Полный текст (6 167 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ قِصَصُ الأَنْبيَاء وَتَاريخُ مَا قَبْلَ البِعْثَةِ
للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ
(٢٢٤ - ٣١٠ هـ)
حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه
محمد بن طاهر البرزنجي
بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق
محمد صبحي حسن حلّاق
المجلّد الأول
دَار ابْن كَثير
دمشق- بَيروت
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
стр. 3
صَحِيحُ تَارِيخ الطَّبَرِيِّ قِصَصُ الأَنْبيَاء وَتَاريخُ مَا قَبْلَ البِعْثَةِ
стр. 4
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الطبعة الأولى
١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م
جميع الحقوق محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق- بيروت
الرقم الدولي:
الموضوع: تاريخ
العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠
التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري
نوع الورق: أبيض
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: ٥٦١٦
القياس: ١٧×٢٤
نوع التجليد: فني- كعب لوحة
الوزن: ١٥ كغ
التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل
التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد
دار ابن كثير
دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى
ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢
بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة
ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣
www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com
стр. 5
المقدمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله:
أولًا
١ - تعريف التأريخ:
لغة: تعريف الوقت والتوريخ مثله يقال: أرخت وورخت [الجوهري] والأصمعي يفرّق بين لهجتين فبنو تميم يقولون: ورّخت الكتاب توريخًا وقيس تقول: أرخته تأريخًا هذا ما ذكره السخاوي في كتابه الإعلان بالتوبيخ [ص ١٩].
التأريخ اصطلاحًا: لعلّ ابن خلدون (٨٠٨ هـ) أوّل من عرّف التأريخ تعريفًا شافيًا وسبق بذلك علماء المسلمين وغير المسلمين.
قال ابن خلدون [العلامة المؤرخ] رحمه الله تعالى وهو يعرّف التأريخ:
[هو في ظاهره: لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُول تنمو فيها الأقوال وتضرب فيها الأمثال].
وفي باطنه: نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومباديها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق.
ولقد كان ابن خلدون دقيقًا في تقييمه للكم الهائل من الروايات التأريخية فقال وإن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها وسطروها في صفحات الدفاتر وأودعوها، وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهِموا فيها أو ابتدعوها وزخارف من الروايات المضعفة لفّقوها ووضعوها [مقدمة ابن خلدون].
أما السخاوي (٩٠٢ هـ) فقد عرف التأريخ اصطلاحًا فقال:
стр. 6
التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة وعقل وبدن ورحلة وحج وحفظ وضبط وتوثيق وتخريج وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم ويلتحق به ما يتفق من الحوادث والوقائع الجليلة من ظهور حكمة وتجديد فرض، وخليفة ووزير وغزوة وملحمة وحرب وفتح بلد وانتزاعه من متغلب عليه وانتقال دولة [الإعلان بالتوبيخ: ص ٢٠].
الكافيجي: وأما علم التأريخ فهو علم يبحث عن الزمان وأحواله وعن أحوال ما يتعلق به من حيث تعيين ذلك وتوثيقه وأما موضوعه فالإنسان والزمان [المختصر في علم التاريخ: ٣٢٧].
وأما التأريخ بمعنى التقويم فالصحيح أنه بدأ به في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب حين أمر المسلمين أن يجعلوا من مقدم النبي ﵊ إلى المدينة بداية التأريخ الإسلامي فسمي [الهجري]. قال السخاوي والمحفوظ كما قال ابن عساكر أن الأمر به في زمن عمر وكذا صححه الجمهور بل هو الصحيح المشهور أنه كان في خلافة عمر وأنه ابتدأ بالهجرة النبوية وبالمحرم منها [الإعلان بالتوبيخ / ٩٥].
أسباب اهتمام الأمة المسلمة بكتابة التأريخ:
١ - لاهتمام القرآن الكريم بقصص الأنبياء والأمم السابقة وبيان أحوالهم واستخراج الدروس والعبر من أحوالهم ومآلهم وكذلك قصص الفراعنة وقارون وغير ذلك كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾.
٢ - اهتمام القرآن الكريم بدراسة تبدل الأحوال والأوضاع وحثّ الناس على تدبّر الوقائع واكتشاف سنن الله في الكون ومنها السنن التأريخية كقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾ وقوله سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاولُهَا بَينَ النَّاسِ﴾.
٣ - اهتمت السنة النبوية الشريفة بقصص الأنبياء والصالحين من الأمم السابقة وإستنباط العظات والعبر -كقوله ﵊: "إنه كان فيمن قبلكم ... الحديث".
стр. 7
٤ - أوصى الإسلام [كتابًا وسنة] بتتبع سيرة الرسول ﵊ فكان ذلك عاملًا آخر من عوامل اهتمام المسلمين بالسير والمغازي كجزء من التأريخ الإسلامي.
يقول الدكتور الدوري: إن القرآن نصّ على أن أقوال الرسول ﷺ موصى بها وأن سيرته مثل للمسلمين يقتدون به وهنا نجد دافعًا مباشرًا لدراسة أقوال الرسول وأفعاله [بحث في نشاة علم التأريخ / ١٨].
٥ - كان العرب أصحاب شعر وحكايات وقصائد تروي بطولات القبيلة ومواقف رموزها المشهودة -يضاف إلى ذلك كله قوة الحافظة عند العرب تعويضًا عن أميّتهم كما قال ﵊ "إنا أمة أمية". يقول الأستاذ محمد فتحي عثمان وهو يتحدث عن خصائص العرب يومها: فهي أمة تميّزت بالحفظ والهداية وبالبلاغة والشعر، وبالحرص على الأنساب والفخر بها وكل هذه الثلاثة معين على ازدهار التأريخ [المدخل إلى التأريخ الإسلامي / ١١٤].
٦ - اهتمام الخلفاء المتعاقبين على إدارة الحكم بالمغازي والسير وتأريخ من سبقهم من الملوك والخلفاء وحثّ النسابة والإخباريين على تدوين ما لديهم من الأخبار والأنساب وغير ذلك يقول الأستاذ شاكر مصطفى: فلقد كانت رغبة بعض الأمويين والولاة في المعرفة التأريخية وإن كانت لها أسبابها بالنسبة إليهم مشجعًا لإدخال هذه المعرفة بين المعارف النبيلة المطلوبة في المجتمع الإسلامي. وإذا كان معاوية قد استدعى عبيد بن شرية من صنعاء ليسأله عن ملوك العرب والعجم ويأمر بتسجيل ما يقول ويجلس كل مساء لسماع أخبار التأريخ وكان مروان بن الحكم يدني مجلس حكيم بن حزام ليسمع منه أخبار المغازي وعبد الملك يطلب أخبارها من التابعين وكان عروة بن الزبير راوية التأريخ على صلة بعبد الملك وابنه الوليد وبعمر بن عبد العزيز فقد عرفنا أيضًا أن هشام بن عبد الملك وضع لابن شهاب الزهري كاتبين يكتبان عنه سنة فلما مات الزهري وجدت له أكوام من الكتب في خزائن الأمويين [التاريخ العربي والمؤرخون / ص ٦٧].
٧ - إن إنشاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ للدواوين وتسجيل أسماء المجاهدين الفاتحين حسب قبائلهم وأسرهم شجّع ظهور النسابة الخبراء في أنساب القبائل على اختلافها وأضحى الأنساب فيما بعد جزءًا من التأريخ حتى
стр. 8
أن البلاذري قد ألف سفرًا عظيمًا بترتيب أشهر الأنساب متضمنًا الآباء والأبناء ومنهم الخلفاء الراشدون وبقية الخلفاء من بني العباس وبني أمية ويعتبر كتابه مصدرًا متقدمًا ثمينًا.
يقول الأستاذ محمد فتحي عثمان [وقد اشتهر الصديق أبو بكر بحفظ الأنساب وأعان إنشاء عمر (للديوان) على حفظ الأنساب أيضًا وكان من دواعيه تنظيم العطاء ... وقد شجّع الأمويون على حفظ الأنساب وظهر النسابون الأوائل في عهدهم واشتهر في هذا المجال دغفل بن حنظلة الشيباني سنة ٧٠ هـ]. [المدخل إلى التأريخ الإسلامي / ١٣٦].
٨ - كان الخلفاء الأمويون ومن بعدهم العباسيون حريصين كل الحرص على تمييز الأراضي المفتوحة صلحًا أو عنوة وما إلى ذلك إلى أراضي خراجية أو عشرية حرصًا منهم على نظافة بيت المال وعدم السماح لدخول المال الحرام فيه وكان ذلك يعني اهتمامهم وسؤالهم عن الفتوحات الإسلامية الكبرى وأخبارها.
وحتى غير الخلفاء وبالأخص العلماء ومنهم الفقهاء قد اهتموا بهذا الجانب كثيرًا حتى أنك ترى إمامًا فقيهًا كالقاضي أبي يوسف يؤلف كتابًا في الخراج يروي قيه بالسند الموصول وقائع بعض الفتوحات الإسلامية في العراق وغيره.
٩ - حثّ الرسول ﵊ أمته من بعده على احترام الصحابة الكرام وإجلالهم والاقتداء بهم وخاصة الخلفاء الراشدين وتتبع سيرتهم وخاصة في أبواب السياسة الشرعية كقوله ﵊ في الحديث النبوي الشريف "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ".
وهذا عامل آخر يضاف إلى عوامل أخرى دفعت الأئمة الأعلام إلى الاهتمام بتأريخ الراشدين كجزء من التأريخ الإسلامي وكتاب حلية الأولياء للحافظ الأصفهاني زاخر بسير الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.
١٠ - إن ورود نصوص من السنة الشريفة تبيّن فضل جيل الصحابة وقوتهم على التابعين والتابعين على من بعدهم وكذلك تجمهر عدد كبير من التابعين حول الصحابة لأخذ العلم الشرعي دفع العلماء إلى تصنيف كتب في الطبقات وخاصة
стр. 9
طبقات الصحابة والتابعين فهذا سابق وهذا مهاجر وذاك أنصاري وهذا بدري وهذا من مسلمة الفتح ثم تأتي طبقات التابعين من بعدهم وكتاب الطبقات الكبرى لابن سعد خير شاهد على ذلك.
نشأة التاريخ عند المسلمين رواية ثم تدوينًا وتبويبًا أو تصنيفًا:
من الثابت عند أئمة المسلمين جميعًا أن الرسول ﵊ قد اتخذ من الصحابة من سمّوا (كتاب الوحي) كسيدنا علي وسيدنا معاوية وسيدنا عثمان وغيرهم ﵃ أجمعين.
ومعلوم كذلك أن عددًا من الصحابة قد كتبوا جزءًا من السنة النبوية في صحف خاصة بهم ولكنها اندثرت ولكن حفظها تلامذتهم من التابعين الكرام ونقلوها إلى من بعدهم.
وللجمع بين أقوال العلماء في معرفة أول من دوّن الحديث مصنفًا مبوبًا قالوا: أول من دوَّن مصنفًا ومبوبًا:
محمد بن إسحاق بالمدينة (توفي ١٥١ هـ).
وابن جريج بمكة (١٥٠ هـ).
وحماد بن سلمة (١٦٧ هـ) بالبصرة.
ومعمر بن راشد (١٥٣ هـ) باليمن.
وسفيان الثوري (١٦١ هـ) بالكوفة ... إلخ.
والإمام الذهبي ﵀ يحدد سنة ١٤٣ هـ كبداية وانطلاقة لتدوين الحديث والتغيير وغيرهما فيقول: فصنف ابن جريج بمكة ومالك بن أنس الموطأ بالمدينة والأوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان بالكوفة مصنف ابن إسحاق المغازي مصنف أبو حنيفة ﵀ الفقه والرأي .. إلى أن يقول الذهبي: وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم من صحف صحيحة غير مرتبة [تذكرة الحفاظ ١/ ٢٥٩].
ويعلّق الأستاذ شاكر مصطفى على هذا المقطع من كلام الحافظ الذهبي فيقول: ويتنبه الذهبي في هذا النص إلى عدد من الحقائق المتصلة بنشأة العلوم
стр. 10
الإسلامية ولعل أهمها مرورها في القرن الثاني في سنة ١٤٣ هـ كما يقول من مرحلة التسجيل غير المرتب إلى التصنيف المبوب [ص ٩٢] إلى أن يقول شاكر مصطفى وإذا نحن تجاوزنا تحديد سنة ١٤٣ هـ كسنة انقلابية- وهو تحديد ليس بالخاطئ تمامًا على أي حال ... إلخ) [التأريخ العربي والمؤرخون ص ٩٣] ثم يمضي الأستاذ شاكر في تعقيبه على كلام الحافظ الذهبي ويبيّن أن من سبق هذا التأريخ بالكتابة في التأريخ كعروة بن الزبير والزهري إنما كتبوا في أبواب متفرقة ولم يكن محاولة للإحاطة بكل الأخبار لكافة المواضيع وأن هذا النشاط في تسجيل مثل هذه الأدوار التأريخية لم يكن بعد قد أخذ انطلاقته الواضحة لأنه بقي رسميًا لحدٍّ ما دينيًّا ولم يصبح تيارًا فكريًا ثقافيًا واضح التدوين .. [التأريخ العربي والمؤرخون ص ٩٥ باختصار وتصرف] وهذا كلام نوزع فيه الأستاذ.
فأما تحديد هذه السنة بالذات (١٤٣ هـ) كحد فاصل بين التدوين المبوّب وغير المبوّب ففيه نظر لأن عروة بن الزبير ﵁ والمتوفي سنة (٩٣ هـ) معروف بالمغازي والسير ومروياته في السيرة خاصة في حنايا كتاب المغازي صحيح البخاري وكذلك الطبري وغيرهما ويعتبره الدوري مؤسسًا لمدرسة المغازي (ص ٢١) ولو اتفقنا مع الأستاذ شاكر في عدم اعتبار كتابات عروة كذلك فإننا لا نستطيع أن نتجاوز مرويات الزهري ذلك الإمام المحدث الفقيه الذي ساهم في تدوين السيرة النبوية الشريفة وشطرًا من تاريخ الخلافة الراشدة وخاصة أيام الفتن وردحًا من بدايات الخلافة في عهد الأمويين حتى أن البعض يعتبره مؤرخًا [انظر ما كتبه الدكتور الدوري -عبد العزيز- في كتابه (بحث في نشأة علم التأريخ) فهو يعتبر الزهري (١٢٤ هـ) مؤرخًا ومختصًا بالمغازي (ص ٢١) وليس الرجل متقولًا في ذلك فللمسألة أصل معتمد فقد قال الطبري ﵀: كان الزهري مقدمًا في العلم بمغازي رسول الله ﷺ وأخبار قريش والأنصار راوية لأخبار رسول الله ﷺ وأصحابه [المنتخب من كتاب ذيل المذيل / ٩٧].
ولا بد لنا من دراسة المدارس التاريخية في المدن الإسلامية في القرنين الأول والثاني ومعرفة عدد من رواد ومنشئي هذه المدارس [مدرسة المدينة] [مدرسة الشام] [مدرسة العراق] [مدرسة مصر].
стр. 11
أ- مدرسة المدينة:
١ - عروة بن الزبير: توفي سنة ٩٤ هـ المحدث الفقيه بل أحد الفقهاء السبعة في المدينة يومها قال الحافظ ابن حجر في ترجمته ثقة فقيه مشهور من الثانية مات سنة ٩٤ على الصحيح ومولده في أوائل خلافة عمر الفاروق [تقريب / تر ٥١٣١]. أول من ألف في المغازي (١).
٢ - أبان بن عثمان بن عفان: توفي (سنة ١٠٥ هـ) وهو ثقة من الثالثة [تقريب / تر ١٦٣].
٣ - سعيد بن المسيب: توفي سنة ٩٤ هـ وهو نسابة مؤرخ فقيه (٢).
٤ - محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: (٥٠ - ١٢٤ هـ) ويعتبره بعضهم مؤسسًا لمدرسة التأريخ في المدينة والشام (٣).
وقال آخرون صاحب دراسات وأبحاث في التأريخ والفقه والحديث (٤).
ومن خلال تخريجنا لروايات الزهري التأريخية عند الطبري وغيره وجدنا اهتمامه بالسيرة والمغازي ثم بأحداث الفتن في عهد الخلفاء الراشدين وصلح سيدنا الحسن مع سيدنا معاوية ﵃ أجمعين بالإضافة إلى اهتمامه بأعمار الخلفاء من بعدهم وسني حكمهم.
وهؤلاء وغيرهم نواة لمدرسة المدينة وهم متأثرون بشكل أو بآخر بمرويات عبد الله بن عباس (فيما يتعلق بالمغازي) وغيره من الصحابة فعبد الله بن عباس اشتهر بالتدريس فيما يتعلق بكافة العلوم ومنها المغازي والسير وقد ورد ذكره في أسانيد الطبري في أكثر من (٢٨٠) موضعًا. ومن تلاميذه الكبار (سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، ووهب بن منبه ... إلخ) وكريب بن أبي مسلم مولى ابن عباس الذي كان يحتفظ بصحف ابن عباس وكتبه (٥).
_________
(١) شاكر مصطفى [التأريخ العربي والمؤرخون / ١٥٢].
(٢) المصدر السابق [١٥٢].
(٣) المصدر السابق [١٥٧].
(٤) مجلة المجمع العلمي العراقي (١٩٥٤ هـ).
(٥) الطبقات الكبرى (٥/ ٢١٦).
стр. 12
ب- مدرسة الشام:
١ - الأوزاعي: (عمرو بن عبد الرحمن) توفي سنة ١٠٧ هـ إمام في الحديث والمغازي والسير.
٢ - عوانة بن الحكم الكلبي: (توفي سنة ١٤٧ هـ) عاش العقود الأخيرة من عهد الأمويين ثم ما يقرب من عقدين أيام الخلافة في عهد العباسيين.
ويعتبره الأستاذ شاكر مصطفى صاحب فضل على التأريخ الإسلامي فيقول: ونحن ندين لعوانة هذا بتسمية علم التأريخ فهو صاحب أول كتاب تأريخي يحمل اسم (كتاب التاريخ) في الإسلام وقد كتب كذلك سيرة معاوية وبني أمية ولكن الكتابين فقدا ولم يبق منهما إلّا ما تناثر لدى المدائني وابن الكلبي والطبري وغيرهم (١).
وقد أكثر الكلبي والمدائني وابن عدي (الهيثم) من مرويات عوانة ومن كتبهم أخذ الطبري مرويات عوانة.
٣ - عبيد بن شرية الجرهمي: اليماني الأصل، الشامي المنزل، وهو مخضرم استدعاه أمير المؤمنين معاوية ليدون ما لديه من الأنساب والأخبار (٢).
ومن قبل هؤلاء شارك عروة بن الزبير والزهري في تأسيس مدرسة الشام التأريخية وإن كانا مدنيين فقد ترددا بين الحجاز والشام وإن كان الزهري أكثر تواجدًا في الشام بل قضى عقوده الأخيرة هناك حتى توفاه الله تعالى في أواخر خلافة أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى.
ج- مدرسة مصر في التأريخ:
إن لأهل الحديث فضلًا كبيرًا في تدوين التأريخ الإسلامي وبين الأمويين روابط من الإسناد والتراجم وعلم الرجال والطبقات وما إلى ذلك فكما أن المحدث عروة بن الزبير ومن بعده الزهري المحدث قد شاركا في تشكيل نواة مدرسة التاريخ في المدينة. فإن أئمة الحديث في مصر لهم الفضل الكبير في
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون (١٢٨).
(٢) الفهرست لابن النديم (٨٩) [مروج الذهب / ٤/ ٩٠].
стр. 13
إنشاء مدرسة التأريخ هناك: ومنهم الإمام الليث بن سعد المصري وهو ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة ت ١٧٥ هـ أخرج له الستة وله مرويات في التأريخ عند الطبري وغيره ولعلّ أقدم مصدر من المصادر التأريخية لمصر هو كتاب فتوح مصر لابن عبد الحكم القرشي المصري الذي توفي سنة ٢٧٦ هـ (١).
د- مدرسة العراق:
١ - لعلّ الإمام عامر بن شراحيل الشعبي (المتوفى سنة ١٠٣ هـ) الكوفي من مؤسسي مدرسة العراق في التأريخ وشهد أحداثًا جسامًا طبعت في ذاكرة التأريخ منها الصلح بين سيدنا الحسن وأمير المؤمنين معاوية ﵄ وشارك في وقعة دير الجماجم فيما سمّي بحركة ابن الأشعث أيام الحجاج ومن قبله شهد الاضطرابات التي وقعت في العراق أيام موت يزيد بن معاوية -في العقد السادس من القرن الهجري الأول-.
وأخرج له الطبري في تأريخيه في أكثر من (١٠٠) موضع وتمتد مروياته من قصص الأنبياء وحتى أحداث نهاية القرن الهجري الأول.
٢ - سيف بن عمر التميمي (سنتحدث عنه بعد قليل).
٣ - قحذم بن سليمان (المتوفى سنة ١٥٨ هـ) كان يعمل كاتبًا للخراج في ولاية يوسف بن عمر الثقفي على العراق وأكثر عنه خليفة من طريق حفيده (الوليد بن هشام بن قحذم) ونقل عنه الطبري ولكن بروايات قليلة جدًّا لا تعدو عدد أصابع اليد.
وهنالك آخرون بعضهم أكثر أهمية وشهرة من قحذم شاركوا في بناء مدرسة العراق التأريخية في القرن الثاني الهجري سنذكرهم بعد قليل عند حديثنا عن الإخباريين.
هـ- مدرسة اليمن:
١ - دغفل بن حنظلة الشيباني النسابة المخضرم- يروي ابن حبيب أنه شارك
_________
(١) المدخل إلى التأريخ الإسلامي ١٧٦.
стр. 14
في تأديب يزيد بن معاوية بن أبي سفيان (١).
٢ - عبيد بن شرية الجرهمي سبقت ترجمته في الحديث عن مدرسة الشام.
٣ - وهب بن منبه الذماري توفي سنة ١١٤ هـ.
وقد روى تلاميذه عنه المغازي قصص الأنبياء وتأريخ اليمن القديم (٢).
الأخباريون [الثقات وغير الثقات]:
الأخباري لفظة دون المؤرخ أو قبله زمانًا ومنصبًا -فالناس أطلقوا هذه التسمية على من جمع الأخبار في أيام العرب والقصص الغابرة ثم الفتوح وهم طلائع التأليف التأريخي عند المسلمين (٣) وسمّي من كتب في غزوات النبي ﷺ وسيرته بصاحب المغازي والسير ومن كتب في أنساب العرب بالنسابة ثم تراجع الأخباري عندما بدأ التصنيف والتبويب فأصبح اسمًا فقط على راوي القصص والنوادر والحكايات (٤).
وقد اشتهر في سماء التدوين أئمة أعلام حفظوا لنا التأريخ الإسلامي وأئمة أعلام حفظوا لنا السيرة النبوية الشريفة واشتهر آخرون كذلك كأخباريين ولكن لطَّخوا التأريخ الإسلامي وشوّهوه كالتالف الهالك أبي مخنف ومنهم من لم ينسب إلى الكذب أو الوضع ولكن إلى الضعف كسيف بن عمر ومنهم من نسب إلى الكذب حتى ترك كالواقدي والهيثم بن عدي والكلبي وسنذكر ترجمة مختصرة لكل واحد منهم وعدد مروياتهم في تأريخ الطبري.
١ - لوط بن يحيى (أبو مخنف) الكوفي:
أخرج له الطبري في أكثر من (٣٠٠) موضع ابتداءً بخبر سقيفة بني ساعدة وانتهاء بأحداث سنة (١٣٢) هـ ودخول الحسن بن قحطبة إلى الكوفة بعد هرب عاملها ابن هبيرة (من قبل الأمويين).
وبعد سبرٍ لرواياته عميق ومن خلال تخريجنا لروايات الطبري وجدناه بارعًا
_________
(١) المحبر (٤٧٨).
(٢) التأريخ والمؤرخون (١٣٨).
(٣) المدخل إلى التأريخ الإسلامي (١٢٩).
(٤) الإمام الطبري- د. محمد الزحيلي / ٢٠٢ /.
стр. 15
في التلفيق وتزوير الحقائق والطعن في عدالة الصحابة وتشويه سمعتهم ولعل رواية واحدة أو روايتين من مروياته وجدت لها مكانًا في قسم الصحيح من بحثنا هذا لماليك أقوال العلماء فيه: قال ابن عدي شيعي محترق صاحب أخبارهم [الكامل ٦/ ٩٣ / ١٦٢١] [وقال الذهبي أخباري تالف لا يوثق به تركه أبو حاتم وغيره وقال ابن معين ليس بشيء [ميزان مع ذيل الميزان / تر ٧٤٥١].
٢ - سيف بن عمر التميمي: (توفي سنة ١٨٥ هـ) وهو كوفي أخباري بدأ حياته العلمية بالمدينة ثم سافر إلى العراق واشتهرت مروياته في الردة والفتوحات ووقعة الجمل- ونقل عنه الطبري (٣٠٠) موضع أو يزيد قال ابن حبان يروي الموضوعات عن الأثبات وقال الذهبي في ترجمته: مصنف الفتوح والردة وغير ذلك هو كالواقدي.
وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر، وقال أبو حاتم: متروك، وقال أبو داود: ليس بشيء، وقال ابن حجر في التقريب: ضعيف في الحديث عمدة في التأريخ من الثامنة مات في زمن الرشيد.
وعقب المحرران (الشيخ شعيب والدكتور بشار) على قول الحافظ (ضعيف الحديث عمدة في التأريخ) بقولهما: بل متروك فحديثه ضعيف جدًّا ... وحتى أخباره في التأريخ ليست بشيء فقد قال أبو حاتم الرازي متروك يشبه حديثه حديث الواقدي وقال البرقاني والدراقطني متروك [تقريب التهذيب / تر ٣٠١٥] [المجروحين ١/ ٣٤٥]، [ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان / تر ٣٩٨٩]، [تحرير التقريب / تر ٢٧٢٤].
٣ - محمد بن إسحاق إمام المغازي: (ت ١٥١ هـ) كتب كتابًا في الخلفاء بالإضافة إلى سيرته المشهورة وقد أكثر الطبري من إخراج رواياته فزادت على (٣٥٠) رواية معظمها في السيرة النبوية الشريفة وهو حسن الحديث إذا صرّح بالتحديث والله أعلم.
٤ - محمد بن السائب الكلبي وابنه هشام: أما الأب فقد توفي سنة ١٤٦ هـ وله في تأريخ الطبري (١٦) رواية وهو نسابة متشيّع وقد أخذ عنه ابنه هشام الذي
стр. 16
توسع أكثر من أبيه بالأخبار والتأريخ وألف في ذلك كله فقائمة كتبه قرابة (١٥٠) كتابًا (١).
وقد روى له الطبري في (٢٨٠) موضعًا من تأريخه.
وقال الدكتور جواد علي: لقد كان جلّ اعتماد الطبري في أخبار العرب قبل الإسلام على مؤلفات ابن الكلبي، وقال أيضًا:
أما ابن الكلبي ... هو وأبوه في طليعة من عُنوا بجمع أخبار الجاهلية وتدوينها ومن طريقهما عرفنا أمورًا عن العرب قبل الإسلام لم يذكرها غيرهما من الأخباريين، بالرغم من نواحي الضعف التي تظهر عليها، وبالرغم مما رميا به من الكذب والتزوير، والحق أننا نجد في رواياتهما، وخاصة روايات هشام. تناقضًا غريبًا في بعض الأحيان يُستغرب صدوره من رجل له علم ومعرفة وتمييز في الأمور (٢).
ومحمد بن السائب الكلبي ترجم له أئمة الجرح والتعديل وذكروا مختلف الأقوال فيه وخلاصة القول فيه ما قاله ابن حجر في ترجمته: النسابة المفسر متهم بالكذب ورمي بالرفض من السادسة مات سنة ١٤٦ هـ[تقريب / تر ٦٦٢٤].
وأما ابنه هشام الكلبي فقد قال الذهبي في ترجمته: الأخباري النسابة العلامة قال الدارقطني وغيره متروك وقال ابن عساكر رافضي ليس بثقة وقال أحمد إنما كان صاحب سمر ونَسَب ما ظننت أن أحدًا يحدث عنه وقال الذهبي في نهاية ترجمته وهشام لا يوثق به وقيل إن تصانيفه أزيد من مئة وخمسين مصنفًا مات سنة (٢٠٤ هـ) [ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان / تر ٩٧٣٧].
٥ - أبو معشر السندي: (توفي سنة ١٧٠ هـ) واسمه نجيح بن عبد الرحمن وأخرج له الطبري في (١٠٩) مواضع من تأريخه وهو ضعيف من الطبقة السادسة أخرج له الأربعة [تقريب / تر ٧٩٩٤].
وقال أحمد حديثه عندي مضطرب لا يقيم الإسناد ولكن أكتب حديثه أعتبر به [العلل ١/ ١٣٥].
_________
(١) التأريخ والمؤرخون (١٩١).
(٢) مدخل إلى التأريخ الإسلامي / ٦٨٦ / نقلًا عن مجلة المجمع العلمي العراقي ١٩٥٢.
стр. 17
وقد أخذ الواقدي من مغازيه وأخذ ابن سعد، بينما أخذ الطبري عن التأريخ (يعني تأريخ الخلفاء- على الحوليات] حتى توقف سنة ١٧٠ هـ (١).
٦ - محمد بن عمر الواقدي: (١٣٠ - ٢٠٧ هـ) نشأ في المدينة وأخذ العلم فيها ثم انتقل إلى العراق حتى توفي فيها.
أخرج الطبري من رواياته فيما يقرب من (٣٠٠) موضع.
وهذه أقوال أئمة الجرح والتعديل فيه:
قال أحمد بن حنبل: هو كذاب يقلب الأحاديث، وقال البخاري: متروك، وقال أبو حاتم والنسائي: يضع الحديث، وقال ابن عدي: أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه وقال الذهبي: أحد أوعية العلم على ضعفه، وقال الذهبي في نهاية ترجمته: واستقر الإجماع على وهن الواقدي، وقال ابن حجر: متروك مع سعة علمه من التاسعة [تقريب / تر ٦٩٥١]، [ميزان الاعتدال مع ذيل الميزان / تر ٨٤٥٧]، [الكامل ٦/ ٢٤١ / تر ١٧١٩]، [التأريخ الصغير ٢/ ٣١١]، [الجرح والتعديل ٨/ ٢٠].
ثم ظهرت في نهاية القرن الأول الهجري وبداية القرن الثاني الهجري طبقة من الأعلام ما بين أخباري ومؤرخ نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر [المدائني ١٣١ - ٢٢٥ هـ]، [ابن سعد ١٦٨ - ٢٣٠ هـ]، [خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ]، [عمر بن شبة النميري ١٧٢ - ٢٦٢ هـ]، ولقد أدرك الطبري رابعهم وهو عمر بن شبة ومن طريقه أخذ مرويات المدائني ومن طريق شيخه الحارث بن محمد أخذ مرويات ابن سعد في طبقاته الكبرى- وهذه نبذة مختصرة عن ثلاثة من هؤلاء الأعلام ودورهم في تطوير علم التأريخ عند المسلمين الأوائل:
١ - علي بن محمد (أبو الحسن المدائني) (١٣١ - ٢٢٥ هـ):
اعتبره الأستاذ شاكر مصطفى قمة الطور الأخباري السابق للتأريخ (٢) وأخرج الطبري من مروياته في أكثر من (٣٠٠) موضع وهذه أقوال العلماء فيه:
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون (٦٣).
(٢) المصدر السابق (١٨٦).
стр. 18
قال ابن معين: ثقة ثقة ثقة، وقال الطبري: كان عالمًا بأيام الناس صدوقًا في ذلك، وقال الذهبي: العلامة الحافظ الصادق الأخباري وقال أيضًا صدوق [سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٠١]، [ميزان الاعتدال ٣/ ١٥٣]، [تأريخ بغداد ١٢/ ٥٥].
وقد كثرت مروياته عند الطبري وخاصة في تاريخ الخلافة على عهد الأمويين ثم العصر العباسي الأول- ولقد حصل الطبري على كتبه من طريق اثنين من شيوخه الثقات [عمر بن شبة وأحمد بن زهير بن حرب]. وهما من تلاميذ المدائني مع غيرهما كالزبير بن بكار وقال أحمد بن أبي خيثمة. كان أبي وابن معين ومصعب الزبيري يجلسون على باب مصعب فمرّ رجل على حمارٍ فاره وبزّة حسنة فسلم وخص بسلامه يحيى فقال له يا أبا الحسن إلى أين ... إلخ فلما ولّى قال يحيى: ثقة ثقة ثقة، فسألت أبي من هذا؟ فقال: هذا المدائني [ميزان الاعتدال / تر ٦٣٦٧].
وقال شاكر مصطفى [وقد اتبع المدائني في المنهج التأريخي طريقة المحدثين في نقد الروايات وإثبات الإسناد مما أعطاه لونًا من الثقة لدى الناس كما نظم المادة الواسعة التي وقعت له تنظيمًا متوازنًا خدم التأليف التأريخي وكان بذلك كله خطوة هامة في تطور عملية التأريخ ما أضحى المصدر الرئيسي للمؤرخين التاركين] (١).
وقال الدكتور الدوري: وتصل دراسات الأخباريين قمتها عند المدائني (١٣٥ - ٢٢٥ هـ) وهو بصري استقرّ بعدئذ في بغداد ويظهر أثر الإسناد عليه أقوى ممن سبقه نتيجة للتطورات الثقافية ويظهر عنده الاتجاه نحو جمع أوسع وتنظيم أوفى للروايات التأريخية ... ويمثل المدائني درجة أعلى من أسلافه في البحث والدقة [بحث في نشأة علم التأريخ / ٣٩].
٢ - محمد بن سعد البصري الزهري (كاتب الواقدي) ١٦٨ - ٢٣٠ هـ:
يعتبر الإمام المحدث الثقة ابن سعد رائدًا من رواد كتابة التأريخ بنظام الطبقات لا الحوليات وقد بدأ بالسيرة النبوية الشريفة في كتابه الطبقات الكبرى ثم الصحابة ومن تلاهم من التابعين ومن بعد هؤلاء- وكان دقيقًا في كل طبقة فقد
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون (١٨٨).
стр. 19
ذكر الصحابة حسب أسبقيتهم ثم هجرتهم أو نصرتهم، ثم مشاركتهم في معركة بدر ... إلخ مما هو معروف من طبقات الصحابة وخصص جزءًا من طبقاته لأعلام النساء [صحابيات وغيرهن].
قلت: وإن كان معاصره خليفة بن خياط قد ألف كتابًا عرف باسم طبقات خليفة (١) إلا أن ابن سعد ﵀ فاق خليفة وغيره ممن جاؤوا من بعدهما فقد ميّز خليفة بين تسجيله الحولي لأحداث التاريخ وبين الطبقات بينما استطاع ابن سعد أن يمزج بين الطبقات مميزة الواحدة عن الأخرى وبين تأريخ الأحداث وتفاصيلها مستدة بطريقة أهل الحديث ولقد ردّ الأستاذ أكرم ضياء العمري قول من وصف الطبقات بأنها جلّها من طريق الواقدي المتروك وبين أن ابن سعد أخرج روايات كثيرة من غير طريق الواقدي، والباحث المنصف يتبين له ذلك.
يقول الأستاذ أكرم ضياء العمري:
ولكن من الإجحاف لابن سعد أن نقتنع بقول ابن النديم عنه أنه صنف كتبه من تصنيفات الواقدي، لأن ابن سعد استقى من مصادر أخرى كثيرة حتى بلغ عدد شيوخه في الطبقات الكبرى أكثر من ستين شيخًا معظمهم من المحدثين ويزيد ما نقله عن أبي نعيم الفضل بن دكين وعفان بن مسلم وعبيد الله بن موسى العبسي ومعن بن عيسى الأشجعي مجتمعين على ما نقله عن الواقدي فكيف وقد نقل عن غيرهم أيضًا!! وبذلك يتضح ما في اتهام ابن النديم له من مجازفة وبعد عن الحق [عصر الخلافة / ١٢]، [وأشار العمري في الحاشية إلى رسالة جامعية بعنوان خلافة أبي بكر الصديق لعبد العزيز بن سليمان المقبل / ص ١٧].
٣ - خليفة بن خياط العصفري (شباب):
قال الذهبي في ترجمته: الحافظ الإمام أبو عمرو العصفري البصري المعروف بشباب محدث نسابة إخباري علامه صنف التأريخ والطبقات ... قال ابن عدي مستقيم الحديث صدوق من متيقظي الرواة [تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣٦].
وقال الذهبي أيضًا ليّنه بعضهم بلا حجة -وقال أيضًا: حدث عنه البخاري
_________
(١) اعتبر شاكر مصطفى خليفة وابن سعد أقدم من قسم رجال الطبقات على أمصارهم المصدر السابق / ص ٢٣٦.
стр. 20
بسبعة أحاديث أو أزيد في صحيحه وكان صدوقًا نسابة عالمًا بالسير والأيام والرجال وثقه بعضهم وقال ابن عدي هو صدوق [سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٧٣].
وقال ابن حجر في التهذيب [٣/ ١٦٠]: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان متقنًا عالمًا بأيام الناس وأنسابهم ... قلت لم يحدث عنه البخاري إلا مقرونًا وإذا حدث عنه لمفرده علق أحاديثه وقال مسلمة الأندلسي لا بأس به اهـ.
وقال أبو حاتم لا أحدث عنه هو غير قوي [الجرح والتعديل ٣/ ٣٧٨] وقال ابن حجر في التقريب [تر ١٩٠٩] صدوق ربما أخطأ وكان أخباريًا علامة من العاشرة مات سنة ٢٤٠ هـ / خ / اهـ.
وقد اعتبره شاكر مصطفى من طليعة المؤرخين الكبار والذي ظهر في وقت مبكر (١).
وضمن هذه الطبقة التي سبقت ظهور المؤرخين الكبار أئمة آخرون يطول ذكرهم ذكرنا بعضهم صمن شيوخ الطبري في التأريخ.
النصف الثاني من القرن الهجري الثالث وظهور المؤرخين الكبار أو العمالقة:
قال الأستاذ عبد العزيز الدوري: وقد شهد النصف الثاني للقرن الثالث الهجري ظهور مؤرخين لاتحدهم مدرسة ولا اتجاه سابق بل حاولوا أن يستفيدوا من مواد السيرة ومن كتب الأخباريين والأنساب والمصادر الأخرى المتيسّرة وشملت دراستهم الأمة بصورة منظمة وكان عملهم في انتقاء المادة بعد النقد والفهم عامًا أو عالميًا (٢).
ويقول الأستاذ محمد الزحيلي: وفي القرن الثالث الهجري استوى علم التأريخ على سوقه (٣).
ويقول الأستاذ شاكر مصطفى: من نسميهم بالمؤرخين الكبار هم طبقة كاملة من مؤرخي النصف الثاني من القرن الثالث كانوا النهاية الطبيعية لخط من التطور
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٣٤.
(٢) نشأة التاريخ / الدوري.
(٣) الإمام الطبري / أعلام المسلمين / ص ٢٠٣.
стр. 21
المستمر أصاب علم الأخبار وما يتصل به خلال أكثر من قرنين (١).
وسنذكر ضمن هذه الطبقة على سبيل المثال لا الحصر أربعة من المعاصرين لبعضهم البعض وهم [يعقوب بن سفيان البسوي ٢٧٧ هـ]، [اليعقوبي أحمد بن إسحاق ٢٩٢ هـ]، [البلاذري أحمد بن يحيى ٢٧٩ هـ]، وأخيرًا [الطبري (محمد بن جرير) ٣١٠ هـ].
١ - يعقوب بن سفيان البسوي الهمذاني الفارسي توفي سنة ٢٧٧ هـ عن بضع وثمانين سنة قال الذهبي في ترجمته: الحافظ الإمام الحجة وقال ابن عماد الحنبلي في ترجمته: أحد أركان الحديث: وقال الحاكم النيسابوري: إمام أهل الحديث بفارس [وقال ابن حجر ثقة حافظ من الحادية عشرة [تقريب / تر ٨٨١٦] [تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٨٢]، [شذرات الذهب ٢/ ١٧١]، [البداية والنهاية ١١/ ٦٠].
وقال الأستاذ العمري في مقدمة تحقيقه لكتاب المعرفة والتأريخ [١/ ١٩] وتدلّ مؤلفات يعقوب على أنه كان معنيًا بالحديث وعلم الرجال والتأريخ والعقائد والرقائق وكان متقنًا في علمه واسع الاطلاع حتى ذكر أبو زرعة الدمشقي أن يحيى بن معين كان ينتخب منه في التأريخ اهـ.
قلت وكعادة الأئمة الكبار فإن البسوي أكثر من الرحلة في طلب العلم ويكفي دلالة على ذلك ذكر أسماء المدن والبلدان التي زارها طلبًا للعلم [دمشق- حمص - فلسطين- مصر- مكة- العراق- ثم مصر وأخيرًا العراق].
وقد اشتهر يعقوب بن سفيان البسوي بكتابه الضخم "المعرفة والتأريخ" وقد فقد منه جزء غير يسير والباقي مرتب على السنين ابتداء من سنة ١٣٦ هـ وإلى حوادث سنة ٢٤٢ هـ ويلحقه قسم يتناول تراجم الصحابة والتابعين.
وقد شرح الأستاذ العمري أهمية الكتاب وموارده التاريخية وثناء العلماء عليه واقتباسهم منه ومنهم الخطيب وابن عساكر والذهبي وغيرهم وانظر لزامًا كتاب "المعرفة والتأريخ" تحقيق العمري من ص ٧ وإلى ص ٥٧].
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٠٢.
стр. 22
٢ - اليعقوبي: أحمد بن إسحاق ٢٩٢ هـ: من أشهر من كتب في التأريخ الموضوعي لا على الترتيب الحولي -ولكنه لم يعتمد الإسناد في رواياته بل اكتفى بذكر الكتب التي اطلع عليها إجمالًا- وهو ممن يعبر عن فكرة التأريخ العالمي.
والعيب في اليعقوبي أنه مؤرخ منحاز لم يستطع أن يحافظ على الحياد المطلوب كما فعل الطبري ﵀ وكما سنبين في موضعه وقد كثرت الدراسات الحديثية حول المؤرخين المتقدمين ونذكر هنا رأي أستاذين كبيرين من أساتذة التأريخ في اليعقوبي هذا، الأول هو الأستاذ عبد العزيز الدوري إذ يقول فيه: [فهو في حديثه عن الراشدين والأمويين يظهر ميولًا علوية أحيانًا ويسهب في ذكر أقوال الأئمة وخطبهم ويعطي سيرهم عند ذكر وفياتهم ولعلنا نكون أدق إن قلنا إن وجهة نظره إمامية (١).
وأما المؤرخ الثاني الذي خبر رواياته وأبدى رأيه فيها فهو الأستاذ أكرم ضياء العمري إذ يقول في اليعقوبي: مؤرخ شيعي إمامي ويقول أيضًا: ويتسم بالانحياز العقدي من ناحية أخرى (٢).
٣ - البلاذري (أحمد بن يحيى) ٢٧٩ هـ:
قال عنه الذهبي صاحب التأريخ المشهور من طبقة أبي داود السجستاني حافظ أخباري علامة [تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٩٢] اشتهر بكتابيه القيّمين فتوح البلدان - وأنساب الأشراف والحق يقال فإن أنساب الأشراف سفر تأريخي عظيم بلبوس الأنساب كما قال الأستاذ الدوري (٣):
أما كتاب أنساب الأشراف فهو كتاب عام في التأريخ الإسلامي في إطار الأنساب وهو يمثل مزيجًا فَذًّا في الخطة والمادة، فخطته تجمع بين أساليب كتابة كتب الطبقات وكتب الأخبار وكتب الأنساب.
ويقول الأستاذ العمري:
ويُعَدُّ البلاذري أبرز المؤرخين المسلمين بعد الطبري من حيث سعة
_________
(١) نشأة علم التأريخ عند العرب للدوري / ٥٣.
(٢) عصر الخلافة الراشدة / ١٦ - العمري.
(٣) نشأة علم التأريخ عند العرب للدوري / ٤٩.
стр. 23
المعلومات التي دوّنها والفترات التاريخية التي غطّاها لكن كتابه (أنساب الأشراف) أحسن انتقاءً للروايات وأنقى للأسانيد وأكثر اتفاقًا مع روايات أهل الثقة والصدق من تأريخ الطبري (١).
قلت: ويعتبر البلاذري قمة التطور في علم الأنساب بدأ بالنسابة أبي اليقظان ١٩٠ هـ ثم هشام الكلبي (٢٠٤) والهيثم بن عدي (٢٠٦ هـ) ومصعب الزبيري (٢٣٣ هـ) وأخيرًا البلاذري (٢٧٩ هـ) وهؤلاء يشكلون المحطات البارزة ولا يعني أن غيرهم لم يكن له دور في سلم التطور التأريخي هذا بل هم كثيرون.
٤ - الإمام المؤرخ المحدث المقسر محمد بن جرير (أبو جعفر) الطبري ٢٢٤ هـ-٣١٠ هـ:
عصره: عاش الإمام الطبري رحمه الله تعالى في ظل الخلافة الإسلامية على عهد العباسيين ولم يتجاوز السابعة من عمره حتى انتهى عصر القوة العباسي وبدأ ما يسميه المؤرخون العصر العباسي الثاني.
كان عصر الطبري من الناحية السياسية عصر خلاف ونزاع على السلطة المركزية بين اتجاهات مختلفة.
وفي الوقت نفسه كان عصر ازدهار علمي بكل ما تعنيه الكلمة وكان سوق التبويب والتصنيف رائجًا حتى أن الحكام على اختلاف نزعاتهم كانوا يتوددون إلى العلماء ويتنافسون على دعمهم وتقريبهم من مجالسهم.
ولقد عاش الطبري ﵀ سبعة عقود (أو أقل) من عمره في القرن الثالث الهجري وعقده الأخير في مطلع القرن الرابع.
ويعتبر الباحثون القرن الثالث الهجري قرن المؤرخين الكبار أو العمالقة الذين مثلوا قمة النضج في كتابة التأريخ سواء كان بطريقة الحوليات أو مرتبًا حسب الحوادث السياسية أو على شكل طبقات أو أنسابٍ ... إلخ.
وهذه أسماء أبرزهم:
١ - ابن قتيبة الدينوري ت ٢١٣ هـ[صاحب كتابي عيون الأخبار والمعارف].
_________
(١) عصر الخلافة الراشدة / ١٣.
стр. 24
٢ - ابن سعد صاحب الطبقات الكبرى ت ٢٣٠ هـ.
٣ - خليفة بن خياط صاحب التأريخ ت ٢٤٠ هـ.
٤ - أحمد بن إسحاق اليعقوبي ت ٢٩٢ هـ.
٥ - يعقوب بن سفيان البسوي ت ٢٧٧ هـ.
٦ - الطبري صاحب تأريخ الأمم والملوك ت ٣١٠ هـ.
نشأته وطلبه للعلم ورحلاته:
يقول الطبري ﵀: حفظت القرآن ولي سبع سنين وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين وكتبت الحديث وأنا ابن تسع سنين (١) ولقد بدأ الطبري طلب العلم منذ سنّ مبكرة في مدينة آمل بطبرستان ثم الري حيث شيخه ابن حميد الرازي -وقد أرّخ العلماء بسنة ٣٦ هـ كبداية لطلبه العلم وكان عمره يومها (١٢) عامًا (٢).
يقول تلميذه ابن كامل: [فأول ما كتب الحديث ببلده ثم الري وما جاورها، وأكثر من الشيوخ حتى حصل كثيرًا من العلم وأكثر عن محمد بن حميد الرازي وعن المثنى بن إبراهيم الآملي وغيرهما] (٣).
ويقول الطبري: [كنّا نمضي إلى أحمد بن حمّاد الدولابي وكان في قرية من قرى الرّي بينها وبين الري قطعة ثم نغدو كالمجانين حتى نصير إلى ابن حميد فنلحق مجلسه] (٤).
والدولابي مشهور بالمغازي والسير وله كتاب (المبتدأ والمغازي) وهذا يعني أن الاهتمام بالتاريخ قد شغل بال الطبري جنبًا إلى جنب مع التفسير والحديث.
وتقول المصادر: إن الطبري قد اشتاق لرؤية الإمام الجليل أحمد بن حنبل في بغداد مدينة العلم، فشد الرحال ولكن الوفاة عاجلت الإمام أحمد فدخلها الطبري وقد توفي أحمد رحمه الله تعالى وذلك في سنة (٢٤١ هـ).
_________
(١) معجم الأدباء: ٦/ ٤٣٠.
(٢) لسان الميزان نقلًا عن مسلمة بن القاسم [٥/ ١١٧ / تر ٧١٢٩].
(٣) معجم الأدباء ١٨/ ٤٩.
(٤) المصدر السابق ١٨/ ٤٩.
стр. 25
فجلس الطبري برهة في بغداد يكتب عن شيوخها ثم ارتحل صوب البصرة. وسمع من أشهر شيوخها ثم إلى الكوفة ثم إلى الشام ثم إلى مصر ثم عاد إلى بلده (طبرستان سنة ٢٩٠ هـ ثم عاد عندها إلى بغداد ليستقر فيها ويدوّن فيها أروع أسفاره (في التفسير ثم التأريخ) (١).
يقول الخطيب البغدادي: استوطن الطبري بغداد وأقام بها إلى حين وفاته وكان أحد الأئمة الأعلام (٢).
أقوال العلماء فيه وترجمتهم له:
قال الخطيب البغدادي: كان أحد الأئمة الأعلام يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره وكان حافظًا لكتاب الله عارفًا بالقراءات بصيرًا بالمعاني فقيهًا في أحكلام القرآن عالمًا بالسنن وطرقها وصحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها، عارفًا باقوال الصحابة والتابعين إلى أن يقول: عارفًا بأيام الناس وأخبارهم وله الكتاب المشهور في تأريخ الأمم والملوك وكتاب في التفسير لم يصنف أحد مثله وكتاب سماه تهذيب الآثار لم أر سواه في معناه إلا أنه لم يتمه، وله في أصول الفقه وفروعه كتب كثيرة (٣).
وقال الخطيب: حدثني محمد بن أحمد بن يعقوب قال أنبأنا محمد بن عبد الله النيسابوري الحافظ قال سمعت أبا بكر بن بالويه يقول: قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق يعني ابن خزيمة- بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: بلى كتبت التفسير عنه إملاءً. قال كله؟ قلت: نعم. قال: في أيّ سنة؟ قلت: في سنة ثلاث وثمانين إلى سنة تسعين. قال فاستعاره مني أبو بكر فرده بعد سنتين ثم قال: نظرت فيه من أوله إلى آخره وما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير (٤).
_________
(١) معجم الأدباء: ١٨/ ٥٦.
(٢) تأريخ بغداد (٢/ ١٦٢).
(٣) المصدر السابق (٢/ ١٦٢).
(٤) المصدر السابق (٢/ ١٦٤).
стр. 26
وقال الإمام السبكي الإمام الجليل المجتهد المطلق أبو جعفر الطبري من أهل آمل طبرستان أحد أئمة الدنيا علمًا ودينًا ومولده سنة أربع أو خمس وعشرين ومئتين طوّف الأقاليم في طلب العلم (١).
وقال الحافظ الذهبي: الإمام العلم الفرد الحافظ أحد الأعلام وصاحب التصانيف من أهل آمل طبرستان أكثر التطواف (٢).
وقال عبد الله بن أحمد السمسار قال ابن جرير لأصحابه: هل تنشطون لتأريخ العالم قالوا كم يجيء فذكر نحوًا من ثلاثين ألف ورقة فقالوا: هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه فقال: إنّا لله، ماتت الهمم! ! فأملاه في نحو ثلاثة آلاف ورقة ولما أراد أن يملي التفسير قال لهم ذلك ثم أملاه على نحو من التأريخ (٣).
وقال العلامة ابن خلكان: وكان ثقة في نقله وتأريخه أصح التواريخ وأثبتها (٤).
وقال الحافظ ابن عساكر في ترجمة الطبري: الإمام صاحب التصانيف المشهورة (٥).
وذكر ابن عساكر بسنده الموصول إلى أبي سعيد بن يونس قوله: محمد بن جرير بن يزيد يكنّى أبا جعفر طبري من أهل آمل كان فقيهًا قدم إلى مصر قديمًا سنة ثلاث وستين ومئتين وحضب بها ورجع إلى بغداد وصنف تصانيف حسنة تدلّ على سعة علمه وكانت وفاته ببغداد في العشر الأواخر من شوال سنة عشر وثلاثمئة (٦).
وفاته: سبق أن ذكرنا قول من قال أنه توفي في سنة ٣١٠ هـ في شوال منها وذكر الخطيب البغدادي عن عيسى بن حامد بن بشر القاضي قال: مات محمد بن
_________
(١) طبقات الشافعية الكبرى (٣/ ١٢٢).
(٢) تذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٠).
(٣) تاريخ بغداد (٢/ ١٦٣) وتذكرة الحفاظ (٢/ ٧١٢) والذي في تاريخ بغداد أنه سألهم أولًا عن التفسير والله أعلم.
(٤) وفيات الأعيان [٤/ ١٩١ / تر ٥٧٠].
(٥) تأريخ دمشق (٥٢/ ١٨٨ / تر ٦١٦٠).
(٦) تأريخ دمشق (٥٢/ ١٩١).
стр. 27
جرير الطبري يوم السبت بالعشي ودفن يوم الأحد بالغداة في داره لأربع بقين من شوال سنة عشر وثلاثمئة (١).
وقال الحافظ ابن كثير في ترجمة الطبري: وكانت وفاته وقت المغرب من عشية يوم الأحد ليومين بقيا من شوال من سنة عشر وثلاثمئة وقد جاوز الثمانين سنة بخمس أوست سنين (٢).
وكذلك أرخ الحافظ الذهبي لوفاته بسنة (٣١٠) هـ (٣).
شيوخه في التأريخ [تراجم أهم شيوخه وأشهرهم]:
لقد أخذ الطبري رحمه الله تعالى خلال رحلاته الطويلة والمتعددة من شيوخ أجلاء من البصرة والكوفة وبغداد ودمشق ومصر- وهذه تراجم لبعض شيوخه في التأريخ:
١ - أحمد بن حمّاد الدولابي:
من أوائل شيوخه في بلده طبرستان قبل أن يبدأ برحلاته البعيدة وهو صاحب كتاب [المبتدأ والمغازي] وهو والد الدولابي صاحب الكنى والأسماء [تذكرة الحفاظ ٢/ ٢٩١]، [الجرح والتعديل ١/ ١ / ٤٩].
وأحمد بن ثابت الرازي- فرخويه (راجع فرخويه).
٢ - أحمد بن زهير بن حرب (ابن أبي خيثمة) توفي ٢٧٩ ه ـ:
أخذ الرواية عن أحمد بن حنبل والمدائني -قال الخطيب- كان ثقة عالمًا متقنًا حافظًا بصيرًا بأيام الناس وقال: ولا أعرف أغزر فوائد من تأريخه وقال الفرغاني: له معرفة بأيام الناس وأخبارهم وقال ابن أبي حاتم: كتب إلينا وهو صدوق [لسان الميزان / تر ٥٦٣/ ٣٧٩]، [الجرح والتعديل ٢ / تر ٥٧].
قلت: وقد روى عنه الطبري في (٨٠) موضعًا من تأريخه.
_________
(١) تأريخ بغداد (٢/ ١٦٦).
(٢) البداية والنهاية (٩/ ١٤).
(٣) ميزان الاعتدال (تر ٧١٩٠).
стр. 28
وهو يشكل حلقة وصل بينه وبين المدائني وكتبه -وأكثر مروياته تبدأ من أيام هشام بن عبد الملك إلى أحداث سنة ١٣٧ هـ-.
٣ - بشر بن معاذ العقدي البصري الضرير:
قال أبو حاتم صالح الحديث صدوق وقال ابن حجر صدوق من العاشرة مات سنة بضع وأربعين [الجرح والتعديل ٢/ ٣٦٨]، [تقريب التهذيب / تر ٧٩٠].
٤ - الحارث بن محمد بن أبي أسامة التميمي -صاحب المسند -:
قال الدارقطني: قد اختلف فيه أصحابنا وهو عندي صدوق وقال ابن حزم ضعيف وليّنه بعض البغاددة لكونه يأخذ على الرواية، وذكره ابن حبان في الثقات وقال الذهبي: كان حافظًا عارفًا بالحديث عالي الإسناد تكلّم فيه بلا حجة [ميزان الاعتدال ١/ ٤٤٢ / تر ١٦٤٤]، [الثقات ٨/ ١٨٣]، [سؤالات الحاكم للدارقطني ١١٤ / تر ٩١]، [لسان الميزان ٢ / تر ٢٢٣٤].
قلت: وقد روى عنه الطبري في أكثر من (١١٠) مواضع وأهميته بالنسبة للطبري أنه حلقة الوصل بينه وبين صاحب الطبقات الكبرى ابن سعد.
٥ - السري بن يحيى التميمي الكوفي (أبو عبيدة):
وهو ابن أخي الهناد بن السري كان يراسل الطبري وابن أبي حاتم وقد التقى الطبري وأخذ عنه الطبري مشافهة ولكن قليلًا وأغلب ما رواه عنه الطبري بالمراسلة [وكتب إليّ السري قال: ]. والسري هذا ترجم له ابن أبي حاتم وقال: لم يُقض لنا السماع منه وكتب إلينا بشيء من حديثه وهو صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات وقال الدارقطني صاحب كتاب الفتوح لسيف بن عمر [الثقات ٨/ ٣٠٢]، [المؤتلف والمختلف / ١٣٦٧]، [الإكمال ٥/ ١٠].
وقد ذكره الأستاذ جواد علي في بحثه القيّم [موارد تأريخ الطبري] الذي نشر في أعداد من مجلة المجمع العلمي العراقي قباى نصف قرن من الزمان- ولكنّه لم ينصفه فقال: والظاهر من سكوت ابن النديم وصحاب التراجم عن ذكر شعيب بن إبراهيم (شيخ السري بن يحيى) والسرّي أنهم لم يكونا من أصحاب التأليف وإنما كانا من رواة سيف والظاهر أيضًا من تأريخ الطبري أن كتب سيف كانت عند
стр. 29
السري بن يحيى وأن الطبري قرأ أجزاء منها على السري وأخذ قسمًا منها كتابة منه]، [مجلة المجمع العلمي / ١٩٥٢].
قلت: أما شطر كلامه الأخير فصحيح لا غبار عليه أما قوله [سكوت ابن النديم وأصحاب التراجم عن ذكر السري بن يحيى، فغير صحيح فقد ذكره ابن حبان في الثقات كما ذكرنا قبل قليل وعدّله ابن أبي حاتم (وهو معروف بتشدده في الرجال) وقال عنه أنه صدوق وذكره الدارقطني في المؤتلف والمختلف وقال صاحب كتاب الفتوح سيف بن عمر: وقد ذكر أصحاب التراجم أنه أخذ الرواية والحديث من قبيصة وأبي غسان وعثمان بن زفر ثم إن العدد (٢٤١) قليل بالنسبة لمروياته في تأريخ الطبري فقد روى عنه.
٦ - عبيد الله بن سعد الزهري: ثقة من الحادية عشرة توفي سنة ٢٦٥ ه ـ وله (٧٥) سنة أخرج له البخاري والنسائي والترمذي [تقريب / تر ٤٨٢٠] وأخرج له الطبري (٤٥) رواية ويمثل عبيد الله هذا حلقة وصل أخرى بين الطبري وبين مرويات سيف بالإضافة إلى السريِّ.
٧ - عمر بن شبة النميري [صاحب كتاب تأريخ المدينة]:
الأخباري النحوي -نزيل بغداد- صدوق له تصانيف من كبار الحادية عشرة توفي سنة ٢٦٢ هـ وقد جاوز التسعين [تقريب التهذيب / تر ٥٥٢٦] وقال الخطيب في ترجمته ثقة [تاريخ بغداد / ١١/ ٢٠٨].
وقال ابن حبان: مستقيم الحديث وكان صاحب أدب وشعر وأخبار ومعرفة بتأريخ الناس [الثقات ٨/ ٤٤٦].
قلت: ولقد أخرج الطبري عن شيخه هذا (عمر بن شبة) أكثر من مئتي رواية جُلّها عن تأريخ الخلافة الإسلامية في عهد الأمويين وبداية العباسيين -وعمر بن شبة طريق آخر للطبري للوصول إلى مرويات الأخباري المشهور المدائني-.
٨ - عمرو بن علي الفلاس الباهلي البصري:
وثقه النسائي وقال الحافظ ابن حجر: ثقة من العاشرة توفي سنة ٢٤١ هـ[تاريخ بغداد / ١٢/ ٢٠٧]، [التقريب / تر ٥٧١٤].
стр. 30
٩ - فرخويه (أحمد بن ثابت) الرازي:
قال ابن أبي حاتم عن أبي العباس بن عبد الله الطهراني: لا يشكون أنه كذاب [ميزان الاعتدال / تر ٣١٤]، [لسان الميزان / ٤٦١].
وقد أخرج الطبري عنه في أكثر من (١٠٠) موضع وخاصة فيما يتعلق بحج الخلفاء أو من ينوب عنهم من الأمراء في كل سنة.
الطبري في أكثر من (٤٠٠) موضع والله تعالى أعلم.
١٠ - محمد بن بشار (بندار) البصري: الحافظ أحد أعلام السنة قال أبو حاتم وغيره: صدوق وقال الذهبي: احتج به أصحاب الصحاح كلهم وهو حجة بلا ريب وقال أيضًا: كان من أوعية العلم ... روى عنه الأئمة الستة وابن خزيمة وابن صاعد والناس وقال العجلي: ثقة كثير الحديث وقال ابن حجر: ثقة من العاشرة توفي ٢٥٢ هـ وله بضع وثمانون سنة [تقريب / تره ٦٤٥٥]، [ميزان الاعتدال / تر ٧٢٦٩]، [الجرح والتعديل ٧/ ٢١٤]، [الثقات: ٩/ ١١١].
أخرج الطبري من مروياته في (٣٦) موضعًا من تأريخه.
١١ - محمد بن حميد الرازي: أكثر عنه الطبري في تأريخه فأخرج له في أكثر من (٤٢٠) موضعًا وهو ضعيف عند جمهور أئمة الحديث وتبدأ مروياته بالحديث عن بدء الخليقة وتكثر بصفة خاصة في السيرة النبوية الشريفة ومن بعد في تأريخ الخلفاء الراشدين.
قال البخاري: فيه نظر وقال يعقوب بن شيبة: كثير المناكير وكذّبه أبو زرعة وقال صالح بن جزرة: كان يأخذ أحاديث الناس شي قلب بعضه على بعض توفي سنة ٢٤٨ هـ.
١٢ - محمد بن العلاء الهمداني الكوفي الحافظ (أبو كريب): توفي سنة ٢٤٨ هـ مشهور بكنيته ثقة حافظ من العاشزة مات سنة سبع وأربعين ومئتين وهو ابن سبع وثمانين سنة أخرج له الستة [تقريب / تر ٦٩٨٥]، [الجرح والتعديل ٨/ ٥٢].
أخرج الطبري من طريقه روايات كثيرة متناثرة بين العهود المختلفة.
стр. 31
١٣ - محمد بن المثنى بن عبيد الله بن قيس العنزي البصري: ثقة ثبت من العاشرة وكان هو وبندار فرسي رهان وماتا في سنة واحدة أخرج له الستة [تقريب / تر ٧٠٥٠] وقال الخطيب: كان ثقة ثبتًا احتج سائر الأئمة بحديثه [تأريخ بغداد ٣/ ٢٨٣].
قلت: ولم يكثر الطبري عنه في تأريخه فقد بلغت مروياته (٣٥) أو أكثر بقليل وتبدأ مروياته بتأريخ ما قبل البعثة وتنتهي بعهد عمر بن الخطاب.
١٤ - يعقوب بن إبراهيم الدورقي صاحب المسند: ثقة من العاشرة توفي سنة ٢٥٢ هـ وله ست وتسعون سنة وكان من الحفاظ أخرج له الستة وقال الخطيب كان ثقة متقنًا [تقريب / تر ٨٨٠٩]، [تأريخ بغداد / ١٤/ ٢٧٧].
وأخرج عنه الطبري في أكثر من ثلاثين (٣٥) موضعًا من تأريخه.
١٥ - يونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري: ثقة من صغار العاشرة توفي سنة ٢٦٤ هـ وله ست وتسعون سنة أخرج له مسلم والنسائي وأخرج له الطبري في (٣٢) موضعًا من تأريخه [تقريب التهذيب / تر ٨٩٢٠].
ولا نريد أن نحصي في هذه المقدمة شيوخ الطبري في تأريخه وإنما ذكرنا أشهر شيوخه ثقاتٍ كانوا أو ضعفاء وقد ترجمنا لجميع شيوخه في كتابنا [رجال تأريخ الطبري جرحًا وتعديلًا].
وكثرة شيوخ الطبري في التأريخ تدلّ على غزارة مصادره في التأريخ وتنوع طرقه وذلك سبب من أسباب اشتهار كتابه رحمه الله تعالى واعتماد المؤرخين من بعده عليه.
وأخيرًا الطبري مؤرخًا ومنهجه في التأريخ ما له وما عليه:
كان لا بد من المقدمة السابقة حتى نفهم التطور في علم التأريخ الذي أدى بالنتيجة إلى ظهور الإمام المؤرخ الطبري ضمن جيل المؤرخين العمالقة ولقد بلغ به التدوين التأريخي نهاية عمر التكوين والنشأة (١).
ولكي نفهم الجوانب الإيجابية لتأريخ الطبري والمآخذ التي أخذت عليه نبدأ
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٣ /.
стр. 32
بسرد الصفات الإيجابية والسلبية ولكن قبل ذلك نعرج على موارد الطبري في تأريخه.
فنقول:
١ - موارد الطبري متنوعة وغزيرة ومختلفة المشارب.
٢ - ولقد شاركت جميع الكتب والمرويات المحفوظة التي سبقت الطبري في نسج لحمة تأريخ الطبري ومئات الروايات التي رواها الأخباريون من قبله حفظها الطبري من الضياع فاندثرت أصول كتبهم وصحفهم وأبقى الله لهذه الأمة تأريخ الطبري يحوي بين جنباته جلّ تلك الروايات ولقد تحدثنا عن أولئك الأخباريين وذكرنا حلقات الوصل بينهم وبين الطبري من شيوخه الثقات والضعفاء ولقد كتب المعاصرون أبحاثًا حول موارد الطبري في تاريخه وأسانيده إلى رواة الأخبار وفي مقدمتهم الدكتور جواد علي الذي نشر له حلقات بعنوان موارد الطبري في تأريخه في مجلة المجمع العلمي العراقي قبل نصف قرن من الزمان وقبل عقد ونصف أو يزيد كتب الأستاذ عماد الدين خليل فصلًا عن أسانيد الطبري فيما يتعلق ببدايات العباسيين والبحثان قيّمان لا يستغني عنهما كل باحث في هذا المجال.
ميزات منهج الطبري في تأريخه:
١ - الترتيب الحولي للحوادث ولعلّه تأثر بسلفه خليفة بن خياط رحمه الله تعالى في ذلك فقد راعى الطبري ترتيب الوقائع والأحداث ترتيبًا زمنيًا سنة بعد سنة من مبعثه ﵊ حتى سنة ٣٠٢ هـ.
٢ - اعتماد الإسناد والرواية وذلك من صفات تأريخ الطبري الإيجابية إذ سهّل على النقاد من بعده نقد الرواية داخليًا وخارجيًا كما يسميه المؤرخون المعاصرون ... وكما يقول أهل الحديث ... -نقد السند والمتن- وقد حرص الطبري على بيان صيغة التلقي فإن كانت مشافهة قال حدثني أو حدثنا أو أخبرنا وإذا كان مراسلة قال كتب إليّ وإذا أخذ من كتاب ذكر اسم مؤلفه (قال المدائني- أو ذكر الواقدي ... إلخ).
ولكن الإسناد يختفي تدريجيًا كلما اقتربنا من نهاية كتابه.
٣ - تنوع المصادر وغزارتها: إن الدارس لروايات الطبري يستغرب من كثرة
стр. 33
الطرق التي حصل عليها الطبري للوصول إلى تفاصيل الأحداث ولكن هذا الاستغراب يزول إذا ما تذكرنا كثرة أسفاره ﵀ بين طبرستان وبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومصر والحجاز مما سهّل له الالتقاء بجمع غفير من الشيوخ أصحاب الميول المختلفة والمنتمون إلى مدارس عدّة.
٤ - استطاع الطبري ﵀ أن يحافظ على حياديته كمؤرخ ثقة لا تجتذبه الميول إلى هذا التيار أو ذاك حتى أنه وهو السني في مذهبه نقل كثيرًا من روايات الشيعة والرافضة والمعتزلة والقدرية بينما لم يستطع كثيرون من الكبار أن يكونوا حياديين فاليعقوبي إمامي شيعي في تأريخه والمسعودي لم يستطع المحافظة على حياديته كمؤرخ وهكذا يقول شاكر مصطفى لم يمل الطبري مع أيّ هوى في إيراد الأخبار التأريخية الإسلامية وكان حياده في الغالب عن ورع ودقة علمية (١).
اعتبر الطبري التأريخ الإسلامي ممتدًا من نزول آدم وهبوطه على الأرض ثم مرورًا يقصص الأنبياء وتأريخهم إلى مبعث خاتم الأنبياء ﵊ وعروجًا على سيرته وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده وتأريخ الخلافة في عهد الأمويين وأخيرًا تاريخ الخلافة في عهد العباسيين.
وهذا الصنيع من الطيري تفسير إسلامي للتأريخ نابع من الثوابت المؤكدة في الكتاب والسنة فآدم أبو البشر ونوح أبو الأنبياء والأنبياء كلهم موحدون وإبراهيم ﵇ هو الذي أطلق كلمة مسلم على الأمة كما قال تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ والطبري بذلك صاحب نظرة عالمية إلى التاريخ ولذلك لا نتفق مع الأستاذ شاكر مصطفى في كتابه القيّم (التأريخ العربي والمؤرخون) حين يقول:
كان فهمه للتأريخ العالمي أضيق من فهم بعض المؤرخين السابقين له كاليعقوبي مثلًا أو ابن قتيبة فتأريخ العالم عنده محدود بالخط الذي يصل ما بين الأنبياء والعهد الجاهلي عبر الساسانيين وتاريخ اليمن ثم يأتي التأريخ الإسلامي تتويجًا ضخمًا لكل ذلك التاريخ.
التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٦.
المصدر السابق / ٢٦٠.
стр. 34
٦ - اختتم الطبري عهد كل خليفة بسيرة موجزة عن حياته بعيدًا عن الحوليات مع ذكر شيء من حياته الأسرية ومناقبه أو مثالبه.
٧ - ولأنه رتب التأريخ بنظام الحوليات فقد أعطى مساحة كافية للخلفاء الذين حكموا عقدين من الزمان كما في حالة سيدنا معاوية وهشام بن عبد الملك فكان دقيقًا في هذا التوزيع وإن كان له جانب سلبي فيما يخص مراحل التاريخ بصورة عامة كما سنذكر إلّا أنه في هذا الجانب المتعلق بسيرة الخلفاء خاصة أعطى مساحة لكل خليفة يناسب السنين التي حكم فيها بينما نجد مؤرخين كبارًا أعطوا مساحة واسعة لخليفة بينما خصصوا مساحة أصغر بكثير لخليفة آخر ولو كان لراشدًا! ! !
فالمسعودي مثلًا وهو صاحب مروج الذهب (ت ٣٤٦) خصص أقل من عشرين صفحة لخلافة سيدنا عثمان محشوًا بالطعن في عدالة الصحابة بينما استغرق حديثه عن خلافة سيدنا علي أكثر من ثمانين (٨٠) صفحة ومع ذلك قال في نهاية عهد سيدنا علي: وفضائل علي ومقاماته ومناقبه ووصف زهده ونسكه أكثر من أن يأتي عليه كتابنا هذا أو غيره من الكتب أو يبلغه إسهاب مسهب أو إطناب مطنب (١).
علمًا بأن مدة خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁ كانت اثنتي عشرة (١٢) سنة بينما مدة خلافة أمير المؤمنين علي ﵁ لا تصل إلى نصف هذه المدة لأنه بويع في سنة ٣٥ هـ واستشهد في سنة ٤٠ هـ أي أقل من نصف المدة التي قضاها في الحكم سيدنا عثمان بينما اختصر المسعودي مدة اثنتي عشرة سنة من حكم خليفة راشد هو عثمان في أقل من عشرين صفحة بينما أعطى مساحة (٨٠) صفحة لعهد سيدنا علي (الخليفة الراشد الرابع) أي أنه اختصر المسافات والسنين ففقد وسطيته وحياده حتى في إعطاء السنين حقها بينما لم يفعل الطبري مثل المسعودي.
٨ - استطاع الطبري أن يحشد قصائد وأبيات شعرية من روائع الشعر العربي تضاف إلى الأدلة الأخرى من الرواية الخبرية تقوية لأدلته رحمه الله تعالى ويعتبر كتابه بذلك توثيقًا لمئات من الأبيات الشعرية لشعراء فحول أي أنه مزج الأدب مع
_________
(١) مروج الذهب / ٢/ ٤٣٧.
стр. 35
التأريخ مع علم الإسناد متزامنًا مع تنوع المصادر فكان نسيج وحده رحمه الله تعالى واستحق أن يتربع على قمة التطور التأريخي في نهاية القرن الهجري الثالث.
٩ - فيما يتعلق بتأريخ الروم والفرس: حفظ الطبري لتلك الأمم جزءًا كبيرًا من تأريخهم وذلك رصيد يضاف إلى الذخيرة التأريخية لديهم فالطبري ناقل أمين نقل التأريخ الروماني والفارسي من مصادرهم بعد الترجمة ولم يغيّر منها شيئًا بحجة أنهم ليسوا جزءًا من الأمة الإسلامية بل أدى الأمانة كما وصلت إليه امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
بينما ترجم كثير من المستشرقين التأريخ الإسلامي إلى لغتهم وحرّفوا كثيرًا من الحقائق التأريخية وشوّهوها ولكن الله قيّض لهذه الأمة رجالًا كابن العربي والذهبي وابن حجر وابن كثير وابن خلدون والعلامة شاكر ومحب الدين الخطيب ومن جاء من بعدهم فحفظوا لنا تأريخ الأمة فجزاهم الله خيرًا.
ولقد أثنى الباحثون على تسجيل الطبري للأحداث السياسية الجسام التي حدثت لملة الروم وغيرهم قبل الإسلام:
يقول الأستاذ شاكر: إنه كان دقيقًا في تاريخ الروم دقة تدعو إلى العجب مع قلة المصادر حوله في هذا الموضوع فقد ذكر أباطرة الروم والرومان قبلهم حتى عصر هرقل وهم واحد وستون عدا من اشتركوا مع أبنائهم أو غير أبنائهم ومدة حكمهم جميعًا ستة قرون وبضع سنوات ويدهش الباحث من صحة المعلومات التي أوردها ومن دقتها وترتيبها (١).
النقد الموجّه لتأريخ الطبري:
١ - اختفاء النقد إلا في حالات نادرة جدًّا صحيح أن الطبري يورد الآراء المختلفة والروايات المتضاربة في المسألة الواحدة لكي تسهل المقارنة بينها بغية الوصول إلى حقوقه الواقعة التأريخية وصحيح أنه يشكك أحيانًا في أمور معينة فيقول: وزعم الواقدي مثلًا إلّا أنه لم يحكم على الأسانيد والمتون إلّا في حالات نارة جدًّا.
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٦.
стр. 36
يقول الأستاذ شاكر مصطفى عند تقييمه لمنهج الطبري في تأريخه:
[وأهم ما يؤخذ على الطبري في منهجه: ضمور النقل عنده- كان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (١).
ويقول الأستاذ أكرم العمري [ويذكر الطبري روايات تأريخه بالإسناد، ورغم أنه ينتقيها من كتب الأخباريين لكنه لم يحاول استخلاص الروايات الموثقة بل ترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفيًا بالعزو إلى مصادره التي نفد معظمها وبذلك حفظ لنا مادة تأريخية واسعة تحتاج دراستها إلى موازين نقدية واضحة قبل اعتمادها في التدليل والتعليل لأنها تمثل مدارس فكرية وسياسية متنوعة فلا غرابة إذا تضاربت آراؤها ورواياتها في الأحداث (٢).
قلنا: إن مجرد وجود الروايات المنكرة (في تاريخ الطبري) أو المستشنعة والتي لا أصل لها من الصحة حسب تعبير الطبري نفسه وتراكمها لقرون طويلة دون تمييزها إلى صحيح وضعيف أدّى بالنتيجة إلى ترسيخ أباطيل وأوهام وطاقات في أذهان الناس عن أحداث التاريخ الإسلامي ولكن لا حقيقة لها في الأصل أو كما قال الطبري لا أصل لها من الصحة ولا بأس أن نذكر هنا مقولة شيخ من شيوخنا الأجلاء ألا وهو الشيخ صادق المزوري (وهو من أقران الدكتور القرداغي ومن كبار تلاميذ الشيخين مصطفى البنجويني وطاهر البرزنجي) وكان يتحدث عن روايات الطبري الكبير وما في صفحاته من أخبار غير صحيحة لا بد من بيانها فقال إن الطبري عُرِف كإمام ثقة في الفقه والتفسير والحديث فلما أن كتب تأريخه الضخم وانتشر بين الناس بعد وفاته أعطى الناس لمروياته تمام الثقة اهـ.
قلنا: ولم ينتبهوا إلى تحذيره وهو أي الطبري من الأخذ بكل ما جاء في تأريخه فلم يعتد الناس بما في مقدمة تأريخه ولكن أخذوا بعين الاعتبار أنه محدث ثقة حافظ فصدقوا كل ما في تأريخه وتلك مصيبة تركت أثرها في كتابة التأريخ الإسلامي إلى يومنا هذا.
٢ - عدم التركيز أو الاهتمام اللازم بوقائع تأريخية هامة كبناء المسجد النبوي
_________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٩.
(٢) عصر الخلافة الراشدة / ١٩.
стр. 37
لأول مرة وفتح الأندلس والخلافة الأموية في الأندلس ... وغير ذلك.
وفي المقابل سلّط الطبري الأضواء على تفاصيل وأعطاها أكثر من اللازم وأورد مرويات بعضها متكررة ومتشابهة.
٣ - تجزئة الأحداث التأريخية وتوزيعها بين السنين لأنه رتب التأريخ ترتيبًا حوليًّا. ولذلك تراه يترك الحديث عن واقعة معينة ثم يعود إليها بعد حين فلا تكتمل الصورة بل تتجزأ بين السنين وذلك العيب تفاداه اليعقوبي والمسعودي لأنهما لم يجزّئا الواقعة بين السنين.
٤ - يقطع الطبري أحيانًا رواية أخباري معين كأبي مخنف ليذكر في وسط الرواية مثلًا رواية أخباري آخر روى نفس الواقعة ولكن بشكل مختلف- ولو أنه انتهى من رواية الأخباري الأول مثلًا ثم بدأ برواية الثاني لتكونت لدى القارئ صورة متكاملة من الطريق الأول ثم من الثاني وهكذا.
ولقد ذكر الأستاذ شاكر هذين الأمرين فقال [كان (أي الطبري) يقطع الأحداث بالروايات المتعددة وبالسنين على السواء. ويشرد في الحديث إلى أخبار عارضة تقطع الخبر الأصلي مما جعل تأريخه يفتقر إلى الموحدة وارتباط السياق] (١).
والحق يقال فإن ابن الأثير نبّه إلى هذا المأخذ فقال ﵀ في مقدمة الكامل [ورأيتهم يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يكمل منها غرض ولا تُفهم إلا بعد إمعان النظر.
وكذلك النويري في مقدمة كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب قد أشار إلى هذا المأخذ وقال: إنَّ تقطيع الحادثة على السنين يقطع على المطالع لذة متابعة الحادثة وإتمام الصورة الكاملة ونحو ذلك.
٥ - الإكثار من الحكايات الخرافية وخاصة عند حديثه عن بدء الخليقة وقصص الأنبياء وتأريخ العرب قبل الإسلام وأخذ كل ذلك من الروايات الإسرائيلية وخالف أحيانًا صريح الكتاب والسنة ﵀ دون أن يشعر فالله سبحانه لم يبين لنبيه وخليله متى تنتهي هذه الدنيا وتقوم الساعة قال تعالى: ﴿قُلْ
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦٠.
стр. 38
إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ ولكن الطبري ﵀ أسرف في ذكره لعشرات الروايات التي تتحدث عن عمر هذه الدنيا ومن سلبيات هذا الإسراف في الاستشهاد بالإسرائيليات أنه ابتعد في أحايين كثيرة عن الأهداف الكبرى من القصص القرآني وخاصة فيما يتعلق بالأنبياء.
الطبري والتفسير الإسلامي للتأريخ:
لقد ذكر بعض الأساتذة المعاصرون ومنهم الأستاذ شاكر ضمن مآخذهم على أن الطبري متأثر بالنظرة الدينية أكثر من تأثره بالنظرة التجاربية ... فهو عنده تعبير عن المشيئة الإلهية أولًا ثم مستودع خبرات عليا للأمة الإسلامية تكشف عن وحدة هذه بقدر ما تبيّن قيمة تجاربها ووحدة رسالتها التأريخية (١).
قلنا وهذا من إيجابية منهجه ﵀ فهو المفسر المحدث الفقيه ولا بد له من تفسير التأريخ تفسيرًا إسلاميًا وإن كان الطبري لم يتحدث بالتفصيل عن هذا التفسير إلا أنه أشار إلى ذلك في مقدمة تأريخه ولعلَّه طبق ذلك أثناء سرده لأحداث التأريخ إلا أن أول تصنيف في التفسير الإسلامي في التأريخ بدأ بظهور ابن خلدون وكتابه القيم [المقدمة] كما سنذكر فيما بعد.
٦ - أوجز الحديث عن وقائع عصره وأهمل ذكر أسماء الذين أخبروه بتلك الوقائع لأسباب معينة.
٧ - عدم ذكره لأسماء الكتب التي أخذ منها بعد اطلاعه عليها ودراستها عن طريق شيوخه الذين شكلوا حلقة الوصل بينه وبين أصحاب هذه الكتب كالمدائني وعوانة بن الحكم وابن سعد وغيرهم.
٨ - أكثر من الأخذ عن بعض المتروكين والتالفين ومن اتهموا بالكذب وذلك في وقائع وأحداث خطيرة كالفتن.
نقد الرواية التأريخية ومسألة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي:
نستطيع أن نقول: إن الإمام الطبري ﵀ (وهو المحدّث والمؤرخ) فتح الباب على مصراعيه لنقد الرواية التاريخية وذلك لسببين:
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦١.
стр. 39
الأول: استخدم الطبري الإسناد والرواية وبذلك جعل سند الرواية التأريخية ومتنها عرضة للنقد.
الثاني: فتح الطبري باب النقد مرة أخرى عندما نبّه في مقدمته إلى وجود روايات تأريخية غير صحيحة وذلك بقوله:
[فما يكن من كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا صحيحًا ولا معنىً في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا وإنما أوتي من بعض ناقليه إلينا وإنما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا] (١).
ولكن الطبري رحمه الله تعالى مع إقراره هذا بوجود أخبارٍ غير صحيحة في تأريخه لم يستخدم النقد خلال تأريخه الطويل إلا في حالات نادرة جدًّا (بالنسبة لكثرة الروايات).
وهذا مثل نادر من أمثلة نقد الرواية التاريخية عند الطبري:
ذكر الطبري ضمن أحداث سنة ١٢ هـ فتح ميناء الأُبُلة وتمصير البصرة من رواية سيف بن عمر التميمي (الأخباري الضعيف) (٣/ ٣٥٠) ثم علق الطبري نفسه على هذه الرواية فقال: وفي هذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر ﵁ وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله [تاريخ الطبري ٣/ ٣٥٠].
قلت: وقد تحدث الطبري في موضع آخر (٣/ ٥٩٠) عن فتح ميناء الأبلة وتمصير مدينة البصرة بسند صحيح.
وفيما عدا حالات نادرة جدًّا فقد ترك الطبري نقد الرواية التأريخية حتى قال أحد المعاصرين وهو الأستاذ شاكر مصطفى وهو يصف الطبري: [ومما يؤخذ على الطبري في منهجه ضمور النقد عنده وكان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (٢).
_________
(١) تأريخ الطبري ١/ ٧.
(٢) التأريخ العربي والمؤرخون ٢٥٩.
стр. 40
وبمرور الزمن ظهر بين المحدثين والمؤرخين وحتى الفقهاء والمفسرين من نادى بضرورة تمحيص الروايات التأريخية ابتداءً بالإمام المالكي القاضي ابن العربي ومرورًا بابن تيمية والحافظ الذهبي ثم ابن خلدون والحافظان ابن حجر وابن كثير.
يقول الدكتور محمد السلمي: [ومن أبرز من تصدى لإيضاح المغالط التأريخية وردّ زيوف الروايات المكذوبة، القاضي ابن العربي في كتاب العواصم، والإمام ابن تيمية في كثير من كتبه ورسائله خاصة كتابه القيم منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية وكذا الحافظ الناقد الذهبي في كثير من مؤلفاته التأريخية مثل كتاب سير أعلام النبلاء وتأريخ الإسلام ومشاهير الأعلام وميزان الاعتدال في نقد الرجال وأيضًا الحافظ ابن كثير المفسر المؤرخ في كتابه البداية والنهاية وأيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري وكتاب لسان الميزان وتهذيب التهذيب والإصابة].
قلت: إن نقد الرواية التأريخية والذي تطور أخيرًا ليصل إلى فكرة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي ثم بلورة منهج واضح المعالم لهذه الإعادة هي في الحقيقة عمل تراكمي جماعي وكتاب العواصم من القواصم أنموذج صغير ونادر لإعادة كتابة التأريخ دون أن يكون هذا المصطلح معروفًا يومها ولكن الفكرة والمنهج أفصح عند العلامة المؤرخ ابن خلدون الذي مثل في مقدمته منهج المؤرخ الملتزم والذي يعتبر (باعتراف المستشرقين) مؤسس علم التأريخ.
ولا بد لكل باحث يطرق هذا الباب أن تكون لديه فكرة عن منهج ابن خلدون هذا. يقول العلامة ابن خلدون ﵀ وهو يتحدث عن علم التأريخ قائلًا: [فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبه إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط].
ويقول أيضًا: [وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سيروها بمعيار الحكمة والوقوف
следующие страницы →