← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.

стр. 5636

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5637

الصَّحيح والضَّعيفُ والمسكُوتُ عَنْهُ تاريخ الطَّبَريّ تتمة تاريخ الخلافة في عهد العباسيين

стр. 5638

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير للطباعة والنشر والتوزيع دمشق- بيروت الرقم الدولي: الموضوع: تاريخ العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠ التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري نوع الورق: أبيض ألوان الطباعة: لونان عدد الصفحات: ٥٦١٦ القياس: ١٧×٢٤ نوع التجليد: فني- كعب لوحة الوزن: ١٥ كغ التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد دار ابن كثير دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢ بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣ www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com

стр. 5639

بسم الله الرخمن الرحيم مقدمة وبعد: فلابد من وقفة أخرى قبل مواصلتنا لمنهج التخريج والتعليق على أخبار الإمام الطبري رحمه الله تعالى والملفت للنظر هنا ليس ندرة إيراد الأسانيد واختفائها تدريجيًّا. وإنما توقف المصادر الموثوقة المتقدمة الأخرى التي استشهدنا بها للمقارنة والتصويب فتأريخ خليفة بن خياط توقف عند سنة (٢٣٢ هـ) وإن كان في سنته الأخيرة يقتصر على ذكر الحج وبعض الوفيات، ثم تأريخ البسوي الذي توقف عند سنة (٢٤٢ هـ) وهذان مصدران تأريخيان على النظام الحولي لمؤرخين متقدمين من المؤرخين الثقات عند أئمة الجرح والتعديل. أما المصادر الأخرى والتي تأتي بالدرجة الثانية من حيث اعتمادنا على مروياتها لا لجرح في مؤلفيها (حاشا) بل هم ثقات إلّا أنهم استخدموا النظام الحولي قليلًا ولم يتخذوه منهجًا - ونادرًا ما يستخدمون الإسناد - أقول وحتى هذه المصادر توقفت جلّها قبل هذا التأريخ سوى مصدر واحد ينتهي عند أحداث السنة (٢٥٦ هـ) وأعني المعارف لابن قتيبة الدينوري - أما الأخبار الطوال فينتهي مع نهاية عهد المعتصم الخليفة، وأما كتاب الوزراء والكتاب فالذي وصل إلينا منه مطبوعًا ينتهي في عهد المأمون. وهنا اشتدت حاجتنا إلى مصادر أخرى من المصادر الموثوقة التي تستخدم الإسناد غالبًا إلّا أنها جاءت متأخرة عن عهد المؤرخين الكبار بعقد ونصف أو عقدين فصاعدًا ونعني: ١ - تأريخ بغداد للخطيب البغدادي.

стр. 5640

٢ - المنتظم لابن الجوزي. ٣ - تأريخ دمشق لابن عساكر. والذي يستدعي الانتباه أن ابن الجوزي رحمه الله تعالى وبالرغم من تأخره عن عصر الطبري فقد توفي سنة (٥٩٧ هـ) إلا أنه جاء بأخبار الطبري وزاد عليها أخبار أخرى أحيانًا بإسناده المتصل من طريق الخطيب البغدادي وأحيانًا أخرى بإسناده المتصل من غير هذا الطريق ويؤيد أخبار الطبري أحيانًا بروايات مسندة ومن الأمثلة على ذلك خبر دخول الزنج البصرة سنة (٢٥٧ هـ) وقتلهم الرياشي العلامة رحمه الله تعالى [انظر المنتظم ١٢/ ١٣٤]. أما الخطيب البغدادي فاسم على مسمى فقد اهتمّ بأخبار الخلفاء العباسيين وخاصة سنيّ حكمهم وتأريخ بيعتهم ووفاتهم وبعضًا من سيرهم، وكذلك فعل الحافظ ابن عساكر رحمه الله تعالى. والملاحظة الأخيرة التي نودّ أن نذكرها هي أن الطبري وكلما تقدّم في ذكر الأعوام المتوالية أصبح إسناده عاليًا (بغضِّ النظر عن درجة رواته). حتى إنه أحيانًا يروي الخبر عن شاهد عيان مباشر. وخاصة بعد وروده بغداد بعد وفاة الإمام أحمد بن حنبل ﵁ بمدة. وقد عاصر كثيرًا من تلك الأحداث الجسام وإن لم يشارك في فصولها فقد عاصر حركة الزنج التي انتهت عام ٢٧٠ هـ بعدما يزيد على عقد من الزمان وهذا على سبيل المثال لا الحصر وتكتسب شهادات الطبري وأخباره في آخر عمره أهمية كبرى لأنه إمام مؤرخ ثقة وإن كان ذلك لا ينفي عن بعض أخباره نكارات ومبالغات، والعهدة على من روى عنهم كما أشار إلى ذلك رحمه الله تعالى. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 5641

خلافة المنتصر محمد بن جعفر وفيها بويع للمنتصر محمد بن جعفر بالخلافة في يوم الأربعاء لأربع خلون من شوال، وقيل ... لثلاث خلون منه - وهو ابن خمس وعشرين سنة وكنيته أبو جعفر - بالجعفرية فأقام بها بعدما بويع له عشرة أيام ثم تحول منها بعياله وقواده وجنوده إلى سامرّا (١) .. وكان قد بايعه ليلة الأربعاء الذين ذكرناهم قبل فذكر عن بعضهم أنه قال: لمّا كان صبيحة يوم الأربعاء حضر الناس الجعفرية من القواد والكتاب والوجوه والشاكرية والجند وغيرهم، فقرأ عليهم أحمد بن الخصيب كتابًا يخبر فيه عن أمير المؤمنين المنتصر أن الفتح بن خاقان قتل أباه جعفرًا المتوكل فقتله به، فبايع الناس وحضر عبيد الله بن يحيى بن خاقان فبايع وانصرف. وذكر عن أبي عثمان سعيد الصغير أنه قال: لما كانت الليلة التي قتل فيها المتوكل، كنا في الدار مع المنتصر فكان كلما خرج الفتح خرج معه وكلما رجع قام لقيامه وجلس لجلوسه وخرج في أثره وكلما ركب أخذ بركابه، وسوّى عليه ثيابه في سرج دابته، وكان اتصل بنا الخبر أن عبيد الله بن يحيى قد أعدّ له قومًا في طريقه ليغتالوه عند انصرافه، وقد كان المتوكل أسمعه وأحفظه قبل انصرافه، ووثب بهِ؛ فانصرف على غضب، وانصرفنا معه، فلمّا صار إلى داره أرسل إلى

стр. 5642

نُدمائه وخاصّته - وقد كان واعد الأتراك على قتل المتوكل قبل انصرافه إذا ثمل من النبيذ - قال: فلم ألبث أن جاءني الرّسول: أن احضر فقد جاءت رسل أمير المؤمنين إلى الأمير؛ وهو على الركوب؛ فوقع في نفسي ما كان دار بيننا أنهم على اغتيال المنتصر؛ وأنه إنما يُدعَى لذلك؛ فركبت في سلاح، وعِدّة، وصرت إلى باب الأمير، فإذا هم يموجون؛ وإذا واجن قد جاءه فأخبره أنه قد فَرَغَ من أمره، فركب فلحقتُه في بعض الطريق وأنا مرعوب؛ فرأى ما بي، فقال: ليس عليك! إن أمير المؤمنين قد شرق بقدح شربه بعد انصرافنا، فمات ﵀. فأكبرت ذلك، وشقّ عليّ، ومضينا وأحمد بن الخصيب وجماعة من القوّاد معنا حتى دخلنا الحَيْر، وتتابعت الأخبار بقتْل المتوكّل، فأخِذت الأبواب، ووُكّل بها، وقلت: يا أميرَ المؤمنين، وسلَّمْتُ عليه بالخلافة، وقلت: لا ينبغي أن نفارقك لموضع الشَّفَقة عليك من مواليك في هذا الوقت، قال: أجل؛ فكن أنت من ورائي وسليمان الروميّ، وألْقِيَ منديلٌ، فجلس عليه، وأحطْنا به، وحضر أحمد بن الخصيب وكاتبه سعيد بن حميد لأخذ البيعة (١). فذُكر عن سعيد بن حُميد أن أحمد بن الخصيب، قال له: ويلك يا سعيد! معك كلمتان أو ثلاث تأخذ بها البيعة، قلت: نعم؛ وكلمات، وعملت كتاب البيعة، وأخذتها على مَنْ حضر وكلّ من جاء حتى جاءَ سعيد الكبير، فأرسله إلى المؤيّد، وقال لسعيد الصغير: امض أنت إلى المعتزّ حتى تُحضره، قال سعيد الصغير: فقلت: أمّا ما دمْتَ يا أمير المؤمنين في قلّة ممّن معك فلا أبرح والله من وراء ظهرك؛ حتى يجتمع الناس، قال أحمد بن الخصيب: هاهنا مَنْ يكفيك، فامض؛ فقلت: لا أمضي حتى يجتمع مَنْ يكفي؛ فإنِّي الساعة أوْلى به منك! فلما كثر القوّاد، وبايعوا؛ مضيت وأنا آيس من نفسي، ومعي غلامان؛ فلما صرتُ إلى باب أبي نوح، والناس يموجون ويذهبون ويجيئون؛ وإذا على الباب جمعٌ كبير في سلاحِ وعِدّة، فلما أحسُّوا بي لحقني فارس منهم؛ فسألني وهو لا يعرفني: مَنْ أنت؟ فعمَّيت عليه خبري، وأخبرته أنِّي مِنْ بعض أصحاب الفتح، ومضيتُ حتى صرت إلى باب المعتزّ، فلم أجد به أحدًا من الحرس

стр. 5643

والبوابين والمكبّرين ولا خلقًا من خلق الله حتى صرت إلى الباب الكبير، فدقَقتُه دقًّا عنيفًا مفرطًا، فأجِبت بعد مدّة طويلة، فقيل لي: من هذا؟ فقلت: سعيد الصغير؛ رسول أمير المؤمنين المنتصر؛ فمضى الرّسول، وأبطأ عليّ، وأحسست بالمنكر وضاقت عليّ الأرض، ثم فُتح الباب فإذا ببيدون الخادم قد خرج؛ وقال لي: ادخل وأغلق الباب دوني، فقلت: ذهبتْ والله نفسي، ثم سألني عن الخبر، فأخبرته أنَّ أمير المؤمنين شرِق بكأسٍ شربها ومات من ساعته؛ وأن الناس قد اجتمعوا وبايعوا المنتصر، وأنه أرسلني إلى الأمير أبي عبد الله المعتزّ بالله ليحضر البَيْعة، فدخل ثم خرج إليّ؛ فقال: ادخل، فدخلت على المعتزّ؛ فقال لي: ويلك يا سعيد! ما الخبر؟ فأخبرته بمثل ما أخبرت به بيدون، وعزّيته وبكيت، وقلت: تحضر يا سيّدي، وتكون في أوائل مَنْ بايع، فتستدعي بذلك قلب أخيك، فقال لي: ويلك حتى نصبح! فما زلت أفتِله في الحبل والغارب؛ ويُعينني عليه بيدون الخادم، حتى تهيّأ للصلاة، ودعى بثيابه فلبسَها، وأخرج له دابّة، وركب وركبت معه، وأخذت طريقًا غير طريق الجادّة، وجعلت أحدّثه وأسهّل الأمر عليه، وأذكره أشياء يعرفها من أخيه، حتى إذا صرنا إلى باب عبيد الله بن يحيى بن خاقان سألني عنه، فقلت: هو يأخذ البيعة على الناس، والفتح قد بايع، فيئس حينئذ؛ وإذا بفارس قد لَحِق بنا، وصار إلى بيدون الخادم، فسارّه بشيء لا أعلمه، فصاح به بيدون؛ فمضى ثم رجع ثلاثًا؛ كلّ ذلك يردّه بيدون ويصيح به: دعنا؛ حتى وافينا بابَ الحَيْر فاستفتحته فقيل لي: مَنْ أنت؟ قلت: سعيد الصغير والأمير المعتزّ، ففُتح لي الباب، وصرنا إلى المنتصر؛ فلمَّا رآه قرّبه وعانقه وعزّاه، وأخذ البيعة عليه؛ ثم وافى المؤيد مع سعيد الكبير، ففعل به مثل ذلك، وأصبح الناس، وصار المنتصر إلى الجعفريّ، فأمر بدفن المتوكل والفتح، وسكن الناس، فقال سعيد الصغير: ولم أزل أطالب المعتزّ بالبُشرى بخلافة المنتصر وهو محبوس في الدار، حتى وَهب لي عشرة آلاف درهم (١). * * *

стр. 5644

وفي هذه السنة خلع المعتز والمؤيد أنفسهما، وأظهر خلعهما في القصر الجعفريّ المحدث (١). وكانت نسخة البيعة التي أخذت للمنتصر: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تُبايعون عبدَ الله المنتصر بالله أمير المؤمنين بَيْعةَ طوعٍ واعتقاد ورضًا، ورغبة بإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدق من نياتكم؛ لا مكرَهين ولا مجبَرين، بل مقرّين عالمين بما في هذه البَيْعة وتأكيدها من طاعة الله وتَقْواه، وإعزاز دين الله وحقه، ومن عموم صلاح عباد الله، واجتماعِ الكلمة، ولمّ الشعث، وسكون الدهماء، وأمْن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمْع الملحدين؛ على أن محمدًا الإمام المنتصر بالله عبد الله وخليفته المفترض عليكم طاعته ومناصحته والوفاء بحقه وعقده، لا تشكّون ولا تُدْهنون، ولا تميلون ولا ترتابون؛ وعلى السَّمْع له، والطاعة المسالمة، والنُّصرة والوفاء والاستقامة، والنصيحة في السرّ والعلانية، والخُفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر به عبد الله الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين؛ وعلى أنّكم أولياء أوليائه، وأعداء أعدائه، من خاصٍّ وعامٍّ، وأبعَد وأقربَ، وتتمسكون ببيعته بوفاء العقد، وذمّة العهد؛ سرائرُكم في ذلك مثل علانيتكم، وضمائركم مثل ألسنتكم؛ راضين بما يرضاه لكم أمير المؤمنين في عاجلِكم وآجلكم، وعلى إعطائكم أمير المؤمنين - بعد تجديدكم بيعتَه هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم - صَفْقة أيْمانكم، راغبين طائعين عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم؛ وعلى ألّا تسعوْا في نقض شيء مما أكد الله عليكم، وعلى ألّا يميل بكم مميل في ذلك عن نُصرة وإخلاص، ونصح وموالاة، وعلى ألا تبدّلوا ولا يرجع منكم راجع عن نيّته، وانطوائه إلى غير علانيته وعلى أن تكون بيعتُكم التي أعطيتُم بها ألسنَتكم وعهودَكم بيعة يطلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتقادها، وعلى الوفاء بذمّتِه بها، وعلى إخلاصكم في نصرتها وموالاة أهلها، لا يشوب ذلك منكم دَغَل

стр. 5645

ولا إدهان ولا احتيال ولا تأوّل؛ حتى تلقوا الله؛ موفين بعهده، ومؤدِّين حقَّه عليكم، غير مستشرفين ولا ناكثين، إذ كان الذين يبايعون منكم أميرَ المؤمنين إنما يبايعون الله؛ يد الله فوق أيديهم، فمن نَكَث فإنما ينكُث على نفسه، ومَنْ أوفَى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا. عليكم بذلك وبما أكّدت هذه البيعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صَفَقة أيْمانكم، وبما اشترط عليكم بها من وفاء ونَصْر، وموالاة واجتهاد ونُصْح؛ وعليكم عهد الله؛ إنّ عهده كان مسؤولًا؛ وذمّة الله وذمة رسوله، وأشدّ ما أخذ على أنبيائه ورسله، وعلى أحد من عباده من متأكَّد وثائقه أن تسمعوا ما أخِذ عليكم في هذه البيعة، ولا تبدّلوا، وأن تُطيعوا ولا تعصوا، وأن تُخلصوا ولا ترتابوا، وأن تتمسّكوا بما عاهدتم عليه تمسُّكَ أهل الطاعة بطاعتهم وذوي العهد والوفاء بوفائهم وحقهم؛ لا يلفتكم عن ذلك هويّ ولا ميل، ولا يزيغ بكم فيه ضلال عن هديّ؛ باذلين في ذلك أنفسَكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقَّ الدين والطاعة بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل الله منكم في هذه البيعة إلا الوفاء بها. فمَنْ نَكَث منكم ممن بايع أمير المؤمنين هذه البيعة عما أكّد عليه مسرًّا أو معلنًا، أو مصرّحًا أو محتالًا؛ فادّهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخِذَت به مواثيق أمير المؤمنين، وعهود الله عليه؛ مستعملًا في ذلك الهوينى دون الجِدّ، والركون إلى الباطل دون نُصرة الحق، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الوفاء منهم بعهودهم؛ فكلّ ما يملك كلُّ واحد ممّن خان في ذلك بشيء نقض عهدَه من مال أو عقار أو سائمة، أو زرع أو ضَرْع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل الله، محرّمٌ عليه أن يرجع شيء من ذلك إلى ماله عن حيلة يقدّمها لنفسه، أو يحتال بها، وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ قدرها، فتلك سبيل إلى أن توافيَه منيَّتُه، ويأتي عليه أجلُه؛ وكلُّ مملوك يملكه اليوم إلى ثلاثين سنة من ذكر أو أنثى أحرار لوجه الله؛ ونساؤه في يوم يلزمه الحِنْث، ومن يتزوجه بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق البتّة طلاق الحرج والسنة، لا مثنويّة فيه ولا رَجْعة، وعليه المشي إلى بيت الله الحرام ثلاثين حجة، لا يقبل الله منه إلّا الوفاء بها؛ وهو برئ من الله ورسوله؛ والله ورسوله منه بريئان؛ ولا قبلَ الله منه

стр. 5646

صَرْفًا ولا عدلًا؛ والله عليكم بذلك شهيد، وكفى بالله شهيدًا (١). [٣٨٧]. * * * وذكر أنه لمّا كانت صبيحة اليوم الذي بويع فيه المنتصر شاع الخبر في الماحوزة - وهي المدينة التي كان جعفر بناها في أهل سامرّا - بقتل جعفر، وتوافَى الجندُ والشاكريّة بباب العامة بالجعفريّ وغيرهم من الغوغاء والعوامّ، وكثر الناس وتسامعوا، وركب بعضهم بعضًا، وتكلموا في أمرِ البيعة، فخرج إليهم عَتّاب بن عتّاب - وقيل: إنّ الذي خرج إليهم زُرافة - فأبلغهم عن المنتصر ما يحبون، فأسمعوه؛ فدخل إلى المنتصر فأخبره؛ فخرج وبين يديه جماعة من المغاربة، فصاح بهم: يا كلاب! خذوهم؛ فحملوا على الناس فدفعوهم إلى الثلاث الأبواب، فازدحم الناس ووقع بعضهم على بعض؛ ثم تفرّقوا عن عِدّة قد ماتوا من الزَّحْمة والدَّوْس؛ فمنهم من ذكر أنهم كانوا ستة نفر، ومنهم من قال: كانوا ما بين الثلاثة إلى الستة. * * * وفيها ولَّى المنتصر أبا عَمْرة أحمد بن سعيد - مولى بني هاشم، بعد البيعة له بيوم - المظالم، فقال قائل: يا ضيعةَ الإسلامِ لمَّا وَلِي ... مظالمَ النَّاسِ أَبو عَمْرَهْ صُيّرَ مأْمونًا على أمةٍ ... وليسَ مأْمونًا على بَعْرَهْ (٢) وفي ذي الحجة من هذه السنة أخرج المنتصر عليّ بن المعتصم من سامرّا إلى بغداد ووكَّل به (٣). وحجّ بالناس فيها محمد بن سليمان الزينبيّ (٤).

стр. 5647

ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ذكر غزاة وصيف التركيّ الروم] فمن ذلك ما كان من إغزاء المنتصر وصيفًا التركي صائفة أرض الروم (١). * ذكر الخبر عن سبب ذلك، وما كان في ذلك من وصيف: ذُكر أنّ السبب في ذلك أنه كان بين أحمد بن الخصيب ووصيف شحناء وتباغض؛ فلمّا استُخلف المنتصر، وابن الخصيب وزيرُه؛ حرَّضَ أحمد بن الخصيب المنتصر على وصيف، وأشار عليه بإخراجه من عسكره غازيًا إلى الثّغر؛ فلم يزل به حتى أحضره المنتصر، فأمره بالغزو. وقد ذُكر عن المنتصر أنه لمّا عَزَم على أن يُغزي وصيفًا الثغر الشاميّ، قال له أحمد بن الخصيب: ومَنْ يجترئ على الموالي حتى تأمر وصيفًا بالشخوص! فقال المنتصر لبعض من الحجَبة: ائذن لمن حضر الدار؛ فأذن لهم وفيهم وصيف، فأقبل عليه، فقال له: يا وصيف؛ أتانا عن طاغية الروم أنه أقبل يريد الثغور، وهذا أمر لا يمكن الإمساك عنه؛ فإمّا شخصتَ وإما شخصتُ؛ فقال وصيف: بل أشخصُ يا أمير المؤمنين، قال: يا أحمد؛ انظر ما يحتاج إليه على أبْلَغ ما يكون فأقمه له. قال: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ما نَعمْ؟ ! قم الساعة لذلك؛ يا وصيف مُر كاتبَك يوافقه على ما يحتاج إليه، ويلزمه حتى يزيح علّتك فيه، فقام أحمد بن الخصيب، وقام وصيف، فلم يزل في جهازه حتى خرَج، فما أفلح ولا أنجح. وذكر أنّ المنتصر لما أحضر وصيفًا وأمره بالغزو، قال له: إنّ الطاغية - يعني ملك الروم - قد تحرّك، ولست آمنه أن يهلك كلّ ما يمرّ به من بلاد الإسلام، ويقتل ويسبي الذراريّ؛ فإذا غزوتَ وأردت الرّجعة انصرفت إلى باب أمير المؤمنين من فورِك، وأمر جماعة من القوّاد وغيرهم بالخروج معه وانتخب له

стр. 5648

الرجال؛ فكان معه من الشاكريّة والجند والموالي زُهاء عشرة آلاف رجل؛ فكان على مقدّمته في بدأته مُزاحم بن خاقان؛ أخو الفتح بن خاقان؛ وعلى السَّاقة محمد بن رجاء، وعلى الميمنة السنديّ بن بختاشة، وعلى الدّرّاجة نصر بن سعيد المغربيّ؛ واستعمل على الناس والعسكر أبا عون خليفته؛ وكان على الشّرْطة بسامرّا. * * * وكتب المنتصر عند إغزائه وصيفًا مولاه إلى محمد بن عبد الله بن طاهر كتابًا نسخته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله محمد المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين. سلام عليك؛ فإن أميرَ المؤمنين يحمَد إليك الله الذي لا إله إلا هو، ويسأله أن يصلّيَ على محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله، أما بعد: فإنّ الله - وله الحمد على آلائه والشكرُ بجميل بلائه - اختار الإسلام وفضّله، وأتمّه وأكمله، وجعله وسيلة إلى رضاه ومثوبته، وسبيلًا نَهْجًا إلى رحمته، وسبَبًا إلى مذْخُور كرامته؛ فقهر له مَنْ خالفه، وأذلّ له من عَنَدَ عن حقه، وابتغى غير سبيله، وخصَّه بأتمّ الشرائع وأكملها، وأفضل الأحكام وأعدلِها؛ وبعث به خيرته مِنْ خلقه وصفوته من عباده محمّدًا ﷺ ، جعل الجهاد أعظَم فرائضه منزلةً عنده، وأعلاها رتبة لديه، وأنجَحها وسيلة إليه؛ لأن الله أعزّ دينه، وأذلّ عُتاة الشرك، قال آمرًا بالجهاد، ومفترضًا له: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وليست تمضي بالمجاهد في سبيل الله حالٌ لا يكابد في الله نَصَبًا ولا أذىً، ولا ينفق نفقة ولا يقارع عدوًّا، ولا يقطع بلدًا، ولا يطأ أرضًا؛ إلا وله بذلك أمر مكتوب، وثواب جزيل، وأجر مأمول، قال الله : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا

стр. 5649

يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ثم أثنى بفضل منزلة المجاهدين على القاعدين عنده، وما وعدهم من جزائه ومثوبته، وما لهم من الزّلفى عنده، فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فبالجهاد اشترى الله من المؤمنين أنفسَهم وأموالهم، وجعل جنّته ثمنًا لهم، ورضوانه جزاء لهم على بذلها؛ وعْدا منه حقًّا لا ريب فيه، وحكمًا عدلًا لا تبديل له، قال الله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. وحكَم الله لإحياء المجاهدين بنصره، والفوز برحمته، وأشهد لموتاهم بالحياة الدائمة، والزلفى لديه، والحظّ الجزيل من ثوابه، فقال: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. وليس من شيء يتقرَّب به المؤمنون إلى الله من أعمالهم، ويسعَوْن به في حطّ أوزارهم، وفَكاك رقابهم، ويستوجبون به الثوَاب من ربهم، إلّا والجهاد عنده أعظم منه منزلة، وأعلى لديه رتبة، وأوْلَى بالفوزِ في العاجلة والآجلة؛ لأنّ أهله بذلُوا لله أنفسَهم، لتكون كلمةُ الله هي العليا، وسمحوا بها دون مَنْ وراءهم من إخوانهم وحريم المسلمين وبَيْضتهم، ووقَمُوا (١) بجهادهم العدوّ. وقد رأى أمير المؤمنين - لما يحبّه من التقرّب إلى الله بجهاد عدوّه، وقضاء حقه عليه فيما استحفظه من دينه، والتماس الزُّلفَى له في إعزاز أوليائه، وإحلال

стр. 5650

البأس والنقمة بمن حاد عن دينه، وكذّب رسله، وفارق طاعتَه - أن يُنهض وصيفًا مولى أمير المؤمنين في هذا العام إلى بلاد أعداء الله الكفرة والرّوم، غازيًا لما عرَّف اللهُ أمير المؤمنين من طاعتِه ومناصحتِه ومحمود نقيبتِه وخُلُوص نيّته، في كل ما قرّبه من الله ومن خليقته. وقد رأى أمير المؤمنين - والله وليّ معونته وتوفيقه - أن تكون موافاة وصيف فيمن أنهض أمير المؤمنين معَه من مواليه وجنده وشاكريّته ثغر مَلطية لاثنتي عشرة ليلة تخلُو من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومئتين، وذلك من شهور العجم للنصف من حَزِيران ودخوله بلاد أعداء الله في أوّل يوم من تَمّوز؛ فاعلم ذلك واكتب إلى عمّالك على نواحي عملك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا؛ ومُرْهم بقراءته على مَنْ قِبَلهم من المسلمين وترغيبهم في الجهاد، وحثّهم عليه واستنفارهم إليه، وتعريفهم ما جعل الله من الثَّواب لأهله، ليعمل ذوو النيات والحسْبة والرغبة في الجهاد على حسب ذلك في النهوض إلى عدوّهم والخُفوف إلى معاونة إخوانهم والذياد عن دينهم والرّمْي من وراء حَوْزتهم بموافاة عسكر وصيف مولى أمير المؤمنين مَلَطْيَةَ في الوقت الذي حدّه أمير المؤمنين لهم إن شاء الله، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكتب أحمد بن الخصيب لسبع ليالٍ خلوْن من المحرم سنة ثمان وأربعين ومئتين؛ وصيّر على ما ذكر على نفقات عسكر وصيف والمغانم والمقاسم المعروف بأبي الوليد الجريريّ البَجَليّ (١). وكتب معه المنتصر كتابًا إلى وصيف يأمره بالمقام ببلاد الثغر إذا هو انصرف من غزاته أربع سنين، يغزو في أوقات الغزو منها إلى أن يأتيَه رأي أمير المؤمنين. * * *

стр. 5651

[ذكر خبر خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما] وفي هذه السنة خلع المعتزّ والمؤيّد أنفسهما، وأظهر المنتصر خلْعهما في القصر الجعفريّ المحدث (١). * ذكر الخبر عن خلعهما أنفسهما: ذُكر أن محمدًا المنتصر بالله لمّا استقامت له الأمور، قال أحمد بن الخصيب لوصيف وبغا: إنا لا نأمن الحدثان؛ وأن يموت أمير المؤمنين، فيليَ الأمرَ المعتزّ، فلا يُبقي منّا باقية، ويُبيد خضراءنَا؛ والرأي أن نعمل في خَلْع هذين الغلامين قبل أن يظفرا بنا، فجدّ الأتراك في ذلك، وألحّوا على المنتصر وقالوا: يا أمير المؤمنين؛ تخلعهما من الخلافة، وتبايع لابنك عبد الوهاب، فلم يزالوا به حتى فعل، ولم يزل مكرِمًا المعتزّ والمؤيد؛ على ميل منه شديد إلى المؤيد؛ فلمّا كان بعد أربعين يومًا من ولايته؛ أمر بإحضار المعتز والمؤيد بعد انصرافهما من عنده، فأحضِرا وجُعلا في دار، فقال المعتزّ للمؤيد: يا أخي، لمَ ترانا أحضرنا؛ فقال: يا شَقيّ، للخلْع! فقال: لا أظنه يفعل بنا ذلك، فبيناهم كذلك؛ إذ جاءهم الرسل بالخلْع، فقال المؤيد: السمع والطاعة، وقال المعتزّ: ما كنت لأفعل؛ فإنْ أردتم القتل فشأنكم، فرجعوا إليه، فأعلموه ثم عادوا بغلظة شديدة، فأخذوا المعتزّ بعنف، وأدخلوه إلى بيت، وأغلقوا عليه الباب. فذُكر عن يعقوب بن السكيت: أنه قال: حدّثني المؤيد، قال: لما رأيتُ ذلك قلت لهم بجرأة واستطالة: ما هذا يا كلاب! فقد ضريْتم على دمائنا، تثبون على مولاكم هذا الوثوب! اغربُوا قبحكم الله! دعوني أكلّمه؛ فكاعوا عن جوابي بعد تسرُّع كان منهم، وأقاموا ساعة، ثم قالوا لي: القه إن أحببت، فظننتُ أنهم استأمروا، فقمت إليه، فإذا هو في البيت يبكي، فقلت: يا جاهل؛ تراهم قد نالوا من أبيك - وهو هو - ما نالوا، ثم تمتنع عليهم! اخلع ويلك ولا تراجعْهم! قال: سبحان الله! أمرٌ قد مضيت عليه، وجرى في الآفاق أخلعه من عنقي!

стр. 5652

فقلت: هذا الأمرُ قتل أباك، فلَيته لا يقتلك! اخلعه ويلك! فوالله لئن كان في سابق علم الله أن تلِي لَتَلينّ. قال: أفعلُ، قال: فخرجت فقلت: قدأجاب، فأعلِموا أمير المؤمنين، فمضوْا ثم عادوا فجزْوني خيرًا، ودخل معهم كاتب قد سمّاه، ومعه دواة وقرطاس، فجلس، ثم أقبل على أبي عبد الله، فقال: اكتب بخطّك خلعك، فتلكّأ، فقلت للكاتب: هاتِ قرطاسًا، أملِلْ ما شئت، فأملى عليّ كتابًا إلى المنتصر، أعلِمُه فيه ضَعفِي عن هذا الأمر؛ وأني علمت أنه لا يحلّ أن أتقلدَه، وكرهت أن يأثم المتوكل بسببي إذا لم أكن موضِعًا له، وأسأله الخلع، وأعلِمه أني خلعت نفسي، وأحللت الناسَ مِنْ بيعتي، فكتبت كلّ ما أراد، ثم قلت: اكتب يا أبا عبد الله، فامتنع، فقلت: اكتب ويلك! فكتب وخرج الكاتب عنا، ثم دعانا فقلت: نجدّد ثيابنا أو نأتي في هذه؛ فقال: بل جدّدا، فدعوت بثياب فلبستها، وفعل أبو عبد الله كذلك، وخرجنا فدخلنا؛ وهو في مجلسه، والناس على مراتبهم، فسلمنا فردُّوا، وأمر بالجلوس، ثم قال: هذا كتابكما؟ فسكت المعتزّ، فبدرت فقلت: نعم يا أمير المؤمنين! هذا كتابي بمسألتي ورغبتي، وقلت للمعتزّ: تكلم، فقال مثل ذلك، ثم أقبل علينا والأتراكُ وقوفٌ، وقال: أترياني خلعتُكما طمعًا في أن أعيش حتى يكبر ولدي وأبايع له! والله ما طمعتُ في ذلك ساعة قط؛ وإذا لم يكن في ذلك طمع، فوالله لأنْ يليَها بنو أبِي أحبُّ إليّ من أن يليَها بنو عمي؛ ولكن هؤلاء - وأومأ إلى سائر الموالي ممن هو قائم وقاعد - ألحُّوا عليّ في خلعكما، فخفت إن لم أفعل أن يعترضكما بعضُهم بحديدة، فيأتي عليكما، فما ترياني صانعًا! أقتله؛ فوالله ما تفي دماؤهم كلهم بدم بعضكم؛ فكانت إجابتهم إلى ما سألوا أسهل عليّ، قال: فأكبّا عليه، فقبَّلا يده، فضمّهما إليه، ثم انصرفا. وذكر أنه لما كان يوم السبت لسبع بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين خلع المعتزّ والمؤيد أنفسهما، وكتب كل واحد منها رُقعة بخطه أنه خلَع نفسه من البيعة التي بويع له، وأنّ الناس في حل من حَلّها ونَقضها؛ وأنهما يعجزان عن القيام بشيء منها، ثم قاما بذلك على رؤوس الناس والأتراك والوجوه والصحابة والقضاة، وجعفر بن عبد الواحد قاضي القضاة، والقوّاد وبني هاشم، وولاة

стр. 5653

الدّواوين والشيعة ووجوه الحرس، ومحمد بن عبد الله بن طاهر، ووصيف وبُغا الكبير وبُغا الصغير، وجميع مَنْ حضر دار الخاصّة والعامة، ثم انصرف الناس بعد ذلك. والنسخة التي كتباها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنّ أمير المؤمنين المتوكل على الله ﵁ قلّدني هذا الأمر، وبايع لى وأنا صغير من غير إرادتي ومحبّتي؛ فلما فهمت أمري علمت أني لا أقوم بما قلّدني ولا أصلح لخلافة المسلمين، فمن كانت بَيْعِتي في عنقه فهو مِنْ نقضِها في حلّ، وقد أحللتُكم منها، وأبرأتكم من أيمانكم؛ ولا عهد لي في رقابكم ولا عقْد، وأنتم بُرآء من ذلك. وكان الذي قرأ الرقاع أحمد بن الخصيب، ثم قام كلُّ واحد منهما قائمًا، فقال لمن حضر: هذه رقعتي وهذا قولي؛ فاشهدوا عليّ، وقد أبرأتكم من أيْمانكم، وحللتكُم منها، فقال لهما المنتصر عند ذلك: قد خار الله لكما وللمسلمين، وقام فدخل، وكان قد قعد للناس، وأقعدهما بالقرب منه، فكتب كتابًا إلى العمال بخلعهما وذلك في صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين. * * * نسخة كتاب المنتصر بالله إلى أبي العباس محمد بن عبد الله بن طاهر مولى أمير المؤمنين في خلع أبي عبد الله المعتزّ وإبراهيم المؤيد: من عبد الله محمد الإمام المنتصر بالله أمير المؤمنين إلى محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين؛ أما بعد؛ فإن الله - وله الحمد على آلائه، والشكر بجميل بلائه - جعل ولاة الأمر من خُلَفائه القائمين بما بعث به رسوله ﷺ والذّابين عن دينه، والدّاعين إلى حقه والممضِين لأحكامه، وجعل ما اختصّهم به من كرامته قِوامًا لعباده، وصلاحًا لبلاده، ورحمة غمر بها خلقه، وافترض طاعَتهم، ووصلها بطاعته وطاعة رسوله محمد ﷺ ، وأوجبها في محكم تنزيله؛ لما جمع فيها من سكون الدَّهماء، واتّساق الأهواء، ولمّ الشعث، وأمْن السبُل، ووقم العدّو، وحفظ الحريم، وسدّ الثغور، وانتظام الأمور، فقال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ

стр. 5654

وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فمن الحقّ على خلفاء الله الذين حباهم بعظيم نعمته، واختضهم بأعلى رتب كرامته، واستحفظهم فيما جعله وسيلة إلى رحْمته، وسببًا لرضاه ومثوبته لأن يؤثروا طاعته في كلّ حال تصرّفتْ بهم، ويقيموا حقه في أنفسهم والأقرب فالأقرب منهم، وأن يكون محلّهم من الاجتهاد في كلّ ما قرب من الله حسب موقِعهم من الدّين وولاية أمر المسلمين، وأميرُ المؤمنين يسأل الله مسألةً رغبةً إليه، وتذللًا لعظمته أن يتولَّاه فيما استرعاه ولاية يجمع له بها صلاح ما قلّده، ويجمل عنه أعباء ما حمَّله، ويعينه بتوفيقه على طاعته؛ إنه سميع قريب. وقد علمتَ ما حضرتَ من رفْع أبي عبد الله وإبراهيم ابني أمير المؤمنين المتوكّل على الله ﵁ إلى أمير المؤمنين رقعتيْن بخطوطهما؛ يذكران فيهما ما عرّفهما الله من عطف أمير المؤمنين عليهما، ورأفته بهما، وجميل نظره لهما؛ وما كان أمير المؤمنين المتوكل على الله عَقَده لأبي عبد الله من ولاية عهد أمير المؤمنين ولإبراهيم من ولاية العهد بعد أبي عبد الله، وإنّ ذلك العقد كان وأبو عبد الله طفل لم يبلغ ثلاث سنين، ولم يفهم ما عُقِد له ولا وقف على ما قُلّده، وإبراهيم صغير لم يبلغ الحُلم، ولم تجر أحكامهما ولا جرتْ أحكامُ الإسلام عليهما، وإنه قد يجب عليهما إذ بلغا ووقفا على عَجْزهما عن القيام بما عقد لهما من العَهْد، وأسْنِدَ إليهما من الأعمال أن يَنْصحا لله ولجماعة المسلمين، بأن يُخرجا من هذا الأمر الذي عقِد لهما أنفسهما، ويعتزلا الأعمال التي قُلداها، ويجعلا كلّ مَنْ في عنقه لهما بَيْعة وعليه يمين في حلّ؛ إذ كانا لا يقومان بما رُشِّحا له، ولا يصلحان لتقلده، وأن يخرج من كان ضُمّ إليهما ممّن في نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين ومواليه وغلمانه وجنده وشاكريتِه وجميع مَنْ مع أولئك القواد بالحضْرة وخُراسان وسائر النواحي عن رسومهما، ويُزال عنهم جميعًا ذكر الضمّ إليهما، وأن يكونا سُوقة من سوقة المسلمين وعامّتهم، ويصفان ما لم يزالا يذكران لأمير المؤمنين من ذلك؛ ويسألانه فيه، منذ أفضى الله بخلافته، وأنهما قد خلعا أنفسهما من ولاية العهد، وخرجا منها، وجعلا كلَّ من لهما عليه بيعة ويمين من قُوّاد أمير المؤمنين وجميع أوليائه ورعيّته؛ قريبهم وبعيدهم وحاضرهم وغائبهم في حلّ وسعة من بيعتهم. وأيْمانهم؛ ليخلعوهما كما خلعا أنفسهما.

стр. 5655

وجعلا لأمير المؤمنين على أنفسهما عهدَ الله؛ وأشد ما أخذ على ملائكته وأنبيائه وعباده من عهد وميثاق، وجميع ما أكده أمير المؤمنين عليهما من الأيْمان، بإقامتهما على طاعته ومناصحته وموالاته في السرّ والعلانية، ويسألان أمير المؤمنين أن يُظهر ما فعلاه، وينشره، ويُحْضِر جميع أوليائه؛ ليسمعوا ذلك منهما طالبيْن راغبيْن، طائعيْن غير مكرهيْن ولا مجبريْن، ويُقْرَأ عليهم الرّقعتان اللتان رفعاهما بخطوطهما، بما ذكرا من وقوع الأمر لهما من ولاية العهد، وهما صبيان، وخلعهما أنفسهما بعد بلوغهما، وما سألا مِنْ صرفهما عن الأعمال التي يتوليانها وإخراج مَنْ كان بها ممن ضمّ إليهما في نواحيهما من قُوّاد أمير المؤمنين وجنده وغلمانه وشاكريّتِه وجميع مَنْ مع أولئك القوّاد بالحضرة وخراسان وسائر النواحي عن رسومهما وإزالة ذكر الضمّ إليهما عنهم، وأن يُكتب بالكتاب بذلك إلى جميع عمال النواحي. وإنّ أمير المؤمنين وقف على صدقهما فيما ذكرا ورفعا، وتقدّم في إحضار جميع إخوته ومَنْ بحضرته من أهل بيتِه وقوّاده ومواليه وشيعته ورؤساء جنده وشاكريّتِه وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم؛ وسائر أوليائه الذين كانت وقعت البيعة لهما بذلك عليهم، وحضر أبو عبد الله وإبراهيم ابنا أمير المؤمنين المتوكل على الله ﵁، وقرِئت رقعتاهما بخطوطهما بحضرتهما، إلى مجلس أمير المؤمنين عليهما وعَلى جميع من حضر، وأعادا من القول بعد قراءة الرُّقعتين مثل الذي كتبا به. ورأى أمير المؤمنين أن يجمع في إجابتهما إلى نشر ما فعلاه وإظهاره، وإمضائه ذلك قضاءَ حقوق ثلاثة: منها حقّ الله ، فيما استحفظه من خلافته، وأوجب عليه في النظر لأوليائه فيما يجمع لهم كلمتَهم في يومهم وغدِهم، ويؤلِّف بين قلوبهم، ومنها حقّ الرعيّة الذين هم ودائع الله عنده حتى يكون المتقلّد لأمورهم ممن يراعيهم آناء الليل والنهار بعنايته ونظره وتفقّده وعدله ورأفته، ومن يقوم بأحكام الله في خلقه، ومن يضطلع بثقل السياسة وصواب التدبير، ومنها حقّ أبي عبد الله وإبراهيم فيما يُوجبه أمير المؤمنين لهما بإخوّتهما وماسّ رحمهما؛ لأنهما لو أقاما على ما خرجا منه؛ لم يؤمن أن يؤدّيَ ذلك إلى ما يعظم في الدين ضرره، ويعمّ المسلمين مكروهه؛ ويرجع عليهما

стр. 5656

عظيم الوزر فيه؛ فخلعهما أمير المؤمنين إذ خَلَعا أنفسهما من ولاية العهد، وخَلعهما جميع إخوة أمير المؤمنين ومَنْ بحضرته من أهل بيته، وخلَعهما جميع من حضر من قوّاد أمير المؤمنين ومواليه وشيعته، ورؤساء جنده وشاكريّتِه وكتّابه وقضاته والفقهاء وغيرهم من سائر أولياء أمير المؤمنين؛ الذين كانت أخِذَتْ لهما البيعة عليهم. وأمر أمير المؤمنين بإنشاء الكتب بذلك إلى جميع العمال، ليتقدّموا في العمل بحسب ما فيها، ويخلعوا أبا عبد الله وإبراهيم مِنْ ولاية العهد؛ إذ كانا قد خَلعا أنفسهما من ذلك، وحلّلا الخاصّ والعامّ، والحاضر والغائب، والدانِيَ والقاصيَ منه؛ ويسقطوا ذكرَهما بولاية العهد، وذكْرَ ما نُسِبا إليه مِنْ نسب ولاية العهد من المعتزّ بالله والمؤيد بالله من كتبهم وألفاظهم، والدعاء لهما على المنابر؛ ويسقطوا كُلّ ما ثبت في دواوينهم من رُسومهما القديمة والحديثة الواقعة على مَنْ كان مضمونًا إليهما، ويزيلوا ما على الأعلام والمطارد من ذكرهما؛ وما وسمت به دوابّ الشاكريّة والرابطة من أسمائهما، ومحلُّك من أمير المؤمنين وحالُك عنده على حسب ما أخلص الله لأمير المؤمنين من طاعتك ومناصحتك، وموالاتك ومشايعتك؛ ما أوجب الله لك بسلفك ونفسك، وما عرف الله أمير المؤمنين من طاعتِك ويُمْن نَقِيبتك واجتهادك في قضاء الحق. وقد أفردك أمير المؤمنين بقيادتِك، وإزالة الضتم إلى أبي عبد الله عنك وعمّن في ناحيتك بالحضرة وسائر النواحي؛ ولم يجعل أمير المؤمنين بينَك وبينه أحد يَرأسُك، وخرج أمره بذلك إلى ولاة دواوينه. فاعلم ذلك واكتب إلى عُمّالك بنسخة كتاب أمير المؤمنين هذا إليك، وأوعِزْ إليهم في العمل على حسبه، إن شاء الله، والسلام. وكتب أحمد بن الخصيب يوم السبت لعشر بقين من صفر سنة ثمان وأربعين ومئتين (١).

стр. 5657

[ذكر الخبر عن وفاة المنتصر] وفي هذه السنة توفِّيَ المنتصر (١). * ذكر الخبر عن العلة التي كانت فيها وفاته والوقت الذي توفِّيَ فيه وقدر المدة التي كانت فيها حياته: فأما العلّة التي كانت بها وفاته؛ فإنه اختُلف فيها، فقال بعضهم: أصابته الذّبحة في حَلْقه يوم الخميس لخمس بقين من شهر ربيع الأول، ومات مع صلاة العصر من يوم الأحد الخميس ليال خَلَوْن من شهر ربيع الآخر. وقيل: تُوفِّيَ يوم السبت وقت العصر لأربع خلوْن من شهر ربيع الآخر؛ وإن علّته كانت من ورم في مِعدتِه، ثم تصعّد إلى فؤاده فمات؛ وإنّ علته كانت ثلاثة أيام أو نحوها. وحدِّثني بعضُ أصحابنا أنه كان وجد حرارة، فدعا بَعْضَ مَنْ كان يتطبّب له، وأمره بفصْده، ففصده بمبْضع مسموم، فكان فيه منيته وإن الطبيب الذي فَصَده انصرف إلى منزله، وقد وجد حرارةً، فدعا تلميذًا له؛ فأمره بفصْده ووضع مباضعه بين يديه ليتخيّر أجودها؛ وفيها المبضع المسموم الذي فصِد به المنتصر؛ وقد نسيه فلم يجد التلميذ في المباضع التي وُضعت بين يديه مِبْضعًا أجود من المبضع المسموم؛ ففصد به أستاذه وهو لا يعلم أمره؛ فلمَّا فصده به نظر إليه صاحبه فعُلم أنه هالك؛ فأوصى من ساعته، وهلك من يومه. وقد ذكر أنه وُجد في رأسه علّة فقطر ابن الطيفوريّ في أذنه دُهنًا، فورم رأسه، وعوجل فمات، وقد قيل: إن ابن الطيفوريّ إنما سمّه في محاجمه (٢).

стр. 5658

قال أبو جعفر: ولم أزل أسمع الناس حين أفضت إليه الخلافة من لَدُنْ وَليَ إلى أن مات يقولون: إنما مدّة حياته ستة أشهر، مدّة شيرويه ابن كسرى قاتل أبيه، مستفيضًا ذلك على ألسن العامة والخاصة (١). وذُكر عن يُسْر الخادم؛ وكان - فيما ذكر - يتولى بيت المال للمنتصر في أيام إمارته: أنه قال: كان المنتصر يومًا من الأيام في خِلافته نائمًا في إيوانه، فانتبه وهو يبكي وينتحب؛ قال: فهبْته أن أسأله عن بكائه، ووقفتُ وراء الباب؛ فإذا عبد الله بن عمر البازيار قد وافى فسمع نحيبه وشهيقه، فقال لي: ما له؟ ويحك يا يسر! فأعلمته أنه كان نائمًا فانتبه باكيًا، فدنا منه، فقال له: ما لك يا أمير المؤمنين تبكي لا أبكى الله عينك؟ ! قال: ادنُ مني يا عبد الله؛ فدنا منه فقال له: كنت نائمًا، فرأيت فيما يرى النائم كأنّ المتوكل قد جاءني، فقال لي: ويلك يا محمد! قتلتني وظلَمتني وغبنْتنِي في خلافتي؛ والله لا تمتّعت بها بعدي إلا أيامًا يسيرة، ثم مصيرك إلى النار. فانتبهتُ وما أملك عيني ولا جَزعي، فقال له عبد الله: هذه رؤيا؛ وهي تصدق وتكذب، بل يعمّرك ويسرّك الله؛ فادع الآن بالنبيذ، وخذ في اللهو، ولا تعبأ بالرؤيا، قال: ففعل ذلك؛ وما زال منكسرًا إلى أن تُوفِّيَ. وذكر أنّ المنتصر كان شاور في قتل أبيه جماعةً من الفقهاء، وأعلمهم بمذاهبه، وحكى عنه أمورًا قبيحة كرهت ذكرها في الكتاب؛ فأشاروا عليه بقتلِه؛ فكان من أمره ما ذكرنا بعضه. وذُكر عنه أنه لما اشتدّت به علّتُه؛ خرجت إليه أمُّه فسألته عن حاله، فقال: ذهبتْ والله مني الدنيا والآخرة. قال إبراهيم بن جيش: حدثني موسى بن عيسى الكاتب، كاتب عمي يعقوب وابن عمي يزيد، أنّ المنتصر لما أفضت الخلافة إليه، كان يُكثر إذا سكر ذكر

стр. 5659

قتل أبيه المتوكل، ويقول في الأتراك: هؤلاء قَتَلة الخلفاء، ويذكر من ذلك ما تخوّفوه، فجعلوا لخادم له ثلاثين ألف دينار على أن يحتال في سمّه، وجعلوا لعليّ بن طيفور جملة، وكان المنتصرُ يكثر أكل الكمثرى إذا قُدّمت إليه الفاكهة، فعمد ابن طيفور إلى كمّثراة كبيرة نضيجة، فأدخل في رأسها خلالة، ثم سقاها سمًّا، فجعلها الخادم في أعلى الكمثرى الذي قدّمه إليه، فلما نظر إليها المنتصر أمره أن يَقْشِرها ويطعمه إياها، فقشرها وقطعها، ثم أعطاه قطعة قطعة حتى أتى عليها، فلما أكلها وجد فترةً، فقال لابن طيفور: أجد حرارة، فقال: يا أمير المؤمنين؛ احتجم تبرأ من علّة الدّم، وقدّر أنه إذا خرج الدم قوي عليه السمّ، فحجم فحُمّ، وغلظت علّته عليه، فتخوف هو والأتراك أن تطول علته، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنّ الحجامة لم يكن فيها ما قدّرنا في عافيتك، وتحتاج إلى الفَصد؛ فإنه أنجح لما تريد، فقال: أفعل، ففصده بمبضع مسموم، ودهش، فألقاه في مباضعه - وكان أحدّها وأجودها، ثم إن عليّ بن طيفور، وجد حرارة، فدعا تلميذًا له ليفصده، فنظر في المباضمع فلم يجد أحدّ منه، ولا أخير ففصده، فكانت منيته فيه. وذكر عن ابن دهقانه أنه قال: كنا في مجلس المنتصر يومًا بعدما قتِل المتوكل، فتحدّث المسدود الطنبوريّ بحديث، فقال المنتصر: متى كان هذا؟ فقال: ليلة لا ناهٍ ولا زاجر؛ فأحفظَ ذلك المنتصر. وذُكر عن سعيد بن سلمة النصرانيّ أنه قال: خرج علينا أحمد بن الخصيب مسرورًا يذكر أن أمير المؤمنين المنتصر رأى في ليلة في المنام: أنه صعد دَرَجَةً حتى انتهى إلى خمس وعشرين مِرْقاةً منها؛ فقيل له: هذا ملكك؛ وبلغ الخبر ابنَ المنجّم، فدخل عليه محمد بن موسى وعليّ بن يحيى المنجّم مهنئين له بالرؤيا، فقال: لم يكن الأمر على ما ذَكر لكم أحمد بن الخصيب؛ ولكني حين بلغتُ آخر المراقي، قيل لي: قف فهذا آخر عمرك؛ واغتمّ لذلك غمًّا شديدًا، فعاش بعد ذلك أيامًا تتمّة سنة، ثمّ مات وهو ابن خمس وعشرين سنة. وقيل: تُوفِّيَ وهو ابن خمس وعشرين سنة وستة أشهر. وقيل: بل كان عمره أربعًا وعشرين سنة، وكانت مدة خلافته ستة أشهر في قول بعضهم ويومين.

стр. 5660

وقيل: كانت ستة أشهر سواء. وقيل: كانت مئة يوم وتسعة وسبعين يومًا. وكانت وفاته بسامرّا بالقصر المحدث، بعد أن أظهر في إخوته ما أظهر بأربع وأربعين ليلة؛ وذكر أنه لما حضرته الوفاة قال: فما فَرِحَتْ نفسي بدُنْيَا أَخذتها ... ولكنْ إِلى الربِّ الكريم أَصيرُ وصلّى عليه أحمد بن محمد بن المعتصم بسامرا؛ وبها كان مولده. وكان أعيَنَ أقنى قصيرًا جَيّد البَضعة، وكان - فيما ذكر - مهيبًا. وهو أول خليفة من بني العباس - فيما بعد - عرف قبره؛ وذلك أن أمه طلبت إظهار قبره. وكانت كنيته أبا جعفر واسم أمه حبشيّة وهي أمّ ولد روميّة. * * * ذكر بعض سيره ذكر أن المنتصر لمّا وليَ الخلافة كان أول شيء أحدث من الأمور عَزْل صالح عن المدينة وتولية عليّ بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد إياها، فذُكر عن عليّ بن الحسين، أنه قال: دخلت عليه أودّعه، فقال لي: يا عليّ، إني أوجّهك إلى لحمي ودمي - ومدّ جِلْد ساعِده - وقال: إلى هذا وجّهتك، فانظر كيف تكون للقوم، وكيف تعاملهم! يعني آل أبي طالب، فقلت: أرجو أن أمتثل رأي أمير المؤمنين أيّده الله فيهم إن شاء الله، فقال: إذًا تسعد بذلك عندي. وذُكِر عن محمد بن هارون، كاتب محمد بن عليّ برد الخيار وخليفته على ديوان ضياع إبراهيم المؤيد، أنه أصيب مقتولًا على فراشه، به عدّة ضربات بالسيف، فأحضر ولدُه خادمًا أسود كان له ووصيفًا، ذكر أن الوصيف أقرّ على الأسود، فادخِل على المنتصر، وأحضِر جعفر بن عبد الواحد، فسئل عن قتله مولاه، فأدرّ به، ووَصف فعله بد وسبب قتله إياه، فقال له المنتصر: ويلك! لم

стр. 5661

قتلته؟ فقال له الأسود: لما قتلتَ أنت أباك المتوكل! فسأل الفقهاء في أمره، أشاروا بقتله، فضرب عنقه وصلَبه عند خشبة بابك. * * * وفي هذه السنة حكّم محمد بن عمر والشاري، وخرج بناحية الموصل، فوجّه إليه المنتصر إسحاق بن ثابت الفرغانيّ، فأخذه أسيرًا مع عِدّة من أصحابه فقتِلوا وصُلبوا (١). وفيها تحرّك يعقوب بن الليث الصفار من سِجستان فصار إلى هَرَاة (٢). وذكر عن أحمد بن عبد الله بن صالح صاحب المصلَّى: أنه قال: كان لأبي مؤذّن، فرآه بعض أهلنا في المنام كأنه أذَّن أذانًا لبعض الصَّلَوات؛ ثم دنا من بيت فيه المنتصر، فنادى: يا محمد، يا منتصر، إنَّ رَبَّك لبالمِرْصاد. وذكر عن بُنان المغنّى - وكان فيما قيل أخصّ الناس بالمنتصر في حياة أبيه وبعدما ما ولي الخلافة - أنه قال: سألت المنتصر أن يهب لي ثوبَ ديباج وهو خليفة؛ فقال: أوَ خير لك من الثوب الديباج؟ قلت: وما هو؟ قال: تتمارض حتى أعودك؛ فإنه سيهدى لك أكثرُ من الثوب الديباج؛ قال: فمات في تلك الأيام، ولم يهب لي شيئًا. * * * وفي هذه السنة بويع بالخلافة أحمد بن محمد بن المعتصم (٣). * * *

стр. 5662

خلافة أحمد بن محمد بن المعتصم وهو المستعين ويكنى أبا العباس (١) * ذكر الخبر عن سبب ولايته والوقت الذي بويع له فيه: ذُكر أنّ المنتصر لما توفِّيَ؛ وذلك يوم السبت عند العصر لأربع خلوْن من شهر ربيع الآخر من سنة ثمان وأربعين ومئتين، اجتمع الموالي إلى الهارونيّ يوم الأحد، وفيهم بُغا الصغير وبغا الكبير أوتامش ومَنْ معهم، فاستحلفوا قوّاد الأتراك والمغاربة والأشروسنيّة - وكان الذي يستحلفهم عليّ بن الحسين بن عبد الأعلى الأسكافيّ كاتب بغا الكبير - على أن يرضوْا بمن يرضى به بُغا الصغير وبغا الكبير أوتامش، وذلك بتدبير أحمد بن الخصيب، فحلف القوم وتشاوروا بينهم، وكرهوا أن يتولَّى الخلافة أحدٌ من ولد المتوكل؛ لقتلهم أباه، وخوفهم أن يغتالهم مَنْ يتولى الخلافة منهم؛ فأجمع أحمد بن الخصيب ومَنْ حضر من الموالي على أحمد بن محمد بن المعتصم، فقالوا: لا نُخرج الخلافة من ولد مولانا المعتصم؛ وقد كانوا قبله ذكروا جماعة من بني هاشم؛ فبايعوه وقت العشاء الآخرة من ليلة الإثنين، لست خلوْن من شهر ربيع الآخر من السنة؛ وهو ابن ثمان وعشرين سنة، ويكنى أبا العباس. فاستكتب أحمد بن الخصيب، واستوزر أوتامش، فلما كان يوم الإثنين لست خلوْن من شهر ربيع الآخر صار إلى دار العامة من طريق العمريّ بين البساتين، وقد ألبسوه الطويلة وزيّ الخلافة؛ وحمل إبراهيم بن إسحاق بين يديه الحربة قبل طلوع الشمس، ووافى واجن الأشروسنيّ باب العامّة من طريق الشارع على بيت المال، فصفّ أصحابه صفين، وقام في الصفّ هو وعِدّة من

стр. 5663

وجوه أصحابه، وحضر الدار أصحابُ المراتب من ولد المتوكِّل والعباسيين والطالبيّين وغيرهم ممن لهم مرتبة؛ فبيناهم كذلك، وقد مضى من النهار ساعة ونصف؛ جاءت صيحة من ناحية الشارع والسوق؛ فإذا نحو من خمسين فارسًا من الشاكرية؛ ذكروا أنهم من أصحاب أبي العباس محمد بن عبد الله، ومعهم قوم من فرسان طَبريّة وأخلاط من الناس ومعهم من الغَوْغاء والسوقة نحو من ألف رجل؛ فشهروا السلاح، وصاحوا: يا معتزّ يا منصور وشدّوا على صفَّي الأشروسنيّة الّلذين صفّهما واجن، فتضعضعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، ونفر من على باب العامة من المبيضة مع الشاكريّه، فكثروا، فشدّ عليهم المغاربة والأشروسنية، فهزموهم حتى أدخلوهم الدّرْب الكبير المعروف بزُرافة وعَزُّون، وحمل قوم منهم على المعتزيّة، فكشفوهم؛ حتى جاوزوا بهم دار أخي عَزّون بن إسماعيل وهم في مضيق الطريق، فوقف المعتزيّة هنالك، ورمى الأشروسنية عدّة منهم بالنّشاب، وضربوفم بالسيوف، ونشبت الحرب بينهم؛ وأقبلت المعتزيّة والغوغاء يكبّرون؛ فوقعت بينهم قتلى كثيرة؛ إلى أن مضى من النهار ثلاث ساعات، ثم انصرف الأتراك وقد بايعوا أحمد بن محمد بن المعتصم؛ وانصرفوا مما يلي العمريّ والبساتين، وأخذ الموالي قبل انصرافهم البَيْعة على منْ حضر الدار من الهاشميين وغيرهم وأصحاب المراتب وخرج المستعين من باب العامّة منصرفًا إلى الهاشميين وغيرهم وأصحاب المراتب، وخرج المستعين من باب العامّه منصرفًا إلى الهارونيّ، فبات هنالك، ومضى الأشروسنيّة إلى الهاروني، وقد قُتِل من الفريقين عدَدٌ كثير، ودخل قوم من الأشروسنيّة دورًا، فظفرت بهم الغوغاء، فأخذوا دروعهم وسلاحهم وجواشنَهم ودوابّهم، ودخل الغوغاء والمنتهبة دار العامّة منصرفين إلى الهارونيّ، فانتهبوا الخزانة التي فيها السلاح والدروع والجواشن واللجم المغربية وأكثروا منها؛ وربّما مرّ أحدهم بالجواشن والحِراب فأكثر، وانتهبوا في دار أرمش بن أبي أيوب بحضرة أصحاب الفقّاع تراس خيزران وقنًا بلا أسنّة؛ فكثرت الرّماح والتراس في أيدي الغوغاء وأصحاب الحمامات وغلمان الباقلَّى، ثم جاءتهم جماعة من الأتراك منهم بُغا الصغير من درب زُرافة، فأحلّوهم من الخزانة، وقتلوا منهم عدة، وأمسكوا قليلًا، ثم انصرف الفريقان، وقد كثرت القتلى بينهم؛ وأقبل الغوغاء لا يمرّ أحد من الأتراك من أسافل سامُرّا يريد باب العامة إلا انتهبوا

стр. 5664

سلاحه، وقتلوا جماعة منهم عند دار مبارك المغربي، وعند دار حبش أخي يعقوب قوصرّة في شوارع سامُرّا، وعامّة من انتهب - فيما ذكر - هذا السلاح أصحاب الفقّاع والناطف وأصحاب الحمّامات والسقاؤون وغوغاء الأسواق؛ فلم يزل ذلك أمرهم إلى نصف النهار، وتحرّك أهل السجن بسامرّا في هذا اليوم، فهرب منهم جماعة، ثم وضع العطاء على البيعة، وبعث بكتاب البيعة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر في اليوم الذي بُويع له فيه، وكان وصوله إلى محمد في اليوم الثاني، ووافى به أخ لأتامش ومحمد بن عبد الله في نزهة له، فوجّه الحاجب إليه، وأعلمه مكانه، فرجع من ساعته، وبعث إلى الهاشمييّن والقوّاد والجند، ووضع لهم الأرزاق (١). * * * وورد في هذه السنة على المستعين وفاة طاهر عبد الله بن طاهر بخراسان في رجب، فعقد المستعين لابنه محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر على خراسان، ولمحمد بن عبد الله على العراق، وجعل إليه الحرَمين والشرْطة ومعاون السواد برأسه وأفرده به، وعقد في الجوسق لمحمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر على خراسان والأعمال المضمونة إليها خاصّة يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من شعبان. ومرض بُغا الكبير في جمادى الآخرة، فعاده المستعين في النصف منها، ومات بغا من يومه، فعقد لموسى ابنه على أعماله وعلى أعمال أبيه كلّها، وولِّيَ ديوان البريد (٢). وفيِ هذه السنة وجّه أنوجو التركيّ إلى أبي العمود الثعلبيّ، فقتله يوم السبت بكَفَرْ توثى لخمس بقين من شهر ربيع الآخر. وفيها خرج عبيد الله بن يحيى بن خاقان إلى الحجّ؛ فوجّه خلفه رسولًا من الشيعة اسمه شعيب بنفيه إلى بَرْقة، ومنعه من الحجّ.

стр. 5665

وفيها ابتاع المستعين من المعتزّ والمؤيد في جمادى الأولى منها جميع ما كان لهما، خلا شيئًا استثنى منه المعتزّ قيمته مئة ألف دينار، وأخذ له ولإبراهيم غلة بثمانين ألف دينار في السنة؛ فلما كان يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان ابتيع من المعتز والمؤيد جميعُ ما لهما من الدّور والمنازل والضّياع والقصور والفُرش والآلة وغير ذلك بعشرين ألف دينار، وأشهدا عليهما بذلك الشهود العُدول والقضاة وغيرهم، وقيل: ابتيع ما لهما من الضياع وترك إلى أبي عبد الله ما يكون غلّته من العَيْن في السنة عشرين ألف دينار، ولإبراهيم ما تبلغ قيمة غلّته في السنة خمسة آلاف دينار؛ فكان ما ابتيع من أبي عبد الله بعشرة آلاف ألف دينار وعشر حبّات لؤلؤ، ومن إبراهيم بثلاثة آلاف ألف درهم وثلاث حبات لؤلؤ؛ وأشهدا عليهما بذلك الفقهاء والقضاة، وكان الشّراء باسم الحسن بن مخلد للمستعين، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين ومئتين وحُبِسا في حجرة الجوسق، ووُكِّل بهما، وجعل أمرهما إلى بُغا الصغير؛ وكان الأتراك قد أرادوا حين شغَّب الغوغاء والشاكريّة قتلهما؛ فمنعهم من ذلك أحمد بن الخصيب، وقال: ليس لهم ذنب ولا المشغِّبة من أصحابهما، وإنما المشغِّبة من أصحاب ابن طاهر، ولكن احبسوهما فحُبسا (١). وفيها غضب الموالي على أحمد بن الخصيب؛ وذلك في جُمادى الأولى منها، واستصفى ماله ومال ولده، ونُفي إلى إقريطش. وفيها صرف عليّ بن يحيى عن الثغور الشاميّة، وعقد له على إرمينيَة وأذْرَبيجان في شهر رمضان من هذه السنة. وفيها شَغَّب أهلُ حمص على كيدر بن عبيد الله عامل المستعين عليها فأخرجوه منها، فوجّه إليهم الفضل بن قارن، فمكَر بهم حتى أخذهم، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وحمل منهم مئة رجل من عيونهم إلى سامرّا، وهدم سورهم (٢). وفيها غزا الصائفة وَصيفٌ، وكان مقيمًا بالثغر الشاميّ حتى ورد عليه موت

стр. 5666

المنتصر، ثم دخل بلاد الروم؛ فافتتح حصنًا يقال له: فرورية، وعقد المستعين فيها لأوتامش على مصر والمغرب واتخذه وزيرًا (١). وفيها عقد لبُغا الشرابيّ على حُلْوان وماسبذان ومهرجان قَذْق، وصيّر المستعين شاهك الخادم على دارِه وكُراعه وحرمه وخزائنه وخاصّ أموره، وقدّمه أوتَامش على جميع الناس (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة محمد بن سليمان الزينبيّ (٣). * * * ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمما كان فيها من ذلك غزو جعفر بن دينار الصائفة، فافتتح حصنًا ومطامير، واستأذنه عمر بن عبيد الله الأقطع في المصير إلى ناحية من بلاد الرّوم؛ فأذن له، فسار ومعه خلْق كثير من أهل مَلَطْيَة، فلقيه الملك في جمْع من الروم عظيم بموضع، يقال له أرز من مَرْج الأسقفّ، فحاربه بمَنْ معه محاربة شديدة، قتِل فيها خلق كثير من الفريقين، ثم أحاطت به الرُّوم وهم خمسون ألفًا، فقتل عمر وألفا رجل من المسلمين؛ وذلك في يوم الجمعة للنِّصف من رجب (٤). * * * [خبر قتل عليّ بن يحيى الأرمنيّ] وفيها قتل عليّ بن يحيى الأرمنيّ (٥). * ذكر الخبر عن سبب قتله: ذُكر أن الروم لما قتلت عمر بن عبيد الله؛ خرجوا إلى الثغور الجزريّة، وكلبوا

стр. 5667

عليها وعلى حرم المسلمين بها، فبلغ ذلك عليّ بن يحيى وهو قافل من إرمينيَة إلى ميّافارِقين، فنفر إليهم في جماعة من أهل مَيّافارِقين والسلسلة، فقُتل في نحو من أربعمئة رجل، وذلك في شهر رمضان. * * * [شغب الجند والشاكرية ببغداد] وشغب الجند والشاكريّة ببغداد في هذه السنة في أوّل يوم من صفر (١). * ذكر الخبر عن السبب في ذلك: وكان السبب في ذلك أنّ الخبر لما اتّصل بأهل مدينة السلام وسامرّا وسائر ما قرب منهما من مُدُن الإسلام بمقتل عمر بن عبيد الله الأقطع وعلىّ بن يحيى الأرمنيّ - وكانا نابين من أنياب المسلمين، شديدًا بأسهما، عظيمًا غناؤهما عنهم في الثغور التي هما بها - شقّ ذلك عليهم، وعظم مقتلُهما في صدورهم، مع قُرْب أحدهما من مقتَل الآخر، ومع ما لحقهم من استفظاعهم من الأتراك قتْلَ المتوكل واستيلاءَهم على أمور المسلمين، وقتلهم من أرادوا قتله من الخلفاء واستخلافهم من أحبّوا استخلافه من غير رجوع منهم إلى ديانة، ولا نظر للمسلمين؛ فاجتمعت العامّة ببغداد بالصُّراخ والنداء بالنفير، وانضمت إليها الأبناء والشاكريّة تُظهر أنها تطلب الأرزاق؛ وذلك أوّل يوم من صفر، ففتحوا سجن نصر بن مالك، وأخرجوا مَنْ فيه وفي القنطرة بباب الجسر؛ وكان فيها جماعة - فيما ذكر - من رفوغ خراسان والصعاليك من أهل الجبال والمحمّرة وغيرهم، وقطعوا أحد الجسرين وضربوا الآخر بالنار، وانحدرت سُفُنه، وانتُهب ديوان قصص المحبّسين، وقطعت الدفاتر، وألقيت في الماء، وانتهبوا دار بشر وإبراهيم ابني هارون النصرانيّين كاتبي محمد بن عبد الله؛ وذلك كله بالجانب الشرقيّ من بغداد، وكان والي الجانب الشرقي حينئذ أحمد بن محمد بن خالد بن هرثمة، ثم أخرج أهلُ اليسار من أهل بغداد وسامُرّا أموالًا كثيرة من أموالهم، فقوّوا من خفَّ للنهوض إلى الثغور لحرب الرّوم بذلك؛

стр. 5668

وأقبلت العامة من نواحي الجبل وفارس والأهواز وغيرها لغزو الروم؛ فلم يبلغنا أنه كان للسلطان فيما كان من الروم إلى المسلمين من ذلك تغيير، ولا توجيه جيش إليهم لحربهم في تلك الأيام. ولتسع بقين من شهر ربيع الأول، وثب نفر من النَّاس لا يُدْرَى مَنْ هم يوم الجمعة بسامُرّا، ففتحوا السجن بها، وأخرجوا مَنْ فيه، فوجّه في طلب النَّفر الذين فعلوا ذلك زُرافة في جماعة من الموالي، فوثبت بهم العامّة فهزموهم، ثم ركب في ذلك أوتامش ووصيف وبُغا وعامة الأتراك، فقتلوا من العامة جماعة، وألْقِيَ على وصيف - فيما ذكر لي - قدر مطبوخ، ويقال: بل رماه قوم من العامة عند السريجة بحجر؛ فأمر وصيف النفاطين، فقذفوا ما هنالك من حوانيت التجار ومنازل الناس بالنار، فأنا رأيت ذلك الموضع محترقًا؛ وذلك بسامرّا عند دار إسحاق. وذُكر أن المغاربة انتهبتْ منازل جماعة من العامة في ذلك اليوم، ثم سكن الأمر في آخر ذلك اليوم، وعُزل بسبب ما كان من العامة والنفر الذين ذكرت في ذلك اليوم من الحركة أحمد بن جميل عمّا كان إليه من المعونة بسامُرّا، وولي مكانه إبراهيم بن سهل الدرّاج (١). * * * [ذكر خبر قتل أوتامش وكاتبه] وفي هذه السنة قُتِل أوتامش وكاتبه شجاع بن القاسم؛ وذلك يوم السبت لأربع عشرة خلوْن من شهر ربيع الآخر منها (٢). * ذكر الخبر عن سبب مقتله: ذُكر أن المستعين لما أفضت إليه الخلافة، أطلق يد أوتامش وشاهَك الخادم في بيوت الأموال، وأباحهما فِعْل ما أرادا فعله فيها، وفعل ذلك أيضًا بأمّ نفسه، فلم يمنعها من شيء تريده؛ وكان كاتبها سلمة بن سعيد النصرانيّ،

стр. 5669

وكانت الأموال التي ترد على السلطان من الآفاق إنما يصير معظمها إلى هؤلاء الثلاثة الأنفس، فعمِد أوتامش إلى ما في بيوت الأموال من الأموال فاكتسحه؛ وكان المستعين قد جعل ابنَه العباس في حِجْر أوتامش؛ فكان ما فضَل من الأموال عن هؤلاء الثلاثة الأنفس يؤخذ للعباس، فيصرَف في نفقاته وأسبابه - وصاحب ديوان ضياعه يومئذ دَليْل - فاقتطع من ذلك أموالًا جليلة لنفسه؛ وجعلت الموالي تنظر إلى الأموال تُستهلك؛ وهم في ضيقة، وجعل أوتامش وهو صاحب المستعين وصاحب أمره، والمستولى عليه يُنفِذُ أمور الخلافة؛ ووصيف وبُغا من ذلك كلِّه بمعزل، فأغريا الموالى به، ولم يزالا يدبّران الأمر عليه حتى أحكما التدبير، فتذمّرت الأتراك والفراغنة على أوتامش، وخرج إليه منهم يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر من هذه السنة أهل الدُّور والكرْخ، فعسكروا وزحفوا إليه وهو في الجَوْسق مع المستعين. وبلغه الخبر، فأراد الهرب، فلم يمكنه واستجار بالمستعين فلم يجِرْه فأقاموا على ذلك من أمرهم يوم الخميس ويوم الجمعة؛ فلما كان يوم السبت دخلوا الجوسق، فاستخرجوا أوتامش من موضِعه الذي تَوارى فيه، فقتِل وقتل كاتبُه شجاع بن القاسم، وانتهبت دار أوتامش، فأخذ منها - فيما بلغني - أموالٌ جليلة ومتاع وفرش وآلة. ولما قُتل أوتامش استوزر المستعين أبا صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وعزل الفضل بن مروان عن ديوان الخراج، ووليه عيسى بن فرّخانشاه، وولى وصيف الأهواز، وبغا الصغير فلَسطين في شهر ربيع الآخر، ثم غضب بغا الصغير وحزبُه على أبي صالح بن يزداد، فهرب أبو صالح إلى بغداد في شعبان، وصيّر المستعين مكانه محمد بن الفصل الجرجرائيّ: فصيّر ديوان الرسائل إلى سعيد بن حُميد رياسةً، فقال في ذلك الحمدونيّ: لَبِسَ السَّيفَ سعيدٌ بعدما ... عاش ذا طِمْرَيْنِ لا نَوْبَةَ لَهُ إِنَّ لله لآيات وذا ... آيةٌ للهِ فينا مُنزَلَهْ * * *

стр. 5670

[مقتل عليّ بن الجهم] (١) وفيها قُتِل عليّ بن الجهم بن بدر؛ وكان سبب ذلك أنه توجّه من بغداد إلى الثغر، فلما كان بقرب حَلب بموضع يقال له خساف؛ لقيته خيل لكلْب، فقتلته، وأخذ الأعراب ما كان معه، فقال وهو في السياق: أَزِيدَ في الليلِ لَيْلُ ... أَمْ سالَ بالصبح سَيْلُ ذكَرْتُ أهلَ دُجَيْلِ ... وأينَ منِّي دجَيْلُ! وكان منزله في شارع الدّجيل. * * * وفيها عزل جعفر بن عبد الواحد عن القضاء، ووليه جعفر بن محمد بن عمار البرجميّ من أهل الكوفة؛ وقد قيل: إن ذلك في سنة خمسين ومئتين. وفيها أصاب أهل الريّ في ذي الحجة زلزلة شديدة ورجْفة تهدّمت منها الدور، ومات خلق من أهلها وهرب الباقون من أهلها من المدينة؛ فنزلوا خارجها. ومُطر أهل سامرّا يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى؛ وذلك يوم السادس عشر من تمُّوز مطرٌ جَوْد برعد وبرق، فأطبَق الغيم ذلك اليوم؛ ولم يزل المطر جوْدًا سائلًا يومئذ إلى اصفرار الشمس ثم سكن. وتحرّكت المغاربة في هذه السنة يوم الخميس لثلاث خلوْن من جمادى الأولى، وكانوا يجتمعون قرب الجسر بسامُرّا، ثم تفرّقوا يوم الجمعة (٢). * * * وحجّ بالناس في هذه السنة عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الإمام وهو والي مكة (٣).

стр. 5671

ثم دخلت سنة خمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [ظهور يحيى بن عمر الطالبيّ ثم مقتله] فمن ذلك ما كان من ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁؛ المكنى بأبي الحسين بالكوفة، وفيها كان مقتله ﵁ (١). * ذكر الخبر عن سبب ظهوره وما آل عليه أمره: ذُكر أنّ أبا الحسين يحيى بن عمر - وأمّه أم الحسين فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - نالتْه ضيقة شديدة، ولزمه دَيْن ضاق به ذرعًا، فلقيَ عمَر بن فرج - وهو يتولّى أمر الطالبيين - عند مقَدمه من خراسان أيام المتوكل، فكلّمه في صلته، فأغلظ عليه عمر القول؛ فقذفه يحيى بن عمر في مجلسه، فحبِس، فلم يزل محبوسًا إلى أن كفل به أهلُه، فأطلِق، فشخص إلى مدينة السلام، فأقام بها بحال سيّئة، ثم صار إلى سامُرّا، فلقي وصيفًا في رِزْق يُجرَى له، فأغلظ له وصيفٌ في القول، وقال: لأيّ شيء يُجرى على مثلك! فانصرف عنه. فذكر ابن أبي طاهر أن ابن الصوفيّ الطالبيّ حدّثه: أنه أتاه في الليلة التي كان خروجه في صبيحتها، فبات عنده، ولم يعلمه بشيء مما عزم عليه؛ وأنه عرض عليه الطَّعَام، وتبيّن فيه أنه جائع، فأبى أن يأكل، وقال: إنْ عشنا أكلنا، قال: فتبيّنت أنه قد عزم على فتكة؛ وخرج من عندي؛ فجعل وجهه إلى الكوفة؛ وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان عاملًا عليها من قِبَل محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فجمع يحيى بن عمر جَمْعًا كثيرًا من الأعراب، وضوى إليه جماعة من أهل الكوفة، فأتى الفلُّوجة؛ فصار إلى قرية تعرف بالعمد؛ فكتب صاحب البريد بخبره؛ فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أيوب بن الحسن وعبد الله بن محمود السرخسيّ - وكان عامل محمد بن عبد الله على معاون السواد

стр. 5672

- يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى بن عمر - وكان على الخراج بالكوفة بدر بن الأصبغ - فمضى يحيى بن عمر في سبعة نفر من الفرسان إلى الكوفة فدخلها، وصار إلى بيت مالها؛ فأخذ ما فيه؛ والذي وُجد فيه ألفا دينار وزيادة شيء، ومن الورِق سبعون ألف درهم؛ وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجنيْن، وأخرج جميع من كان فيهما؛ وأخرج عمّالها عنها، فلقيه عبد الله بن محمود السرخسيّ - وكان في عداد الشاكريّة، فضربه يحيى بن عمر ضربةً على قُصَاص شعره في وجهه أثْخنته؛ فانهزم ابن محمود مع أصحابه، وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدوابّ والمال. ثم خرج يحيى بن عمر من الكوفة إلى سوادها، فصار إلى موضع يقال له بستان - أو قريبًا منه - على ثلاثة فراسخ من جُنْبلاء؛ ولم يقم بالكوفة، وتبعتْه جماعة من الزيديّة، واجتمعت على نُصرته جماعة من قرب من تلك الناحية من الأعراب وأهل الطُّفوف والسِّيب الأسفل، وإلى ظهر واسط، ثم أقام بالبستان، فكثر جمعُه، فوجّه محمد بن عبد الله لمحاربته الحسينَ بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وضمّ إليه من ذَوِي البأس والنجدة من قوّاده جماعة؛ مثل خالد بن عمران وعبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفَلْس، وأبي السناء الَغَنويّ، وعبد الله بن نصر بن حمزة، وسعد الضِّبابيّ، ومن الإسحاقية أحمد بن محمد بن الفضل وجماعة من خاصّة الخراسانية وغيرهم. وشخص الحسين بن إسماعيل، فنزل بإزاء هَفَنْدَى في وجه يحيى بن عمر، لا يقدم عليه الحسين بن إسماعيل ومَنْ معه؛ وقصد يحيى نحو البحرية - وهي قرية بينها وبين قُسِّين خمسة فراسخ، ولو شاء الحسين أن يلحقه لحقه - ثم مضى يحيى بن عمر في شرقيّ السِّيب والحسين في غربيّه، حتى صار إلى أحمد أباذ فعبر إلى ناحية سُورا، وجعل الجند لا يلحقون ضعيفًا عجز عن اللحاق بيحيى إلا أخذوه، وأوقعوا بمن صار إلى يحيى بن عمر من أهل تلك القرى. وكان أحمد بن الفرج المعروف بابن الفزاريّ يتولى معونة السِّيب لمحمد بن عبد الله، فحمل ما اجتمع عنده من حاصل السِّيب قبل دخول يحيى بن عمر أحمد أباذ، فلم يظفر به. ومضى يحيى بن عمر نحو الكوفة، فلقيَه عبد الرحمن بن الخطاب وَجْهُ

стр. 5673

الفَلْس، فقاتله بقرب جسر الكوفة قتالًا شديدًا، فانهزم عبد الرحمن بن الخطاب، وانحاز إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين بن إسماعيل، فعسكر بها، ودخل يحيى بن عمر الكوفة، واجتمعت إليه الزيديّة، ودعا إلى الرضا من آل محمد وكثُفَ أمره، واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبّوه، وتولّاه العامة من أهل بغداد - ولا يُعلم أنهم تولوا من أهل بيته غيره - وبايعه بالكوفة جماعة لهم بصائر وتدبير في تشيُّعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم. وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح وأراح أصحابه دوابَّهم، ورجعت إليهم أنفسهم، وشربوا العذب من ماء الفُرات؛ واتّصلت بهم الأمداد والمِيرة والأموال، وأقام يحيى بن عمر بالكوفة يعدّ العدد، ويطبع السيوف، ويعرض الرجال، ويجمع السلاح. وإن جماعة من الزيديّة ممّن لا علم لهم بالحرب أشاروا على يحيى بمعاجلة الحسين، وألحّت عليه عوامّ أصحابه بمثل ذلك، فزحف إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ليلة الإثنين لثلاث عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضَم العِجليّ، في فرسان من بني عِجْل وأناس من بني أسد ورجّالة من أهل الكوفة ليسوا بذوي علْم ولا تدبير ولا شجاعة، فأسْرَوْا ليلتهم، ثم صبّحوا حسينًا وأصحابَه - وأصحابُ حسين مستريحون ومستعدّون - فثاروا إليهم في الغَلَس فرموا ساعة، ثم حمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا، ووُضع فيهم السيف، فكان أوّل أسير الهيضم بن العَلاء بن جمهور العِجليّ، فانهزم رجّالةُ أهل الكوفة، وأكثرهم عُزْل بغير سلاح، ضَعْفى القوى، خلقان الثياب، فداستهم الخيل، وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جوشن تُبَّتيّ، وقد تقطّر به البرذون الذي أخذه من عبد الله بن محمود، فوقف عليه ابنٌ لخالد بن عمران يقال له خير؛ فلم يعرفه، وظنّ أنه رجل من أهل خراسان؛ لمّا رأى عليه الجوشن، ووقف عليه أيضًا أبو الغور بن خالد بن عمران، فقال لخير بن خالد: يا أخي، هذا والله أبو الحسين قد انفرج قلبُه، وهو نازل لا يعرف القصّة لانفراج قلبه، فأمر خير رجلًا من أصحابه المواصلين من العرَفاء يقال له مُحْسِن بن المنتاب، فنزل إليه فذبَحه، وأخذ رأسه وجعله في قَوْصرّة، ووجّهه مع عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر.

стр. 5674

وادّعى قتلَه غير واحد، فذكر عن العرس بن عراهم أنهم وجدوه باركًا، ووجدوا خاتمه مع رجل يعرف بالعسقلانيّ مع سيفه، وادّعى أنه طعنه وسلبَه، وادّعى سعد الضِّبابيّ أنه قتله. وذكر عن أبي الحسين خالى أبي السناء أنه طعن في الغَلَس رجلًا في ظهره لا يعرفه، فأصابوا في ظهر أبي الحسين طعنة ولا يُدْرَى مَنْ قتله، لكثرة من ادّعاه، وورد الرأس دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وقد تغبّر فطلبوا مَنْ يقوّر ذلك اللحم، ويخرِج الحدقَة والغَلْصمة، فلم يوجد، وهرب الجزّارون، وطُلب ممن في السجن من الخرّمية الذبّاحين من يفعل ذلك فلم يقدم عليه أحد، إلا رجل من عمال السجن الجديد، يقال له سهل بن الصغديّ، فإنه تولى إخراج دماغه وعينيه وقوّره بيديه، وحُشِي بالصبر والمسك والكافور بعد أن غسل وصُيِّر في القطن، وذكر أنهم رأوا بجنبيه ضربة بالسيف منكرة. ثم إنّ محمد بن عبد الله بن طاهر أمر بحمل رأسْه إلى المستعين من غد اليوم الذي وافاه فيه، وكتب إليه بالفتح بيده، ونصب رأسه بباب العامّة بسامُرّا، واجتمع الناس لذلك، وكثروا وتذمَّرُوا، وتولَّى إبراهيم الديرج نَصْبَه؛ لأن إبراهيم بن إسحاق خليفة محمد بن عبد الله أمَرَه فنصبه لحظة، ثم حُطّ، وردّ إلى بغداد لينصب بها بباب الجسر؛ فلم يتهيّأ ذلك لمحمد بن عبد الله لكثرة من اجتمع من الناس، وذُكر لمحمد بن عبد الله أنهم على أخذه اجتمعوا، فلم ينصبه وجعله في صندوق في بيت السلاح في داره، ووجّه الحسين بن إسماعيل بالأسرَى ورؤوس مَنْ قتل معه مع رجل يقال له أحمد بن عصمويه ممّن كان مع إسحاق بن إبراهيم، فكدّهم وأجاعهم وأساء بهم؛ فأمر بهم فحبِسوا في سجن الجديد، وكتب فيهم محمد بن عبد الله يسأل الصفح عنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا تُنصب، فدفنت في قصر بباب الذهب. وذُكِر عن بعض الطاهريّين أنه حضر مجلس محمد بن عبد الله وهو يُهنّأ بمقتل يحيى بن عمر وبالفتح وجماعة من الهاشميين والطالبيّين وغيرهم حضور؛ فدخل عليه داود بن القاسم أبو هاشم الجعفريّ فيمن دخل، فسمعهم يهنّئونه، فقال: أيها الأمير؛ إنك لتهنّئأ بقتل رجل لو كان رسول الله ﷺ حيًّا لَعُزِّيَ به! فما ردّ عليه محمد بن عبد الله شيئًا، فخرج أبو هاشم الجعفريّ، وهو يقول:

стр. 5675

يا بَنِي طاهرٍ كلُوهُ وَبِيًّا ... إن لحمَ النبِيِّ غيرُ مَريِّ إنَّ وِترًا يكون طالِبَهُ اللـ ... ـهُ لَوترٌ نجاحُهُ بالحَرِيِّ وكان المستعين قد وجّه كلباتكين مددًا للحسين ومستظهرًا به، فلحق حسينًا بعدما هُزم القوم وقتل يحيى بن عمر، فمضى ومعهم حاجب صاحب بريد الكوفة فلقيَ جماعة ممّن كان مع يحيى بن عمر، ومعهم أسوقة وأطعمة يريدون عسكر يحيى؛ فوضع فيهم السَّيْف فقتلهم، ودخل الكوفة؛ فأراد أن ينهبها ويضعَ السيف في أهلها، فمنعه الحسين، وآمن الأسودَ والأبيض بها؛ وأقام أيامًا ثم انصرف عنها (١). * * * [ذكر خبر خروج الحسن بن زيد العلوي] وفي هذه السنة كان خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في شهر رمضان منها (٢). * ذكر الخبر عن سبب خروجه! حدّثني جماعة من أهل طَبرِستان وغيرهم؛ أنّ سبب ذلك كانَ: أن محمد بن عبد الله بن طاهر لمّا جرى على يده ما جرى من قتْل يحيى بن عمر، ودخول أصحابه وجيشه الكوفةَ بعد فراغهم من قَتْل يحيى؛ أقطعه المستعين من صوافي السلطان بطبرستان قطائعَ؛ وأن من تلك القطائع التي أقطعها قطيعة فيما قرب من ثَغْرَيْ طبرستان ممّا يلي الدَّيْلَم؛ وهما كلار وسالوس، كان بحذائها أرض لأهْل تلك الناحية فيها مرافق، منها مُحْتَطبهم ومراعي مواشيهم ومسرح سارِحتهم؛ وليس لأحد عليها مُلْك؛ وإنما هي صحراء من موتان الأرض؛ غير أنها ذات غياض وأشجار وكلأ. فوجّه - فيما ذكر لي - محمد بن عبد الله بن طاهر أخًا لكاتبه بشر بن هارون
следующие страницы →