ثم دخلت سنة خمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ظهور يحيى بن عمر الطالبيّ ثم مقتله]
فمن ذلك ما كان من ظهور يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁؛ المكنى بأبي الحسين بالكوفة، وفيها كان مقتله ﵁ (١).
* ذكر الخبر عن سبب ظهوره وما آل عليه أمره:
ذُكر أنّ أبا الحسين يحيى بن عمر - وأمّه أم الحسين فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - نالتْه ضيقة شديدة، ولزمه دَيْن ضاق به ذرعًا، فلقيَ عمَر بن فرج - وهو يتولّى أمر الطالبيين - عند مقَدمه من خراسان أيام المتوكل، فكلّمه في صلته، فأغلظ عليه عمر القول؛ فقذفه يحيى بن عمر في مجلسه، فحبِس، فلم يزل محبوسًا إلى أن كفل به أهلُه، فأطلِق، فشخص إلى مدينة السلام، فأقام بها بحال سيّئة، ثم صار إلى سامُرّا، فلقي وصيفًا في رِزْق يُجرَى له، فأغلظ له وصيفٌ في القول، وقال: لأيّ شيء يُجرى على مثلك! فانصرف عنه.
فذكر ابن أبي طاهر أن ابن الصوفيّ الطالبيّ حدّثه: أنه أتاه في الليلة التي كان خروجه في صبيحتها، فبات عنده، ولم يعلمه بشيء مما عزم عليه؛ وأنه عرض عليه الطَّعَام، وتبيّن فيه أنه جائع، فأبى أن يأكل، وقال: إنْ عشنا أكلنا، قال: فتبيّنت أنه قد عزم على فتكة؛ وخرج من عندي؛ فجعل وجهه إلى الكوفة؛ وبها أيوب بن الحسن بن موسى بن جعفر بن سليمان عاملًا عليها من قِبَل محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فجمع يحيى بن عمر جَمْعًا كثيرًا من الأعراب، وضوى إليه جماعة من أهل الكوفة، فأتى الفلُّوجة؛ فصار إلى قرية تعرف بالعمد؛ فكتب صاحب البريد بخبره؛ فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى أيوب بن الحسن وعبد الله بن محمود السرخسيّ - وكان عامل محمد بن عبد الله على معاون السواد
стр. 5672
- يأمرهما بالاجتماع على محاربة يحيى بن عمر - وكان على الخراج بالكوفة بدر بن الأصبغ - فمضى يحيى بن عمر في سبعة نفر من الفرسان إلى الكوفة فدخلها، وصار إلى بيت مالها؛ فأخذ ما فيه؛ والذي وُجد فيه ألفا دينار وزيادة شيء، ومن الورِق سبعون ألف درهم؛ وأظهر أمره بالكوفة وفتح السجنيْن، وأخرج جميع من كان فيهما؛ وأخرج عمّالها عنها، فلقيه عبد الله بن محمود السرخسيّ - وكان في عداد الشاكريّة، فضربه يحيى بن عمر ضربةً على قُصَاص شعره في وجهه أثْخنته؛ فانهزم ابن محمود مع أصحابه، وحوى يحيى ما كان مع ابن محمود من الدوابّ والمال.
ثم خرج يحيى بن عمر من الكوفة إلى سوادها، فصار إلى موضع يقال له بستان - أو قريبًا منه - على ثلاثة فراسخ من جُنْبلاء؛ ولم يقم بالكوفة، وتبعتْه جماعة من الزيديّة، واجتمعت على نُصرته جماعة من قرب من تلك الناحية من الأعراب وأهل الطُّفوف والسِّيب الأسفل، وإلى ظهر واسط، ثم أقام بالبستان، فكثر جمعُه، فوجّه محمد بن عبد الله لمحاربته الحسينَ بن إسماعيل بن إبراهيم بن مصعب، وضمّ إليه من ذَوِي البأس والنجدة من قوّاده جماعة؛ مثل خالد بن عمران وعبد الرحمن بن الخطاب المعروف بوجه الفَلْس، وأبي السناء الَغَنويّ، وعبد الله بن نصر بن حمزة، وسعد الضِّبابيّ، ومن الإسحاقية أحمد بن محمد بن الفضل وجماعة من خاصّة الخراسانية وغيرهم.
وشخص الحسين بن إسماعيل، فنزل بإزاء هَفَنْدَى في وجه يحيى بن عمر، لا يقدم عليه الحسين بن إسماعيل ومَنْ معه؛ وقصد يحيى نحو البحرية - وهي قرية بينها وبين قُسِّين خمسة فراسخ، ولو شاء الحسين أن يلحقه لحقه - ثم مضى يحيى بن عمر في شرقيّ السِّيب والحسين في غربيّه، حتى صار إلى أحمد أباذ فعبر إلى ناحية سُورا، وجعل الجند لا يلحقون ضعيفًا عجز عن اللحاق بيحيى إلا أخذوه، وأوقعوا بمن صار إلى يحيى بن عمر من أهل تلك القرى.
وكان أحمد بن الفرج المعروف بابن الفزاريّ يتولى معونة السِّيب لمحمد بن عبد الله، فحمل ما اجتمع عنده من حاصل السِّيب قبل دخول يحيى بن عمر أحمد أباذ، فلم يظفر به.
ومضى يحيى بن عمر نحو الكوفة، فلقيَه عبد الرحمن بن الخطاب وَجْهُ
стр. 5673
الفَلْس، فقاتله بقرب جسر الكوفة قتالًا شديدًا، فانهزم عبد الرحمن بن الخطاب، وانحاز إلى ناحية شاهي، ووافاه الحسين بن إسماعيل، فعسكر بها، ودخل يحيى بن عمر الكوفة، واجتمعت إليه الزيديّة، ودعا إلى الرضا من آل محمد وكثُفَ أمره، واجتمعت إليه جماعة من الناس وأحبّوه، وتولّاه العامة من أهل بغداد - ولا يُعلم أنهم تولوا من أهل بيته غيره - وبايعه بالكوفة جماعة لهم بصائر وتدبير في تشيُّعهم، ودخل فيهم أخلاط لا ديانة لهم.
وأقام الحسين بن إسماعيل بشاهي، واستراح وأراح أصحابه دوابَّهم، ورجعت إليهم أنفسهم، وشربوا العذب من ماء الفُرات؛ واتّصلت بهم الأمداد والمِيرة والأموال، وأقام يحيى بن عمر بالكوفة يعدّ العدد، ويطبع السيوف، ويعرض الرجال، ويجمع السلاح.
وإن جماعة من الزيديّة ممّن لا علم لهم بالحرب أشاروا على يحيى بمعاجلة الحسين، وألحّت عليه عوامّ أصحابه بمثل ذلك، فزحف إليه من ظهر الكوفة من وراء الخندق ليلة الإثنين لثلاث عشرة خلت من رجب، ومعه الهيضَم العِجليّ، في فرسان من بني عِجْل وأناس من بني أسد ورجّالة من أهل الكوفة ليسوا بذوي علْم ولا تدبير ولا شجاعة، فأسْرَوْا ليلتهم، ثم صبّحوا حسينًا وأصحابَه - وأصحابُ حسين مستريحون ومستعدّون - فثاروا إليهم في الغَلَس فرموا ساعة، ثم حمل عليهم أصحاب الحسين فانهزموا، ووُضع فيهم السيف، فكان أوّل أسير الهيضم بن العَلاء بن جمهور العِجليّ، فانهزم رجّالةُ أهل الكوفة، وأكثرهم عُزْل بغير سلاح، ضَعْفى القوى، خلقان الثياب، فداستهم الخيل، وانكشف العسكر عن يحيى بن عمر، وعليه جوشن تُبَّتيّ، وقد تقطّر به البرذون الذي أخذه من عبد الله بن محمود، فوقف عليه ابنٌ لخالد بن عمران يقال له خير؛ فلم يعرفه، وظنّ أنه رجل من أهل خراسان؛ لمّا رأى عليه الجوشن، ووقف عليه أيضًا أبو الغور بن خالد بن عمران، فقال لخير بن خالد: يا أخي، هذا والله أبو الحسين قد انفرج قلبُه، وهو نازل لا يعرف القصّة لانفراج قلبه، فأمر خير رجلًا من أصحابه المواصلين من العرَفاء يقال له مُحْسِن بن المنتاب، فنزل إليه فذبَحه، وأخذ رأسه وجعله في قَوْصرّة، ووجّهه مع عمر بن الخطاب، أخي عبد الرحمن بن الخطاب إلى محمد بن عبد الله بن طاهر.
стр. 5674
وادّعى قتلَه غير واحد، فذكر عن العرس بن عراهم أنهم وجدوه باركًا، ووجدوا خاتمه مع رجل يعرف بالعسقلانيّ مع سيفه، وادّعى أنه طعنه وسلبَه، وادّعى سعد الضِّبابيّ أنه قتله.
وذكر عن أبي الحسين خالى أبي السناء أنه طعن في الغَلَس رجلًا في ظهره لا يعرفه، فأصابوا في ظهر أبي الحسين طعنة ولا يُدْرَى مَنْ قتله، لكثرة من ادّعاه، وورد الرأس دار محمد بن عبد الله بن طاهر، وقد تغبّر فطلبوا مَنْ يقوّر ذلك اللحم، ويخرِج الحدقَة والغَلْصمة، فلم يوجد، وهرب الجزّارون، وطُلب ممن في السجن من الخرّمية الذبّاحين من يفعل ذلك فلم يقدم عليه أحد، إلا رجل من عمال السجن الجديد، يقال له سهل بن الصغديّ، فإنه تولى إخراج دماغه وعينيه وقوّره بيديه، وحُشِي بالصبر والمسك والكافور بعد أن غسل وصُيِّر في القطن، وذكر أنهم رأوا بجنبيه ضربة بالسيف منكرة.
ثم إنّ محمد بن عبد الله بن طاهر أمر بحمل رأسْه إلى المستعين من غد اليوم الذي وافاه فيه، وكتب إليه بالفتح بيده، ونصب رأسه بباب العامّة بسامُرّا، واجتمع الناس لذلك، وكثروا وتذمَّرُوا، وتولَّى إبراهيم الديرج نَصْبَه؛ لأن إبراهيم بن إسحاق خليفة محمد بن عبد الله أمَرَه فنصبه لحظة، ثم حُطّ، وردّ إلى بغداد لينصب بها بباب الجسر؛ فلم يتهيّأ ذلك لمحمد بن عبد الله لكثرة من اجتمع من الناس، وذُكر لمحمد بن عبد الله أنهم على أخذه اجتمعوا، فلم ينصبه وجعله في صندوق في بيت السلاح في داره، ووجّه الحسين بن إسماعيل بالأسرَى ورؤوس مَنْ قتل معه مع رجل يقال له أحمد بن عصمويه ممّن كان مع إسحاق بن إبراهيم، فكدّهم وأجاعهم وأساء بهم؛ فأمر بهم فحبِسوا في سجن الجديد، وكتب فيهم محمد بن عبد الله يسأل الصفح عنهم، فأمر بتخليتهم، وأن تدفن الرؤوس ولا تُنصب، فدفنت في قصر بباب الذهب.
وذُكِر عن بعض الطاهريّين أنه حضر مجلس محمد بن عبد الله وهو يُهنّأ بمقتل يحيى بن عمر وبالفتح وجماعة من الهاشميين والطالبيّين وغيرهم حضور؛ فدخل عليه داود بن القاسم أبو هاشم الجعفريّ فيمن دخل، فسمعهم يهنّئونه، فقال: أيها الأمير؛ إنك لتهنّئأ بقتل رجل لو كان رسول الله ﷺ حيًّا لَعُزِّيَ به! فما ردّ عليه محمد بن عبد الله شيئًا، فخرج أبو هاشم الجعفريّ، وهو يقول:
стр. 5675
يا بَنِي طاهرٍ كلُوهُ وَبِيًّا ... إن لحمَ النبِيِّ غيرُ مَريِّ
إنَّ وِترًا يكون طالِبَهُ اللـ ... ـهُ لَوترٌ نجاحُهُ بالحَرِيِّ
وكان المستعين قد وجّه كلباتكين مددًا للحسين ومستظهرًا به، فلحق حسينًا بعدما هُزم القوم وقتل يحيى بن عمر، فمضى ومعهم حاجب صاحب بريد الكوفة فلقيَ جماعة ممّن كان مع يحيى بن عمر، ومعهم أسوقة وأطعمة يريدون عسكر يحيى؛ فوضع فيهم السَّيْف فقتلهم، ودخل الكوفة؛ فأراد أن ينهبها ويضعَ السيف في أهلها، فمنعه الحسين، وآمن الأسودَ والأبيض بها؛ وأقام أيامًا ثم انصرف
عنها (١).
* * *
[ذكر خبر خروج الحسن بن زيد العلوي]
وفي هذه السنة كان خروج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب في شهر رمضان منها (٢).
* ذكر الخبر عن سبب خروجه!
حدّثني جماعة من أهل طَبرِستان وغيرهم؛ أنّ سبب ذلك كانَ: أن محمد بن عبد الله بن طاهر لمّا جرى على يده ما جرى من قتْل يحيى بن عمر، ودخول أصحابه وجيشه الكوفةَ بعد فراغهم من قَتْل يحيى؛ أقطعه المستعين من صوافي السلطان بطبرستان قطائعَ؛ وأن من تلك القطائع التي أقطعها قطيعة فيما قرب من ثَغْرَيْ طبرستان ممّا يلي الدَّيْلَم؛ وهما كلار وسالوس، كان بحذائها أرض لأهْل تلك الناحية فيها مرافق، منها مُحْتَطبهم ومراعي مواشيهم ومسرح سارِحتهم؛ وليس لأحد عليها مُلْك؛ وإنما هي صحراء من موتان الأرض؛ غير أنها ذات غياض وأشجار وكلأ.
فوجّه - فيما ذكر لي - محمد بن عبد الله بن طاهر أخًا لكاتبه بشر بن هارون
стр. 5676
النصرانيّ يقال له جابر بن هارون، لحيازة ما أقطع هنالك من الأرض، وعامل طَبَرستان يومئذ سليمان بن عبد الله خليفة محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، أخو محمد بن عبد الله بن طاهر، والمستولي على سليمان، والغالب على أمره محمد بن أوس البلخيّ؛ وقد فرّق محمد بن أوس ولده في مدن طَبرِستان، وجعلهم ولاتها، وضمّ إلى كلّ واحد منهم مدينة منها؛ وهم أحداث سُفهاء؛ قد تأذى بهم وبسفههم مَنْ تحتِ أيديهم من الرعيّة، واستنكروا منهم ومن والدهم ومن سليمان بن عبد الله سفههم وسِيَرَهم فيهم، وغلظ عليهم سوءُ أثرهم فيهم؛ بقِصَص يطول الكتاب بشرح أكثرها.
ووتَر مع ذلك - فيما ذُكر لي - محمد بن أوس الديلم بدخوله إلى ما قرب من بلادهم من حدود طَبَرستان؛ وهم أهل سِلْم وموادعة لأهل طَبرستان على اغترار من الدّيلم بما يلتمس بدخوله إليهم بغارة، فسبَى منهم وقتل، ثم انكفأ راجعًا إلى طبَرستان، فكان ذلك مما زاد أهل طبرستان عليه حَنَقا وغيظًا، فلما صار رسول محمد بن عبد الله - وهو جابر بن هارون النصرانيّ - إلى طبرستان لحيازة ما أقْطَعه هنالك محمد، عمد - فيما قيل لي - جابر بن هارون إلى ما أقطَع محمد بن عبد الله من صَوا في السلطان فحازه، وحاز ما اتّصل به من موات الأرض التي يَرْتفقِ بها أهلُ تلك الناحية - فيما ذُكر - فكان فيما رام حيازته من ذلك المواتُ الذي بقرب من الثغريْن اللّذين يسمى أحدهما كلار والآخر سالوس؛ وكان في تلك الناحية يومئذ رجلان معروفان بالبأس والشجاعة، وكانا مذكورين قديمًا بضبط تلك الناحية ممن رامها من الدَّيْلم، وبإطعام الناس بها وبالإفضال عمَنْ ضوى إليهما؛ يقال لأحدهما محمد وللآخر جعفر؛ وهما ابنا رستم أخوان؛ فأنكرا ما فعل جابر بن هارون من حيازته الموَات الذي وصفت أمره، ومانعاه ذلك.
وكان ابنا رستم في تلك الناحية مُطاعيْن فاستنهضا مَنْ أطاعهما ممّن في ناحيتهما لمنع جابر بن هارون من حيازة ما رام حيازَته من الموات الذي هو مَرْفق لأهل تلك الناحية - فيما ذُكر - وغير داخل فيما أقطعَه صاحبه محمد بن عبد الله، فنهضوا معهما، وهرب جابر بن هارون خوفًا على نفسه منهما وممن قد نهض معهما، لإنكار مارام جابر النصراني فعلَه، فلحق بسليمان بن عبد الله بن طاهر، وأيقن محمد وجعفر ابنا رستم ومَنْ نهض معهما في منع جابر عما حاول
стр. 5677
من حيازة ما حاول حيازته من الموات الذي ذكرتُ بالشرّ وذلك أن عامل طبرستان كلّها سليمان بن عبد الله؛ وهو أخو محمد بن عبد الله بن طاهر وعمّ محمد بن طاهر بن عبد الله عامل المستعين على خُراسان وطبرستان والرّيّ والمشرق كله يومئذ.
فلما أيقن القوم بذلك، راسلوا جيرانهم من الدّيْلم، وذكَّروهم وفاءهم لهم بالعهد الذي بينهم وبينهم، وما ركبهم به محمد بن أوس من الغدر والقتل والسبْي، وأنهم لا يؤمنون من ركوبه إياهم بمثل الذي ركبهم به، ويسألونهم مظاهرتهم عليه وعلى مَنْ معه؛ فأعلمهم الديلم أنّ ما يلي أرضَهم من جميع نواحيها من الأرضين والبلاد؛ إنما عمّالُها إمّا عمال لطاهر؛ وإمّا عمال مَنْ يتّخذ آل طاهر إن احتاجُوا إلى إنجادهم؛ وإن ما سألوا من معاونتهم لا سبيل لهم إليه إلا بزوال الخوْف عنهم من أن يُؤتَوا من قبل ظهورهم إذا هم اشتغلوا بحرْب من بين أيديهم من عمال سليمان بن عبد الله؛ فأعلمهم الذين سألوهم المظاهرة على حَرْب سليمان وعماله أنهم لا يغفلون عن كفايتِهم ذلك، حتى يأمنوا مما خافوا منه، فأجابهم الدّيْلم إلى ما سألوهم من ذلك، وتعاقدوا هم وأهل كلار وسالوس على معاونة بعضهم بعضًا على حَرْب سليمان بن عبد الله وابن عبد الله وابن أوس وغيرهم ممن قصدهم بحرب.
ثم أرسل ابنا رستم محمد وجعفر - فيما ذكر - إلى رجل من الطالبيّين المقيمين كانوا يومئذ بطبَرستان، يقال له محمد بن إبراهيم، يدعونه إلى البَيْعة له، فأبى وامتنع عليهم، وقال لهم: لكني أدلّكُم على رجل منا هو أقوم بما دعوتموه إليه منّي، فقالوا: مَنْ هو؟ فأخبرهم أنه الحسن بن زيد، ودلَّهم على منزله ومسكنه بالرّيّ، فوجّه القومُ إلى الرّيّ عن رسالة محمد بن إبراهيم العلويّ إليه مَنْ يدعوه إلى الشخوص معه إلى طبرستان؛ فشخص معه إليها، فوافاهم الحسن بن زيد، وقد صارت كلمة الديلم وأهل كلاروسالوس ورُويان على بيعتِه وقتال سليمان بن عبد الله واحدةً؛ فلما وافاهم الحسن بن زيد بايع له ابنا رستم، وجماعة أهل الثغور ورؤساء الديلم: كجايا ولاشام، ووَهْسُودان بن جستان، ومِنْ أهل رويان عبد الله بن وَنْدَاميد - وكان عندهم من أهل التألّه والتعبّد - ثم ناهضوا من في تلك النواحي من عمال ابن أوس فطردوهم عنها، فلحقوا بابن أوس وسليمان بن
стр. 5678
عبد الله؛ وهما بمدينة سارية، وانضمّ إلى الحسن بن زيد مع مَنْ بايعه من أهل النواحي التي ذكرت؛ لما بلغهم ظهوره بها حوزيّة جبال طبرستان كما صْمُغَان وفادُسْبان وليث بن قباذ، ومن أهل السفح خشكجستان بن إبراهيم بن الخليل بن ونداسفجان، خلا ما كان من سكان جبل فرِيم؛ فإن رئيسهم كان يومئذ والمتملك عليهم قارن بن شهريار؛ فإنه كان ممتنعًا بجبله وأصحابه، فلم ينقَدْ للحسن بن زيد ولا مَنْ معه حتى مات ميتة نفسه، مع موادعة كانت بينهما في بعض الأحوال، ومخاتنة ومصاهرةٍ كفّا من قارن بذلك من فعله عاديَة الحسن بن زيد ومن معه.
ثم زحف الحسن بن زيد وقُوّاده من أهل النواحي التي ذكرت نحو مدينة آمُل، وهي أول مدن طبرستان مما يلي كلار وسالوس من السفْح - وأقبل ابن أوس من سارية إليها يريد دفعَه عنها، فالتقى جيشاهما في بعض نواحي آمُل، ونشَبت الحرب بينهم، وخالف الحسن بن زيد وجماعة ممن معه من أصحابه موضع معركة القوم إلى ناحية أخرى، فدخلوها فاتصل الخبر بدخوله مدينة آمل بابن أوس، وهو مشتغل بحرب مَنْ هو في وجهه من رجال الحسن بن زيد؛ فلم يكن له همٌّ إلا النّجاء بنفسه واللحاق بسليمان بسارية؛ فلما دخل الحسن بن زيد آمُل كَثُف جيشه، وغلظ أمره، وانقضّ إليه كلّ طالب نهبٍ ومُريد فتنة من الصعاليك والحوزية وغيرهم؛ فأقام - فيما حُدّثت - الحسن بن زيد بآمُل أيامًا؛ حتى جبى الخراج من أهلها، واستعدّ، ثم نهض بمن معه نحو سارية مريدًا سليمان بن عبد الله، فخرج سليمان وابن أوس بمَنْ معهما من جيوشهما؛ فالتقى الفريقان خارج مدينة سارية، ونشبت الحرب بينهم، فخالف الوجهَ الذي التقى فيه الجيشان بعضُ قواد الحسن بن زيد إلى وجه آخر من وجوه سارية، فدخلها برجاله وأصحابه، فانتهى الخبر إلى سليمان بن عبد الله ومَنْ معه من الجند؛ فلم يكن لهم همٌّ غير النجاة بأنفسهم.
ولقد حدثني جماعة من أهل تلك الناحية وغيرها، أنّ سليمان بن عبد الله هَرَب وترك أهله وعِياله وثَقَله وكلّ ما كان له بسارية من مال وأثاث وغير ذلك بغير صانع ولا دافع؛ فلم يكن له ناهية دون جُرجان، وغلب على ما كان له ولغيره بها من جُنده الحسن بن زيد وأصحابه.
стр. 5679
فأما عيال سليمان وأهله وأثاثه فإنه بلغني أن الحسن بن زيد أمر لهم بمركب حملهم فيه حتى ألحقهم بسليمان وهو بجرجان، وأمّا ما كان لأصحابه فإن مَنْ كان مع الحسن بن زيد من التَّبَع انتهبه، فاجتمع للحسن بن زيد بلحاق سليمان بن عبد الله بجُرجان إمْرة طبرستان كلها.
فلما اجتمعت للحسن بن زيد طَبرِستان، وأُخرج عنها سليمان بن عبد الله وأصحابه وجّه إلى الرّيّ خيلًا مع رجل من أهل بيته، يقال له الحسن بن زيد، فصار إليها، فطرد عنها عاملها من قِبَل الطاهرية، فلما دخل الموجّه به من قِبَل الطالبيّين الرّي هرب منها عاملُها، فاستخلف بها رجلًا من الطالبيين يقال له محمد بن جعفر، وانصرف عنها، فاجتمعت للحسن بن زيد مع طبرستان الرّي إلى حدّ همذان، وورد الخبر بذلك على المستعين، ومدبّر أمره يومئذ وصيف التركيّ وكاتبه أحمد بن صالح بن شيرزاد، وإليه خاتم المستعين ووزارته، فوجّه إسماعيل بن فَرَاشة في جمع إلى همذان، وأمره بالمقام بها وضبطها إلى أن يتجاوز إليها خيل الحسن بن زيد، وذلك أنّ ما وراء عمل هَمَذان كان إلى محمد بن طاهر بن عبد الله بن طاهر، وبه عماله، وعليه صلاحه.
فلما استقرّ بمحمد بن جعفر الطالبيّ القرار بالرّيّ ظهرت منه - فيما ذكر - أمور كرهها أهل الرّيّ، فوجّه محمد بن طاهر بن عبد الله قائدًا له من قِبَله، يقال له محمد بن ميكال - وهو أخو الشاه بن ميكال - في جَمْع من الخيل والرّجالة إلى الرّيّ، فالتقى هو ومحمد بن جعفر الطالبيّ خارج الرّيّ، فذُكر أن محمد بن ميكال أسر محمد بن جعفر الطالبيّ، وفضّ جيشه، ودخل الرّي، فأقام بها، ودعا بها للسلطان؛ فلم يتطاول بها مكثُه حتى وجّه الحسن بن زيد إليه خيلًا، عليها قائد له من أهل اللازر، يقال له واجن، فلما صار واجن إلى الرّيّ خرج إليه محمد بن ميكال، فاقتتلا، فهزم واجن وأصحابه محمد بن ميكال وجيشه، والتجأ محمد بن ميكال إلى مدينة الرّيّ معتصمًا بها، فاتّبعه واجن وأصحابه حتى قتلوه، وصارت الرّيّ إلى أصحاب الحسن بن زيد.
فلمّا كان يوم عرفة من هذه السنة بعد مقتل محمد بن ميكال، ظهر بالرّيّ أحمد بن عيسى بن عليّ بن حسين الصغير بن عليّ بن حسين بن عليّ بن أبي طالب ﵁ وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن
стр. 5680
حسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب؛ فصلَّى أحمد بن عيسى بأهل الرّيّ صلاة العيد، ودعا للرضا من آل محمد؛ فحاربه محمد بن عليّ بن طاهر، فهزمه أحمد بن عيسى، فصار إلى قزوين (١).
* * *
وفي هذه السنة غُضب على جعفر بن عبد الواحد، لأنه كان بعث إلى الشاكريّة، فزعم وصيف أنه أفسدهم، فنُفي إلى البصرة لسبع بقين من شهر ربيع الأول (٢).
وفيها أسقطت مرتبة مَنْ كانت له مرتبة في دار العامة من بني أميّة، كابن أبي الشوارب والعثمانيين (١).
وأخرج في هذه السنة من الحبس الحسنُ بن الأفشين (١).
وأجلِس فيها العباسُ بن أحمدبن محمد، فعقد لجعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى المعروف ببشاشات على مكة في جمادى الأولى.
وفيها وثب أهل حِمْص وقومٌ من كلب - عليهم رجل يقال له عُطَيف بن نعمة الكلبيّ - بالفَضْل بن قارن أخي مازيار بن قارن؛ وهو يومئذ عامل السلطان على حِمْص، فقتلوه في رجَب؛ فوجّه المستعين إليهم موسى بن بُغا الكبير، فشخص موسى من سامُرّا يوم الخميس لثلاث عشرة ليلة خَلَتْ من شهر رمضان؛ فلمّا قرب موسى تلقّاه أهلُها فيما بينها وبين الرَّستَن، فحاربهم فهزمهم؛ وافتتح حمص وقتل مِنْ أهلها مقتلة عظيمة، وأحرقها وأسر جماعة من رؤساء أهلِها، وكان عطيف قد لحق بالبدو (١).
وفيها مات جعفر بن أحمد بن عمّار القاضي يوم الأحد لسبع بقين من شهر رمضان.
وفيها مات أحمد بن عبد الكريم الجواري والتيميّ قاضي البصرة.
وفيها ولي أحمد بن الوزير قضاء سامرّا.
стр. 5681
وفيها وثبت الشاكريّة والجُنْد بفارس بعبد الله بن إسحاق بن إبراهيم، فانتهبوا منزله، وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن، وهرب عبد الله بن إسحاق (١).
وفيها وجّه محمد بن طاهر من خُراسان بفيليْن كان وُجِّه بهما إليه من كابُل وأصنام وفوائح (١).
وغزا الصائفة فيها بلكاجُور.
وحجّ بالناس في هذه السنة جَعفر بن الفضل بشاشات وهو والي مكة (١).
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر قتل باغر التركيّ]
فممّا كان فيها من ذلك قتل وصيف وبُغا الصغير باغر التركيّ واضطراب أمر الموالي (٢).
ذكر الخبر عن سبب قتلهما باغر:
ذُكر أنّ سبب ذلك كان أن باغر كان أحد قتلَة المتوكل، فزِيد لذلك في أرزاقه، وأقطع قطائع؛ فكان مما أقطِع ضياع بسواد الكوفة، فتضمّن تلك الضياع التي أقطِعها باغرُ هنالك مِن كاتب كان لباغر يهوديّ - رجل من دهاقين بارُوسما ونهر الملك - بألفيّ دينار في السنة، فعدا رجل بتلك الناحية، يقال له ابن مارِمّة على وكيل لباغر هنالك، فتناوله أو دسّ إليه مَنْ تناوله، فحُبس ابن مارمّة، وقُيِّد، ثم عمل حتى تخلص من الحبس، فصار إلى سامُرّا؛ فلقي دُلَيْل بن يعقوب النصرانيّ وهو يومئذ كاتب بغا الشرابيّ وصاحب أمره، وإليه أمر العسكر، يركبُ إليه القوَّاد والعمال؛ لمكانه من بُغا، وكان ابن مارِمّة صديقًا لدُليل، وكان باغر أحد قُوّاد بُغا، فمنع دُليل باغر من ظلم أحمد بن مارمّة؛ وانتصف له منه، فأوغر ذلك من فعله بصدر باغر، وبايَنَ كلّ واحد من دُليل
стр. 5682
وباغر صاحبَه بذلك السبب، وباغر شجاع بطل معروف القَدْر في الأتراك، يتوقّاه بُغا وغيره، ويخافون شرّه.
فذكِر أنّ باغر جاء يوم الثلاثاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة خمسين ومئتين إلى بُغا، وبُغا في الحمام، وباغر سكران شديد السكر، وانتظره حتى خرج من الحمام، ثم دخل عليه، فقال له: والله مامن قتل دُليل بُدٌّ ثم سبّه، فقال له بغا: لو أردتَ قتل ابني فارسي ما منعتُك، فكيف دليل النصرانيّ! ولكنّ أمري وأمر الخلافة في يديْه فتنتظر حتى أصيِّر مكانه إنسانًا، وشأنَك به، ثم وجّه بُغا إلى دُلَيل يأمره ألَّا يركب؛ وقيل: بل تلقاه طبيب لبُغا، يقال له ابن سرجويه، فأخبره بالقصّة، فرجع إلى منزله، فاستخفى، وبعث بُغا إلى محمد بن يحيى بن فيروز، وكان ابن فيروز يكتب له قبل ذلك، فجعله مكان دُلَيل، فيوهم باغر أنه قد عزل دُليلًا؛ فسكن باغر، ثم أصلح بُغا بين دُلَيل وباغر، وباغر يتهدّدُ دليلًا بالقَتْل إذا خلا بأصحابه، ثم تلطّف باغر للمستعين، ولزم الخدمة في الدار، وكره المستعين مكانَه؛ فلمّا كان يوم نوبة بُغا في منزله قال المستعين: أيّ شيء كان إلى إيتاخ من الأعمال؟ فأخبره وصيف، فقال: ينبغي أن تصيّروا هذه الأعمال إلى أبي محمد باغر، فقال وصيف: نعم، وبلغت القصة دُليلًا، فركب إلى بُغا فقال له: أنت في بيتك؛ وهم في تدبير عزلك عن كلّ أعمالك؛ فإذا عُزلت فما بقاؤك إلَّا أن يقتلوك! فركب بُغا إلى دار الخلافة في اليوم الذي نَوْبته في منزله بالعشيّ، فقال لوصيف: أردتَ أن تُزِيلني عن مرتبتي، وتجيء بباغر فتصيّره مكاني؛ وإنما باغر عبدٌ من عبيدي ورجل من أصحابي، فقال له وصيف: ما علمتُ ما أراد الخليفة من ذلك، فتعاقد وصيف وبُغا على تنْحِية باغر من الدار والاحتيال له، وأرجفوا له أن يؤمّر ويضَمّ إليه جيش سوى جيشه؛ ويُخْلَع عليه، ويُجلَس في الدار مجلس بُغا ووصيف - وهما يسمَّيان الأميرين - ودافعوه بذلك، وإنما كان المستعين تقرّب إليه بذلك ليأمن ناحيته، فأحسَّ هو ومن في ناحيته بالشرّ، فجمع إليه الجماعة الذين كانوا بايعوه على قتل المتوكل أو بعضها مع غيرهم؛ فلمّا جمعهم ناظرهم ووكّد البيعة عليهم كما وكّدها في قتل المتوكل، فقالوا: نحن على بيعتنا، فقال: الزموا الدّار حتى نقتل المستعين وبُغا ووصيفًا، ونجيء بعليّ بن المعتصم أو بابن الواثق، فنُقعده خليفة حتى يكون الأمر لنا،
стр. 5683
كما هو لهذين اللذين قد استوليا على أمر الدنيا، وبقينا نحن في غير شيء؛ فأجابوه إلى ذلك، وانتهى الخبر إلى المستعين، فبعث إلى بُغا ووصيف؛ وذلك يوم الإثنين، فقال لهما: ما طلبتُ إليكما أن تجعلاني خليفةً، وإنما جعلتماني وأصحابكما ثم تريدان أن تقتلاني! فحلفا له أنهما ما علما بذلك، فأعلمهما الخبر.
وقيل: إنّ امرأة لباغر كانت مطلّقة منه، سعت إلى أمّ المستعين وإلى بُغا بذلك، وبكّر دُليل إلى بُغا وحضر وصيف إلى منزل بُغا ومع وصيف أحمد بن صالح كاتبه؛ فاتّفق رأيهم على أخذ باغر واثنين من الأتراك معه وحبسهم حتى يروا رأيَهم فيهم، فأحضروا باغر، فأقبل في عِدّة حتى دخل الدار إلى بُغا.
فذكر عن بشر بن سعيد المَرْثديّ أنه قال: كنت حاضرًا دخولَه، فمُنع من الوصول إلى بُغا ووصيف، وعُطِف به إلى حمّام لبُغا، ودعِيَ له بالقيود؛ فامتنع عليهم؛ فحبسوه في الحمّام؛ وبلغ ذلك الأتراك في الهارونيّ والكرْخ والدّور، فوثبوا على إصطبل السلطان، فأخذوا ما كان فيه من الدوات فانتهبوها وركبوها، وحضروا الجوْسق بالسلاح، فلما أمسَوْا أمر وصيف وبُغا رشيدَ بن سعاد أخت وصيف أن يقتل باغر، فأتاه في عدّة، فشدَخُوه بالطَّبرزينات حتى أسكنوه، فلما علم المستعين باجتماعهم، ركب ووصيف وبُغا حَرّاقة، وصاروا إلى دار وصيف جميعًا، وتراكض الناس يومهم - وهو يوم الثلاثاء وليلته - بالسلاح جائين وذاهبين؛ فقال لهم وصيف: ترفَّقُوا حتى تنظروا؛ فإن ثبتوا على المقاومة رمينا إليهم برأسه، فلما انتهى قتله إلى الأتراك المشغّبة، أقاموا على ما هم عليه من الشَّغَب حتى علموا أنّ المستعين وبُغا ووصيف قد انحدروا إلى بغداد، وقد كان وصيف أعطى قومًا من المغاربة فُرسانًا ورجّالة السلاح والرّماح، ووجّه بهم إلى هؤلاء المشغبة، وبعث إلى الشاكريّة أن يكونوا على عُدّة إن احتيج إليهم، وسكن الناس عند الظهر، وهدأت الأمور؛ وقد كان عِدّةٌ من قُوّاد الأتراك صاروا إلى هؤلاء المشغبين وسألوهم الانصراف، فقالوا: يُوقْ يُوقْ، أي لا لا.
فذكر عن بشر بن سعيد عن جامع بن خالد - وكان أحد خلفاء وصيف من الأتراك - أنه كان المتولِّيَ مخاطبتهم مع عدّة ممن يعرف التركية، فأعلموهم أن المستعين وبُغا ووصيف قد خرجوا إلى بغداد، فأظهروا التندّم، وانصرفوا
стр. 5684
منكسرين؛ فلما انتشر الخبر بخروج المستعين صار الأتراك إلى دور دُليل ابن يعقوب ودور أهل بيته ممن قرب منه وجيرانه، فانتهبوا ما فيها حتى صاروا إلى الخشب والدّوْرَانْدات؛ وقتلوا ما قدروا عليه من البغال، وانتهبوا علَف الدوابّ الخمر التي في خزانة الشراب؛ ودفع عن دار سلمة بن سعيد النصرانيّ جماعة كان وكّلهم بها؛ من المصارعين وغيرهم من جيرانهم، ومنعوهم من دخول الدار؛ لأنهم أرادوا دار إبراهيم بن مهران النصرانيّ العسكريّ، فدفعوهم عنها، وسلِم سلمة وإبراهيم من النهب.
وقال في قتل باغر والفتنة التي هاجت بسببه بعض الشعراء، ذُكر أن قائله أحمد بن الحارث اليماميّ:
لعمري لئن قَتلوا باغرًا ... لقد هاج باغِرُ حربًا طَحُونَا
وفَرَّ الخليفةُ والقائدَانِ ... بالليلِ يلتمسانِ السَّفِينا
وصَاحُوا بِمَيْسَانَ مَلَّاحِهِمْ ... فجاءَهُمُ يَسبِقُ الناظرينَا
فأَلزَمَهمْ بطنَ حَرَّاقةٍ ... وصرَّتْ مَجَاذيفهم سَائِرينَا
وما كان قَدْرُ ابنِ مارمَّةٍ ... فتكسبَ فيه الحروب الزَّبونا
ولكنْ دُليلٌ سَعَى سَعْيَةً ... فأخْزَى الإِلهُ بها العالمينا
فحَلَّ ببغدادَ قبل الشّروقِ ... فحلَّ بها منه ما يَكرهُونا
فليتَ السَّفينةَ لم تأْتِنا ... وغرَّقها اللهُ والرَّاكِبينَا
وأقبلتِ التركُ والمَغربونَ ... وجاءَ الفراغِنةُ الدَّارعونا
تَسيرُ كراديسُهُمْ في السِّلاحِ ... يَرُوحونَ خيلًا ورَجْلا ثبِينا
فقامَ بحربِهمُ عالمٌ ... بأَمرِ الحُروب تولَّاهُ حِينَا
فجدَّدَ سورًا على الجانبـ ... ـيْنِ حتَّى أحاطَهُمْ أجمعينا
وأحكَمَ أبوابَها المُصمتَاتِ ... على السُّورِ يَحمِي بها المُسْتَعِينا
وهيّا مَجَانيقَ خَطَّارَةً ... تُفِيتُ النفوسَ وتحْمِي العرينا
وعَبَّى فَرْوضًا وجَحشِيَّة ... ألوفَ ألوفٍ إذ تحْسُبُونا
وعبّى المجانيقَ منظومةً ... على السور حتى أَغار العيونا
فذكر أنهم لما قدموا بغداد اعتلَّ ابن مارمّة، فعاده دُليل بن يعقوب، فقال له: ما سببُ علّتك؟ قال: عَقرُ القيد انتقض عليّ، فقال دُليل: لئن عقرك القَيْد؛
стр. 5685
لقد نقضت الخلافة، وبعثتَ فتنة، ومات ابن مارِمّة في تلك الأيام؛ فقال أبو عليّ اليمامي الحنفيّ في شخوص المستعين إلى بغداد:
ما زَالَ إلَّا لزوالِ مُلكهِ ... وحتفِهِ من بعده وهُلكِهِ
ومنع الأتراك الناس من الانحدار إلى بغداد، فُذكر أنهم أخذوا ملَّاحًا قد أكرى سفينته، فضربوه مئتي سوط، وصلبوه على دَقَل سفينته، فامتنع أصحاب السفن من الانحدار إلَّا سرًّا أو بمؤنة ثقيلة.
* * * *
[وقوع الفتنة ببغداد بين أهلها وبين جند السلطان] (١)
وفي هذه السنة هاجت الفتنة ووقعت الحرب بين أهل بغداد وجند السلطان الذين كانوا بسامرّا، فبايع كلُّ من كان بسامُرّا منهم المعتزّ، وأقام من ببغداد منهم على الوفاء ببيعة المستعين.
* ذكر الخبر عن سبب هيج هذه الفتنة، وسبب بيعة من كان بسامرّا من الجند المعتزَّ وخلعهم المستعين، ونصبهم الحرب لمن أقام على الوفاء ببيعته:
قال أبو جعفر: قد ذكرنا قبلُ موافاةَ المستعين وشاهك الخادم ووصيف وبُغا وأحمد بن صالح بن شير زاد بغداد؛ وكانت موافاتهم إياها يوم الأربعاء لثلاث ساعات مضيْن من النهار لأربعة أيام - وقيل لخمسة أيام - خلوْن من المحرّم من هذه السنة؛ فلما وافاها، نزل المستعين على محمد بن عبد الله بن طاهر في داره، ثم وافى بغداد خليفة لوصيف على أعماله، يعرف بسلام، فاستعلم ما عنده، ثم انصرف راجعًا إلى منزله بسامرّا، فوافى القوّاد خلا جعفر الخياط وسليمان بن يحيى بن معاذ بغداد مع جِلّة الكتاب والعمال وبني هاشم، ثم وافَى بعد ذلك من قوّاد الأتراك الذين في ناحية وصيف: كلباتكين القائد وطيْغج
стр. 5686
الخليفة، تركيّ، وابن عجوز الخليفة، نَسائيّ؛ وممّن في ناحية بُغا بايكباك القائد من غلمان الخدمة مع عدّة من خلفاء بُغا.
وكان - فيما ذكر - وجّه إليهم وصيف وبُغا قبل قدومهم رسولًا، يأمرانهم أن يصيرُوا إذا قدموا بغداد إلى الجزيرة التي حِذاء دار محمد بن عبد الله بن طاهر، ولا يصيروا إلى الجِسْر، فيُرعبوا العامة بدخولهم، ففعلوا وصاروا إلى الجزيرة، فنزلوا عن دوابهم، فوجِّهَتْ إليهم زواريق حتى عبروا فيها، فصعد كلباتكين وبايكباك والقوّاد من أهل الدور وأرناتجور التركيّ، فدخلوا على المستعين، فرموْا بأنفسهم بين يديه، وجعلوا مناطقهم في أعناقهم تذلُّلًا وخضوعًا، وكلموا المستعين وسألوه الصَّفْح عنهم والرِّضا، فقال لهم: أنتم أهل بَغْي وفساد واستقلال للنعم؛ ألم ترفعوا إليّ في أولادكم، فألحقتهم بكم، وهم نحو من ألفيْ غلام، وفي بناتكم فأمرت بتصييرهنّ في عداد المتزوّجات وهنّ نحو من أربعة آلاف امرأة في المدّركين والمولودين؛ وكلّ هذا قد أجبتكم إليه، وأدرَرْت لكم الأرزاق حتى سبكتُ لكم آنية الذهب والفضة، ومنعتُ نفسي لذّتها وشهوتها؛ كلُّ ذلك إرادةً لصلاحكم ورضاكم؛ وأنتم تزدادون بَغْيًا وفسادًا وتهدُّدًا وإبعادًا (١)!
فتضرَّعوا، وقالوا: قد أخطأنا وأمير المؤمنين الصّادق في كلِّ قوله ونحن نسأله العفو عنا والصّفْح عن زَلّتنا؛ فقال المستعين: قد صفحت عنكُم ورضيت، فقال له بايكباك: فإن كنتَ قد رضيت عنا وصفحت، فقم فاركب معنا إلى سامُرّا؛ فإنّ الأتراك ينتظرونك؛ فأومأ محمد بن عبد الله إلى محمد بن أبي عون، فلكز في حَلْق بايكباك، وقال له محمد بن عبد الله: هكذا يقال لأمير المؤمنين؛ قُمْ فاركب معنا؛ فضحك المستعين من ذلك، وقال: هؤلاء قوم عَجَم؛ ليس لهم معرفة بحدُود الكلام، وقال لهم المستعين، تصيرون إلى سامُرّا، فإنَّ أرزاقكم دارّة عليكم، وانظر في أمري هاهنا ومقامي.
فانصرفوا آيسين منه، وأغضبهم ما كان من محمد بن عبد الله، وأخبروا مَنْ وردوا عليه من الأتراك خبرهم، وخالفوا فيما ردّ عليهم تحريضًا لهم على خلعه
стр. 5687
والاستبدال به، وأجْمع رأيهم على إخراج المعتزّ والبيعة له، وكان المعتزّ والمؤيد في حبس في الجوسق في حُجْرة صغيرة، مع كلِّ واحد منهما غلام يخدمه؛ موكّلٌ بهم رجل من الأتراك يقال له عيسى خليفة بليار ومعه عدّة من الأعوان، فأخرجوا المعتزّ من يومهم، فأخذوا من شعره، وقد كان بُويع له بالخلافة؛ وأمر للناس برزق عشرة أشهر للبيعة، فلم يتم المال، فأعطُوا شهرين لقلة المال عندهم.
وكان المستعين خلّف بسامرّا في بيت المال مما كان طلمجُور وأساتكين القائدان قدما به من ناحية الموصل من مال الشأم نحوًا من خمسمئة ألف دينار؛ وفي بيت مال أمّ المستعين قيمة ألف ألف دينار، وفي بيت مال العباس ابن المستعين قيمة ستمئة ألف دينار فذكر أن نسخة البيعة التي أخذت:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تبايعونَ عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين ببيعة طَوْع واعتقاد، ورضًا ورغبة وإخلاص من سرائركم، وانشراح من صدوركم، وصدْق من نِيّاتِكم؛ لا مكرهين ولا مجبرين؛ بل مقرّين عالمين بما في هذه البيعة وتأكيدها من تقوى الله وإيثار طاعته، وإعزاز حقه ودينه، ومن عموم صلاح عباد الله واجتماع الكلمة، ولمّ الشعث، وسكون الدّهماء، وأمْن العواقب، وعزّ الأولياء، وقمع الملحدين؛ على أن أبا عبد الله المعتزّ بالله عبد الله وخليفتُه المفترض عليكم طاعته ونصيحته والوفاء بحقه وعهده، لا تشكُّون ولا تُدْهنون، ولا تَمِيلون ولا تَرْتابون، وعلى السمع والطاعة، والمشايعة والوفاء، والاستقامة والنصيحة في السرّ والعلانية، والخفوف والوقوف عند كلّ ما يأمر به عبد الله أبو عبد الله الإمام المعتزّ بالله أمير المؤمنين؛ من موالاة أوليائه؛ ومعاداة أعدائه، من خاصٍّ وَعامّ، وقريب وبعيد، متمسكين ببيعتِه بوفاء العَقْد وذمة العهد، سرائركم في ذلك كعلانيتكم، وضمائركم فيه كمثل ألسنتكم، راضين بما يرضى به أمير المؤمنين بعد بيْعتكم هذه على أنفسكم، وتأكيدكم إياها في أعناقكم صفقةً، راغبين طائعين؛ عن سلامة من قلوبكم وأهوائكم ونياتكم، وبولاية عهد المسلمين لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين، وعلى ألا تسعَوْا في نقض شيء مما أكد عليكم، وعلى ألَّا يميل بكم في ذلك مميل عن نصرة وإخلاص
стр. 5688
وموالاة؛ وعلى ألا تبدّلوا ولا تغتروا، ولا يرجع منهكم راجع عن بيعته وانطوائه على غير علانيته؛ وعلى أن تكون بيعتكم التي أعطيتموها بألسنتكم وعهودكم بيعةً يَطَّلع الله من قلوبكم على اجتبائها واعتمادها. وعلى الوفاء بذمّةِ الله فيها، وعلى إخلاصكم في نُصْرتها وموالاة أهلها؛ لا يشوب ذلك منهكم نفاق ولا إدهان ولا تأوّل؛ حتى تلقوا الله موفين بعهده، مؤدّين حقَّه عليكم، غير مستريبين ولا ناكثين؛ إذ كان الذي يبايعون منكم أمير المؤمنين بيعةَ خلافتِه وولاية العهد من بعده لإبراهيم المؤيد بالله أخي أمير المؤمنين: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
عليكم بذلك وبما أكدت عليكم به هذه البَيْعة في أعناقكم، وأعطيتم بها من صفقة أيْمانِكم، وبما اشترط عليكم من وفاء ونُصْرة وموالاة واجتهاد، وعليكم عهد الله إنَّ عهده كان مسؤولًا وذمّة الله وذمة محمد ﷺ ، وما أخذ الله على أنبيائه ورسُله، وعلى أحد من عباده من مواكيده ومواثيقه؛ أن تسمعوا ما أخذ عليكم في هذه البيْعَة ولا تبدّلوا ولا تميلوا وأن تمسَّكوا بما عاهدتم الله عليه تمسُّك أهلِ الطاعة بطاعتهم، وذوي الوفاء والعهد بوفائهم، ولا يلفتكم عن ذلك هوىً ولا مَيْلٌ، ولا يُزيغ قلوبكم فتنة أو ضلالة عن هُدىً، باذلين في ذلك أنفسكم واجتهادكم، ومقدّمين فيه حقّ الدين والطاعة والوفاء بما جعلتم على أنفسكم؛ لا يقبل منكم في هذه البيْعَة إلَّا الوفاء بها.
فمن نكث منكم ممّن بايع أمير المؤمنين وولَّي عهد المسلمين أخا أمير المؤمنين هذه البيعة على ما أخذ عليكم، مسرًّا أو معلنًا، مصرّحًا أو محتالًا أو متأوّلًا؛ وادَّهن فيما أعطى الله من نفسه، وفيما أخذ عليه من مواثيق الله وعهوده، وزاغ عن السبيل التي يعتصم بها أولو الرّأي؛ فكلّ ما يملك كلّ واحد منكم ممن ختر في ذلك منكم عهدَه، من مال أو عقار أو سائمة أو زَرْع أو ضَرْع صدقةٌ على المساكين في وجوه سبيل الله، محبوس محرّم عليه أن يُرجع شيئًا من ذلك إلى ماله؛ عن حيلة يقدمها لنفسه، أو يحتال له بها؛ وما أفاد في بقية عمره من فائدة مال يقلّ خطرها أو يجلّ؛ فذلك سبيلُها، إلى أن توافِيَه منِيّته، ويأتي عليه أجله، وكلّ مملوك يملكه اليوم وإلى ثلاثين سنة؛ ذكر أو أنثى، أحرار لوجه الله، ونساؤه يوم يلزمه فيه الحِنْث ومَنْ يتزوّج بعدهنّ إلى ثلاثين سنة طوالق طلاق
стр. 5689
الحرَج؛ لا يقبل الله منه إلَّا الوفاء بها؛ وهو بريء من الله ورسوله، والله ورسوله منه بريئان؛ ولا قَبِل الله منه صرفًا ولا عدْلًا؛ والله عليكم بذلك شهيد، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأحضِر - فيما ذكر - البيعة أبو أحمد بن الرشيد وبه النّقْرس محمولًا في مَحفَّة؛ فأمر بالبيعة فامتنع؛ وقال للمعتزّ: خرجتَ إلينا خروج طائع فخلعتها، وزعمت أنك لا تقوم بها، فقال المعتزّ: أكْرِهتُ على ذلك وخفت السيف، فقال أبو أحمد: ما علينا أنك أكرِهت؛ وقد بايعنا هذا الرجل؛ فتريد أن نطلّق نساءنا، ونخرج من أموالنا، ولا ندري ما يكون! إن تركتنِي على أمري حتى يجتمع الناس؛ وإلا فهذا السيف، فقال المعتزّ: اتركوه، فُردّ إلى منزله من غير بيعة.
وكان ممن بايع إبراهيم الديرج وعتّاب بن عتّاب، فهرب فصار إلى بغداد، وأما الدّيرج فخُلِع عليه، وأقِرّ على الشرْطة، وخُلِع على سليمان بن يسار الكاتب، وصُيِّر على ديوان الضياع، وأقام يومه يأمر وينهى وينفّذ الأعمال، ثم توارَى في الليل، وصار إلى بغداد.
ولما بايع الأتراك المعتزّ ولّى عمالَه، فولّى سعيد بن صالح الشرْطة، وجعفر بن دينار الحرس، وجعفر بن محمود الوزارة، وأبا الحمار ديوان الخراج؛ ثم عُزِل وجُعِل مكانه محمد بن إبراهيم منقار، وولي ديوان جيش الأتراك المعروف بأبي عمر كاتب سيما الشرابيّ، وولّى مقلِّدًا كَيْد الكلب أخا أبي عمر بيوتَ الأموال وإعطاءَ الأتراك والمغاربة والشاكريّة، وولّى بريد الآفاق والخاتم سيما الساربانيّ واستكتب أبا عمر؛ فكان في حدّ الوزارة.
ولما اتّصل بمحمد بن عبد الله خبرُ البيعة للمعتزّ وتوجيهه العمال، أمر بقطع الميرة عن أهل سامُرّا، وكتب إلى مالك بن طَوْق في المصير إلى بغداد هو ومَنْ معه من أهل بيته وجنده، وإلى نجوبة بن قيس وهو على الأنبار في الاحتشاد والجمع، وإلى سليمان بن عمران الموصلي في جَمْع أهل بيته ومَنْع السفن أو شيء من الميرة أن ينحدر إلى سامُرّا، ومنَع أن يصعد شيء من المِيرة من بغداد إلى سامرّا، وأخذت سفينة فيها أرزّ وسَقَطٌ، فهرب الملّاح منها وبقيت السفينة حتى غرقت، وأمر المستعين محمد بن عبد الله بن طاهر بتحصين بغداد؛ فتقدّم في ذلك؛ فأدير عليها السور من دِجْلة من باب الشّماسية إلى سوق الثلاثاء حتى
стр. 5690
أورده دِجْلة من باب قطيعة أم جعفر، حتى أورده قصر حميد بن عبد الحميد، ورتَّب على كل باب قائدًا في جماعة من أصحابه وغيرهم وأمر بحفر الخنادق حول السورين كما يدوران في الجانبين جميعًا ومظلَّات يأوي إليها الفرسان في الحرّ والأمطار؛ فبلغت النفقة - فيما ذكر - على السورين وحفر الخنادق والمظلات ثلثمئة ألف دينار وثلاثين ألف دينار؛ وجعل على باب الشماسية خمس شدّاخات بعرض الطريق؛ فيها العوارض والألواح والمسامير الطِّوال الظاهرة، وجُعل من خارج الباب الثاني باب معلّق بمقدار الباب ثخين، قد ألبِس بصفائح الحديد، وشُدّ بالحبال كي إن وافى أحدٌ ذلك البابَ أرسل عليه الباب المعقق، فقتل مَنْ تحته، وجعل على الباب الداخل عرّادة، وعلى الباب الخارج خمسة مجانيق كبار؛ وفيها واحدٌ كبير سمَّوه الغضبان، وستّ عرّادات ترمِي بها إلى ناحية رقّة الشمّاسيّة؛ وصُيّر على باب البَرَدان ثماني عَرّادات في كلّ ناحية أربع، وأربع شدّاخات وكذلك على كلّ باب من أبواب بغداد في الجانب الشرقيّ والغربيّ، [وجعل على كلّ باب من أبوابها قوادًا برجالهم] وجعل لكلّ باب من أبوابها دهليزًا بسقائف تَسَعُ مئة فارس ومئة راجل؛ ولكل منجنيق وعرّادة رجالًا مرتّبين يمدّودن بحباله، وراميًا يرمي إذا كان القتال، وفرض فروضًا ببغداد ومرّ قوم من أهل خراسان قدموا حجّاجًا، فسألوا المعونة على قتال الأتراك، فأعينوا، وأمر محمد بن عبد الله بن طاهر أن يُفْرَض من العيَّارين فرض، وأن يُجعل عليهم عريف، ويُعمل لهم تراس من البواريّ المقيَّرة، وأن يُعمل لهم مخالٍ تُملأ حجارة، ففعل ذلك وتولى - فيما ذكر - عمل البواريّ المميّرة محمد بن أبي عون، وكان الرّجل منهم يقوم خلْف الباريّة فلا يُرى منها. عُمِلت نسائجات، أنفق عليها زيادة على مئة دينار؛ وكان العريف على أصحاب البواريّ المقيرة من العتارين رجلًا يقال له ينْتَوَيْه، وكان الفراغ من عمل السور يوم الخميس لسبع بقين من المحرم.
وكتب المستعين إلى عمّال الخراج بكل بلدة وموضع أن يكون حملهم ما يحملون من الأموال إلى السلطان إلى بغداد، ولا يحملون إلى سامُرّا شيئًا؛ وإلى عمّال المعاون في ردّ كتب الأتراك، وأمر بالكتاب إلى الأتراك والجند الذين بسامُرّا يأمرهم بنقض بيعة المعتزّ ومراجعة الوفاء ببيعتهم إياه، ويذكرهم أياديه
стр. 5691
عندهم، وينهاهم عن معصيتهِ، ونكْث بيعته، وكان كتابه بذلك إلى سيما الشرابيّ.
ثم جرتْ بين المعتزّ ومحمد بن عبد الله بن طاهر مكاتبات ومراسلات، يدعو المعتزّ محمدًا إلى الدّخُول فيما دخل فيه مَنْ بايعه بالخلافة وخلع المستعين، ويذكّره ما كان أبوه المتوكل أخذ له عليه بعد أخيه المنتصر من العَهْد وعقد الخلافة، ودعوة محمدِ بن عبد الله المعتزَّ إلى ما عليه من الأوبة إلى طاعة المستعين، واحتجاج كلّ واحد منهما على صاحبه فيما يدعوه إليه من ذلك بما يراه حُجّة له؛ تركتُ ذكرها كراهة الإطالة.
وأمر محمد بن عبد الله بكسر القناطِر وبَثق المياه بطسّوج الأنبار وما قرب منه من طسُّوج بادورَيَا، ليقطع طريق الأتراك حين تخوّف من ورودهم الأنبار.
وكان الذي تولّى ذلك نجوبة بن قيس ومحمد بن حمد بن منصور السعديّ.
وبلغ محمد بن عبد الله توجيه الأتراك لاستقبال الشمسة التي كانت مع البينُوق الفرغانيّ مَنْ يحميها من أصحابه، فوجّه محمد ليلة الأربعاء لعشر بقين من المحرّم خالد بن عمران وبندار الطبريّ إلى ناحية الأنبار.
ثم وجّه بعدهما رشيد بن كاوس، فصادفوا البينوق ومَنْ معه من الأتراك والمغاربة، وطالبهم خالد وبندار بالشمسة، فصار البيْنُوق وأصحابه مع خالد وبندار إلى بغداد إلى المستعين.
وكان محمد بن الحسن بن جياويه الكردي يتولى معونة عُكبراء؛ وكان على الراذان رجل من المغاربة قد اجتمع عنده مالٌ، فتوجّهه إليه ابن جيلويه، ودعاه إلى حَمْل مال الناحية، فامتنع عليه، ونَصَب له الحرب، فأسر ابن جيلويه المغربيّ، وحمله إلى باب محمد بن عبد الله، ومعه من مال الناحية اثنا عشر ألف دينار وثلاثون ألف درهم؛ فأمر محمد بن عبد الله لابن جيلويه بعشرة آلاف درهم، وكتب كلّ واحد من المستعين والمعتزّ إلى موسى بن بغا، وهو مقيم بأطراف الشأم قرب الجزيرة - وكان خرج إلى حِمْص لحرب أهلها - يدعوه إلى نفسه، وبعَث كلُّ واحد منهما إليه بعدّة ألوية يعقدها لمن أحبّ، ويأمره المستعين بالانصراف إلى مدينة السلام، ويستخلف على عمله من رأى،
стр. 5692
فانصرف إلى المعتزّ وصار معه، وقدم عبد الله بن بُغا الصغير بغداد على أبيه؛ وكان قد تخلّف بسامُرّا حين خرج أبوه منها مع المستعين، وصار إلى المستعين، فاعتذر اليه وقال لأبيه: إنما قدمتُ إليك لأموت تحت ركابك، وأقام ببغداد أيامًا، ثم استأذن ليخرج إلى قرية بقرب بغداد على طريق الأنبار، فأذن له؛ فأقام فيها إلى الليل، ثم هرب من تحت ليلته، فمضى في الجانب الغربيّ إلى سامُرّا مجانبًا لأبيه وممالئًا عليه؛ واعتذر إلى المعتزّ من مصيره إلى بغداد، وأخبره أنه إنما صار إليها ليعرف أخبارهم، وليصير إليه فيُعرّفه صحتها، فقبل ذلك منه، وردّه إلى خدمته.
وورد الحسن بن الأفشين بغداد، فخلع عليه المستعين، وضمّ إليه من الأشروسنيّة وغيرهم جماعة كثيرة، وزاد في أرزاقه ستة عشر ألف درهم في كلّ شهر (١).
ولم يزل أسد بن داودسياه مقيمًا بسامُرّا، حتى هرب منها، فذُكر أنّ الأتراك بعثوا في طلبه إلى ناحية الموصل والأنبار والجانب الغربيّ في كل ناحية خمسين فارسًا، فوافَى مدينة السلام؛ فدخل على محمد بن عبد الله، فضمّ إليه من أصحاب إبراهيم الديرج مئة فارس ومئتي راجل، ووكّله بباب الأنبار مع عبد الله بن موسى بن أبي خالد.
وعقد المعتزّ لأخيه أبي أحمد بن المتوكل يوم السبت لسبع بقين من المحرّم من هذه السنة - وهي سنة إحدى وخمسين ومئتين - على حرب المستعين وابن طاهر، وولّاه ذلك، وضمّ إليه الجيش، وجعل إليه الأمرَ والنهي، وجعل التدبير إلى كلباتكين التركيّ، فعسكر بالقاطول في خمسة آلاف من الأتراك والفراغنة وألفين من المغاربة، وضمّ المغاربة إلى محمد بن راشد المغربيّ، فوافوا عُكْبراء ليلة الجمعة لليلة بقيت من المحرّم؛ فصلّى أبو أحمد، وفى عا للمعتزّ بالخلافة؛ وكتب بذلك نسخًا إلى المعتزّ؛ فذكر جماعة من أهل عكْبراء أنهم رأوا الأتراك والمغاربة وسائر أتباعهم؛ وهم على خوف شديد، يروْن أنّ محمد بن عبد الله قد خرج إليهم فسبقهم إلى حربهم، وجعلوا ينتهبون القرى
стр. 5693
ما بين عُكبراء، وبغداد وأوانا وسائر القرى من الجانب الغربيّ، تخوّفًا على أنفسهم وخلّوْا عن الغَلّات والضّياع؛ فخرّبت الضياع، وانتُهبت الغَلّات والأمتعة وهدِمت المنازل، وسُلب الناس في الطريق (١).
ولمّا وافى أبو أحمد عُكبراء ومَنْ معه خرج جماعة من الأتراك الذين كانوا مع بُغا الشرابيّ بمدينة السلام من مَواليه، والمضمومين إليه، فهربوا ليلًا، فاجتازوا بباب الشمّاسيّة؛ وكان على الباب عبد الرحمن بن الخطاب، ولم يعلم بخبرهم؛ وبلغ محمد بن عبد الله ذلك، فأنكره عليه وعنَّفه وتقدّم في حفظ الأبواب وحراستها والنفقة على من يتولّاها.
ولما وافى الحسن بن الأفشين مدينة السلام وُكّل بباب الشّماسية.
ثم وافى أبو أحمد وعسكره الشماسيّة ليلةَ الأحد لسبع خلون من صفر، ومعه كاتبه محمد بن عبد الله بن بشر بن سعد المرثديّ، وصاحب خبر العسكر من قِبَل المعتزّ الحسن بن عمرو بن قماش ومن قِبَله، صاحب خبر له يقال له جعفر بن أحمد البناتي، يعرف بابن الخبازة، فقال رجل من البصريّين كان في عسكره ويعرف بباذنجانة:
يا بني طاهر أتتكمْ جنودُ الله ... والموتُ بينها منثورُ
وجيوشٌ أمامَهُنّ أبو أحمد ... نعْمَ الموْلى ونِعْمَ النصيرُ
ولمّا صار أبو أحمد بباب الشمّاسية ولَّى المستعين الحسين بن إسماعيل باب الشماسية، وصيَّر مَنْ هناك من القوّاد تحت يده؛ فلم يزل مقيمًا هناك مدّة الحرب إلى أن شخص إلى الأنبار؛ فولَّى مكانه إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم؛ ولثلاث عشرة مضتْ من صفر؛ صار إلى محمد بن عبد الله جاسوس له؛ فأعلمه أن أبا أحمد قد عبَّى قومًا يحرقون ظلال الأسواق من جانبيْ بغداد، فكُشطت في ذلك اليوم.
وذكر أن محمد بن عبد الله وجّه محمد بن موسى المنجم والحسين بن إسماعيل، وأمرهما أن يخرجا من الجانب الغربيّ، وأن يرتفعا حتى يجاوزا
стр. 5694
عسكر أبي أحمد ويحزُرا: كَمْ في عسكره؟ فزعم محمد بن موسى أنه حَزَرهم ألفيْ إنسان، معهم ألف دابة؛ فلما كان يوم الإثنين لعشر خلوْن من صفر وافت طلائع الأتراك إلى باب الشمّاسيّة، فوقفوا بالقرب منه؛ فوجّه محمد بن عبد الله الحسينَ بن إسماعيل والشاه بن ميكال وبُندار الطبريّ فيمن معهم؛ وعزم على الركوب لمقاتلتهم، فانصرف إليه الشاه، فأعلمه أنه وافَى بمَنْ معه باب الشّماسيّة.
فلمّا عاين الأتراك الأعلام والرايات وقد أقبلت نحوَهم انصرفوا إلى معسكرهم؛ فانصرف الشاه والحسين، وترك محمد الركوب يومئذ.
فلمَّا كان يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر عزم محمد بن عبد الله على توجيه الجيوش إلى القُفْص ليعرض جنده هنالك، ويُرهب بذلك الأتراك؛ وركب معه وصيف وبُغا في الدُّروع، وعلى محمد دِرْع، وفوق الدرْع صُدرة من درع طاهر؛ وعليه ساعد حديد؛ ومضى معه بالفقهاء والقضاة، وعزم على دعائهم إلى الرجوع عمّا هم عليه من التمادي في الطُّغيان واللجَاج والعِصْيان، وبعث يبذل لهم الأمان على أن يكون أبو عبد الله وليّ العهد بعد المستعين؛ فإنْ قبلوا الأمان وإلّا باكرهم بالقتال يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة تخلو من صفر؛ فمضى نحو باب قُطْربل، فنزل على شاطئ دجلة هو ووصيف وبغا، ولم يمكنْه التقدّم لكثرة الناس؛ وعارضهم من جانب دِجلة الشرقيّ محمد بن راشد المغربيّ.
ثم انصرف محمد؛ فلما كان من الغد وافتْه رسل عبد الرحمن بن الخطاب وجه الفُلْس وعَلك القائد ومَنْ معهما من القوَّاد، يعلمونه أْنّ القوم قد دنوْا منهم، وأنهم قد رجعوا إلى عسكرهم إلى رقة الشماسيّة، فنزلوا وضربوا مضاربَهم فأرسل إليهم ألا تبدؤوهم، وإن قاتلوكم فلا تقاتلوهم؛ وادفعوهم اليوم، فوافى باب الشماسيّة اثنا عشر فارسًا من عسكر الأتراك - وكان على باب الشماسيّة باب وسَرَب وعلى السّرَب باب، فوقف الاثنا عشر الفارس بإزاء الباب، وشتموا مَنْ عليه، ورموا بالسهام، ومن بباب الشماسية سكوت عنهم؛ فلما أكثروا أمر علَك صاحب المِنجنيق أن يرميَهم؛ فرماهم فأصاب منهم رجلًا فقتله؛ فنزل أصحابه إليه، فحملوه وانصرفوا إلى عسكرهم بباب الشماسيّة.
وقدم عبد الله بن سليمان خليفة وصيف التركيّ الموجّه إلى طريق مكة لضبط
стр. 5695
الطريق مع أبي الساج في ثلثمئة رجل من الشاكريّة، فدخل على محمد بن عبد الله، فخلع عليه خمس خلع، وعلى آخر ممن معه أربع خلع.
ودخل أيضًا في هذا اليوم رجل من الأعراب من أهل الثعلبيّة يطلب الفَرْض معه خمسون رجلًا، وورد الشاكريّة القادمون من سامرّا من قيادات شتى؛ وهم أربعون رجلًا، فأمر بإعطائهم وإنزالهم فأعْطُوْا.
ووافى الأتراك في هذا اليوم باب الشماسيّة، فرُموا بالسهام والمنجنيق والعرّادات؛ وكان بينهم قتلَى وجرحى كثير؛ وكان الأمير الحسين بن إسماعيل لمحاربتهم، ثم أمِدّ بأربعمئة رجل من الملطّيين مع رجل يعرف بأبي السنا الغنويّ [وهو ابن أخت الهيثم الغنوي] ثم أمدّهم بقوم من الأعراب نحو من ثلثمئة رجل، وحمل في هذا اليوم من الصلات لمن أبلَى في الحرب خمسة وعشرين ألف درهم، وأطوقة وأسورة من ذهب؛ فصار ذلك إلى الحسين بن إسماعيل وعبد الرحمن بن الخطاب وعلَك ويحيى بن هرثمة والحسن بن الأفشين وصاحب الحرب الحسين بن إسماعيل، فكان الجرحى من أهل بغداد أكثر من مئتي إنسان، والقتلى عدّة، وكذلك الجراحات في الأتراك والقتلَى أكثرهم بالمجانيق؛ وانهزم أكثر عامة أهل بغداد، وثبت أصحاب البوازيّ وانصرفوا جميعًا، وهم في القتلى والجرحى شبيه بالسواء؛ وجُرح من هؤلاء - فيما ذكر - مئتان، ومن هؤلاء مئتان، وقتل جماعة من الفريقين.
وجاء كردوس من الفراغنة والأتراك في هذا اليوم إلى باب خُراسان من الجانب الشرقيّ ليدخلوا منه، وأتى الصريخ محمد بن عبد الله، وثبت لهم المبيّضة والغوغاء فردّوهم، وقد كان محمد أمر أن يُمخَر تلك الناحية؛ فلما أرادوا الانصراف، وحلّت عامة دوابهم، ونجا أكثرهم، أحضر الأتراك منجنيقًا، فغلبهم الغوغاء عليه والمبيّضة، وكسروا قائمة من قوائمه، وقتِل اثنان من الشاشية من الحجاج، وأمر بحمل الآجرّ من قصر الطين وتلك الناحية إلى باب الشماسيّة؛ وفتحوا باب الشماسيّة، وأخرجوا إلى الآجرّ من لقطه، وردّوه إلى هذا الجانب من السور.
وكان محمد بن عبد الله اتّصل به أنّ جماعة من الأقراك قد صاروا إلى ناحية النّهروان، فوجّه قائدين منن قوّاده يقال لهما عبد الله بن محمود السرخسيّ
стр. 5696
ويحيى بن حفص المعروف بحبُوس في خمسمئة من الفرسان والرّجالة إلى هذه الناحية، ثم أردفهم بسبعمئة رجل أيضًا، وأمرهم بالمقام هناك، ومنع مَنْ أراده من الأتراك، فتوجّه آخرهم إلى هذه الناحية يوم الجمعة لسبع خلون من صفر.
فلما كان ليلة الإثنين لثلاث عشرة بقيت من صفر، صار قوم من الأتراك إلى النَّهْروان، فخرج جماعة ممن كان مع عبد الله بن محمود، فرجعوا هُرّابًا، وأخِذت دوابّهم، وانصرف مَنْ نجا منهم إلى مدينة السلام مفلولين، وقتل زهاء خمسين رجلًا، وأخذوا سِتين دابة، وعدّة من البغال قد كانت جاءت من ناحية حُلوان عليها الثلج، فوجّهوا بها إلى سامرّا، ووجهوا برؤوس مَنْ قتلوا من الجند، فكانت أول رؤوس وافت في تلك الحرب سامرّا.
وانصرف عبد الله بن محمود مفلولًا في شِرذمة، وصار طريق خراسان في أيدي الأتراك، وانقطع الطريق من بغداد إلى خراسان.
وكان إسماعيل بن فراشة وُجّه إلى همذان للمقام بها، فكتب إليه بالانصراف، فانصرف، فأعطِيَ هو وأصحابه استحقاقهم.
ووجَّه المعتزّ عسكرًا من الأتراك والمغاربة والفراغنة ومَنْ هو في عدادهم، وعلى الأتراك والفراغنة الدرغماني الفرغانيّ، وعلى المغاربة ربلة المغربيّ، فساروا إلى مدينة السلام من الجانب الغربيّ، فجازوا قُطربّل إلى بغداد، وضربوا عسكرهم بين قُطْربّل وقطيعة أم جعفر؛ وذلك عشيّة الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر.
فلما كان يوم الأربعاء من غد هذه الليلة، وجّه محمد بن عبد الله بن طاهر الشاهَ بن ميكال من باب القطيعة وبُندارًا وخالد بن عمران فيمن معهم من أصحابهم من الفرسان والرّجّالة، فصافّهم الشاه، وأصحابه، فترامَوْا بالحجارة والسهام، وألجؤوا الشاه إلى مضيق عند باب القطيعة، وكثر المبيّضة من أهل بغداد، ثم حمل الشاه والمبيّضة حملة واحدة أزالوا بها الأتراك والمغاربة ومَنْ معهم عن موضعهم، وحمل عليهم المبيّضة، وأصحروا بهم، وحمل عليهم الطبريّة فخالطوهم؛ وخرج عليهم بُندار وخالد بن عمران من الكمِين؛ وكانوا كمنوا في ناحية قُطْربّل، فوضعوا في أصحاب أبي أحمد الأتراك منهم وغيرهم السيف، فقتلوهم أبرح قتل؛ فلم يُفلت منهم إلَّا القليل، وانتهب المبيضة
стр. 5697
عسكرهم وما كان فيه من المتاع والأهل والأثقال والمضارب والحُرْثيّ، فكلّ من أفلت منهم من السيف رمى بنفسه في دِجْلة ليعبرَ إلى عسكر أبي أحمد؛ فأخذه أصحاب الشبّارات، وكانت الشبّارات قد سحنت بالمقاتلة - فقُتِلوا وأسِروا وجُعل القتلى والرؤوس من الأتراك والمغاربة وغيرهم في الزّواريق، فنصبت بعضها في الجسرين؛ وعلى باب محمد بن عبد الله؛ فأمر محمد بن عبد الله لمن أبلى في هذا اليوم بالأسورة، فسُوِّر قوم كثير من الجند وغيرهم، فطُلب المنهزمة، فبلغ بعضهم أوانًا، وبلغ بعضهم ناحية عسكر أبي أحمد عَبْرَ دجلة، وبعضهم نفذ إلى سامُرَّا.
وذُكر أن عسكر الأتراك يوم هُزِموا بباب القطيعة كانوا أربعة آلاف، فقتِل منهم يوم الوقعة هنالك ألفان؛ وكان وُضع فيهم بالسيف من باب القَطيعة إلى القُفْص، فقتَلوا مَنْ قتلوا، وغرِّق مَنْ غُرِّق، وأسِر منهم جماعة، فخلَع محمد بن عبد الله على بُندار أربع خلع مُلحم، ووشْي وسواد وخزّ، وطوّقه طوقًا من ذهب، وخلع على أبي السنا أربع خِلَع، وعلى خالد بن عمران وجميع القوّاد، كلّ رجل أربع خِلع، وكان انصرافهم من الوقعة مع المغرب، وسُخرت البغال، وأخِذ لها الجواليق لتحمل فيها الرؤوس إلى بغداد.
وكان كلُّ مَنْ وافى دار محمد برأس تركيّ أو مغربيّ أعطوْه خمسين درهمًا وكان أكثر ذلك العمل للمبيّضة والعيّارين، ثم وافى عيَّار وبغداد قُطْربُّلَ، فانتهبوا ما تركه الأتراك من متاع أهل قُطْربُّل وأبواب دورهم؛ فوجّه محمد في آخر هذا اليوم أخاه أبا أحمد عبيد الله بن عبد الله والمظفّر بن سيسَل في أثر المنهزمين حِياطة لأهل بغداد؛ لأنه لم يأمن رجعتهم عليه فبلغا القُفْص، وانصرفا سالمين، وزعجا مَنْ أقام من الرجّالة والعيارين بناحية قُطْربل، وأشير على محمد بن عبد الله أن يتبعهم بعسكر في اليوم الثاني وفي تلك الليلة، ليوغل في آثارهم، فأبى ذلك ولم يتبع مولِّيًا، ولم يأمر أن يُجهز على جريح، وقبِل أمان من استأمن، وأمر سعيد بن حُميد فكتب كتابًا يذكر فيه هذه الوقعة؛ فقرئ على أهل بغداد في مسجد جامعها، نسخته:
стр. 5698
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
أما بعد؛ فالحمد لله المنعم فلا يبلغ أحد شكرَ نعمته، والقادر فلا يعارَض في قدرته، والعزيز فلا يغالب في أمره، والحَكم العدل فلا يردّ حكمه، والناصر فلا يكون نصره إلَّا للحق وأهله، والمالك لكلّ شيء فلا يخرج أحد عن أمره، والهادي إلى الرحمة فلا يضلّ من انقاد لطاعته، والمقدّم إعذاره ليظاهر به حجته؛ الذي جعل دينه لعباده رحمة، وخلافته لدينه عصمة، وطاعة خلفائه فرضًا واجبًا على كافة الأمة؛ فهم المستحفَظون في أرضه على ما بعث به رسله، وأمناؤه على خلقه فيما دعاهم إليه من دينه، والحاملون لهم على منهاج حقه؛ لئلا يتشعّب بهم الطريق إلى المخالفة لسبيله، والهادي لهم إلى صراطه؛ ليجمعهم على الجادّة التي نَدب إليها عبادَه الذين بهم يُحمَى الدّين من الغواة والمخالفين؛ محتجّين على الأمم بكتاب الله الذي استعملهم به، ودعا الأمة بحقّ الله الذي اختارهم له؛ إن جاهدوا كانت حجة الله معهم، وإن حاربوا حكَم بالنصر لهم، وإن بغاهم عدوّ كانت كفاية الله حائلةً دونهم ومعقلًا لهم، وإن كادهم كائد فاللهُ من وراء عونهم، نَصَبهم الله لإعزاز دينه؛ فمن عاداهم فإنما عادى الدّين الذي أعزّه وحرسه بهم، ومن ناوأهم فإنما طعن على الحقّ الذي يكلؤه بحراستهم جيوشهم بالنّصر والعزّ منصورة، وكتائبهم بسلطان الله من عدوّهم محفوظة، وأيديهم عن دين الله دافعة، وأشياعهم بتناصرهم في الحقّ عالية، وأحزاب أعدائهم ببغيهم مقموعة، وحجتهم عند الله وعند خلْقه داحضة، ووسائلهم إلى النصر مردودة، تجمعهم مواطن التحاكم، وأحكام الله بخذلانهم واقعة، وأقداره بإسلامهم إلى أوليائه جارية، وعاداتهم في الأمم السالفة والقرون الخالية ماضية؛ ليكون أهلُ الحق على ثقة من إنجاز سابق الوعد، وأعداؤه محجُوبون بما قدّم إليهم من الإنذار، معجّلة لهم نقمة الله بأيدي أوليائه، معَدٌّ لهم العذاب عند ربهم، والخزي موصول بنواصيهم في دنياهم، وعذاب الآخرة من ورائهم وما الله بظلام للعبيد.
وصلى الله على نبيه المصطفى، ورسوله المرتَضى، والمنقذ من الضّلالة إلى الهدَى، صلاة تامّة نامية بركاتها، دائمة اتصالها، وسلم تسليمًا.
стр. 5699
والحمد لله تواضعًا لعظمته، والحمد لله إقرارًا بربوبيته، والحمد لله اعترافًا بقصور أقصى منازل الشكر عن أدنى منزلة من منازل كرامته، والحمد لله الهادي إلى حَمْدِه والموجب به مزيده، والمحصي به عوائد إحسانه، حمدًا يرضاه ويتقبّله، ويوجب طوْله وإفضاله، والحمدُ لله الذي حكم بالخذلان على مَنْ بَغى على أهل دينه، وسبق وعده بالنصر لمن بُغي عليه من أنصار حقه.
وأنزل بذلك كتابَه العزيز، موعظةً للباغين؛ فإن أقلعوا كانت التذْكِرة نافعة لهم، والحجة عند الله لمن قام بها فيهم، ثم أوجب بعد التذكرة والإصرار جهادهم، فقال فيما قدَّم من وَعْده، وأبان من برهانه: ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾، وعدَّا مَن الله حقًّا نهى به أعداءه عن معصيته، وثبَّت به أولياءه على سبيله؛ والله لا يخلف الميعاد.
ولله عند أمير المؤمنين - في رئيس دعوته، وسيف دولته، والمحامي عن سلطانه، ومحلّ ثقته، والمتقدّم في طاعته، ونصيحته لأوليائه، والذابِّ عن حقه، والقائم بمجاهدة أعدائه؛ محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين - نعمةٌ يُرغب إلى الله في إتمامها، والتوفيق لشكرها، والتطوّل بمن أراد المزيد فيها؛ فإن الله قدّر لآبائه القيام بالدّعوة الأولى لآباء أمير المؤمنين، ثم جمع له آثارهم بقيامه بالدّولة الثانية؛ حين حاول أعداء الله أن يطمِسُوا معالم دينه ويعفوها؛ فقام بحقّ الله وحق خليفته، محاميًا عنها، ومراميًا من ورائها، متناولًا للبعيد برأيه ونظره، مباشرًا للقريب بإشرافه وتفقُّده، باذلًا نفسه في كلّ ما قرّبه من الله، وأوجب له الزُّلْفة عنده، وسيمتّع الله أمير المؤمنين به وليًّا، مكانفًا على الحق، وناصرًا مؤازرًا على الخير، وظهيرًا مجاهدًا لعدوّ الدين.
وقد علمتم ما كان كتاب أمير المؤمنين تقدّم به إليكم فيما أحدثتْه الفرقة الضالة عن سبيل ربها، المفارقة لعصمة دينها، الكافرة لنعم الله ونعم خليفته عندها، المباينة لجماعة الأمة التي ألَّف الله بخلافته نظامَها، المحاولة لتشتيت الكلمة بعد اجتماعها، الناكثة لبيعته، الخالعة لرِبْقة الإسلام من أعناقها، الموالي الأتراكُ، وما صارت إليه من نصر الغلام المعروف بأبي عبد الله بن المتوكل لإقامتها عند مصير أمير المؤمنين إلى مدينة السلام، محلّ سلطانه،
стр. 5700
ومجتمع أنصاره وأبناء أنصار آبائه، وما قابل به أمير المؤمنين خيانَتهم وآثره من الأناة في أمرهم.
ثم إنّ هؤلاء الناكثين جمعوا جمعًا من الأتراك والمغاربة، ومن ولج في سوادهم، ودخل في غُمارهم، مؤاتيًا للفتنة من ألفاف الغيّ، ورأسوا عليهم المعروف بأبي أحمد بن المتوكل، ثم ساروا نحو مدينة السلام في الجانب الشرقيّ، معلنين للبغي والاقتدار، مظهرين للغي والإصرار؛ فتأنّاهم أمير المؤمنين، وفسَّح لهم في النَّظرة لهم، وأمر بالكتاب إليهم بما فيه تبصيرُهم الرشد، وتذكيرهم بما قدّموا من البيعة، وإفهامهم ما لله عليهم وله في ذلك من الحقّ، وأنّ خروجهم مما دخلوا فيه من بيعتهم طوعًا الخروجُ من دين الله والبراءة منه ومن رسوله، وتحريمهم أموالَهم ونساءهم عليهم؛ وأن في تمسكهم به سلامة أديانهم، وبقاء نعمتهم، والاحتراس من حُلول النقَم بهم، وأن يبين لهم ما سلف من بلائه عندهم؛ من أسْنى المواهب، وأرفع الرغائب، والاختصاص بسنيّ المراتب، والتقدّم في المحافل؛ فأبوْا إلَّا تماديًا ونفارًا، وتمسكًا بالغيّ وإصرارًا.
فقلّد أمير المؤمنين نصيحه المؤتمَن، ووليّه محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين تدبير أمورهم ودعائهم إلى الحقّ ما كانت الإنابة أو محاربتهم إن جنح بهم غيُّهم، وتتابعوا في ضلالهم، فلم يألهم نظرًا وإفهامًا، وتبيينًا وإرشادًا، وهم في ذلك رافعون أصواتهم بالتوعّد لأهل مدينة السلام؛ بسفك دمائهم وسَبْي نسائهم وتغنُّم أموالهم؛ وقبل ذلك ما كانوا في مسيرهم على السبيل التي يستعملها أهل الشرْك في غاراتهم، ويميلون إليها عند إمكان النّهزة لهم؛ لا يجتازون بعامر إلَّا أخربوه، ولا بحريم لمسلم ولا غيره إلَّا أباحوه، ولا بمسلم يعجز عنهم إلَّا قتلوه، ولا بماله لمسلم ولا ذميّ إلَّا أخذوه؛ حتى انتقل كثير ممن سبقت إليه أخبارهم ممن أمامهم عن أوطانهم، وفارقوا منازلهم ورباعهم، وفزعوا إلى باب أمير المؤمنين تحصّنًا من معرّتهم، لا يمرُّون بغنيّ إلَّا خلعوا عنه لباس الغنىٍ؛ ولا بمستور إلَّا هتكوا عن الذرية والنساء ستره، لا يرقبون في مؤمن إلًّا ولا ذمّة، ولا يتوقّفون عن مسلم بهتك ولا مُثْلة، ولا يرغبون عما حرم الله من دم ولا حرمة.
стр. 5701
ثم تلقّوا التذكرة بالحرب، وقابلوا الموعظة بالإصرار على الذنب، وعارضوا التبصير بالاستبصار في الباطل؛ فذلَفُوا نحو باب الشمّاسية، وقد رتب محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين بذلك الباب والأبواب التي سبيلها سبيله من أبواب مدينة السلام الجيوش في العُدّة الكاملة، والعدّة المتظاهرة؛ معاقلهم التوكّلُ على ربِّهم، وحصونهم الاعتصام بطاعته، وشعارهم التكبير والتهليل أمام عدوهم.
ومحمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين، يأمرُهم بتحصين ما يليهم والإمساك عن الحرب ما كانت مندوحة لهم؛ فبادأهم الأولياء بالموعظة، وبدأهم الغواة الناكثون بحروبهم، وعادوْهم أيامًا بجموعهم وعدادهم، مُدلّين بعدّتهم مقدّرين ألا غالب لهم؛ ولا يعلمون بالله أنّ قدرته فوق قدرتهم، وأن أقداره نافذة بخلاف إرادتهم، وأحكامه عادلة ماضية لأهل الحقّ عليهم؛ حتى إذا كان يوم السبت للنصف من صفَر وافوْا باب الشماسيّة بأجمعهم قد نشروا أعلامهم، وتنادوْا بشعارهم، وتحصّنوا بأسلحتهم، وبدا الأمر منهم لمن عاينهم، ليس لهم وعيد دون سفك الدماء، وسبْي النساء، واستباحة الأموال؛ فبدأهم الأولياء بالموعظة فلم يسمعوا، وقابلوهم بالتذكرة فلم يُصغوا إليها، وبدؤوا بالحرب منابذين لها، فتسرّع الأولياء عند ذلك إليهم، واستنصروا عليهم، واستحكمت بالله ثقتهم، ونفذت به بصائرهم؛ فلم تزل الحرب بينهم إلى وقت العصر من هذا اليوم؛ فقتل الله من حُماتهم وفرسانهم ورؤسائهم وقادة باطلهم جماعة كثيرًا عَددها، ونالت الجراحة المثخنة التي تأتي مَنْ نالته أكثر عامتهم.
فلما رأى أعداء الله وأعداء دينه أنْ قد أكذب ظنونَهم، وحال بينهم وبين أمانيهم، وجعل عواقبها حسرات عليهم؛ استنهضوا جيشًا من سامُرّا من الأتراك والمغاربة في العتَاد والعُدّة والجلَد والأسلحة في الجانب الغربيّ، طالبين المعرّة، ومؤمّلين أن ينالوا نيلًا من أهله باشتغال إخوانِهم في الجانب الشرقيّ بأعدائهم.
وقد كان محمد بن عبد الله مولى أمير المؤمنين شَحَن الجانبين جميعًا بالرّجال والعُدّة، ووكَّل بكلّ ناحية مَنْ يقوم بحفظها وحراستها، ويكفّ عن الرعية بوائقَ أعدائهم، ووكل بكل باب من الأبواب قائدًا في جَمْع كثيف، ورتَّب على السور
стр. 5702
مَنْ يراعيه في الليل والنهار وبث الرجال ليعرف أخبار أعداء الله في حركاتهم ونهوضهم ومقامهم وتصرّفهم، فيعامل كلَّ حال لهم بحال يفتّ الله في أعضادهم بها.
فلما كان يوم الأربعاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من صفر، وافى الجيش الذي أنهضوه من الجانب الغربي البابَ المعروف بباب قُطْربّل، فوقفوا بإزاء الناكثين المعسكرين بالجانب الشرقيّ من دجْلة في عدد لا يسعه إلَّا الفضاء ولا يحمله إلَّا المجال الفسيح، وقد تواعَدُوا أن يكون دنوّهم مِن الأبواب معًا لشغل الأولياء بحربهم من الجهات، فيضعفوا عنهم ويغلبوا حقَّهم بباطلهم؛ أملًا كاذبًا غير صادق كادهم الله فيه، وظنًا خائبًا لله فيه قضاء نافذ.
وأنهض محمد بن عبد الله نحوهم محمد بن أبي عون وبُندار بن موسى الطبريّ مولى أمير المؤمنين وعبد الله بن نصر بن حمزة من باب قطربُّل، وأمرهم بتقوى الله وطاعته، والاتباع لأمره والتصرّف مع كتابه، والتوقّف عن الحرب حتى تسبق التذكرة الأسماع، وتزول الحجة بالتتابع منهم والإصرار، فنفذوا في جمعٍ يقابل جمعهم، مستبصرين في حقّ الله عليهم، مسارعين إلى لقاء عدوّهم، محتسبين خطاهم ومسيرهم، واثقين بالثواب الآجل والجزاء العاجل. فتلقاهم ومَنْ معهم أعداء الله، قد أطلقوا نحوهم أعنَّتهم، وأشرعوا لِنُحورهم أسنَتهم، لا يشكون أنهم نُهزة المختلس، وغنيمة المنتهب؛ فنادوْهم بالموعظة نداء مسْمعًا، فمجّتها أسماعهم، وعميت عنها أبصارهم، وصدَقهم أولياءُ الله في لقائهم؛ بقلوب مستجمعة لهم، وعلم بأنّ الله لا يخلِف وعده فيهم؛ فجالت الخيل بهم جَوْلة، وعاودت كَرّة بعد كرّة عليهم، طعنًا بالرماح، وضربًا بالسيوف، ورَشقًا بالسهام؛ فلما مسّهم ألم جِراحها، وكلَمتْهم الحربُ بأنيابها، ودارت عليهم رحاها، وصمم عليهم أبناؤها ظمأ إلى دمائهم؛ ولَّوا أدبارَهم، ومنح الله أكتافهم، وأوقع بأسه بهم، فقتِلت منهم جماعة لم يحترسوا من عذاب الله بتوبة، ولم يتحصّنوا من عقابه بأمانة، ثم ثابت ثانية؛ فوقفوا بإزاء الأولياء، وعبَر إليهم أشياعُهم الغاوُون من عسكرهم بباب الشمّاسية ألف رجل من أنجادهم في السفن، معاونين لهم على ضلالتهم؛ فأنهض لهم محمد بن عبد الله خالد بن عمران والشاهَ بن ميكال مولى طاهر نحوهم، فنفذوا ببصيرةٍ لا يتخوّنها فتور،
стр. 5703
ونيّة لا يلحقها تقصير؛ ومعهما العباس بن قارن مولى أمير المؤمنين.
فلما وافى الشاه فيمَنْ معه أعداء الله، وكّل بالمواضع التي يتخوف منها مدخل الكُمناء، ثم حمل مَنْ توجّه معه من القواد المسمَّينِ ماضين لا يغويهم الوعيد، ولا يشكُّون من الله في النصر والتأييد، فوضعوا أسيافهم فيهم، تمضي أحكام الله عليهم؛ حتى ألحقوهم بالمعسكر الذي كانوا عسكروا فيه وجاوزوه، وسلبوهم كل ما كان من سلاح وكُراع وعتاد الحرب؛ فمن قتيل غُودرت جثّته بمصرعه، ونقلت هامته إلى مصيرٍ فيه معتبَو لغيره، ومن لاجئ من السيف إلى الغَرقَ لم يجرْه الله من حذاره، من أسير مصفود يُقاد إلى دار أولياء الله وحزبه، ومن هاربٍ بحشاشة نفسه، قد أسكن الله الخوف قلبه؛ فكانت النقمة بحمد الله واقعة بالفريقين ممن وافى الجانب الغربيّ قادمًا، ومن عبر إليهم من الجانب الشرقيّ مُنجدًا، لم ينْجُ منهم ناجٍ، ولم يعتصم منهم بالتوبة معتصم، ولا أقبل إلى الله مقبل؛ فرقًا أربعًا يجمعها النار، ويشملها عاجل النكال، عظةً ومعتبرًا لأولي الأبصار؛ فكانوا كما قال الله : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ﴾.
ولم تزل الحرب بين الأولياء وبين الفرقة التي كانت في الجانب الشرقيّ والقتل محتفل في أعلامهم، والجراح فاشية فيهم؛ حتى إذا عاينوا ما أنزل الله بأشياعهم من البَوار، وأحلَّ بهم من النقمة والاستئصال؛ ما لهم من الله من عاصم، ولا من أوليائه ملجأ ولا موئل؛ ولَّوْا منهزمين مفلولين منكوبين، قد أراهم الله العبَر في إخوانهم الغاوية، وطوائفهم المضلَّة؛ وضلّ ما كان في أنفسهم لما رأوْا من نصر الله لجنده، وإعزازه لأوليائه؛ والحمد لله ربّ العالمين قامع الغواة الناكبين عن دينه، والبغاة الناقضين لعهده، والمرّاق الخارجين من جملة أهل حقّه؛ حمدًا مبلغًا رضاه، وموجبًا أفضل مزيده؛ وصلى الله أولًا وآخرًا على محمد عبده ورسوله، الهادي إلى سبيله، والدّاعي إليه بإذنه، وسلم تسليمًا. وكتب سعيد بن حُميد يوم السبت لسبع خلون من صفر سنة إحدى وخمسين ومئتين.
وركب محمد بن عبد الله بن طاهر يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر إلى باب الشمّاسية، وأمر بهدم ما وراء سُور بغداد من الدور والحوانيت
стр. 5704
والبَساتين وقطعْ النَّخْل والشَّجر من باب الشمّاسية إلى ثلاثة أبواب؛ لتتسع الناحية على مَنْ يحارب فيها؛ وكان وُجّه من ناحية فارس والأهواز نيّفٌ وسبعون حمارًا بمال إلى بغداد، قدم به - فيما ذكر - منكجور بن قارن الأشروسنيّ القائد، فوجَّه الأتراك وأبو أحمد بن بابك إلى طرارستان في ثلثمئة فارس وراجل؛ ليتلفى ذلك المال إذا صار إليها. فوجّه محمد بن عبد الله قائدًا له يقال له: يحيى بن حفص، يحمل ذلك المال، فعدَل به عن طرارستان، خوفًا من ابن بابك؛ فلما علم ابن بابك أن المال قد فاته صار بمن معه إلى النهروان، فأوقع من كان معه من الجند بأهلها، وأخرج أكثرهم، وأحرق سفن الجسر، وهي أكثر من عشرين سفينة، وانصرف إلى سامُرّا.
وقدم محمد بن خالد بن يزيد - وكان المستعين قلده الثغور الجزريّة، وكان مقيمًا بمدينة بلد ينتظر من يصير إليه من الجند والمال - فلما كان من اضطراب أمر الأتراك ودخول المستعين بغداد ما كان، لم يمكنه المصير إلى بغداد إلَّا من طريق الرّقة، فصار إليها بمَن معه من خاصّته وأصحابه؛ وهم زهاء أربعمئة فارس وراجل، ثم انحدر منها إلى مدينة السلام، فدخلها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من صفر، فصار إلى دار محمد بن عبد الله بن طاهر؛ فخلع عليه خمس خلع: دَبيقي، ومُلْحم، وخزّ، ووشْي، وسواد، ثم وجهه في جيش كثيف لمحاربة أيوب بن أحمد؛ فأخذ على ظهر الفرات فحاربه في نفر يسير، فهُزم وصار إلى ضَيْعته بالسواد.
فذكر عن سعيد بن حميد أنه قال: لمّا انتهى خبر هزيمة محمد بن عبد الله، قال: ليس يُفلح أحدٌ من العرب إلَّا أن يكون معه نبيّ ينصره الله به.
وفي هذا اليوم كانت للأتراك وقعة بباب الشمّاسية، كانوا صاروا إلى الباب، فقاتلوا عليه قتالًا شديدًا حتى كشفوا مَنْ عليه، ورموا المنجنيق المنصوب بسرّة الباب بالنّفط والنار، فلم يعمل فيه نارهم، وكثرَهم من على الباب من الجند حتى أزالوهم عن موقفهم، ودفعوهم عن الباب بعد قتلهم عدّة يسيرة من أهل بغداد، وجرحهم منهم جماعةً كثيرة بالسِّهام. فوجّه محمد بن عبد الله إليهم عند ذلك العرّادات التي كانت تحمل في السفن والزّواريق، فرموْهم بها رميًا شديدًا، فقتلوا منهم جماعة كثير نحوًا من مئة إنسان، فتنحَّوْا عن الباب؛ وكان بعض
стр. 5705
المغاربة صار في هذا اليوم إلى سور باب الشمّاسية؛ فرمى كُلّابًا إلى السور، وتعلّق به وصعد، فأخذه الموكلُون بالسور فقتلوه، ورَموْا برأسه في المنجنيق إلى عسكر الأتراك؛ وانصرفوا عند ذلك إلى معسكرهم.
وذكر أنّ بعض الموكلين بسُور باب الشمّاسية من الأبناء هاله ما رأى من كثرة مَنْ ورد باب الشمّاسية في هذا اليوم من الأتراك والمغاربة؛ وكانوا قَربُوا من الباب بأعلامهم وطبولهم، ووضع بعض المغاربة كلّابًا على السور؛ فأراد بعض الموكّلين بالسور أن يصيح: يا مستعين، يا منصور، فغلط، فصاح: يا معتز، يا منصور؛ فظنّه بعض الموكلين بالباب من المغاربة، فقتلوه وبعثوا برأسه إلى دار محمد بن عبد الله؛ فأمر بنصبه، فجاءت أمه وأخوه في عشية هذا اليوم بجُثّته في محمل يصيحان ويطلبان رأسه، فلم يُدفع إليهما؛ ولم يزل منصوبًا على الجسر إلى أن أنزل مع ما أنزل من الرؤوس.
ووافى ليلة الجمعة لسبع بقين من صَفَر جماعة من الأتراك باب البَرَدان؛ وكان الموكّل به محمد بن رجاء؛ وذلك قبل شخوصه إلى ناحية واسط، فقتل منهم ستة نفر، وأسر أربعة، وكان الدّرغمان شجاعًا بطلًا، وصار في بعض الأيام مع الأتراك إلى باب الشماسيّة، فرمي بحجر منْجنيق، فأصاب صدره؛ فانصُرف به إلى سامُرَّا، فمات بين بُصرى وعُكْبراء؛ فحمل إلى سامرّا؛ فذكر يحيى بن العكيّ القائد المغربيّ أنه كان إلى جنب الدّرْغمان في يوم من أيامهم؛ إذ وافاه ناوكيّ، فأصاب عينه، ثم أصابه بعد ذلك حَجَر فأطار رأسه، فحمل مَيتًا.
وذُكر عن عليّ بن حسن الرامي، أنه قال: كنّا قد جمعنا على السور على باب الشمّاسية من الرّماة جماعة، وكان مغربيّ يجيء حتى يقرب من الباب، ثم يكشف استه ثم يضرط ويصيح؛ قال: فانتخبت له سهمًا فأنفذته في دُبره حتى خرج من حلقه، وسقط مَيتًا. وخرج من الباب جماعة فنصبوه كالمصلوب، وجاءت المغاربة بعد ذلك، فاحتملوه.
وذكر أنّ الغوغاء اجتمعوا بسامُرّا بعد هزيمة الأتراك يوم قُطْربّل، ورأوا ضعف أمر المعتزّ، فانتهبوا سوق أصحاب الحُلي والسيوف والصيارفة، وأخذوا جميعَ ما وجدوا فيها من متاع وغيره، فاجتمع التجار إلى إبراهيم المؤيد أخي المعتزّ، فشكوا ذلك إليه، وأعلموه أنهم قد كانوا ضمنوا لهم أموالهم وحفظها عليهم.
стр. 5706
قال: فقال لهم: كان ينبغي لكم أن تحوّلوا متاعكم إلى منازلكم؛ وكبُر عنده ذلك.
وقدم بحونة بن قيس بن أبي السعديّ يوم السبت لثمان بقين من صفر بمن فَرض من الأعراب وهم ستمئة راجل ومئتا فارس. وقدم في هذا اليوم عشرة نفر من وجوه أهل طَرَسوس يشكون بلكاجور، ويزعمون أن بيعة المعتزّ وردت عليه، فخرج بعد ساعتين من وصول الكتاب، ودعا إلى بيعة المعتزّ، وأخذ القوّادَ وأهل الثغر بذلك فبايع أكثرهم، وامتنع بعض، فأقبل على مَن امتنع بالضرب والقيد والحبس. وذكر أنهم امتنعوا وهربوا لمّا أخذهم بالبيعة كرهًا، فقال وصيف: ما أظن الرّجل إلَّا [اغترّ ومُوِّه عليه] وأن الوارد عليه بكتاب المعتزّ هو الليث بن بابَك، وذكر له أنّ المستعين مات، وأقاموا المعتزّ مكانه؛ فتكلّم هؤلاء النفر يشكون بلكاجور، ونسبوه إلى أنه فعل ذلك على عمد، ورفعوا عليه أنه كان يرَى في بني الواثق، وقد ورد كتاب بلكاجور يوم الأربعاء لأربع بقين من صفر مع رجل يقال له عليّ الحسين المعروف بابن الصّعلوك؛ يذكر فيه أنه ورد عليه كتاب من أبي عبد الله بن المتوكل، أنه قد وليَ الخلافة، وبايع له. فلما ورد عليه كتاب المستعين بصحة الأمر، جدّد أخذ البيعة على مَنْ قِبَله، وأنه على السمع والطاعة له. فأمر للرسول بألف درهم فقبضها، وقد كان أمر بالكتاب إلى محمد بن عليّ الأرمني المعروف بأبي نصر بولايته على الثغور الشامية، فلما ورد كتاب بلكاجور بالطاعة أمسك عن إنفاذ كتاب محمد بن عليّ الأرمنيّ بالولاية.
وفي يوم الإثنين لست بقين من صفر من هذه السنة قدم إسماعيل بن فراشة من ناحية همذَان في نحو ثلثمئة فارس، وكان جنده ألفًا وخمسمئة فتقدّم بعضُهم وتأخر بعض، وتفرّقوا، وقدم معه برسول للمعتزّ، كان وُجّه إليه لأخذ البيعة، فقيّد الرسول وصار به إلى مدينة السلام على بغل بلا إكاف، فخلع على إسماعيل خمس خلع. وورد برجل ذكر أنه علويّ أخذ بناحية الريّ وطبرستان، متوجهًا إلى مَنْ هناك من العلوية؛ وكان معه دوابّ وغلمان؛ فأمر به فحبِس في دار العامة أشهرًا، ثم أخذ منه كفيل وأطلِق.
وقرئ في هذا اليوم كتاب موسى بن بغا يذكر فيه أنه ورد كتاب المعتزّ، وأنه دعا أصحابه، وأخبرهم بما حدَث، وأمرهم بالانصراف معه إلى مدينة السلام؛ فامتنعوا، وأجابه الشاكريّة والأبناء، واعتزله الأتراك ومَنْ كانَفهم، وحاربوه
стр. 5707
فقتل منهم جماعة وأسَر أسرى؛ فهم قادمون معه. فكبَّروا في دار ابن طاهر عند قراءتهم كتابه.
ولخمس بقين من صَفَر دخل من البصرة عشر سفائن بحرّية؛ تسمّى البوارج، في كل سفينة اشْتيام وثلاثة نفّاطين ونجّار وخباز وتسعة وثلاثون رجلًا من الجذّافين والمقاتلة؛ فذلك في كلّ سفينة خمسة وأربعون رجلًا. فمدّت إلى الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، ولعب أصحابها بالنيران، ثمَّ مدّت إلى ناحية الشماسيّة في هذه الليلة، فَرُمِي مَنْ فيها من الأتراك بالنيران، فعزموا على الانتقال من معسكرهم برقّة الشماسية إلى بُستان أبي جعفر بالحير، ثم بدا لهم فارتفعوا فوق عسكرهم في موضع لا ينالهم شيء من النار.
ولليلة بقيت من صَفَر صار الأتراك والمغاربة إلى أبواب مدينة السلام من الجانب الشرقيّ، فأغلقت الأبواب في وجوههم، ورموا بالسهام والمنجنيقات والعرّادات، فقتل من الفريقين وجُرح جماعة كثيرة، فلم يزالوا كذلك إلى العصر.
وفي هذه السنة كرّ سمليمان بن عبد الله راجعًا من جُرجان إلى طبرستان وشخص من آمُل، وخرج بجمع كثير وخيل وسلاح، فتنحّى الحسن بن زيد، ولحق بالدّيلم، فكتب إلى السلطان ابن أخيه محمد بن طاهر بدخوله طبرستان، فقرئ كتابه ببغداد، وكتب نسخة ذلك المستعين إلى بغا الصغير مولى أمير المؤمنين بفتح طبَرستان على يدي محمد بن طاهر وهزيمة الحسن بن زيد؛ وأن سليمان بن عبد الله دخل سارية على حالٍ من السلامة، وأنه ورد عليه ابنان لقارن بن شهريار مولى أمير المؤمنين، يقال لهما: مازيار ورستم، في خمسمئة رجل، إلى ما ذكر من غير ذلك في الفتح، وأنّ أهل آمُل أتوْه منيبين مظهرين إنابتَهم، مستقيلين عثراتهم؛ فلقيهم بما زاد في سكونهم وثقتهم، ونهض بعسكره على تعبيته، مستقرئًا للقرى والطرق، وتقدم بالنهي عن القتل، وترك العَرْض لأحدٍ في سلب وغيره، وتوعّد من جاوز ذلك؛ وأن كتاب أسد بن جندان وافاه بهزيمة عليّ بن عبد الله الطالبيّ المسمى بالمرعشيّ فيمن كان معه، وهم أكثر من ألفَيْ رجُل ورجلين من رؤساء الجبل، في جمع عظيم عند تأدّي الخبر إليهم بانهزام الحسن بن زيد ودخوله بالأولياء إلى تلك الناحية، وأنه دخل مدينة آمُل
стр. 5708
في أحسن هيئة، وأظهر عزّة وسلامة شاملة، وانقطعت عنه أسباب الفتنة.
ولخمس بقين من المحرم من هذه السنة ورد كتاب العلاء بن أحمد عامل بغا الشرابيّ على الخراج والضِّياع بإرمينيَة، بما كان من خروج رجلين بتلك الناحية؛ سمَّاهما وذكر إيقاعه بهما، وأنهما التجأا إلى قلعة، فوضع عليها المجانيق حتى جهدها، وأنّهما خرجا من القلعة هاربيْن، وخفي أمرُهما وصارت القلعة في أيدي الأولياء.
* * *
وفيها أيضًا ورد كتاب مؤرّخ لإحدى عشرة ليلة بقيَت من المحرّم بانتقاض أهل أردبيل، وكتاب الطالبيّ إليهم، وأنه بعث أربعة عساكر على أربعة أبواب مدينتهم ليحاصرهم.
* * *
وفيها ورد كتاب مخبر عن الحرب التي كانت بين عيسى بن الشيخ والموفّق الخارجيّ وأسْر عيسى الموفّق، ومسألة عيسى المستعين توجيه ما يحتاج إليه من السلاح؛ ليكون عدّة له في البلد، يقوى به الجند على الغزو، وأن يكتب إلى صاحب الصّور في توجيه أربع مراكب إليه بجميع آلتها؛ تكون قبلَه مع ما قبله منها.
* * *
وفيها أيضًا ورد كتاب محمد بن طاهر بخبر الطالبيّ الذي ظهر بالريّ ونواحيها، وما أعدّ له من العساكر، ووجّه إليه من المقاتلة، وبهرب الحسن بن زيد عند مصيره إلى المحمَّدية وإحاطة عسكره بها، وأنه عند دخوله المحمّدية وكّل بالمسالك والطرق، وبثّ أصحابه، وأنّ الله أظفره بمحمد بن جعفر أسيرًا على غير عَقْد ولا عهد، والذي صار إلى الريّ من العلوية في المرة الثانية بعدما أسِر محمد بن جعفر أحمدُ بن عيسى بن عليّ بن حسين الصغير بن علي بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن حسن بن عليّ بن أبي طالب، وهو الذي خرج في مصعد الحاجّ، والذي بطبَرستان الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن
стр. 5709
الحسن بن عليّ بن أبي طالب رحمة الله عليه ورضوانه (١).
* * *
وفيها أيضًا ورد كتابٌ من محمد بن طاهر على المستعين، يذكر فيه انهزام الحسن بن زيد منه، وأنه لقيه في زُهاء ثلاثين ألفًا، فجرت فيما بينه وبينه حرب، وأنه قتَل من رؤوس أصحابه ثلثمئة ونيّفًا وأربعين رجلًا، وأمر المستعين أن يقرأ نسخة كتابه في الآفاق.
وفيها خرج يوسف بن إسماعيل العلويّ ابن أخت موسى بن عبد الله الحسينيّ.
وفي شهر ربيع الأول منها أمر محمد بن عبد الله أن يُتخذ لعيّارى أهل بغداد كافركوبات، وأن يصيّر فيها مسامير الحديد، ويجعل ذلك في دار المظفر بن سيسل؛ لأنهم كانوا يحضرون القتال بغير سلاح، وكانوا يرمون بالآجُرّ، ثم أمر مناديًا، فنادى: مَنْ أراد السلاح فليحضر دار المظفّر، فوافاها العيارون من كلّ جانب، فقسم ذلك فيهم، وأثبت أسماءهم، ورأس العيّارون عليهم رجلًا يدعى ينتويه؛ ويكنى أبا جعفر وعدّة أخَر؛ يدعى أحدهم دُونل، والآخر دمحال، والآخر أبا نملة، والآخر أبا عصارة، فلم يثبت منهم إلَّا ينتويه؛ فإنه لم يزل رئيسًا على عيّارى الجانب الغربيّ؛ حتى انقضى أمر هذه الفتنة، ولما أعطِيَ العيّارون الكافر كوبات تفرّقوا على أبواب بغداد، فقتلوا من الأتراك ومن أتباعهم نحوًا من خمسين نفسًا في ذلك اليوم، وقتل منهم عشرة أنفس وجُرح منهم خمسمئة بالنّشاب، وأخذوا من الأتراك عَلمَيْن وسُلَّميَن.
وفيها كانت لبحونة بن قيس وقعة مع جماعة من الأتراك بناحية بَزُوغَى، لقيهم هو ومحمد بن أبي عون وغيرهما، فأسروا منهم سبعة، وقتلوا ثلاثة، ورمى بعضهم بنفسه في الماء، مغرق بعضُهم ونجا بعضهم.
وذُكر عن أحمد بن صالح بن شيرزاد: أنه سأل رجلًا من الأسرى عن عدّة
стр. 5710
القوم الذين لقيهم بحونة، قال: كنا أربعين رجلًا، فلقينا بحونة وأصحابه، سحَرًا، فقتِل منا ثلاثة، وغرق ثلاثة، وأسر ثمانية، وأفلت الباقون، وأخذِ ثماني عشرة دابة وجواشن وراية لعامل أوانا؛ وهو أخو هارون بن شعيب.
وكانت الوقعة بأوانا يوم الأربعاء، وأقام جند بحونة وعبد الله بن نصر بن حمزة بقُطرُبُّل مسلحة.
وخرج - فيما ذكر - ينتويه وأصحابه من العيّارين في بعض هذه الأيام من باب قُطْربّل، فمضوا يشتمون الأتراك حتى جازوا قُطْربّل، فعبَر مَن عَبر إليهم من الأتراك ناشبة في الزواريق، فقتلوا منهم رجلًا، وجرحوا منهم عشرة؛ وكاثرهم العيّارون بالحجارة فأثخنوهم، فرجعوا إلى معسكرهم، فأحضر ينتويه دار ابن طاهر؛ فأمر ألَّا يخرج إلَّا في يوم قتال، وسُوّر، وأمر له بخمسمئة درهم.
ولأربع عشرة خلتْ من ربيع الأوّل منها، قدم من ناحية الرّقة مزاحم بن خاقان، وأمر القوَّاد وبني هاشم وأصحاب الدواوين بتلقِّيه؛ وقدم معه مَنْ كان معه من أصحابه من الخراسانية والأتراك والمغاربة، وكانوا زهاء ألف رجل؛ معه عتاد الحرب من كل صنْف، ودخل بغداد، ووصيف عن يمينه وبغا عن شماله، وعبيد الله بن عبد الله بن طاهر عن يسار بغا، وإبراهيم بن إسحاق خَلْفهم؛ وهو بوقارٍ ظاهر؛ فلمَّا وصل خلع عليه سبع خلع، وقُلّد سيفًا، وخلع على ابنيه على كلّ واحد منهما خمس خلع، ثم أمر أن يفرَض له ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجّالة، ووجّه المعتزّ موسى بن أشناس ومعه حاتم بن داود بن بنحور في ثلاثة آلاف رجل من الفرسان والرّجالة فعسكر بإزاء عسكر أبي أحمد من الجانب الغربيّ بباب قُطْربّل لليلةٍ خلت من ربيع الأول، وخرج رجل من العيّارين يعرف بديكويه على حمار وخليفته على حمار، ومعهم تِرسَة وسلاح؛ وخرج آخر في الجانب الشرقي يكنى أبا جعفر ويعرف بالمخرّميّ في خمسمئة رجل في سلاح ظاهر، معهم التِّرسة وبواري مُقيَّرة وسيوف وسكاكين في مناطقهم، ومعهم كافر كوبات، وقرب العسكر الوارد من سامرّا إلى الجانب الغربيّ من بغداد، فركب محمد بن عبد الله ومعه أربعة عشر قائدًا من قوّاده في عُدّة كاملة، وخرج من المبيّضة والنظارة خلق كثير، فسار حتى حاذى عسكر أبي أحمد؛ وكانت بينهم في الماء جَوْلة قتِل من عسكر أبي أحمد أكثر من خمسين رجلًا، ومضى المبيّضة