوا التميميّ وأثبتوا النميريّ جراحًا؛ فسار بُغا إليهم من مرأة. وكان مسيره إليهم في أول صفر من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، فورد بطن نخل، وسار حتى دخل نُخَيلة، وأرسل إليهم أن ائتوني، فاحتملت بنو ضَبّة من نُمَير، فركبت جبالها مياسر جبال السَّوْد - وهو جبل خلف اليمامة أكثر أهله باهلة - فأرسل إليهم فأبوا أن يأتوه، فأرسل إليهم سرّية فلم تدركهم، فوجَّه سرايا، فأصابت فيهم وأسرت منهم. ثم إنه أتبعهم بجماعة مَنْ معه وهم نحو من ألف رجل سوى مَنْ تخلَّف في العسكر من الضعفاء والأتباع، فلقيهم وقد جمعوا له، وحشدوا لحربه؛ وهم يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، بموضع يقال له روضة الأبان وبطن السرّ من القرْنين على مرحلتين، ومن أضاخ على مرحلة؛ فهزموا مقدّمته، وكشفوا ميسرته، وقتلوا من أصحابه نحوًا من مائة وعشرين أو مائة وثلاثين رجلًا، وعقروا من إبل عسكره نحوًا من سبعمائة بعير ومائة دابة، وانتهبوا الأثقال وبعض ما كان مع بُغا من الأموال.
قال لي أحمد: لقيهم بُغا وهجم عليهم، وغلبَه الليل، فجعل بُغا يناشدهم، ويدعوهم إلى الرجوع وإلى طاعة أمير المؤمنين، ويكلمهم بذلك محمد بن يوسف الجعفريّ، فجعلوا يقولون له: يا محمد بن يوسف، قد والله ولدناك فما رعيتَ حُرْمة الرَّحم، ثم جئتَنا بهؤلاء العبيد والعلوج تقاتلنا بهم! والله لنرينّك العُبْر، ونحو ذلك من القول.
فلما دنا الصبح قال محمد بن يُوسف لبُغا: أوقع بهم من قبل أن يضيء الصبح، فيروْا قِلّة عددنا، فيجترئوا علينا، فأبى بُغا عليه؛ فلمَّا أضاء الصبح ونظروا إلى عدد مَنْ مع بُغا - وكانوا قد جعلوا رجَّالتهم أمامهم وفرسانهم وراءهم
стр. 5554
ونَعمهم ومواشيهم من ورائهم - حملوا علينا، فهزمونا حتى بلغت هزيمتنا معسكرنا، وأيقنَّا بالهلكة.
قال: وكان قد بلغ بُغا أنَّ خيلًا لهم بمكان من بلادهم، فوجَّه من أصحابه نحوًا من مائتي فارس إليها: فبينا نحن فيما نحن فيه من الإشراف على العَطَب، وقد هزِم بُغا ومنْ معه إذ خرجت الجماعة التي كان بُغا وجّهها من الليل إلى تلك الخيل، وقد أقبلت منصرِفة من الموضع الذي وُجِّهت إليه من العسكر في ظهور بني نُمير، وقد فعلوا ببُغا وأصحابه، فنفخوا في صَفَّاراتهم؛ فلما سمعوا نَفْخَ الصّفارات، ونظروا إلى مَنْ خرج عليهم في أدبارهم، قالوا: غَدَر والله العبد، وولَّوْا هاربين، وأسلم فرسانهم رجَّالتهم بعد أن كانوا على غاية المحاماة عليهم.
قال لي أحمد بن محمد: فلم يفلت من رجَّالتهم كثير أحد؛ حتى قُتلوا عن آخرهم؛ وأما الفرسان فطاروا هُرّابًا على ظهور الخيل.
وأما غير أحمد بن محمد فإنه قال: لم تزل الهزيمة على بُغا وأصحابه منذ غدوة إلى انتصاف النهار؛ وذلك يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من جمادى الآخرة سنة ثنتين وثلاثين ومائتين، ثم تشاغلوا بالنَّهب وعَقْر الإبل والدوابَ حتى ثاب إلى بُغا من كان انكشف من أصحابه، واجتمع إليه مَنْ كان تفرّق عنه، فكرُّوا على بني نُمير، فهزمهم وقتل منهم منذ زوال الشمس إلى وقت العصر زهاء ألف وخمسمائة رجل. وأقام بُغا بموضع الوقعة على الماء المعروف ببطن السرّ، حتى جُمعت له رؤوس مَنْ قتِل من بني نمير، واستراح هو وأصحابه ثلاثة أيام.
فحدثني أحمد بن محمد أنّ مَنْ هرب من فرسان بني نمير من الوقعة أرسلوا إلى بُغا يطلبون منه الأمان؛ فأعطاهم الأمان، فصاروا إليه، فقيَّدهم وأشخصهم معه.
وأمَّا غيره فإنه قال: سار بُغا من موضع الوقعة في طلب من شذّ عنه منهم، فلم يدرك إلّا الضعيف ممن لم يكن له نهوض منهم وبعض المواشي والنَّعَم، ورجع إلى حصن باهلة. قال: وإنما قاتل بُغا من بني نُمير بنو عبد الله بن نُمير وبنو بُسْرَة وبلحَجَّاج وبنو قَطَن وبنو سلاه وبنو شُرَيح وبطون من الخوالف - وهم من بني عبد الله بن نمير، ولم يكن في القتال من بني عامر بن نُمير إلا القليل - وبنو عامر بن نُمير أصحاب نخل وشاء، وليسوا أصحاب خيل، وعبد الله بن نمير هي
стр. 5555
التي تحارب العرب - فقال عُمارة بن عَقيل لبُغا:
ترَكتَ الأَعقفين وبَطْنَ قَوٍّ ... ومَلأَّتَ السجونَ من القماشِ
فحدثني أحمد بن محمد أن الذين دخلوا إلى بُغا بالأمان من بني نُمير لمَّا قيدهم وحبسهم وأشخصهم معه شَغَبُوا في الطريق، وحاولوا كسر قيُودهم والهرب، فأمر بماحضارهم واحدًا بعد واحد؛ فكان إذا حضر الواحد يضربه ما بين الأربعمائة إلى الخمسمائة وأقل من ذلك وأكثر؛ فزعم أحمد أنه حضر ضربهم ولم ينطق منهم ناطق يتوجَّع من الضرب، وأنه أحضر منهم شيخ قد عَلّق في عنقه مصحفًا، ومحمد بن يوسف جالس إلى جنب بُغا، فضحك منه محمد بن يوسف وقال لبُغا: هذا أخبث ما كان - أصلحك الله - حين علَّق المصحف في عنقه! فضربه أربعمائة أو خمسمائة، فما توجَّع وما استغاث.
وذُكر أن فارسًا من بني نُمير لقي بُغا في وقعتهم التي ذكرت أمرها يُدعى المجنون، فطعن بُغا ورمى المجنونَ رجلٌ من الأتراك. فأفلت، وعاش أيامًا ثلاثة، ثم مات من رميته.
قال: ثم قدم عليه واجن الأشروسني الصُّغديّ في سبعمائة رجل مددًا له من الأشُروسنيّة الإشتيخنيّة، فوجَّهه بُغا ومحمد بن يوسف الجعفرىّ في أثرهم؛ فلم يزل يتبعهم حتى وغلوا في البلاد، وصاروا بتبَالة وما يليها منّ حدّ عمل اليمن وفاتوه؛ فانصرف ولم يصر في يديه منهم إلّا ستّة نفر أو سبعة، وأقام بحصن باهلة، ووجّه إلى جبال بني نُمير وسهلها من هلان والسَّوْد وغيرها من عمل اليمامة ساريا في محاربة من امتنع ممن قبل الأمان منهم، فقتلوا جماعة وأسروا جماعة، وأقبل عدّة من ساداتهم، كلُّهم يطلب الأمان لنفسه والبطن الذي هو منه، فقبل ذلك منهم وبسطهم وآنسهم؛ ولم يزل مقيمًا إلى أن جمع إليه كلَّ مَنْ ظنّ أنه كان في هذه النواحي منهم، وأخذ منهم زُهاء ثمانمائة رجل، فأثقلهم بالحديد وحملهم إلى البصرة، في ذي القعدة من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، وكتب إلى صالح العباسيّ بالمسير بمَنْ قبله في المدينة من بني كِلاب وفَزارة ومُرّة وثعلبة وغيرهم واللحاق به؛ فوافاه صالح العباسيّ ببغداد، وصاروا جميعًا في المحرّم إلى سامراء سنة ثلاث وثلاثين ومائتين، وكانت عدّة مَنْ قدم به بُغا وصالح العباسيّ من الأعراب سوى مَنْ مات منهم وهرب. وقتل في هذه الوقائع
стр. 5556
التي وصفناها ألفي رجل ومائتي رجل من بني نمير ومن بني كلاب ومن مرّة وفزارة ومن ثعلبة وطيّئ.
* * *
وفي هذه السنة أصاب الحاجّ في المرجع عطش شديد في أربعة منازل إلى الرَّبَذَة، فبلغت الشَّرْبة عدة دنانير. ومات خلق كثير من العطش.
وفيها ولِّيَ محمد بن إبراهيم بن مصعب فارس.
وفيها أمر الواثق بترك جبايةٍ أعشار سفن البحر.
وفيها اشتدّ البرد في نِيسان حتى جَمد الماء لخمس خلون منه.
* * *
[ذكر خبر موت الواثق]
وفيها مات الواثق (١).
* ذكر الخبر عن العلة التي كانت بها وفاته:
ذكر لي جماعةٌ من أصحابنا أنّ عِلَّتَه التي تُوفِّيَ منها كانت الاستسقاء، فعُولج بالإقعاد في تَنُّور مسخّن، فوجَد لذلك راحة وخفة مما كان به، فأمرهم من غدِ ذلك اليوم بزيادة في إسخان التَّنُّور، ففُعل ذلك وقعد فيه أكثر من قعوده في اليوم الذي قبله، فحمِيَ عليه، فأخرج منه، وصُيِّر في محفّة؛ وحضره الفضل بن إسحاق الهاشميّ وعمر بن فرَج وغيرهم؛ ثم حضر ابن الزيات وابن أبي دواد، فلم يعلموا بموته حتى ضرب بوجهه المحفَّة، فعلموا أنه قد مات.
وقد قيل: إن أحمد بن أبي دواد حضره وقد أغمي عليه، فقضى وهو عنده فأقبل يغمضه ويصلح من شأنه، وكانت وفاته لستٍّ بقين من ذي الحجة ودُفِن في
стр. 5557
قصره بالهارونيّ. وكان الذي صلَّى عليه وأدخله قبرَه وتولَّى أمره أحمد بن أبي دواد؛ وكان الواثق أمر أحمد بن أبي دواد أن يُصَلِّي بالناس يوم الأضحى في المصلَّى، فصلى بهم العيد؛ لأن الواثق كان شديد العِلّة فلم يقدر على الحضور إلى المصلَّى، ومات من عِلَّته تلك.
* * *
ذكر الخبر عن صفة الواثق وسنه وقدر مدة خلافته
ذكرَ من رآه وشاهده أنه كان أبيضَ مشربًا حُمرة، جميلًا رَبْعة، حسن الجسم، قائم العين اليسرى؛ وفيها نُكتة بياض.
وتوفِّيَ - فيما زعم بعضهم - وهو ابن ستّ وثلاثين سنة، وفي قول بعضهم: وهو ابن اثنتين وثلاثين سنة؛ فقال الذين زعموا أنه كان ابن ست وثلاثين: كان مولده سنة ست وتسعين ومائة، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام. وقال بعضهم: وسبعة أيام واثنتي عشرة ساعة (١).
وكان وُلد بطريق مكة، وأمه أم ولد روميّة؛ يقال لها قراطيس.
واسمه هارون وكنيته أبو جعفر.
وذكر أنه لما اعتلّ علته التي مات فيها وسقى بطنه أمر بإحضار المنجّمين، فأحضروا؛ وكان ممن حضر الحسن بن سهل، أخو الفضل بن سهل، والفضل بن إسحاق الهاشميّ وإسماعيل بن نُوبخت ومحمد بن موسى الخُوارزميّ المجوسيّ القطرُبُّليُّ وسند صاحب محمد بن الهيثم وعامة مَنْ ينظر في النجوم، فنظروا في علَّته ونجمه ومولده، فقالوا: يعيش دهرًا طويلًا، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة؛ فلم يلبث إلا عشرة أيام حتى مات.
стр. 5558
ذكر بعض أخباره
ذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام، وقد قعد مجلسًا كان أوّل مجلس قعَده؛ فكان أوّل ما تُغُنّى به من الغناء في ذلك المجلس؛ أن تغنَّت شارية جارية إبراهيم بن المهديّ:
ما دَرَى الحامِلونَ يومَ استقلُّوا ... نَعْشَه للثواء أَمْ للفناء
فليقل فيك باكِياتُكَ ما شِئـ ... ـنَ صباحًا ووقت كلِّ مَسَاء
قال: فبكى والله وبكينا حتى شغلَنا البكاء عن جميع ما كنّا فيه، ثم اندفع بعض المغنيين فغنّى:
وَدِّعْ هريرة إِنَّ الرَّكبَ مرتحِلُ ... وهل تطِيقُ وَداعًا أَيها الرجلُ!
قال: فازداد والله في البكاء؛ وقال: ما سمعت كاليوم قطّ تعزية بأب ونعيّ نفس؛ ثم انفض ذلك المجلس (١).
وذكر عن عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع أن عليّ بن الجهم قال في الواثق بعد أن ولي الخلافة:
قد فازَ ذو الدُّنيا وذو الدِّينِ ... بدولةِ الواثقِ هارونِ
أَفاضَ من عَدْلٍ ومن نائلٍ ... ما أَحسنَ الدنيا مع الدينِ!
قد عمَّ بالإحسانِ في فضلهِ ... فالناس في خَفض وفي لِين
ما أكثرَ الداعي له بالبقا ... وأكثرَ التالي بآمينِ
وقال عليّ بن الجهم أيضًا فيه:
وثِقَتْ بالمَلكِ الوا ... ثِقِ بالله النفوسُ
مَلكٌ يشقى به الما ... لُ ولا يشقى الجليسُ
أَنِسَ السيفُ به واستـ ... ـوحشَ العِلْقُ النفِيس
أَسدٌ تضْحَك عن ... شدّاتِهِ الحربُ العَبُوس
يا بنِي العباسِ يأبَى الله ... إِلا أَنْ تَسُوسُوا
стр. 5559
فغنّت قلم جارية صالح بن عبد الوهاب في هذين الشعرين، وغنّت في شعر محمد بن كُناسة:
فيّ انقباضٌ وحِشمةٌ فإِذا ... جالَسْتُ أَهل الوفاءِ والكَرَمِ
أَرسلتُ نفسِي على محبتيها ... وقلتُ ما شئتُ غيرَ محتشِمِ
فغنّته الواثق؛ فاستحسنه؛ فبعث إلى ابن الزيات: ويحك من صالح بن عبد الوهاب هذا! فابعث إليه فأشخصْه؛ وليحمل جاريتَه؛ فغدا بها صالح إلى الواثق، فأدخِلَتْ عليه، فلما تغنَّت ارتضاها، فبعث إليه، فقال: قلْ، فقال: مائة ألف دينار يا أمير المؤمنين وولاية مصر، فردّها، ثم قال أحمد بن عبد الوهاب أخو صالح في الواثق:
أَبَتْ دارُ الأَحِبَّةِ أن تُبِينا ... أَجدَّكَ ما رأَيتَ لها مُعينَا
تُقَطَّعُ حَسْرَةً من حُبِّ لَيْلى ... نفوسٌ ما أُثبْن ولا جُزِينا
فصنعت فيه قلم جارية صالح، فغنّاه زرزر الكبير للواثق، فقال: لمن ذا؟ فقال: لقلم، فبعث إلى ابن الزيات، فأشخص صالحًا ومعه قلم؛ فلمّا دخلت عليه، قال: هذا لك؟ قالت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: بارك الله عليك؟ وبعث إلى صالح: استمْ وقلْ قولا يتهيأ أن تعطاه؛ فبعث إليه: قد أَهديتُها إلى أمير المؤمنين، فبارك الله لأمير المؤمنين فيها. قال: قد قبلتها، يا محمد، عَوِّضْه خمسة آلاف دينار، وسمّاها "اغتباط" فمطَله ابن الزّيات، فأعادت الصوت وهو:
أبت دار الأحبةِ أن تُبينَا ... أجدَّك هل رأيت لها معينا
فقال لها: بارك الله عليك وعلى من ربّاك؛ فقالت: يا سيدي وما ينتفع مَنْ رباني، وقد أمرت له بشيء لم يصل إليه! فقال الواثق: يا سقانة، الدواة؛ فكتب إلى ابن الزيّات: ادفع إلى صالح بن عبد الوهاب ما عوّضناه من ثمن اغتباط خمسة آلاف دينار، وأضعفها. قال صالح: فصرت إلى ابن الزيّات فقرّبني، وقال: هذه الخمسة الأولى؛ خذها، والخمسة آلاف الأخرى أدفعها إليك بعد جمعة؛ فإن سئلت، فقل: إني قبضت المال. قال: فكرهت أن أسأَلَ فأقرَّ بالقبض؛ فاختفيت في منزلي حتى دفع إليّ المال، فقال لي سمانة: قبضت
стр. 5560
المال؛ قلت: نعم، وترك عمل السلطان، وتجر بها، حتى تُوُفِّيَ (١).
خلافة جعفر المتوكل على الله
وفي هذه السنة بُويع لجعفر المتوكل على الله بالخلافة؛ وهو جعفر بن محمد بن هارون بن محمد بن عبد الله بن محمد ذي الثَّفنات بن عليّ السجّاد بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (٢).
* * *
ذكر الخبر عن سبب خلافته ووقتها
حدّثني غير واحد؛ أن الواثق لما تُوُفِّيَ حضر الدارَ أَحمد بن أبي دواد وإِيتاخ ووصيف وعمر بن فرَج وابن الزّيَات وأحمد بن خالد أبو الوزير، فعزموا على البَيْعة لمحمد بن الواثق؛ وهو غلام أَمْرَد، فأَلبسوه درّاعة سمداء وقلنسوة رُصافية، فإِذا هو قصير، فقال لهم وصيف: أما تتقون الله! تولّون مثل هذا الخلافة؛ وهو لا يجوز معه الصلاة! .
قال: فتناظروا فيمن يولّونَها، فذكروا عدّة، فذُكر عن بعض من حضر الدار مع هؤلاء، أنه قال: خرجتُ من الموضع الذي كنتُ فيه، فمررت بجعفر المتوكل؛ فإذا هو في قميص وسِرْوال قاعد مع أبناء الأتراك، فقال لي: ما الخبر؟ فقلت: لم ينقطع أمرهم؟ ثم دَعوْا به، فأخبره بُغا الشرابيّ الخبرَ، وجاء به، فقال: أخاف أن يكون الواثق لم يمت، قال: فمرّ به، فنظر إليه مسجّىً، فجاء فجلس، فألبسه أحمد بن أبي دواد الطويلة وعمَّمه وقبّله بين عينيه، وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! ثم غُسِّل الواثق وصُلِّيَ عليه
стр. 5561
ودفن، ثم صاروا من فَوْرهم إلى دار العامة؛ ولم يكن لقِّب المتوكل.
وذكر أنه كان يوم بُويع له ابنَ ست وعشرين سنة؛ ووضع العطاء للجند لثمانية أشهر؛ وكان الذي كتب البيعة له محمد بن عبد الملك الزيات؛ وهو إذ ذاك على ديوان الرسائل؛ واجتمعوا بعد ذلك على اختيار لقب له، فقال ابن الزيات: نسمّيه المنتصر بالله؛ وخاض الناس فيها حتى لم يشكّوا فيها، فلما كان غداة يوم بكّر أحمد بن أبي دواد إلى المتوكل، فقال: قد روّيت في لقب أرجو أن يكون موافقًا حسنًا إن شاء الله؛ وهو المتوكل على الله، فأمر بإمضائه، وأحضر محمد بن عبد الملك، فأمر بالكتاب بذلك إلى الناس، فنفذت إليهم الكتب، نسخة ذلك:
بسم الله الرحمن الرحيم؛ أمرَ - أبقاك الله - أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، أن يكون الرّسمُ الذي يجرى به ذكرُه على أعواد منابرِه، وفي كتبه إلى قضاته وكُتّابه وعمّاله وأصحاب دواوينه وغيرهم مِنْ سائر مَنْ تجرى المكاتبة بينه وبينه: "من عبد الله جعفر الإمام المتوكل على الله أمير المؤمنين"؛ فرأيك في العمل بذلك وإعلامي بوصول كتابي إليك موفقًا إن شاء الله.
وذُكِر أنه لما أمر للأتراك برزق أربعة أشهر وللجند والشاكريّة ومَنْ يجرى مجراهم من الهاشميين برزق ثمانية أشهر، أمر للمغاربة برزق ثلاثة أشهر، فأبوْا أن يقبضوا، فأرسل إليهم: من كان منكم مملوكًا؛ فليمض إلى أحمد بن أبي دواد حتى يبيعَه؛ ومن كان حرًّا صيرناه أُسْوَة الجند؛ فرضُوا بذلك؛ وتكلم وصيف فيهم حتى رضي عنهم؛ فأَعْطُوا ثلاثة، ثم أجروا بعد ذلك مُجْرَى الأتراك. وبويع للمتوكل ساعة مات الواثق بيعة الخاصة وبايعته العامّة حين زالت الشمس من ذلك اليوم.
وذكر عن سعيد الصَّغير أن المتوكل قبل أن يُستخلف ذكر له ولجماعة معه أنه رأى في المنام أن سكَّرًا سليمانيًّا يسقط عليه من السماء، مكتوبًا عليه "جعفر المتوكل على الله"، فعبَّرها علينا، فقلنا: هي والله أيها الأمير أعزّك الله الخلافة، قال: وبلغ الواثق ذلك فحبسه، وحبس سعيدًا معه، وضيَّق على جعفر بسبب ذلك.
* * *
стр. 5562
وحجّ بالناس في هذه السنة محمدُ بن داود (١).
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر خبر حبس محمد بن عبد الملك الزيات ووفاته]
فمن ذلك ما كان من غضب المتوكل على محمد بن عبد الملك الزيات وحبسه إياه (٢).
* ذكر الخبر عن سبب ذلك وإلى ما آل إليه الأمر فيه:
أما السبب في غضبه عليه؛ فإنه كان - فيما ذكر - أنّ الواثق كان استوزر محمد بن عبد الملك الزيات وفوّض إليه الأمور؛ وكان الواثق قد غضب على أخيه جعفر المتوكل لبعض الأمور، فوكّل عليه عمر بن فرج الرُّخَّجيّ ومحمد بن العَلاء الخادم؛ فكانا يحفظانه ويكتبان بأخباره في كلّ وقت؛ فصار جعفر إلى محمد بن عبد الملك يسأله أن يكلِّم له أخاه الواثق ليرضَى عنه؛ فلمّا دخل عليه مكث واقفًا بين يديه مليًّا لايكلمه، ثم شار إليه أن يقعد فقعد؛ فلما فرغ من نظره في الكتب، التفت إليه كالمتهدّد له، فقال؟ ما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل أمير المؤمنين الرّضا عني، فقال لمن حوله: انظروا إلى هذا، يُغضب أخاه، ويسألني أن استرضيَه له! اذهب فإنك إذا صلحت رضِيَ عنك؛ فقام جعفر كئيبًا حزينًا لمَا لقيه به من قُبْح اللقاء والتقصير به؛ فخرج من عنده؛ فأتى عمر بن فرج ليسأله أن يختم له صَكِّه ليقبض أرزاقه، فلقيه عمر بن فرج بالخيبة؛ وأخذ الصكَّ، فرمى به إلى صَحْن المسجد.
стр. 5563
وكان عمر يجلس في مسجد؟ وكان أبو الوزير أحمد بن خالد حاضرًا، فقام لينصرف، فقام معه جعفر، فقال: يا أبا الوزير، أرأيتَ ما صنع بي عمر بن فرج؟ قال: جعلت فداك! أنا زِمَامٌ عليه؛ وليس يختم صكّي بأرزاقي إلا بالطلب والترفُّق به؛ فابعث إليّ بوكيلك؛ فبعث جعفر بوكيله؛ فدفع إليه عشرين ألفًا، وقال: أنْفِق هذا حتى يهيِّئ الله أمرك، فأخذها ثم أعاد إلى أبي الوزير رسوله بعد شهر، يسأله إعانته، فبعث إليه بعشرة آلاف درهم؛ ثم صار جعفر من فوْرِه حين خرج من عند عمر إلى أحمد بن أبي دواد، فدخل عليه، فقام له أحمد، واستقبله على باب البيت، وقبَّله والتزمه، وقال: ما جاء بك، جعلتُ فداك! قال: قد جئتُ لتسترضيَ لي أمير المؤمنين، قال: أفعل ونعمةَ عين وكرامة، فكلّم أحمد بن أبي دواد الواثق فيه، فوعده ولم يرض عنه؛ فلما كان يوم الحلبة كلّم أحمد بن أبي دواد الواثق، وقال: معروف المعتصم عندي معروف، وجعفر ابنه؛ فقد كلمتك فيه، ووعدتَ الرضا؛ فبحقّ المعتصم يا أمير المؤمنين إلَّا رضيتَ عنه! فرضي عنه من ساعته وكساه، وانصرف الواثق وقد قلَّد أحمد بن أبي دواد جعفرًا بكلامه حتى رضيَ عنه أخوه شكرًا، فأحظاه ذلك عنده حين ملك.
وذكر أنّ محمد بن عبد الملك كان كتب إلى الواثق حين خرج جعفر من عنده: يا أمير المؤمنين، أتاني جعفر بن المعتصم يسألني أن أسأل أمير المؤمنين الرضا عنه في زيّ المخنثين له شعر قفا. فكتب إليه الواثق: ابعث إليه فأحضره، ومُرْ مَنْ يجزَّ شعر قفاه، ثم مُرْ من يأخذ من شعره ويضرب به وجهه، واصرفه إلى منزله. فذكر عن المتوكّل أنه قال: لما أتاني رسوله، لبست سوادًا لي جديدًا، وأتيته رجاء أن يكون قد أتاه الرضا عَنِّي، فقال: يا غلام، ادع لي حجّامًا، فدُعي به، فقال: خذ شعره واجمعه، فأخذه على السَّواد الجديد. ولم يأته بمنديل، فأخذ شعره وشعر قفاه وضرب به وجهه.
قال المتوكِّل: فما دخلَني من الجزع على شيء مثل ما دخلني حين أخذني على السواد الجديد؛ وقد جئته فيه طامعًا في الرضا، فأخذ شعري عليه.
ولما تُوفِّيَ الواثق أشار محمد بن عبد الملك بابن الواثق، وتكلّم في ذلك وجعفر في حُجْرة غير الحجرة التي يتشاورون فيها، فيمن يعقدون، حتى بُعث
стр. 5564
إليه، فعُقد له هناك، فكان سبب هلاك ابن الزّيات.
وكان بُغا الشرابيّ الرسولَ إليه يدعوه، فسلم عليه بالخلافة في الطريق، فعقدوا له وبايعوا، فأمهل حتى إذا كان يوم الأربعاء لسبع خَلَوْن من صفر؛ وقد عزم المتوكِّل على مكروه أن يناله به، أمر إيتاخ بأخذه وعذابه؛ فبعث إليه إيتاخ، فظنّ أنه دُعي به، فركب بعد غدائه مبادرًا يظنّ أن الخليفة دعا به؛ فلما حاذى منزل إيتاخ قيل له: اعدل إلى منزل أبي منصور، فعدَل وأوجس في نفسه خيفةً؛ فلمَا جاء إلى الموضع الذي كان ينزل فيه إيتاخ عُدِل به يمْنةً، فأحسّ بالشرّ، ثم أدخِل حجرة، وأخِذ سيفه ومنطِقته وقلنسوته ودرّاعته؛ فدُفع إلى غلمانه، وقيل لهم: انصرفوا، فانصرفوا لا يشكُّون أنه مقيم عند إيتاخ ليشرب النبيذ.
قال: وقد كان إيتاخ أعدّ له رجلين من وجُوه أصحابه؛ يقال لهما يزيد بن عبد الله الحلواني وهَرْثمة شارباميان؛ فلما حصل محمد بن عبد الملك خرجا يركُضان في جُنْدهما وشاكريّتهما، حتى أتيا دار محمد بن عبد الملك، فقال لهم غلمان محمد: أين تريدون؟ قد ركب أبو جعفر، فهجما على داره، وأخذا جميع ما فيها.
فذكر عن ابن الحلوانيّ أنه قال: أتيت البيت الذي كان محمد بن عبد الملك يجلس فيه، فرأيته رثّ الهيئة قليل المتاع، ورأيت فيه طنافس أربعة وقنانيّ رطليّات، فيها شراب، ورأيت بيتًا ينام فيه جواريه، فرأيت فيه بُوريًّا ومخادَّ منضّدة في جانب البيت؛ على أن جواريه كنّ ينمْنَ بلا فُرش.
وذكر أنّ المتوكل وجّه في هذا اليوم من قَبض ما في منزله من متاعِ ودوابَ وحوار وغلمان، فصيِّر ذلك كله في الهارونيّ، ووجّه راشدًا المغربيَّ إلَى بغداد في قبض ما هنالك من أمواله وخَدَمِه، وأمر أبا الوزير بقبض ضياعه وضياع أهل بيته حيث كانت. فأمّا ما كان بسامراء فحمل إلى خزائن مَسرور سمانة، بعد أن اشتُريَ للخليفة؛ وقيل لمحمد بن عبد الملك: وكّلْ ببيع متاعك. وأتوه بالعباس بن أحمد بن رشيد كاتب عُجيف، فوكّله بالبيع عليه، فلم يزل أيامًا في حبَسْه مطلقًا، ثم أمر بتقييده فقُيِّد، وامتنع من الطعام، وكان لا يذوق شيئًا، وكان شديد الجَزع في حبسه، كثير البكاء، قليل الكلام، كثير التفكّر، فمكث أيامًا ثم سُوهر، ومُنع من النوم، يساهَر ويُنْخَس بمسلّة، ثم تُرك يوما وليلة،
стр. 5565
فنام وانتبه؛ فاشتهى فاكهة وعِنَبًا، فأتِيَ به، فأكل ثم أعيد إلى المساهرة، ثم أمر بتنور من خشب فيه مسامير حديد [قيامٌ]. فذكر عن ابن أبي دواد وأبي الوزير أنهما قالا: هو أوّل مَنْ أمر بعمل ذلك؛ فعذّب به ابن أسباط المصريّ حتى استخرج منه جميع ما عنده، ثم ابتُليَ به فعُذِّب به أيامًا.
فذُكر عن الدندانيّ الموكّل بعذابه أنه قال: كنت أخرج وأقفل الباب عليه؛ فيمدّ يديه إلى السماء جميعًا حتى يدق موضع كتفيه؛ ثم يدخل التَّنُّور فيجلس، والتَّنُّور فيه مسامير حديد وفي وسطه خشبة معترضة، يجلس عليها المعذِّب؛ إذا أراد أن يستريح، فيجلس على الخشبة ساعة، تم يجيء الموكّل به، فإذا هو سمع صوت الباب يُفتح قام قائمًا كما كان؛ ثم شددوا عليه.
قال المعذِّب له: خاتلته يومًا، وأريتُه أني أقفلت الباب ولم أقفله؛ إنما أغلقته بالقفل، ثم مكثت قليلًا، ثم دفعت الباب غَفْلة؛ فإذا هو قاعد في التَّنُّور على الخشبة، فقلت: أراك تعمل هذا العمل! فكنت إذا خرجت بعد ذلك شددت خِناقه، فكان لا يقدر على القعود، واستللت الخشبة حتّى كانت تكون بين رجليه؛ فما مكَث بعد ذلك إلا أيامًا حتى مات.
واختلف في الذي قتِل به، فقيل: بُطِح، فضُرب على بطنه خمسين مَقْرعة، ثم قُلِب فضرب على استه مثلها، فمات وهو يُضرَب؛ وهم لا يعلمون، فأصبح ميِّتًا قد التوت عنُقه، ونُتفت لحيته. وقيل: مات بغير ضرب.
وذكر عن مبارك المغربيّ أنه قال: ما أظنه أكل في طول حبسه إلَّا رغيفًا واحدًا؛ وكان يأكل العِنبة والعنبتين.
قال: وكنت أسمعه قبل موته بيومين أو ثلاثة يقول لنفسه: يا محمد بن عبد الملك؛ لم يقنعك النعمة والدواب الفُرَّه والدّار النظيفة والكسوة الفاخرة؛ وأنت في عافية حتى طلبت الوزارة؛ ذُق ما عملت بنفسك! فكان يكرّر ذلك على نفسه؛ فلمّا كان قبل موته بيوم؛ ذهب عنه عتابُ نفسه؛ فكان لا يزيد على التشهّد وذكر الله؛ فلما مات أحْضِرَ ابناه سليمان وعبيد الله - كانا مجبوسين - وقد طُرح على باب من خشب في قميصه الذي حُبس فيه؛ وقد اتَّسخ فقالا: الحمد الله الذي أراح من هذا الفاسق؛ فدُفعت جُثَّته إليهما، فغسلاه على الباب الخشب، ودفناه
стр. 5566
وحفرا له، فلم يعمِّقا؛ فذُكِر أن الكلاب نبشته؛ وأكلت لحمه.
وكان إبراهيم بن العباس على الأهواز، وكان محمد بن عبد الملك له صديقًا، فوجّه إليه محمد أحمدَ بن يوسف أبا الجهم، فأقامه للناس فصالحه عن نفسه بألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، فقال إبراهيم:
وكنتَ أَخي بإِخاء الزمانِ ... فلما نَبَا عُدْتَ حربًا عَوَانا
وكنت أَذمُّ إِليك الزمانَ ... فأَصْبَحْتُ منك أَذمُّ الزمانا
وكنت أَعُدُّك للنائباتِ ... فها أَنا أَطلبُ منك الأَمانا
قال:
أَصبحت مِن رأَي أَبي جعفرٍ ... في هيئةٍ تنذِرُ بالصَّيْلَمِ
مِنْ غيرِ ما ذَنبٍ ولكنَّها ... عَدَاوة الزنديقِ للمسْلِمِ
وأحدِر بعد ما قبض عليه مع راشد المغربيّ إلى بغداد، لأخذ ماله بها، فوردها، فأَخذ رَوْحًا غلامَه - وكان قَهرمانه - في يده أمواله يتّجر بها، وأخذ عدّة من أهل بيته، وأخذ معهم حمل بغل، وجدت له بيوت فيها أنواع التجارة من الحِنْطة والشعير والدّقيق والحبوب والزيت والزبيب والتين وبيت مملوء ثومًا، فكان جميع ما قبض له مع قيمته تسعين ألف دينار، وكان حبس المتوكل إياه يوم الأربعاء لسبع خلون من صفر ووفاته يوم الخميس لإحدى عشرة بقيت من شهر ربيع الأول (١).
* * *
стр. 5567
[ذكر غضب المتوكل على عمر بن فرج] (١)
وفيها غضب المتوكل على عمر بن فرج؛ وذلك في شهر رمضان، فدُفع إلى إسحاق بن إبراهيم بن مُصعب، فحُبس عنده، وكتب في قبض ضياعه وأمواله، وصار نَجَاح بن سَلمة إلى منزِله؛ فلم يجد فيه إلا خمسة عشر ألف درهم، وحضر مسرور سمانة، فقبض جواريه، وقُيِّد عمر ثلاثين رطلًا، وأحضر مولاه نصر من بغداد، فحمل ثلاثين ألف دينار، وحمل نصر من مال نفسه أربعة عشر ألف دينار، وأصيب له بالأهواز أربعون ألف دينار، ولأخيه محمد بن فرج مائة ألف دينار وخمسون ألف دينار، وحُمِل من داره من المتاع ستة عشر بعيرًا فُرُشًا، ومن الجوهر قيمة أربعين ألف دينار، وحُمِل من متاعه وفرشه على خمسين جملًا، كرّت مرارًا، وألبس فَرَجِيّه صوف وقُيِّد، فمكث بذلك سبعًا، ثم أطلق عنه وقبض قصره، وأخذ عياله، ففتِّشوا وكنّ مائة جارية؛ ثم صولح على عشرة آلاف ألف درهم، على أن يردّ عليه ما حيز عنه من ضياع الأهواز فقط، ونزعت عنه الجبة الصّوف والقيد؛ وذلك في شوّال.
وقال عليّ بن الجهم بن بدر لنجاحٍ بن سلمة يحرّضه على عمر بن فرج:
أَبلِغْ نَجَاحًا فتى الكتّابِ مَألُكةً ... تمضِي بِهَا الرِّيحُ إِصدارًا وإيرادَا
لا يخرُج المالُ عفوًا من يَدَيْ عمرٍ ... أَو يُغْمَدَ السَّيفُ في فَوْدَيْه إِغمادًا
الرُّخَّجيُّونَ لا يُوفون ما وعَدُوا ... والرخَّجيّات لا يُخلِفْنَ ميعادا
وقال أيضًا يهجوه:
جَمَعتَ أَمرَيْنِ ضاعَ الحزمُ بينهما ... تِيهَ المُلوكِ وأفعالَ! المماليكِ
أَردتَ شكرًا بلا برٍّ ومَرْزئة ... لقد سَلَكتَ سبيلا غيرَ مسلوك
ظَنَنْتَ عِرْضَك لم يُقرَعْ بقارعة ... وما أَراك على حالٍ بِمتروكِ
* * *
وفي هذه السنة أمر المتوكّل بإبراهيم بن الجنيد النصرانيّ، أخي أيوب كاتب
стр. 5568
سمانة، فضُرب له بالأعمدة حتى أقرَّ بسبعين ألف دينار، فوجّه معه مباركًا المغربيّ إلى بغداد حتى استخرجها من منزله، وجيء به فحُبس.
* * *
[ذكر غضب المتوكل علي أبي الوزير وغيره] (١)
وفيها غضب المتوكل على أبي الوزير في ذي الحجة، وأمر بمحاسبته، فحمل نحوًا من ستين ألف دينار، وحمل بدورَ دراهم وحليًّا، وأخذ له من متاع مصر اثنين وستين سَفطًا واثنين وثلاثين غلامًا وفرشًا كثيرًا، وحبس بخيانته محمد بن عبد الملك أخا موسى بن عبد الملك والهيثم بن خالد النصرانيّ وابن أخيه سعدون بن عليّ، وصولح سعدون على أربعين ألف دينار، وصولح ابنا أخيه عبد الله وأحمد على نيّف وثلاثين ألف دينار؛ وأخذت ضياعهم بذلك.
* * *
وفي هذه السنة استكتب المتوكل محمد بن الفضل الجرجرائيّ.
وفي هذه السنة عزل المتوكل يوم الأربعاء لثلاث عشرة بقيَت من شهر رمضان
стр. 5569
عن ديوان الخراج الفضلَ بن مرْوان، وولّاه يحيى بن خاقان الخُراسانيّ مولى الأزْد، وولَّى إبراهيم بن العباس بن محمد بن صُول في هذا اليوم ديوان زِمام النفقات وعزل عنه أبا الوزير.
* * *
وفيها ولَّى المتوكل ابنه محمدًا المنتصر الحَرَمين واليمن والطائف، وعقد له يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان (١).
وفيها فُلِج أحمد بن أبي دواد لستّ خلون من جمادى الآخرة (٢).
وفيها قدم يحيى بن هرثمة مكة وهو والي طريق مكة بعليّ بن محمد بن عليّ الرضيّ بن موسى بن جعفر من المدينة.
وفيها وثب ميخائيل بن توفيل على أمّه تذورة فشمّسها وأدخلها الدير، وقتل اللُّغُشِيط لأنه اتهمها به؛ وكان ملكها ستّ سنين (٣).
وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن داود (٤).
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
* * *
[ذكر الخبر عن هرب محمد بن البعيث]
فمن ذلك ما كان من هرب محمد بن البعيث بن حَلْبَسْ؛ جيء به أسيرًا من قبل أذْربيجان فحبس (٥).
стр. 5570
* ذكر الخبر عن سبب هربه وما كان آل إليه أمره:
ذكر أنّ السبب في ذلك كان أنّ المتوكل كان اعتَلّ في هذه السنة؛ وكان مع ابن البعيث رجلٌ يخدمه يسمّى خليفة، فأخبره بأنّ المتوكل قد تُوفِّيَ، وأعدّ له دوابٌ، فهرب هو وخليفة الذي أخبره الخبر إلى موضعه من أذْرَبيجان، وموضعه منها مَرَنْد - وقيل: كانت له قلعتان تُدْعى إحداهما شاهى والأخرى يَكدرُ - ويكدر خارج البحيرة، وشاهى في وسط البحيرة، والبحيرة قدرُ خمسين فرسخًا من حدّ أرْمية؛ إلى رُستاق داخَرّقَان بلاد محمد بن الرواد، وشاهى قلعة ابن البعيث حصينة يحيط بها ماء قائم ثَمَ، يركب الناس من أطراف المراغة إلى أرْمِيَة وهي بحيرة لا سمك فيها ولا خير.
وذُكر أنّ ابن البَعيث كان في حبس إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فتكلم فيه بُغَا الشرابيّ، وأخذ منه الكُفَلاء نحوًا من ثلاثين كَفيلًا، منهم محمد بن خالد بن يزيد بن مزيد الشيبانيّ؛ فكان يتردّد بسامراء؛ فهرب إلى مَرَنْد، فجمع بِمَرنْد الطعام؛ وفيها عيون ماء، فرَمَّ ما كان وَهيَ من سُورها، وأتاه من أراد الفتنة من كلّ ناحية؛ من ربيعة وغيرهم؛ فصار في نحو من ألفين ومائتي رجل.
وكان الوالي بأذربيجان محمد بن حاتم بن هرثمة، فقصّر في طلبه، فولَّى المتوكل حمدويه بن عليّ بن الفضل السعديّ أَذْرَبيجان، ووجّهه من سامراء على البريد، فلما صار إليها جمع الجند والشاكريّة ومَن استجاب له، فصار في عشرة آلاف، فزَحف إلى ابن البَعيث، فألجأه إلى مدينة مَرَنْد - وهي مدينة استدارتها فرسخان وفي داخلها بساتين كثيرة، ومن خارجها كما تدور شجر إلّا في موضع أبوابها - وقد جمع فيها ابن البعيث آلة الحصار، وفيها عيون ماء، فلما طالت مدّته وجه المتوكل زيرك التركي في مائة ألف فارس من الأتراك فلم يصنع شيئًا، فوجّه إِليه المتوكل عمرو بن سيسل بن كال في تسعمائة من الشاكريّة، فلم يُغنِ شيئًا، فوجَه إليه بغا الشرابيّ في أربعة آلاف ما بين تركيّ وشاكريّ ومغربيّ، وكان حمدويه بن عليّ وعمرو بن سيسل وزيرك زحفوا إلى مدينة مَرَنْد، وقطعوا ما حولها من الشجر، فقطعوا نحوًا من مائة ألف شجرة وغير ذلك من شجر الغِياض، ونصبوا عليها عشرين مِنْجَنيقًا، وبنوْا بحذاء المدينة ما يستكنّون فيه،