← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

والجزر، وسهل لأبي أحمد في موضعه الذي كان مقيمًا فيه كل ما أراده من رُخْص الأسعار وتتابع الميَر وحَمْل الأموال إليه من البلدان ورغبة الناس في جهاد الخبيث ومَنْ معه من أشياعه؛ فكان ممّن صار إليه من المطوّعه أحمد بن دينار عامل إيذَج ونواحيها من كُور الأهواز في جمع كثير من الفرسان والرّجّالة؛ فكان يباشر الحرب بنفسه وأصحابه إلى أن قُتل الخبيث، ثم قدم بعده من أهل البحرين - فيما ذكر - خلق كثير، زُهاء ألفي رجل، يقودهم رجل من عبد القيس، فجلس لهم أبو أحمد، ودخل إليه رئيسهم ووجوههم؛ فأمر أن يُخلع عليهم؛ واعترض رجالهم أجمعين، وأمر بإقامة الأنزال لهم، وورد بعدهم زهاء ألف رجل من كُور فارس، يرأسهم شيخ من المطوّعة يكنى أبا سلمة، فجلس لهم الموفّق، فوصل إليه هذا الشيْخ ووجوه أصحابه، فأمر لهم بالخِلع، وأقرّ لهم الأنزال، ثم تتابعت المطوّعة من البلدان؛ فلما تيسر له ما أراد من السَّكْر الذي ذكرنا، عزم على لقاء الخبيث، فأمر بإعداد السفن والمعابر وإصلاح آلة الحرب في الماء وعلى الظَّهْر، واختار مَنْ يثِق ببأسه ونجدته في الحرب فارسًا وراجلًا؛ لضيق المواضع التي كان يحارب فيها وصعوبتها وكثرة الخنادق والأنهار بها؛ فكانت عِدّة مَنْ تخيّر من الفرسان زُهاء ألفي فارس، ومن الرَّجالة خمسين ألفًا أو يزيدون، سوى مَنْ عبر من المطوّعة وأهل العسكر، ممّن لا ديوان له، وخلّف بالموفقيّة من لم تتسع السفن بحمله جمًّا كثيرًا أكثرهم من الفرسان. وتقدّم الموفّق إلى أبي العباس في القصد للموضع الذي كان صار إليه في يوم الثلاثاء لعشر خلوْن من ذي القعدة سنة تسع وستين ومئتين من الجانب الشرقيّ بإزاء دار المهلبيّ في أصحابه وغلمانه ومَنْ ضمّهم إليه من الخيل والرجّالة والشَّذَا، وأمر صاعد بن مخلَد بالخروج على النهر المعروف بأبي شاكر في الجانب الشرقيّ أيضًا، ونظم القوّاد من مواليه وغلمانه من فُوّهة نهر أبي الخصيب إلى نهر الغربيّ، وكان فيمن خرج من حدّ دار الكرنبائيّ إلى نهر أبي شاكر راشد ولؤلؤ مَوْلَيا الموفّق في جمع من الفرسان والرّجالة زُهاء عشرين ألفًا، يتلو بعضُهم بعضًا، ومن نهر أبي شاكر إلى النهر المعروف بجوى كور جماعة من قوّاد الموالي والغلمان، ثم من نهر جوى كور إلى نهر الغربيّ مثل ذلك. وأمر شبلًا أن يقصد في أصحابه ومَن ضُمّ إليه إلى نهر الغربيّ، فيأتي منه موازيًا لظهر دار المهلبيّ، فيخرج من ورائها عند اشتباك الحرب، وأمر الناس أن

стр. 6022

يزحفوا بجميعهم إلى الفاسق؛ لا يتقدّم بعضهم بعضًا؛ وجعل لهم أمارة الزَّحْف تحريك علم أسود أمر بنصبه على دار الكرنبائي بفُوّهة نهر أبي الخصيب في موضع منها مشيد عالٍ، وأن ينفخ لهم ببوق بعيد الصوت، وكان عبوره يوم الإثنين لثلاث ليال بقين من المحرّم سنة سبعين ومئتين، فجعل بعض مَن كان على النهر المعروف بجوى كور يَزْحف قبل ظهور العلامة؛ حتى قرب من دار المهلبيّ، فلقيه وأصحابه الزَّنْج فردُّوهم إلى مواضعهم، وقَتَلُوا منهم جمعًا، ولم يشعر سائر الناس بما حدَث على هؤلاء المتسرّعين للقتال لكثرتهم وبعد المسافة فيما بين بعضهم وبعض. فلمّا خرج القوّاد ورجالهم من المواضع التي أمِرُوا بالخروج منها، واستوى الفرسان والرجّالة في أماكنهم، أمر الموفّق بتحريك العلَم والنفخ في البوق، ودخل النهر في الشَّذَا، وزحف الناس يتلو بعضهم بعضًا، فلقيَهم الزَّنج قد حشدوا وجمّوا واجترؤوا بما تهيأ لهم على من كان تسرع إليهم، فلقيهم الجيش بنيّات صادقة وبصائر نافذة، فأزالوهم عن مواضعهم بعد كرّات كانت بين الفريقين، صرع فيها منهم جمع كثير، وصبر أصحاب أبي أحمد، فمنّ الله عليهم بالنَّصر، ومنحهم أكتاف الفسقة، فولَّوْا منهزمين، وأتبعهم أصحاب الموفّق، يقتلون ويأسرون، وأحاط أصحاب أبي أحمد بالفجرة من كلّ موضع، فقتل الله منهم في ذلك اليوم ما لا يحيط به الإحصاء، وغرق منهم في النهر المعروف بجوى كور مثل ذلك، وحوى أصحاب الموفّق مدينةَ الفاسق بأسرها، واستنقذوا مَنْ كان فيها من الأسرى من الرجال والنساء والصبيان، وظفروا بجميع عيال عليّ بن أبان المهلبيّ وأخويه الخليل ومحمد ابني أبان وسليمان بن جامع وأولادهم، وعبر بهم إلى المدينة الموفقيّة، ومضى الفاسق في أصحابه ومعه المهلبيّ وابنه أنكلاي وسليمان بن جامع وقوّاد من الزّنْج وغيرهم هُرَابًا، عامدين لموضع قد كان الخبيث رآه لنفسه ومَنْ معه ملجأ إذا غُلبوا على مدينته؛ وذلك على النهر المعروف بالسفيانيّ. وكان أصحاب أبي أحمد حين انهزم الخبيث، وظفروا بما ظفروا به، أقاموا عند دار المهلبيّ الواغلة في نهر أبي الخصيب، وتشاغلوا بانتهاب ما كان في

стр. 6023

الدار وإحراقها وما يليها، وتفرّقوا في طلب النهب، وكُلّ ما بقي للفاسق وأصحابه مجموعًا في تلك الدار. وتقدم أبو أحمد في الشّذا قاصدًا للنهر المعروف بالسفيانيّ، ومعه لؤلؤ في أصحابه الفرسان والرجالة، فانقطع عن باقي الجيش، فظنُّوا أنه قد انصرف، فانصرفوا إلى سفنهم بما حَووْا، وانتهى الموفّق فيمن معه إلى معسكر الفاسق وأصحابه وهم منهزمون، فاتبعهم لؤلؤ وأصحابُه حتى عبروا النهر المعروف بالسفيانيّ، فاقتحم لؤلؤ النهر بفرسه، وعَبَر أصحابه خَلْفه، ومضى الفاسق حتى انتهى إلى النهر المعروف بالقريريّ، فوصل إليه لؤلؤ وأصحابُه، فأوقعوا به وبمَنْ معه، فكشفوهم، فولَّوْا هاربين وهم يتبعونهم، حتى عَبَرُوا النهر المعروف بالقريريّ، وعبر لؤلؤ وأصحابه خلفهم وألجؤوهم إلى النهر المعروف بالمساوان، فعبروه واعتصموا بجبل وراءه. وكان لؤلؤ وأصحابه الذين انفردوا بهذا الفعل دون سائر الجيش، فانتهى بهم الجدّ في طلب الفاسق وأشياعه إلى هذا الموضع الذي وصفنا في آخر النهار، فأمره الموفّق بالانصراف محمود الفعل، فحمله الموفّق معه في الشَّذَا، وجدّد له من البرّ والكرامة ورفع المرتبة، لما كان منه في أمر الفسقة حسب ما كان مستحقًّا، ورجَع الموفّق في الشَّذَا في نهر أبي الخصيب وأصحاب لؤلؤ يسايرونه، فلما حاذى دار المهلبيّ، لم ير بها أحدًا من أصحابه، فعلم أنهم قد انصرفوا، فاشتدّ غيظه عليهم، وسار قاصدًا لقصره، وأمر لؤلؤ بالمضيّ بأصحابه إلى عسكره، وأيقن بالفتح لما رأى من أمارته، واستبشر الناس جميعًا بما هيأ الله من هزيمة الفاسق وأصحابه وإخراجهم عن مدينتهم، واستباحة كلّ ما كان لهم من مال وذخيرة وسلاح، واستنقاذ جميع من كان في أيديهم من الأسرى، وكان في نفس أبي أحمد على أصحابه من الغيظ لمخالفتهم أمره، وتركهم الوقوف حيث وقفهم، فأمر بجمع قوّاد مواليه وغلمانه ووجوههم؛ فجُمعوا له، فوبّخهم على ما كان منهم وعجّزهم، وأغلظ لهم، فاعتذروا بما توهّموا من انصرافه، وأنهم لم يعلموا بمسيره إلى الفاسق، وانتهائه إلى حيث انتهى من عسكره؛ وأنهم لو علموا ذلك لأسرعوا نحوه، ولم يبرحوا موضعهم حتى تحالفوا وتعاقدوا على ألّا ينصرف منهم أحد إذا توجهوا نحو الخبيث حتى

стр. 6024

يظفرهم الله به؛ فإن أعياهم ذلك أقاموا بمواضعهم حتى يحكم الله بينهم وبينه، وسألوا الموفّق أن يأمر بردّ السفن التي يعبرون فيها إلى الموفقيّة عند خروجهم منها للحرب، لتنقطع أطماع الذين يريدون الرجوع عن حرب الفاسق من ذلك، فجزاهم أبو أحمد الخير على تنصّلهم من خطئهم، ووعدهم الإحسان، وأمرهم بالتأهّب للعبور، وأن يعظوا أصحابهم بمثل الذي وُعِظوا به، وأقام الموفق بعد ذلك يوم الثلاثاء والأربعاء والخميس والجمعة لإصلاح ما يحتاج إليه؛ فلما كَمَل ذلك تقدّم إلى من يثِق به من خاصّته وقُوّاد غلمانه ومواليه، بما يكون عليه عملُهم في وقت عبورهم. وفي عشيّ يوم الجمعة، تقدّم إلى أبي العباس وقوّاد غلمانه ومواليه بالنهوض إلى مواضع سمّاها لهم؛ فأمر أبا العباس بالقصد في أصحابه إلى الموضع المعروف بعسكر ريحان، وهو بين النهر المعروف بالسفيانيّ والموضع الذي لجأ إليه، وأن يكون سلوكه بجيشه في النهر المعروف بنهر المغيرة، حتى يخرج بهم في معترَض نهر أبي الخصيب، فيوافي بهم عسكَر ريحان من ذلك الوجه، وأنفذ قائدًا من قوّاد غلمانه السودان وأمره أن يصير إلما نهر الأمير فيعترض في المنَصف منه، وأمر سائر قواده وغلمانه بالمبيت في الجانب الشرقي من دِجْلة بإزاء عسكر الفاسق متأهبين للغدوّ على محاربته، وجعل الموفّق يطوف في الشَّذَا على القُوّاد ورجالهم في عشيّ يوم الجمعة وليلة السبت، ويفرّقهم في مراكزهم والمواضع التي رتَّبهم فيها من عسكر الفاسق، ليباكروا المصير إليها على ما رسم لهم. وغدا الموفّق يوم السبت لليلتين خَلَتا من صفر سنة سبعين ومئتين، فوافى نهر أبي الخصيب في الشذا، فأقام بها حتى تكامل عبورُ الناس وخروجهم عن سفنهم، وأخذ الفرسان والرخالة مراكزَهم، وأمر بالسفن والمعابر فُردّت إلى الجانب الشرقيّ، وأذن للناس في الزحف إلى الفاسق، وسار يقدمهم حتى وافى الموضع الذي قدّر أن يثبُت الفسقة فيه لمدافعة الجيش عنهم. وقد كان الخائن وأصحابه لخبثهم رجعوا إلى المدينة يوم الإثنين بعد انصراف الجيش عنها، وأقاموا بها، وأمّلوا أن تتطاول بهم الأيام، وتندفع عنهم المناجزة، فوجد الموفّق المتسرعين من فرسبان غلمانه، ورجّالتهم قد سبقوا أعظم الجيش، فأوقعوا بالفاجر وأصحابه وقعةً أزالوهم بها عن مواقفهم؛

стр. 6025

فانهزموا وتفرَّقُوا لا يلوى بعضهم على بعض، وأتبعهم الجيش يقتلون ويأسرون مَنْ لحقوا منهم، وانقطع الفاسق في جماعة من حُماته من قُوّاد الجيش ورجالهم وفيهم المهلبيّ. وفارقه ابنه أنكلاي وسليمان بن جامع، فقصد لكل فريق ممّن سمّينا جمع كثيف من موالي الموفّق وغلمانه الفرسان والرَّجّالة، ولَقِيَ مَنْ كان رتبه الموفّق من أصحاب أبي العباس في الموضع المعروف بعسكر ريحان المنهزمين من أصحاب الفاجر، فوضعوا فيهم السلاح، ووافى القائد المرتب في نهر الأمير، فاعترض الفجرة، فأوقع بهم، وصادف سليمان بن جامع فحاربه، فقتل جماعة من حُماته، فظفر بسليمان فأسره، فأتى به الموفّق بغير عهد ولا عقد، فاستبشر الناس بأسر سليمان، وكَثُر التكبير والضجيج، وأيقنوا بالفتح إذ كان أكثر أصحابه غَناء عنه، وأسر بعده إبراهيم بن جعفر الهمدانيّ - وكان أحد أمراء جيوشه - وأسِر نادر الأسود المعروف بالحفار، وهو أحد قدماء أصحاب الفاجر - فأمر الموفّق بالاستيثاق منهم وتصييرهم في شذاة لأبي العباس، ففُعل ذلك. ثم إن الزَّنْج الذين انفردوا مع الفاسق عطفوا على الناس عطفة أزالوهم بها عن مواقفهم، ففتروا لذلك، وأحسّ الموفّق بفتورهم، فجدّ في طلب الخبيث، وأمعن في نهر أبي الخصيب، فشدّ ذلك من قلوب مواليه وغلمانه وجدُّوا في الطلب معه. وانتهى الموفّق إلى نهر أبي الخصيب، فوافاه البشير بقتل الفاجر؛ ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كفّ زعم أنها كفه، فقويَ الخبر عنده بعض القُوّة، ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركُض على فرس، ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قوّاد المستأمنة، فعرَفوه فخرّ لله ساجدًا على ما أولاه وأبلاه، وسجد أبو العباس وقُوّاد موالي الموفّق وغلمانِه شكرًا لله، وأكثروا حمد الله والثناء عليه، وأمر الموفَّق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه، فتأمَّله الناس وعرفوا صِحة الخبر بقتله، فارتفعت أصواتهم بالحمد لله. وذكر أن أصحاب الموفّق لما أحاطوا بالخبيث، ولم يبقَ معه من رؤساء أصحابه إلا المهلبيّ، ولَّى عنه هاربًا وأسلمه، وقصد النهر المعروف بنهر الأمير، فقذف نفسه فيه يريد النجاة، وقبل ذلك ما كان ابن الخبيث أنكلاي فارق

стр. 6026

أباه، ومضى يؤمّ النهر المعروف بالديناريّ، فأقام فيه متحصّنًا بالأدغال والآجام، وانصرف الموفّق ورَأس الخبيث منصوب بين يديه على قناة في شَذاة، يخترق بها نهر أبي الخصيب، والناس في جنبتي النهر ينظرون إليه حتى وافى دِجْلة، فخرج إليها فأمر بردّ السفن التي كان عبر بها في أول النهار إلى الجانب الشرقي من دِجْلة، فرُدّت ليعبر الناس فيها. ثم سار ورأسُ الخبيث بين يديه على القناة، وسليمان بن جامع والهمدانيّ مصلوبان في الشَّذَا، حتى وافى قصهرَه بالموفقيَّة، وأمَر أبا العباس بركوب الشذا وإقرار الرأس وسليمان والهمداني على حالهم والسير بهم إلى نهر جَطَّى، وهو أوّل عسكر الموفّق، ليقع عليهم عيون الناس جميعًا في العسكر، ففعل ذلك وانصرف إلى أبيه أبي أحمد، فأمر بحبس سليمان والهمدانيّ وإصلاح الرأس وتنقيته. وذكر أنه تتابع مجيء الزَّنج الذين كانوا أقاموا مع الخبيث وآثروا صحبته، فوافى ذلك اليوم زُهاء ألف منهم، ورأى الموفّق بذل الأمان، لما رأى من كثرتهم وشجاعتهم، لئلا تبقى منهم بقية تُخاف معرّتها على الإسلام وأهله، فكان من وافَى من قُوّاد الزَّنج ورجالهم في بقية يوم السبت وفي يوم الأحد والإثنين زُهاء خمسة آلاف زنجيّ، وكان قد قُتِل في الوقعة وكرق وأسِر منهم خَلْق كثير لا يوقَف على عددهم، وانقطعت منهم قطعة زهاء ألف زِنجيّ مالوا نحو البرّ، فمات أكثرهم عطشًا، فظفر الأعراب بمَنْ سلم منهم واسترقوهم. وانتهى إلى الموفَّق خبر المهلبيّ وأنكلاي ومقامهما بحيث أقاما مع مَنْ تبعهما من جِلَّة قُوّاد الزَّنْج ورجالهم، فبث أنجاد غلمانه في طلبهم، وأمرهم بالتضييق عليهم؛ فلما أيقنوا بأن لا ملجأ لهم أعْطَوْا بأيديهم، فظفر بهم الموفَّق وبمَنْ معهم، حتى لم يشذَّ أحد، وقد كانوا على نحو العِدَّة التي خرجت إلى الموفّق بعد قتل الفاجر في الأمان، فأمر الموقق بالاستيثاق من المهلبيّ وأنكلاي وحبسهما، ففعل. * * * وكان فيمن هرب من عسكر الخبيث يوم السبت ولم يركن إلى الأمان قرطاس

стр. 6027

الذي كان رمى الموفّق بالسهم، فانتهى به الهرب إلى رامَهُرْمز، فعرفه رجل قد كان رآه في عسكر الخبيث فدلّ عليه عامل البلد، فأخذه وحمله في وَثاق، فسأل أبو العباس أباه أن يوليه قتلَه فدفعه إليه فقتله. * * * [ذكر خبر استئمان درمويه الزنجيّ إلى أبي أحمد] وفيها استأمن درمويه الزنجيّ إلى أبي أحمد، وكان درمويه هذا - فيما ذكر - من أنجاد الزَّنْج وأبطالهم، وكان الفاجر وجَّهه قبل هلاكه بمدة طويلة إلى أواخر نهر الفَهْرَج، وهي من البصرة في غربّي دجلة، فأقام هنالك بموضع وَعْر كثير النخل والدَّغل والآجام متصل بالبَطِيحة، وكان درمويه ومَنْ معه هنالك يقطعودا على السابلة في زواريق خِفاف وسُميريَّات اتَّخذوها لأنفسهم، فإذا طلبهم أصحاب الشَّذَا ولجوا الأنهار الضيِّقة، واعتصموا بمواضع الأدغال منها، وإذا تعذَّر عليهم مسلك نَهر منها لضيقها خرجوا من سفنهم وحملوها على ظهورهم، ولجؤوا إلى هذه المواضع الممتنعة. وفي خلال ذلك يُغيرون على قرى البَطِيحة ومَا يليها، فيقتلون ويسلبون مَنْ ظفروا به؛ فمكث درمويه ومَنْ معه يفعلون هذه الأفعال إلى أن قتِل الفاجر وهم بموضعهم الذي وصفنا أمره، لا يعلمون بشيء مما حدث على صاحبهم، فلما فُتح بقتل الخبجث موضعه، وأمن الناس وانتشروا في طلب المكاسب وحمل التجارات، وسلكت السابلة دِجْلة، أوقع درمويه بهم، فقتل وسلب، فأوحش الناس ذلك، واشرأبّ لمثل ما فيه درمويه جماعة من شرار الخاس وفُسَّاقهم، وحدّثوا أنفسهم بالمصير إليه وبالمقام معه على مثل ما هو عليه، فعزم الموفق على تسريح جيش من غلمانه السودان، ومَنْ جرى مجراهم من أهل البَصَر بالحرب في الأدغال ومضايق الأنهار، وأعدّ لذلك صغار السفن وصنوف السلاح؛ فبينا هو في ذلك وافى رسول لدرمويه يسأل الأمان له على نفسه وأصحابه، فرأى الموفّق أن يؤمّنه ليقطع مادّة الشرّ الذي كان فيه الناس من الفاجر وأشياعه. وذُكر: أن سبب طلب درمويه الأمان كان أنه كان فيمن أوْقع به قومٌ ممن خرج

стр. 6028

من عسكر الموفّق للقصد إلى منازلهم بمدينة السلام، فيهم نسوة، فقتلهم وسلبهم، وغلب على النسوة اللاتي كنّ معهم؛ فلما صِرْنَ في يده بحثهنّ عن الخبر، فأخبرنه بقتل الفاسق والظفر بالمهلبيّ وأنكلاي وسليمان بن جامع وغيرهم من رؤساء أصحاب الفاسق وقوّاده ومصير أكثرهم إلى الموفّق في الأمان وقبوله إياهم وإحسانه إليهم؛ فأسقِط في يده، ولم ير لنفسه ملجأ إلّا التعوّذ بالأمان ومسألة الموفّق الصفح عن جُرْمه، فوجَّه في ذلك، فأجيب إليه، فلما ورد عليه الأمان خرج وجميع من معه حتى وافى عسكر الموفّق، فوافت منهم قطعة حسنة كثيرة العدد لم يصبها بؤس الحِصار وضرّه مثل ما أصاب سائر أصحاب الخبيث، لما كان يصل إليهم من أموال الناس وميرهم. فذكر: أن درمويه لما أومن وأحسن إليه وإلى أصحابه، أظهر كلّ ما كان في يده وأيديهم من أموال الناس وأمتعتهم، وردّ كلّ شيء منه إلى أهله ردًّا ظاهرًا مكشوفًا، فووفِق بذلك على إنابته، فخلع عليه وعلى وجوه أصحابه وقُوّاده، ووصِلوا، فضمهم الموفّق إلى قائد من قُوّاد غلمانه، وأمر الموفّق أن يكتب إلى أمصار الإسلام بالنّداء في أهل البصرة والأبُقة وكُور دِجْلة وأهل الأهواز وكورَها وأهل واسط وما حولها مما دخله الزَّنج بقتل الفاسق، وأن يُؤمَروا بالرجوع إلى أوطانهم، ففُعل ذلك، فسارع الناس إلى ما أمِرُوا به، وقدموا المدينة الموفقيّة من جميع النواحي. وأقام الموفّق بعد ذلك بالموفقّية ليزداد الناس بمقامه أمنًا وإيناسًا، وولّى البصرة والأبُلّة وكُور دِجْلة رجلًا من قُوّاد مواليه قد كان حمِد مذهبه، ووقف على حسن سيرته، يقال له العباس بن تركس؛ فأمره بالانتقال إلى البصرة والمقام بها. وولّى قضاء البصرة والأبُلّة وكُورِ دَجْلة، وواسط محمد بن حماد. وقدّم ابنه أبا العباس إلى مدينة السلام، ومعه رأس الخبيث صاحب الزّنْج ليراه الناس، فاستبشروا، فنفذ أبو العباس في جيشه حتى وافى مدينة السلام يوم السبت لاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى من هذه السنة، فدخلها في أحسن زيّ، وأمر برأس الخبيث فسِير به بين يديه على قناة، اجتمع الناس لذلك. وكان خروج صاحب الزنج في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومئتين، وقتِل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين

стр. 6029

ومئتين، فكانت أيّامه من لدن خرج إلى اليوم الذي قتل فيه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وكان دخوله الأهواز لثلاث عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة ست وخمسين ومئتين، وكان دخوله البصرة وقتله أهلها وإحراقه لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين ومئتين. فقال - فيما كان من أمر الموفّق، وأمْر المخذول - الشعراء أشعارًا كثيرة (١).

стр. 6030

ما قيل في ذلك قول يحيى بن محمد الأسلميّ: أقولُ وقد جاءَ البشيرُ بوقعةٍ ... أَعَزَّتْ من الإِسلامِ ما كان واهِيا جَزَى اللهُ خيرَ النَّاسِ للناسِ بَعْدَما ... أُبيح حِمَاهمْ خيرَ ما كان جازيا تَفَرَّد إِذ لم ينصر الله ناصرٌ ... بتجديدِ دينِ كان أَصبح بالِيا وتشديدِ ملك قد وَهَى بعد عزِّه ... وإدراكِ ثَاراتٍ تبير الأَعادِيا ورَدِّ عِمارات أُزيلتْ وأُخْربت ... ليرجع فيء قد تخُرِّم وافِيا ويرجعَ أَمْصارٌ أُبيحتْ وأُحْرقَتْ ... مِرارًا فقد أَمست قِوَاءً عوافيا ويشُفَى صدور المؤمنينَ بوقعةٍ ... يقرُّ بها منا العيونَ البواكيا ويتُلى كتاب اللهِ في كل مسجدٍ ... ويُلقى دعاءُ الطالبيّين خاسِيَا فأعَرَض عن أَحبابهِ ونعيمِهِ ... وعن لذةِ الدنيا وأقبلَ غازِيا في قصيدة طويلة، ومن ذلك أيضًا قوله: أينَ نجومُ الكاذِب المارِق ... ما كان بالطَّبِّ ولا الحاذقِ صبَّحَهُ بالنحْسِ سعدٌ بدَا ... لسيّدٍ في قولِهِ صادقِ فخرّ في مأْزِقِه مسلَمًا ... إلى أُسُودِ الغابِ في المازِقِ وذاق من كأْسِ الردَى شرْبة ... كريهةَ الطعْم على الذائِق وقال فيه يحيى بن خالد:

стр. 6031

يابنَ الخلائفِ من أَرومَةِ هاشمٍ ... والغامرينَ الناسَ بالإفضال والذائدينَ عن الحريم عدوّهم ... والمعلِمين لكل يومِ نِزالِ ملِكٌ أعادَ الدينَ بعدَ دروسِه ... واستنقذ الأَسْرَى من الأغَلالِ أَنت المُجيرُ من الزمانِ إذا سَطَا ... وإِليك يَقصِدُ راغبٌ بسؤالِ أطفأْتَ نِيرانَ النفاقِ وقد عَلتْ ... يا واهِبَ الآمال والآجالِ للهِ درُّكَ من سَليلِ خلائفٍ ... ماضِي العزيمةِ طاهرِ السِّرْبالِ أَفنيتَ جمعَ المارقينَ فأصبحوا ... متلَدِّدِينَ قد أيقنوا بزوالِ أمْطرْتهم عزمات رأيٍ حازمٍ ... ملأَتْ قلوبَهُمُ مِنَ الأَهْوالِ لمّا طَغَى الرجسُ اللعينُ قصدته ... بالمَشرَفِيِّ وبالقَنَا الجوَّالِ وتركتَهُ والطيرُ يحْجُلُ حولهُ ... مُتقطِّعَ الأَوداجِ والأَوصال يَهوِي إلى حَرّ الجحيمِ وقعرِها ... بسلاسل قد أوهنَته ثِقالِ هذا بما كسبتْ يداهُ وما جنَى ... وبما أتى من سيئ الأعَمالِ أقرَرْتَ عينَ الدينِ ممّن قادَهُ ... وأدَلتَهُ مِنْ قاتل الأَطفالِ صال الموفَّقُ بالعراقِ فأفزعتْ ... مَنْ بالمغاربِ صولةُ الأبطالِ وفيه يقول أيضًا يحيى بن خالد بن مروان: أَبنْ لي جوابًا أيُّها المَنزلُ القفرُ ... فلا زال مُنهلًا بساحاتِكَ القطرُ أَبِنْ لي عن الجيرانِ أَين تحمَّلوا ... وهل عادَتِ الدنيا، وهل رجعَ السَّفرُ! وكيف تجيبُ الدارُ بعد دروسها ... ولم يبقَ من أَعلامِ ساكنِها سَطْرُ منازلُ أبكاني مَغَانِيُّ أهلَها ... وضاقت بي الدينا وأسَلَمني الصبْرُ كأَنَّهُمُ قومٌ رغا البكرُ فيهمُ ... وكان على الأَيامِ في هُلكِهم نُذرُ وعاثَتْ صُرُوفُ الدهر فيهم فأَسرعت ... وشَرُّ ذوي الأصعادِ ما فعل الدهرُ فقد طابت الدينا وأيَنَعَ نَبتُها ... بيُمْنِ وليّ العهدِ وانقلب الأَمر وعاد إلى الأَوطانِ مَنْ كان هاربًا ... ولم يبق للملعون في موضعٍ إِثْرُ بسيف ولي العَهْد طالت يدُ الهدى ... وأَشْرَق وجْهُ الدين واصطُلم الكُفْر وجاهَدَهم في اللهِ حقَّ جِهادِهِ ... بنفسٍ لها طولُ السلامة والنصرُ وهي طويلة. وقال يحيى بن محمد:

стр. 6032

عنّي اشتغالَك إني عنكِ في شَغَلِ ... لا تعذُلي مَنْ به وقْرٌ عن العذَلِ لا تعذُلي في ارتحالي إنني رجلٌ ... وقفٌ على الشَّدِّ والأسفارِ والرِّحَلِ فيمَ المُقامُ إذا ما ضاقَ بي بلدٌ ... كأَنني لحجالِ العِينِ والكِلَل ما استيقظتْ همّةٌ لم تلفِ صاحبها ... يَقظان قَدْ جانبَتْهُ لذةُ المُقَلِ ولم يبتْ أَمِنًا من لم يبتْ وجِلًا ... مِنْ أَنْ يبيتَ له جار على وَجَلِ وهي أيضًا طويلة. وفي هذه السنة في شهر ربيع الأول منها، ورد مدينةَ السلام الخبرُ: أن الرّوم نزلت بناحية باب قلَمْيَة على ستة أميال من طَرَسوس؛ وهم زهاء مئة ألف، يرأسهم بِطْريق البطارقة أندرياس، ومعه أربعة أخَرُ من البطارقة، فخرج إليهم يازمان الخادم ليلًا، فبيّتهم، فقُتِل بِطريق البطارقة وبِطريق القبَاذيق وبطريق الناطُلق، وأفلت بِطريق قرّة وبه جراحات، وأخِذ لهم سبعة صلبان من ذهب وفضة، فيها صليبهم الأعظم من ذهب مكلّل بالجوهر، وأخِذ خمسة عشر ألف دابة وبغل، ومن السروج نحو من ذلك، وسيوف محلّاة بذهب وفضة وآنية كثيرة، ونحو من عشرة آلاف علم ديباج، وديباج كثير وبِزْيون ولُحُف سُمُور، وكان النفير إلى أندرياس يوم الثلاثاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول، فكبِس ليلًا وقتل من الروم خلق كثير، فزعم بعضهم أنه قتل منهم سبعون ألفًا (١). وفيها تُوفِّيَ هارون بن أبي أحمد الموفّق بمدينة السلام يوم الخميس لليلتين خلتا من جمادى الأولى. ولستٍّ خلون من شعبان منها، ورد الخبرُ بموت أحمد بن طولون مدينةَ السلام - فيما ذكر. وقال بعضهم: كانت وفاته يوم الإثنين لثمان عشرة مضت من ذي القعدة منها (٢). وفيها مات الحسن بن يزيىر العَلَويّ بطبرستان، إما في رجب، وإما في شعبان. وللنصف من شعبان دخل المعتمد بغداد، وخرج من المدينة حتى نزل بحذاء

стр. 6033

قُطُربلّ في تعبية، ومحمد بن طاهر يسير بين يديه بالحربة، ثم مضى إلى سامُرّا. وفيها كان فداء أهل ساتِيدَما على يدي يازمان في سَلْخ رجب منها. وفي يوم الأحد لِتسْع بَقِين من شعبان من هذه السنة شغَب أصحابُ أبي العباس بن الموفّق ببغداد على صاعد بن مخلد، وهو وزير الموفّق، فطلبوا الأرزاق، فخرج إليهم أصحاب صاعد ليدفعوهم، فصارت رجّالة أبي العباس إلى رحْبة الجسر، وأصحاب صاعد داخل الأبواب بسوق يحيى، واقتتلوا، فقتِل بينهم قتلى، وجُرحت جماعة، ثم حجز بينهم الليل، وبكَروا من الغد، فوضِع لهم العطاء واصطلحوا. وفي شوال منها كانت وقعة بين إسحاق بن كُنْداج وابن دعباش، وكان ابن دعباش على الرَّقة وأعمالها، وعلى الثغور والعواصم من قِبَل ابن طولون، وابن كُنْدَاج على المَوْصِل من قِبَل السلطان. وفيها انبثق ببغداد في الجانب الغربيّ منها من نهر عيسى من الياسرية بَثْقٌ، فغرّق الدباغين وأصحاب الساج بالكرخ، ذكر أنه دقّ سبعة آلاف دار ونحوها. وقتِل في هذه السنة ملك الروم المعروف بابن الصقلبيّ (١). وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ بن عيسى بن موسى بن محمد بن عليّ بن عبد الله بن العباس (٢). * * *

стр. 6034

مقدمة صغيرة الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فقد كتبنا في مقدمة المجلد الأول فصولًا في منهج الطبري ومصادره وما لَهُ وما عليه وأوضحنا بعضًا من معالم منهجنا في تخريج روايات الطبري فليراجع. وقد رأينا كتابة مقدمة صغيرة وخاصة في بداية كل مجلد من مجلدات الطبري أو بداية مرحلة معينة على الأقل - وما تبقى من تأريخ الطبري (الذي ينتهي بأحداث سنة ٣٠٢ هـ/ ١٠/ ١٥١) هو امتداد لمنهج الطبري في المجلد التاسع وقد كتبنا مقدمة قصيرة في بداية تعليقاتنا ضمن أحداث سنة (٢٤٧ هـ - خلافة المتوكل - أي في (٩/ ٢٣٥). وذكرنا فيه كيفية تعاملنا مع مرويات الطبري التأريخية المتعلقة بهذه الحقبة الزمنية ومنهجنا هذا امتداد لسابقه هناك؛ إلّا أننا أردنا أن نضيف شيئًا لم نذكره هناك، فنقول وبالله التوفيق: من الواضح تمامًا أن الطبري كان رجلًا متكاملًا من الناحية الذهنية وقوة الحافظة وحضور البديهة وكان إمامًا مؤرخًا ثقة - معاصرًا لما سجّله من أحداث العقود الأخيرة من القرن الهجري الثالث ولكنه وللأسف الشديد لم يسجّل شهاداته الشخصية ومشاهداته اليومية سواء كان في بغداد (حاضرة الخلافة) أو مصر أو الحجاز وغيرها من بلاد المسلمين - ولا شك أنه عايش جانبًا هامًّا من تلك الأحداث إلَّا أنه سجّلها بصيغة توحي أنه أخذ جلَّها عن الآخرين ولعلَّه أحيانًا يروي عن شهود عيان ولو سجّل تلك الوقائع بصيغة أخرى كما ذكرنا لكان لها أهمية تفوق صيغتها المعروفة والله أعلم. ولو قرأنا لغيره من معاصريه وهو يسجّل أحداث ووقائع تلك العقود؛ لتبيّن لنا

стр. 6035

أن الطبري عايشها عن قرب وكان له رأي خاص في الأحداث الجسام يومها إلّا أنه لم يسجّلها في تأريخه ولم يودعها صفحاته. وسنضرب مثالًا واحدًا على ذلك: قال المعافى بن زكريا الجريري وهو يتحدث عن وقائع سنة ٢٩٦ هـ لما خلع المقتدر وبويع ابن المعتز دخلوا على شيخنا محمد بن جرير الطبري فقال: ما الخبر؟ فيل: بويع ابن المعتز: قال: فمن رشح للوزارة؟ قيل: محمد بن داود، قال فمن ذكر للقضاء؟ قيل: أبو المثنى فأطرق ثم قال: هذا الأمر لا يتمّ، قيل له: وكيف؟ قال: كل واحد ممن سمّيتهم متقدم في معناه عالي الرتبة والزمان مدبرُ والدنيا مولية، وما أرى هذا إلّا إلى اضمحلال، وما أرى لمدته طولًا [تأريخ الخلفاء/ ٤٢٦/ ط المكتبة العصرية] فهذا كلامه ورأيه في الأحداث لم نر له أثرًا في تأريخه فقد وقف بأعصاب باردة ﵀ أمام تلك الأحداث وهو يسجّلها فلعله أراد بذلك أن يكون مؤرخًا محايدًا تمامًا أمينًا في نقل الأحداث دون أن يشوبها برأيه الخاص والله تعالى أعلم. * * *

стр. 6036

ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئتين وأولها يوم الإثنين للتاسع والعشرين من حزيران، ولخمس وتسعين ومئة وألف من عهد ذي القرنين. * ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة: فمن ذلك ما كان فيها من ورود الخبر في غُرّة صفر بدخول محمد وعليّ ابني الحسين بن جعفر بن موسى بن جعفر بن محمد بن عليّ بن حسين المدينة وقتلهما جماعة من أهلها ومطالبتهما أهلها بمال، وأخذهما من قوم منهم مالًا، وأنّ أهل المدينة لم يصلّوا في مسجد رسول الله ﷺ أربع جمع؛ لا جمعة ولا جماعة، فقال أبو العباس بن الفضل العَلَويّ (١). أُخْرِبَتْ دارُ هجرةِ المصطفى البـ ... ـرِّ فأَبكى إِخرابُها المسلمينَا عينُ فابكى مقام جبريلَ والقب ... رَ فبكِّي المِنْبَرَ المَيْمُونا وعلى المسجد الذي أُسُّه التّق ... وى خَلاءً أَضْحَى من العابدينا وعلى طَيْبَةَ التي بارك الل ... هُ عليها بخاتَم المرسَلِينا قبَّح اللهُ معشرًا أَخربُوها ... وأطاعوا متبَّرًا ملعونا وفيها أدخِل على المعتمد مَنْ كان حضر بغداد من حاجِّ خراسان، فأعلمهم أنه قد عزل عمرو بن الليث عما كان قلّده، ولعنه بحضرتهم، وأخبرهم أنه قد قلّد خراسانَ محمد بن طاهر؛ وكان ذلك لأربع بَقِين من شوّال (٢) وأمر أيضًا بلعن عمرو بن الليث على المنابر، فلُعن.

стр. 6037

ولثمان بقين من شعبان من هذه السنة شخص صاعد بن مخلَد من معسكر أبي أحمد بواسط إلى فارس لحرب عمرو بن الليث (١). ولعشر خلوْن من شهر رمضان منها عُقِد لأحمد بن محمد الطائيّ على المدينة وطريق مكة (٢). وفيها كانت بين أبي العباس بن الموفَّق وبين خمارويه بن أحمد بن طولون وقعة بالطَّواحين، فهزَم أبو العباس خمارويه، فركب خمارويه حمارًا هاربًا منه إلى مصر، ووقع أصحاب أبي العباس في النهب، ونزل أبو العباس مضرب خمارَوَيْه، ولا يرى أنه بقى له طالب، فخرج عليه كمين لخمارويه كان كمَّنه لهم خمارويه، وفيهم سعد الأعسر وجماعة من قُوّاده وأصحابه، وأصحابُ أبي العباس قد وضعوا السلاح ونزلوا، فشدّ كمين خمارويه عليهم فانهزموا، وتفرّق القوم، ومضى أبو العباس إلى طَرَسوس في نفر من أصحابه قليل، وذهب كل ما كان في العسكرين؛ عسكر أبي العباس وعسكر خمارويْه من السلاح والكُراع والأثاث والأموال، وانتُهب ذلك كله؛ وكانت هذه الوقعة يوم السادس عشر من شَوّال من هذه السنة - فيما قيل (٣). وفيها وَثب يوسف بن أبي الساج - وكان والي مكة - على غلام للطائيّ يقال له: بدر، وخرج واليًا على الحاجّ فقيّده، فحارب ابن أبي الساج جماعةٌ من الجند، وأغاثهم الحاجّ حتى استنقذوا غلام الطائيّ، وأسروا ابن أبي الساج، فقُيّد، وحُمل إلى مدينة السلام، وكانت الحرب بينهم على أبواب المسجد الحرام (٤).

стр. 6038

وفيها خرّبت العامة الدَّيْر العتيق الذي وراء نهر عيسى، وانتهبوا كلّ ما كان فيه من متاع، وقلعوا الأبواب والخشب وغير ذلك، وهدموا بعض حيطانه وسقوفه؛ فصار إليهم الحسين بن إسماعيل صاحب شُرطة بغداد من قِبَل محمد بن طاهر، فمنعهم من هدْم ما بقي منه؛ وكان يتردّد إليه أيامًا هو والعامة؛ حتى يكاد يكون بين أصحاب السلطان وبينهم قتال، ثم بنى ما كانت العامة هدمتْه بعد أيام، وكانت إعادة بنائه - فيما ذكر - بقوّة عبدُون بن مَخْلَد، أخي صاعد بن مَخْلَد (١). وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى العباسيّ (٢). * * * ثم دخلت سنة اثنتين وسبعين ومئتين أولها يوم الجمعة للثامن عشر من حَزِيران، سنة ست وتسعين ومئة وألف لذي القرنين. * ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث: فمما كان فيها من ذلك إخراجُ أهل طَرَسوس أبا العباس بن الموفّق من طَرَسوس؛ لخلاف كان وقع بينه وبين يازَمان؛ فخرج عنها يريد بغداد للنصف من المحرَّم من هذه السنة (٣). وفيها تُوُفِّيَ سليمان بن وهب في حبس الموفّق يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة بقيت من صفر (٤). وفيها تجمّعت العامة، فهدموا ما كان بُنِيَ من البيعة يوم الخميس لثمان خَلَوْن من شهر ربيع الآخر (٥).

стр. 6039

وفيها حكَّم شارٍ في طريق خُراسان، وصار إلى دَسْكَرة المَلك، فقتل وانتهب. وفيها ورد الخبر مدينة السلام بدخول حَمْدان بن حمدون وهارون الشاري مدينةَ الموصِل، وصلّى الشاري بهم في مسجد الجامع (١). وفيها قدم أبو العباس بن الموّفق بغداد منصرفًا من وقعته مع ابن طولون بالطواحين لتسع بقين من جمادى الآخرة. وفيها نُقِبَ المطبَق من داخله، وأخرِج الذوائبيّ العلويّ ونفسان معه، وكانوا قد أعِدّت لهم دوابّ توقف في كل ليلة ليخرجوا فيركبوها هاربين، فنُذِر بهم، وغُلِّقت أبواب سدينة أبي جعفر المنصور، فأخِذَ الذوائبيُّ ومَنْ خَرَج معه، وركب محمد بن طاهر، وكتِب بالخبر إلى الموفَّق وهو مقيم بواسط، فأمر أن تُقْطع يد الذوائبيّ ورجله من خلاف، فقُطع في مجلس الجَسْر بالجانب الغربيّ، ومحمد بن طاهر واقف على دابّته، وكُوِي يوم الإثنين لثلاث خلوْن من جمادى الآخرة. وفيها قدم صاعد بن مَخْلد من فارس، ودخل واسط في رجب، فأمر الموفّق جميع القواد أن يستقبلوه فاستقبلوه، وترجّلوا له، وقبّلوا كَفّه. وفيها قبض الموفّق على صاعد بن مَخْلَد بواسط وعلى أسبابه، وانتهب منازلهم يوم الإثنين لتسع خلوْن من رجب، وقبِض على ابنيه أبي عيسى وأبي صالح ببغداد، وعلى أخيه عبدون وأسبابه بسامُرّا، وذلك كله في يوم واحد، وهو اليوم الذي قبض فيه على صاعد، واستكتب الموفّق إسماعيل بن بلبُل، واقتصر به على الكتابة دون غيرها (٢). ووردت الأخبار فيها أن مصر زُلزلت في جمادى الآخرة زلازل أخربت الدّور والمسجد الجامع، وأنه أحصِيَ في يوم واحد بها ألف جنازة (٣). وفيها غلا السعر ببغداد؛ وذلك أنّ أهل سامُرّا منعوا - فيما ذُكر - سفن الدقيق من الانحدار إليها، ومنع الطائيّ أربابَ الضَّياع من دياس الطعام وقسمه، يتربَّص

стр. 6040

بذلك غلاء الأسعار، فمنع أهل بغداد الزيت والصابون والتمر وغير ذلك من حَمْله إلى سامُرّا، وذلك في النصف من شهر رمضان. وفيها ضجَّت العامة بسبب غلاء السعر، واجتمعت للوثوب بالطائيّ، فانصرفوا من مسجد الجامع للنصف من شوال إلى داره بين باب البصرة وباب الكوفة، وجاؤوه من ناحية الكَرْخ، فأصعد الطائيّ أصحابَه على السطوح، فرَموْهم بالنُّشاب، وأقام رجاله على بابه وفي فناء داره بالسيوف والرّماح، فقتِل بعضُ العامة، وجُرحت منهم جماعة، ولم يزالوا يقاتلونهم إلى الليل، فلما كان الليل انصرفوا، وباكروه من غد، فركب محمد بن طاهر، فسكن الناس وصرفهم عنه. وفيها تُوفِّيَ إسماعيل بن بُريه الهاشمي يوم الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال منها. ولثمان بقين منها توفِّي عبيد الله بن عبد الله الهاشميّ. وفيها كانت للزَّنْج بواسط حركة، فصاحوا: أنكلاي، يا منصور! وكان أنكلاي والمهلبيّ وسليمان بن جامع والشعرانيّ والهمدانيّ وآخر معهم من قُوَّاد الزنج محتَبسين في دار محمد بن عبد الله بن طاهر بمدينة السلام في دار البِطّيخِ، في يد غلام من غلمان الموفّق، يقال له: فتح السعيديّ، فكتب الموفّق إلى فَتْح أن يوجّه برؤوس هؤلاء الستة، فدخل إليهم، فجعل يخرج الأول فالأول منهم، فذبحهم غلام له، وقلع رأس بالوعة في الدار، وطِرحت أجسادهم فيها، وسدّ رأسَها، ووجّه رؤوسهم إلى الموفّق (١). وفيها ورد كتاب الموفّق على محمد بن طاهر في جثث هؤلاء الستة المقتولين، فأمره بصلبْها بحضرة الجسر، فأخرِجوا من البالوعة، وقد انتفخوا، وتغيّرت روائحهم، وتقشّر بعض جلودهم، فحُمِلوا في المحامل: المحمل بين رجلين؛ وصُلِب ثلاثة منهم في الجانب الشرقيّ، وثلاثة في الجانب الغربيّ، وذلك لسبع بَقِين من شوال من هذه السنة، وركب محمد بن طاهر حتى صُلبوا بحضرته.

стр. 6041

وفيها صَلح أمر مدينة رسول الله ﷺ ، وعَمِرت، وتراجع الناس إليها. وفيها غزا الصائفة يا زَمان. وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى الهاشميّ (١). * * * ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث ففيها كانت وقعة بين أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف وعمرو بن الليث الصفّار يوم السادس عشر من شهر ربيع الأول. وفيها كانت أيضًا وقعة بين إسحاق بن كُنداج ومحمد بن أبي الساج بالرَّقة، فانهزم إسحاق؛ وكان ذلك يوم الثلاثاء لتسع خلوْن من جمادى الأولى. وفيها قدمت رسل يازَمان من طَرَسُوس، فذكروا أنّ ثلاثة بنين لطاغية الروم وثبوا عليه، فقتلوه وملّكوا أحدهم عليهم (٢). وفيها قيّد أبو أحمد لؤلؤًا القادم عليه بالأمان من عند ابن طولون، واستصفى ماله، لثمان بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وذُكر أنَّ الذي أخذ من ماله كان أربعمئة ألف دينار (٣). وذكروا عن لؤلؤ أنه قال: ما عرفتُ لنفسي ذنبًا استوجبت به ما فُعِل بي إلّا كثرة مالي. وفيها كانت بين محمّد بن أبي الساج وإسحاق بن كُنْداج وقعة أخرى لأربع عشرة ليلة خلتْ من ذي الحجة؛ وكانت الدَّبَرة فيها على ابن كُنْداج.

стр. 6042

وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد بن إسحاق بن عيسى بن موسى بن عليّ بن عبد الله بن عباس (١). * * * ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك شخوص أبي أحمد إلى كَرْمان لحرب عمرو بن الليث لاثنتي عشرة بقيَت من شهر ربيع الأول (٢). وفيها غزا يازَمان، فبلغ المسكنين، فأسر وغنم، وسلم والمسلمون، وذلك في شهر رمضان منها (٣). وفيها دخل صِدِّيق الفرغانيّ دور سامرّا فاغار على أموال التجار، وأكثر العيْث في الناس، وكان صدِّيق هذا يخفر أوّلًا الطريق، ثم تحوّل لصًا خاربًا يقطع الطريق (٤). وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد الهاشميّ (٥). * * * ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من توجيه الطائيّ جيشًا إلى سامُرّا بسبب ما أحدث صِدّيق بها

стр. 6043

وإطلاقه أخاه من السجن؛ وكان أسيرًا عنده، وذلك في المحرّم من هذه السنة: ثم خرج الطائيّ إلى سامرّا، وأرسل صِدّيقًا ووعده ومنَّاه وأمّنه، فعزم على الدخول إليه في الأمان، فحذّره ذلك غلامٌ له يقال له: هاشم، وكان - فيما ذكر - شجاعًا، فلم يقبل منه، ودخل سامرّا مع أصحابه، وصار إلى الطائيّ، فأخذه الطائيّ، ومَنْ دخل معه منهم، فقطع يد صدّيق ورجله ويد هاشم ورجله وأيدي جماعة من أصحابه وأرجلهم وحبسهم، ثم حملهم في محامل إلى مدينة السَّلام، وقد أبرِزَتْ أيديهم وأرجلهم المقطعة ليراها الناس، ثم حبُسِوا. وفيها غزا يازمان في البحر، فأخذ للروم أربعة مراكب (١). وفيها تَصَعْلك فارس العبديّ، فعاث بناحية سامُرّا، وصار إلى كوخها، فانتهب دور آل حَسَنج، فشخص الطائيّ إليه، فلحقه بالحديثة، فاقتتلا، فهزمه الطائيّ وأخذ سواده، وصار الطائيّ إلى دِجْلة، فدخل طيّارة ليعجرها، فأدركه أصحاب العبديّ فتعلقوا بكوثل الطيّارة، فرمى الطائيّ بنفسه في دِجْلة، فعبرها سباحة، فلما خرج منها نفض لحيته من الماء، وقال: أيشٍ ظنُّ العبديّ؟ أليس أنا أسبح من سمكة! ثم نزل الطائيّ الجانب الشرقيّ والعبديّ بإزائه في الجانب الغربيّ، وفي انصراف الطائيّ قال عليّ بن محمد بن منصور بن نصر بن بَسام: قد أَقبلَ الطائيّ، لا أَقبلا ... قَبَّحَ في الأَفعال ما أجمَلا كأَنَّه من لِينِ أَلفاظِه ... صبيّةٌ تَمْضَغُ جَهْدَ البَلا وفيها أمر أبو أحمد بتقييد الطائيّ وحبسه، ففُعل ذلك لأربعَ عشرةَ خلت من شهر رمضان، وختم على كلّ شيء له، وكان يلي الكوفة وسوادَها وطريق خُراسان وسامُرّا والشرطة ببغداد، وخراج بادوريَا وقطْرُبُّل ومسكِن وشيئًا من ضياع الخاصّة. وفيها حبس أبو أحمد ابنه أبا العباس، فشغب أصحابُه، وحملوا السلاح، وركب غلمانه، واضطربت بغداد لذلك، فركب أبو أحمد لذلك حتى بلغ باب الرُّصافة، وقال لأصحاب أبي العباس وغلمانه فيما ذكر: ما شأنكم؟ أتَروْنكم أشفقَ على ابني مني! هو ولدي، واحتجت إلى تقويمه، فانصرف الناس،

стр. 6044

ووضعوا السلاح، وذلك يوم الثلاثاء لست خلوْن من شوال من هذه السنة (١). وحجّ بالناس فيها هارون بن محمد الهاشميّ (٢). * * * ثم دخلت سنة ست وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ضمّ الشرطة بمدينة السلام إلى عمرو بن الليث، وكُتب فيها على الأعلام والمطارد والتِّرَسة - التي تكون في مجلس الجسر - اسمه، وذلك في المحرَّم (٣). ولأربع عشرة خلتْ من شهر ربيع الأول من هذه السنة شخص أبو أحمد من ميدنة السلام إلى الجبل، وكان سبب شخوصه إليها - فيما ذكر - أنّ الماذرائيّ كاتب اذكوتكين، أخبره أنّ له هنالك مالًا عظيمًا، وأنه إن شخص صار ذلك إليه، فشخص إليه فلم يجد من المال الذي أخبره به شيئًا، فلما لم يجد ذلك شخص إلى الكرَج، ثم إلى أصبهان يريد أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف، فتنحّى له أحمد بن عبد العزيز عن البلد بجيشه وعياله، وترك داره بفرشها لينزلها أبو أحمد إذا قدم. وقدم محمد بن أبي الساج على أبي أحمد قبل شخوصه من مضربه بباب خُراسان هاربًا من ابن طولون، بعد وقعات كانت بينهما، ضعف في آخر ذلك ابن أبي الساج عن مقاومته، لقلة من معه وكثرة من مع ابت طولون من الرّجال، فلحق بأبي أحمد، فانضمّ إليه، فخلع أبو أحمد عليه، وأخرجه معه إلما الجبل. وفيها وَليَ عبيد الله بن عبد الله بن طاهر شرطة بغداد، من قِبَل عمرو بن الليث في شهر ربيع الآخر. وفيها ورد الخبر بانفراج تلّ بنهر الصِّلّة - ويعرف بتلّ بني شَقِيق - عن سبعة أقبر فيها سبعة أبدان صحيحة، عليها أكفان جدُد لينة، لها، أهداب، تفوح منها

стр. 6045

رائحة المسك، أحدهم شابّ له جُمّة، وجبهتُه وأذناه وخدّاه وأنفه وشفتاه وذقنه وأشفار عينيه صحيحة، وعلى شفتيه بلل، كأنه قد شرب ماء؛ وكأنه قد كُحِل، وبه ضربة في خاصرته، فرُدّت عليه أكفانه (١). وحدثني بعض أصحابنا أنه جذب من شعر بعضهم، فوجده قويّ الأصل نحو قوة شعر الحيّ، وذكر أن التلّ انفرج عن هذه القُبور عن شبه الحوْض من حجر في لون المسنّ، عليه كتاب لا يدرَى ما هو! وفيها أمِر بطرح المطارد والأعلام والترسة التي كانت في مجالس الشرطة التي عليها اسم عمرو بن الليث، وإسقاط ذكره، وذلك لإحدى عشرة خلت من شوال (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد بن إسحاق الهاشميّ، وكان واليًا على مكة والمدينة والطائف (٣). * * * ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك دعاء يازَمان بطرسوس لخمارويْه بن أحمد بن طولون؛ وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن خمارويه وجّه إليه بثلاثين ألف دينار وخمسمئة ثوب وخمسين ومئة دابة وخمسين ومئة ممْطر وسلاح، فلما وصل ذلك إليه دعا له، ثم وجّه إليه بخمسين ألف دينار (٤).

стр. 6046

وفي أول شهر ربيع الآخر كان بين وصيف خادم ابن أبي الساج والبرابرة أصحاب أبي الصقرْ شرّ؛ فاقتتلوا، فقتِل من غلمان الخادم أربعة غلمان ومن البرابرة سبعة؛ فكانت الحرب بينهم بباب الشأم إلى شارع باب الكوفة، فركب إليهم أبو الصقر، فكلمهم فتفرّقوا، ثم عادوا للشرّ بعد يومين، فركب إليهم أبو الصقر فسكّنهم. وفيها وليَ يوسف بن يعقوب المظالم، فأمر أن ينادَى: مَنْ كانت له مظلمة قِبَل الأمير الناصر لدين الله أو أحد من الناس فليحضر، وتقدم إلى صاحب الشُّرطة ألّا يطلق أحدًا من المحبّسين إلّا مَنْ رأى إطلاقَه يوسف، بعد أن يعرض عليه قصصُهم (١). وفي أول يوم من شعبان قدِم قائد من قوّاد بن طولون في جيش عظيم من الفرسان والرجّالة بغداد (٢). وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشمي (٣). * * * ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك الحرب التي كانت بين أصحاب وصيف الخادم والبربر وأصحاب موسى ابن أخت مُفْلح أربعة أيامٍ تباعًا، ثم اصطلحوا؛ وقد قُتل بينهم بضعة عشر رجلًا، وذلك في أول المحرّم، ثم وقع في الجانب الشرقيّ حرب بين النصريّين وأصحاب يونس، قُتل فيها رجل، ثم افترقوا. وفيها انحدر وصيفٌ خادم ابن أبي الساج إلى واسط بأمر أبي الصقر لتكون عدّة له - فيما ذكر - وذلك أنه اصطنعه وأصحابه، وأجازه بجوائز كبيرة، وأدرَّ على أصحابه أرزاقهم، وكان قد بلغه قدوم أبي أحمد، فخافه على نفسه لما كان

стр. 6047

من إتلافه ما كان في بيوت أموال أبي أحمد؛ حتى لم يبقَ فيها شيء بالهبة التي كان يهب؛ والجوائز التي كان يُجيز، والخِلَع التي كان يخلع على القوّاد، وإنفاقه على القوّاد، فلما نَفد ما في بيت المال، طالب أرباب الضياع بخراج سنة مُبْهَمة عن أرضيهم، وحبس منهم بذلك جماعة؛ وكان الذي يتولى له القيام بذلك الزّغَل، فعسف على الناس في ذلك، وقدم أبو أحمد قبل أن يستوظف أداء ذلك منهم، فشُغِل عن مطالبة الناس بما كان يطالبهم به، وكان انحدار وصيف في يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من المحرم. ولليلتين بقِيتا من المحرّم منها، طلع كوكب ذو جُمّة، ثم صارت الجمّة ذُؤابة (١). * * * [ذكر الخبر عن مرض أبي أحمد الموفّق ثم موته] وفيها انصرف أبو أحمد من الجبل إلى العراق، وقد اشتدّ به وجع النّقْرس حتى لم يقدر على الركوب، فاتُّخذ له سرير عليه قبّة، فكان يقعد عليه، ومعه خادم يبرّد رجله بالأشياء الباردة، حتى بلغ من أمره أنه كان يضع عليها الثلج، ثم صارت علّة رجله داءَ الفيل، وكان يحمل سريره أربعون حمّالًا يتناوب عليه عشرون عشرون، وربما اشتدّ به أحيانًا، فيأمرهم أن يضعوه، فذُكر أنه قال يومًا للذين يحملونه: قد ضجرتم بحملي، بودّي أني أكون كواحد منكم أحملُ على رأسي وأكلّ وأنّي في عافية، وأنه قال في مرضه هذا: أطبق دفتري على مئة ألف مرتزق، ما أصبح فيهم أسوأ حالًا مني (٢). وفي يوم الإثنين لثلاث بقين من المحرّم منها وافى أبو أحمد النَّهروان، فتلقّاه أكثر الناس، فركب الماء، فسار في النهروان، ثم في نهر دَيَالَى، ثم في دِجْلة إلى الزعفرانيّة، وصار ليلة الجمعة إلى الفِرْك، ودخل داره يوم الجمعة لليلتين خلتا من صفر.

стр. 6048

ولما كان في يوم الخميس لثمان خلون من صفَر، شاع موتُه بعد انصراف أبي الصقر من داره، وقد كان تقدّم في حفظ أبي العباس، فغلِّقت عليه أبواب دون أبواب، وأخذ أبو الصقر ابنَ الفيّاض معه إلى داره، وكان يبقى بناحيته، وأقام أبو الصقر في داره يومه ذلك، وازداد الإرجاف بموت أبي أحمد، وكانت اعترتْه غَشْية، فوجّه أبو الصقر يوم الجمعة إلى المدائن، فحمل منها المعتمد وولده، فجيء بهم إلى داره، وأقام أبو الصقر في داره ولم يَصِرْ إلى دار أبي أحمد، فلما رأى غلمان أبي أحمد المائلون إلى أبي العباس والرؤساء من غلمان أبي العباس الذين كانوا حضورًا ما قد نزل بأبي أحمد، كسروا أقفال الأبواب المغلَقة على أبي العباس. فذُكر عن الغلام الذي كان مع أبي العباس في الحُجْرة أنه قال لما سمع أبو العباس صوت الأقفال تكْسَر قال: ليس يريد هؤلاء إلّا نفسي. وأخذ سيفًا كان عنده، فاستلّه، وقعد مستوفزًا والسيف في حجره، وقال: لي: تنحَّ أنت، والله لا وصلوا إليّ وفيَّ شيء من الروح، قال: فلما فُتِح الباب كان أول من دَخَل عليه وصيف مُوْشْكير - وهو غلام أبي العباس - فلما رآه رمى السيف من يده، وعلم أنهم لم يقصدوا إلا الخير، فأخرجوه حتى أقعدوه عند أبيه، وهو بعقب غشيته، فلما فتح أبو أحمد عينيه، وأفاف رآه، فأدناه وقرَّول، ووافى المعتمد - ذلك اليوم الذي وجّه إليه في حمله، وهو يوم الجمعة نصفَ النهار قبل صلاة الجمعة - مدينة السلام، لتسع خلَوْن من صفر، ومعه ابنه جعفر المفوّض إلى الله وليُّ العهد وعبد العزيز ومحمد وإسحاق بنوه، فنزل على أبي الصقر، ثم بلغ أبا الصقر: أنّ أبا أحمد لم يمت، فوجّه إسماعيل بن إسحاف يتعرَّف له الخبر، وذلك يوم السبت. وجمع أبو الصقر القوّاد والجند، وشحن داره وما حوْلها بالرّجال والسلاح، ومِنْ داره إلى الجسر كذلك، وقطع الجسرين، ووقف قوم على الجسر في الجانب الشرقيّ يحاربون أصحاب أبي الصقر، فقتِل بينهم قتلى، وكانت بينهم جراحات. وكان أبو طلحة أخو شَرْكَب مع أصحابه مقيمين بباب البستان، فرجع إسماعيل، فأعلم أبا الصقر أن أبا أحمد حيّ، فكان أوّل مَنْ مضى إليه من القوّاد محمد بن أبي الساج، عبر من نهر عيسى، ثم جعل الناس يتسلّلون؛ منهم من

стр. 6049

يعبر إلى باب أبي أحمد، ومنهم مَنْ يرجع إلى منزله، ومنهم من يخرج من بغداد؛ فلما رأى أبو الصقر ذلك، وصحّت عنده حياة أبي أحمد، انحدر هو وابناه إلى دار أبي أحمد؛ فما ذاكره أبو أحمد شيئًا مما جَرَى، ولا ساءله عنه، وأقام في دار أبي أحمد. فلما رأى المعتمد: أنه قد بقيَ في الدار وحدَه، نزل هو وبنوه وبكتمر، فركبوا زورقًا، ثم لقيهم طيّار أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دُلف، فحملهم في طيّاره، ومضى بهم إلى داره، وهي دار عليّ بن جهشيار برأس الجسر، فقال له المعتمد: أريد أن أمضيَ إلى أخي فاحدره ومَنْ معه من بيته إلى دار أبي أحمد، وانتُهبَتْ دار أبي الصقر وكل ما حوته حتى خرج حُرَمُه حفاةً بغير إزارَ، وانتُهبت دار محمد بن سليمان كاتبه، ودار ابن الواثقيّ انتُهبت وأحرقت، وانتُهبَت دور أسبابه، وكسِرت أبواب السجون، ونُقِبت الحمطان، وخرج كلّ من كان فيها، وخرج كلّ من كان في المطبَق، وانتُهب مجلسا الجسر، وأخِذ كلّ ما كان فيهما، وانتُهبت المنازل التي تقرب من دار أبي الصقر، وخلع أبو أحمد على ابنه أبي العباس وعلى أبي الصقر، فركبا جميعًا، والخلع عليهما من سوق الثلاثاء إلى باب الطَّاق، ومضى أبو الصقر مع أبي العباس إلى داره؛ دار صاعد، ثم انحدر أبو الصقر في الماء إلى منزله وهو منتَهب، فأتوه من دار الشاه بحصير فقعد عليه، فولّى أبو العباس غلامَه بدار الشرطة، واستخلف محمد بن غانم بن الشاه على الجانب الشرقيّ، وعيسى النوشريّ على الجانب الغربيّ؛ وذلك لأربع عشرة خلت من صفر منها. وفيها في يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من صفر، كانت وفاة أبي أحمد الموفّق ودفن ليلة الخميس في الرُّصافة عند قبر والدته، وجلس أبو العباس يوم الخميس للناس للتعزية. [ذكر خبر البيعة للمعتضد بولاية العهد] (١) وفيها بايع القوّاد والغلمان لأبي العباس بولاية العهد بعد المفوّض، ولقّب

стр. 6050

بالمعتضد بالله، في يوم الخميس، وأخرج للجند العطاء، وخُطِب يوم الجمعة للمعتمد، ثم للمفوّض، ثم لأبي العباس المعتضد؛ وذلك لسبع ليال بقين من صفر. * * * وفيها في يوم الإثنين لأربع بقين من صفر قُبض على أبي الصقر وأسبابه وانتهبت منازلهم، وطُلِب بنو الفرات - وكان إليهم ديوان السواد - فاختفوْا، وخلِع على عبيد الله بن سليمان بن وهب يوم الثلاثاء لثلاث بقين من صفر منها، ووُلِّيَ الوزارة. وفيها بعث محمد بن أبي الساج إلى واسط ليردّ غلامه وصيفًا إلى مدينة السلام، فمضى وصيفٌ إلى الأهواز، وأبى الانصرافَ إلى بغداد، وأنهب الطّيب، وعاث بالسوس. وفيها ظُفر بأبي أحمد بن محمد بن الفرات؛ فحُبس وطولب بأموال، وظُفر معه بالزّغل، فحبِس، وظُفر معه بمال. وفيها ورَدت الأخبار بقتل عليّ بن الليث أخي الصفار، قتله رافع بن هرثمة، كان لحق به، وترك أخاه. ووردت الأخبار فيها عن مصر: أن النيل غار ماؤه وغلت الأسعار عندهم (١). * * * ذكر ابتداء أمر القرامطة (٢) وفيها وردت الأخبار بحرَكة قوم يُعرفون بالقَرامطة بسواد الكُوفة؛ فكان ابتداء أمرهم قدومُ رجل من ناحية خُوزِستان إلى سَوَاد الكوفة ومُقامه بموضع منه يقال له النهرين، يُظهر الزّهد والتقشف، ويَسُفُّ الخُوصَ، ويأكل من كسبه، ويُكثر الصلاة، فأقام على ذلك مدّة، فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمرَ الدين، وزهَّده

стр. 6051

في الدنيا، وأعلمه أنّ الصلاة المفترضة على الناس خمسون صلاة في كلّ يوم وليلة؛ حتى فشا ذلك عنه بموضعه، ثم أعلمهم أنه يدعو إلى إمام من أهل بيت الرسول، فلم يزل على ذلك يقعُد إليه الجماعة فيخبرهم من ذلك بما تعلّق قلوبهم، وكان يقعد إلى بقّال في القرية؛ وكان بالقرب من البَقال نخلٌ اشتراه قوم من التجار، واتخذوا حظيرةً جمعوا فيها ما صرَمُوا من حمل النخل، وجاؤوا إلى البقال فسألوه أن يطلب لهم رجلًا يحفظ عليهم ما صرموا من النخل، فأومى لهم إلى هذا الرجل، وقال: إن أجابكم إلى حفظ ثمرتكم، فإنه بحيث تحبّون، فناظروه على ذلك، فأجابهم إلى حفظه بدراهم معلومة؛ فكان يحفظ لهم، ويصلّي أكثر نَهاره ويصوم، ويأخذ عند إفطارِه من البقال رطل تمر، فيُفطر عليه، ويجمع نوى ذلك التمر. فلما حمل التجار ما لهم من التمر، صاروا إلى البقّال، فحاسبوا أجيرهم هذا على أجرته، فدفعوها إليه، فحاسب الأجير البقال على ما أخذ منه من التمر، وحطّ من ذلك ثمن النوى الذي كان دفعه إلى البقّال؛ فسمع التجار ما جرى بينه وبين البقال في حقّ النوى، فوثبوا عليه فضربوه، وقالوا: ألم ترضَ أن أكلت تمرَنا حتى بعت النوى! فقال لهم البقال: لا تفعلوا، فإنه لم يمسّ تمركم؛ وقصّ عليهم قصته، فندموا على ضربهم إياه، وسألوه أن يجعلَهم في حِلّ ففعل، وازداد بذلك نُبْلًا عند أهل القرية لما وقفوا عليه من زُهده. ثم مرض فمكث مطروحًا على الطريق، وكان في القرية رجلٌ حمل على أثوار له أحمر العينين شديدة حمرتهما، وكان أهل القرية يسمّونه كرميته لحمرة عينيه، وهو بالنَّبطية أحمر العينين، فكلّم البقال كرميته هذا، في أن يحمل هذا العليل إلى منزله، ويُوصي أهلَه بالإشراف عليه والعناية به؛ ففعل وأقام عنده حتى برأ، ثم كان يأوي إلى منزله، ودعا أهلَ القرية إلى أمره، ووصف لهم مذهبَه، فأجابه أهلُ تلك الناحية، وكان يأخذ من الرّجل إذا دخلَ في دينه دينارًا؛ ويزعم أنه يأخذ ذلك للإمام؛ فمكث بذلك يدعُو أهلَ تلك القرى فيجيبونه، واتّخذ منهم اثني عشر نقيبًا، أمرهم أن يدعو الناس إلى دينهم، وقال لهم: أنتم كحواريِّي عيسى ابن مريم؛ فاشتغل أكرة تلك الناحية عن أعمالهم بما رَسم لهم من الخمسين الصلاة التي ذكر أنها مفترضة عليهم.

стр. 6052

وكان للهَيْصَم في تلك الناحية ضياع، فوقف على تقصير أكَرته في العمارة، فسأل عن ذلك، فأخبِر: أن إنسانًا طرأ عليهم، فأظهر لهم مذهبًا من الدين، وأعلمهم أنّ الذي افترضه الله عليهم خمسون صلاة في اليوم والليلة، فقد شغِلوا بها عن أعمالهم فوجّه في طلبه، فأخِذ وجيء به إليه، فسأله عن أمره، فأخبره بقصّته، فحلف أنه يقتله. فأمر به فحبِس في بيت، وأقفل عليه الباب، ووُضع المفتاح تحت وسادته، وتشاغل بالشرب، وسمع بعض مَنْ في داره من الجواري بقصّته، فرقّت له، فلما نام الهيصم أخذت المفتاح من تحت وسادته، وفتحت الباب وأخرجته، وأقفلت الباب، وردّت المفتاح إلى موضعه. فلمّا أصبح الهيصم دعا بالمفتاح ففتح الباب فلم يجده، وشاع بذلك الخبر، ففُتن به أهل تلك الناحية، وقالوا: رُفع ثم ظهر في موضع آخر، ولقي جماعة من أصحابه وغيرهم فسألوه عن قصّته، فقال: ليس يمكن أحدًا أن يبدأني بسوء، ولا يقدر على ذلك مني، فعظم في أعينهم، ثم خاف على نفسه، فخرج إلى ناحية الشأم، فلم يُعْرَفِ له خبر، وسمِّيَ باسم الرّجل الذي كان في منزله صاحب الأثوار كرميته، ثم خُفِّف فقالوا: قرمط. ذكر هذه القصة بعض أصحابنا عمّن حدثه، أنه حضر محمد بن داود بن الجرّاح، وقد دعا بقوم من القرامطة من الحبس، فسألهم عن زكرويه، وذلك بعدما قتله، وعن قرمط وقصّته، وأنهم أومواله إلى شيخ منهم، وقالوا له: هذا سلف زكرويه، وهو أخبر الناس بقصّته، فسَلْه عما تريد، فسأله فأخبره بهذه القصة. وذكر عن محمد بن داود أنه قال: قرمط رجل من سواد الكوفة، كان يحمل غلات السواد على أثوار له، يسمَّى حمدان ويلقب بقرمط، ثم فشا أمرُ القرامطة ومذهبهُم، وكثروا بسواد الكوفة، ووقف الطائيّ أحمد بن محمد على أمرهم، فوظّف على كلّ رجل منهم في كلّ سنة دينارًا، وكان يجبي من ذلك مالًا جليلًا، فقدم قوم من الكوفة فرفعوا إلى السلطان أمرَ القرامطة، وأنهم قد أحدثوا دينًا غير الإسلام، وأنهم يروْن السيف على أمَّةِ محمد إلا مَنْ بايعهم على دينهم، وأن الطائيّ يخفى أمرهم على السلطان، فلم يلتفت إليهم، ولم يسمع منهم، فانصرفوا، وأقام رجل منهم مدة طويلة بمدينة السلام، يرفع ويزعم أنه لا يمكنه

стр. 6053

الرجوع إلى بلده خوفًا من الطائيّ، وكان فيما حكوا عن هؤلاء القرامطة من مذهبهم أن جاؤوا بكتاب فيه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ يقول الفرج بن عثمان، وهو من قرية يقال لها: نَصْرانة، داعية إلى المسيح، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهديّ، وهو أحمد بن محمد بن الحنفيّة، وهو جبريل، وذكر أنّ المسيح تصّور له في جسم إنسان، وقال له: إنك الدّاعية، هانك الحجة، وإنك الناقة، وإنك الدّابة، وإنك روح القدس، وإنك يحيى بن زكرياء، وعرّفه أن الصلاة أربع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس، وركعتان قبل غروبها؛ وأنّ الأذان في كلّ صلاة أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله؛ مرتين أشهد أنّ آدم رسول الله، أشهد أن نوحًا رسول الله، أشهد أنّ إبراهيم رسول الله، أشهد أنّ موسى رسول الله، وأشهد أن عيسى رسول الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأشهد أن أحمد بن محمد بن الحنفيّة رسول الله؛ وأن يقرأ في كلّ ركعة الاستفتاح؛ وهي من المنزّل على أحمد بن محمد بن الحنفية. والقبلة إلى بيت المقدس، والحجّ إلى بيت المقدس، ويوم الجمعة يوم الإثنين لا لعمل فيه شيء، والسورة: الحمد لله بكلمته، وتعالى باسمه، المتّخذ لأوليائه بأوليائه، قل: إن الأهلة مواقيت للناس؛ ظاهرها ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام، وباطنُها أوليائي الذين عرّفوا عبادي سبيلي، اتقونِ يا أولي الألباب؛ وأنا الذي لا أسْأل عمّا أفعل، وأنا العليم الحكيم، وأنا الذي أبلُوا عبادي، وامتحن خَلْقِي؛ فمن صبر على بلائي ومحنتي واختباري ألقيتُه في جنتي، وأخلدته في نعمتي، ومَنْ زال عن أمري، وكذّب رسلي، أخلدته مهانًا في عذابي، وأتممتُ أجلي، وأظهرتُ أمري؛ على ألسنة رُسُلِي؛ وأنا الذي لم يعلُ عليّ جبار إلا وضعتُه، ولا عزيزٌ إلا أذللتُه، وليس الذي أصرّ على أمره وداوم على جهالته، وقالوا: لن نبرح عليه عاكفين، وبه مؤمنين: أولئك هم الكافرون. ثم يركع ويقول في ركوعه: سبحان ربي ربّ العزة وتعالى عما يصف

стр. 6054

الظالمون! يقولها مرتين، فإذا سجد قال: الله أعلَى، الله أعظم، الله أعظم. ومن شرائعه أنّ الصوم يومان في السنة، وهما المِهرجان والنوْروز؛ وأن النبيذ حرام والخمر حلال؛ ولا غُسْلَ من جنابة إلا الوضوء كوضوء الصلاة، وأنّ مَنْ حاربه وجب قتلُه، ومن لم يحاربه ممن خالفه أخِذَت منه الجزية ولا يُؤكل كلّ ذي ناب، ولا كلّ ذي مخْلب. وكان مصير قَرْمط إلى سَواد الكوفة قبل قتل صاحب الزَّنْج؛ وذلك أن بعض أصحابنا ذكر عن سلف زكرويه: أنه قال: قال لي قَرْمط: صرتُ إلى صاحب الزَّنْج، ووصلت إليه، وقلت له: إني على مذهب، وورائي مئة ألف سيف؛ فناظرْني، فإن اتفقنا على المذهب ملتُ بمَنْ معي إليك، وإن تكن الأخرى انصرفتُ عنك، وقلت له: تعطيني الأمان؟ ففعل. قال: فناظرته إلى الظهر، فتبيّن لي في آخر مناظرتي إياه أنه على خلاف أمري، وقام إلى الصلاة، فانسللت، فمضيت خارجًا من مدينته، وصرت إلى سواد الكوفة (١). * * * [ذكر خبر غزو الروم ووفاة يازمان في هذه الغزوة] (٢) ولخمس بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة، دخل أحمد العُجيفيّ مدينة طَرَشوس، وغزا مع يازمان غَزاة الصّائفة، فبلغ سَلَنْدو. وفي هذه الغزاة مات يازمان، وكان سببُ موته أن شظيّةً من حجر مِنْجنيق أصاب أضلاعه وهو مقيم على حصن سَلَنْدُو؛ فارتحل العسكر؛ وقد كانوا أشرفوا على فتحه، فتُوفِّيَ في الطريق من غدِه يوم الجمعهّ، لأربع عشرة ليلة خلتْ من رجب، وحُمِل إلى طَرَسُوس على أكتاف الرجال فدُفن هناك. وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشميّ. * * *

стр. 6055

ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من أمر السلطان بالنداء بمدينة السلام: ألّا يَقعُد على الطريق ولا في مسجد الجامع قاصّ ولا صاحب نجوم ولا زاجر؛ وحُلِّف الورّاقون ألا يبيعوا كتبَ الكلام والجدَل والفلسفَة (١). وفيها خُلع جعفر المفوّض من العهد لثمان بقين من المحرّم (٢). وفي ذلك اليوم بويع للمعتضد بأنه وليّ العهد من بعد المعتمد، وأنشِئت الكتب بخلع جعفر وتولية المعتضِد، ونفِّذتْ إلى البلدان، وخُطب يوم الجمعة للمعتضد بولاية العهد، وأنشئت عن المعتضد كتب إلى العمال والولاة؛ بأنّ أمير المؤمنين قد ولّاه العهد، وجعل إليه ما كان الموفّق يليه من الأمر والنهي والولاية والعزل (٣). وفيها قُبض على جرادة كاتب أبي الصَّقْر لخمس خلوْن من شهر ربيع الأول، وكان الموفّق وجّهه إلى رافع بن هرثمة، فقدِم مدينة السلام قبل أن يُقبَض عليه بأيام. وفيها انصرف أبو طلحة منصور بن مسلم من شهرزور لست بقين من جُمادى الأولى - وكانت ضُمّت إليه - فقُبِض عليه وعلى كاتبه عَقامة، وأودِعَا السْجن؛ وذلك لأربع بقين من جمادى الأولى. * * * [ذكر خبر الفتنة بطرسوس] وفيها كانت الملحمة بطرَسُوس بين محمد بن موسى ومكنون غلام راغب مولى الموفّق؛ في يوم السبت لتسع بقِينَ من جُمادى الأولى؛ وكان سبب ذلك

стр. 6056

- فيما ذكر - أن طُغْج بن جُفّ لقي راغبًا بحلب، فأعلمه أن خَمارويه بن أحمد يحبّ لقاءه، ووعده عنه بما يحبّ، فخرج راغب من حلَب ماضيًا إلى مصر في خمسة غلمان له، وأنفذ خادمَه مكنونًا مع الجيش الذي كان معه وأمواله وسلاحه إلى طَرَسوس، فكتب طُغْج إلى محمد بن موسى الأعرج يُعلمه أنه قد أنفذ راغبًا، وأن كلّ ما معه من مال وسلاح وغلمان مع غلامه مكنون، وقد صار إلى طَرَسُوس وأنه ينبغي له أن يقبض عليه ساعةَ يدخل وعلى ما معه، فلما دخل مكنون طَرَسُوس وثب به الأعرج، فقبض عليه ووكّل بما معه، فوثب أفل طرسوس على الأعرج، فحالوا بينه وبين مكنون، وقبضوا على الأعرج فحبسوه في يد مكنون، وعلموا أنّ الحيلة قد وقعت براغب؛ فكتبوا إلى خمارويه بن أحمد يعلمونه بما فعل الأعرج، وأنهم قد وكَّلوا به، وقالوا: أطلق راغبًا لينفذ إلينا حتى نطلق الأعرج، فأطلق خمارويه راغبًا، وأنفذه إلى طَرَسُوس، وأنفذ معه أحمد بن طُغان واليًا على الثغور، وعزل عنهم الأعرج، فلمّا وصل راغب إلى طَرَسوس أطلِق محمد بن موسى الأعرج، ودخل طَرَسوس أحمد بن طُغان واليًا عليها وعلى الثغور ومعه راغب، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شعبان. * * * [خبر وفاة المعتمد] وفيها توفِّيَ المعتمد ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب، وكان شرب على الشطّ في الحسنيّ يوم الأحد شرابًا كثيرًا، وتعشّى فأكثر، فمات ليلًا، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وستة أيام - فيما ذُكر (١). * * *

стр. 6057

خلافة المعتضد وفي صَبيحة هذه الليلة بُويع لأبي العباس المعتضد بالله بالخلافة، فولَّى غلامه بدرًا الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة ومحمد بن الشاد بن ميكال الحرس، وحجبة الخاصة والعامة صالحًا المعروف بالأمين، فاستخلف صالح خفِيفًا السمرقنديّ (١). ولليلتين خَلَتا من شعبان فيها قدِم على المعتضد رسولُ عمرو بن الليث الصفّار بهدايا، وسأل ولاية خُراسان، فوجّه المعتضد عيسى النُّوشِريَّ مع الرسول، ومعه خلع ولواء عقده له على خراسان، فوصلوا إليه في شهر رمضان من هذه السنة، وخُلع عليه، ونُصب اللواء في صحن داره ثلاثة أيام (٢). * * * وفيها ورد الخبر بموت نصر بن أحمد، وقام بما كان إليه من العمل وراء نهر بلْخ أخوه إسماعيل بن أحمد (٣). وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص من مصر رسولًا لخمارويه بن أحمد بن طولون، ومعه هدايا من العين؛ عشرون حملًا على بغال وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما طراز وعشرون رجلًا على عشرين نجيبًا، بسروج محلّاة بحلية فضّة كثيرة، ومعهم حراب فضّة، وعليهم أقبِيةُ الدّيباج والمناطق المحلّاة وسبع عشرة دابة بسروج ولجم، منها خمسة بذهب والباقي

стр. 6058

بفضة، وسبع وثلاثون دابّة بجلال مشهّرة، وخمسة أبغل بسروج ولجم وزرّافة يوم الإثنين لثلاث خلوْن من شوّال، فوصل إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى سبعة نفر معه، وسَفر ابن الجصاص في تزويج ابنة خمارويه من عليّ بن المعتضد، فقال المعتضد: أنا أتزوّجها، فتزوّجها (١). وفيها ورد الخبر بأخذ أحمد بن عيسى بن الشيخ قَلْعة ماردين من محمد بن إسحاق بن كُنْداج (٢). وفيها مات إبراهيم بن محمد بن المدبّر، وكان يلي ديوان الضياع، فَوُلِّيَ مكانه محمد بن عبد الحميد، وكان موته يوم الأربعاء لثلاث أو أربع عشرة بقيت من شوال. وفيها عُقِد لراشد مولى الموفّق على الدينور، وخُلع عليه يوم السبت لسبع بَقِين من شوّال، ثم خرج راشد إلى عمله يوم الخميس لعشر خلوْن من ذي القعدة. وفي يوم النحر منها ركب المعتضِد إلى المصلّى الذي اتخذه بالقرب من الحَسَنيّ، وركب معه القوّاد والجيش، فصلّى يالناس، فذُكر عنه أنه كبّر في الركعة الأولى ستّ تكبيرات، وفي الركعة الثانية تكبيرة واحدة، ثم صعِد المنبر، فلم تُسمَعْ خطبته، وعُطّل المصلى العتيق فلم يصلّ فيه. وفيها كُتِب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف بمحاربة رافع بن هرثمة ورافع بالرّيّ، فزحف إليه أحمد، فالتقوْا يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة، فانهزم رافع بن هوثمة، وخرج عن الرّيّ، ودخلها ابن عبد العزيز. وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشميّ، وهي آخر حجة حجّها، وحجّ بالناس ست عشرة سنة، من سنة أربع وستين إلى هذه السنة (٣). * * *

стр. 6059

ثم دخلت سنة ثمانين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من أخذ المعتضد عبدَ الله بن المهتدى ومحمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيْلَمة - وكان شَيْلمة هذا مع صاحب الزَّنْج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفّق في الأمان فآمنه - وكان سبب أخذه إياهما أنّ بعض المستأمِنة سعى به إلى المعتضد، وأعلمه أنه يدعو إلى رجل لم يوقَف على اسمه، وأنه قد استفسد جماعةً من الجند وغيرهم، وأخِذ معه رجل صيدنانيّ وابن أخ له من المدينة، فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشيء، وسأله عن الرجل الذي يدعُو إليه، فلم يقرّ بشيء، وقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، ولو عملتني كرْدَناك لما أخبرتك به؛ فأمر بنار فأوقِدَتْ، ثم شُدّ على خشبة من خشب الخيم، وأديِر على النار حتى تقطَّع جلده، ثم ضُربت عنقه، وصُلب عند الجسر الأسفل في الجانب الغربّي (١). وحُبس ابن المهتدى إلى أن وقِف على براءته، فأطلق، وكان صَلْبه لسبع خلوْن من المحرّم. فذُكر أن المعتضد قال لشيْلمة: قد بلغني أنك تدعو إلى ابن المهتدى، فقال: المأثور عني غير هذا، وأني أتولَّى آل ابن أبي طالب - وقد كان قرّر ابنَ أخيه فأقرّ - فقال له: قد أقرّ ابنُ أخيك، فقال له: هذا غلام حدث تكلم بهذا خوفًا من القتل، ولا يُقبل قوله، ثم أطلق ابن أخيه والصّيدنانيّ بعد مدة طويلة. * * * [ذكر خبر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهم] (٢) ولليلة خلت من صفر يوم الأحد شخص المعتضد من بغداد يريد بني شيبان، فنزل بستان بشر بن هارون، ثم سار يوم الأربعاء منه، واستخلف على داره

стр. 6060

وبغداد صالحًا الأمين حاجبه، فقصد الموضع الذي كانت شيبان تتخذه معقلًا من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصدُه إياهم، ضمُّوا إليهم أموالهم وعيالاتهم. ثم ورد كتاب المعتضد أنَّه أسرَى إلى الأعراب من السنّ، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الزابَيْن، وأخذ النساء والذراريّ، وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله، وأخذه من غنمهم وإبلهم ما كثر في أيدي الناس حتى بيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وأمر بالنساء والذرايّ أن يحْفَظُوا حتى يُحْدَروا إلى بغداد ثم مضى المعتضد إلى الموصِل، ثم إلى بلَد، ثم رجع إلى بغداد، فلقيه بنو شيبان يسألونه الصفح عنهم، وبذلوا له الرهائن، فأخذ منهم خمسمئة رجل - فيما قيل، ورجع المعتضد يريد مدينة السلام، فوافاه أحمد بن أبي الأصبغ بما فارق عليه أحمد بن عيسى بن الشيخ من المال الذي أخذه من مال إسحاق بن كُنْداج، وبهدايا ودوابّ وبغال في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول. * * * وفي شهر ربيع الأول ورد الخبر بأن محمد بن أبي الساج افتتح المرَاغة بعد حصار شديد وحرب غليظة كانت بينهم، وأنه أخذ عبد الله بن الحسين بعد أن آمنه وأصحابه، فقيّده وحبسه، وقرّره بجميع أمواله، ثم قتله بعدُ. وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبرُ بوفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف، وكانت وفاته في آخر شهر ربيع الأول، فطلب الجند أرزاقَهم، وانتهبوا منزل إسماعيل بن محمد المنشئ، وتنازع الرئاسة عمر وبكر ابنا عبد العزيز، ثم قام بالأمر عمر، ولم يكتب إليه المعتضد بالولاية. وفيها افتتح محمد بن ثور عثمان، وبعث برؤوس جماعة من أهلها، وذكر أنّ جعفر بن المعتمد تُوفِّيَ في يوم الأحد لاثنتي عشرة خلتْ من شهر ربيع الآخر منها؛ وأنه كان مُقامه في دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر، وقد كان المعتضد نادمه مرارًا. وفيها انصرف المعتضد إلى بغداد من خرجته إلى الأعراب. وفيها في جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول عمرو بن الليث نَيْسابور، في جمادى الأولى منها.
следующие страницы →