وكتب المهتدي إلى موسى بن بُغا عند حبسه أبا نصر يأمره بتسليم العسكر إلى بايكباك والإقبال إلى سامرّا في مواليه، وكتب إلى بايكباك في تسلُّم العسكر والقيام بقتال الشاري، فصار بايكباك بالكتاب إلى موسى فقرأه، فاجتمعوا على الانصراف إلى سامرّا، وبلغ المهتدي ذلك، وأنهم على خلافه، فجمع الموالي، فحضّهم على الطاعة، وأمرهم بلزومه في الدّار وترك الإخلال به، وأجرى على كل رجل من الأتراك ومَنْ يجري مجراهم في كلّ يوم درهمين، وعلى كلّ رجل من المغاربة درهمًا، فاجتمع له من الفريقين وأخدانهم زهاء خمسة عشر ألف إنسان، منهم من الأتراك المعروف بالكاملي في الجوْسق وغيره من المقاصير، وكان القيّم بأمر الدار بعد حبس كيغَلغ مسرور البلخيّ والرئيس من القوّاد طبايغو والقيّم بحبس من حُبس من هؤلاء عبد الله بن تكين. وبلغ موسى ومفلحًا وبايكباك حبسُ أبي نصر وحبشون ومَنْ حُبِس، فأخذوا حذرَهم.
وجرت الرسل والكتب بينهم وبين المهتدي يوم الخميس وخرج المهتدي يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلتْ من رجب بجمعه متوقّعًا ورود القوم عليه؛ فلم يأت أحد، فلما كان يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب صحّ الخبر بأنّ موسى قد عَرَج عن طريق سامرّا إلى ناحية الجبل مع مفلح، ودخل يوم السبت بايكباك ويارجوخ وأساتكين وعليّ بن بارس وسيما الطويل وخطارمش إلى الدار، فحبس بايكباك وأحمد بن خاقان خليفته، وصُرف الباقون، فاجتمع أصحاب بايكباك وغيره من الأتراك، وقالوا: لمَ يُحبَس قائدنا؟ ولمَ قتِل أبو نصر؟ فخرج إليهم المهتدي يوم السبت - ولم يكن بينهم حرب - فرجع، وخرج يوم الأحد وقد اجتمعوا له، وجمع هو المغاربة والأتراك البرّانيين والفراغنة فصير على الميمنة مسرورًا البليخيّ، وعلى الميسرة يارجوخ، والمهتدي في القلب مع أساتكين وطبايغوا وغيرهما من القوّاد.
فلما حمِيت الشمس، قرب القوم بعضهم من بعض، وهاجت الحرب، وطلبوا بايكباك، فرمى إليهم المهتدي برأسه - وكان عتّاب بن عتاب أخرجه من بركة قبائه - فلما رأوا شدّ أخوه طغوتيا في جماعة من خاصّته على جمع المهتدي وعطفت الميمنة والميسرة من عسكر المهتدي فصاروا معهم، وانهزم الباقون عن المهتدي، وقُتل جماعة من الفريقين.
стр. 5847
فذُكر عن حَبْشون بن بغا، أنه قال: قُتِل سبعمئة وثمانون إنسانًا، ولفرّق الناس، ودخل المهتدي الدار، فأغلق الباب الذي دخل فيه، وخرج من باب المصافّ حتى خرج من الباب المعروف بإيتاخ، ثم إلى سويقة مسرور، ثم درب الواثق؛ حتى خرج إلى باب العامة، وهو ينادي: يا معشرَ الناس، أنا أمير المؤمنين؛ قاتلوا عن خليفتكم، فلم تجبه العامة إلى ذلك، وهو يمرّ في الشارع وينادي، فلم يرهم ينصرونه، فصار إلى باب السجن، فأطلق مَنْ فيه، وهو يظنّ أنهم يعينونه؛ فلم يكن منهم إلا الهرب، ولم يجبه أحد، فلمّا لم يجيبوه، صار إلى دار أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد، وقيها أحمد بن جميل صاحب الشُّرطة نازل، فدخل عليه، فأخرج من ناحية ديوان الضياع، ثم صيّر يه إلى الجوسق، فحبس فيه عند أحمد بن خاقان، وانتهب دار أحمد بن جُمَيل.
وكان ممن قتل في المعوكة من قواد المغاربة نصر بن أحمد الزبيريّ، ومن قوّاد الشاكرية عتّاب بن عتاب حين جاء يرأس بايكباك إليهم، وقتَل المهتدي - فيما قيل - في الوقعة عدة كثيرة بيده، تم جرى بينهم وبينه بعد أن حُبس كلام شديد، وأرادوه على الخلع فأبى، واستسلم للقتل، فقالوا: إنه كان كتب رُقعة بيده لموسى بن بغا وبايكباك وجماعة من القوّاد؛ أنه لا يغدر بهم ولا يغتالهم، ولا يفتك بهم ولا يهمّ بذلك، وأنه متى فعل ذلك بهم أو بأحد منهم ووقفوا عليه فهمْ في حلٍّ من بيعته، والأمر إليهم يُقعدون من شاؤوا، فاستحلُّوا بذلك نقضَ أمره.
وقد كان يارجوخ بعد انهزام الناس صار إلى الدار، فأخرج من ولد المتوكل جماعة، فصار بهم إلى داره، فبايعوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فِتْيان يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من رجب، وسُمِّي المعتمد على الله، وأشهِد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب على وفاة المهتدي محمد بن الواثق، وأنه سليم ليس به إلا الجراحتان اللتان نالتاه يوم الأحد في الوقعة؛ إحداهما من سَهْم والأخرى من ضَرْبة، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد وعدّة من إخوة أمير المؤمنين، ودُفِن في مقبرة المنتصر، ودخل موسى بن بغا ومفلح سامرّا يوم السبت لعشر بقين من رَجب، فسلّم على المعتمد فخلَع عليه، وصار إلى منزله وسكن الناس.
стр. 5848
وقال بعضهم - وذكر أنه كان شاهدًا أمرهم: لمّا كان ليلة الإثنين لليلة خلت من رجب ثار أهل الكرْخ والدّور جميعًا، فاجتمعوا، وكان المهتدي يوجّه إليهم إذا تحرّكوا أخاه عبد الله، فوجّه إليهم في هذا اليوم عبد الله أخاه كما كان يوجّهه، فصار إليهم؛ فوجَدهم قد أقبلوا يريدون الجوْسق، فكلّمهم، وضمِن لهم القيام بحوائجهم، فأبوْا وقالوا: لا نرجع حتى نصيرَ إلى أمير المؤمنين ونشكُو إليه قصتنا، فانصرف عنهم عبد الله، وفي الدار في هذا الوقت أبو نصر محمد بن بغا وحَبْشون وكَيْغَلغ ومسرور البلخيّ وجماعة؛ فلما أدّى عبد الله إلى المهتدي ما دار بينه وبينهم، أمره بالرجوع إليهم، وأن يأتيَ بجماعة منهم فيوصلَهم إليه؛ فخرج فتلقاهم قريبًا من الجوْسَق، فأرداهم على أن يقفوا بموضعهم، ويوجّهوا معه جماعة منهم فأبوْا، فلمّا تناهَى الخبر إلى أبي نصر ومَنْ كان معه في الدّار بأنّ جمعهم قد أقبل، خرجوا جميعًا من الدار مما يلي باب النزالة، فلم يبق في الدّار إلا مسرور البلخيّ وألطون خليفة كيْغَلَغ، ومن الكتّاب عيسى بن فَرُّخانشاه، ودخل الموالي مما يلي باب القصر الأحمر، فملؤوا الدار زُهاء أربعة آلاف، فصاروا إلى المهتدي، فشكْوا إليه حالهم.
وكان اعتمادهم في مسألتهم أن يعزل عنهم أمراءهم، ويضمّ أمورهم إلى إخوة أمير المؤمنين، وأن يؤخذ الأمراء والكتّاب بالخروج مما اختانوه من أموال السلطان؛ وذكروا أن قدره خمسون ومئة ألف ألف، فوعدهم النظر في أمرهم وإجابتهم إلى ما سألوا، فأقاموا يومَهم ذلك في الدّار، فوجّه المهتدي محمد بن مباشر الكرخيّ، فاشترى لهم الأسوقة، ومضى أبو نصر بن بغا من فورِه ذلك؛ حتى عسكر في الحَيْر بالقرب من موضع الحلْبة، فلحق به زهاء خمسمئة رجل، ثم تفرّقوا عنه في ليلتهم؛ فلم يبقَ إلا في أقلّ من مئة، ومضى فصار إلى المحمّدية، وأصبح الموالي في غداة يوم الأربعاء يطالبون بما كانوا يطالبون به أولًا، فقيل لهم: إن هذا الأمر الذي تريدونه أمرٌ صعب، وإخراج الأمر عن أيدي هؤلاء الأمراء ليس بسهل عليكم، فكيف إذا جمع إلى ذلك أخذهم بالأموال! فانظروا في أموركم؛ فإن كنتم تظنون أنكم تصبرون عيى هذا الأمر حتى يبلغَ منه غايته أجابكم إليه أمير المؤمنين، وإن تكن الأخرى فإنّ أميرَ المؤمنين يحسن لكم النظر، فأبوْا إلا ما سألوه أولًا، فدُعوا إلى أيمان البيعة على أن يقيموا على هذا
стр. 5849
القول، ولا يرجعوا عنه، وأن يقاتلوا مَنْ قاتلهم فيه، وينصحوا لأمير المؤمنين ويوالُوه، فأجابوه إلى ذلك، فأخذِت عليهم أيمان البيعة، فبايع في ذلك اليوم زُهاء ألف رجل وعيسى بن فرّخا نشاه الذي تجري على يده الأمور، ومقامه مقام الوزير، ثم كتبوا إلى أبي نصر كتابًا عن أنفسهم؛ كتبه لهم عيسى بن فرّخانشاه، يذكرون فيه إنكارهم خروجَه من الدار عن غير سبب، وأنهم إنما قصدوا أميرَ المؤمنين ليشكوا إليه حاجتَهم، وأنهم لما وجدوا الدار فارغة أقاموا فيها، وأنهم إذا عاد ردّوه إلى حاله، ولم يهيّجوه، وكتب عيسى عن الخليفة بمثل ذلك إليه، فأقبل من المحمّدية بين العصر والعشاء، فدخل الدار، ومعه أخوه حَبْشون وكيغلغ وبكالبا وجماعة منهم، فقام الموالي في وجوههم معهم السلاح، وقعد المهتدي، فوصل إليه أبو نصر ومَنْ معه، فسلّم عليه، ودنا فقبل يد المهتدي ورجلَه والبساط، وتأخّر فخاطبه المهتدي بأن قال له: يا محمد، ما عندك فيما يقول الموالي؟ قال: وما يقولون؟ قال: يذكرون أنكم احتجبتم الأموال، واستبددتم بالأعمال، فما تنظرون في شيء من أمورهم، ولا فيما عاد لمصلحتهم، فقال محمد: يا أميرَ المؤمنين؛ وما أنا والأموال! ما كنتُ كاتبَ ديوان، ولا جرتْ على يدي أعمال. فقال له: فأين هي الأموال؟ وهل هي إلا عندك وعند أخيك، وكتّابكم وأصحابكم! ودنا الموالي، فتقدّم عبد الله بن تكين وجماعة منهم، فأخذوا بيد أبي نصر وقالوا: هذا عدوّ أمير المؤمنين، يقوم بين يديه بسيفٍ، فأخذوا سيفَه، ودخل غلام لأبي نصر كان حاضرًا يقال له ثيتل، فسلّ سيفه، وخطا ليمنعهم من أبي نصر، وكانت خطوته تلي الخليفة، فسبقه عبد الله بن تكين، فضرب رأسه بالسيف، فما بَقيَ في الدار أحدٌ إلا سلَّ سيفه، وقام المهتدي، فدخل بيتًا كان بقربه، وأخذ محمد بنُ بغا، فأدخِل حجرة في الدار، وحُبس أصحابه الباقون، وأراد القوم قتلَ الغلام فمنعهم المهتدي، وقال: إنّ لي في هذا نظرًا ثم أمر فأعطِيَ قميصًا من الخزانة، وأمر بغسل رأسه من الدّم، وحُبِس.
فأصبح الناس يوم الأربعاء وقد كثرُوا، والبيعة تؤخذ، ثمّ أمر عبد الله بن الواثق بالخروج إلى الرفيف في ألف رجل من الشاكرية والفراغنة وغيرهم؛ وكان ممن أمر بالخروج من قوّاد خراسان محمد بن يحيى الواثقيّ وعتاب بن عتاب
стр. 5850
وهارون بن عبد الرحمن بن الأزهر وإبراهيم أخو أبي عون ويحيى بن محمد بن داود وولد نصر بن شيث وعبد الرحمن بن دينار وأحمد بن فريدون وغيرهم.
ثم إن عبد الله بن الواثق بلغه عن هؤلاء القوّاد أنهم يقولون: إنه ليس بصواب شخوصهم إلى تلك الناحية، فترك الخروج إليها.
ثم إنهم أرادوا أن يكتبوا إلى موسى ومفلح بالانصراف وتسليم العسكر إلى مَنْ فيه من القوّاد، فأجمعوا على أن يكتبوا إليهما بذلك كتابًا، وكتبا إلى بعض القوّاد في تسلّم العسكر منهما، وكتُبا إلى الصغار بما سأل أصحابهم بسامُرّا، وما أجيبوا إليه، وأمر بنسخ الكتب التي كُتبت إلى القوّاد، وأن ينظروا؛ فإن سارع موسى ومفلح إلى ما أمِرا به من الإِقبال إلى الباب في غلمانهم وتسليم العسكر إلى مَن أمِرا بتسليمه إليه؛ وإلا شدّوهما وثاقًا، وحملوهما إلى الباب، ووجّهوا هذه الكتب مع ثلاثين رجلًا منهم، فشخصوا عن سامرّا ليلة الجمعة لخمس خلون من رجب من هذه السنة، وأجْرِي على مَنْ أخِذت عليه البيعة في الدار على كلّ رجل منهم في اليوم درهمان، فكان المتولي لتفرقة ذلك عليهم عبد الله بن تكين، وهو خال ولد كنجور.
ولما تناهى الخبر إلى موسى وأصحابه اتّهم كنجور، وأمر بحبسه بعد أن ناله بالضرب، وموسى حينئذ بالسنّ، ولما انتهى الخبر إلى بايكباك وهو بالحديثة أقبل إلى السنّ، فاستخرج كنجور من الحبس، واجتمع العسكر بالسنّ، ووصل إليهم الرسل، وأوصلوا الكتب، وقرؤوا بعضها على أهل العسكر، وأخذوا عليهم البيعة بالنصرة لهم، فارتحلوا حتى نزلوا قنطرة الرفيف يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت من رجب؛ وخرج المهتدي في هذا اليوم إلى الحَير، وعرض الناس، وسار قليلًا، ثم عاد وأمر أن تخرج الخيام والمضارب فتضرب في الحَيْر، وأصبح الناس يوم الجمعة، وقد انصرف من عسكر موسى زُهاء ألف رجل؛ منهم كوتكين وحشنَج.
ثم خرج المهتدي إلى الحَيْر، ثم صيّر ميمنته عليها كوتكين، وميسرته عليها حشنَج، وصار هو في القلب، ثم رجع الرسل تختلف بين العسكرين، والذي يريد موسى بن بغا أن يُولَّى ناحية ينصرف إليها، والذي يريد القوم من موسى أن يُقبل في غلمانه ليناظرهم؛ فلم يتهيّأ بينهم في ذلك اليوم شيء.
стр. 5851
فلما كان ليلة السبت، انصرف مَنْ أراد الانصراف عن موسى، ورجع موسى ومفلح يريدان طريق خُراسان في زهاء ألف رجل، ومضى بايكباك وجماعة من قوّاده في ليلتهم مع عيسى الكرخيّ، فباتوا معه، ثم أصبحوا يوم السبت، وأقبل بايكباك ومَنْ معه حتى دخلوا الدار، فأخذت سيوفهم بايكباك ويارجوخ وأساتكين وأحمد بن خاقان وخطارمش وغيرهم، فوصلوا جميعًا إلى المهتدِي فسلّموا فأمِروا بالانصراف إلا بايكباك؛ فإنّ المهتدي أمر أن يوقَف بين يديه، ثم أقبل يعدّد عليه ذنوبه، وما ركب من أمر المسلمين والإسلام.
ثم إنّ الموالي اعترضوه، فأدخلوه حجرة في الدار، وأغلقوا عليه الباب، ثم لم يلبث إلا قدر خمس ساعات حتى قُتِل يوم السبت من الزّوال، واستوى الأمر، فلم تكن حركة، ولا تكلّم أحد إلا نفر يسير أنكروا أمر بايكباك، ولم يُظهروا كلّ الجزع، فلما كان يوم الأحد، أنكر الأتراك مساواة الفراغنة لهم في الدار ودخولهم معهم، ووَضح عندهم أنّ التدبير إنما جرى في قتل رؤسائهم حتى يقدم عليهم الفراغنة والمغاربة، فخرجوا من الدّار بأجمعهم، وبقيت الدّار على الفراغنة والمغاربة، وأنكر الأتراك بناحية الكَرْخ ذلك، وأضافوا إليه طلب بايكباك لاجتماع أصحاب بايكباك معهم، فأدخل المهتدي إليه جماعة من الفراغنة، وأخبرهم بما أنكره الأتراك، وقال لهم: إنْ كنتم تعلمون أنكم تقومون بهم؛ فما يكره أمير المؤمنين قربكم؛ وإن كنتم بأنفسكم تظنّون عجزًا عنهم أرضيناهم بالمصير إلى محبتهم من قَبْل تفاقم الأمر، فذكر الفراغنة أنهم يقومون بهم ويقهرونهم، إذا اجتمعت كلمتهم وكلمة المغاربة، وعدّدوا أشياء كثيرة من تقديمهم عليهم، وأرادوا المهتدي على الخروج إليهم؛ فلم يزل كذلك إلى الظهر، ثم ركب وأكثر الفرسان الفراغنة وأكثر الرجّالة المغاربة، ووجّه إليهم وهُم بين الكرخ والقطائع والأتراك زُهاء عشرة آلاف، وهم في ستة آلاف لم يكن معهم من الأتراك إلا أقل من ألف وهم أصحاب صالح بن وصيف وجماعة مع يارجوخ، فلما التقى الزّحفان، انحاز يارجوخ بمَن معه من الأتراك، وانهزم أصحاب صالح بن وصيف، فرجعوا إلى منازلهم وخرج طاشتُمُر من خلف الدكّة، وكانوا جعلوا كمينًا، وتصادم القوم، فكانت الحرب بينهم ساعة من النهار، ضربًا وطعنًا ورميًا.
стр. 5852
ثم وقعت الهزيمة على أصحاب المهتدي، فثبت وأقبل يدعوهم إلى نفسه، ويقاتل حتى يئس من رجوعهم؛ ثم انهزم وبيده سيف مشطّب، وعليه دِرْع وقَباء؛ ظاهَرَ به حرير أبيض معيّن، فمضى حتى صار إلى موضع خشبة بابك، وهو يحثّ الناس على مجاهدة القوم ونُصرته؛ فلم يتبعه أحد إلا جماعة من العيّارين؛ فلما صاروا إلى باب السجن تعلقوا بلجامه، وسألوه إطلاق من في السجن، فانصرف بوجهه عنهم، فلم يتركوه حتى أمر بإطلاقهم، فانصرفوا عنه، واشتغلوا بباب السجن، وبقيَ وحده، فمرّ حتى صار إلى موضع دار أبي صالح بن يَزْداد، وفيها أحمد بن جُمَيل، فدخل الدار وأغلِقت الأبواب، فنزع ثيابه وسلاحه؛ وكانت به طعنة في وركه، فطلب قمصيًا وسراويل، فأعطاه أحمد بن جُمَيل، وغسل الدّم عن نفسه، وشرب ماء وصلّى، فأقبل جماعة من الأتراك، مع يارْجوخ نحو من ثلاثين رجلًا؛ حتى صاروا إلى دار أبي صالح، فضربوا الباب حتى دخلوها؛ فلما أحسّ بهم أخذ السيف وسعى، فصعِد على درجة في الدار، ودخل القوم؛ وقد علا السطح، فأراد بعضُهم الصعود لأخذه، فضربه بالسيف فأخطأه، وسقط الرجل عن الدّرجة، فرمَوْه بالنشاب، فوقعت نُشّابة في صدره، فجرحته جراحة خفيفة، وعلم أنه الموت؛ فأعطى بيده، ونزل فرمى بسيفه فأخذوه، فجعلوه على دابة بين يدي أحدهم، وسلكوا الطريق الذي جاء منه، حتى صيّروه إلى دار يارْجوخ في القطائع، وأنهبوا الجوسق؛ فلم يبق فيه شيء، وأخرجوا أحمد بن المتوكل المعروف بابن فِتْيان - وكان محبوسًا في الجوْسق - وكتبوا إلى موسى بن بغا وسألوه الانصراف إليهم، فأقام المهتدي عندهم لم يُحدثوا في أمره شيئًا؛ فلما كان يوم الثلاثاء بايعوا أحمد بن المتوكل في القَطائع، وصاروا به يوم الأربعاء إلى الجوْسق فبايعه الهاشميون والخاصّة، وأرادوا المهتدي على الخلْع في هذه الأيام، فأبى ولم يجبهم، ومات يوم الأربعاء، وأظهروا يوم الخميس لجماعة الهاشمييّن والخاصّة، فكشفوا عن وجهه وغسلوه، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد يوم الخميس لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومئتين.
وقدم موسى بن بغا يوم السبت لعشر بقين من رجب، وركب أحمد بن فتيان إلى دار العامة يوم الإثنين لثمان بقين من رجب، فبايعوه بيعة العامة.
стр. 5853
فذكر عن محمد بن عيسى القرشيّ، أنه قال: لما صار المهتدي في أيديهم أبى أن يخلع نفسَه، فخلعوا أصابع يديْه ورجليْه من كفيه وقدميه، حتى ورمت كفاه وقدماه، وفعلوا به غير شيء حتى مات.
وقد ذكر في سبب قتل أبي نصر محمد بن بغا أنه كان خرج من سامرّا يريد أخاه موسى، فوجّه إليه المهتدي أخاه عبد الله في جماعة من المغاربة والفراغنة، فلحقوه بالرّفيف، فجيء به فحبِس وكان قد دخل على المهتدي مسلِّمًا قبل خلافهم، فقال له: يا محمد، إنما قدم أخوك موسى في جيشه وعبيده حتى يقتل صالح بن وصيف وينصرف، قال: يا أميرَ المؤمنين؛ أعيذك بالله؛ موسى عبدُك وفي طاعتك؛ وهو مع هذا في وجه عدوّ كلِب، قال: قد كان صالحٌ أنفَع لنا منه، وأحسنَ سياسة للملك، وهذا العَلَويّ قد رجع إلى الرَّيّ، قال: وما حيلته يا أمير المؤمنين؟ قد هزمه وقتل أصحابه وشرّد به كلّ مشرّد، فلما انصرف عاد، وهذا فعله أبدًا؛ اللهمّ إلا أن تأمره بالمقام بالرّيّ دهرَه، قال: دع هذا عنك، فإنّ أخاك ما صنع شيئًا أكثر من أخذ الأموال واحتجانها (١) لنفسه، فأغلظ له أبو نصر، وقال: يُنظر فيما صار إليه وإلى أهل بيته منذ وليتَ الخلافة فيردّ، ويُنْظَر ما صار إليك وإلى إخوتك فيردّ فأمر به فأخِذ وضُرِب وحُبِس، وانتُهِبت داره ودار ابن ثوابة، ثم أباح دم الحسن بن مَخْلَد وابن ثوابة وسليمان بن وهب القطان كاتب مُفلح، فهربوا فانتهِبت دورهم، ثم جاء المهتدي بالفراغنة والأشروسنية والطبرية والديالمة والإشتاخنيّة ومَنْ بقي من أتراك الكرخ وولد وصيف، فسألهم النصرة على موسى ومفلح، وضرب بينهم، وقال: قد أخذوا الأموال واستأثروا بالفيء، وأنا أخاف أن يقتلوني، وإن نصرتموني أعطيتكُم جميعَ ما فاتكم، وزدتكم في أرزاقكم، فأجابوه إلى نصره والخلاف على موسى وأصحابه، ولزموا الجَوْسق وبايعوه بيعة جديدة وأمر بالسويق والسكر فاشتُرِي لهم، وأجرَى على كلّ رجل منهم في كلّ يوم درهمين، وأطعِموا في بعض أيامهم الخبز واللحم، وتولى أمرَ جيشه أحمد بن وصيف وعبد الله بن بُغا الشرابيّ والتفتْ، معهم بنو هاشم، وجعل يركب في بني هاشم، ويدور في الأسواق، ويسأل
стр. 5854
الناس النصرة، ويقول: هؤلاء الفساق يقتلون الخلفاء، ويثِبون على مواليهم، وقد استأثروا بالفيء، فأعينوا أمير المؤمنين وانصروه، وتكلّم صالح بن يعقوب بن المنصور وغيره من بني هاشم، ثم كتب بعدُ إلى بايكباك يأمره أن يضمّ الجيش كله إليه، وأنه الأمير على الجيش أجمَع، ويأمره بأخذ موسى ومفلح.
ولما هلك المهتدي طلبوا أبا نصر بن بغا، وهم يظنُّون أنه حَيّ، فدُلوا على موضعه، فنُبِش فوجدوه مذبوحًا، فحمِل إلى أهله، وحُمِلت جثّة بايكباك فدُفنت، وكسرت الأتراك على قبر محمد بن بغا ألف سيف، وكذلك يفعلون بالسيد منهم إذا مات، وقيل إنّ المهتدي لما أبي أن يخلعها، أمروا مَنْ عَصَر خصيته حتى مات؛ وقيل: إنّ المهتدي لما احتُضر قال:
أَهُمّ بأَمْر الحزْمِ لو أَسْتطيعُهُ ... وقدْ حيلَ بينَ العيرِ والنّزوان
وقيل إنّ محمد بن بغا لم يحدثوا في أمره يوم حُبِس شيئًا، وطالبوه بالأموال، فدفع إليهم نيّفًا وعشرين ألف دينار، ثم قتلوه بعد؛ بعجوا بطنَه، وعصروا حَلْقه، وألْقِيَ في بئر من القناة، فلم يزل هنالك حتى أخرجه الموالي بعد أسرهم المهتدي بيوم، فدفن.
وكانت خلافة المهتدي كلها إلى أن انقضى أمره أحدَ عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا، وعمره كله ثمان وثلاثون سنة، وكان رحْبَ الجبهة، أجْلَح، جهم الوجه، أشْهَلَ، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرًا، طويل اللحية، وكان ولد بالقاطول (١).
стр. 5855
[ذكر أخبار صاحب الزنج مع جُعلان]
* وفي هذه السنة وافَى جعلان البصرة لحرب صاحب الزنج.
* ذكر الخبر عما كان من أمرهما هنالك:
ذكر أن جُعلان لما صار إلى البصرة زحف بعسكره منها، حتى صار بينه وبين عسكر صاحب الزَّنْج فرسخ، فخندق على نفسه ومَنْ معه، فأقام ستة أشهر في خندقه، فوجّه الزينبيُّ وُبَريه وبنو هاشم ومَنْ خفّ لحرب الخبيث، من أهل البصرة في اليوم الذي تواعدهم جعلان للقائه، فلما التقوْا لم يكن بينهم إلا الرميُ بالحجارة والنشاب، ولم يجد جعلان إلى لقائه سبيلًا لضيق الموضع بما فيه من النخل والدّغل عن مجال الخيل، وأصحابه أكثرهم فرسان (١).
فذكر عن محمد بن الحسن أنّ صاحب الزنج قال: لمّا طال مقام جُعلان في خندقه، رأيتُ أن أخفِيَ له من أصحابي جماعة يأخذون عليه مسالك الخندق، ويبيّتونه فيه، ففعل ذلك، وبيته في خندقه، فقُتِل جماعة من رجاله، ورِيع الباقون رَوْعًا شديدًا، فترك جعلان عسكره ذلك، وانصرف إلى البصرة؛ وقد كان الزينبيّ قبل بيات الخبيث جعلان جمع مقاتلة البلالية والسعدية، ثم وجّه لهم من ناحية نهر نافذ وناحية هَزَارْدر، فواقعوه من وجهين، ولقيهم الزَّنْج، فلم يثبتوا لهم، وقهرهم الزّنج، فقتلوا منهم مقتلةً عظيمة، وانصرفوا مفلولين، وانحاز جعلان إلى البصرة، فأقام بها وظهر عجزه للسلطان.
стр. 5856
وفيها صرف جُعلان عن حرب الخبيث، وأمر سعيد الحاجب بالشخوص إليها لحربه.
وفيها تحوّل صاحب الزَّنْج من السَّبْخة التي كان ينزلها إلى الجانب الغربيّ من النهر المعروف بأبي الخصيب.
وفيها أخذ صاحب الزّنج - فيما ذكر - أربعة وعشرين مركبًا من مراكب البحر، كانت اجتمعت تريد البصرة، فلمّا انتهى إلى أصحابها خبره وخبر مَنْ معه من الزّنج وقطعهم السبيل، اجتمعت آراؤهم على أن يشدُّوا مراكبهم بعضها إلى بعض؛ حتى تصير كالجزيرة، يتصل أولها بآخرها، ثم يسيروا بها في دِجْلة، فاتّصل به خبرها، فندب إليها أصحابه، وحرّضهم عليها، وقال لهم: هذه الغنيمة الباردة.
قال أبو الحسن: فسمعت صاحب الزَّنْج يقول: لمّا بلغني قربُ المراكب منى نهضت للصلاة، وأخذت في الدعاء والتضرّع، فخوطبتُ بأن قيل لي: قد أظلّك فتح عظيم، والتفتُّ فلم ألبث أن طلعت المراكب، فنهض أصحابي إليها في الجريبيّات؛ فلم يلبثوا أن حَوَوْها وقتلوا مقاتلتها، وسبَوْا ما فيها من الرّقيق، وغنموا منها أموالًا عظامًا لا تُحصَى ولا يعرف قدرها، فأنهب ذلك أصحابه ثلاثة أيام، ثم أمر بما بقي فحِيَز له.
* * *
[ذكر الخبر عن دخول الزنج الأبلّة] (١)
ولخمس بَقِين من رجب من هذه السنة، دخل الزَّنج الأبلّة، فقتلوا بها خلقًا كثيرًا وأحرقوها.
* ذكر الخبر عنها وعن سبب الوصول إليها:
ذكر أن صاحب الزّنج لما تنحّى جعلان عن خندقه بشاطئ عثمان الذي كان فيه، وانحاز إلى البصرة ألح بالسرايا على أهل الأبُلَّة، فجعل يحاربهم من ناحية
стр. 5857
شاطئ عثمان بالرجالة، وبما خفّ له من السفن من ناحيةٍ دِجْلة، وجعلت سراياه تضرب إلى ناحية نهر مَعْقِل.
فذكر عن صاحب الزّنج، أنه قال: ميّلت بين عبّادان والأبُلّة، فملتُ إلى التوجّه إلى عَبَّادان، وندبتُ الرّجالة لذلك، فقيل لي: إن أقرب العدو دارًا، وأولاه بألا تتشاغل بغيره عنه أهلُ الأبُلة، فرددت الجيش الذي كنت سيّرتُ نحو عبّادان إلى الأبُلّة. فلم يزالوا يحاربون أهل الأبُلّة إلى ليلة الأربعاء لخمس بقين من رجب سنة ست وخمسين ومئتين، فلما كان في هذه الليلة اقتحمها الزنج مما يلي دِجْلة ونهر الأبُلّة، فقتل بها أبو الأحوص وابنه، وأضرمت نارًا، وكانت مبنية بالساج محفوفة بناء متكاثفًا، فأسرعت فيها النار، ونشأت ريحٌ عاصف، فأطارت شرر ذلك الحريق حتى وصلت بشاطئ عثمان، فاحتردتىَ وقُتِل بالأبُلّة خلقٌ كثير، وغرق خلق كثير، وحُويت الأسلاب، فكان ما احترق من الأمتعة أكثر مما انتُهب.
وقتِل في هذه الليلة عبدُ الله بن حميد الطوسيّ وابنٌ له؛ كانا في شَذاة بنهر مَعْقِل مع نُصير المعروف بأبي حمزة.
* * *
[ذكر خبر استيلاء صاحب الزنج على عبّادان] (١)
وفيها استسلم أهل عبّادان لصاحب الزّنج فسلّموا إليه حصنهم.
* ذكر الخبر عن السبب الذي دعاهم إلى ذلك:
ذُكر أنّ السبب في ذلك أنّ الخبيث لما فعل أصحابُه من الزّنج بأهل الأبُلّة ما فعلوا، ضعفت قلوبهم، وخافوهم على أنفسهم وحُرمهم، فأعطوا بأيديهم، وسلموا إليه بلدهم، فدخلها أصحابه، فأخذوا مَنْ كان فيها من العبيد، وحملوا ما كان فيها من السلاح إليه، ففرّقه عليهم.
стр. 5858
[ذكر خبر دخول أصحاب الزنج الأهواز]
وفيها دخل أصحابه الأهواز وأسروا إبراهيم بن المدبر.
* ذكر الخبر عن سبب ذلك:
وكان الخبيث لما أوقع أصحابه بالأبُلّة، وفعلوا بها ما فعلوا، واستسلم له أهلُ عَبَّادان، فأخذ مماليكهم، فضمّهم إلى أصحابه من الزَّنْج، وفرّق بينهم ما أخذ من السلاح الذي كان بها، طمع في الأهواز، فاستنهض أصحابه نحو جُبّى، فلم يثبتْ لهم أهلها، وهربوا منهم، فدخلوا فقتلوا وأحرقوا، ونهبوا وأخربوا ما وراءها؛ حتى وافوا الأهواز، وبها يومئذ سعيد بن يكسين والٍ وإليه حربُها، وإبراهيم بن محمد بن المدبّر، وإليه الخراج والضّياع؛ فهرب الناس منهم أيضًا فلم يقاتلهم كثير أحد، وانحاز سعيد بن تكسين فيمَن كان معه من الجُند، وثبت إبراهيم بن المدبّر فيمن كان معه من غلمانه وخَدَمِه، فدخلوا المدينة، فاحتوَوْها، وأسروا إبراهيم بن محمد بعد أن ضُرب ضربةً على وجهه، وحوَوْا كلّ ما كان يملك من مال وأثاث ورقيق؛ وذلك يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ست وخمسين ومئتين.
ولما كان من أمره ما كان بالأهواز بعد الذي كان منه بالأبُلّة؛ رعب أهل البصرة رعبًا شديدًا، فانتقل كثير من أهلها عنها، وتفزقوا في بلدان شتَّى، وكثرت الأراجيف من عوامّها.
* * *
وفي ذي الحجة من هذه السنة وجّه صاحب الزَّنْج إلى شاهين بن بسْطام جيشًا عَليهم يحيى بن محمد البحرانيّ لحربه؛ فلم يَنَلْ يحيى من شاهين ما أمّل وانصرف عنه.
وفي رجب من هذه السنة وافى البصرة سعيد بن صالح المعروف بالحاجب من قِبَل السلطان لحرب صاحب الزَّنْج.
وفيها كانت بين موسى بن بُغا والذين كانوا توجّهوا معه إلى ناحية الجبل مخالفين لمحمد بن الواثق وبين مساور بن عبد الحميد الشاري وقعة بناحية خانِقين، ومُساور في جمع كثير وموسى وأصحابه في مئتين، فهزموا مساورًا، وقتلوا من أصحابه جماعة كثيرة.
стр. 5859
خلافة المعتمد على الله
وفيها بويع أحمد بن أبي جعفر المعروف بابن فِتْيان، وسُمِّيَ المعتمد على الله، وذلك يوم الثلاثاء لأربع عشرة بقيت من رجب (١).
* * *
وفيها بعث إلى موسى بن بغا وهو بخانقين بموت محمد بن الواثق وبيعة المعتمد، فوافى سامُرّا لعشر بقين من رجب.
ولليلتين خَلَتا من شعبان ولِيَ الوزارة عبيد الله بن يحيى بن خاقان.
وفيها ظهر بالكوفة عليّ بن زيد الطالبيّ، فوجّه إليه الشاه بن ميكال في عسكر كثيف، فلقيَه عليّ بن زيد في أصحابه، فهزمه وقتل جماعة كثيرة من أصحابه، ونجا الشاه (٢).
وفيها وثب محمد بن واصل بن إبراهيم التميميّ؛ وهو من أهلِ فارس، ورجلٌ من أكرادها يقال له: أحمد بن الليث بالحارث بن سيما الشرابيّ عامل فارس، فحارباه، فقتِل الحارث، وغلب محمد بن واصل على فارس.
وفيها وجّه مفلح لحرب مساور الشاري وكنجور لحرب عليّ بن زيد الطالبيّ بالكوفة.
وفيها غَلَب جيش الحسن بن زيد الطالبيّ على الريّ، في شهر رمضان منها.
стр. 5860
وفيها شخص موسى بن بغا لإحدى عشرة ليلةً خلت من شَوَّال منها من سامرّا إلى الرّي، وشيّعه المعتمد (١).
وفيها كانت بين أماجور وابن لعيسى بن الشيخ على باب دِمشق وقعة، فسمعتُ مَنْ ذكر أنه حضر أماجور، وقد خرج في اليوم الذي كانت فيه هذه الوقْعة من مدينة دمشق مرتادًا لنفسه عسكرًا وابنُ عيسى بن الشيخ وقائد لعيسى يقال له: أبو الصهباء في عسكر لهما بالقرب من مدينة دمشق، فاتصل بهما خبرُ خروج أماجور، وأنه خرج في نفر من أصحابه يسير، فطمعا فيه، فزحفا بمَنْ معهما إليه، ولا يعلم أماجور بزحُوفهما إليه حتى لقياه، والتحمت الحرب بين الفريقين، فقتِل أبو الصهباء، وهُزم الجمع الذي كان معه ومع ابن عيسى؛ ولقد سمعتُ مَنْ يذكر أنّ عيسى وأبا الصهباء كانا يومئذ في زُهاء عشرين ألفًا من رجالهما، وأن أماجور في مقدار مئتين إلى أربعمئة.
وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة منها قدم أبو أحمد بن المتوكل من مكة إلى سامرا.
وفيها وجّه إلى عيسى بن الشيخ إسماعيل بن عبد الله المروزيّ المعروف بأبي النصر ومحمد بن عبيد الله الكريزيّ القاضي والحسين الخادم المعروف بعرق الموت بولاية أرمينيَة، على أن يصرف عن الشأم آمنًا؛ فقبل ذلك وشخص عن الشأم إليها.
وحج بالناس في هذه السنة محمد بن أحمد بن عيسى بن أبي جعفر المنصور (٢).
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة
[ذكر خبر مسير يعقوب بن الليث إلى فارس وانصرافه عنها] (٣)
فمن ذلك ما كان من مصير يعقوب بن الليث إلى فارس، وبعثة المعتمد إليه
стр. 5861
طُغتا وإسماعيل بن إسحاق وأبا سعيد الأنصاريّ في شعبان منها، وكتاب أبي أحمد بن المتوكل إليه بولاية بَلْخ وطَخارستان إلى ما يلي ذلك من كَرْمان وسجستان والسِّند وغيرها، وما جعل له من المال في كلّ سنة، وقبوله ذلك وانصرافه.
وفي ربيع الآخر منها قدم رسول يعقوب بن الليث بأصنام ذكر أنه أخذها من كابُل.
ولاثنتي عشرة خلتْ من صفر عقد المعتمد لأخيه أبي أحمد على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن، ثم عقد له أيضًا بعد ذلك لسبع خَلَوْن من شهر رمضان على بغداد والسواد وواسط وكُور دِجلة والبصرة والأهواز وفارس، وأمر أن يُوَلّي صاحب بغداد أعماله، وأن يُعْقد ليارْجوخ على البصرة وكُور دجْلة واليمامة والبحرين مكان سعيد بن صالح، فولّى يارجوخ منصور بن جعفر بن دينار البصرة وكُور دجلة إلى ما يلي الأهواز.
* * *
[ذكر خبر انهزام الزنج أمام سعيد بن الحاجب] (١)
وفيها أمِر بُغراج باستحثاث سعيد الحاجب في المصير إلى دِجْلة والإناخة بإزاء عسكر صاحب الزَّنج، ففعل ذلك بُغراج - فيما قيل - ومضى سعيد الحاجب لما أمُرِ به من ذلك في رجب من هذه السنة.
فذُكر أن سعيدًا لمّا صار إلى نهر مَعْقِل وجد هنالك جيشًا لصاحب الزَّنج بالنهر المعروف بالمُرْغاب - وهو أحد الأنهار المعترضة في نهر معقِل - فأوقع بهم فهزمهم، واستنقذ ما في أيديهم من النِّساء والنهب، وأصابت سعيدًا في تلك الوقعة جراحات، منها جراحة في فيه، ثم سار سعيد حتى صار إلى الموضع المعروف بعسكر أبي جعفر المنصور، فأقام به ليلة، ثم سار حتى أناخ بموضع يقال له: هَطمَة من أرض الفرات، فأقام هنالك أيامًا يعبِّي أصحابه، ويستعدّ للقاء صاحب الزَّنْج، وبلغه في أيام مقامه هنالك: أن جيشًا لصاحب الزَّنْج
стр. 5862
بالفُرات، فقصد لهم بجماعة من أصحابه، فهزمهم، وكان فيهم عمران زَوْج جدّة ابن صاحب الزّنج المعروف بأنكلاي، فاستأمن عمران هذا إلى بُغراج، وتفرّق ذلك الجمع، قال محمد بن الحسن: فلقد رأيتُ المرأة من سكان الفرات تجد الزنجيَّ مستتترًا بتلك الأدغال، فتقبض عليه حتى تأتي به عسكر سعيد ما به منها امتناع، ثم قصد سعيد حرب الخبيث فعبر إلى غربيّ دجلة، فأوقع به وقعات في أيام متوالية، ثم انصرف سعيد إلى معسكر بهَطمَة، فأقام به يحاربه باقي رجب وعامّة شعبان.
* * *
[خلاص ابن المدبّر من صاحب الزنج]
وفيها تخلص إبراهيم بن محمد بن المدبر من حبس الخبيث، وكان سبب تخلصِه منه - فيما ذكر - أنه كان محبوسًا في غرفة في منزل يحيى بن محمد البحرانيّ، فضاق مكانه على البَحْراني، فأنزله إلى بيت من أبيات داره، فحبسه فيه، وكان موكَّلًا به رجلان، ملاصقٌ مسكنهما المنزل الذي فيه إبراهيم، فبذل لهما، ورغّبهما فسَرَبَا له سرَبًا إلى الموضع الذي فيه إبراهيم من ناحيتهما، فخرج هو وابن أخ له يعرف بأبي غالب ورجل من بني هاشم كان محبوسًا معهما.
* * *
[ذكر خبر إيقاع صاحب الزنج بسعيد وأصحابه]
وفيها أوقع أصحاب الخبيث بسعيد وأصحابه فقتلوه ومَنْ معه.
* ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
ذُكر أن الخبيث وجّه إلى يحيى بن محمد البحرانيّ وهو مقيم بنهر مَعْقِل في جيش كثيف يأمره بالتوجّه بألف رجل من أصحابه، يرئّس عليهم سليمان بن جامع وأبا الليث، ويأمرهما بالقَصْد لعسكر سعيد ليلًا حتى يوقعا به في وقت طلوع الفجر، ففعل ذلك، فصارا إلى عسكر سعيد، فصادفا منهم غِرّةً وغفلة، فأوقعا بهم وقْعَةً، فقتلا منهم مقتلة عظيمة، وأحرَق الزَّنج يومئذ عسكر سعيد، فضعف سعيد ومَنْ معه، ودخل أمرَهم خللٌ للبيات الذي تهيّأ عليهم،
стр. 5863
ولاحتباس الأرزاق عنهم، وكانت سبيت لهم من مال الأهواز؛ فأبطأ بها عليهم منصور بن جعفر الخياط، وكان إليه يومئذ حرب الأهواز، وله من ذلك يدٌ في الخراج.
ولما كان من أمر سعيد بن صالح ما كان، أمِر بالانصراف إلى باب السلطان وتسليم الجيش الذي معه وما إليه من العمل هنالك إلى منصور بن جعفر؛ وذلك أنّ سعيدًا ترك بعدما كان من بيات الزَّنْج أصحابه وإحراقهم عسكره؛ فلم يكن له حركة إلى أن صُرِف عمّا كان إليه من العمل هنالك.
* * *
[خبر الوقعة بين منصور بن جعفر وصاحب الزنج]
وفيها كانت وقعة بين منصور بن جعفر الخياط وبين صاحب الزّنج، قُتل فيها من أصحاب منصور جماعة كثيرة.
* ذكر الخبر عن صفة هذه الوقعة:
ذُكر أن سعيدًا الحاجب لمّا صُرف عن البصرة، أقام بُغْرَاج بها يحمِي أهلها، وجعل منصور يَجمع السفن التي تأتي بالمِيرة، ثم يُبذْرِقها في الشَّذَا إلى البصرة، فضاق بالزنج الميرة، ثم عبّأ منصور أصحابه، وجمع إلى الشذا التي كانت معه الشَّذَا الجنّابيات والسفن، وقصد صاحبَ الزَّنج في عسكره، فصعد قصرًا على دجلة، فأحرقه وما حوله، ودخل عسكر الخبيث من ذلك الوجه، ووافاه الزَّنج، وكمّنوا له كمينًا، فقتلوا من أصحابه مقتلة عظيمة، وألجئ الباقون إلى الماء، فغرق منهم خلق كثير وحمِل من الرؤوس يومئذٍ - فيما ذكر - زهاء خمسمئة رأس إلى عسكر يحيى بن محمد البحرانيّ بنهر معقِل، وأمر بنصبها هنالك.
وفيها ظَهر من بغداد بموضع يقال له: برْكةُ زلزلٍ علي خنّاق، وقد قتل خلقًا كثيرًا من النساء ودفنهنّ في دار كان فيها ساكنًا، فحمِل إلى المعتمد؛ فبلغني: أنه أمَر بضربه، فضُرِب ألفي سوط وأربعمئة أرزن فلم يمت حتى ضرب الجلّادون أنثييْه بخشب العقابيْن، فمات، فرُدّ إلى بغداد فصُلب بها ثم أحرِقت جثته.
* * *
стр. 5864
[خبر مقتل شاهين بن بسطام وهزيمة إبراهيم بن سيما]
وفيها قتل شاهين بن بسطام وهزِم إبراهيم بن سيما.
* ذُكر الخبر عن سبب مقتل شاهين وانهزام إبراهيم:
ذُكر: أن البحرانيّ كان كتب إلى الخبيث يُشير عليه بتوجيه جيش إلى الأهواز للمقام بها، ويرغّبه في ذلك، وأن يبدأ بقطع قنطرة أرْبُك؛ لئلا يصلَ الخيل إلى الجيش، وأن الخبيث وجّه عليّ بن أبان لقطع القنطرة، فلقيَه إبراهيم بن سيما منصرفًا من فارس؛ وكان بها مع الحارث بن سيما في الصَّحْراء المعروفة بدَسْت أربُك، وهي صحراء بين الأهواز والقنطرة، فلما انتهى عليّ بن أبان إلى القنطرة أقام مُخْفِيًا نفسه ومَنْ معه، فلمّا أصحرت الخيل، خرجت عليه من جهات، فقَتَلتْ من الزَّنْج خَلْقًا كثيرًا، وانهزم عليّ، وتبعته الخيل إلى الفَنْدم، وأصابته طعنة في أخمَصِه، فأمسك عن التوجّه إلى الأهواز، وانصرف على وجهه إلى جُبَّى وصُرف سعيد بن يكسين وولِّيَ إبراهيم بن سيما، وكاتبه شاهين، فأقبلا جميعًا: إبراهيم بن سيما على طريق الفرات قاصدًا لذُنَابة نهر جُبّى، وعليّ بن أبان بالخيزرانيّة؛ فأقبل شاهين بن بِسْطام على طريق نهر موسى، يقدّر لقاء إبراهيم في الموضع الذي قصد إليه، وقد اتّعدا لمواقعة عليّ بن أبان، فسبق شاهين، وأتى عليّ بن أبان رجلٌ من نهر موسى فأخبره بإقبال شاهين إليه؛ فوجّه عليّ نحوه، فالتقيا في وقت العصر على نهر يعرف بأبي العباس - وهو نهر بين نهر موسى ونهر جُبّى - ونشبت الحرب بينهما، وثبت أصحاب شاهين، وقاتلوا قتالًا شديدًا، ثم صدمهم الزّنج صدمة صادقة، فولّوْا منهزمين؛ فكان أوّل مَنْ قتِل يومئذ شاهين وابن عمّ له يقال له حيّان، وذلك أنه كان في مقدّمة القوم، وقُتِل معه من أصحابه بشر كثير، وأتى عليّ بن أبان مخبر فأخبره بورود إبراهيم بن سيما؛ وذلك بعد فراغه من أمر شاهين، فسار من فوره إلى نهر جُبّى، وإبراهيم بن سيما معسكر هنالك لا يعلم خبر شاهين، فوافاه عليّ في وقت العشاء الآخرة، فأوقع بهم وقعة غليظة قتل فيها جمعًا كثيرًا؛ وكان قتلُ شاهين والإيقاع بإبراهيم فيما بين العصر والعشاء الآخرة.
قال محمد بن الحسن: فسمعت عليّ بن أبان يحدّث عن ذلك، قال: لقد
стр. 5865
رأيتُني يومئذ، وقد ركبني حُمّى نافض كانت تعتادني، وقد كان أصحابي حين نالوا ما نالوا من شاهين تفرّقوا عني، فلم يصر إلى عسكر إبراهيم بن سيما معي إلا نحو من خمسين رجلًا، فوصلت إلى العسكر، فألقيت نفسي قريبًا منه، وجعلت أسمع ضجيج أهلِ العسكر وكلامَهم؛ فلما سكنتْ حركتهُم، نهضت فأوقعتُ بهم.
ثم انصرف عليّ بن أبان عن جُبَّى لمّا قُتِل شاهين، وهُزم إبراهيم بن سيما، لورود كتاب الخبيث عليه بالمصير إلى البصرة لحرب أهلها.
* * *
[ذكر خبر دخول الزنج البصرة هذا العام] (١)
وفيها دخل أصحاب الخبيث البصرة.
* ذكر الخبر عن سبب وصولهم إلى ذلك وما عملوا يها حين دخلوها:
ذُكر: أنّ سعيد بن صالح لمّا شخَص من البَصْرة ضمّ السلطان عملَه إلى منصور بن جعفر الخياط؛ وكان من أمرِ منصور وأمرِ أصحاب الخبيث ما قد ذكرناه قبلُ، وضعف أمر منصور، ولم يَعُدْ لقتال الخبيث في عسكره، واقتصر على بذْرقة القَيْروانات، واتّسع أهلُ البصرة لوصول الميَر إليهم؛ وكان انقطاع ذلك عنهم قد أضرّ بهم، وانتهى إلى الخبيث الخبر بذلك، واتساعُ أهل البصرة، فعظم ذلك على الخبيث، فوجّه عليّ بن أبان إلى نواحي جُبَّى، فعسكر
стр. 5866
بالخيزُرانيّة، وشغل منصور بن جعفر عن بَذْرَقة القيْروانات إلى البصرة، فعاد حال أهل البصرة إلى ما كانت عليه من الضيق، وألحّ أصحاب الخبيث على أهل البصرة بالحرب صباحًا ومساء.
فلما كان في شوال من هذه السنة أزمع الخبيث على جَمْع أصحابه للهجوم على أهل البصرة، والجدّ في خرابها، وذلك لعلمه بضعف أهلها وتفرّقهم، وإضرار الحصار بهم، وخراب ما حولها من القرى؛ وكان قد نظر في حساب النجوم، ووقف على انكساف القمر ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة تخلُو من الشهر.
فذكر عن محمد بن الحسن بن سهل أنه قال: سمعتُه يقول: اجتهدتُ في الدعاء على أهل البصرة، وابتهلت إلى الله في تعجيل خَرابها، فخوطبتُ، فقيل لي: إنما البصرة خُبْزةٌ لك تأكلها من جوانبها؛ فإذا انكسر نصْفُ الرغيف خربت البصرة؛ فأوّلْتُ انكسار نصف الرغيف انكساف القمر المتوقَّع في هذه الأيام، وما أخلق أمر البصرة أن يكون بعده.
قال: فكان يحدّث بهذا حتى أفاض فيه أصحابه، وكثر تردده في أسماعهم وإحالته إياه بينهم.
ثم ندب محمد بن يزيد الدارميّ؛ وهو أحد مَنْ كان صحبه بالبحرين للخروج إلى الأعراب، وأنفذه فأتاه منهم خَلْق كثير، فأناخوا بالقنْدل، ووجّه إليهم الخبيث سليمان بن موسى الشعرانيّ، وأمرهم بتطرّق البصرة، والإيقاع بها، وتقدّم إلى سليمان بن موسى في تمرين الأعراب على ذلك، فلمّا وقع الكسوف أنهض عليّ بن أبان، وضمّ إليه طائفة من الأعراب، وأمره بإتيان البصرة مما يلي بني سعد، وكتب إلى يحيى بن محمد البحرانيّ - وهو يومئذ محاصر أهل البصرة - في إتيانها مما يلي نهر عديّ، وضمّ سائر الأعراب إليه، قال محمد بن الحسن: قال شبل: فكان أوّل مَنْ واقع أهل البصرة عليّ بن أبان، وبُغراج يومئذ بالبصرة في جماعة من الجُند، فأقام يقاتلهم يومين، ومال الناس نحوه.
وأقبل يحيى بمن معه مما يلي قصر أنس قاصدًا نحو الجسر، فدخل عليّ بن أبان المهلبيّ وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال، فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت ويوم السبت، وغادى يحيى البصرة يوم
стр. 5867
الأحد، فتلقّاه بُغراج وبُرَيْةٌ في جَمْع فردّاه، فرجع فأقام يومه ذلك، ثم غاداهم يوم الإثنين، فدخل وقد تفرّق الجند، وهرب بُريه، وانحاز بغراج بمَن معه، فلم يكن في وجهه أحدٌ يدافعه، ولقيَه إبراهيم بن يحيى المهلبيّ، فاستأمنه لأهل البصرة فآمنهم، ونادى منادي إبراهيم بن يحيى: مَنْ أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم، فحضر أهل البصرة قاطبةً حتى ملؤوا الرّحاب، فلما رأى اجتماعَهم انتهز الفرصة في ذلك منهم، فأمر بأخذ السكك والطرق والدّرُوب لئلا يتفرقوا، وغَدر بهم، وأمر أصحابه بقتلهم، فقتل كلّ مَنْ شهد ذلك المشهد إلا الشاذّ، ثم انصرف يومَه ذلك، فأقام بقصر عيسى بن جعفر بالخُرَيبة.
قال محمد: وحدّثني الفضل بن عديّ الدارميّ، قال: أنا حين وجّه الخائن لحرب أهل البصرة في حَيز أهل البصرة مُقيمٌ في بني سعد، قال: فأتانا آت في الليل؛ فذكر أنه رأى خيلًا مجتازة تؤمّ قصر عيسى بالخرَيبة، فقال لي أصحابي: اخرج فتعرّف لنا خَبَر هذه الخيل، فخرجتُ فإذا جماعة من بني تميم وبني أسد، فسألتُهم عن حالهم، فزعموا أنهم أصحاب العَلَويّ المضمومون إلى عليّ بن أبان، وأنّ عليًّا يوافِي البصرة في غدِ تلك الليلة، وأنّ قصده لناحية بني سعد، وأن يحيى بن محمد بجمعه قاصد لناحية آل المهلب. فقالوا: قل لأصحابك من بني سعد: إن كنتم تريدون تحصينَ حُرَمكم، فبادروا إخراجهم قبل إحاطة الجيش بكم.
قال الفضل: فرجعتُ إلى أصحابي، فأعلمتُهم خبرَ الأعراب فاستعدّوا، فوجهوا إلى بُريْه يعلِمونه الخبر، فوافاهم فيمن كان بقِيَ من الخَول وجماعة من الجند وقت طلوع الفجر، فساروا حتى انتهوْا إلى خندق يعرف ببني حِمَّان، ووافاهم بنو تميم ومقاتلة السعديّة، فلم يلبثوا أن طلع عليهم عليّ بن أبان في جماعة الزَّنْج والأعراب على مُتون الخيل، فذهِل بُريه قبل لقاء القوم، فرجع إلى منزله؛ فكانت هزيمةٌ، وتفرّق مَنْ كان اجتمع من بني تميم، ووافى عليّ فلم يدافعه أحدٌ، ومرّ قاصدًا إلى المِرْبد، ووجّه بُرَيه إلى بني تميم يستصرخُهم، فنهض إليه منهم جماعة، فكان القتال بالمِرْبَد بحضرة دار بُرَيْه، ثم انهزم بُريه عن داره، وتفرّق الناس لانهزامه، فأحرقت الزنج دارَه، وانتهبوا ما كان فيها، فأقام الناس يقتلون هنالك، وقد ضعُف أهلُ البصرة، وقوِي عليهم الزَّنْج،
стр. 5868
واتصلت الحرب بينهم إلى آخر ذلك اليوم، ودخل عليّ المسجد الجامع فأحرقه، وأدركه فتح غلام أبي شيث في جماعة من البصريّين، فانكشف عليّ وأصحابه عنهم، وقُتِل من الزَّنْج قوم، ورجع عليّ فعسكر في الموضع المعروف بمقبرة بني شيبان، فطلب الناس سلطانًا يقاتلون معه فلم يجدوه، وطلبوا بُريْهًا، فوجدوه قد هرب، وأصبح أهلُ البصرة يوم السبت، فلم يأتهم عليّ بن أبان، وغاداهم يوم الأحد، فلم يقف له أحد، وظفر بالبصرة.
قال محمد بن الحسن: وحدّثني محمد بن سمعان، قال: كنت مقيمًا بالبصرة في الوقت الذي دخلها الزَّنْج، وكنت أحضرُ مجلس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المعروف ببُريه، فحضرته وحضر يوم الجمعة لعشر ليال خلون من شوال سنة سبع وخمسين ومئتين وعنده شهاب بن العلاء العنبريّ، فسمعتُ شهابًا يحدّثه أن الخائن قد وجّه بالأموال إلى البادية ليعرّض بها رجال العرب، وأنه قد جمع جمعًا كثيرًا من الخيل، وهو يريد تورّد البصرة بهم وبرجّالته من الزنج، وليس بالبصرة يومئذ من جند السلطان إلا نيّف وخمسون فارسًا مع بُغراج، فقال بُريه لشهاب: إنّ العرب لا تقدم عليّ بمساءة؛ وكان بريه مطاعًا في العرب، محبّبًا إليهم.
قال ابن سمعان: فانصرفت من مجلس بُرَيه، فلقيت أحمد بن أيوب الكاتب، فسمعته يحكي عن هارون بن عبد الرحيم الشيعيّ؛ وهو يومئذ يلي بَريد البصرة، أنّه صَحّ عنده أن الخائن جمّع لثلاث خَلوْن من شَوّال في تسعة أنفس؛ فكان وجوه أهل البصرة وسلطانها المقيم بها من الغَبَا عن حقيقة خبر الخائن على ما وصفت، وقد كان الحصار عضّ أهل البصرة، وكثر الوباء بها، واستعرَت الحرب فيها بين الحزبين المعروفين بالبلالية والسعدية.
فلما كان يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيَتْ من شوّال من هذه السنة، أغارت خيل الخائن على البَصْرة صبحًا في هذا اليوم؛ من ثلاثة أوجه من ناحية بني سَعْد والمربد والخُرَيبة؛ فكان يقودُ الجيش الذي سار إلى المِربَد عليّ بن أبان، وقد جعل أصحابه فرقتين؛ فرقة وَلّى عليها رفيقًا غلام يحيى بن عبد الرحمن بن خاقان، وأمرهم بالمصير إلى بني سعد، والفرقة الأخرى سار هو فيها إلى المِرْبَد؛ وكان يقود الخيل التي أتت من ناحية الخُريبة يحيى بن محمد الأزرق
стр. 5869
البحرانيّ، وقد جمع أصحابه من جهة واحدة؛ وهو فيهم؛ فخرج إلى كلّ فرقة من هؤلاء من خفّ مِن ضعفاء أهل البصرة، وقد جَهَدهم الجوع والحصار، وتفرّقت الخيل التي كانت مع بُغراج فرقتين: فرقة صارت إلى ناحية المِرْبَد، وفرقة صارت إلى ناحية الخُرَيبة، وقاتل من ورد ناحية بني سعد جماعة من مقاتلة السعديّة فتح غلام أبي شيث وصحبه، فلم يُغْنِ قليلٌ من أهل البصرة إلى جموع الخبيث شيئًا، وهجم القوم بخيلهم ورجلهم.
قال ابن سمعان: فإنّي يومئذ لفِي المسجد الجامع؛ إذ ارتفعت نيران ثلاث من ثلاثة أوجه: زهران والمِرْبد وبني حِمَّان في وقت واحد؛ كأنّ موقِدِيها كانوا على ميعاد؛ وذلك صدْر يوم الجمعة، وجلّ الخطب، وأيقن أهل البصرة بالهلاك، وسَعَى مَنْ كان في المسجد الجامع إلى منازلهم، ومضيتُ مبادرًا إلى منزلي؛ وهو يومئذ في سكة المِرْبد، فلقيني منهزمو أهل البصرة في السكة راجعين نحو المسجد الجامع، وفي أخراهم القاسم بن جعفر بن سليمان الهاشميّ؛ وهو على بغل متقلّد سيفًا يصيح بالناس: ويحكم! أتسلمون بلدكم وحرمكم! هذا عدوّكم قد دخل البلد، فلم يلووا عليه، ولم يسمعوا منه، فمضى وانكشفت سكة المِرْبد؛ فصار بين المنهزمين والزَّنج فيها فضاء يسافر فيه البَصر.
قال محمد: فلما رأيتُ ذلك دخلت منزلي، وأغلقت بابي، وأشرفتُ فإذا خيل من الأعراب ورجّالة الزنج، تقدَّمهم رجل على حصان كُميت، بيده رمح، عليه عَذبة صفراء؛ فسألت بعد أن صِير بي إلى مدينة الخائن عن ذلك الرجل، فادّعى عليّ بن أبان أنه ذلك الرجل، وأنَّ الراية الصفراء رايتُه، ودخل القوم، فغابوا في سكة المِرْبد إلى أن بلغوا باب عثمان؛ وذلك بعد الزوال ثم انصرفوا، فظنّ الناس من رعاع أهل البصرة وجهالهم أنّ القوم قد مضوْا لصلاة الجمعة، وكان الذي صرفهم أنهم خشوا أن يخرجَ عليهم جمع السعديّة والبلالية من المربَّعة، وخافوا الكمناء هناك فانصرفوا وانصرف من كان بناحية زَهْران وبني حصن؛ وذلك بعد أن أحرقوا وأنهبوا واقتدروا على البلد، وعلموا أنه لا مانع لهم منه، فأغبُّوا السبت والأحد، ثم غادوا البصرة يوم الإثنين، فلم يجدوا عنها مدافعًا، وجُمع الناس إلى باب إبراهيم بن يحيى المهلبيّ وأعطوا الأمان.
قال محمد بن سمعان: فحدثني الحسن بن عثمان المهلبيّ الملقب بمُنْدَلِقَة
стр. 5870
- وكان من أصحاب يحيى بن محمد - قال: أمرني يحيى في تلك الغداة بالمصير إلى مقبرة بني يَشْكر، وحَمْل ما كان هناك من التنانير، فصرتُ إليها، فحملتُ نَيّفًا وعشرين تَنّورًا على رؤوس الرجال، حتى أتيت بها دار إبراهيم بن يحيى، والناس يظنّون أنها تعدّ لاتخاذ طعام لهم؛ وهم من الجوع وشدة الحصار والجهد على أمر عظيم، وكثر الجمع بباب إبراهيم بن يحيى، وجعلوا ينوبون ويزدادون؛ حتى أصبحوا وارتفعت الشمس.
قال ابن سمعان: وأنا يومئذ قد انتقلت من سكة المربد من منزلي إلى دار جدّ أمي هشام المعروف بالدافّ، وكانت في بني تميم، وذلك للذي استفاض في الناس من دخول بني تميم في سِلْم الخائن؛ فإني لهناك إذ أتى المخبرون بخبر الوَقْعة بحضرة دار إبراهيم بن يحيى، فذكروا أن يحيى بن محمد بن البحرانيّ أمر الزَّنج، فأحاطوا بذلك الجمع، ثم قال: مَنْ كان من آل المهلب فلْيدخل دار إبراهيم بن يحيى، فدخلتْ جماعة قليلة، وأغلقوا الباب دونهم، ثم قيل للزَّنج: دونكم الناس فاقتلوهم، ولا تُبقوا منهم أحدًا، فخرج إليهم محمد بن عبد الله المعروف بأبي الليث الأصبهاني، فقال للزَّنج: كيلوا - وهي العلامة التي كانوا يعرفونها فيمن يؤمرون بقتله - فأخذ الناسَ السيف.
قال الحسن بن عثمان: فإني لأسمع تشهّدهم وضجيجهم، وهم يقتَلون، ولقد ارتفعت أصواتهم بالتشهّد؛ حتى لقد سمعت بالطُّفَاوة، وهم على بعُد من الموضع الذي كانوا به، قال: ولما أتِيَ على الجمع الذي ذكرنا أقبل الزّنج على قتل مَنْ أصابوا، ودخل عليّ بن أبان يومئذ، فأحرق المسجد الجامع، وراح إلى الكَلّاء، فأحرقه من الجبل إلى الجسر، والنار في كلّ ذلك تأخذ في كلّ شيء مَرّت به من إنسان وبهيمة وأثاث ومتاع، ثم ألحّوا بالغُدوّ والرّواح على مَنْ وجدوا يسوقونهم إلى يحيى بن محمّد؛ وهو يومئذ نازلٌ بسَيْحان؛ فمن كان ذا مال قرّره حتى يستخرج ماله ويقتله، ومن كان مُمْلِقًا قتله.
وذُكِرَ عن شبْل أنه قال: باكر يحيى البصْرة يوم الثلاثاء بعد قتل مَنْ قتل بباب إبراهيم بن يحيى، فجعل ينادي بالأمان في الناس ليظهروا، فلم يظهر له أحدٌ، وانتهى الخبر إلى الخبيث، فصرف عليّ بن أبان عن البصرة، وأفرد يحيى بها لموافقة ما كان أتى يحيى من القتل إياه ووقوعه لمحبّته، وأنه استقصر ما كان من
стр. 5871
عليّ بن أبان المهلبيّ من الإمساك عن العيْث بناحية بني سعد.
وقد كان عليّ بن أبان أوفد إلى الخبيث من بني سعد وفدًا، فصاروا إليه، فلم يجدوا عنده خيرًا، فخرجوا إلى عَبّادان، وأقام يحيى بالبصرة، فكتب إليه الخبيث يأمره بإظهار استخلاف شِبْل على البصرة ليسكن الناس، ويظهر المستخفي، ومَنْ قد عُرف بكثرة المال، فإذا ظهروا أخِذوا بالدلالة على ما دفنوا وأخفَوْا من أموالهم، ففعل ذلك يحيى؛ فكان لا يخلو في يوم من الأيام من جَماعة يُؤتى بهم، فمَنْ عُرف منهم باليسار استنظف ما عنده وقتله، ومن ظهرت له خَلّتهُ عاجله بالقتل؛ حتى لم يدع أحدًا ظهر له إلا أتى عليه، وهرب الناس على وجوههم، وصرف الخبيث جيشه عن البصرة.
قال محمد بن الحسن: ولما أخرب الخائن البصرة، وانتهى إليه عظيم ما فعل أصحابه فيها، سمعته يقول: دعوتُ على أهل البصرة في غداة اليوم الذي دخلها أصحابي، واجتهدت في الدعاء، وسجدت، وجعلت أدعو في سجودي، فرُفعتْ إليّ البصرة، فرأيتها ورأيت أصحابي يقاتلون فيها، ورأيت بين السماء والأرض رجلًا واقفًا في الهواء في صورة جَعْفر المعلوف المتوَلّي كان للاستخراج في ديوان الخراج بسامُرّا، وهو قائم قد خفض يده اليسرى، ورفع يده اليمنى، يريد قلب البصرة بأهلها، فعلمتُ أن الملائكة تولّت إخرابها دون أصحابي ولو كان أصحابي تولَّوْا ذلك لما بلغوا هذا الأمر العظيم الذي يحكى عنها، وإن الملائكة لتنصرني وتؤيدني في حربي، وتثبِّت مَن ضعُف قلبه من أصحابي.
قال محمد بن الحسن: وانتسب الخبيث إلى يحيى بن زيد بن عليّ بعد إخرابه بالبصرة، وذلك لمصير جماعة من العلويّة الذين كانوا بالبصرة إليه، وأنه كان فيمن أتاه منهم عليّ بن أحمد بن عيسى بن زيد، وعبد الله بن عليّ في جماعة من نسائهم وحُرَمهم، فلمَّا جاؤوه ترك الانتساب إلى أحمد بن عيسى، وانتسب إلى يحيى بن زيد.
قال محمد بن الحسن: سمعتُ الخبيث وقد حضره جماعة من النوْفليّين، فقال القاسم بن الحسن النوفليّ: إنه قد كان انتهى إلينا أنك من ولد أحمد بن عيسى بن زيد، فقال: لست من ولد عيسى، أنا من ولد يحيى بن زيد. وهو في ذلك كاذب، لأن الإجماع في يحيى أنه لم يعقِب إلا بنتًا ماتت وهي ترضع.
стр. 5872
[ذكر الخبر عن الحرب بين محمد المولَّد والزنج] (١)
وفيها أشخص السلطان محمدًا المولّد إلى البصرة لحرب صاحب الزَّنْج، فشخص من سامُرّا يوم الجمعة لليلة خلت من ذي القعدة.
* ذكر الخبر عما كان من أمر المولَّد هناك:
ذكر أن محمدًا المعروف بالمولَّد لما صار إلى ما هنالك نزل الأبُلّة، وجاء بُرَيه، فنزل البصرة، واجتمع إلى بُريه من أهل البصرة خلق كثير ممن كان هرب، وكان يحيى حين انصرف عن البصرة أقام بالنهر المعروف بالغوثيّ.
قال محمد: قال شِبْل: فلما قدم محمد المولَّد كتب الخبيث إلى يحيى يأمره بالمصير إلى نهر أوّا، فصار إليه بالجيش، وأقام يحارب المولّد عشرة أيام، ثم أوطن المولّد المقام، واستقرّ وفتر عن الحرب، فكتب الخبيث إلى يحيى يأمره بتبييته، ووجَّه إليه الشذا مع المعروف بأبي الليث الأصبهانيّ، فبيّته ونهض المولَّد بأصحابه، فقاتلهم بقية ليلته ومن غدٍ إلى العصر، ثم ولى منصرفًا، ودخل الزّنج عسكره، فغنموا ما فيه، فكتب يحيى إلى الخبيث بخبره، فكتب إليه يأمره باتباعه، فاتبعه إلى الحوانيت، وانصرف، فمرّ بالجامدَة، فأوقع بأهلها، وانتهب كلَّ ما كان في تلك القرى، وسفَك ما قدر على سفكه من الدماء، ثم عسكر بالجالة، فأقام هناك مدّة، ثمّ عاد إلى نهر معقل.
وفيها أخذ محمد المولّد سعيد بن أحمد بن سعيد بن سَلْم الباهليّ، وكان قد تغلّب على البطائح، هو وأصحابه من باهلة وأفسدوا الطريق.
وفيها خالف محمد بن واصل السلطان بفارس، وغلب عليها.
وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن إسحاق بن الحسن بن إسماعيل بن العباس بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس (٢).
стр. 5873
وفيها وثب بسيل المعروف بالصقلبيّ - وقيل له الصقلبيّ وهو من أهل بيت المملكة، لأن أمه صقلبيَّة - على ميخائيل بن توفيل ملك الروم فقتله، وكان ميخائيل منفردًا بالمملكة أربعًا وعشرين سنة، وتملّك الصقلبيّ بعده على الروم (١).
* * *
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة
فمن ذلك ما كان من الموافاة بسعيد بن أحمد بن سعيد بن سلْم الباهليّ باب السلطان، وأمر السلطان بضربه بالسياط، فضرب سبعمئة سوط - فيما قيل - في شهر ربيع الآخر منها، فمات فصُلِب (٢).
وفيها ضُرب عنق قاضٍ لصاحب الزَّنج، كان يقضي له بعبّادان، وأعناق أربعة عشر رجلًا من الزَّنْج بباب العامّة بسامُرّا؛ كانوا أسِرُوا من ناحية البصرة (٣).
وفيها أوقع مُفْلح بأعراب بتَكريت، ذكر أنهم كانوا مايلوا الشاري مساورًا.
وفيها أوقع مسرور البلخيّ بالأكراد اليعقوبيّة فهزمهم، وأصاب فيهم.
وفيها دخل محمد بن واصل في طاعة السلطان، وسلم الخراج والضياع بفارس إلى محمد بن الحسين بن الفيّاض.
وعقد المعتمد يوم الإثنين لعشر بقين من شهر ربيع الأول لأبي أحمد أخيه على ديار مُضر وقنَّسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس مستهلّ شهر ربيع الآخر، فخلع عليه وعلى مُفلِح، فشخصا نحو البصرة، وركب ركوبًا عامًّا، وشيع أبا أحمد إلى بَرْكُوَار، وانصر (٤).
стр. 5874
[ذكر الخبر عن قتل منصور بن جعفر الخياط]
وفيها قُتِل منصور بن جعفر بن دينار الخياط.
* ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان أمره:
ذكر: أن الخبيث لما فرغ أصحابه من أمر البصرة؛ أمر عليّ بن أبان المهلبيّ بالمصير إلى جُبّى لحرب منصور بن جعفر، وهو يومئذ بالأهواز، فخرج إليه فأقام بإزائه شهرًا، وجعل منصور يأتي عسكر عليّ وهو مقيم بالخيزُرانيّة، ومنصور إذ ذاك في خفّ من الرجال، فوجّه الخبيث إلى عليّ بن أبان باثنتي عشرة شذاة مشحونة بجُلْدِ أصحابه، وولّى أمرها المعروف بأبي الليث الأصبهاني، وأمره بالسمع والطاعة لعليّ بن أبان فصار المعروف بأبي الليث إلى عليّ، فأقام مخالفًا له، مستبدًّا بالرأي عليه، وجاء منصور كما كان يجيء للحرب، ومعه شذوات، فبدر إليه أبو الليث عن غير مؤامرة منه لعليّ بن أبان، فظفر منصور بالشَّذَوات التي كانت معه، وقَتَل فيها من البِيضان والزَّنج خلقًا كثيرًا، وأفلت أبو الليث، فانصرف إلى الخبيث، فانصرف عليّ بن أبان وجميع مَنْ كان معه، فأقاموا شهرًا، ثم رجع عليّ لمحاربة منصور في رجاله، فلما استقرّ عليّ وجّه طلائع يأتونه بأخبار منصور، وعساكره، وكان لمنصور والمقيم بِكَرْنبا، فبيّت عليّ بن أبان ذلك القائد، فقتله وقتل عامّة مَنْ كان معه، وغنم ما كان في عسكره، وأصاب أفراسًا، وأحرق العسكر، وانصرف من ليلته حتى صار في ذُنابة نهر جُبَّى، وبلغ الخبر منصورًا، فسار حتى انتهى إلى الخيزُرانيّة، فخرج إليه عليّ في نُفَير من أصحابه، وكانت الحرب بينهما منذ ضحى ذلك اليوم إلى وقت الظهر، ثم انهزم منصورٌ، وتفرّق عنه أصحابُه، وانقطع عنهم، وأدركته طائفة من الزَّنْج اتبعوا أثره إلى نهر يعرف بعمر بن مهْران، فلم يزل يكرّ عليهم حتى تقصّفت رماحه، ونفدت سهامه، ولم يبق معه سلاح، ثم حمل نفسه على النهر ليعبر، فصاح بحصان كان تحته؛ فوثب وقصرت رجلاه، فانغمس في الماء.
قال شبل: كان سبب تقصير الفرس عن عبور النهر بمنصور: أنّ رجلًا من الزّنْج كان ألقى نفسه لمَّا رأى منصورًا قاصدًا نحو النهر يريد عبورَه فسبقه سباحةً،
стр. 5875
فلما وثب الفرس تلقاه الأسود، فنكص به، فغاضا معًا، ثم أطلع منصور رأسَه، فنزل إليه غلام من السودان من عُرفاء مصِلح يقال له: أبرون، فاحتزَّ رأسَه وأخذ سَلبه، وقُتل ممن كان معه جماعة كثيرة، وقُتل مع منصور أخوه خَلَف بن جعفر، فولّى يارجوخ ما كان إلى منصور من العمل أصغجون.
* * *
[ذكر الخبر عن قتل مفلح]
ولاثنتي عشرة بقيتْ من جُمادى الأولى منها، قُتِل مُفلِح بسهم أصابه بغير نصل في صُدغه يوم الثلاثاء، فأصبح ميتًا يوم الأربعاء في غدِ ذلك اليوم، وحُمِلت جثّته إلى سامُرّا، فدفن بها.
* ذكر الخبر عن سبب مقتله وكيف كان الوصول إليه:
قد مضى ذكري شخوص أبي أحمد بن المتوكل من سامُرّا إلى البصرة لحرب اللعين لمَّا تناهى إليه وإلى المعتمد ما كان من فظيع ما ركب من المسلمين بالبصرة، وما قرب منها من سائر أرض الإسلام، فعاينتُ أنا الجيش الذي شخص فيه أبو أحمد ومفلح ببغداد، وقد اجتازوا بباب الطاق، وأنا يومئذ نازلٌ هنالك، فسمعت جماعةً من مشايخ أهل بغداد يقولون: قد رأينا جيوشًا كثيرة من الخلفاء، فما رأينا مثلَ هذا الجيش أحسن عُدّة، وأكمل سلاحًا وعتادًا، وأكثر عددًا وجمعًا، وأتبع ذلك الجيش من متسوّقة أهل بغداد خلق كثير.
وذكر عن محمد بن الحسن أن يحيى بن محمد البحرانيّ كان مقيمًا بنهر معقِل قبل موافاة أبي أحمد موضعَ الخبيث، فاستأذنه في المصير إلى نهر العباس، فكره ذلك وخاف أن يوافيَه جيشُ السلطان، وأصحابه متفرّقون، فألحّ عليه يحيى حتى أذن له، فخرج واتّبعَه أكثر أهله عسكر الخبيث.
وكان عليّ بن أبان مقيمًا بجُبَّى في جمع كثير من الزَّنج، والبصرة قد صارت مغنمًا لأهل عسكر الخبيث؛ فهم يغادونها ويراوحونها لنقل ما نالته أيديهم منها، فليس بعسكر الخبيث يومئذ من أصحابه إلا القليل؛ فهو على ذلك من حاله حتى وافى أبو أحمد في الجيش الذي كان معه فيه مفلح، فوافى جيشٌ عظيم هائل لم يرد على الخبيث مثله؛ فلمَّا انتهى إلى نهر معقِل هرب مَنْ كان هناك من جيش
стр. 5876
الخبيث، فلحقوا به مرعوبين، فراع ذلك الخبيث، فدعى برئيسين من رؤساء جيشه الذي كان هناك، فسألهما عن السبب الذي له تركا موضعهما؛ فأخبراه بما عاينا من عظم أمر الجيش الوارد، وكثرة عدد أهله وإحكام عُدّتهم؛ وأنّ الذي عاينا من ذلك لم يكن في قوتهما الوقوف له في العِدّة التي كانا فيها، فسألهما: هل علما مَنْ يقود الجيش؟ فقالا: لا قد اجتهدنا في علم ذلك، فلم نجد من يصدُقنا عنه، فوجّه الخبيث طلائعَه في سُميريّات لتعرف الخبر، فرجعت رسله إليه بتعظيم أمر الجيش وتفخيمه؛ ولم يقف أحدٌ منهم على مَنْ يقوده ويرأسه، فزاد ذلك في جزعه وارتياعه، فبادر بالإرسال إلى عليّ بن أبان، يعلمه خبر الجيش الوارد، ويأمره بالمصير إليه فيمن معه، ووافى الجيش، فأناخ بإزائه؛ فلما كان اليوم الذي كانت فيه الوقعة وهو يوم الأربعاء، خرج الخبيث ليطوف في عسكره ماشيًا، ويتأمل الحال فيمن هو مقيم معه من حزبه ومَنْ هو مقيم بإزائه، من أهل حربه، وقد كانت السّماء مطرت في ذلك اليوم مطرًا خفيفًا والأرض ثريّة تزل عنها الأقدام، فطوف ساعة من أول النهار، ثم رجع فدعا بدواة وقرطاس لينفذ كتابًا إلى عليّ بن أبان، يعلمه ما قد أظلّه من الجيش ويأمره بتقديم مَنْ قدر على تقديمه من الرّجال، فإنه لَفِي ذلك إذ أتاه المكتنى أبا دُلف - وهو أحد قوّاد السودان - فقال له: إن القوم قد صعدوا وانهزم عنهم الزَّنج، وليس في وجوههم مَنْ يردّهم حتى انتهوْا إلى الحبل الرابع. فصاح به وانتهره، وقال: اغرُب عني فإنك كاذب فيما حكيتَ؛ وإنما ذلك جزع دخلك لكثرة ما رأيتَ من الجمع، فانخلع قلبُك، ولست تدري ما تقول.
فخرج أبو دلف من يديه، وأقبل على كاتبه، وقد كان أمر جعفر بن إبراهيم السجّان بالنداء في الزَّنج وتحريكهم للخروج إلى موضع الحرب، فأتاه السجّان، فأخبره أنه قد ندب الزَّنج، فخرجوا، وإنّ أصحابه قد ظفروا بسُمَيريّتين، فأمره بالرجوع لتحريك الرّجّالة، فرجع ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرًا، حتى أصيب مفلح بسهم غَرَبٍ لا يُعرف الرامي به، ووقعت الهزيمة، وقَويَ الزنج على أهل حربهم، فنالوهم بما نالوهم به من القتل، ووافى الخبيث زنجه بالرؤوس قابضين عليها بأسنانهم حتى ألقوْها بين يديه، فكثرت الرؤوس يومئذ حتى ملأت كلّ شيء، وجعل الزّنج يقتسمون لحوم القتلى ويتهادوْنها بينهم.
стр. 5877
وأتى الخائن بأسير من أبناء الفراغنة، فسأله عن رأس الجيش، فأعلمه بمكان أبي أحمد ومفْلِح، فارتاع لذكر أبي أحمد - وكان إذا راعه أمر كذّب به - فقال: ليس في الجيش غير مفلِح! لأني لست أسمع الذكر إلا له؛ ولو كان في الجيش مَن ذكر هذا الأسير لكان صوتُه أبعد، ولمَا كان مفلح إلَّا تابعًا له، ومضافًا إلى صحبته.
وقد كان أهلُ عسكر الخبيث لمَّا خرج عليهم أصحاب أبي أحمد، جزعوا جزعًا شديدًا، وهربوا من منازلهم، ولجؤوا إلى النهر المعروف بنهر أبي الخصيب ولا جسر يومئذ عليه، فغرق فيه يومئذ خلق كثير من النساء والصبيان، ولم يلبث الخبيث بعد الوقعة إلا يسيرًا، حتى وافاه عليّ بن أبان في جمع من أصحابه، فوافاه وقد استغنى عنه، ولم يلبث مُفلحٌ أن مات، وتحيّز أبو أحمد إلى الأبُلّة، ليجمع ما فرّقت الهزيمة منه، ويجدّد الاستعداد، ثم صار إلى نهر أبي الأسد فأقام به.
قال محمد بن الحسن: فكان الخبيث لا يدري كيف قُتل مُفْلِح، فلما بلغه أنه أصيب بسهم، ولم ير أحدًا ينتحل رميَه ادّعى: أنه كان الراميَ له.
قال: فسمعته يقول: سقط بين يديّ سهم، فأتاني به واح خادمي، فدفعه إليّ، فرميت به فأصبت مفلحًا.
قال محمد: وكذَب في ذلك، لأني كنت حاضرًا ذلك المشهد، وما زال عن فرسه، حتى أتاه المخبر بخبر الهزيمة، وأتِيَ بالرؤوس وانقضت الحرب.
* * *
وفي هذه السنة وقع الوباء في الناس في كور دِجْلة، فهلك فيها خَلْق كثير في مدينة السَّلام وسامُرّا وواسط وغيرها.
وفيها قُتل خرسخارس ببلاد الروم في جماعة من أصحابه.
* * *
стр. 5878
[ذكر خبر أسر يحيى بن محمد البحرانيّ ثم قتله] (١)
وفيها أسِر يحيى بن محمد البحرانيّ صاحب قائد الزّنج، وفيها قُتِل.
* ذكر الخبر عن أسره وقتله وكيف كان ذلك:
ذكِر عن محمد بن سمعان الكاتب أنه قال: لمّا وافَى يحيى بن محمد نهر العباس، لقيه بفُوّهة النهر ثلثمئة وسبعون فارسًا من أصحاب أصغجون العامل - كان عامل الأهواز في ذلك الوقت، كانوا مرتّبين في تلك الناحية - فلما بصر بهم يحيى استقلّهم، ورأى كثرة مَنْ معه من الجمع مما لا خوف عليه معهم، فلقيتهم أصحابه غير مستجنّين بشيء يردّ عنهم عاديتهم، ورشقتهم أصحابُ أصغجون بالسهام، فأكثروا الجراح فيهم، فلمّا رأى ذلك يحيى عبّر إليهم عشرون ومئة فارس كانت معه، وضمّ إليهم من الرّجال جمعًا كثيرًا، وانحاز أصحاب أصغجون عنهم، وولج البحرانيّ ومَنْ معه نهر العباس؛ وذلك وقت قلّة الماء في النهر، وسفنُ القَيْروانات جانحة على الطين.
فلما أبصر أصحابُ تلك السفن بالزَّنج تركوا سفنَهم، وحازها الزَّنج، وغنموا ما كان فيها غنائم عظيمة جليلة، ومضوْا بها متوجّهين نحو البطيحة المعروفة ببطيحة الصحناة، وتركوا الطريق النّهج، وذلك للتحاسد الذي كان بين البحرانيّ وعليّ بن أبي المهلبيّ، وإن أصحاب يحيى أشاروا عليه ألا يسلك الطريق الذي يمرّ فيها بعسكر عليّ، فأصغى إلى مشورتهم، فشرعوا له الطريق المؤدي إلى البطيحة التي ذكرنا، فسلكها حتى ولج البطيحة، وسرّح الخيل التي كانت معه، وجعل معها أبا الليث الأصبهانيّ، وأمره بالمصير بها إلى عسكر قائد الزَّنج، وكان الخبيث وجّه إلى يحيى البحرانيّ يعلمه ورودَ الجيش الذي ورد عليه، ويأمره بالتحرّز في منصرفه من أن يلقاه أحدٌ منهم، فوجّه البحرانيّ الطلائع إلى دِجْلة فانصرفت طلائعه وجيش أبي أحمد منصرف من الأبُلّة إلى نهر أبي الأسد، وكان السبب في رجوع الجيش إلى نهر أبي الأسد: أنّ رافع بن بِسطام وغيره من مجاوري نهر العباس وبطيحة الصّحْناة كتبوا إلى أبي أحمد
стр. 5879
يعرّفونه خبر البحرانّي وكثرة جمعه، وأنه يقدّر أن يخرج من نهر العباس إلى دِجْلة فيسبق إلى نهر أبي الأسد ويعسكر به، ويمنعه المِيرة، ويحولُ بينه وبين من يأتيه أو يصدر عنه، فرجعت إليه طلائعهُ بخبره، وعظم أمر الجيش عنده، وهيبته منه؛ فرجع في الطريق الذي كان سلكه بمشقة شديدة نالتْه ونالت أصحابه، وأصابهم وباء من تردّدهم في تلك البطيحة، فكثر المرض فيهم، فلما قربوا من نهر العباس جعل يحيى بن محمد سليمان بن جامع على مقدّمته، فمضى يقود أوائل الزَّنْج، وهم يجرّون سفنهم، يريدون الخروج من نهر العباس، وفي النهر للسلطان شذوات وسميريات تحمي فوّهته من قبل أصغجون، ومعها جَمْعٌ من الفُرْسان والرّجالة، فراعه وأصحابه ذلك، فخلَّوْا سفنهم، وألقَوْا أنفسَهم في غربيّ نهر العباس، وأخذوا على طريق الزّيدان ماضين نحو عسكر الخبيث، ويحيى غارّ بما أصابهم، لم يأتِه علم شي من خبرِهم، وهو متوسِّط عسكره، قد وقف على قنطرة قُورَج العباس في موضع ضيّق تشتدّ فيه جرية الماء، فهو مشرف على أصحابه الزَّنْج وهم في جرّ تلك السفن التي كانت معهم، فمنها ما يغرق، ومنها ما يسلم.
قال محمد بن سمعان: وأنا في تلك الحال معه واقف، فأقبل عليّ متعجّبًا من شدّة جرية الماء وشدّة ما يلقى أصحابه من تلقّيه بالسفن، فقال لي: أرأيتَ لو هجم علينا عدوّنا في هذه الحال، مَنْ كان أسوأ حالًا منا! فما انقضى كلامُه حتى وافاه طاشتمر التركيّ في الجيش الذي أنفذه إليهم أبو أحمد عند رجوعه من الأبُلّة إلى نهر أبي الأسد، ووقعت الضّجّة في عسكره.
قال محمد: فنهضت مُتشوقًا للنظر؛ فإذا الأعلام الحمر قد أقبلتْ في الجانب الغربيّ من نهر العباس ويحيى به، ولما رآها الزَّنْج ألقَوْا أنفسهم في الماء جملة، فعبروا إلى الجانب الشرقيّ، وعرِيَ الموضع الذي كان فيه يحيى، فلم يبق معه إلا بضعة عشر رجلًا، فنهض يحيى عند ذلك، فأخذ درقتَه وسيفه، واحتزم بمنديل، وتلقَّى القوم الذين أتوْه في النفر الذين معه، فرشقهم أصحاب طاشتمر بالسهام، وأسرع فيهم الجراح، وجرح البحرانيّ بأسهم ثلاثة في عَضُدْيه وساقه اليسرى، فلما رآه أصحابه جريحًا تفرّقوا عنه، فلم يعرَف فيقصد له، فرجع حتى دخل بعض تلك السفن، وعَبَر به إلى الجانب الشرقيّ من النهر؛ وذلك وقت
стр. 5880
الضحى من ذلك اليوم، وأثقَلت يحيى الجراحات التي أصابتْه، فلما رأى الزّنج ما نزل به اشتدّ جزعهم، وضعفت قلوبهم، فتركوا القتال، وكانت همّتهم النجاة بأنفسهم، وحاز أصحاب السلطان الغنائم التي كانت في السفن بالجانب الغربى من النهر؛ فلما حَوَوْها أقعدوا في بعض تلك السفن النّفاطين وعبّروهم إلى شرقيّ النهر، فأحرقوا ما كان هناك من السفن التي كانت في أيدي الزّنج، وانفضّ الزَّنج عن يحعى، فجعلوا يتسللون بقية نهارهم بعد قتل فيهم ذريع، وأسر كثير؛ فلمّا أمسوا وأسدف الليل طارُوا على وجوههم، فلما رأى يحيى تفرّق أصحابه، ركب سُمَيريّة كانت لرجل من المقاتلة البِيضان، وأقعَد معه فيها متطبِّبًا يقال له عبّاد يعرف بأبي جيش؛ وذلك لِمَا كان به من الجراح، وطمع في التخلّص إلى عسكر الخبيث، فسار حتى قرب من فُوّهة النهر، فبصُر ملاحو السميريّة بالشذا والسميريّات واعتراضها في النهر، فجزعوا من المرور بهم، وأيقنوا أنهم مدرَكون، فعبروا إلى الجانب الغربيّ، فألقَوْه ومَنْ معه على الأرض في زرع كان هناك، فخرج يمشي وهو مثقَل؛ حتى ألقى نفسه؛ فأقام بموضعه ليلَته تلك، فلما أصبح بموضعه ذلك نهض عبّاد المتطبّب الذي كان معه، فجعل يمشي متشوقًا لأن يرى إنسانًا فرأى بعض أصحاب السلطان، فأشار إليهم فأخبرهم بمكان يحيى، وأتاه بهم حتى سلّمه إليهم.
وقد زعم قوم: أن قومًا مرُّوا به، فرأوه فدلّوا عليه، فأخِذ، فانتهى خبره إلى الخبيث صاحب الزَّنْج فاشتدّ لذلك جزعه، وعظم عليه توجّعه.
ثم حمِل يحيى بن محمد الأزرق البحرانيّ إلى أبي أحمد، فحمله أبو أحمد إلى المعتمد بسامُرّا، فأمر ببناء دكة بالحَيْر، بحضرة مجرى الحلبة فبُنيت، ثم رفع للناس حتى أبصروه، فضرب بالسياط.
وذُكر: أنه دخل سامرّا يوم الأربعاء لتسع خلوْن من رجب على جمل، وجلس المعتمد من غدِ ذلك اليوم - وذلك يوم الخميس - فضُرب بين - يديه مئتي سوط بثمارها، ثم قُطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم خُبط بالسيوف، ثم ذُبح ثم أحرق.
قال محمد بن الحسن: لمّا قُتِل يحيى البحرانيّ، وانتهى خبره إلى صاحب الزّنج؛ قال: عَظُم عليّ قتله، واشتدّ اهتمامي به، فخوطبتُ فقيل لي: قتلُه خير
стр. 5881
لك، إنه كان شرهًا، ثم أقبل على جماعة كنت أنا فيهم، قال: ومنْ شرهه أنا غنمنا غنيمة من بعض ما كنَّا نصيبه؛ فكان فيه عقدان، فوقعا في يد يحيى، فأخفى عني أعظمهما خطرًا، وعرض عليّ أخسهما، واستوهبنيه فوهبته له، فرُفع لي العقد الذي أخفاه، فدعوته فقلت: أحضرْني العقد الذي أخفيتَه، فأتاني بالعقد الذي وهبتُه له، وجحد أن يكون أخذ غيره، فرُفِع لي العقد، فجعلت أصفه وأنا أراه، فبُهت، وذهب فأتاني به، واستوهبنيه فوهبتُه له، وأمرته بالاستغفار.
وذكر عن محمد بن الحسن: أن محمد بن سمعان حدّثه: أنّ قائد الزنج قال لي في بعض أيامه: لقد عُرِضَتْ عليّ النبوّة فأبيتُها، فقلتُ: ولمَ ذاك؟ قال: لأنّ لها أعباء خِفت ألا أطيق حملها!
* * *
[ذكر خبر انحياز أبي أحمد بن المتوكل إلى واسط]
وفي هذه السنة انحاز أبو أحمد بن المتوكل من الموضع الذي كان به من قرب من قائد الزّنج إلى واسط (١).
* ذكر الخبر عن سبب انحيازه ذلك إليها:
ذُكر: أنّ السبب في ذلك كان أنّ أبا أحمد لمّا صار إلى نهر أبي الأسد، فأقام به؛ كثر العلل فيمن معه من جنده وغيرهم، وفشا فيهم الموت، فلم يزل مقيمًا هنالك حتى أبلّ مَنْ نجا منهم من الموت من عِلّته، ثم انصرف راجعًا إلى باذاوَرْد، فعسكر به، وأمر بتجديد الآلات وإعطاء مَنْ معه من الجند أرزاقَهم وإصلاح الشذوات والسميريات والمعابر، وشحنها بالقوّاد مِنْ مواليه وغلمانه، ونهض نحو عسكر الخبيث، وأمر جماعة من قُوّاده بقصد مواضع سمّاها لهم من نهر أبي الخصيب وغيره، وأمر جماعة منهم بلزومه والمحاربة معه في الموضع الذي يكون فيه، فمال أكثر القوم حين وقعت الحرب، والتقى الفريقان إلى نهر أبي الخصيب، وبقي أبو أحمد في قلّة من أصحابه، فلم يَزُلْ عن موضعه إشفاقًا
стр. 5882
من أن يطمع فيه الزَّنْج وفيمن بإزائهم من أصحابه وهم بسبخة نهر منكى، وتأمل الزّنج تفرق أصحاب أبي أحمد عنه، وعرفوا موضعه، فكثروا عليه، واستعَرَت الحرب، وكثر القتل والجراح بين الفريقين وأحرق أصحاب أبي أحمد قصورًا ومنازل من منازل الزَّنْج، واستنقذوا من النساء جمعًا كثيرًا، وصرف الزَّنج جمعهم إلى الموضع الذي كان فيه أبو أحمد فظهر الموفّق على الشَّذَا، وتوسَّط الحرب محرّضًا أصحابه حتى أتاه مِنْ جمع الزَّنْج ما عَلِمَ أنه لا يقاومَ بمثل العدّة اليسيرة التي كان فيها، فرأى أنّ الحزم في محاجزتهم، فأمر أصحابه عند ذلك بالرجوع إلى سفنهم على تُؤدَة ومَهَل، فصار أبو أحمد إلى الشَّذَا التي كان فيها بعد أن استقرّ أكثرُ الناس في سفنهم، وبقيت طائفة من الناس، ولجؤوا إلى تلك الأدغال والمضايق، فانقطعوا عن أصحابهم، فخرج عليهم كُمناء الزَّنج، فاقتطعوهم ووقعوا بهم، فحامَوْا عن أنفسهم، وقاتلوا قتالًا شديدًا، وقتلوا عددًا كثيرًا من الزَّنْج، وأدركتهم المنايا فقتلوا وحَمَلوا إلى قائد الزنج مئة رأس وعشرة أرؤس، فزاد ذلك في عتوّه، ثم انصرف أبو أحمد إلى الباذاوَرْد في الجيش، وأقام يعبي أصحابه للرجوع إلى الزَّنج، فوقعت نار في طرف من أطراف عسكره؛ وذلك في أيام عصوف الريح، فاحترق العسكر، ورحل أبو أحمد منصرفًا، وذلك في شعبان من هذه السنة إلى واسط، فلمَّا صار إلى واسط تفرّق عنه عامة من كان معه من أصحابه.
* * *
ولعشر خلون من شعبان كانت هدَّة صعبة هائلة بالصَّيْمَرَة، ثم سُمع من غد ذلك اليوم - وذلك يوم أحد - هدّة هي أعظم من التي كانت في اليوم الأول، فتهدّم من ذلك أكثر المدينة، وتساقطت الحيطان وهلك من أهلها - فيما قيل - زهاء عشرين ألفًا.
وضرب بباب العامة بسامرّا رجل يعرف بابي فَقْعَس، قامت عليه البيّنة - فيما قيل - بشتم السلف ألف سوط وعشرين سوطًا، فمات وذلك يوم الخميس لسبع خلوْن من شهر رمضان (١).
стр. 5883
مات يارْجُوخ يوم الجمعة لثمان خلون من شهر رمضان، فصلى عليه أبو عيسى بن المتوكل، وحضر جعفر بن المعتمد.
وفيها كانت وقْعَة بين موسى بن بُغا وأصحاب الحسن بن زيد، فهزم موسى أصحابَ الحسن.
وفيها انصرف مسرور البلخيّ عن مساور الشاري إلى سامُرّا، ومعه أسراء من الشُراة، واستخلف على عسكره بالحديثة جعلانَ، ثم شخص أيضًا مسرور البلخيّ إلى ناحية البوازيج، فلقيَ مساورًا بها، فكانت بينهما وقعة بها أسر مسرور من أصحابه جماعة، ثم انصرف لليال بقيت من ذي الحجة (١).
وفي هذ السنة حدث في الناس ببغداد داء كان أهلها يسمُّونه القُفّاع.
وفيها رجع أكثر الحاجّ من القَرْعاءِ خوفَ العطش، وسلم مَنْ سار منهم إلى مكة.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن إسحاق بن الحسن (٢).
* * *
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك منصرف أبي أحمد بن المتوكل من واسط، وقدومه سامُرّا يوم الجمعة لأربع بقين من شهر ربيع الأول، واستخلافه على واسط وحرب الخبيث بتلك الناحية محمدًا المولَّد (٣).
* * *
стр. 5884
[ذكر خبر عن مقتل كنجور]
ومن ذلك مقتل كَنْجور (١).
* ذكر الخبر عن سبب مقتله:
وكان سبب ذلك أنه كان واليَ الكوفة، فانصرف عنها يريد سامُرّا بغير إذن، فأمِر بالرجوع فأبى، فحمِل إليه - فيما ذكر - مالٌ ليفرّق في أصحابه أرزاقهم منه، فلم يقنع ذلك، ومضى حتى ورد عُكبَرَاء في ربيع الأول، فتوجّه إليه من سامُرّا عدّة من القواد، فيهم: ساتكين وتكين وعبد الرحمن بن مفلح وموسى بن أتامش وغيره؛ فذبحوه ذبحًا، وحُمِل رأسه إلى سامُرّا، لليلة بقيت من شهر ربيع الأول، وأصيب معه نيّف وأربعون ألف دينار، وألزِم كاتب له نصرانيّ مالًا، ثم ضرِب هذا الكاتب في شهر ربيع الآخر بباب العامة ألف سوط، فمات.
* * *
وفيها غلب شركب الجمّال على مرْو وناحيتها، وأنهبها (٢).
وفيها انصرف يعقوب بن الليث عن بلخ، فأقام بقُهِستانَ، وولَّى عماله هَرَاة وبُوشَنج وباذَغِيش، وانصرف إلى سِجستان.
وفيها فارق عبد الله السِّجزيّ يعقوب بن الليث مخالفًا له، وحاصر نيسابور، فوجّه محمد بن طاهر إليه الرّسل والفقهاء، فاختلفوا بينهما، ثمّ ولاه الطَّبَسَين وقُهستان.
* * *
[ذكر خبر دخول المهلبيّ ويحيى بن خلف سوق الأهواز] (٣)
ولست خلوْن من رجب منها، دخل المهلبيّ ويحيى بن خلف النّهْرَبَطَيّ سوق
стр. 5885
الأهواز، فقتلوا بها خَلْقًا كثيرًا وقتلوا صاحب المعونة بها.
* ذكر الخبر عن سبب هذه الوقعة وكيف كان هلاك صاحب الحرب من قبل السلطان فيها:
ذُكر: أنّ قائد الزنج خفيَ عليه أمرُ الحريق الذي كان في عسكر أبي أحمد بالباذَاورْد، فلم يُعلم خبرُه إلا بعد ثلاثة أيام، ورد به عليه رجلان من أهل عبّادان، فأخبراه فعاد للعيْث، وانقطعت عنه المِيرة، فأنهض عليّ بن أبان المهلبيّ، وضمّ إليه أكثر الجيْش، وسار معه سُليمان بن جامع، وقد ضمّ إليه الجيش الذي كان مع يحيى بن محمد البحرانيّ وسليمان بن موسى الشعرانيّ، وقد ضُمّت إليه الخيل وسائر الناس مع عليّ بن أبان المهلبيّ والمتولي للأهواز يومئذ رجلٌ يقال له أصغجون، ومعه نيزَك في جماعة من القوّاد، فسار إليهم عليّ بن أبان في جمعه من الزنج، ونذِر به أصغجون، فنهض نحوه في أصحابه، فالتقى العسكران بصحراء تُعرف بَدسْتمَاران، فكانث الدّبرة يومئذ على أصغجون، فقُتِل نَيْزك في جمع كثير من أصحابه، وغرق أصغجون، وأسر الحسن بن هرثمة المعروف بالشار يومئذ، والحسن بن جعفر المعروف براوشار.
قال محمّد بن الحسن: فحدّثني الحسن بن الشار، قال: خرجنا يومئذ مع أصغجون للقاء الزّنج؛ فلم يثبت أصحابنا، وانهزموا، وقُتِل نيزك، وفقد أصغجون فلمّا رأيت ذلك نزلت عن فرس محذوف كان تحتي، وقدّرتُ أن أتناول بذنَب جنَيبة كانت معي، وأقحمها النهر، فأنجو بها، فسبقني إلى ذلك غلامي، فنجا وتركني، فأتيت موسى بن جعفر لأتخلّص معه، فركب سفينة، ومضى فيها، ولم يُقِمْ عليّ، وبصرت بزورق فأتيته فركبته، فكثر الناس عليّ وجعلوا يطلبون الركوب معي فيتعلّقون بالزّورق حتى غرقوه، فانقلب، وعلوتُ ظهره، وذهب الناس عني، وأدركني الزَّنْج، فجعلوا يرمونني بالنُّشاب، فلما خفت التّلف قلت: أمسكوا عن رمحي، وألقوا إليّ شيئًا أتعلّق به، وأصِير إليكم، فمدّوا إليّ رمحًا، فتناولتُه بيديّ وصرت إليهم.
وأما الحسن بن جعفر، فإن أخاه حمله على فرس، وأعدّه ليسفر بينه وبين أمير الجيش، فلما وقعت الهزيمة بادر في طلب النجاة، فعثر به فرسُه فأخِذ.