لك، إنه كان شرهًا، ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم، قال: ومنْ شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنَّا نصيبه؛ فكان فيه عقدان، فوقعا في يد يحيى، فأخفى عني أعظمهما خطرًا، وعرض عليّ أخسهما، واستوهبنيه فوهبته له، فرُفع لي العقد الذي أخفاه، فدعوته فقلت: أحضرْني العقد الذي أخفيتَه، فأتاني بالعقد الذي وهبتُه له، وجحد أن يكون أخذ غيره، فرُفِع لي العقد، فجعلت أصفه وأنا أراه، فبُهت، وذهب فأتاني به، واستوهبنيه فوهبتُه له، وأمرته بالاستغفار.
وذكر عن محمد بن الحسن: أن محمد بن سمعان حدّثه: أنّ قائد الزنج قال لي في بعض أيامه: لقد عُرِضَتْ عليّ النبوّة فأبيتُها، فقلتُ: ولمَ ذاك؟ قال: لأنّ لها أعباء خِفت ألا أطيق حملها!
* * *
[ذكر خبر انحياز أبي أحمد بن المتوكل إلى واسط]
وفي هذه السنة انحاز أبو أحمد بن المتوكل من الموضع الذي كان به من قرب من قائد الزّنج إلى واسط (١).
* ذكر الخبر عن سبب انحيازه ذلك إليها:
ذُكر: أنّ السبب في ذلك كان أنّ أبا أحمد لمّا صار إلى نهر أبي الأسد، فأقام به؛ كثر العلل فيمن معه من جنده وغيرهم، وفشا فيهم الموت، فلم يزل مقيمًا هنالك حتى أبلّ مَنْ نجا منهم من الموت من عِلّته، ثم انصرف راجعًا إلى باذاوَرْد، فعسكر به، وأمر بتجديد الآلات وإعطاء مَنْ معه من الجند أرزاقَهم وإصلاح الشذوات والسميريات والمعابر، وشحنها بالقوّاد مِنْ مواليه وغلمانه، ونهض نحو عسكر الخبيث، وأمر جماعة من قُوّاده بقصد مواضع سمّاها لهم من نهر أبي الخصيب وغيره، وأمر جماعة منهم بلزومه والمحاربة معه في الموضع الذي يكون فيه، فمال أكثر القوم حين وقعت الحرب، والتقى الفريقان إلى نهر أبي الخصيب، وبقي أبو أحمد في قلّة من أصحابه، فلم يَزُلْ عن موضعه إشفاقًا
стр. 5882
من أن يطمع فيه الزَّنْج وفيمن بإزائهم من أصحابه وهم بسبخة نهر منكى، وتأمل الزّنج تفرق أصحاب أبي أحمد عنه، وعرفوا موضعه، فكثروا عليه، واستعَرَت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين وأحرق أصحاب أبي أحمد قصورًا ومنازل من منازل الزَّنْج، واستنقذوا من النساء جمعًا كثيرًا، وصرف الزَّنج جمعهم إلى الموضع الذي كان فيه أبو أحمد فظهر الموفّق على الشَّذَا، وتوسَّط الحرب محرّضًا أصحابه حتى أتاه مِنْ جمع الزَّنْج ما عَلِمَ أنه لا يقاومَ بمثل العدّة اليسيرة التي كان فيها، فرأى أنّ الحزم في محاجزتهم، فأمر أصحابه عند ذلك بالرجوع إلى سفنهم على تُؤدَة ومَهَل، فصار أبو أحمد إلى الشَّذَا التي كان فيها بعد أن استقرّ أكثرُ الناس في سفنهم، وبقيت طائفة من الناس، ولجؤوا إلى تلك الأدغال والمضايق، فانقطعوا عن أصحابهم، فخرج عليهم كُمناء الزَّنج، فاقتطعوهم ووقعوا بهم، فحامَوْا عن أنفسهم، وقاتلوا قتالًا شديدًا، وقتلوا عددًا كثيرًا من الزَّنْج، وأدركتهم المنايا فقتلوا وحَمَلوا إلى قائد الزنج مئة رأس وعشرة أرؤس، فزاد ذلك في عتوّه، ثم انصرف أبو أحمد إلى الباذاوَرْد في الجيش، وأقام يعبي أصحابه للرجوع إلى الزَّنج، فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره؛ وذلك في أيام عصوف الريح، فاحترق العسكر، ورحل أبو أحمد منصرفًا، وذلك في شعبان من هذه السنة إلى واسط، فلمَّا صار إلى واسط تفرّق عنه عامة من كان معه من أصحابه.
* * *
ولعشر خلون من شعبان كانت هدَّة صعبة هائلة بالصَّيْمَرَة، ثم سُمع من غد ذلك اليوم - وذلك يوم أحد - هدّة هي أعظم من التي كانت في اليوم الأول، فتهدّم من ذلك أكثر المدينة، وتساقطت الحيطان وهلك من أهلها - فيما قيل - زهاء عشرين ألفًا.
وضرب بباب العامة بسامرّا رجل يعرف بابي فَقْعَس، قامت عليه البيّنة - فيما قيل - بشتم السلف ألف سوط وعشرين سوطًا، فمات وذلك يوم الخميس لسبع خلوْن من شهر رمضان (١).
стр. 5883
مات يارْجُوخ يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان، فصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وحضر جعفر بن المعتمد.
وفيها كانت وقْعَة بين موسى بن بُغا وأصحاب الحسن بن زيد، فهزم موسى أصحابَ الحسن.
وفيها انصرف مسرور البلخيّ عن مساور الشاري إلى سامُرّا، ومعه أسراء من الشُراة، واستخلف على عسكره بالحديثة جعلانَ، ثم شخص أيضًا مسرور البلخيّ إلى ناحية البوازيج، فلقيَ مساورًا بها، فكانت بينهما وقعة بها أسر مسرور من أصحابه جماعة، ثم انصرف لليال بقيت من ذي الحجة (١).
وفي هذ السنة حدث في الناس ببغداد داء كان أهلها يسمُّونه القُفّاع.
وفيها رجع أكثر الحاجّ من القَرْعاءِ خوفَ العطش، وسلم مَنْ سار منهم إلى مكة.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن (٢).
* * *
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك منصرف أبي أحمد بن المتوكل من واسط، وقدومه سامُرّا يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الأول، واستخلافه على واسط وحرب الخبيث بتلك الناحية محمدًا المولَّد (٣).
* * *
стр. 5884
[ذكر خبر عن مقتل كنجور]
ومن ذلك مقتل كَنْجور (١).
* ذكر الخبر عن سبب مقتله:
وكان سبب ذلك أنه كان واليَ الكوفة، فانصرف عنها يريد سامُرّا بغير إذن، فأمِر بالرجوع فأبى، فحمِل إليه - فيما ذكر - مالٌ ليفرّق في أصحابه أرزاقهم منه، فلم يقنع ذلك، ومضى حتى ورد عُكبَرَاء في ربيع الأول، فتوجّه إليه من سامُرّا عدّة من القواد، فيهم: ساتكين وتكين وعبد الرحمن بن مفلح وموسى بن أتامش وغيره؛ فذبحوه ذبحًا، وحُمِل رأسه إلى سامُرّا، لليلة بقيت من شهر ربيع الأول، وأصيب معه نيّف وأربعون ألف دينار، وألزِم كاتب له نصرانيّ مالًا، ثم ضرِب هذا الكاتب في شهر ربيع الآخر بباب العامة ألف سوط، فمات.
* * *
وفيها غلب شركب الجمّال على مرْو وناحيتها، وأنهبها (٢).
وفيها انصرف يعقوب بن الليث عن بلخ، فأقام بقُهِستانَ، وولَّى عماله هَرَاة وبُوشَنج وباذَغِيش، وانصرف إلى سِجستان.
وفيها فارق عبد الله السِّجزيّ يعقوب بن الليث مخالفًا له، وحاصر نيسابور، فوجّه محمد بن طاهر إليه الرّسل والفقهاء، فاختلفوا بينهما، ثمّ ولاه الطَّبَسَين وقُهستان.
* * *
[ذكر خبر دخول المهلبيّ ويحيى بن خلف سوق الأهواز] (٣)
ولست خلوْن من رجب منها، دخل المهلبيّ ويحيى بن خلف النّهْرَبَطَيّ سوق
стр. 5885
الأهواز، فقتلوا بها خَلْقًا كثيرًا وقتلوا صاحب المعونة بها.
* ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وكيف كان هلاك صاحب الحرب من قبل السلطان فيها:
ذُكر: أنّ قائد الزنج خفيَ عليه أمرُ الحريق الذي كان في عسكر أبي أحمد بالباذَاورْد، فلم يُعلم خبرُه إلا بعد ثلاثة أيام، ورد به عليه رجلان من أهل عبّادان، فأخبراه فعاد للعيْث، وانقطعت عنه المِيرة، فأنهض عليّ بن أبان المهلبيّ، وضمّ إليه أكثر الجيْش، وسار معه سُليمان بن جامع، وقد ضمّ إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحرانيّ وسليمان بن موسى الشعرانيّ، وقد ضُمّت إليه الخيل وسائر الناس مع عليّ بن أبان المهلبيّ والمتولي للأهواز يومئذ رجلٌ يقال له أصغجون، ومعه نيزَك في جماعة من القوّاد، فسار إليهم عليّ بن أبان في جمعه من الزنج، ونذِر به أصغجون، فنهض نحوه في أصحابه، فالتقى العسكران بصحراء تُعرف بَدسْتمَاران، فكانث الدّبرة يومئذ على أصغجون، فقُتِل نَيْزك في جمع كثير من أصحابه، وغرق أصغجون، وأسر الحسن بن هرثمة المعروف بالشار يومئذ، والحسن بن جعفر المعروف براوشار.
قال محمّد بن الحسن: فحدّثني الحسن بن الشار، قال: خرجنا يومئذ مع أصغجون للقاء الزّنج؛ فلم يثبت أصحابنا، وانهزموا، وقُتِل نيزك، وفقد أصغجون فلمّا رأيت ذلك نزلت عن فرس محذوف كان تحتي، وقدّرتُ أن أتناول بذنَب جنَيبة كانت معي، وأقحمها النهر، فأنجو بها، فسبقني إلى ذلك غلامي، فنجا وتركني، فأتيت موسى بن جعفر لأتخلّص معه، فركب سفينة، ومضى فيها، ولم يُقِمْ عليّ، وبصرت بزورق فأتيته فركبته، فكثر الناس عليّ وجعلوا يطلبون الركوب معي فيتعلّقون بالزّورق حتى غرقوه، فانقلب، وعلوتُ ظهره، وذهب الناس عني، وأدركني الزَّنْج، فجعلوا يرمونني بالنُّشاب، فلما خفت التّلف قلت: أمسكوا عن رمحي، وألقوا إليّ شيئًا أتعلّق به، وأصِير إليكم، فمدّوا إليّ رمحًا، فتناولتُه بيديّ وصرت إليهم.
وأما الحسن بن جعفر، فإن أخاه حمله على فرس، وأعدّه ليسفر بينه وبين أمير الجيش، فلما وقعت الهزيمة بادر في طلب النجاة، فعثر به فرسُه فأخِذ.
стр. 5886
فكتب عليّ بن أبان إلى الخبيث بأمر الوقعة، وحمل إليه رؤوسًا وأعلامًا كثيرة، ووجّه الحسن بن الشار والحسن بن جعفر وأحمد بن روح، فأمر بالأسرى إلى السجن، ودخل عليّ بن أبان الأهواز، فأقام يعيث بها إلى أن ندب السلطان موسى بن بُغا لحرب الخبيث.
* * *
[شخوص موسى بن بغا لحرب صاحب الزنج] (١)
وفيها شخص موسى بن بُغا عن سامرّا لحربه، وذلك لثلاث عشر بقيت من ذي القعدة، وشيّعه المعتمد إلى خلف الحائطيْن، وخلع عليه هناك.
وفيها وافى عبد الرحمن بن مفلح الأهواز وإسحاق بن كُنْدَاج البصرة وإبراهيم بن سيما باذاورد لحرب قائد الزنج من قبل موسى بن بغا.
* ذكر الخبر عما كان من أمر هؤلاء في النواحي التي ضمت إليهم مع أصحاب قائد الزّنج في هذه السنة:
ذكر أن ابن مُفلِح لما وافى الأهواز، أقام بقنطرة أربُك عشرة أيام، ثم مضى إلى المهلبيّ، فواقعه، فهزمه المهلبيّ، وانصرف، واستعدّ ثم عاد لمحاربته، فأوقع به وقعة غليظة، وقتل من الزّنْج قتلًا ذريعًا، وأسر أسرى كثيرة، وانهزم عليّ بن أبان، وأفلت ومن معه من الزّنج، حتى وافوا بيَانًا، فأراد الخبيث ردّهم، فلم يرجعوا للذّعر الذي خالط قلوبَهم، فلمّا رأى ذلك أذِن لهم في دخول عسكره، فدخلوا جميعًا، فأقاموا بمدينته، ووافى عبد الرحمن حصن المهديّ ليعسكر به، فوجّه إليه الخبيث عليّ بن أبان، فواقعه فلم يقدر عليه، ومضى عليّ يريد الموضع المعروف بالدّكر، وإبراهيم بن سيما يومئذ بالباذاوَرْد، فواقعه إبراهيم، فهُزم عليّ بن أبان، وعاوده فهزمه أيضًا إبراهيم، فمضى في الليل، وأخذ معه أدلّاء؛ فسلكوا به الآجام والأدغال؛ حتى وافى نهر يحيى، وانتهى خبره إلى عبد الرحمن، فوجّه إليه طاشتِمُر في جمع من الموالي، فلم يصل إلى عليّ ومَنْ معه لوعورة الموضع الذي كانوا فيه،
стр. 5887
وامتناعه بالقصب والحلافي، فأضرمه عليهم نارًا، فخرجوا منه هاربين، فأسر منهم أسرى، وانصرف إلى عبد الرحمن بن مفلح بالأسرى والظَّفر، ومضى عليّ بن أبان حتى وافى نسوخًا، فأقام هناك فيمن معه من أصحابه، وانتهى الخبر بذلك إلى عبد الرحمن بن مفلح، فصرف وجهه نحو العمود، فوافاه وأقام به.
وصار عليّ بن أبان إلى نهر السِّدرة، وكتب إلى الخبيث يستمدّه ويسأله التوجيه إليه بالشذاءات، فوجّه إليه ثلاث عشرة شَذاة، فيها جمع كثير من أصحابه فسار عليّ ومعه الشَّذَا حتى وافى عبد الرحمن، وخرج إليه عبد الرحمن بمن معه، فلم يكن بينهما قتال، وتواقف الجيشان يومهما ذلك؛ فلما كان الليل، انتخب عليّ بن أبان من أصحابه جماعةً يثِق بجَلَدهم وصبرهم، ومضى فيهم ومعه سليمان بن موسى المعروف بالشعرانيّ وترك سائر عسكره، مكانَه ليخفى أمرُه، فصار من وراء عبد الرحمن، ثم بيّته في عسكره، فنال منه ومن أصحابه نيلًا، وانحاز عبد الرحمن عنه، وخلى عن أربع شذوات من شَذَواته، فأخذها عليّ وانصرف، ومضى عبد الرحمن لوجهه حتى وافى الدولاب فأقام به، وأعدّ رجالًا من رجاله، وولّى عليهم طاشتمر، وأنفذهم إلى عليّ بن أبان، فوافوْه بنواحي بياب آزر، فأوقعوا به وقعة، انهزم منها إلى نهر السِّدرة، وكتب طاشتمر إلى عبد الرحمن بانهزام عليّ عنه، فأقبل عبد الرحمن بجيشه حتى وافى العمود، فأقام به، واستعدّ أصحابه للحرب، وهيّأ شذواته، وولّى عليها طاشتمر، فسار إلى فُوّهة نهر السدرة، فواقع علي بن أبان وقعةً عظيمة، انهزم منها عليّ، وأخذ منه عشر شذوات، ورجع عليّ إلى الخبيث مفلولًا مهزومًا، وسار عبد الرحمن من فورِه، فعسكر ببَيان، فكان عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما يتناوبان المصير إلى عسكر الخبيث، فيُوقعان به، ويُخيفان مَنْ فيه، وإسحاق بن كُنْداج يومئذ مقيم بالبصرة، قد قطع المِيرة عن عسكر الخبيث؛ فكان الخبيث يجمع أصحابه في اليوم الذي يخاف فيه موافاة عبد الرحمن بن مفلح وإبراهيم بن سيما حتى ينقضي الحرب، ثم يصرف فريقًا منهم إلى ناحية البصرة، فيواقع بهم إسحاق بن كُنْداج، فأقاموا في ذلك بضعة عشر شهرًا إلى أن صُرف موسى بن بغا عن حرب الخبيث، ووُلِّيهَا مسرور
стр. 5888
البلخيّ، وانتهى الخبر بذلك إلى الخبيث (١).
* * *
وفيها غلب الحسن بن زيد على قومِس، ودخلها أصحابه.
وفيها كانت وقعة بين محمد بن الفضل بن سنان القزويني ووهْسُوذان بن جُسْتَان الديلميّ، فهُزِم محمد بن الفضل وهوذان.
وفيها ولَّى موسى بن بغا الصَّلابيَّ الرّيّ حين وثب كَيْغَلَغ على تكين، فقتله فسار إليها.
وفيها غلب صاحب الروم على سُمَيساط، ثم نزل على مَلَطْية، وحاصر أهلها، فحاربه أهل مَلَطْية فهزموه، وقتل أحمدُ بن محمد القابوس نصرًا الإقريطشيَّ بطريق البطارقة (٢).
وفيها وُجِّه من الأهواز جماعة من الزّنْج أسروا إلى سامُرّا، فوثبت العامة بهم بسامُرّا، فقتلوا أكثرهم وسلبوهم.
* * *
[ذكر الخبر عن دخول يعقوب بن الليث نيسابور] (٣)
وفيها دخل يعقوب بن الليث نيسابور.
* ذكر الخبر عن الكائن الذي كان منه هناك:
ذكر: أن يعقوب بن الليث صار إلى هَراة، ثم قصد نيسابور، فلمّا قرب منها وأراد دخولَها، وجّه محمد بن طاهر يستأذنه في تلقّيه، فلم يأذن له، فبعث بعمومته وأهل بيته، فتلقَّوْه، ثم دخل نيسابور لأربع خَلَوْن من شوال بالعشيّ، فنزل طرفًا من أطرافها يعرف بداوداباذ، فركب إليه محمد بن طاهر، فدخل عليه في مضربه، فساءله، ثم أقبل على تأنيبه وتوبيخه على تفريطه في عمله، ثم
стр. 5889
انصرف وأمر عُزَير بن السريّ بالتوكيل به، وصرف محمد بن طاهر وولّى عزيرًا نيسابور، ثم حبس محمد بن طاهر وأهل بيته، وورد الخبر بذلك على السلطان، فوجّه إليه حاتم بن زيرك بن سلام، ووردت كتب يعقوب على السلطان لعشر بقين من ذي القعدة، فقعد - فيما ذكر - جعفر بن المعتمد وأبو أحمد بن المتوكل في إيوان الجوسق، وحضر القوّاد، وأذِن لرسل يعقوب فذكر رسلُه ما تناهَى إلى يعقوب من حال أهل خراسان، وأنّ الشراة والمخالفين قد غلبوا عليها، وضعف محمد بن طاهر، وذكروا مكاتبة أهل خراسان يعقوب ومسألتهم إياه قدومَه عليهم واستعانتهم، وأنه صار إليها، فلمّا كان على عشرة فراسخ من نيسابور، سار إليه أهلُها، فدفعوها إليه فدَخلها، فتكلّم أبو أحمد وعبيد الله بن يحيى، وقالا للرسل: إنّ أمير المؤمنين لا يقارّ يعقوب على ما فعل، وأنه يأمره بالانصراف إلى العمل الذي ولاه إياه، وأنه لم يكن له أن يفعل ذلك بغير أمره فليرجع، فإنه إن فعل كان من الأولياء، وإلا لم يكلن إلا ما للمخالفين، وصرف إليه رسله بذلك ووصلوا، وخلَع على كلّ واحد منهم خلعة فيها ثلاثة أثواب؛ وكانوا أحضروا رأسًا على قناة فيه رقعة فيها: هذا رأس عدوّ الله عبد الرحمن الخارجيّ بهرَاة، ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة، قتله يعقوب بن الليث.
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس المعروف ببُرَيه (١).
* * *
ثم دخلت سنة ستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمما كان فيها من ذلك قتلُ رجل من أكراد مساور الشاري محمد بن هارون بن المعمَّر، وجده في زورق يريد سامُرّا، فقتله وحَمَل رأسه إلى مساور، فطلبت
стр. 5890
ربيعة بدمه في جمادى الآخرة، فندب مسرور البلخيّ وجماعة من القوّاد إلى أخذ الطريق على مساور.
وفيها قُتِل قائد الزَّنج عليّ بن زيد العلويّ صاحب الكوفة (١).
* * *
[خبر الوقعة بين يعقوب بن الليث والحسن بن زيد الطائي]
وفيها واقع يعقوب بن الليث الحسن بن زيد الطالبيّ، فهزمه ودخل طبرستان.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وعن سبب مصير يعقوب إلى طبرستان:
أخبرني جماعة من أهل الخِبرة بيعقوب: أدنّ عبد الله السجزيّ كان يتنافس الرياسة بسجستان، فقهره يعقوب، فتخلّص منه عبد الله، فلحق بمحمد بن طاهر بنيسابور، فلمّا صار يعقوب إلى نيسابور وهرب عبد الله، فلحق بالحسن بن زيد، فشخص يعقوب في أثره بعد ما كان من أمره وأمر محمد بن طاهر ما قد ذكرت قبلُ، فمرّ في طريقه إلى طبرستان بأسفرائيم ونواحيها، وبها رجل كنت أعرفه يطلب الحديث، يقال له: بديل الكشّيّ، يظهر التطوّع والأمر بالمعروف، وقد استجاب له عامة أهل تلك الناحية، فلما نزلها يعقوب راسلَه، وأخبره أنه مثله في التطوّع وأنه معه، فلم يزل يرفق به حتى صار إليه بديل، فلمّا تمكن منه قيّده، ومضى به معه إلى طَبَرِستان، فلما صار إلى قرب ساريَة لقيه الحسن بن زيد.
فقيل لي: إنّ يعقوب بعث إلى الحسن بن زيد يسأله أن يبعث إليه بعبد الله السجزيّ حتى ينصرف عنه؛ فإنه إنما قصد طَبرِستان من أجلِه لا لحربه، فأبى الحسن بن زيد تسليمَه إليه، فآذنه يعقوب بالحرب، فالتقى عسكراهما فلم تكن
стр. 5891
إلا كَلَا ولا، حتى هزِم الحسن بن زيد، ومضى نحو الشِّرِّز وأرض الديلم، ودخل يعقوب سارية، ثم تقدّم منها إلى آمُل، فجبى أهلَها خراج سنة، ثم شخص من آمُل نحو الشِّرّز في طلب الحسن بن زيد حتى صار إلى بعض جبال طَبَرِستان، فأدركتْه فيه الأمطار، وتتابعت عليه - فيما ذكر لي - نحوًا من أربعين يومًا، فلم يتخلّص مِن موضعه ذلك إلا بمشقة شديدة، وكان - فيما قيل لي - قد صعد جبلًا، لمّا رام النزول عنه لم يمكنه ذلك إلا محمولًا على ظهور الرجال، وهلك عامّة ما كان معه من الظهر.
ثم رام الدخول خلْف الحسن بن زيد إلى الشَّرز؛ فحدثني بعض أهل تلك الناحية: أنه انتهى إلى الطريق الذي أراد سلوكَه إليه، فوقف عليه، وأمر أصحابه بالوقوف، ثم تقدّم أمامهم يتأمّل الطريق، ثم رجع إلى أصحابه، فأمرهم بالانصراف، وقال لهم: إن لم يكن إليه طريق غير هذا فلا طريق إليه.
فأخبرني الذي ذكر لي ذلك: أن نساء أهل تلك الناحية قلن لرجالهنّ: دعُوه يدخل هذا الطريق؛ فإنه إنْ دخل كفيناكم أمرَه، وعلينا أخذُه وأسره لكم، فلما انصرف راجعًا، وشخص عن حدود طَبَرِستان، عرض رجالَه، ففقد منهم - فيما قيل لي - أربعين ألفًا، وانصرف عنها، وقد ذهب معظم ما كان معه من الخيل والإبل والأثقال.
وذُكر: أنه كتب إلى السلطان كتابًا يذكر فيه مسيرَه إلى الحسن بن زيد، وأنه سار من جُرجان، إلى طَمِيسِ، فافتتحها، ثم سار إلى سارية وقد أخرب الحسن بن زيد القناطر، ورفع المعابر، وعوَّر الطريق، وعسكر الحسن بن زيد على باب سارية متحصِّنًا بأودية عظام، وقد مالأه خُرْشاد بن جِيلاو، صاحب الدَّيْلم، فزحف باقتدار فيمن جمع إليه من الطبرية والديالمة والخراسانية والقُمّية والجبلية والشأمية والجزُريّة، فهزمتُه وقتلتُ عدّة لم يبلغها بعهدي عدّة، وأسرتُ سبعين من الطالبيّين؛ وذلك في رجب، وسار الحسن بن زيد إلى الشِّرّز ومعه الديلم.
* * *
وفي هذه السنة اشتدّ الغلاء في عامّة بلاد الإسلام، فانجلى - فيما ذكر - عن
стр. 5892
مكة من شدة الغلاء مَنْ كان بها مجاورًا إلى المدينة وغيرها من البلدان، ورحل عنها العامل الذي كان بها مقيمًا وهو بُرَيه، وارتفع السعر ببغداد، فبلغ الكُرّ الشعير عشرين ومئة دينار، والحنطة خمسين ومئة، ودام ذلك شهورًا (١).
وفيها قتلت الأعراب منجور والي حمص، فاستعمِل عليها بُكْتمر.
وفيها صار يعقوب بن الليث حين انصرف عن طَبرستان إلى ناحية الريّ، وكان السبب في مصِره إليها - فيما ذكر لي - مصير عبد الله السجزيّ إلى الصّلابيِّ مستجيرًا به من يعقوب، لمّا هزم يعقوب الحسن بن زيد، فلما صار يعقوب إلى خوار الريّ كتب إلى الصَّلابيّ يخيِّره بين تسليم عبد الله السجْزيّ إليه حتى ينصرف عنه، ويرتحل عن عمله، وبين أن يأذن بحربه، فاختار الصَّلابيّ - فيما قيل لي - تسليم عبد الله، فسلّمه إليه، فقتله يعقوب، وانصرف عن عمل الصلابيّ.
* * *
[ذكر خبر مقتل العلاء بن أحمد الأزديّ]
وفيها قتِل العلاء بن أحمد الأزديّ.
* ذكر الخبر عن سبب مقتله:
ذكر: أن العلاء بن أحمد فُلِج وتعطّل، فكتب السلطان إلى أبي الرُّدَيْنيّ عمر بن عليّ بن مُرّ بولاية أَذْرَبَيجان، وكانت قبلُ إلى العلاء، فصار أبو الردينيّ إليها ليتسلَّمها من العلاء، فخرج العلاء في قُبّة في شهر رمضان لحرب أبي الردينيّ، ومع أبي الردينيّ جماعة من الشُّراة وغيرهم، فقتِل العلاء.
فذكر أنه وجّه عدّة من الرجال في حمل ما خلّف العلاء، فحُمل من قلعته ما بلغت قيمته ألفين وسبعمئة ألف درهم.
* * *
وفيها أخذت الروم لؤلؤة من المسلمين.
стр. 5893
وحجّ بالناس فيها إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن علي المعروف ببُرَيْه (١).
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من انصراف الحسن بن زيد من أرض الدّيلم إلى طَبرستان وإحراقه شالوس لمَا كان من ممالأتهم يعقوب وإقطاعه ضياعهم الدّيالمة (٢).
ومن ذلك ما كان من أمر السلطان عبيد الله بن عبد الله بن طاهر بجمع مَنْ كان ببغداد من حاجّ خراسان والريّ وطبرستان وجرجان، فجمعهم في صفر منهم، ثم قرئ عليهم كتاب يُعلَمون فيه أنّ السلطان لم يولّ يعقوب بن الليث خُراسان، ويأمرهم بالبراءة منه لإنكاره دخولَه خُراسان وأسره محمد بن طاهر.
* * *
وفي هذه السنة تُوفِّيَ عبد الله بن الواثق في عسكر الصفار يعقوب.
وفيها قَتَل مساور الشاري يحيى بن حفص الذي كان يلِي خراسان بكَرْخ جُدَّان في جمادى الآخرة، فشخص مسرور البلخيّ في طلبه، ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل، وتنحّى مساور فلم يلحق (٣).
وفي جمادى الأولى منها هلك أبو هاشم داود بن القاسم الجعفريّ.
* * *
[ذكر خبر وقعة كانت برامَهُرْمز في هذا العام] (٤)
وفيها كانت بين محمد بن واصل وعبد الله بن مُفلِح وطاشتمر وقعة
стр. 5894
رامَهُرْمُز، فقتَل ابنُ واصل طاشتمر، وأسِر ابن مُفلح.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة والسبب فيها:
كان السبب في ذلك - فيما ذكر لي - أنّ ابن واصل قتَل الحارث بن سيما وهو عامل السلطان بفارس وتغلَّب عليها، فضُمَّت إلى موسى بن بُغا فارس والأهواز والبَصْرة والبحرين واليمامة؛ مع ما كان إليه من عمل المشرق؛ فوجّه موسى بن بغا عبدَ الرحمن بن مفلِح إلى الأهواز، وولّاه إياها وفارس، وضمّ إليه طاشتمر، فاتّصل بابن واصل ذلك من فعل موسى، وأدنّ ابن مفلح قد توجّه إلى فارس يريده، وكان قبلُ مقيمًا بالأهواز على حرب الخارجيّ بناحية البصرة، فزحف إليه ابنُ واصل، فالتقيا برامَهُرْمز، وانضمّ أبو داود الصعلوك إلى ابن واصل معينًا له على ابن مُفْلِح، فظفر ابن واصل بابن مُفْلِح، فأسره وقتل طاشتمر، واصطلم عسكرَ ابن مفلح، ثمّ لم يزل ابن مُفلح في يده حتى قتله، فلم يجبه إلى ذلك ابنُ واصل، ولما فرغ ابنُ واصل من ابن مُفلح أقبل مظهرًا: أنه يريد واسطًا لحرب موسى بن بغا حتى انتهى إلى الأهواز، وبها إبراهيم بن سيما في جمع كثير، فلما رأى موسى بن بغا شِدَّة الأمر وكثرة المتغلِّبين على نواحي المشرق، وأنه لا قَوام له بهم، سأل أن يُعفى من أعمال المشرق، فأعفِي منها، وضُمّ ذلك إلى أبي أحمد، ووُلّيه أبو أحمد بن المتوكل، فانصرف موسى بن بغا من واسط إلى باب السلطان مع عُمّاله عن أعمال المشرق.
* * *
وفيها ولِّيَ أبو الساج الأهواز وحرب قائد الزّنج، فصار إليها أبو الساج بعد شخوص عبد الرحمن بن مفلح إلى ناحية فارس (١).
وفيها كانت بين عبد الرحمن صهر أبي الساج وعليّ بن أبان المهلبيّ وقعة بناحية الدولاب، قُتِل فيها عبدُ الرحمن، وانحاز أبو الساج إلى عسكر مكرَم، ودخل الزَّنج الأهواز، فقتلوا أهلَها، وسبَوْا وانتهبوا وأحرقوا دورَها، ثمّ صُرِف أبو الساج عمّا كان إليه من عمل الأهواز وحرب الزّنج، ووُلِّيَ ذلك إبراهيم بن
стр. 5895
سيما، فلم يزل مقيمًا في عمله ذلك حتى انصرف عنه بانصراف موسى بن بغا، عمّا كان إليه من عمل المشرق.
وفيها وُلّيَ محمد بن أوس البلخيّ طريقَ خراسان.
ولما ضُمّ عمل المشرق إلى أبي أحمد ولَّى مسرورًا البلخيّ الأهواز والبصرة وكُور دِجْلة واليمامة والبحرين في شعبان من هذه السنة، وحرب قائد الزنج.
وفيها وُلِّيَ نصر بن أحمد بن أسد السامانيّ ما وراءَ نهر بلخ، وذلك في شهر رمضان منها، وكتب إليه بولايته ذلك.
وفي شوّال منها زحف يعقوب بن الليث إلى فارس، وابنُ واصل مقيم بالأهواز، فانصرف منها إلى فارس، فالتقى هو ويعقوب بن الليث في ذي القعدة، فهزمه يعقوب وفلَّ عسكره، وبعث إلى خُرَّمَة إلى قلعة ابن واصل، فأخذ ما كان فيها، فذُكر أنه بلغت قيمة ما أخذ يعقوب منها أربعين ألف ألف درهم، وأسر مرداسًا خال ابن واصل.
* * *
وفيها أوْقع أصحابُ يعقوب بن الليث بأهل زَمّ موسى بن مِهْران الكرديّ؛ لما كان من ممالأتهم محمد بن واصل، فقتلوهم، وانهزم موسى بن مِهْران.
وفيها لاثنتي عشرة مضت من شوّال منها، جلس المعتمد في دار العامّة، فولّى ابنه جعفرًا العهد، وسماه المفوّض إلى الله، وولّاه المغرب، وضمّ إليه موسى بن بغا، وولّاه إفريقية ومصر والشأم والجزيرة والموصل وإرمينيَة وطريق خراسان ومِهْرَجا نَقَذَق وحُلوان، وولّى أخاه أبا أحمد العهد بعد جعفر، وولّاه المشرق، وضمّ إليه مسرورًا البلخيَّ، وولّاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكَسْكر وكُوردِجلة والأهواز وفارس وأصبهان وقمَّ والكَرَج والديْنَوَر والرّيّ وزِنجان وقزوين وخراسان وطَبَرِستان وجُرجان وكَرْمان وسِجِستان والسند، وعقد لكلّ واحد منهما لواءين: أسود وأبيض، وشرط إن حدث به حدث الموت وجعفر لم يكمل للأمر؛ أن يكون الأمر لأبي أحمد، ثم لجعفر، وأخذت البيعة على الناس بذلك، وفرّقت نسخ الكتاب، وبُعث بنسخة مع الحسين بن محمد بن أبي الشوارب، ليعلِّقها في الكعبة، فعقد جعفر
стр. 5896
المفوّض لموسى بن بغا على المغرب في شوال وبعث إليه بالعقد مع محمد المولَّد (١).
وفيها فارق محمد بن زَيْدويه يعقوبَ بن الليث، فاعتزل عسكره في آلاف من أصحابه، فصار إلى أبي الساج فقبِله، وأقام معه بالأهواز، وبعث إليه من سامُرّا بخلعة، ثم سأل ابن زيدويه السلطان توجيه الحسين بن طاهر بن عبد الله معه إلى خراسان.
وسار مسرور البلخيّ مقدّمة لأبي أحمد من سامُرّا، لسبع خَلَوْن من ذي الحجة، وخلع عليه وعلى أربعة وثلاثين من قوّاده - فيما ذكر - وشيَّعه ولِيَّا العهد، واتبعه الموفّق شاخصًا من سامرّا لتسع بقين من ذي الحجة (٢).
وحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن عباس (٣).
ومات الحسن بن محمد بن أبي الشوارب فيها بمكّة بعدما حجّ (٤).
* * *
ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
[ذكر خبر دخول يعقوب بن الليث رامهرمز] (٥)
فمما كان فيها من ذلك موافاة يعقوب بن الليث رامَهُرْمُز في المحرّم وتوجيه السلطان إليه إسماعيل بن إسحاق وبُغراج، وإخراج السلطان مَنْ كان محبوسًا من
стр. 5897
أسباب يعقوب بن الليث من السجْن؛ لأنه لما كان من أمره ما كان في أمر محمد بن طاهر، حبَس السلطانُ غلامَه وصيفًا ومَنْ كان قِبَلَه من أسبابه، فأطلق عنهم بعدما وافى يعقوب رامهرمز؛ وذلك لخمس خَلَوْن من شهر ربيع الأول، ثم قدم إسماعيل بن إسحاق من عند يعقوب، وخرج إلى سامُرّا برسالة من عنده، فجلس أبو أحمد ببغداد، ودعا بجماعة من التجار، وأعلمهم: أنّ أمير المؤمنين أمر بتولية يعقوب بن الليث خُراسان وطَبَرِستان وجُرجان والرّيّ وفارس والشُّرطة بمدينة السلام؛ وذلك بمحضر من درْهم بن نصر صاحب يعقوب.
وكان المعتمد قد صرف درهمًا هذا من سامُرّا إلى يعقوب بجواب ما كان يعقوب أرسله، يسأله لنفسه، فأرسل معه إليه عمر بن سيما ومحمد بن تركشه، ووافى فيها رسل ابن زيدويه بغداد في شهر ربيع الأول منها برسالة من عنده، فخلع عليه أبو أحمد، ثمّ انصرف في هذه السنة الذين توجّهوا إلى يعقوب بن الليث إلى السلطان، فأعلموه أنه يقول: إنه لا يرضيه ما كتب إليه دون أن يصير إلى باب السلطان، وارتحل يعقوب من عسكر مَكْرَم فصار أبو الساج إليه، فقبَّله وأكرمه ووصله.
ولما رجعت الرسل بما كان من جواب يعقوب عسكر المعتمد يوم السبت لثلاث خلوْن من جمادى الآخرة بالقائم بسامُرّا، واستخلَف على سامُرّا ابنه جعفرًا، وضمّ إليه محمدًا المولَّد، ثم سار منها يوم الثلاثاء لستّ خلون من جمادى الآخرة، ووافى بغداد يوم الأربعاء لأربع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، فاشتقّها حتى جازها، وصار إلى الزعفرانيَّة فنزلها، وقدّم أخاه أبا أحمد من الزعفرانتة، فسار يعقوب بجيشه من عسكر مكرَم؛ حتى صار من واسط على فرسخ، فصادف هنالك بَثْقًا قد بثقه مسرور البلخيّ من دِجلة لئلا يقدر على جوازه، فأقام عليه حتى سدّه، وعبره؛ وذلك لست بقين من جمادى الآخرة، وصار إلى باذبين، ثم وافَى محمد بن كثير من قِبَل يعقوب عسكرَ مسرور البلخيّ، فصار بإزائه، فصار مسرور بعسكره إلى النعمانيّة، ووافى يعقوب واسطًا، فدخلها لستّ بقين من جمادى الآخرة، وارتحل المعتمد من الزغفرانية يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة حتى صار إلى سيب بني كُوما، فوافاه هنالك مسرور البلخيّ؛ وكان مسيرُ مسرور البلخيّ إليه في الجانب
стр. 5898
الغربيّ من دِجْلة، فعبرَ إلى الجانب الذي فيه العسكر، فأقام المعتمد بسِيب بني كوما أيامًا، حتى اجتمعت إليه عساكره، وزحف يعقوب من واسط إلى دير العاقول، ثم زحف من دير العاقول نحو عسكر السلطان، فأقام المعتمد بالسِّيب، ومعه عبيد الله بن يحيى، وأنهض أخاه أبا أحمد لحرب يعقوب، فجعل أبو أحمد موسى بن بغا على ميمنتِه، ومسرورًا البلخيّ على ميسرته، وصار هو في خاصته، ونخبة رجاله في القلب، والتقى العسكران يوم الأحد لليال خَلَوْن من رجب بموضع يقال له: اضطربد بين سيِب بني كوما وفى ير العاقول، فشدّت ميسرة يعقوب على ميمنة أبي أحمد فهزمتها، وقتلت منها جماعة كثيرة منهم من قوّادهم إبراهيم بن سيما التركيّ وطباغوا التركيّ ومحمد طُغَتا التركيّ والمعروف بالمبرقع المغربيّ وغيرهم، ثم ثاب المنهزمون وسائر عسكر أبي أحمد ثابت، فحمَلوا على يعقوب وأصحابه، فثبتوا وحاربوا حربًا شديدًا، وقتِل من أصحاب يعقوب جماعة من أهل البأس؛ منهم الحسن الدرهميّ ومحمد بن كثير وكان على مقدمة يعقوب - والمعروف بلبادة - فأصابت يعقوب ثلاثة أسهم في حَلْقِه ويديه، ولم تزل الحرب بين الفريقين - فيما قيل - إلى آخر وقت صلاة العصر.
ثمّ وافى أبا أحمد الدَّيرانيّ ومحمد بن أوس، واجتمع جميعُ من في عسكر أبي أحمد، وقد ظهر من كثير ممن مع يعقوب كراهة القتال معه إذ رأوا السلطان قد حضر لقتاله، فحملوا على يعقوب ومَنْ قد ثبت معه للقتال، فانهزم أصحابُ يعقوب، وثبت يعقوب في خاصّة أصحابه؛ حتى مضوا وفارقوا موضع الحرب.
فذُكر: أنه أخذ من عسكره من الدّوابّ والبغال أكثر من عشرة آلاف رأس، ومن الدنانير والدّراهم ما يكلّ عن حمله، ومن جرب المسك أمر عظيم، وتخلّص محمد بن طاهر بن عبد الله، وكان مثقلًا بالحديد؛ خلّصه الذي كان موكَّلًا به.
ثم أحضر محمد بن طاهر، فخُلع عليه على مرتبته، وقرئ على الناس كتابٌ فيه:
ولم يزل الملعون المارق المسمّى يعقوب بن الليث الصفار ينتحل الطاعة، حتى أحدث الأحداث المنكرة؛ من مصيره إلى صاحب خراسان، وغلبته إياه عليها، وتقلّده الصلاة والإحداث بها، ومصيره إلى فارس مَرة بعد مرة،
стр. 5899
واستيلائه على أموالها، وإقباله إلى باب أمير المؤمنين مُظهرَ المسألة في أمور أجابه أمير المؤمنين منها ما لم يكن يستحقه، استصلاحًا له، ودفعًا بالتي هي أحسن؛ فولّاه خُراسان والرّيّ وفارس وقزوين وزِنجان والشرطة بمدينة السلام، وأمر بتكنيته في كُتبه، وأقطعه الضياع النفيسة؛ فما زاده ذلك إلّا طغيانًا وبغيًا، فأمره بالرجوع فأبى، فنهض أمير المؤمنين لدفع الملعون حين توسَّط الطريق بين مدينة السلام وواسط، وأظهر يعقوب أعلامًا على بعضها الصّلبان، فقدّم أمير المؤمنين أخاه أبا أحمد الموفق بالله وليّ عهد المسلمين في القلب، ومعه أبو عمران موسى بن بغا في الميمنة وفي جناح الميمنة إبراهيم بن سيما، وفي الميسرة أبو هاشم مسرور البلخيّ، وفي جناح الميسرة الديرانيّ، فتسرّع وأشياعه في المحاربة، فحاربه حتى أثخِن بالجراح، وحتى انتزع أبو عبد الله محمد بن طاهر سالمًا من أيديهم، وولوْا منهزمين مجروحين مسلوبين، وسلّم الملعون كلّ ما حواه ملكه.
كتابًا مؤرخًا بيوم الثلاثاء لإحدى عشرة خلت من رجب.
ثم رجع المعتمد إلى معسكره وكتب إلى ابن واصل بتولية فارس، وقد كان صار إليها وجمع جماعةً.
ثم رجع المعتمد إلى المدائن، ومضى أبو أحمد ومعه مسرور وساتكين وجماعة من القوّاد، وقبض على ما لأبي الساج من الضِّياع والمنازل، وأقطعها مسرورًا البلخيّ، وقدم محمد بن طاهر بن عبد الله بغداد يوم الإثنين لأربع عشرة بقيت من رجب، وقد رُدّ إليه العمل، فخُلع عليه في الرُّصافة، فنزل دار عبد الله بن طاهر، فلم يعزل أحدًا، ولم يولِّ وأمر له بخمسمئة ألف درهم.
وكانت الوقعة التي كانت بين السلطان والصفّار يوم الشعانين (١).
وقال محمد بن عليّ بن فَيْد الطائيّ يمدح أبا أحمد ويذكر أمر الصفّار:
стр. 5900
نَعَبَ الغرابُ عَدِمتُه من ناعِبِ ... وصَبا فؤادي لادِّكارِ حَبائبي
نادى بَينهُم فجادَتُ مُقْلَتي ... لزِيالِ أَرحُلهم بدَمْعٍ ساكب
بانوا بأَترابٍ أَوانِسَ كالدُّمَى ... مثل المَهَاقُب البُطونِ كواعبِ
فأُولئكنَّ غَرَائِرٌ تَيّمْنَنِي ... بسَوالفٍ وقَوَائمٍ وحَوَاجِبِ
لوَليّ عهدِ المسلمينَ مَنَاسِبٌ ... شَرُفَتْ وأشرَقَ نورُها بمناصِبِ
ومراتبٌ في ذِرْوةٍ لا تُرْتَقَى ... أكرِمْ بها من ذِرْوةٍ ومراتبِ
ولقد أتَى الصَّفارُ في عُددٍ لها ... حُسْنٌ فَوافَتْهُنَّ نكبةُ ناكب
جَلبَ القضاءُ إليه حَتْفًا عاجلًا ... سَقيًا ورَعْيًا للقضاء الجالِبِ
أغواه إبليسُ اللعينُ بكَيْدِه ... واغترَّه منه بوعدٍ كاذبِ
حتى إذا اختلَفوا وظنَّ بأَنه ... قد عزَّ بين عساكرٍ وكتائب
دَلَفَتْ إليه عساكرٌ مَيْمونةٌ ... يَلقَوْنَ زحفًا باللواءِ الغالبَ
في جَحفلٍ لجِبٍ تُرى أَبطالُه ... من دارعٍ أو رامحٍ أو ناشب
وبدا الإِمامُ بِرَايةٍ منصُورةٍ ... لمحمّدٍ سَيفِ الإِله القاضبِ
وولّي عهدِ المسلمين موفقٌ ... باللهِ أَمضى من شِهَابٍ ثاقبِ
وكأَنه في الناسِ بَدْرٌ طالع ... متهلِّلٌ بالنورِ بين كواكب
لمَّا التَقَوْا بالمشرَفيّة والقنا ... ضربًا وطعْنَ محاربٍ لمحاربِ
ثارَ العجاجُ وفوقَ ذاك غمامةٌ ... غَرَّاءُ تَسكُبُ وَبْلَ صَوْبٍ صائبِ
فَلَّ الجُموعَ بحَزمِ رأيٍ ثاقب ... منه وأفرَدَ صاحبًا عن صاحبِ
للهِ دَرُّ مُوَفّق ذي بهجةٍ ... ثَبْتِ المقامِ لدَى الهياج مواثِب
يا فارسَ العربِ الذي ما مثله ... في الناس يُعرفُ آخَرٌ لنَوائب
من فادح الزَّمَنِ العضوضِ ومن لُقا ... جيش لِذِي غدر خَؤوُنٍ غاصب
* * *
[ذكر خبر توجه رجال الزنج إلى البطيحة ودست ميسان]
وفيها وجه قائد الزنج جيوشه إلى ناحية البطيحة ودَست مَيسَان.
* ذكر الخبر عن سبب توجيهه إياهم إيها:
ذُكر: أنّ سبب ذلك كان أنّ المعتمد لمّا صرف موسى بن بغا عن أعمال
стр. 5901
المشرق وما كان متّصلًا بها، وضمها إلى أخيه أبي أحمد، وضمّ أبو أحمد عمل كُور دِجلة إلى مسرور البلخيّ، وأقبل يعقوب بن الليث مريدًا أبا أحمد، وصار إلى واسط، خَلت كُوردجلة من أسباب السلطان، خلا المدائن وما فوق ذلك، وكان مسرور قد وجّه قبل ذلك إلى الباذاوَرْد مكان موسى بن أتامش جُعلان التركيّ، وكان بإزاء موسى بن أتامش، من قِبَل قائد الزَّنْج سليمان بن جامع، وقد كان سليمان قبل أن يصرف ابنُ أتامش عن الباذاوَرْد قد نال من عسكره، فلمّا صُرف ابن أتامش وجُعل موضعه جعلان، وجّه سليمان من قِبَله رجلًا من البحرانيّين يقال له ثعلب بن حفص، فأوقع به، وأخذ منه خيلًا ورجلًا، ووجّه قائد الزنج من قِبَله رجلًا من أهل جُبَّى يقال له أحمد بن مهديّ في سُميريّات، فيها رماة من أصحابه، فأنفذه إلى نهر المرأة، فجعل الجبائيّ يوقع بالقُرى التي بنواحي المذَار - فيما ذكر - فيعيث فيها، ويعود إلى نهر المرأة فيقيم به.
فكتب هذا الجبائيّ، إلى قائد الزَّنج يخبره بأن البطيحة خالية من رجال السلطان لانصراف مسرور وعساكره عند ورود يعقوب بن الليث واسطًا، فأمر قائد الزَنج سليمان بن جامع وجماعة من قُوّاده بالمصير إلى الحوانيت، وأمر رجلًا من الباهليّين يقال له عُمَيْر بن عمار، كان عالمًا بطرق البَطيحة ومسالكها، أن يسير مع الجبائيّ حتى يستقرّ بالحوانيت.
فذكر محمد بن الحسن: أن محمد بن عثمان العبّادانيّ قال: لمّا عزم صاحب الزَّنْج على توجيه الجيوش إلى ناحية البطيحة ودَستُميسان أمر سليمان بن جامع أن يعسكر بالمُطوّعة وسليمان بن موسى أن يعسكر على فُوّهة النهر المعروف باليهوديّ، ففعلا ذلك، وأقاما إلى أن أتاهما إذنه، فنهضا، فكان مسير سليمان بن موسى إلى القرْية المعروفة بالقادسيّة، ومسير سليمان بن جامع إلى الحوانيت والجُبّائيّ في السميريّات أمام جيش سليمان بن جامع، ووافى أبَّا التركيّ دجْلة في ثلاثين شَذاة، فانحدر يريد عسكر قائد الزّنج، فمرّ بالقرية التي كانت داخلة في سلْم الخبيث فنال منها، وأحرق؛ فكتب الخبيث إلى سليمان بن موسى في منعه الرجوع، وأخذ عليه سليمان الطريق، فأقام شهرًا يقاتل حتى تخلّص فصار إلى البطيحة.
وذكر محمد بن عثمان: أن جَبَّاشًا الخادم زعم أن أبَّا التركيَّ لم يكن صار إلى
стр. 5902
دجلة في هذا الوقت، وأنّ المقيم كان هناك نُصير المعروف بأبي حمزة.
وذكر: أن سليمان بن جامع لمّا فصل متوجّهًا إلى الحوانيت، انتهى إلى موضع يعرف بنهر العتيق، وقد كان الجبائيّ سار في طريق الماديان فمَلقّاه رميس، فواقعه الجبائيّ، فهزمه، وأخذ منه أربعًا وعشرين سُميريّة ونيّفًا وثلاثين صلغة، وأفلت رميس، فاعتصم بأجَمة لجأ إليها، فأتاه قوم من الجوخانيّين، فأخرجوه منها فنجا، ووافق المنهزمين من أصحاب رميس خروج سليمان من النهر العتيق، فتلقاهم فأوقع بهم، ونال منهم نيلًا، ومضى رميس حتى لحق بالموضع المعروف ببرّمساور، وانحاز إلى سليمان جماعة من مذكوري البلاليّين وأنجادهم في خمسين ومئة سُميريّة، فاستخبرهم عما أمامه، فقالوا: ليس بينك وبين واسط أحدٌ من عمّال السلطان وولاته، فاغترّ سليمان بذلك، وركن إليه، فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي يعرف بالجازرة، فتلقّاه رجل يقال له أبو معاذ القرشيّ، فواقعه، فانهزم سليمان عنه، وقتل أبو معاذ جماعة من أصحابه، وأسر قائدًا من قواد الزَّنْج، يقال له: رياح القندليّ، فانصرف سليمان إلى الموضع الذي كان معسكرًا به، فأتاه رجلان من البلاليّة، فقالا له: ليس بواسط أحد يدفع عنها غير أبي معاذ في الشَّذَوات الخمس التي لقيك بها، فاستعدّ سليمان وجمع أصحابه وكتب إلى الخبيث كتابًا مع البلاليّة الذين كانوا استأمنوا إليه وأنقذهم إلا جُميّعة يسيرة في عشر سُميريّات، انتخبهم للمقام معه، واحتبس الإثنين معه اللذين أخبراه عن واسط بما أخبراه به، وصار قاصدًا لنهر أبان، فاعترض له أبو معاذ، في طريقه، وشبّت الحرب بينهما، وعصفت الريح، فاضطربت شذا أبي معاذ، وقويَ عليه سليمان وأصحابه، فأدبر عنهم معرّدًا ومضى سليمان حتى انتهى إلى نهر أبان فاقتحمه، وأحرق وأنهب وسبى النساء والصبيان، فانتهى الخبر بذلك إلى وُكلاء كانوا لأبي أحمد في ضياعٍ من ضِياعه مُقيمين بنهر سِنداد، فساروا إلى سليمان في جماعة، فأوقعوا به وقعة، قتلوا فيها جمعًا كثيرًا من الزَّنْج، وانهزم سليمان وأحمد بن مهديّ ومن معهما إلى معسكرهما.
قال محمد بن الحسن: قال محمد بن عثمان: لما استقرّ سليمان بن جامع بالحوانيت، ونزل بنهر يعرف بيعقوب بن النضر، وجّه رجلًا ليعرف خبر واسط ومَنْ فيها من أصحاب السلطان؛ وذلك بعد خروج مسرور البلخيّ وأصحابه
стр. 5903
عنها، لورود يعقوب إياها، فرجع إليه فأخبره بمسير يعقوب نحو السلطان، وقد كان مسرور قبل شخوصه عن واسط إلى السِّيب وجّه إلى سليمان رجلًا يقال له وصيف الرّحال في شَذَوات؛ فواقعه سليمان فقتله، وأخذ منه سبع شَذَوات، وقتل مَنْ ظفر به، وألقى القتلى بالحوانيت ليُدخل الرّهبة في قلوب المجتازين بهم من أصحاب السلطان.
فلمّا ورد على سليمان خبرُ مسير مسرور عن واسط، دعا سليمان عُمير بن عمار خليفته ورجلًا مَن رؤساء الباهليّين يقال له أحمد بن شريك، فشاورهما في التنحِّي عن الموضع الذي تصل إليه الخيل والشَّذَوات، وأن يلتمس موضعًا يتصل بطريق متى أراد الهرب منه إلى عسكر الخبيث سلكه، فأشارا عليه بالمصير إلى عقر ماور، والتحصّن بطهيثَا والأدْغال التي فيها، وكره الباهليون خروجَ سليمان بن حامع من بين أظهرهم لغمسهم أيديهم معه، وما خافوا من تعقب السلطان إياهم، فحمل سليمان بأصحابه ماضيًا في نهر البرور إلى طَهيثا، وأنفذ الجُبّائيّ إلى النهر المعروف بالعتيق في السُّميريّات، وأمره بالبدار إليه بما يعرف من خبر الشذا، ومن يأتي فيها ومن أصحاب السلطان، وخلّف جماعة من السودان لإشخاص مَنْ تخلّف من أصحابه، وسار حتى وافى عقر ماور، فنزل القرية المعروفة بقرية مرْوان بالجانب الشرقيّ من نهر طهيثا في جزيرة هناك.
وجمع إليه رؤساء الباهليّين وأهل الطفوف، وكتب إلى الخبيث يعلمه ما صنع، فكتب إليه يصوّب رأيه، ويأمره بإنفاذ ما قبله من مِيرَة ونَعَم وغنم، فأنفذ ذلك إليه، وسار مسرور إلى موضع معسكر سليمان الأول، فلم يجد هناك كثير شيء، ووجد القوم قد سبقوه إلى نقل ما كان في معسكرهم، وانحدر أبّا التركيّ إلى البطائح في طلب سليمان؛ وهو يظنّ أنه قد ترك الناحية، وتوجّه نحو مدينة الخبيث فمضى، فلم يقف لسليمان على أثر، وكرّ راجعًا، فوجد سليمان قد أنفذ جيشًا إلى الحوانيت ليطرُق من شذّ من عسكر مسرور، فخالف الطريق الذي خاف أن يؤدّيَهُ إليهم، ومضى في طريق آخر؛ حتى انتهى إلى مسرور، فأخبره أنه لم يعرف لسليمان خبرًا.
وانصرف جيش سليمان إليه بما امتاروا، وأقام سليمان، فوجّه الجُبائيَّ في السُّميريّات للوقوف على مواضع الطعام والمِيَر والاحْتيال في حَمْلها. فكان
стр. 5904
الجبائيّ لا ينتهي إلى ناحية فيجد فيها شيئًا من المِيرة إلا أحرقه، فساء ذلك سليمان، فنهاه عنه فلم يَنْتَهِ، وكان يقول: إن هذه المِيرة مادّة لعدوّنا، فليس الرأي ترك شيء منها.
فكتب سليمان إلى الخبيث يشكو ما كان من الجُبَّائيّ في ذلك، فورد كتاب الخبيث على الجُبّائيّ يأمره بالسمع والطاعة لسليمان، والائتمار له فيما يأمره به.
وورد على سليمان أن أغرْتمش وخُشيشًا قد أقبلا قاصديْن إليه في الخيل والرِّجال والشَّذَا والسُّميريّات، يريدان مواقعته، فجزع جزعًا شديدًا، وأنفذ الجُبائيَّ ليعرف أخبارهما، وأخذ في الاستعداد للقائهما، فلم يلبث أن عاد إليه الجُبائيّ مهزومًا، فأخبره أنهما قد وافيا باب طنج؛ وذلك على نصف فرسخ من عسكر سليمان حينئذ، فأمره بالرّجوع والوقوف في وجه الجيش، وشغله عن المصير إلى العسكر إلى أنْ يلحق به؛ فلما أنفذ الجبائيّ لما وُجّه له صعد سليمان سطحًا، فأشرف منه، فرأى الجيش مقبلًا، فنزل مسرعًا، فعبَر نهر طهيثا، ومضى راجلًا، وتبعه جَمْعٌ من قوّاد السودان حتى وافوْا باب طنج، فاستدبر أغرتمش، وتركهم حتى جدُّوا في المسير إلى عسكره، وقد كان أمر الذي استخلفه على جيشه ألّا يدع أحدًا من السودان يظهر لأحد من أهل جيش أغرتمش، وأن يخفوا أشخاصهم ما قدرُوا، ويَدَعُوا القوم حتى يتوغّلوا النهر إلى أن يسمعوا أصوات طبوله؛ فإذا سمعوها خرجوا عليهم، وقصدوا أغرتمش.
فجاء أغرتمش بجيشه حتى لم يكن بينه وبين العسكر إلّا نهر يأخذ من طهيثا يقال له جارورة بني مَرْوان، فانهزم الجُبائيّ في السُّميريّات حتى وافى طهيثا، فخلف سُميرِيّاته بها، وعاد راجلًا إلى جيش سليمان، واشتدّ جزع أهل عسكر سليمان منه، فتفرّقوا أيادي سبا، ونهضت منهم شرذمة فيها قائد من قوّاد السودان يقال له أبو النداء، فتلقَّوْهم فواقعوهم، وشغلوهم عن دخول العسكر، وشدّ سليمان من وراء القوم، وضرب الزَّنج بطبولهم، وألقوْا أنفسهم في الماء للعبور إليهم؛ فانهزم أصحابُ أغرتمش وشدّ عليهم مَنْ كان بطهيثا من السودان، ووضعوا السيوف فيهم، وأقبل خُشيش على أشهب كان تحته يريد الرجوع إلى عسكره، فتلقّاه السودان، فصرعوه وأخذتْه سيوفهم، فقتِل وحُمل رأسه إلى سليمان، وقد كان خُشيش حين انتزعوا إليه، قال لهم: أنا خُشيش؛ فلا
стр. 5905
تقتلوني، وامضوا بي إلى صاحبكم، فلم يسمعوا لقوله وانهزم أغرتمش، وكان في آخر أصحابه، ومضى حتى ألقى نفسه إلى الأرض فركب دابّة ومضى، وتبعهم الزّنج حتى وصلوا إلى عسكرهم؛ فنالوا حاجتَهم منه، وظفروا بشذوات كانت مع خُشيش، وظفر الذين اتبعوا الجيش المولي بشَذوات كانت مع أغرتمش فيها مال، فلما انتهى الخبر إلى أغرتمش، كرّ راجعًا حتى انتزعها من أيديهم، ورجع سليمان إلى عسكره، وقد ظفر بأسلاب ودوابّ، وكتب بخبر الوقعة إلى قائد الزَّنْج؛ وما كان منه فيها، وحمل إليه رأس خشيش وخاتمه، وأقرَّ الشَّذَوات التي أخذها في عسكره فلما وافى كتابُ سليمان ورأس خُشيش، أمر فطِيف به في عسكره، ونصب يومًا؛ ثم حمله إلى عليّ بن أبان، وهو يومئذ مقيم بنواحي الأهواز، وأمر بنصبه هناك؛ وخرج سليمان والجُبائيّ معه وجماعة من قُوّاد السودان إلى ناحية الحوانيت متطرّفين، فتوافقوا هناك ثلاث عشرة شَذاة مع المعروف بأبي تميم أخي المعروف بأبي عَوْن صاحب وصيف التركيّ، فأوقعوا به، فقتل وغرق، وظفروا من شَذَواته بإحدى عشرة شذاة.
قال محمد بن الحسن: هذا خبر محمد بن عثمان العبّادانيّ؛ فأما جَبَّاش؛ فزعم: أن الشّذا التي كانت مع أبي تَميم كانت ثمانية، فأفلت منهم شذاتان كانتا متأخّرتين، فمضتا بمنْ فيهما وأصاب سلاحًا ونهبًا، وأتى على أكثر مَنْ كان في تلك الشَّذَوات من الجيش، ورجع سليمان إلى عسكره، وكتب إلى الخبيث بما كان منه مِنْ قتل المعروف بأبي تميم؛ ومن كان معه، واحتبس الشَّذَوات في عسكره.
* * *
وفيها كبس ابن زيدويه الطيِّبَ، فأنهبها.
وفيها وُلَّيَ القضاء عليّ بن محمد بن أبي الشوارب (١).
وفيها خرج الحسين بن طاهر بن عبد الله بن طاهر من بغداد لليال بقين منه، فصار إلى الجبل.
стр. 5906
وفيها مات الصَّلابيّ، ووُلِّيَ الريّ كيغَلغ.
ومات صالح بن عليّ بن يعقوب بن المنصور في ربيع الآخر منها.
ووُلِّيَ إسماعيل بن إسحاق قضاء الجانب الشرقيّ من بغداد، فجمع له قضاء الجانبين.
وفيها قتِل محمد بن عتّاب بن عتّاب، وكان وُلِّيَ السّيبيْن فصار إليها، فقتلتْه الأعراب.
وللنصف من شهر رمضان صار موسى بن بغا إلى الأنبار متوجّهًا إلى الرّقة.
وفيها قتل أيضًا القطان صاحب مفلِح، وكان عاملًا بالموصل على الخراج، فانصرف منها، فقتِل في الطريق.
وعقد فيها لكفتمر عليّ بن الحسين بن داود، كاتب أحمدُ بن سهل اللطفيّ على طريق مكة في شهر رمضان.
وفيها وقع بين الحنّاطين والجزّارين بمكة قتال قبل يوم التَّروية بيوم، حتى خاف الناس أن يبطل الحج، ثم تحاجزوا إلى أن يحجَّ الناس، وقد قتل منهم سبعة عشر رجلًا (١).
وفيها غلب يعقوب بن الليث على فارس وهرب ابن واصل (٢).
* * *
[ذكر خبر الوقعة بين الزنج وأحمد بن ليثويه]
وفيها كانت وقعة بين الزّنج وأحمد بن لَيْثَويْه، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، وأسر أبا داود الصعلوك وقد كان صار معهم (٣).
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسبب أسر الصعلوك:
ذكر أن مسرورًا البلخيّ وجه أحمد بن ليثويه إلى ناحية كور الأهواز، فلما
стр. 5907
وصل إليها نزل السوس، وكان الصَّفار قد قلّد محمد بن عبيد الله بن أزاذَ مَرْد الكرديّ كُور الأهواز، فكتب محمد بن عبيد الله إلى قائد الزَّنج يطمعه في الميل إليه، وقد كانت العادة جرت بمكاتبة محمد إياه من أوّل مخرجه، وأوهمه أنه يتولّى له كور الأهواز ويداري الصّفار حتى يستويَ له الأمر فيها، فأجابه الخبيث إلى ذلك على أن يكون عليّ بن أبان المتولي لها، ويكون محمد بن عبيد الله يخلفُه عليها، فقبل محمّد بن عبيد الله ذلك، فوجّه عليّ بن أبان أخاه الخليل بن أبان، في جمع كثير من السودان وغيرهم، وأيّدهم محمد بن عبيد الله بأبي داود الصُّعلوك، فمضوْا نحو السوس؛ فلم يصلوا إليها، ودفعهم ابن ليثويه ومن كان معه من أصحاب السلطان عنها، فانصرفوا مفلولين، وقد قتل منهم مقتلة عظيمة، وأسر منهم جماعة، وسار أحمد بن ليثويه حتى نزل جنديْ سابور.
وسار عليّ بن أبان من الأهواز منجِدًا محمد بن عبيد الله على أحمد بن ليثوَيْه، فتلقاه محمد بن عبيد الله في جَمْع من الأكراد والصعاليك؛ فلما قرب منه محمد بن عبيد الله سارا جميعًا، وجعلا بينهما المسرُقان؛ فكانا يسيران عن جانبيه؛ ووجّه محمد بن عبيد الله رجلًا من أصحابه في ثلثمئة فارس، فانضمّ إلى عليّ بن أبان، فسار عليّ بن أبان ومحمد بن عبيد الله إلى أن وافَيَا عسكر مُكْرَم، فصار محمد بن عبيد الله إلى عليّ بن أبان وحده، فالتقيا وتحادثا، وانصرف محمد إلى عسكره، ووجّه إلى عليّ بن أبان القاسم بن عليّ ورجلًا من رؤساء الأكراد، يقال له حازم، وشيخًا من أصحاب الصفار يعرف بالطّالقانيّ، وأتوْا عليًّا، فسلّموا عليه، ولم يزل محمد وعلى على ألفة، إلى أن وافى عليٌّ قنطرة فارس، ودخل محمد بن عبيد الله تُسْتَر، وانتهى إلى أحمد بن ليثَويْه تضافُر عليّ بن أبان ومحمد بن عبيد الله على قتالِه، فخرج عن جنديْ سابور، وصار إلى السوس، وكانت موافاة علي قنطرة فارس في يوم الجُمعة، وقد وعده محمد بن عبيد الله أن يخطُب الخاطب يومئذ، فيدعو لقائد الزّنج، وله على منبر تُسْتَر، فأقام عليّ منتظرًا ذلك، ووجّه بهبوذ بن عبد الوهاب لحضور الجمعة وإتيانه بالخبر؛ فلما حضرت الصلاة قام الخطيب، فدعا للمعتمد والصّفار ومحمد بن عبيد الله، فرجع بهبوذ إلى عليّ بالخبر، فنهض عليّ من ساعته، فركب دوابّه، وأمر أصحابه بالانصراف إلى الأهواز، وقدّمهم أمامه، وقدّم
стр. 5908
معهم ابن أخيه محمد بن صالح ومحمد بن يحيى الكرمانيّ وكاتبه وأقام حتى إذا جاوزوا كسر قنطرة كانت هناك لئلا يتبعه الخيل.
قال محمد بن الحسن: وكنت فيمن انصرف مع المتقدّمين من أصحاب عليّ ومرّ الجيش في ليلتهم تلك مسرِعين، فانتهوْا إلى عسكر مكرَم في وقت طلوع الفجر؛ وكانت داخلة في سلْم الخبيث، فنكث أصحابه، وأوقعوا بعسكر مَكْرَم، ونالوا نهبًا، ووافى عليّ بن أبان في أثر أصحابه، فوقف على ما أحدثوا فلم يقدِر على تغييره، فمضى حتى صار إلى الأهواز ولما انتهى إلى أحمد بن ليثويْه انصرافُ عليّ، كرّ راجعًا حتى وافى تُسْتَر، فأوقع بمحمد بن عبيد الله ومَنْ معه، فأفلت محمد، ووقع في يده المعروف بأبي داود الصعلوك، فحمله إلى باب السلطان المعتمد، وأقام أحمد بن ليثويْه بتُسْتَر.
قال محمد بن الحسن: فحدّثني الفضل بن عديّ الدارميّ - وهو أحد مَنْ كان من أصحاب قائد الزّنج انضمّ إلى محمد بن أبان أخي عليّ بن أبان قال: لمّا استقرّ أحمد بن ليثويْه بتُسْتَر، خرج إليه عليّ بن أبان بجيشه، فنزل قرية يقال لها: برنجان، ووجّه طلائع يأتونه بأخباره، فرجعوا إليه، فأخبر وه أنّ ابن ليثويْه، قد أقبل نحوه، وأنّ أوائل خيله قد وافت قرية تعرف بالباهليّين، فزحف عليّ بن أبان إليه، وهو يبشّر أصحابه، ويعدُهم الظفر، ويحكي لهم ذلك عن الخبيث، فلمّا وافى الباهليين تلقاه ابن ليثويه في خيله، وهي زهاء أربعمئة فارس؛ فلم يلبثوا أن أتاهم مدد خيل، فكثرت خيلُ أصحاب السلطان واستأمن جماعة من الأعراب الذي كانوا مع عليّ بن أبان إلى ابن ليثويْه، وانهزم باقي خيل عليّ بن أبان، وثبت جُميّعة من الرّجّالة، وتفرّق عنه أكثرهم، واشتدّ القتال بين الفريقين، ترجّل عليّ بن أبان، وباشر القتال بنفسه راجلًا، وبين يديه غلام من أصحابه يقال له فتْح، يعرف بغلام أبي الحديد، فجعل يقاتل معه، وبصر بعليّ أبو نصر، سَلْهب وبدر الروميّ المعروف بالشعرانيّ فعرفاه، فأنذر الناس به، فانصرف هاربًا حتى لجأ إلى المسرُقان، فألقى بنفسه فيه، وتلاه فَتْح، فألفى نفسه معه، فغرق فتح، ولحق عليّ بن أبان نصر المعروف، بالروميّ، فتخلّصه من الماء، فألقاه في سُمَيريّة ورُميَ عليّ بسهم، وأصيب به في ساقه، وانصرف مفلولًا، وقتل من أنجاد السودان وأبطالهم جماعة كثيرة.
* * *
стр. 5909
وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن العباس بن محمد (١).
* * *
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ظفرعُزَيز بن السريّ صاحب يعقوب بن الليث بمحمد بن واصل وأخذه أسيرًا.
وفيها كانت بين موسى دالجويه والأعراب بناحية الأنبار وقعة، فهزموه وفلّوه، فوجّه أبو أحمد ابنه أحمد في جماعة من قوّاده في طلب الأعراب الذين فلّوا موسى دالجويه.
وفيها وثب الدّيرانيّ بابن أوس فبيّته ليلًا، وفرّق جمعه، ونهب عسكره، وأفلت ابن أوس، ومضى نحو واسط.
وفيها خرج في طريق الموصل رجل من الفراغنة، فقطع الطريق، فظُفِر به فقتِل.
* * *
[ذكر الوقعة بين ابن ليثويْه مع أخي عليّ بن أبان] (٢)
وفيها أقبل يعقوب بن الليث من فارس، فلمّا صار إلى النُّوبنْدَجان انصرف أحمد بن ليثويْه عن تُسْتَر، وصار فيها يعقوب إلى الأهواز، وقد كان لابن ليثويه
стр. 5910
قبل ارتحاله عن تُستر وقعة مع أخي عليّ بن أبان، ظفر فيها بجماعة كثيرة من زنوجه.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
ذكر عن عليّ بن أبان: أن ابن ليثويْه لما هزمه في الوقْعة التي كانت بينهما في الباهليّين، فأصابه ما أصابه فيها، ووافى الأهواز، لم يقمْ بها، ومضى إلى عسكر صاحبه قائد الزّنج، فعالج ما قد أصابه من الجِراح حتى برأ، ثم كرّ راجعًا إلى الأهواز، ووجّه أخاه الخليل بن أبان وابن أخيه محمد بن صالح المعروف بأبي سهل، في جيش كثيف إلى ابن لَيثويْه؛ وهو يومئذ مقيم بعسكر مكرَم، فسارا فيمن معهما، فلقيهما ابنُ ليثويْه على فرسخ من عسكر مكرَم، قاصدًا إليهما، فالتقى الجمعان، وقد كمّن ابن ليثويْه كمينًا، فلما استحرّ القتال تطارد ابن ليثويْه، فطمع الزّنج فيه، فتبِعوه حتى جاوزوا الكمين، فخرج من ورائهم؛ فانهزموا وتفرّقوا، وكرّ عليهم ابن ليثويْه، فنال حاجته منهم، ورجعوا مفلولين، فانصرف ابن ليثويه بما أصاب من الرؤوس إلى تُستَر، ووجّه عليّ بن أبان أنكلويه مسلحةً إلى المسرُقان إلى أحمد بن لَيْثَوَيْه، فوجّه إليه ثلاثين فارسًا من جُلْد أصحابه، وانتهى إلى الخليل بن أبان مسيرُ أصحاب ابن ليثويه إلى المسلَحة، فكمن لهم فيمن معه، فلما وافوْه خرج إليهم، فلم يفلِتْ منهم أحد، وقُتِلوا عن آخرهم، وحُمِلت رؤوسهم إلى عليّ بن أبان، وهو بالأهواز، فوجّهها إلى الخبيث، وحينئذ أتى الصفّار الأهواز، وهرب عنها ابن ليثويه.
* ذكر الخبر عما كان من أمر الصفّار هنالك في هذه السنة:
ذُكر أنّ يعقوب بن الليث لما صار إلى جنديْ سابور، نزلها وارتحل عن تلك الناحية كلّ مَنْ كان بها مِنْ قبَل السلطان، ووجّه إلى الأهواز رجلًا من قبَله يقال له: الحصن بن العنبر، فلمّا قاربها خرج عنها عليّ بن أبان صاحب قائد الزَّنج، فنزل نهر السدرة، ودخل حصن الأهواز، فأقام بها، وجعل أصحابه وأصحاب عليّ بن أبان يُغير بعضهم على بعض، فيصيب كلّ فريق منهم مِن صاحبه، إلى أن استعدّ عليّ بن أبان، وسار إلى الأهواز، فأوقع بالحصن ومَنْ معه وقعةً غليظة، قتلَ فيها من أصحاب يعقوب خلقًا كثيرًا، وأصاب خيلًا، وغنم غنائم كثيرة، وهرب الحصن ومَنْ معه إلى عسكر مكرمَ، وأقام عليّ بالأهواز حتى
стр. 5911
استباح ما كان فيها، ثم رجع عنها إلى نهر السدرة، وكتب إلى بَهْبُوذ يأمره بالإيقاع برجل من الأكراد من أصحاب الصفّار كان مقيمًا بدَوْرَق، فأوقع به بهبوذ، فقتل رجاله وأسره، فمنَّ عليه وأطلقه؛ فكان عليّ بعد ذلك يتوقّع مسير يعقوب إليه فلم يَسِرْ، وأمدّ الحصن بن العنبر بأخيه الفضل بن العنبر، وأمرهما بالكفّ عن قتال أصحاب الخبيث، والاقتصار على المقام بالأهواز، وكتب إلى عليّ بن أبان يسأله المهادنة، وأن يقرّ أصحابه بالأهواز، فأبى ذلك عليّ دون نقل طعام كان هناك، فتجافَى له الصفّار عن نقل ذلك الطعام، وتجافى عليّ للصفار عن علَف كان بالأهواز، فنقل عليّ الطعام، وترك العلَف، وتكافّ الفريقان، أصحاب عليٍّ وأصحاب الصفار.
* * *
وفيها توفِّيَ مَساور بن عبد الحميد الشاري (١).
وفيها مات عبيد الله بن يحيى بن خاقان، سقط عن دابته في الميدان منْ صدمة خادم له، يقال له: رشيق، يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من ذي القعدة، فسال من منخره وأذنه دمٌ، فمات بعد أن سقط بثلاث ساعات، وصلى عليه أبو أحمد بن المتوكل، ومشى في جنازته، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد.
ثم قدم موسى بن بغا سامرّا لثلاث بقين من ذي القعدة، فهرب الحسن بن مخلد إلى بغداد، واستوزر مكانه سليمان بن وهب، لستّ ليال خلَوْن من ذي الحجة، ثم ولي عبيد الله بن سليمان كتبة المفوّض والموفق إلى ما كان يلي من كتبة موسى بن بغا، ودفعت دار عبيد الله بن يحيى إلى كيغَلغ (٢).
وفيها أخرج أخو شركب الحسينَ بن طاهر عن نيسابور، وغلب عليها، وأخذ أهلها بإعطائه ثلث أموالهم، وصار الحسين إلى مَرْو، وبها أخو خوارزم شاه يدعو لمحمد بن طاهر (٣).
стр. 5912
وفي هذه السنة سلّمت الصقالبة لؤلؤة إلى الطاغية (١).
وحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل (٢).
ثم دخلت سنة أربع وستين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك توجيهُ يعقوب الصفّار جيشًا إلى الضَّيْمَرة، فتقدّموا إليها، وأخذوا صَيغُون، ومُضيَ به إليه أسيرًا، فمات عنده.
ولإحدى عشرة خلت من المحرّم، عسكر أبو أحمد ومعه موسى بن بغا بالقائم، وشيّعهما المعتمد، ثم شخصا من سامرًا لليلتين خلتَا من صفر، فلمّا صارا ببغداد، مات بها موسى بن بغا، وحُمِل إلى سامرّا، فدفن بها (٣).
وفيها في شهر ربيع الأول ماتت قبيحة أمّ المعتزّ (٤).
وفيها صار ابن الدَّيرَانيّ إلى الدينَور، وتعاون ابن عياض ودُلَف بن عبد العزيز بن أبي دلَف عليه، فهزماه، وأخذا أمواله وضياعه، ورجع إلى حُلوان مفلولًا (٥).
* * *
[خبر أسر الروم لعبد الله بن رشيد]
وفيها أسرت الروم عبد الله بن رشيد بن كاوس.
* ذكر الخبر عن سبب أسرهم إياه:
ذُكِر أنّ سبب ذلك كان: أنه دخل أرض الروم في أربعة آلاف من أهل الثغور
стр. 5913
الشأمية، فصار إلى حصنَيْن، والمسكنين، فغنم المسلمون، وقفل، فلمّا رحل عن البَدَنْدون، خرج عليه بطريق سلوقيَة وبطريق قَذيْذيَة وبطريق قُرّة وكوكب وخَرْشنة، فأحدقوا بهم، فنزل المسلمون فعرقبوا دوابهم، وقاتلوا، فقُتلوا إلا خمسمئة أو ستمئة، وضعوا السياط في خواصر دوابّهم وخرجوا، فقتل الرّوم مَنْ قتلوا، وأسر عبد الله بن رشيد بعد ضرباتٍ أصابته، وحُمِل إلى لؤلؤة، ثم حمِل إلى الطاغية على البريد.
* * *
[ذكر خبر الوقعة بين محمد المولّد وقائد الزنج]
وفيها وُلِّيَ محمد المولّد واسطًا، فحاربه سليمان بن جامع، وهو عامل على ما يلي تلك الناحية من قِبَل قائد الزّنج، فهزمه وأخرجه عن واسط فدخلها.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها:
ذُكر: أنّ السبب في ذلك كان أنّ سليمان بن جامع الموجّه كان من قبل قائد الزّنج إلى ناحية الحوانيت والبطائح لمّا هزم جُعلان التركى عامل السلطان، وأوقع بأغرْتمِش، ففلَّ عسكره، وقتل خُشَيْشًا، ونهب ما كان معهم كتب إلى صاحبه قائد الزّنج يستأذنه في المصير إليه، ليحدث به عهدًا، ويصلح أمورًا من أمور منزله؛ فلمّا أنفذ الكتاب بذلك، أشار عليه أحمد بن مهديّ الجبائيُّ بتطرُّق عسكر البخاريّ، وهو يومئذ مقيم بَبردُودا، فقبل ذلك، وسار إلى بَرْدودا، فوافى موضعًا يقال له: أكرمهر؛ وذلك على خمسة فراسخ من عسكر تكين، فلما وافى ذلك الموضع، قال الجبائيّ لسليمان: إن الرأي أن تقيم أنت هاهنا، وأمضي أنا في السُّميريّات، فأجرّ القوم إليك، وأتعبهم فيأتوك وقد لغِبوا، فتنال حاجتَك منهم، ففعل سليمان ذلك، فعبّى خيله، ورجّالته في موضعه ذلك، ومضى أحمد بن مهديّ في السُّميريات مُسحرًا، فوافى عسكر تكين، فقاتله ساعة، وأعدّ تكين خيلَه ورجاله وتطارد الجُبائيّ له، وأنفذ غلامًا إلى سليمان، يعلمه أن أصحاب تكين واردون عليه بخيلهم، فلقي الرسول سليمان، وقد أقبل يقفو أثر الجُبَّائيّ لمّا أبطأ عليه خبره، فردّه إلى معسكره، ووافى رسول آخر للجبائيّ بمثل الخبر الأوّل، فلما رجع سليمان إلى عسكره، أنفذ ثعلب بن
стр. 5914
حفص البحرانيّ وقائدًا من قواد الزَّنج، يقال له منينًا في جماعة من الزَّنْج فجعلهما كمينًا في الصحراء ممّا يلي ميسرة خيل تكين، وأمرهما إذا جاوزهم خيل تكين أن يخرجوا من ورائهم، فلما علم الجبائيُّ أن سليمان قد أحكم لهم خيلَه وأمر الكمين رفع صوته، ليسمع أصحاب تكين؛ يقول لأصحابه: غررتموني وأهلكتموني، وقد كنت أمرتكم ألا تدخلوا هذا المدخل فأبيتم إلا إلقائي وأنفسكم هذا الملْقَى الذي لا أرانا ننجو منه، فطمع أصحاب تِكين لمّا سمعوا قوله، وجدُّوا في طلبه، وجعلوا ينادون: بلبل في قفص، وسار الجبائيّ سيرًا حثيثًا، وأتبعوه يرشقونه بالسهام، حتى جاوزوا موضع الكمين، وقاربوا عسكر سليمان، وهو كامن من وراء الجدُر في خيله وأصحابه، فزحف سليمان، فتلقّى الجيش، وخرج الكمين من وراء الخيل، وثنى الجبائيّ صدور سُميريّاته إلى مَنْ في النهر، فاستحكمت الهزيمة عليهم من الوجوه كلها، وركبهم الزّنج يقتلونهم ويسلبونهم؛ حتى قطعوا نحوًا من ثلاثة فراسخ.
ثم وقف سليمان وقال للجبائيّ: نرجع فقد غنمنا وسلمنا، والسلامة أفضل من كل شيء، فقال الجبائيّ: كلا؛ قد نخبنا قلوبَهم، ونفذتْ حيلتنا فيهم، والرأي أن نكسبهم في ليلتنا هذه، فلعلّنا أن نزيلهم عن عسكرهم، ونفضَّ جمعهم، فأتبع سليمان رأي الجبَائيّ، وصار إلى عسكر تكين، فوافاه في وقت المغرب، فأوقع به، ونهض تكين فيمن معه، فقاتل قتالًا شديدًا، فانكشف عنه سليمان وأصحابه، ثم وقف سليمان وعبّأ أصحابه، فوجّه شبلًا في خيل من خيله، وضمّ إليه جمعًا من الرّجّالة إلى الصحراء، وأمر الجبّائيّ، فسار في السُّمَيريّات في بطن النهر، وسار هو فيمن معه من أصحابه الخيّالة والرجّالة، فتقدّم أصحابه حتى وافى تكين، فلم يقف له أحد، وانكشفوا جميعًا وتركوا عسكرهم، فغنم ما وجد فيه، وأحرق العسكر، وانصرف إلى معسكره بما أصاب من الغنيمة، ووافى عسكره، فألقى كتاب الخبيث قد ورد بالإذن له في المصير إلى منزله، فاستخلف الجُبائيّ، وحمل الأعلام التي أصابها من عسكر تكين والشَّذوات التي أخذها من المعروف بأبي تميم ومن خُشيش ومن تكين، وأقبل حتى ورد عسكر الخبيث، وذلك في جمادى الأولى من سنة أربع وستين ومئتين.
* * *
стр. 5915
* ذكر الخبر عن السبب الذي من أجله تهيأ للزنج دخول واسط، وذكر الخبر عن الأحداث الجليلة في سنة أربع وستين ومئتين (١).
ذكر: أن الجُبّائيّ يحيى بن خلف لمّا شخص سليمان بن جامع من معسكره بعد الوقعة التي أوقعها بتكين إلى صاحب الزَّنج؛ خرج في السُّمَيريّات بالعسكر الذي خلّفه سليمان معه إلى ما زروان لطلب المِيرة، ومعه جماعة من السودان، فاعترضه أصحاب جُعْلان، فأخذوا سفنًا كانتْ معه، وهزموه، فرجع مفلولًا حتى وافَى طهيثا، ووافتْه كتب أهل القرية، يخبرونه أنّ منجور مولى أمير المؤمنين ومحمد بن عليّ بن حبيب اليشكريّ لما اتّصل بهما خبر غيبة سليمان بن جامع عن طَهيثا؛ اجتمعا وجمعا أصحابهما، وقصدا القرية، فقتلا فيها وأحرقا وانصرفا، وجلا من أفلت ممن كان فيها، فصاروا إلى القرية المعروفة بالحجّاجية، فأقاموا بها، فكتب الجُبّائيّ إلى سليمان بخبر ما وردت به كُتب أهل القرية، مع ما ناله من أصحاب جُعْلان، فأنهض قائد الزّنج سليمان إلى طهيثا معجّلًا، فوافاها، فأظهر أنه يقصد لقتال جُعْلان، وعبّأ جيشه، وقدّم الجبائيّ أمامه في السميريّات، وجعل معه خيلًا ورجلًا، وأمره بموافاة مازروان والوقوف بإزاء عسكرُ جْعلان، وأنْ يظهر الخيل ويرعاها بحيث يراها أصحاب جُعلان، ولا يُوقع بهم، وركب هو في جيشه أجمع إلا نفرا يسيرًا خلّفهم في عسكره، ومضى في الأهواز حتى خرج على الهورَيْن المعروفين بالربَّة والعمرقة، ثم مضى نحو محمد بن عليّ بن حبيب، وهو يومئذ بموضع يقال له تلّفخَّار، فوافاه فأوقع به وقعةً غليظة، قتل فيها قتلى كثيرة، وأخذ خيلًا كثيرة وحاز غنائم جزيلة، وقتل أخًا لمحمد بن عليّ، وأفلت محمد، ورجع سليمان، فلما صار في صحراء بين البزّاق والقرية وافته خيل لبني شيبان، وقد كان فيمن أصاب سليمان بتلّفخّار سيد من سادات بني شيبان، فقتله وأسر ابنًا له صغيرًا، وأخذ حِجْرًا كانت تحته، فانتهى خبره إلى عشيرته، فعارضوا سليمان بهذه الصحراء في أربعمئة فارس، وقد كان سليمان وجّه إلى عُمير بن عمار خليفته بالطفّ حين توجّه إلى ابن حبيب، فصار إليه، فجعله دليلًا لعلمه بتلك الطريق، فلمَّا رأى
стр. 5916
سليمان خيل بني شيبان قدّم أصحابه أجمعين إلّا عمير بن عمار فإنه انفرد، فظفرت به بنو شيبان فقتلوه، وحملوا رأسه، وانصرفوا.
وانتهى الخبر إلى الخبيث، فعظُم عليه قتل عُمير، وحمل سليمان إلى الخبيث ما كان أصاب من بلد محمد بن عليّ بن حبيب؛ وذلك في آخر رجب من هذه السنة، فلما كان في شعبان نهض سليمان في جَمْع من أصحابه؛ حتى وافى قرية حسان، وبها يومئذ قائد من قوّاد السلطان يقال له: جيْش ابن حمرتكين، فأوقع به، فأجفل عنه، وظفر بالقرية فانتهبها، وأحرق فيها وأخذ خيلًا، وعاد إلى عسكره، ثم خرج لعشر خلوْن من شعبان إلى الحوانيت وأصعد الجبائيّ في السميريّات إلى برمساور؛ فوجد هنالك صلاغًا فيها خيل من خيل جُعلان، كان أراد أن يوافي بها نهر أبان، وقد كان خرج إلى ما هناك متصيّدًا، فأوقع الجبائيّ بتلك الصلاغ، فقتل مَنْ فيها، وأخذ الخيل - وكانت اثني عشر فرسًا - وعاد إلى طَهيثا، ثم نهض سليمان إلى تلّ رمانا، لثلاث بقين من شعبان فأوقع بها، وجلا عنها أهلها، وحاز ما كان فيها، ثم رجع إلى عسكره، ونهض لعشر ليال خَلْون من شهر رمضان إلى الموضع المعروف بالجازرة، وأبَّا يومئذ هناك، وجُعْلان بمازروان.
وقد كان سليمان كتب إلى الخبيث في التوجيه إليه بالشّذَا، فوجّه إليه عشر شذوات، مع رجل من أهل عبَّادان يقال له الصقر بن الحسين، فلمّا وافى سليمان الصقر بالشَّذا أظهر أنه يريد جُعْلان وبادرت الأخبار إلى جُعْلان بأن سليمان يريد موافاته؛ فكانت همّته ضبط عسكره، فلما قَرُب سليمان من موضع أبّا مال إليه، فأوقع به، وألفاه غارًّا بمجيئه، فنال حاجته، وأصاب ستّ شذَوات.
قال محمد بن الحسن: قال جبّاس: كانت الشَّذَوات ثمانية، وجدها في عسكره، وأحرق شذاتين كانتَا على الشطّ، وأصاب خيلًا وسلاحًا وأسلابًا، وانصرف إلى عسكره، ثم أظهر أنه يريد قصد تكين البخاريّ، وأعدّ مع الجبائيّ وجعفر بن أحمد خال ابن الخبيث الملعون المعروف بأنكلاي سفنًا، فلما وافت السفن عسكر جُعْلان؛ نهض إليها، فأوقع بها، وحازها وأوقع سليمان من جهة البرّ، فهزمه إلى الرُّصافة، واسترجع سفنه، وحاز سبعة وعشرين فرسًا ومهرين من خيل جُعْلان وثلاثة أبغل، وأصاب نهبًا كثيرًا وسلاحًا، ورجع إلى طَهيثا.
стр. 5917
قال محمد: أنكر جبّاش أن يكون لتكين في هذا الموضع ذكر، ولم يعرف خبر العبادانيّ في تكين، وزعم أنّ القصد لم يكن إلّا إلى جُعْلان، وقد كان خبره خفيَ على أهل عسكره حتى أرجفوا بأنه قد قتِل وقتل الجبّائيّ معه، فجزعوا أشدّ الجزع، ثم ظهر خبره وما كان منه من الإيقاع بجعلان، فسكنوا وقرّوا إلى أن وافَى سليمان، وكتب بما كان منه إلى الخبيث، وحمل أعلامًا وسلاحًا، ثم صار سليمان إلى الرُّصافة في ذي القعدة، فأوقع بمطر بن جامع، وهو يومئذ مقيم بها، فغنم غنائم كثيرة، وأحرق الرّصافة، واستباحها، وحمل أعلامًا إلى الخبيث، وانحدر لخمس ليالٍ خلون من ذي الحجة سنة أربع وستين ومئتين إلى مدينة الخبيث، فأقام ليعيّد هناك ويقيم في منزله، ووافى مطر بن جامع القرية المعروفة بالحجّامية، فأوقع بها، وأسر جماعة من أهلِها. وكان القاضي بها من قبَل سليمان رجلًا من أهلها يقال له: سعيد بن السيد العدويّ، فأسِر وحُمِل إلى واسط هو وثعلب بن حفص وأربعة قوّاد كانوا معه، فصاروا إلى الحرجليّة على فرسخيْن، ونصف من طهيثا، ومضى الجبائيّ في الخيل والرجُل لمعارضة مطر، فوافى الناحية وقد نال مطر ما نال منها، فانصرف عنها، وكتب إلى سليمان بالخبر، فوافى سليمان يوم الثلاثاء لليلتين بقيتا من ذي الحجة من هذه السنة، ثم صرف جُعْلان، ووافى أحمد بن ليثويْه، فأقام بالشديديّة، ومضى سليمان إلى موضع يقال له: نهر أبان، فوجد هناك قائدًا من قوّاد ابن ليثويْه يقال له: طُرْناج، فأوقع به وقثله.
قال محمد: قال جبّاش: المقتول بهذا الموضع بينَك، فأما طُرْناج فإنه قتِل بمازروان، ثم وافى الرّصافة، وبها يومئذ عسكر مطر بن جامع، فأوقع به، فاستباح عسكره، وأخذ منه سبع شَذَوات، وأحرق شَذَاتين، وذلك في شهر ربيع الآخر سنة أربع وستين ومئتين.
قال محمد: قال جبّاش: كانت هذه الوقعة بالشديديّة، والذي أخِذ يومئذ ستّ شذوات، ثم مضى سليمان في خمس شَذَوات، ورتّب قيها صناديد قوّاده وأصحابه، فواقعه تكين البخاريّ بالشديدية، وقد كان ابن ليْثويه حينئذ صار إلى ناحية الكوفة وجُنُبلَاء، فظهر تكين على سليمان، وأخذ منه الشذّوات التي كانت معه بآلتها وسلاحها، ومقاتلتها، وقتِل في هذه الوقعة جِلّة قوّاد سليمان.
стр. 5918
ثم زحف ابن ليثويْه إلى الشديديّة، وضبط تلك النواحي إلى أن ولَّى أبو أحمد محمّدًا المولَّد واسطًا.
قال محمد: قال جبّاش: لمّا وافَى ابن ليثويه الشديديّة سار إليه سليمان، فأقام يومين يقاتله، ثم تطارد له سليمان في اليوم الثالث، وتبعه ابن ليثويه فيمن تسرّع معه، فرجع إليه سليمان، فألقاه في فوّهة بردودا، فتخلص بعد أن أشفى على الغرق، وأصاب سليمان سبع عشرة دابة من دوابّ ابن ليثويه.
قال: وكتب سليمان إلى الخبيث يستمدّه، فوجّه إليه الخليل بن أبان في زُهاء ألف وخمسمئة فارس، ومعه المذوّب، فقصد عند موافاة هذا المدد إياه لمحاربة محمد المولَّد، فأوقع به فهرب المولَّد، ودخل الزَّنج واسطًا، فقتِل بها خلْق كثير، وانتهبت وأحرقت، وكان بها إذ ذاك كنجور البخاريّ، فحامى يومه ذلك إلى وقت العصر، ثم قتِل، وكان الذي يقود الخيل يومئذ في عسكر سليمان بن جامع الخليل بن أبان وعبد الله المعروف بالمذوّب، وكان الجُبّائيّ في السميريّات، وكان الزنجيّ بن مهربان في الشَّذَوات، وكان سليمان بن جامع في قوّاده من السودان ورجّالته منهم، وكان سليمان بن موسى الشعرانيّ وأخواه في خيله ورجْله مع سليمان بن جامع؛ فكان القوم جميعًا يدًا واحدةً، ثم انصرف سليمان بن جامع عن واسط، ومضى بجميع الجيش إلى جُنْبُلاء ليعيث ويخرب، ووقع بينه وبين الخليل بن أبان اختلافٌ، فكتب الخليل بذلك إلى أخيه عليّ بن أبان، فاستعفى له قائد الزنج من المُقام مع سليمان، وأذن للخليل بالرجوع إلى مدينة الخبيث مع أصحاب عليّ بن أبان وغلمانه، وتخلّف المذوَّب في الأعراب مع سليمان، وأقام بمعسكره أيامًا، ثم مضى إلى نهر الأمير، فعسكر به، ووجّه الجبائيَّ والمذوّب إلى جُنْبُلاء، فأقاما هنالك تسعين ليلة، وسليمان معسكر بنهر الأمير.
قال محمد: قال جبّاش: كان سليمان معسكرًا بالشديديّة.
* * *
[ذكر خبر خروج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامرّا]
وفي هذه السنة خرج سليمان بن وهب من بغداد إلى سامُرّا، ومعه الحسن بن وهب، وشيّعه أحمد بن الموفّق ومسرور البلخيّ وعامة القواد؛ فلما صار بسامُرّا
стр. 5919
غضب عليه المعتمد وحبسه وقيّده، وانتهب داره ودار ابنيْه وهب وإبراهيم، واستوزر الحسن بن مخلّد لثلاث بقين من ذي القعدة، فشخص الموفّق من بغداد ومعه عبيد الله بن سليمان، فلما قرب أبو أحمد من سامُرّا تحوّل المعتمد إلى الجانب الغربيّ، فعسكر به، ونزل أبو أحمد ومَنْ معه جزيرة المؤيد، واختلفت الرسل بينهما، فلمّا كان بعد أيام خَلَوْن من ذي الحجة، صار المعتمد إلى حَرّاقة في دِجْلة، وصار إليه أخوه أبو أحمد في زَلّالٍ؛ فخلع على أبي أحمد وعلى مسرور البلخيّ وكيْغَلغ وأحمد بن موسى بن بغا، فلما كان يوم الثلاثاء لثمان خلَوْن من ذي الحجة يوم التَّروية عَبَر أهلُ عسكر أبي أحمد إلى عسكر المعتمد، وأطلق سليمان بن وهب، ورجع المعتمد إلى الجوْسق، وهرب الحسن بن مخلّد وأحمَد بن صالح بن شيرزاد، وكتب في قبض أموالهما وأموال أسبابهما، وحبس أحمد بن أبي الأصبغ، وهرب القوّاد المقيمون الذين كانوا بسامرّا إلى تَكْريت، وتغيّب أبو موسى بن المتوكل، ثم ظهر، ثم شخص القوّاد الذين كانوا صاروا إلى تَكْرِيت إلى الموْصل، ووضعوا أيديهم في الجباية.
* * *
وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشميّ الكوفيّ (١).
* * *
ثم دخلت سنة خمس وستين ومئتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
[ذكر الوقعة بين أحمد بن ليثويه وسليمان قائد الزنج] (٢)
فمن ذلك ما كان من وقعة كانت بين أحمد بن لَيْثويْه وسليمان بن جامع قائد صاحب الزَّنج بناحية جُنْبُلاء.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة وسببها:
ذُكر: أن سليمان بن جامع كتب إلى صاحب الزَّنج، يخبره بحال نهر يعرف
стр. 5920
بالزهيريّ، ويسأله الإذن له في النفقة على إنفاذ كَرْيهِ إلى سوَاد الكوفة والبرار، ويُعلمِه: أنّ المسافة في ذلك قريبة، وأنه متى أنفذه تهيّأ له بذلك حَمْل كلّ ما بنواحي جُنْبُلاء وسواد الكوفة من المِيرة فوجّه الخبيث بذلك رجلًا يقال له: محمد بن يزيد البصريّ، وكتب إلى سليمان بإزاحة عِلله في المال والإقامة معه في جيشه إلى وقت فراغه، مما وُجّه له، فمضى سليمان بجميع جيشه حتى أقام بالشريطيّة نحوًا من شهر، وألقى الفعَلة في النهر؛ وخلال ذلك ما كان سليمان يتطرّق ما حوله من أهل خُسْرُ سابور؛ وكانت المِيرة تتّصل به من ناحية الصين وما والاها إلى أن واقعه ابن لَيْثويْه عامل أبي أحمد على جُنْبُلاء، فقتل له أربعة عشر قائدًا.
قال محمد بن الحسن: قتل سبعة وأربعين قائدًا وخَلْقًا من الخلق لا يحصى كثرة، واستبيح عسكره، وأحرِقت سفنه، وكانت مقيمةً في هذا النهر الذي كان مقيمًا على إنفاذه، فمضى مفلولًا حتى وافى طَهيثا، فأقام بها، ووافى الجُبّائيُّ في عقب ذلك، ثم أصعد بالموضع المعروف ببرّتمرتا، واستخلف على الشَّذَوات الاشتيام الذي يقال له الزنجيّ بن مهربان، وقد كان السلطان وجّه نُصيرًا لتقييد شامرْج، وحمْله إلى الباب، وتقلّد ما كان يتقلّده، فوافى نصير الزّنجيّ بن مهربان بعد حمله شامرج مقيّدًا بنهر برّتمرتا، وأخذ منه تسع شَذَوات، واستردّ الزنجيّ منها ستًّا.
قال محمد بن الحسن: أنكر جبّاش أن يكون الزّنجيّ بن مهربان استردّ من الشَّذَوات شيئًا، وزعم أن نصيرًا ذهب بالشَّذَوات أجمع، وانصرف إلى طَهِيثا، وبادر بالكتاب إلى سليمان، ووافاه، فأقام سليمان بطهِيثا إلى أن اتّصل به خبر إقبال الموفّق.
وفيها أوقع أحمد بن طولون بسيما الطويل بأنطاكية، فحصره بها، وذلك في المحرّم منها، فلم يزل ابن طولون مقيمًا عليها حتى افتتحها، وقتل سيما (١).
وفيها وثب القاسم بن مماه بدُلف بن عبد العزيز بن أبي دُلف بأصبهان،