Полный текст (6 167 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
يقول الأستاذ شاكر مصطفى عند تقييمه لمنهج الطبري في تأريخه:
[وأهم ما يؤخذ على الطبري في منهجه: ضمور النقل عنده- كان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (١).
ويقول الأستاذ أكرم العمري [ويذكر الطبري روايات تأريخه بالإسناد، ورغم أنه ينتقيها من كتب الأخباريين لكنه لم يحاول استخلاص الروايات الموثقة بل ترك للقارئ حرية النقد والترجيح مكتفيًا بالعزو إلى مصادره التي نفد معظمها وبذلك حفظ لنا مادة تأريخية واسعة تحتاج دراستها إلى موازين نقدية واضحة قبل اعتمادها في التدليل والتعليل لأنها تمثل مدارس فكرية وسياسية متنوعة فلا غرابة إذا تضاربت آراؤها ورواياتها في الأحداث (٢).
قلنا: إن مجرد وجود الروايات المنكرة (في تاريخ الطبري) أو المستشنعة والتي لا أصل لها من الصحة حسب تعبير الطبري نفسه وتراكمها لقرون طويلة دون تمييزها إلى صحيح وضعيف أدّى بالنتيجة إلى ترسيخ أباطيل وأوهام وطاقات في أذهان الناس عن أحداث التاريخ الإسلامي ولكن لا حقيقة لها في الأصل أو كما قال الطبري لا أصل لها من الصحة ولا بأس أن نذكر هنا مقولة شيخ من شيوخنا الأجلاء ألا وهو الشيخ صادق المزوري (وهو من أقران الدكتور القرداغي ومن كبار تلاميذ الشيخين مصطفى البنجويني وطاهر البرزنجي) وكان يتحدث عن روايات الطبري الكبير وما في صفحاته من أخبار غير صحيحة لا بد من بيانها فقال إن الطبري عُرِف كإمام ثقة في الفقه والتفسير والحديث فلما أن كتب تأريخه الضخم وانتشر بين الناس بعد وفاته أعطى الناس لمروياته تمام الثقة اهـ.
قلنا: ولم ينتبهوا إلى تحذيره وهو أي الطبري من الأخذ بكل ما جاء في تأريخه فلم يعتد الناس بما في مقدمة تأريخه ولكن أخذوا بعين الاعتبار أنه محدث ثقة حافظ فصدقوا كل ما في تأريخه وتلك مصيبة تركت أثرها في كتابة التأريخ الإسلامي إلى يومنا هذا.
٢ - عدم التركيز أو الاهتمام اللازم بوقائع تأريخية هامة كبناء المسجد النبوي
_________
(١) التاريخ العربي والمؤرخون / ٢٥٩.
(٢) عصر الخلافة الراشدة / ١٩.
стр. 37
لأول مرة وفتح الأندلس والخلافة الأموية في الأندلس ... وغير ذلك.
وفي المقابل سلّط الطبري الأضواء على تفاصيل وأعطاها أكثر من اللازم وأورد مرويات بعضها متكررة ومتشابهة.
٣ - تجزئة الأحداث التأريخية وتوزيعها بين السنين لأنه رتب التأريخ ترتيبًا حوليًّا. ولذلك تراه يترك الحديث عن واقعة معينة ثم يعود إليها بعد حين فلا تكتمل الصورة بل تتجزأ بين السنين وذلك العيب تفاداه اليعقوبي والمسعودي لأنهما لم يجزّئا الواقعة بين السنين.
٤ - يقطع الطبري أحيانًا رواية أخباري معين كأبي مخنف ليذكر في وسط الرواية مثلًا رواية أخباري آخر روى نفس الواقعة ولكن بشكل مختلف- ولو أنه انتهى من رواية الأخباري الأول مثلًا ثم بدأ برواية الثاني لتكونت لدى القارئ صورة متكاملة من الطريق الأول ثم من الثاني وهكذا.
ولقد ذكر الأستاذ شاكر هذين الأمرين فقال [كان (أي الطبري) يقطع الأحداث بالروايات المتعددة وبالسنين على السواء. ويشرد في الحديث إلى أخبار عارضة تقطع الخبر الأصلي مما جعل تأريخه يفتقر إلى الموحدة وارتباط السياق] (١).
والحق يقال فإن ابن الأثير نبّه إلى هذا المأخذ فقال ﵀ في مقدمة الكامل [ورأيتهم يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يكمل منها غرض ولا تُفهم إلا بعد إمعان النظر.
وكذلك النويري في مقدمة كتابه نهاية الأرب في فنون الأدب قد أشار إلى هذا المأخذ وقال: إنَّ تقطيع الحادثة على السنين يقطع على المطالع لذة متابعة الحادثة وإتمام الصورة الكاملة ونحو ذلك.
٥ - الإكثار من الحكايات الخرافية وخاصة عند حديثه عن بدء الخليقة وقصص الأنبياء وتأريخ العرب قبل الإسلام وأخذ كل ذلك من الروايات الإسرائيلية وخالف أحيانًا صريح الكتاب والسنة ﵀ دون أن يشعر فالله سبحانه لم يبين لنبيه وخليله متى تنتهي هذه الدنيا وتقوم الساعة قال تعالى: ﴿قُلْ
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦٠.
стр. 38
إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ ولكن الطبري ﵀ أسرف في ذكره لعشرات الروايات التي تتحدث عن عمر هذه الدنيا ومن سلبيات هذا الإسراف في الاستشهاد بالإسرائيليات أنه ابتعد في أحايين كثيرة عن الأهداف الكبرى من القصص القرآني وخاصة فيما يتعلق بالأنبياء.
الطبري والتفسير الإسلامي للتأريخ:
لقد ذكر بعض الأساتذة المعاصرون ومنهم الأستاذ شاكر ضمن مآخذهم على أن الطبري متأثر بالنظرة الدينية أكثر من تأثره بالنظرة التجاربية ... فهو عنده تعبير عن المشيئة الإلهية أولًا ثم مستودع خبرات عليا للأمة الإسلامية تكشف عن وحدة هذه بقدر ما تبيّن قيمة تجاربها ووحدة رسالتها التأريخية (١).
قلنا وهذا من إيجابية منهجه ﵀ فهو المفسر المحدث الفقيه ولا بد له من تفسير التأريخ تفسيرًا إسلاميًا وإن كان الطبري لم يتحدث بالتفصيل عن هذا التفسير إلا أنه أشار إلى ذلك في مقدمة تأريخه ولعلَّه طبق ذلك أثناء سرده لأحداث التأريخ إلا أن أول تصنيف في التفسير الإسلامي في التأريخ بدأ بظهور ابن خلدون وكتابه القيم [المقدمة] كما سنذكر فيما بعد.
٦ - أوجز الحديث عن وقائع عصره وأهمل ذكر أسماء الذين أخبروه بتلك الوقائع لأسباب معينة.
٧ - عدم ذكره لأسماء الكتب التي أخذ منها بعد اطلاعه عليها ودراستها عن طريق شيوخه الذين شكلوا حلقة الوصل بينه وبين أصحاب هذه الكتب كالمدائني وعوانة بن الحكم وابن سعد وغيرهم.
٨ - أكثر من الأخذ عن بعض المتروكين والتالفين ومن اتهموا بالكذب وذلك في وقائع وأحداث خطيرة كالفتن.
نقد الرواية التأريخية ومسألة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي:
نستطيع أن نقول: إن الإمام الطبري ﵀ (وهو المحدّث والمؤرخ) فتح الباب على مصراعيه لنقد الرواية التاريخية وذلك لسببين:
_________
(١) التأريخ العربي والمؤرخون / ٢٦١.
стр. 39
الأول: استخدم الطبري الإسناد والرواية وبذلك جعل سند الرواية التأريخية ومتنها عرضة للنقد.
الثاني: فتح الطبري باب النقد مرة أخرى عندما نبّه في مقدمته إلى وجود روايات تأريخية غير صحيحة وذلك بقوله:
[فما يكن من كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه أو يستشنعه سامعه من أجل أنه لم يعرف له وجهًا صحيحًا ولا معنىً في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤت ذلك من قبلنا وإنما أوتي من بعض ناقليه إلينا وإنما أدينا ذلك على نحو ما أُدّي إلينا] (١).
ولكن الطبري رحمه الله تعالى مع إقراره هذا بوجود أخبارٍ غير صحيحة في تأريخه لم يستخدم النقد خلال تأريخه الطويل إلا في حالات نادرة جدًّا (بالنسبة لكثرة الروايات).
وهذا مثل نادر من أمثلة نقد الرواية التاريخية عند الطبري:
ذكر الطبري ضمن أحداث سنة ١٢ هـ فتح ميناء الأُبُلة وتمصير البصرة من رواية سيف بن عمر التميمي (الأخباري الضعيف) (٣/ ٣٥٠) ثم علق الطبري نفسه على هذه الرواية فقال: وفي هذه القصة في أمر الأبلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح وإنما كان فتح الأبلة أيام عمر ﵁ وعلى يد عتبة بن غزوان في سنة أربع عشرة من الهجرة وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله [تاريخ الطبري ٣/ ٣٥٠].
قلت: وقد تحدث الطبري في موضع آخر (٣/ ٥٩٠) عن فتح ميناء الأبلة وتمصير مدينة البصرة بسند صحيح.
وفيما عدا حالات نادرة جدًّا فقد ترك الطبري نقد الرواية التأريخية حتى قال أحد المعاصرين وهو الأستاذ شاكر مصطفى وهو يصف الطبري: [ومما يؤخذ على الطبري في منهجه ضمور النقد عنده وكان يقف خارج الأحداث وخارج الرواية نفسها في برود عقلي واضح] (٢).
_________
(١) تأريخ الطبري ١/ ٧.
(٢) التأريخ العربي والمؤرخون ٢٥٩.
стр. 40
وبمرور الزمن ظهر بين المحدثين والمؤرخين وحتى الفقهاء والمفسرين من نادى بضرورة تمحيص الروايات التأريخية ابتداءً بالإمام المالكي القاضي ابن العربي ومرورًا بابن تيمية والحافظ الذهبي ثم ابن خلدون والحافظان ابن حجر وابن كثير.
يقول الدكتور محمد السلمي: [ومن أبرز من تصدى لإيضاح المغالط التأريخية وردّ زيوف الروايات المكذوبة، القاضي ابن العربي في كتاب العواصم، والإمام ابن تيمية في كثير من كتبه ورسائله خاصة كتابه القيم منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية وكذا الحافظ الناقد الذهبي في كثير من مؤلفاته التأريخية مثل كتاب سير أعلام النبلاء وتأريخ الإسلام ومشاهير الأعلام وميزان الاعتدال في نقد الرجال وأيضًا الحافظ ابن كثير المفسر المؤرخ في كتابه البداية والنهاية وأيضًا الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه فتح الباري وكتاب لسان الميزان وتهذيب التهذيب والإصابة].
قلت: إن نقد الرواية التأريخية والذي تطور أخيرًا ليصل إلى فكرة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي ثم بلورة منهج واضح المعالم لهذه الإعادة هي في الحقيقة عمل تراكمي جماعي وكتاب العواصم من القواصم أنموذج صغير ونادر لإعادة كتابة التأريخ دون أن يكون هذا المصطلح معروفًا يومها ولكن الفكرة والمنهج أفصح عند العلامة المؤرخ ابن خلدون الذي مثل في مقدمته منهج المؤرخ الملتزم والذي يعتبر (باعتراف المستشرقين) مؤسس علم التأريخ.
ولا بد لكل باحث يطرق هذا الباب أن تكون لديه فكرة عن منهج ابن خلدون هذا. يقول العلامة ابن خلدون ﵀ وهو يتحدث عن علم التأريخ قائلًا: [فهو محتاجٌ إلى مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبه إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط].
ويقول أيضًا: [وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سيروها بمعيار الحكمة والوقوف
стр. 41
على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق وتاهوا في بيداء الوهم والغلط ولا سيّما في إحصاء الأعداد في الأموال والعساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب ومطية الهذر ولا بد من ردِّها إلى الأصول وعرضها على القواعد (١).
ثم ذكر ابن خلدون بعضًا من الأسباب التي تقتضي الكذب في الأخبار ومنها:
١ - التشيّعات للآراء والمذاهب.
٢ - الثقة بالناقلين.
٣ - الذهول عن المقاصد.
٤ - توهم الصدق.
٥ - الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع لأجل ما يداخلها من التلبيس والضعة.
٦ - التقرّب لأصحاب التجلة والمراتب.
ثم ذكر ابن خلدون في مقدمته أمثلة كثيرة من أمثلة النقد التأريخي ابتداءً من قصص بني إسرائيل وانتهاءً بالخلافة في عهد العباسيين ومنها قصة العبّاسة مع جعفر بن يحيى بن خالد وبيّن ابن خلدون زيف القصة التي حاكها الوضاعون في هذه المسألة ومسألة نكبة البرامكة. وسنعود مرة أخرى للحديث عن منهج ابن خلدون عندما نتناول مسألة التفسير الإسلامي للتأريخ.
قلت: ومن بين الذين ذكرهم الأستاذ السلمي الحافظ ابن كثير والحافظ الذهبي والحافظ ابن حجر أما الخبر فتناوله للنقد التأريخي واضح من خلال روايات مناقب الصحابة وبعض الأحاديث النادرة في صحيح البخاري حول أحداث الفتنة في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.
وأما الذهبي فقد استخدم النقد على نطاق لا بأس به في كتابيه العظيمين تأريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء ولكن الحافظ ابن كثير استعمل النقد أكثر منهما بكثير ولعلّ كتابه القيّم [البداية والنهاية] هي المحاولة الأولى لإعادة كتابة التأريخ
_________
(١) مقدمة ابن خلدون / ١٧.
стр. 42
الإسلامي برمته وأثناء دراستنا لروايات الطبري ومقارنتها بما ذكره ابن كثير من روايات الطبري وغيره وجدنا الحافظ ابن كثير ناقدًا بصيرًا لأنه محدث مشهور له في علم الحديث وتراجم الرجال ولم يكثر قبله أحد في النقد كما أكثر هو من استخدامه، وتخمينًا لا حصرًا نقول إنه نقد ما يقرب من (٢٠%) من أصل الروايات التأريخية ورجّح وصحح.
وفي القرن الرابع عشر الهجري ومع ظهور كتابات الأستاذ محب الدين الخطيب ومنها تعليقه وتعقبه على كلام ابن العربي في العواصم تعالت الأصوات الصادقة بضرورة إعادة كتابة التأريخ الإسلامي مع مراعاة شروط منها التفسير الإسلامي للتأريخ.
الخطوط العريضة التي رسمها الأساتذة المعاصرون لإعادة كتابة التأريخ [اعتمادًا على معطيات وذخائر تركها لهم أسلافهم]:
مما لا شك فيه لدى الباحثين في مجال التأريخ الإسلامي تزايد اهتمام أساتذتنا الكرام بوضع منهج واضح المعالم لإعادة كتابة التأريخ الإسلامي وخلال هذا الفصل نستعرض الخطط التي رسمها أبرز من بحثوا في هذه المسألة مع الاستشهاد بمقولات من سبقهم أو عاصرهم وانتهاءً آخر محاولة جادّة في هذا الموضوع وأعني بهذه المحاولة الأخيرة رسالة دكتوراه قدّمها الشيخ الفاضل إبراهيم الشهرزوري بعنوان [مناهج المحدثين في نقد الرواية التأريخية] عام ١٤٢٢ هـ في المعهد العربي للدراسات التأريخية.
ولنبدأ بأبحاث الأستاذ عماد الدين خليل لأنه رسم الخطوط العريضة وأما الأستاذ العمري فقد دخل في التفاصيل وأعطى نماذج عملية إما مباشرة وذلك من خلال كتابيه [صحيح السيرة النبوية] و [عصر الخلافة الراشدة] أو بصورة غير مباشرة عن طريق إشرافه على رسائل جامعية عديدة.
ولعلَّ الرسالة الجامعية [روايات أبي مخنف في تأريخ الطبري] للأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى هي التي فتحت الطريق أمام الرسائل الأخرى التي قاربت العشرين وتناولت جميعًا مرويات الطبري إسنادًا ومتنًا.
كتب أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل فصلًا بعنوان:
стр. 43
الشروط والضوابط المنهجية لكتابة التأريخ الإسلامي
أولًا: التأكيد على ضرورة ملاحظة ملامح التفسير الإسلامي للتأريخ من جهة والقيم الأساسية التي يتمخض عنها تحليل التأريخ الإسلامي نفسه في توجهاته الشمولية من جهة أخرى (١).
لا أكون مغاليًا إذا قلت إن أول من أبان عن معالم التفسير الإسلامي للتأريخ هو العلامة ابن خلدون -وإن لم يستعمل هو هذا المصطلح- وبلغت تلك المعالم أوجهًا في كتابات الأستاذ عماد الدين خليل سواء كان من خلال كتابه القيّم التفسير الإسلامي للتأريخ أو من خلال كتابه حول سيرة عمر بن عبد العزيز وعشرات الكتب والمقالات كتبها حول هذه المسألة ولعلّ الأستاذ عماد الدين خليل أوجز أهمية التفسير الإسلامي للتأريخ بقوله:
من خلال نظرة شمولية إلى التاريخ الإسلامي في مساراته ومصائره يبدو ذلك الاتصال الوثيق بين المسببات والأسباب، ذلك التلاحم المحتوم بين المقدمات والنتائج، إنها النواميس والسنن التي حدَّثنا عنها الله سبحانه في كتابه المبين.
ولقد أخطأ كثير من المؤرخين في فهم وحدة هذا التأريخ وطبيعة نسيجه ذي الخيوط الواحدة، أخطؤوا لأنهم نظروا إلى هذا التاريخ نظرة تتسم بالتجزيئية والمباشرة والتقطع حينًا، وبقياس التحولات بمقاييس التغير الدائم في الأُسَر الحاكمة حينًا آخر، دون أن يأخذوا بنظر الاعتبار حركة المجتمع الإسلامي ووحدته وصيرورته التي كانت تجد في قيم الإسلام ومبادئه ومثله مراكز ثقلها وضبطها، ومؤشرات تمخضها الدائم عن المزيد من الوقائع والأحداث (٢).
قلنا: ولقد تحدثنا عن بعض أصول التفسير الإسلامي للتأريخ في ثنايا
_________
(١) إسلامية المعرفة / ٦٧.
(٢) المصدر السابق (٦٣).
стр. 44
تخريجنا لروايات تأريخ الطبري وعلى سبيل المثال لا الحصر عند حديثنا عن أسباب انتقال إدارة الخلافة من الأمويين إلى العباسيين فلينظر.
ويكمل الأستاذ عماد الدين شروطه قائلًا:
ثانيًا: إن العمل التأريخي الجاد بحاجة إلى البناة الذين يملكون الحسّ النقدي بطبيعة الحال أكثر من النقاد (١).
ويشرح الأستاذ عبارته هذه ويقول في آخر شرحه:
باختصار، فإن التوجّه أكثر أهمية وجدوى يجب أن يتجاوز الدفاع المتشنج إزاء كل ما طرحه الخصوم حول هذه النقطة أو تلك في مجرى التاريخ الإسلامي صوب أبحاث في تكوين التاريخ والحضارة الإسلامية، نظمًا وصيرورة، وأعمال بنائية في هذا الجانب أو ذاك، تقدم بذاتها القناعات الموضوعية التي تتهافت عندها مقولات الخصوم (٢).
ثالثًا: تحقيق قدر من التوازن بين دراسة الجوانب السياسية العسكرية وبين فحص الجوانب الحضارية وتحليلها، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة أن ينظر إلى المعطيات الحضارية باعتبارها أجزاء متفرقة تنتمي إلى كل نظرة أوسع يتضمنها جميعًا ويمنحها معنى وهدفًا (٣).
ومن الضروري هنا أن ننقل كلامًا قيّمًا للأستاذ عمر عبيد حسنة إذ يقول وهو يتحدث عن التاريخ الإسلامي [ليس هو تأريخ الدولة بأجهزتها المتعددة وإنما هو تأريخ الأمة بشكل عام وعطائها الحضاري على مختلف الأصعدة الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والعلمية. إلخ].
لذلك نقول: إنه من الخطأ المنهجي والموضوعي الاقتصار على تأريخ الحكام والأمراء والخلفاء وتغييب تأريخ المجددين والمصلحين والعلماء العاملين والطوائف التي تحمل الحق وتظهر به وتدافع عنه وتتولى حسبة الأمر بالمعروف
_________
(١) إسلامية المعرفة (٦٧).
(٢) المصدر السابق (٦٨).
(٣) المصدر السابق (٦٨).
стр. 45
والنهي عن المنكر وتحقيق الرقابة العامة في الأمة (١).
ونعود إلى الشروط والضوابط التي ذكرها الدكتور عماد الدين خليل:
رابعًا: الأخذ بأسلوب نقدي رصين في التعامل مع الروايات التي قدمتها مصادرنا (القديمة) وعدم التسليم المطلق بكل ما يطرحه مؤرخنا القديم، وإحالة الرواية التاريخية، قبل التسليم النهائي بها على المجرى العام للمرحلة التاريخية لمعرقة هل يمكن أن تتجانس في سداها ولحمتها مع نسيج تلك المرحلة لحمة وسدى؟ هذا فضلًا عن ضرورة اعتماد مقاييس النقدين الخارجي والباطني ومعاييرهما وصولًا إلى قناعة كافية بصحة الرواية.
ويمكن الإفادة في مجال النقد الخارجي، إلى حد ما، من علمي: "مصطلح الحديث" و"الجرح والتعديل" اللذين مورسا على نطاق واسع في عمليات تمحيص الأحاديث النبوية، ومن كتب التراجم الغنية الخصبة، فما من أُمة في الأرض عنيت بتمحيص مصادر أخبارها وتاريخها كالأمة الإسلامية، فهنالك تراجم لنصف مليون رجل أسهموا جميعًا في تقديم الأحاديث والأخبار والروايات التاريخية التي لا يمكن توثيقها والأخذ بها إلا بعد فحص أولئك الرجال الذين تناقلوها. ومن ثم فإن دراسة التاريخ الإسلامي دراسة جادة تستلزم، بالضرورة، دراسة هذا الموضوع الخطير لكي تقوم الأعمال التاريخية معتمدة على أوثق المصادر وأدق الأخبار ومنقحة من الدسائس والسموم وسيل الروايات الموضوعة التي نفثتها القوى المضادة في جسد تاريخنا المتشابك الطويل.
ومن قبله قال محب الدين الخطيب ومن الإنصاف أن نشير إلى أن اتساع صدور أئمة السنة -من أمثال أبي جعفر الطبري- لإيراد أخبار المخالفين من الشيعة وغيرهم -دليل على حريتهم وأمانتهم ورغبتهم في تمكين قرائهم من أن يطَّلعوا على كل ما في الباب واثقين من أن القارئ الحصيف لا يفوته أن يعلم أن مثل أبي مخنف موضع تهمة -هو ورواته- ... إلخ.
وقال الخطيب ﵀ أيضًا: وإنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل، فتراجم شيوخه مباشرة وشيوخهم توجد في
_________
(١) قيم المجتمع الإسلامي من منظور تأريخي / ١١.
стр. 46
الأكثر في مثل: تذكرة الحفاظ للذهبي وتراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المئة الثانية توجد في خلاصة تذهيب الكمال للصفي الخزرجي وتقريب التهذيب للحافظ ابن حجر والذين تناولهم الجرح من الضعفاء: يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال والحافظ ابن حجر في لسان الميزان فضلًا مما ورد في طبقات ابن سعد وتاريخ دمشق لابن عساكر وتأريخ الإسلام للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير من آلاف الأخبار إلا بالرجوع إلى تراجم رواته في كتب الجرح والتعديل، وإن كتب مصطلح الحديث تبين الصفات اللازمة للراوي، ومتى يجوز الأخذ برواية المخالف، ولا نعرف أمة عني مؤرخوها بتمحيص الأخبار وبيان درجاتها وشروط الانتفاع بها، كما عني بذلك علماء المسلمين، وأن العلم بذلك من لوازم الاشتغال بالتاريخ الإسلامي، أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، ولا يتعرفون إلى رواتها، ويكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى الطبري: رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني، يظنون أن مهمتهم انتهت بذلك، فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار، ولو أنهم تمكنوا من علم "مصطلح الحديث" وأنسوا بكتب الجرح والتعديل واهتموا برواة كل خبر، كاهتمامهم بذلك الخبر، لاستطاعوا أن يعيشوا في جوّ التاريخ الإسلامي، ولتمكنوا من التمييز بين غثّ الأخبار وسمينها، ولعرفوا الأخبار أقدارها على أقدار أصحابها (١).
ثم نعود إلى الشروط والضوابط كما وضعها الدكتور عماد الدين خليل:
خامسًا: يقابل هذا ضرورة الاعتماد في بناء البحث التاريخي على الواقعة نفسها دون الوقوع في مظنة اعتماد هياكل مرسومة مسبقًا، ووجهات نظر مصنوعة سلفًا، ومحاولة تطويع الوقائع وإرغامها على الانسجام مع هذه الهياكل والوجهات حتى ولو أدى هذا إلى تشويه ملامح الواقعة التاريخية، أو إعادة تركيبها، لكي تنسجم والأطروحات المسبقة، مما نجده واضحًا، على سبيل المثال، في الدراسات التي تنطلق من المفهوم المادي في تفسير التاريخ، الأمر الذي أوقعها في بحر من الأخطاء والتناقضات.
_________
(١) المدخل إلى التأريخ الإسلامي / (١٦٤ - ١٦٥).
стр. 47
سادسًا: كما أنه يتوجب في مقابل هذا وذاك اتخاذ موقف علمي تجاه معطيات المستشرقين، الغربيين والشرقيين، على مستوى المنهج والموضوع وعدم التسليم المطلق بها أو تجاوزها كليّة، لأن هذه المعطيات تتضمن الجيد والرديء ... الأبيض والأسود ..
ويضيف الأستاذ عماد الدين قائلًا:
إن مناهج البحث الغربية (نصرانية وماديّة) لا يمكنها بحال أن تقدم تفسيرًا معقولًا شاملًا متماسكًا لتاريخنا الإسلامي، فهي إن نجحت في تفسير التاريخ الغربي وتقويمه فستخفق حتمًا في تفسير التاريخ الإسلامي وتقويمه، ذلك أنها مناهج لا تقوم على أساس (متوازن) ينظر إلى القيم الروحية والمادية كعوامل فعّالة مشتركة في صنع التاريخ، بل على العكس، تسعى بدافع من ماديتها أو علمانيتها إلى ترجيح الدافع المادي وتقليص مساحة الدوافع الروحية في حركة التاريخ، بل طمسها أحيانًا، وإنكارها أساسًا في أحيان ثالثة كعوامل في صيرورة التاريخ البشري.
سابعًا: يجب ألا يقع العاملون في حقل المنهج الجديد للتاريخ الإسلامي تحت وطأة المواضعات المعاصرة في كافة مناحي الحياة البشرية: السياسية والاقتصادية والأخلاقية والروحية والاجتماعية، لأن هذا من شأنه أن يصبغ رؤيتهم للتاريخ الإسلامي بألوان تستمد تركيبها من واقع عصرنا الراهن، الأمر الذي يفسد موضوعية الرؤية، وبالتالي يصد المؤرخ عن الوصول إلى كنه الوقائع التاريخية التي قد لا تمت بصلة إلى موضوعات القرن العشرين.
ثامنًا: ولابدّ من الإشارة أخيرًا -وليس آخرًا- إلى أن الدعوة لإعادة كتابة أو عرض التاريخ الإسلامي وتحليله لا تعني بالضرورة البدء من نقطة الصفر، أو الرفض المطلق للصيغ التي قدمها بها مؤرخونا القدماء، ومحاولة قلب معطياتهم رأسًا على عقب ... ومن يخطر على باله أمر كهذا؛ فهو ليس من العلم في شيء.
[فصل من كتاب إسلامية المعرفة / ٦٣ - ٧٣ / مخطط مقترح لإسلامية علم التأريخ]
ولقد استمر أستاذنا الفاضل عماد الدين خليل في ذكر شروط وضوابط أخرى إلّا أننا لم نذكرها هنا لأنها بحاجة أن تعتمد في حالة كتابة موسوعة للتأريخ
стр. 48
الإسلامي أوسع بكثير من تأريخ الطبري وأشمل منه كذلك- إلّا أننا اكتفينا بذكر الضوابط التي نراها لزامًا للباحث في مجال تأريخ الطبري وتخريج رواياته والله أعلم.
ونضيف هنا شروطًا أخرى ذكرها بعض من أساتذتنا الأفاضل:
تاسعًا: يقول الأستاذ عمر عبيد حسنة: كما أن من الخطأ التربوي والثقافي والديني أيضًا الاقتصار على إبراز الجوانب المشرقة وتضعيفها في التأريخ الإسلامي وتصوير مجتمع المسلمين على أنه مجتمع ملائكة معصومين من الخطأ -وتغييب أو إسقاط فترات الانكسار والهزيمة والسقوط التي قد تمثل النقاط السوداء والسلبية في مسيرة الأمة- إذا ما تمَّت معايرتها بالقيم وإن كانت مساحتها في التأريخ الإسلامي لا تكاد تذكر أمام الإنجازات العظيمة والعطاء الحضاري (١).
التفاصيل العملية لمنهج إعادة كتابة التأريخ الإسلامي ومنها مسألة نقد المتن والإسناد:
وهنا نركّز بالذات على أبحاث أستاذنا الفاضل أكرم ضياء العمري الرائد في مجال تطبيق قواعد المصطلح والجرح والتعديل لنقل وتقييم الرواية التأريخية.
وما سنذكره هنا من شروطٍ وضوابط مأخوذة من عدة أبحاث وكتب لأستاذنا العمري ورأينا في جمعها في فصل واحد فائدة عظيمة والله أعلم.
نظرًا لأن المصادر المتعلقة بالحديث والعلوم الشرعية والتاريخ الإسلامي معظمها يسرد الروايات بالأسانيد، فلا بد من تحكيم قواعد علماء المصطلح في نقد هذه الروايات مع عدم التخلي عن الروايات التي لا تصل إلى مستوى الصحة الحديثية، ففي الأبحاث التاريخية تعتبر الروايات المسندة من طرق رواة لا يبلغون مستوى الثقات أفضل من الروايات والأخبار غير المسندة، لأن فيها ما يدل على أصلها، ويمكن من التحكم بنقدها وفحصها بصورة أفضل من الأخبار الخالية من السند.
أما في الدراسات المتصلة بالعقيدة والشريعة فلا بد من الاعتماد فيها على
_________
(١) قيم المجتمع الإسلامي من منظور تأريخي / ١١.
стр. 49
الروايات والأحاديث الصحيحة ونقد وبيان الضعفية منها، وستسلم في هذا الجانب أحاديث صحيحة على شرط المحدثين تكفي لبيان العقيدة وأحكام الشريعة، لأن المحدثين أولوا الأحاديث عناية كبيرة وأحاطوا رواتها بدراسة دقيقة واسعة، واهتموا بطرق تحملها وأدائها، فإذا طبقت قواعدهم على الأحاديث فهي أهل لذلك لما بلغته من الدقة والإتقان.
ثم يذكر الأستاذ العمري بيت القصيد هنا فيقول:
أولًا: أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسف كثير، والخطر الناجم عنه كبير، لأن الروايات التأريخية التي دونها أسلافنا المؤرخون لم تعامل معاملة الأحاديث بل تم التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستشكل هوة سحيقة بيننا وبين ماضينا مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع.
إن تاريخ الأمم الأخرى مبني على روايات مفردة ومصادر مفردة في كثير من حلقاته، وهم ينقدون متون الروايات فقط ويحللونها وفق معايير نقدية تمكنهم من الوصول إلى صورة ماضيهم لعدم استعمال الأسانيد في رواياتهم التاريخية لأن الأسانيد اختصت بها الأمة الإسلامية.
لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير معين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لسير تاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأولى نالت من العناية ما يمكنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة.
ويرى أستاذنا العمري علاقة قوية بين التأريخ والحديث فيقول في كتابه القيّم "بحوث في السنة المشرفة":
ولكن بسبب انشغال كثير من المحدثين في التأريخ فإن قواعد النقد هذه استعملت إلى حد ما في التاريخ أيضًا وقد ساعد على ذلك أن الروايات التأريخية كانت تتصدرها الأسانيد كما هو شأن الأحاديث كما أن مقاييس المحدثين سرت
стр. 50
إلى علم التاريخ فقد اشترطوا في المؤرخ ما اشترطوه في رواة الحديث من العدالة والضبط (١).
وبذلك أمكن تطبيق قواعد نقد الحديث في نقد الروايات التأريخية أيضًا ولكن ذلك لم يتم بنفس الدقة بل حدث تساهل كبير. في ميدان التأريخ فالمؤرخون الأوائل مثل خليفة بن خياط والطبري استقوا كثيرًا من مادتهم التأريخية عن رواة ضعفهم أهل الحديث وبذلك لم يتشددوا في نقد رواة الأخبار كما فعلوا بالنسبة لرواة الحديث ...
ثانيًا: ثم يذكر الأستاذ العمري ببيت القصيد هنا فيقول:
وعندما يقوم المؤرخون اليوم بمحاولة تدقيق مصادرنا التأريخية ونقد متونها فإن بالإمكان الاستفادة من قواعد نقد الحديث وعلم الرجال في ترجيح الروايات التأريخية المتعارضة كأن تكون إحدى الروايتين المتعارضتين بإسناد متصل، رجاله ثقات والأخرى وردت بإسناد منقطع أو عن طريق رواة مجروحين فعندئذ ينبغي ترجيح الرواية الأولى على الثانية.
ومن شروط الأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى لإعادة كتابة التأريخ كما قال:
إن من أراد أن يكتب عن عصر من العصور لا بد أن يتصور حياة ذلك العصر بأخلاقياته وصفاته وعاداته حتى يستطيع أن يصدر الأحكام عليه وتكون عنده القدرة على نقد الروايات والمتون التي بين يديه من خلال موافقاتها أو معارضاتها لحال ذلك العصر الذي قام بدراسته.
[مرويات أبي مخنف في تأريخ الطبري اعتبارات تهمُّ دارس التأريخ / ٩].
وكما أن استعمال قواعد المصطلح في نقد الروايات التأريخية ينبغي أن يتشدَّد على قدر تعلق المادة بالأحداث الخطيرة التي تؤثر فيها الأهواء ويشتط عندها الهراة كأن تكون الروايات لها مساس بالعقائد والفتن التي حدثت في حياة الصحابة أو ذات صلة بالأحكام الشرعية كالسوابق الفقهية، فإن التشدد في قبولها يجعل استعمال قواعد نقد الحديث بدقة أمرًا مقبولًا (٢).
_________
(١) دراسات تأريخية / د. أكرم ضياء العمري / ٢٦ - ٢٧.
(٢) أبحاث في السنة المشرفة (٢١٠ - ٢١١).
стр. 51
قلت: ولعل أحدث رسالة دكتوراه في هذا الباب وهي [مناهج المحدثين في نقد الروايات التأريخية] لأخينا الدكتور إبراهيم الشهرزوري هو أوسع ما كتب فيه. جمع فيه أخونا الشيخ ما ذكره أسلافه وأضاف إضافات قيّمة أثرت هذا الموضوع ومن إضافاته أنه يرى الاستعانة بأصول الفقه والفقه نفسه في نقد الرواية التأريخية بالإضافة إلى قواعد الحديث.
ولقد لخّص فكرة كتابه القيّم بقوله: [إن هذه الرسالة محاولة متواضعة لوضع وجمع وترتيب جميع المناهج وقواعد المحدثين إضافة إلى قواعد الأئمة الفقهاء والمؤرخين وكل ما لا يسع المؤرخ جهله بما يتعلق بالتأريخ الإسلامي] ص ٩٣.
ومن الأمور القيّمة التي فطن إليها الشيخ الشهرزوري في رسالته هو تطبيق القواعد الفقهية على الروايات التأريخية إذ يقول [إن ربط التأريخ الإسلامي بمختلف العلوم الشرعية أمر لا بد منه لأنه تأريخ عقيدة وشريعة يختلف عن تأريخ بقية الأمم، وأن أي مسألة تأريخية قد ترتبط بمسألة عقدية أو شرعية، وقد تجد لتلك المسألة أصلًا في العلوم الشرعية الأخرى كعلم العقائد والتوحيد والفقه أو أصول الفقه] ص ٣٥١.
ومن ثم ذكر إبراهيم الشهرزوري أمثلة عدة لاستخدام القواعد الفقهية على الروايات التأريخية كعامل مساعد في تحقيقها نذكر منها مسألة الخروج على السلطان وموقف أبي حنيفة من الخليفة العباسي، فبعض المصادر التأريخية تذكر أن أبا حنيفة قد بايع للخليفة العباسي علنًا بينما كان يمدّ يد العون للخارجين عليه.
ثم يناقش الدكتور إبراهيم هذه المسألة من وجوه ويراها غير صحيحة للأسباب التالية:
١ - تعارض هذه الروايات مع القواعد الفقهية التي أقرها الإمام أبو حنيفة وبقية الفقهاء.
٢ - تعارض هذه الروايات مع مرويات أخرى صادرة عن هؤلاء الأئمة والتي تفيد تعاونهم مع خلفاء المسلمين وعدم خروجهم عليهم.
стр. 52
٣ - مناقشة أسانيد ومتون هذه الروايات وبيّن أنها غير صحيحة والسند والمتن.
وخلاصة كلام الأستاذ إبراهيم الشهرزوري أن حركة النفس الزكية كانت سنة ١٤٥ وكان عمر الإمام أبي حنيفة يومها (٦٥) عامًا على رأي جمهور المؤرخين وهو عمر الاستقرار العلمي حيث يبلغ الإنسان أشده من النضج العقلي وينظر في كل آرائه السابقة إن احتاجت إلى التغيير أو الترجيح أو غيرهما، وبما أن كل الآراء الواردة عن هذا الإمام سابقًا ولاحقًا وكذلك إجماع فقهاء مذهبه ضد الخروج على السلطان فإن هذه الروايات باطلة -ثم استشهد الشهرزوري بنقول من كتب الأئمة الأحناف ومنهم الإمام السرخسي إذ يقول: اعلم أن الفتنة إذا وقعت بين المسلمين فالواجب على كل مسلم أن يعتزل الفتنة، وهذا القول رواه الحسن عن أبي حنيفة ثم ناقش الأستاذ إبراهيم أسانيد هذه الروايات وبيّن أنها ضعيفة لا يعول عليها وتخالف مذهب الإمام أبي حنيفة وفقهاء مذهبه.
ثم بيّن أن بعض طرق القصة جاءت عن أبي الفرج الأصبهاني في كتابه: "مقاتل الطالبيين"، وهو تالف متروك.
وبعضها الآخر من طريق أئمة ثقات ولكنهم من أهل الحديث يومها وأبو حنيفة من أهل الرأي ولا تقبل رواية الأقران في بعضهم البعض إذا كانت بينهم مثل هذه الأمور -كما قالوا: [رواية الأقران تطوى ولا تروى].
وأخيرًا فإن الأستاذ إبراهيم الشهرزوري يرى في متن هذه القصة تناقضًا واضحًا حيث تذكر الرواية أن أبا حنيفة لما جهر بالكلام أيام إبراهيم لم يليث أن جيء به إلى بغداد وعاش خمسة عشر يومًا ثم سقي سمًا فمات سنة ١٥٠ هـ ومن المعلوم أن إبراهيم قتل سنة ١٤٥ فكيف جيء بأبي حنيفة أيام إبراهيم مباشرة ولم يعش إلا (١٥) يومًا ثم مات سنة ١٥٠ هـ؟ ! [مناهج المحدثين في نقد الروايات التأريخية ٣٥٩ - ٣٦٩ - ٣٧٠].
وأخيرًا منهج هذا التحقيق [تخريج روايات الطبري وتمييزها إلى صحيح وضعيف ومسكوت عنه].
بعد توفيق الله تعالى لنا وتأييده بدأنا بتخريج روايات تأريخ الطبري [تأريخ
стр. 53
الأمم والملوك] انطلاقًا من القواعد التي ذكرها المتقدمون والمتأخرون والمعاصرون وبالأخص منهما الأستاذان الفاضلان (العمري وعماد الدين) فكان تقسيمنا لتأريخ الطبري كالآتي:
أولًا: صحيح تأريخ الطبري [قصص الأنبياء وتأريخ ما قبل البعثة].
ضعيف تأريخ الطبري [قصص الأنبياء وتأريخ ما قبل البعثة].
ثانيًا: صحيح السيرة النبوية [تأريخ الطبري].
ضعيف السيرة النبوية [تأريخ الطبري].
ثالثًا: صحيح تأريخ الطبري [تأريخ الخلافة الراشدة].
ضعيف تأريخ الطبري [تأريخ الخلافة الراشدة].
رابعًا: صحيح تأريخ الطبري [تتمة القرن الهجري الأول].
ضعيف تأريخ الطبري [تتمة القرن الهجري الأول].
خامسًا: صحيح تأريخ الطبري [تتمة تأريخ الخلافة في عهد الأمويين].
الضعيف والمسكوت عنه تأريخ الطبري [تتمة تأريخ الخلافة في عهد الأمويين].
سادسًا: تأريخ الطبري [الصحيح والضعيف والمسكوت عنه].
تأريخ الخلافة في عهد العباسيين.
سابعًا: رجال تأريخ الطبري جرحًا وتعديلًا.
أولًا: فيما يتعلق ببدء الخليقة وقصص الأنبياء.
حاولنا أن نوضح بكل جلاء عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فنفينا عنهم تشويهات وتخرصات اليهود ومزاعمهم حول الأنبياء ولم نقبل من الروايات إلا ما كان مسندًا موصولًا صحيحًا وتشددنا كتشدد العلماء في قبول أحاديث الأحكام تمامًا لأنها تتعلق بمسألة خطيرة ألا وهي عصمة الأنبياء وانظر مقدمتنا لقصص الأنبياء.
ثانيًا: فيما يتعلق بالسيرة النبوية الشريفة:
стр. 54
استعنّا للمقارنة بالطبقات الكبرى لابن سعد وكمصدر متقدم موثوق به، وكتب أخرى لأئمة الحديث كدلائل النبوة للبيهقي، والحافظ أبي نعيم مع الاستعانة بالسيرة التي أخرجها الحافظ ابن كثير لأنها من طريق آخر غير طريق ابن هشام وابن حميد الرازي-[ونفي سيرة ابن إسحاق].
بالإضافة إلى المعازي والسير في الصحيحين وبقية الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات -وبالاستعانة من تخريجات الذهبي وابن كثير وابن حجر وبما حققه الأساتذة المعاصرون من روايات السيرة كالأستاذ العمري وهمام وأبو صعيليك وإبراهيم العلي وقد أشرنا إلى أقوالهم القيمة في مواضعها بالإضافة إلى تعليقات العلامة الألباني ﵀ على السيرة النبوية للغزالي رحمه الله تعالى.
ولقد تشددنا في تخريج روايات السيرة النبوية الشريفة كالتشدد في الأحكام إلا ما كان متعلقًا بقصص إسلام بعض الصحابة فقبلنا منها ما ورد بأسانيد مرسلة متعددة المخارج صحيحة الإسناد إلى من أرسلها.
ثالثًا: تعاملنا بنفس الأسلوب عند تخريجنا لروايات تأريخ الطبري فيما يتعلق بالخلافة الراشدة وجعلنا نصب أعيننا هنا مسألة عدالة الصحابة التي قال عنها ابن حجر رحمه الله تعالى: [اتفق أهل السنة على أن الجميع عدول ولم يخالف في ذلك إلّا شذوذ من المبتدعة] (١).
ولقد فصل الخطيب البغدادي ﵀ في هذه المسألة في كتابه الكفاية في علم الرواية ونقل إجماع علماء أهل السنة والجماعة إلى عدالتهم (٢).
ولعلّ الإمام الذهبي ﵀ خير من أوجز ولخص في هذه المسألة دون إخلال فقال:
كما تقرر الكفّ عن كثير مما شجر بين الصحابة، وقتالهم ﵃ أجمعين، وما زال يمر بنا ذلك في الدواوين والكتب والأجزاء، ولكن أكثر ذلك
_________
(١) الإصابة ١/ ١٠.
(٢) الكفاية في علم الرواية / ٩٥ - ٩٦.
стр. 55
منقطع وضعيف، وبعضه كذب، وهذا فيما بأيدينا، وبين علمائنا؛ فينبغي طيه وإخفاؤه، بل إعدامه لتصفو القلوب، وتتوفر على حب الصحابة، والترضي عنهم وكتمان ذلك متعين عن العامة وآحاد العلماء، وقد يرخص في مطالعة ذلك خلوة للعالم المنصف العري من الهوى، بشرط أن يستغفر لهم، كما علمنا الله تعالى حيث يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فالقوم لهم سوابق، وأعمال مكفرة لما وقع بينهم، وجهاد محاء، وعبادة ممحصة، ولسنا ممن يغلو في أحد منهم؛ ولا ندعي فيهم العصمة، نقطع أن بعضهم أفضل من بعض، ونقطع بأن أبا بكر وعمر أفضل الأمة، ثم تتمة العشرة المشهود لهم بالجنة، وحمزة وجعفر ومعاذ وزيد وأمهات المؤمنين، وبنات نبينا ﷺ ، وأهل بدر مع كونهم على مراتب، ثم الأفضل بعدهم، مثل أبي الدرداء وسلمان الفارسي، وابن عمر وسائر أهل بيعة الرضوان الذين ﵃ بنص آية سورة الفتح، ثم عموم المهاجرين والأنصار كخالد بن الوليد والعباس وعبد الله بن عمرو وهذه الصُّحبة، ثم سائر من صحب رسول الله ﷺ وجاهد معه، أو حج معه، أو سمع منه، ﵃ أجمعين وعن جميع صواحب رسول الله ﷺ المهاجرات والمدنيات وأم الفضل وأم هانئ الهاشمية وسائر الصحابيات، فأما ما تنقله الرافضة وأهل البدع في كتبهم من ذلك، فلا نعرج عليه، ولا كرامة له، فأكثره باطل وكذب وافتراء فدأب الروافض رواية الأباطيل، أو رَدّ ما في الصحاح والمسانيد (١).
ولقد اعتمدنا مصادر المتقدمين سواء منهم من توفي قبل الطبري بسنوات أو من عاصره ومنها بالأخص:
١ - تأريخ خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ.
٢ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢٣٠ هـ.
٣ - فتوح البلدان للبلاذري ٢٧٩ هـ.
٤ - أنساب الأشراف للبلاذري ٢٧٩ هـ.
_________
(١) سير أعلام النبلاء: ١٠/ ٩٣.
стр. 56
٥ - فتوح مصر لابن عبد الحكم المصري ٢٧٦ هـ.
٦ - وبالاستعانة بروايات نادرة تتعلق بتأريخ الخلافة الراشدة أخرجها البخاري ومسلم وأصحاب السنن والمسانيد والمصنفات مع الكتب أخرى متخصصة كالخراج لأبي يوسف وغير ذلك مما ذكرنا في مقدمة تأريخ الخلفاء.
رابعًا: فيما يتعلق بتأريخ الخلافة في عهد الأمويين والعباسيين.
فقد تشددنا فيما يتعلق بتتمة تأريخ القرن الهجري الأول وخاصة عهد أمير المؤمنين معاوية ﵁ وعهد أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير وحتى نهاية عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز.
وما يتعلق بتلك الفترة من تأريخ الفتن المشهورة [وقعة الحرة، وقعة كربلاء].
وفي حال عدم حصولنا على رواية صحيحة الإسناد قبلنا رواية الراوي الذي ذكره ابن حبان في الثقات ولم نعلم فيه جرحًا شريطة خلوّ المتن من نكارة أو طعن في عدالة الصحابة.
ومن ثم بدأنا بإبداء المرونة في مسائل معينة كذكر الوفيات وذكر أمر الفتوح وتولية الأمراء والقضاة وعزلهم فهذه أمور تشتهر، واكتفينا باتفاق عدة مصادر تأريخية موثوقة في هذه الأمور وإن حصلنا على رواية مسندة فبها ونعمتْ.
وأما بالنسبة للمصادر التي استخدمنا للمقارنة فهي كالآتي:
١ - الطبقات الكبرى لابن سعد ٢٣٠ هـ.
٢ - تأريخ خليفة بن خياط ٢٤٠ هـ.
٣ - أنساب الأشراف للبلاذري ٢٧٩ هـ.
٤ - فتوح البلدان للبلاذري ٢٧٩ هـ.
٥ - المعرفة والتأريخ ليعقوب بن سفيان البسوي ٢٧٧ هـ.
٦ - وبالاستعانة بروايات نادرة تتعلق بالفتن في بداية عهد الأمويين، أخرجها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والمصنفات.
٧ - مصادر متنوعة أخرى استقينا منها روايات وإن كانت قليلة كالكتب الآتية
стр. 57
[تأريخ مكة -كتاب المتوارين- المعارف لابن قتيبة- المحن لأبي أيوب التميمي- وغيرها].
٨ - وفي المرحلة الثانية استعنّا بكتب الأئمة الذين جاؤوا من بعد الطبري بقرن أو قرنين وهي كتب تاريخية قيمة بل هي موسوعات في الحديث والتأريخ، أصحابها ثقات وهي ثلاثة على التوالي.
١ - تأريخ بغداد للخطيب البغدادي.
٢ - المنتظم لابن الجوزي.
٣ - تأريخ دمشق لابن عساكر.
وهؤلاء أئمة حفاظ استخدموا الإسناد في رواياتهم التي أخرجوها وقد سهلت لنا مروياتهم التحقق والتأكد من مسائل تأريخية هامة والحمد لله على نعمة الإسناد.
وللمرة الثالئة استوثقنا من تخريجنا بالاستعانة بتخريجات الحفاظ الثلاثة المتأخرين [الذهبي -ابن كثير- ابن حجر] [تأريخ الإسلام والسير للذهبي والبداية والنهاية لابن كثير خاصة].
الاستفادة من عشرات الرسائل (الجامعية) في مجال تحقيق وتخريج الروايات التأريخية مع كتب قيمة كتبها أساتذتنا الأفاضل في هذا الباب كالخلافة الراشدة وكتب الأستاذ الدوري والعلامة شاكر رحمه الله تعالى في موسوعته التأريخية القيمة والأستاذ يوسف العش ﵀ وغيرهم كثير ذكرنا كل واحد منهم، في موضعه- وإذا لم نوافقهم في بعض المسائل بينّا ذلك في مواضعه.
ملاحظاتي حول الطبري مؤرخًا ومنهجه في التأريخ مع نقاط أخرى.
بالرغم من كل ما وُجّه إلى منهج الطبري في تاريخه يظل الإمام الطبري عملاقًا يتربّع على قمة كتابة التأريخ- ولا يدرك دقة الطبري وأمانته العلمية تمامًا إلا من درس تأريخه فقرة فقرة وخرّج رواياته رواية رواية ولاحظ عباراته عبارة عبارة فجزاه الله عن المسلمين وتأريخهم خير الجزاء، وجزى الله من جاء بعد من تلاميذه ومن بعدهم ممن نقلوا إلينا هذا السفر العظيم بكل أمانة.
стр. 58
ثانيًا: ما من غرابة أو نكارة في المتن إلا ويقابله ضعف في المسند [فيما يتعلق بالرواية التأريخية].
ثالثًا: من علامات الوضع التأريخي ما يأتي: لاحظنا خلال تخريجنا لروايات الطبري أن غلاة المبتدعة والهالكين من أمثال لوط بن يحيى يكثرون استخدام الألفاظ البذيئة وينسبوتها إلى السلف وهم منها براء- ولقد شهد الكل بطهارة لسانهم من الشتائم والبذاءات، ولكن الرواة المتروكين التالفين يصبون جام حقدهم على شكل سيل من الألفاظ الساقطة [يا بن أم كذا -أو يا كذا أو فلان الطاغية. . . إلخ] من الألفاظ التي كانت الصحابة تتورع حتى عن سماعها ناهيك عن التلفظ بها.
رابعًا: ومن علامات الوضع كذلك كثرة استخدام الأيمان المغلظة لتوكيد تفاصيل حادثة معينة- وعلى ما يبدو فإن الوضّاع كان يشعر بهشاشة تلفيقه ووضوح كذبه فيستر كذبه وراء هذه الأيمان الغليظة.
خامسًا: عادة (وليس دائمًا) تكون الروايات الصحيحة قصيرة المتن بينما يغلب على الوضاعين الإطالة في رواياتهم الملفقة.
سادسًا: ما وجدنا أميرًا أو قائدًا فاتحًا من قواد السلف الصالح ابتداءً من سيدنا خالد ﵁، ووصولًا إلى الجراح بن عبد الله الحكمي وغيرهما إلّا وتهافت الوضاعون على كيل الاتهامات نحوه- وخاصة إذا كان شديدًا على الخوارج وأهل البدع.
سابعًا: الأعداد المذكورة في الروايات المكذوبة مبالغ فيها جدًّا فلو كان عدد الجيش ألفًا في الأصل لوجدت الألف صار عشرين ألفًا وهكذا، وكذلك تبالغ الروايات المكذوبة في إحصاء عدد القتلى وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن الروايات التي لا تصح عن واقعة الحرة تذكر أن أعداد القتلى كان بالآلاف بينما لم يتجاوز عددهم الخمسمئة أضف إلى ذلك فإن في متونها قصورًا وفجواتٍ وهفوات ونكارات فكيف بآلاف القتلى في المدينة التي عرفت بجوها الحار ولم تكن يومها ثلاجات حفظ الموتى موجودة أقول فكيف لم تتعفن هذه الجثث علمًا بأن هذه الروايات تذكر أن المدينة استبيحت ثلاثة أيام وأن أهلها الباقون قد فروا
стр. 59
إلى خارج المدينة، وهذا يعني أن آلاف الجثث قد تركت في الطرقات والأزقة ولو كان ذلك صحيحًا لتفسخت الجثث وتفشت الأمراض وهلك البلاد والعباد وكل ذلك لم يحصل وذلك دليل آخر على كذب تلك المبالغات.
ومثال آخر فيما يتعلق بأمير العراق القسري الذي ولاه هشام بن عبد الملك العراق فالمصادر التأريخية تشير إلى تملكه لبساتين وغلال وأموال ولعلها كانت سببًا لعزله من قبل أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك ولكن الروايات الضعيفة جدًّا تصور بذخه فوق الخيال حتى أنها تقول بأنه أهدى أحد المقربين إليه ألف جارية وما أشبه ذلك فماذا يفعل هذا المهدي إليه بهذا الجيش الجرار من الجواري ومن أين للقسري بهذا العدد وهو القائد المنشغل بضبط أمور العراق المتأجج حركة وخروجًا ثم لو كان كذلك لذاع الخبر في الآفاق ولسجلته معظم المصادر التأريخية الموثوقة وبالأسانيد المعتبرة ولكن كل ذلك لم يحصل.
ثامنًا: إن غلاة المبتدعة الذين أرادوا أن يصوروا كل خليفة أمويًا كان أو عباسيًا عدوًا لآل البيت- وقعوا في تناقض عجيب فهم من جانب يصورون عداء الخليفة لآل علي مثلًا بينما يصفون آل علي بحب الدنيا والطمع والمنافسة فيما بينهم على المال وسب بعضهم البعض والرضا إذا أدى الخليفة إليهم أعطياتهم والخروج بالسيف إذا منعوا المال أو سئلوا عنه -أي أنهم لم يراعوا للخليفة حرمة ولا لآل بيت رسول الله ﷺ حرمة.
ولقد التقيتا بعدد من أساتذة التأربخ الإسلامي وشيوخ الحديث وغيرهم من علماء المسلمين وناقشنا معهم هذا المنهج في تخريج روايات الطبري (كالأستاذ أكرم ضياء العمري والأستاذ عماد الدين خليل والأستاذ يحيى إبراهيم اليحيى وغيرهم).
وأفادونا كثيرًا بآرائهم وملاحظاتهم القيّمة ولقد استعنّا بخبراتهم القيّمة التي أودعوها كتبهم ولقد أشرنا إلى جهودهم تلك في مَواضعها ولقد ترك شيوخنا وأساتذتنا بصماتهم على صفحات هذا المشروع العلمي وسنذكرهم بأسمائهم إن شاء الله في نهاية المجلد الأخير وجزاهم الله عنا وعن المسلمين والتأريخ الإسلامي خير الجزاء وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
* * *
стр. 60
ثانيًا كتاب تاريخ الطبري (١)
وكتابه "المسمى تاريخ الرسل والملوك" (٢)، أو تاريخ الأمم والملوك (٣) يعدّ أوفى عمل تاريخي بين مصنَّفات العرب، أقامه على منهج مرسوم، وساقه في طريق استقرائيّ شامل؛ بلغت فيه الرواية مبلغها من الثقة والأمانة والإتقان أكمل ما قام به المؤرخون قبله، كاليعقوبي والبلاذري والواقدي وابن سعد؛ ومهَّد السبيل لمن جاء بعده كالمسعودي وابن مسكويه وابن الأثير وابن خلدون.
وقد كان التاريخ عند العرب في الجاهلية أخبارًا متفرّقة تتناقلها الشفاه، وروايات متناثرة تدور حول الأشعار والأمثال والأيام، وأساطير تكسوها المبالغة ويحوطها التهويل؛ عدا نقوشًا كتبت بالخط المسند على حوائط المعابد والأديرة وأعمدة الحصون والقصور في الحيرة واليمن. ثم كانت بعثة محمد ﵊، ومضى عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده، وإذا المسلمون يخفون لتدوين أخباره ﵊، ويروون أنباء مولده ومبعثه وهجرته ومغازيه؛ فكان من تدوين تلك السيرة اللبِنة الأولى في تاريخ الإسلام؛ على أنها لم تعدُ في ذلك الحين أن تكون نوعًا من رواية الحديث. وكان أول من وضع في ذلك كتابًا عروة بن الزبير بن العوام، ثم تلاه أبان بن عثمان بن عفان؛ إلى أن بلغ فنُّ السيرة أوجه في كتاب ابن إسحاق.
ثم خرج المسلمون للغزو والجهاد، فهزّوا عروش كسرى وقيصر، وقوضوا دعائم الملك في بلاد الفرس والشام ومصر والروم، ودخلوا البلاد فاتحين. ثم
_________
(١) مأخوذة من مقدمة الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.
(٢) معجم الأدباء ١٨: ٦٨.
(٣) تاريخ بغداد ٢: ١٦٣، وكشف الظنون ٢٩٧.
стр. 61
نبض عرق العصبية والقَبَليّة، وشاعت أخبار الأمم القديمة، وتاريخ الديانات عند الأمم الأخرى؛ كلّ هذا وذاك دعا إلى إضافة مادة تاريخية جديدة؛ فالعلماء حاولوا أن يفهموا إشارات الكتاب الكريم إلى تلك الأمم، والخلفاء رغبوا في معرفة أخبار الملوك من الأمم قبلهم؛ كان يفعل ذلك معاوية وعبد الملك بن مروان وأبو العباس السفاح وأبو جعفر المنصور؛ ومسّت الحاجة إلى معرفة ما فتح من البلاد صلحًا، وما فتح منها عنوة؛ ليقيموا الجزية والخراج على أساس ما رسمه الإسلام في ذلك من تشريع؛ وأخذت الرواية التاريخية تتَّخذ لونًا جديدًا، أطلق عليها اسم الأخبار، ودعي من يرويها بالأخباريّ، كما أطلقوا على من يروي الحديث اسم المحدّث؛ وظهرت في ذلك مؤلفات، فصنف محمد بن السائب الكلبي كتابًا في الأنساب، وعوانة بن الحكم في أخبار بني أمية وأبو مخنف في أخبار الردّة والجمل وصفين، وسيف في أخبار الفتوح، وابن هشام في ملوك حمير. . . وما إن انقضى القرن الثاني حتى أخذت المادة التاريخية تزيد تبعًا لتطور الحياة العربية، واستقرت دواوين الإنشاء والجند والبُرد، وتنوَّعت العهود والوثائق والمراسلات، ومست الحاجة إلى معرفة المواليد والوفيات، ومدد ولايات الخلفاء والولاة والقضاة والقواد وأمراء المواسم في الحج؛ ثم ظهرت الكتب المترجمة عن الفرس واليونان والسريان، وكثرت الرحلة بين البلاد؛ وتعددت المشاهد، واطلع العرب على ما لم يكونوا رأوه من عجائب البلاد، وحضارات الأمم؛ عدا ما كان من اتساع الفتوح، وكثرة الأحداث؛ فوجد العلماء للتاريخ منابع رافدة، ومناهل متنوعة، ومصادر كثيرة؛ وأحسُّوا أن لعلم التاريخ أثرًا في بناء الأمم، وفهم الثقافات، وإرساء العلوم على قواعد ثابتة؛ ولم ير الأفاضل منهم بأسًا في أن يضعوا أسفارًا في التاريخ؛ فعل ذلك الواقديّ في كتب الفتوح، والبلاذريّ في كتابيه البلدان وأنساب الأشراف، وابن قتيبة في المعارف، وابن حبيب في المجبَّر، والدينوري في الأخبار الطوال، إلى أن انتهى الأمر إلى الإمام محمد بن جرير الطبري، فوضع فيه كتابه العتيد (١).
_________
(١) انظر ترجمة علم التاريخ لهرنشو، والفصل الذي ألحقه به مترجمه عبد الحميد العبادي عن التاريخ عند العرب.
стр. 62
ولا يُعلم على وجه التحديد التاريخ الذي بدأ فيه أبو جعفر إملاء هذا الكتاب؛ ويظهر أنه ألفه بعد كتاب التفسير، روى الخطيب أن أبا جعفر الطبري قال لأصحابه: أتنشطون لتفسير القرآن؟ قالوا: كم يكون قدره؟ قال: ثلاثون ألف ورقة، فقالوا: إن هذا مما يفني الأعمار قبل تمامه، فاختصره في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ثم قال: أتنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ قالوا: كم قدره؟ فذكر نحوًا مما ذكره في التفسير، فأجابوه بمثل ذلك، فقال: إنا لله! ماتت الهمم. فاختصره في نحو مما اختصر التفسير" (١).
وجاء في تاريخه: "وقيل أقوال في ذلك قد حكينا منها جملًا في كتابنا المسمّى: "جامع البيان عن تأويل آي القرآن"، فكرهنا إطالة الكتاب بذكر ذلك في هذا الموضوع" (٢).
وذكر ياقوت عن أبي بكر بن بالويه قال: قال لي أبو بكر محمد بن إسحاق -يعني ابن خزيمة-: بلغني أنك كتبت التفسير عن محمد بن جرير؟ قلت: نعم؛ كتبنا التفسير عنه إملاء، قال: كله! قلت: نعم، قال في أيّ سنة؟ قلت: سنة ثلاث وثمانين إلى ستة وتسعين (٣).
وإذًا يكون قد أملى التاريخ بعد سنة تسعين ومئتين.
أما الانتهاء من هذا التاريخ، فقد ذكر ياقوت أنه فرخ من تصنيفه وعرضه على المستملين له: "في يوم الأربعاء لثلاث بقين من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثمئة، وقطعه على آخر سنة اثنتين وثلاثمئة" (٤).
بدأ أبو جعفر تاريخه بذكر الدلالة على حدوث الزمان، وأن أول ما خلق بعد ذلك القلم وما بعد ذلك شيئًا فشيئًا، على ما وردت بذلك الآثار؛ ثم ذكر آدم، وما كان بعده من أخبار الأنبياء والرسل؛ على ترتيب ذكرهم في التوراة؛ متعرضًا للحوادث التي وقعت في زمانهم؛ مفسّرًا ما ورد في القرآن الكريم بشأنهم،
_________
(١) تاريخ بغداد ٢: ١٦٣.
(٢) تاريخ الطبري ١: ٨٩ (طبعة دار المعارف).
(٣) معجم الأدباء ١٨: ٤٢.
(٤) معجم الأدباء ١٨: ٤٤.
стр. 63
معرّجًا على أخبار الملوك الذين عاصروهم، وملوك الفرس على الخصوص؛ مع ذكر الأمم التي جاءت بعد الأنبياء حتى مبعث الرسول ﵊.
أما القسم الإسلامي فقد رتَّبه على الحوادث من عام الهجرة، حتى سنة ثلاثمئة واثنتين؛ وذكر في كل سنة ما وقع فيها من الأحداث المذكورة؛ والأيام المشهورة؛ وإذا كانت أخبار الحوادث طويلة جزّأها على حسب السنين، أو يشير إليها بالإجمال؛ ثم يذكرها في الموضع الملائم.
وترجع قيمة هذا الكتاب إلى أنه قد استطاع أن يجمع بين دفتيه جميع الموادّ المودعة في كتب الحديث والتفسير واللغة والأدب والسير والمغازي وتاريخ الأحداث والرجال؛ ونصوص الشعر والخطب والعهود؛ ونسق بينها تنسيقًا مناسبًا، وعرَضها عرضًا رائعًا رائقًا؛ ناسبًا كلّ رواية إلى صاحبها، وكلّ رأي إلى قائله؛ كما أنه أودع هذا الكتاب فصولًا صالحة ونُتفًا متنوعة من متون الكتب التي أتت عليها عوادي الأيام، وأورد من أقوال العلماء ما لا نجده إلا في هذا الكتاب.
مصادر الطبريّ في هذا التاريخ هي كل ما سبقه من المواد التي عرفها العرب من قبله، وأخذ من كل متخصص في فنه، أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة وغيرهما ممن نقل عن ابن عباس، ونقل السيرة عن أبان بن عثمان وعروة بن الزبير وشرحبيل ابن سعد وموسى بن عقبة وابن إسحاق، وروى أخبار الدرَّة والفتوح عن سيف بن عمر الأسديّ، وحوادث يومَي الجمل وصفّين عن أبي مخنف والمدائني، وتاريخ الأمويين عن عوانة بن الحكم، وأخبار العباسيين من كتب أحمد بن أبي خيثمة؛ كما أخذ أخبار العرب قبل الإسلام من عبيد بن شَرْية الجرهميّ ومحمد بن كعب القرظي ووهب بن منبّه، وأخبار الفرس من الترجمات العربية من كتب الفرس، ولا سيما كتب ابن المقفع وابن الكلبي: وغير هذا مما تراه في مباحث مواد تاريخ الطبري المستفيضة التي نشرها الدكتور جواد علي تباعًا في مجلّة المجمع العلمي العراقي ببغداد.
نشر الدكتور جواد علي في مجلة المجمع العلمي بالعراق مقالات إضافية بعنوان "مواد تاريخ الطبري"، بلغ فيها الغاية في عمق البحث ودقة التحليل وحسن الأداء، مع الإلمام الكامل بالموضوع من كل نواحيه، وقد أفدت منه في هذا المقام.
стр. 64
والطريقة التي سار عليها الطبري في كتابه هي طريقة المحدِّثين؛ بأن يذكر الحوادث مرؤية بمقدار ما عنده من الطرق، ويذكر السّند حتى يتصل بصاحبه، لا يبدي في ذلك رأيًا في معظم الأحيان؛ وهذه الطريقة هي التي سلكها في معظم الكتاب، وفيما عدا ذلك ينقل من الكتب؛ فيصرح باسم الكتاب أحيانًا، أو ينقل عن المؤلفين من غير تعيين الكتاب الذي نقل عنه أحيانًا.
وقد كان اعتماده هذا المنهج مثارًا للنقد عند بعض الباحثين، قالوا: إن سياقة الأخبار دون تمحيصها أمر لا يليق بالمؤرخ الناقد البصير؛ وإذا كانت طريقة رواية الخبر في المسند -ورجاله معروفون عند علماء الجرح والتعديل- تضمن صحة الأخبار وتمحيصها في الأخبار التي وقعت في الإسلام؛ فإن هذه الطريقة تقصُر عن ضمان صحة ذلك فيما قبل الإسلام، وخاصة وقد وقع في هذا التاريخ كثير من الأخبار الواهية، والقصص الزائفة، كالإسرائيليات وبعض أخبار الفرس؛ كما أورد أيضًا كثيرًا من الأحاديث الموضوعة كالأحاديث الواردة في بدء الخلق وسير الأنبياء؛ مما لا يرتضيه المحدِّثون.
وربما كان عذر الطبري في ذلك هو عذر رواة الحديث؛ فيذكرون الحديث بطرقه ورجاله؛ تاركين الحكم للقارئ؛ أمانة للعلم وإبراء للذمة؛ قال في مقدمة كتابه: "وليعلم الناظر في كتابنا أن اعتمادي في كلّ ما أحضرتُ ذكره فيه؛ مما شرطت أني راسمه فيه؛ إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه، والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها؛ دون ما أدرك بحجج العقول واستنبِط بفكر النفوس؛ إلا اليسير القليل منه؛ إذ كان العلم بأخبار الماضين، وما هو كائن من أبناء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانَهم إلا بأخبار المخبرين ونقل الناقلين، دون الاستخراج بالعقول، والاستنباط بفكر النفوس، فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين؛ مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه؛ من أجل أنه لم يعرف له وجهًا من الصحّة ولا معنى في الحقيقة؛ فليعلم أنه لم يؤتَ في ذلك من قِبَلنا؛ وإنما أتى من بعض ناقليه إلينا؛ وإنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدِّي إلينا" (١).
_________
(١) تاريخ الطبري ١: ٧، ٨ (طبعة المعارف).
стр. 65
وفي هذا النص الصريح؛ ما يشير إلى مذهبه فيما ورد في كتابه من تلك الأخبار.
وأيًّا ما كان؛ فإن كتاب تاريخ الرسل والملوك سيظلّ بما اشتمل عليه من الروايات الأصيلة، والنصوص النادرة في أسلوبه الرائع الرصين أشملَ كتاب للتاريخ عند العرب.
* * *
وقد وقع لهذا الكتاب كثير من التكملات والمختصرات والترجمات. ولعلّ أول من ذيّل عليه هو الطبري نفسه؛ وإن لم يصل إلينا شيء من ذلك؛ قال السخاوي: "وله على تاريخه المذكور ذيل، بل ذيل على الذيل أيضًا" (١)، كما أن عبد الله بن أحمد بن جعفر الفرغاني عمل صلة له على ما رواه ياقوت. وقال ابن النديم: وقد ألحق به جماعة من حيث قَطَع إلى زماننا هذا لا يعوّل على إلحاقهم؛ لأنه ليس ممن يختصّ بالدولة ولا بالعلم (٢) "؛ وفي المكتبة الأهلية بباريس نسخة مخطوطة من الجزء الأول من كتاب محمد بن عبد الملك الهمذاني؛ المتوفى سنة ٥٢١، الذي جعله تكملة له، يبدأه من الأيام المقتدرية إلى بدء خلافة المستظهر. أما بقية الكتاب؛ فتنتهي بأخبار عضد الدولة أبي شجاع في أول سنة ستين وثلاثمئة.
وقد اختصره كثيرون؛ ذكر ابن النديم منهم محمد بن سليمان الهاشمي وأبا الحسن الشمشاطيّ من أهل الموصل وآجل يعرف بالسليل بن أحمد (٣).
ممن اختصره أيضًا مع إيراد زيادات عريب بن سعد القرطبي؛ ونقل ابن عذاري منه ما يختص بتاريخ إفريقية والأندلس، وأودعه كتابه "المغرب"؛ وأما أخبار العراق فطبعت ملحقة بالتاريخ باسم "صلة تاريخ الطبري"، من سنة ٢٩١ إلى سنة ٣٢٠.
أما الترجمة؛ فكان أوَّل من قام بها أبو علي محمد بن عبد الله العلقمي،
_________
(١) كتاب الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ، للسخاوي ١٤٤.
(٢) معجم الأدباء ١٨: ٤٤.
(٣) الفهرست: ٢٣٥.
стр. 66
المتوفى في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري إلى الفارسية، بأمر الأمير أبي صالح منصور بن أحمد بن إسماعيل بن سامان الساماني؛ وكان مشغوفًا به مكثرًا لمطالعته؛ ترجمه ترجمة راعى فيها الاقتصار على إيراد الأخبار دون الأسانيد؛ وتصرّف فيه بعض التصرف (١). ثم نقلت هذه الترجمة من الفارسية إلى التركية في عهد أمير الأمراء أحمد باشا، ثم ترجم مرة ثانية ما بين ٩٢٨ - ٩٣٨ هـ، وطبعت الترجمة التركية سنة ١٢٦٠ في الآستانة.
كما ترجم أيضًا من الفارسية إلى الفرنسية وطبعت سنة ١٨٧٤، في أربع مجلدات قام بها زوتنبرج Zotenberg؛ ونقلت أيضًا إلى بعض اللغات اللاتينية، وطبعت في غريفزوالد ١٨٦٣ (٢).
وذكر سيديو Sedillote كتابه "تاريخ العرب" أن جرجس النصراني المتوفى سنة ١٢٧٣ م، والمعروف بالمكين بن العميد لخصه وذيله؛ وترجم قسم من كتاب (٣) المكين إلى اللغة اللاتينية، من قبل إربينيوس Eroininus وإلى الفرنسية من قبل فاتييه (٤) Vatter.
* * *
ومنذ أن صدر هذا الكتاب عن مؤلفه، تتابع الوراقون في نسخه، وتنافس الأمراء والملوك في اقتنائه؛ وعمرت به خزائن الكتب ودور العلم؛ ذكر المقريزيّ أنه كان بخزانة كتب العزيز الفاطميّ ما ينيف على عشرين نسخة منه؛ إحداها بخط المؤلف (٥)؛ ومع مرور الزمن وعوادي الأيام ذهبت هذه النسخ شرقًا وغربًا، وتعرض معظمها للضياع؛ وحينما شرع في طبعه جماعة المستشرقين سنة ١٨٧٩ م؛ لم يتيسر لهم الحصول على نسخة كاملة؛ وكل الذي عثروا عليه -بعد بذل أقصى الجهد وإخلاص النية- أجزاء متفرقة ألّفوا منها نسخة، بها نقص يسير
_________
(١) كشف الظنون ٢٩٨.
(٢) جواد علي ١٧٧: ١٧٨ (مجلة المجمع العلمي ببغداد الجزء الأول)، وتاريخ آداب اللغة العربية لزيدان ٢: ١٩٩، وكشف الظنون ٢٩٨.
(٣) من هذا الكتاب نسخة خطية بدار الكتب المصرية.
(٤) تاريخ العرب لسيد يو ٤٧٦.
(٥) خطط المقريزي ١: ٤١٨.
стр. 67
أكملوه من تاريخ ابن الأثير وكتاب المغازي والفتوح لابن حبيش؛ (١) وقد طبعوه طبعة علمية؛ على أكمل ما يكون التحقيق؛ وأدق ما تكون المقابلة؛ وذلك بين سنتي ١٨٧٩ و ١٨٩٨ م في ثلاثة أقسام:
(القسم الأول): حياة ما قبل الإسلام، ثم حياة محمد ﵊ والخلفاء الراشدين من بعده إلى سنة ٤٠ هـ.
(القسم الثاني): من سنة ٤١ إلى سنة ١٣٠ هـ.
(القسم الثالث): من سنة ١٣١ هـ إلى سنة ٣٠٢ هـ؛ وهو نهاية الكتاب، وألحقوا به الكتاب المسى بالمنتخب من ذيل المذيل في أسماء الصحابة والتابعين، وقسمًا من مختصر الطبري لعريب بن سعد القرطبي، أسموه "صلة تاريخ الطبري"، مع مقدمة لاتينية؛ تشتمل على ترجمة المؤلف ووصف نسخ الكتاب؛ وشرح الكلمات اللغوية والاصطلاحية فيه؛ ثم التصويبات والاستدراكات. ثم مجلدًا كبيرًا بالعربية يشتمل على الفهارس العامة، ثم أعيد طبعه مرة أخرى في ليدن من سنة ١٧٧٩ إلى سنة ١٩٠١ وقد أشرف على تحقيقه وتصحيحه العلامة دي خويه De Goeje وعاونه من المستشرقين: بارت Barth، ونولدكه Noeldeke، ولوت، Loth وديونج De jong، وبريم Brimm، تورد بيك Thorbecke، وفرانك Fraenkel وجويدي Guidi، ومولر Mueller.
أما المخطوطات التي رجعوا إليها فتنتمي إلى المكتبات الآتية:
١ - المكتبة الأهلية بباريس؛ رقم: ١٤٦٦، ١٤٦٧، ١٤٦٨، وقد رمز إليها بالحرف P.
٢ - مكتبة كبريلي بالآستانة رقم ١٠٤٠ إلى ١٠٤٢، وقد رمز إليها بالحرف C.
٣ - مكتبة جامعة الزيتونة بتونس، وقد رمز إليها بالحرف Tn.
٤ - مكتبة الجمعية الآسيوية في كلكتا بالبنغال رقم: ٤٤٣، وقد رمز إليها برمز Ca.
٥ - مكتبة برلين برقم: ٩٤١٤، ٩٤٣٤، ٩٤١٦، ٩٤١٧، ٩٤١٨، ٩٤١٩، ٩٤٢٠، ٩٤٢١، ٩٤٢٢، وقد رمز إليها بالحرف B.
_________
(١) هذا النقص يقع في المطبوعة الأوربية ما بين ٢٣٨٣، ٢٤١٤، من الجزء الأول.
стр. 68
٦ - مكتبة المتحف البريطاني، رقم: ٢٧١، ١٢٠٥، ١٦١٨؛ وقد أشير إليها برمز BM.
٧ - مكتبة توبنجن؛ وقد رمز إليها بالحرف T.
٨ - مكتبة بودليان بأكسفورد رقم: ٧٨١، ٧٢٢ (أوري) ٦٥٠ (أوري) ٧١١، ٧٢٢، ٦٧٦، وقد أشير إليها بالحرف O.
٩ - مكتبة الجزائر، رقم: ١٥٧٢، ١٥٩٤ وقد أشير إليها بالحرف A،
١٠ - مكتبة المكتب الهندي، وقد رمز إليها بحرف M.
١١ - مكتبة جامعة استراسبورج، وقد رمز إليها بالحرف S.
١٢ - مكتبة ليدن رقم ٤٩٧، وقد رمز إليها بالحرف L،
أما كتاب المنتخب من ذيل المذيل فقد رجعوا فيه إلى نسخة مكتبة المتحف البريطاني برقم ٦١٨، والجزء المعروف بالصلة رجعوا فيه إلى نسخته المحفوظة بمكتبة غوطة رقم ١٥٥٤.
وقد بذل هؤلاء العلماء الأفاضل جهدًا كبيرًا، في صبر وأناة، مع دأب ومثابرة؛ ووشوا حواشيه بمقابلات للنسخ دقيقة، وتعليقات مستفيضة مفيدة؛ وستظل هذه النشرة من أمثل المطبوعات العربية وأدقها.
وعن هذه النسخة الأوربية قامت المطبعة الحسينية بطبعه في سنة ١٣٣٩ هـ، ومطبعة الاستقامة بالقاهرة؛ بعد حذف التعليقات والفهارس وإن يكن في هاتين الطبعتين شيء من الخير فهو أنهما قد سدَّتا حاجة جمهور العلماء والباحثين من هذا الكتاب؛ بعد أن عزّت الطبعة الأوربية، وتعذر على الناس اقتناؤها.
وقد رمزت لمخطوطات باريس بالحرف (ر)، ولمخطوطات كبريلي بالآستانة بالحرف (س)، ولمخطوطة تونس بالحرف (ن)، ولمخطوطة كلكتا بالحرف (ك)، ولمخطوطات برلين بالحرف (ب)، ولمخطوطات المتحف البريطاني بالحرف (ح)، ولمخطوطة توبنجن بالحرف (ت)، ولمخطوطة ليدن بالحرف (ل)، ولمخطوطات أوكسفورد بالحرف (ف)، ولمخطوطتي الجزائر بالحرف
стр. 69
(ج)، ولمخطوطة المكتب الهندي بالحرف (م)، ولمخطوطة استراسبورج بالحرف (و).
وأما المخطوطات التي حصلت عليها مما لم يرجع إليه مصححو نسخة أوربا، فقد أشرت لمخطوطات أحمد الثالث بالحرف (أ)، وإلى مخطوطة مكتبة بتنه بالحرف (هـ)، ولمخطوطة دار الكتب بالحرف (د)، ولمخطوطة المكتبة التيمورية بالحرف (ي).
* * *
وقد وافقت المخطوطة الأولى من نسخة أحمد الثالث من هذا الجزء من أوله إلى ص ٥١١ السطر العاشر؛ وهي جزء ناقص من آخره، يقع في ٢٣٨، كتب على غلافه: "الجزء الول من كتاب التاريخ تأليف أبي جعفر محمد بن جرير الطبري، رواية القائد أبي محمد عبد الله بن أحمد الفرغاني ﵁". وعليه وقفية من المقر الأشرف الجمالي محمود الأستادار لهذا المجلد وما بعده من المجلدات، وعددها خمسة عشرة مجلدًا؛ على مدرسته التي أنشأها بخط الموازنيين. بالشارع الأعظم، وعليها تملك بتاريخ جمادى الأولى سنة إحدى وستمئة؛ ثم في موضع آخر تملك نصه: "أول رمضان سنة ٧٢٦"، ومسطرتها ١٩ سطرًا؛ في كل سطر ١٢ كلمة.
وأما باقي النسخ فسيأتي وصفها عند موضعها في الأجزاء المقبلة".
أرجو حينما يتم طبع بقية الأجزاء -بعونه تعالى وتوفيقه- أن ألحق به كتاب
* * * المنتخب من ذيل المذيل، والمختصر لعريب؛ وتكملة الهمدانيّ؛ ثم الفهارس العامة.
وأذكر بالفضل والشكر الأساتذة: الدكتور عبد الحليم النجار والأب قنواتي والدكتور هنس إرنس Hans Frnst لما لقيت منهم من عون في الانتفاع بمقدمة الطبعة الأوربية، وما جاء في تعليقاتها باللاتينية؛ فلهم مني أطيب الثناء والتقدير (١).
_________
(١) * مصادر البحث.
إنباه الرواة على أنباء النحاة للقفطي ٣: ٨٩ - ٩٠. =
стр. 70
والله سبحانه الموفق والمعين؛ ومنه الرضا والتوفيق.
١٩ جمادى الأولى سنة ١٣٨٠ هـ.
٨ نوفمبر سنة ١٩٦٠ م.
_________
= تاريخ ابن الأثير ٦: ١٧١ - ١٧٢.
تاريخ ابن كثير ١١: ١٤٥.
تاريخ بغداد ٢: ١٦٢ - ١٦٨.
الأنساب للسمعاني ٣٦٧.
تاريخ التشريع الإسلامي لمحمد الخضري.
تاريخ ابن عساكر ١٨: ٣٣٩ - ٣٧٠.
(مخطوطة دار الكتب).
تذكرة الحفاظ للذهبي ٢: ٢١ - ٢٥٥.
تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١: ٧٨ - ٧٩.
ابن خلكان ١: ٤٥٦.
الرجال للنجاشي ٢٢٥.
روضات الجنات ٦٧٢ - ٦٧٥.
شذرات الذهب ٢: ٢٦٠.
طبقات الشافعية للسبكي ٢: ١٣٥ - ١٤٠.
طبقات القراء لابن الجزري ٢: ٢٦٠ - ٢٦١.
طبقات المفسرين للداودي الورقة ٢٣٠ - ٢٣٤.
طبقات المفسرين للسيوطي ٣٠ - ٣١.
علم التاريخ لهرنشو ترجمة العبادي ٥١ - ٦٩. عيون التواريخ لابن شاكر (وفيات سنة ٣١٠).
الفهرست لابن النديم ٢٣٤ - ٢٣٥.
كشف الظنون ٢٩٨، ٢٣٧، ٥١٤، ١٤٤٩.
اللباب لابن الأثير ٢: ٨١.
لسان الميزان ٥: ١٠٠ - ١٠٣.
المحمدون من الشعراء ٦٦ - ٦٧.
مرآة الجنان لليافعي ٢: ٢٦١.
معجم الأدباء ١٨: ٤٠ - ٩٤.
المنتظم لابن الجوزي ٦: ١٧٠ - ١٧٢.
مواد تاريخ الطبري للدكتور جواد علي (مجلة المجمع العلمي العربي ببغداد).
الوافي بالوفيات ٢: ٢٦٤ - ٢٨٦.
стр. 71
ثالثًا الإمام الطبري مؤرخًا (١)
المبحث الأول علْمُ التَّاريخِ والطَّبَرِيّ
(أولًا): تعريف علم التاريخ:
التاريخ في اللغة تعريف الوقت، يقال: أرَّختُ الكتاب تاريخًا إذا جعلت له تاريخًا، وهو بيان انتهاء وقته، وقيل: وهو معرّب، وقيل: عربي (٢).
والتاريخ في العرف هو تعيين الوقت بإسناده إلى أول حدوث أمر شائع من ظهور ملة أو دولةٍ أو أمرٍ هائل، أو من الآثار العلوية والحوادث السُّفلية مما يندر وقوعه، ويُجعل ذلك مبدأ لمعرفة ما بينه وبين أوقات الحوادث والأمور التي يجب ضبط أوقاتها في مستأنف السنين، وقيل عدد الأيام والليالي بالنظر إلى ما مضى من السنة والشهر (٣).
وأول من وضع التاريخ الإسلامي الخليفة العادل عمر بن الخطاب ﵁ عندما أُتي بصكّ مكتوب إلى شَعْبان، فقال: أهو شعبانُ الماضي أو شعبان
_________
(١) هذه المقدمة مأخوذة من كتاب "الإمام الطبري شيخ المفسرين، وعُمدةُ المؤرخين، ومقدَّم الفقهاء المحدثين، صاحب المذهب الجريري" (ص ١٩٧ - ٢٤٥) للدكتور: محمد الزحيلي.
(٢) القاموس المحيط ١/ ٢٥٦، المصباح المنير ١/ ١٥، مختار الصحاح ص ١٣.
(٣) كشف الظنون ١/ ٢١٣، كشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٥٦، أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨١.
стр. 72
القابل؟ ثم أمر بوضع التاريخ، واتفقت الصحابة على ابتداء التاريخ من هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وجعلوا أول السنة المحرّم (١).
أما علم التاريخ فقد عرَّفة وبيّنه طاش كبري زادة بقوله: "هو معرفة أحوال الطوائف، وبلدانهم، ورسومهم، وعاداتهم، وصنائع أشخاصهم وأنسابهم، ووفياتهم. . . إلى غير ذلك، وموضوعه: أحوال الأشخاص الماضية، من الأنبياء والأولياء، والعلماء والحُكَماء، والشُّعراء، والملوك والسلاطين. . . وغيرهم، والغرض منه: الوقوف على الأحوال الماضية، وفائدته: العبرة بتلك الأحوال، والتنصُّح بها، وحصولُ ملكة التجارب بالوقوف على تقلّبات الزمن، ليُحترز عن أمثال ما نقل من المضارّ، ويُستجلب نظائرها من المنافع، وهذا العلم كما قيل: عمر آخر للناظرين، والانتفاعُ في مِصْره بمنافِعَ تَحْصلُ للمسافرين" (٢)، وينحصر حديثنا في علم التاريخ.
(ثانيًا): أهمية علم التاريخ ومشروعيته:
يمثل التاريخ أحد مصادر المعرفة الإنسانية التي اهتم بها الناس، فتدارسوه، وألفوا مجالسه، واستمعوا أخباره، وصنّفوا فيه، لأنه يفيد تسليةً ولَذَّة، ويعطي المتعةَ الكافية، ويُرضي غريزة حب الاستطلاع، ويبعث على العبرة والتفكّر في الأحداث، فالعاقل من اتعظ بغيره، والمحنَّك من تخطَّى تجارب غيره، فالتاريخ يعطي القارئ والسامع نماذج من السلوك البشري بما فيه من غرائز، وعواطف، وميول، وسلوك، وطموحات، وآمال وآلام، فرد أو جماعة، مع بيان النتائج التي تترتب على كل تصرف، سواء كان صوابًا أم خطأ، عامًا أم خاصًّا، ماديًا أم معنويًا، فرديًا أم اجتماعيًا، وهذا يثير الهمم للنهوض، أو التأسِّي بالسَّلف، أو الاقتداء بالأمم الحية، أو التحرز والتحفظ من المسالك الوعرة، والمنزلقات الخطرة التي لا تُحمد عقباها.
_________
(١) المصباح المنير ١/ ١٥ - ١٦، المختصر في علم التاريخ ص ٣٣٠ المطبوع ضمن كتاب علم التاريخ عند المسلمين.
(٢) مفتاح السعادة ١/ ٢٥١، وانظر: أبجد العلوم ٢/ ١ / ١٨١، والمختصر في علم التاريخ ص ٣٢٥، الإعلان بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ ص ٣٨٢ وما بعدها.
стр. 73
وقد اهتم العرب بعلم التاريخ، بسبب اهتمامهم بالانتساب إلى الآباء والأجداد، والعشيرة والقبيلة، فحفظوا أنسابهم، وتفاخروا بها حتى وصلوا إلى التعصب والعصبية، فكانو ايهتمون أصلًا بتاريخهم، وتاريخ الأمم قبلهم، ومن حولهم.
وجاء القرآن الكريم يذكر أخبار الأمم السابقة، وقصص النبيين والمرسلين، ولكنه باختصار شديد، مركِّزًا على موطن العبرة والعظة، ومكان الإِثارة والاستفادة، مع النص القرآني المتكرِّر على هذا الهدف، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٠١] وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]، وخاطب الله رسوله آمرًا له بقصّ الأخبار الهادفة، فقال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦]، وخصَّص الله تعالى سورة في القرآن الكريم باسم "سورة القصص".
ومن هنا اتجه كثير من العلماء المسلمين إلى جمع الأخبار، ومعرفة الأماكن والأحوال التي أشارت إليها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، واشتاقت نفوسهم إلى التوسع في فهم القصص المذكورة في القرآن، وفي ذات الوقت اعتَنَوْا عناية شديدة بسيرة رسول الله ﷺ ، وما يتبعها من المغازي، وكانت هذه المعلومات تصبُّ في مِحْوَرَيْن، الأول: محور الأخبار والقصص التاريخية، وكان صاحبها يسمى أخباريًا، وتتّسم أكثر قصصه بالأوهام والخرافات والأساطير القديمة، والمحور الثاني: علم الحديث والمصطلح، وكان علماء الحديث يذكرون أخبار السيرة النبوية وآثار الصحابة والخلفاء الراشدين مع الحديث برواياته وأخباره وإسناده، ولما دُوِّنت كتب السنة النبوية خُصِّص باب مستقل بعنوان المغازي والسِّير، إلى أن استقل علم السيرة النبوية، وخُصِّصت له المصنفات والكتب (١).
_________
(١) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠١، ٢٠٢، التاريخ العربي والمؤرخون ص ٥٧، علم التاريخ عند المسلمين، مقدمة المترجم الدكتور صالح أحمد العلي ص / أ، تاريخ الأدب العربي لبروكلمان ٧٦٣، ضحى الإسلام ٢/ ٣١٩، مقدمة ابن خلدون ص ٣، ٩، الإعلان ص ٣٨٥، ٤٠٦، ٤١٢.
стр. 74
(ثالثًا): تدوين علم التاريخ:
يذكر مؤرخ الإسلام الحافظ الذهبي أنَّ تدوين العلوم، وتحديد ذاتيتها، وظهور كيانها كان من منتصف القرن الهجري الثاني، فيقول "في سنة ثلاث وأربعين (ومئة) شرع علماء الإِسلام في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير. . .، وكثر تدوين العلم وتبويبه، ودُوِّنت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس، وقبل هذا العصر كان الأئمة يتكلمون من حفظهم، أو يَرْوُون العلم من صحف صحيحة غير مرتَّبة" (١).
وهكذا نشأ علم التاريخ، واستقل عن علم الحديث، ولم يعد المؤرخ يسمى أخباريًا، واقتصر مدلول الأخباري على راوي القصص والنوادر والحكايات، وأقبل العلماء والفقهاء على دراسة التاريخ والتأليف فيه، وصار لهم مكانة عالية بين النَّاس، واعتنى الخلفاء بسماع تواريخ الملوك في الأمم الأخرى لتكون لهم عِظة، ويستفيدوا من تجاربهم، ورأَوْا أن قراءة التاريخ تفيد الفطنة والحِنكة (٢)، ولذلك قال الجاحظ: "علم النسب والخَبر علم الملوك" (٣).
وفي القرن الثالث الهجري استوى علم التاريخ على سوقه، وتوطَّدت دعائمه، وظهرت فيه المؤلفات والكتب التي تجمع المواضيع المتعاقبة، إما على أساس السنين، وإما على أساس الطبقات، وإما على تاريخ المدائن، وأصبح لعلم التاريخ منهج مرسوم، وصار له روَّاده وأعلامه، ويقصده طلاب العلم لذاته، وتُرجمت تواريخ الأمم الأخرى إلى العربية، وأصبحت مائدة التاريخ حافلة وشهية ونافعة، منها "الطبقات الكبرى" لابن سَعد (٢٣٠ هـ) وكتاب "أخبار أو تاريخ مكة المشرفة" لأبي الوليد الأَزْرقي الحفيد (٢٤٤ هـ)، كتاب "تاريخ اليعقوبي" (٢٧٨ هـ أو ٢٨٤ هـ)، وكتاب "الأخبار الطوال" لأبي حنيفة الدِّينَوَري (٢٩١ هـ) (٤).
_________
(١) انظر: تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ٢٦١، النجوم الزاهرة ١/ ٣٥١، تذكرة الحفاظ ١/ ١٦٠.
(٢) ظهر الإسلام ٢/ ٢٠١، ضحى الإسلام ٩/ ٣١٢، الطبري للحوفي ص ١٨٣، تاريخ الطبري ١/ ٥ ط دار المعارف.
(٣) تاريخ الأدب العربي ٣/ ٧.
(٤) انظر: ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٢، تاريخ الأدب العربي ٣/ ٧ وما بعدها، الطبري للحوفي =
стр. 75
(رابعًا): الطَّبريُّ يدرس التاريخ:
رأينا سابقًا أن الطبري جمع من علوم الإسلام ما لم يجتمع لأحد، وكان له حافظة نادرة، وذكاءٌ حادٌّ، وأنه من كبار علماء الحديث الذين ينقلون الأحاديث والأخبار والأسانيد، ويجمعون الروايات المتعدّدة في الموضوع الواحد، مما كان له صلة بكتب الروايات والتاريخ للأمم الأخرى، واستفاد منها في تفسيره للقرآن الكريم، وأورد جانبًا منها في كتايه الذي أملاه في ثماني سنوات (٢٨٣ هـ - ٢٩٠ هـ)، ولما فرغ منه اتجه إلى تصنيف كتابه الثاني في التاريخ حتى انتهى منه يوم الأربعاء ٢٧ ربيع الآخر عام (٣٠٣ هـ) وأرَّخ حتى سنة ٣٠٢ هـ الموافق ٩١٥ م (١).
وكان الطبري رحمه الله تعالى قد اطَّلع على جميع كتب التاريخ وأجزائه وصُحُفه في القرن الثالث الهجري، كما درس بتوسع كتب السيرة النبوية وما صُنِّف فيها، وأخذ علم التاريخ عن المختصِّين به، وهم شيوخ الطبري في ذلك، وعنهم أخذ مصادره والموادَّ الأولية لكتابه.
ولما أراد الطبري أن يبدأ في كتابه التاريخ قال لتلاميذه: "تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا هذا؟ فقالوا: كم قدره؟ فذكر نحو ما ذكره في التفسير (أي ثلاثون ألف ورقة)، فأجابوا: هذا ما يُفْني الأعمار قبل تمامه، فقال الطبري: إنا لله، ماتت الهمم، فاختصره في نحو مما اختصر به التفسير" (أي في نحو ثلاثة آلاف ورقة) (٢).
* * *
_________
= ص ١٨٢، وانظر أصول علم التاريخ في كتاب، المختصر في علم التاريخ" للكايجي، ص ٣٣٧ وما بعدها.
(١) انظر: معجم الأدباء ١٨/ ٤٤، الفهرست ص ٣٢٧.
(٢) تذكرة الحفاظ ٢/ ٧١٢، تاريخ بغداد ٢/ ١٦٣، معجم الأدباء ١٨/ ٤٢، سير أعلام النبلاء ١٤/ ٢٧٥، ظهر الإسلام ٢/ ٢٠٤، وفي قول آخر اختصره إلى ألف ورقة، وفي قول ثالث أنه خمسة آلاف ورقة، ويمكن الجمع بين هذه الأقوال بسهولة، وذلك بحسب النسخ التي كتبت، وحجم الورق الذي استخدم في كل نسخة.
следующие страницы →