← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

- فيما ذكر - أن طُغْج بن جُفّ لقي راغبًا بحلب، فأعلمه أن خَمارويه بن أحمد يحبّ لقاءه، ووعده عنه بما يحبّ، فخرج راغب من حلَب ماضيًا إلى مصر في خمسة غلمان له، وأنفذ خادمَه مكنونًا مع الجيش الذي كان معه وأمواله وسلاحه إلى طَرَسوس، فكتب طُغْج إلى محمد بن موسى الأعرج يُعلمه أنه قد أنفذ راغبًا، وأن كلّ ما معه من مال وسلاح وغلمان مع غلامه مكنون، وقد صار إلى طَرَسُوس وأنه ينبغي له أن يقبض عليه ساعةَ يدخل وعلى ما معه، فلما دخل مكنون طَرَسُوس وثب به الأعرج، فقبض عليه ووكّل بما معه، فوثب أفل طرسوس على الأعرج، فحالوا بينه وبين مكنون، وقبضوا على الأعرج فحبسوه في يد مكنون، وعلموا أنّ الحيلة قد وقعت براغب؛ فكتبوا إلى خمارويه بن أحمد يعلمونه بما فعل الأعرج، وأنهم قد وكَّلوا به، وقالوا: أطلق راغبًا لينفذ إلينا حتى نطلق الأعرج، فأطلق خمارويه راغبًا، وأنفذه إلى طَرَسُوس، وأنفذ معه أحمد بن طُغان واليًا على الثغور، وعزل عنهم الأعرج، فلمّا وصل راغب إلى طَرَسوس أطلِق محمد بن موسى الأعرج، ودخل طَرَسوس أحمد بن طُغان واليًا عليها وعلى الثغور ومعه راغب، يوم الثلاثاء لثلاث عشرة خلت من شعبان. * * * [خبر وفاة المعتمد] وفيها توفِّيَ المعتمد ليلة الإثنين لإحدى عشرة ليلة بقيت من رجب، وكان شرب على الشطّ في الحسنيّ يوم الأحد شرابًا كثيرًا، وتعشّى فأكثر، فمات ليلًا، فكانت خلافته ثلاثًا وعشرين سنة وستة أيام - فيما ذُكر (١). * * *

стр. 6057

خلافة المعتضد وفي صَبيحة هذه الليلة بُويع لأبي العباس المعتضد بالله بالخلافة، فولَّى غلامه بدرًا الشرطة وعبيد الله بن سليمان بن وهب الوزارة ومحمد بن الشاد بن ميكال الحرس، وحجبة الخاصة والعامة صالحًا المعروف بالأمين، فاستخلف صالح خفِيفًا السمرقنديّ (١). ولليلتين خَلَتا من شعبان فيها قدِم على المعتضد رسولُ عمرو بن الليث الصفّار بهدايا، وسأل ولاية خُراسان، فوجّه المعتضد عيسى النُّوشِريَّ مع الرسول، ومعه خلع ولواء عقده له على خراسان، فوصلوا إليه في شهر رمضان من هذه السنة، وخُلع عليه، ونُصب اللواء في صحن داره ثلاثة أيام (٢). * * * وفيها ورد الخبر بموت نصر بن أحمد، وقام بما كان إليه من العمل وراء نهر بلْخ أخوه إسماعيل بن أحمد (٣). وفيها قدم الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص من مصر رسولًا لخمارويه بن أحمد بن طولون، ومعه هدايا من العين؛ عشرون حملًا على بغال وعشرة من الخدم وصندوقان فيهما طراز وعشرون رجلًا على عشرين نجيبًا، بسروج محلّاة بحلية فضّة كثيرة، ومعهم حراب فضّة، وعليهم أقبِيةُ الدّيباج والمناطق المحلّاة وسبع عشرة دابة بسروج ولجم، منها خمسة بذهب والباقي

стр. 6058

بفضة، وسبع وثلاثون دابّة بجلال مشهّرة، وخمسة أبغل بسروج ولجم وزرّافة يوم الإثنين لثلاث خلوْن من شوّال، فوصل إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى سبعة نفر معه، وسَفر ابن الجصاص في تزويج ابنة خمارويه من عليّ بن المعتضد، فقال المعتضد: أنا أتزوّجها، فتزوّجها (١). وفيها ورد الخبر بأخذ أحمد بن عيسى بن الشيخ قَلْعة ماردين من محمد بن إسحاق بن كُنْداج (٢). وفيها مات إبراهيم بن محمد بن المدبّر، وكان يلي ديوان الضياع، فَوُلِّيَ مكانه محمد بن عبد الحميد، وكان موته يوم الأربعاء لثلاث أو أربع عشرة بقيت من شوال. وفيها عُقِد لراشد مولى الموفّق على الدينور، وخُلع عليه يوم السبت لسبع بَقِين من شوّال، ثم خرج راشد إلى عمله يوم الخميس لعشر خلوْن من ذي القعدة. وفي يوم النحر منها ركب المعتضِد إلى المصلّى الذي اتخذه بالقرب من الحَسَنيّ، وركب معه القوّاد والجيش، فصلّى يالناس، فذُكر عنه أنه كبّر في الركعة الأولى ستّ تكبيرات، وفي الركعة الثانية تكبيرة واحدة، ثم صعِد المنبر، فلم تُسمَعْ خطبته، وعُطّل المصلى العتيق فلم يصلّ فيه. وفيها كُتِب إلى أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف بمحاربة رافع بن هرثمة ورافع بالرّيّ، فزحف إليه أحمد، فالتقوْا يوم الخميس لسبع بقين من ذي القعدة، فانهزم رافع بن هوثمة، وخرج عن الرّيّ، ودخلها ابن عبد العزيز. وحجّ بالناس في هذه السنة هارون بن محمد الهاشميّ، وهي آخر حجة حجّها، وحجّ بالناس ست عشرة سنة، من سنة أربع وستين إلى هذه السنة (٣). * * *

стр. 6059

ثم دخلت سنة ثمانين ومئتين ذكر الخبر عن الأحداث التي كانت فيها فمن ذلك ما كان من أخذ المعتضد عبدَ الله بن المهتدى ومحمد بن الحسن بن سهل المعروف بشيْلَمة - وكان شَيْلمة هذا مع صاحب الزَّنْج إلى آخر أيامه، ثم لحق بالموفّق في الأمان فآمنه - وكان سبب أخذه إياهما أنّ بعض المستأمِنة سعى به إلى المعتضد، وأعلمه أنه يدعو إلى رجل لم يوقَف على اسمه، وأنه قد استفسد جماعةً من الجند وغيرهم، وأخِذ معه رجل صيدنانيّ وابن أخ له من المدينة، فقرّره المعتضد فلم يقرّ بشيء، وسأله عن الرجل الذي يدعُو إليه، فلم يقرّ بشيء، وقال: لو كان تحت قدمي ما رفعتهما عنه، ولو عملتني كرْدَناك لما أخبرتك به؛ فأمر بنار فأوقِدَتْ، ثم شُدّ على خشبة من خشب الخيم، وأديِر على النار حتى تقطَّع جلده، ثم ضُربت عنقه، وصُلب عند الجسر الأسفل في الجانب الغربّي (١). وحُبس ابن المهتدى إلى أن وقِف على براءته، فأطلق، وكان صَلْبه لسبع خلوْن من المحرّم. فذُكر أن المعتضد قال لشيْلمة: قد بلغني أنك تدعو إلى ابن المهتدى، فقال: المأثور عني غير هذا، وأني أتولَّى آل ابن أبي طالب - وقد كان قرّر ابنَ أخيه فأقرّ - فقال له: قد أقرّ ابنُ أخيك، فقال له: هذا غلام حدث تكلم بهذا خوفًا من القتل، ولا يُقبل قوله، ثم أطلق ابن أخيه والصّيدنانيّ بعد مدة طويلة. * * * [ذكر خبر قصد المعتضد بني شيبان وصلحه معهم] (٢) ولليلة خلت من صفر يوم الأحد شخص المعتضد من بغداد يريد بني شيبان، فنزل بستان بشر بن هارون، ثم سار يوم الأربعاء منه، واستخلف على داره

стр. 6060

وبغداد صالحًا الأمين حاجبه، فقصد الموضع الذي كانت شيبان تتخذه معقلًا من أرض الجزيرة، فلما بلغهم قصدُه إياهم، ضمُّوا إليهم أموالهم وعيالاتهم. ثم ورد كتاب المعتضد أنَّه أسرَى إلى الأعراب من السنّ، فأوقع بهم، فقتل منهم مقتلة عظيمة، وغرق منهم خلق كثير في الزابَيْن، وأخذ النساء والذراريّ، وغنم أهل العسكر من أموالهم ما أعجزهم حمله، وأخذه من غنمهم وإبلهم ما كثر في أيدي الناس حتى بيعت الشاة بدرهم والجمل بخمسة دراهم، وأمر بالنساء والذرايّ أن يحْفَظُوا حتى يُحْدَروا إلى بغداد ثم مضى المعتضد إلى الموصِل، ثم إلى بلَد، ثم رجع إلى بغداد، فلقيه بنو شيبان يسألونه الصفح عنهم، وبذلوا له الرهائن، فأخذ منهم خمسمئة رجل - فيما قيل، ورجع المعتضد يريد مدينة السلام، فوافاه أحمد بن أبي الأصبغ بما فارق عليه أحمد بن عيسى بن الشيخ من المال الذي أخذه من مال إسحاق بن كُنْداج، وبهدايا ودوابّ وبغال في يوم الأربعاء لسبع خلون من شهر ربيع الأول. * * * وفي شهر ربيع الأول ورد الخبر بأن محمد بن أبي الساج افتتح المرَاغة بعد حصار شديد وحرب غليظة كانت بينهم، وأنه أخذ عبد الله بن الحسين بعد أن آمنه وأصحابه، فقيّده وحبسه، وقرّره بجميع أمواله، ثم قتله بعدُ. وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبرُ بوفاة أحمد بن عبد العزيز بن أبي دُلف، وكانت وفاته في آخر شهر ربيع الأول، فطلب الجند أرزاقَهم، وانتهبوا منزل إسماعيل بن محمد المنشئ، وتنازع الرئاسة عمر وبكر ابنا عبد العزيز، ثم قام بالأمر عمر، ولم يكتب إليه المعتضد بالولاية. وفيها افتتح محمد بن ثور عثمان، وبعث برؤوس جماعة من أهلها، وذكر أنّ جعفر بن المعتمد تُوفِّيَ في يوم الأحد لاثنتي عشرة خلتْ من شهر ربيع الآخر منها؛ وأنه كان مُقامه في دار المعتضد لا يخرج ولا يظهر، وقد كان المعتضد نادمه مرارًا. وفيها انصرف المعتضد إلى بغداد من خرجته إلى الأعراب. وفيها في جمادى الآخرة ورد الخبر بدخول عمرو بن الليث نَيْسابور، في جمادى الأولى منها.

стр. 6061

وفيه وجّه يوسف بن أبي الساج اثنين وثلاثين نفسًا من الخوارج، من طريق الموصل، فضُربت أعناق خمسة وعشرين رجلًا منهم، وصلِبوا وحبِس سبعة منهم في الحبس الجديد (١). وفيها دخل أحمد بن أبَّا طَرَسُوس لغزاة الصائفة، لخمس خلوْن من رجب من قِبَل خمارويه، ودخل بعده بمدر الحمّامِيُّ، فغَزوا جميعًا مع العُجَيفيّ أمير طَرَسُوس حتى بلغوا البلقسور. وفيها ورد الخبر بغزو إسماعيل بن أحمد بلاد الترك وافتتاحه - فيما ذكر - مدينة ملكهم، وأسره إياه وامرأته خاتون ونحوًا من عشرة آلاف، وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وغنم من الدوابّ دوابّ كثيرة لا يوقف على عددها، وأنه أصاب الفارس من المسلمين من الغنيمة في المقسم ألف درهم (٢). ولليلتين بقيتا من شهر رمضان منها، توُفِّيَ راشد مولى الموفّق بالدينور، وحُمِل في تابوت إلى بغداد. ولثلاث عشرة خلت من شوال منها مات مسرور البخليّ (٣). وفيها - فيما ذكر - في ذي الحجة ورد كتاب من دُبِيل بانكساف القمر في شوال لأربع عشرة خلت منها، ثم تجلَّى في آخر الليل، فأصبحوا صبيحة تلك الليلة والدنيا مظلِمة، ودامت الظلمة عليهم؛ فلما كان عند العصر هبّت ريح سوداء شديدة، فدامت إلى ثلث الليل، فلما كان ثلت الليل زُلِزلوا، فأصبحوا وقد ذهبت المدينة فلم ينج من منازلها إلا اليسير قدر مئة دار، وأنهم دفنوا إلى حين كُتب الكتاب ثلاثين ألف نفس يخرجون من تحت الهدم، ويدفنون، وأنهم زُلزلوا بعد الهدم خمس مرات (٤). وذكر عن بعضهم أن جملة من أخرِج من تحت الهدم خمسون ومئة ألف ميّت.

стр. 6062

وحجّ بالناس في هذه السنة أبو بكر محمد بن هارون المعروف بابن ترنجة (١). * * * ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من موافاة ترْك بن العباس عامل السلطان على ديار مُضر مدينةَ السلام لتسع خَلَوْن من المحرّم بنيّف وأربعين نفسًا من أصحاب أبي الأغرّ صاحب سُمَيْساط على جمال، عليهم برانس ودراريع حرير. فمضى بهم إلى دار المعتضد، ثم رُدّوا إلى الحبس الجديد فحبسوا به، وخُلع على تُرْك، وانصرف إلى منزله. وفيها ورد الخبر بوقعة كانت لوصيف خادم ابن أبي الساج بعمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف وهزيمته إياه، ثم صار وَصيف إلى مولاه محمد بن أبي الساج في شهر ربيع الآخر منها. وفيها دخل طُغْج بن جُفّ طَرَسوس لغزاة الصائفة من قِبَل خمارويه يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة - فيما قيل - وغزا فبلغ طرايون، وفتح ملُورِيَة. ولخمس ليال بقين من جمادى [الآخرة] مات أحمد بن محمد الطائيّ بالكوفة، ودفن بها في موضع يقال له: مسجد السهلة. وفيها غارت المياه بالرّيّ وطبَرِستان (٢). ولليلتين خلتا من رجب منها شخص المعتضد إلى الجبل، فقصد ناحية الدينور، وقلّد أبا محمد على بن المعتضد الرّيّ وقَزوين وزَنْجان وأبْهر وقُمّ وهَمَذَان والدينور، وقلّد كتبته أحمد بن أبي الأصبغ، ونفقات عسكره والضّياع

стр. 6063

بالرّيّ الحسين بن عمرو الضرانيّ، وقفد عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف أصبهان ونَهاوَند والكَرَج، وتعجّل للانصراف من أجل غلاء السعر وقلة الميرة، فوافىَ بغداد يوم الأربعاء لثلاث خلوْن من شهر رمضان (١). وفيها استأمن الحسن بن عليّ كوره عامل رافع على الريّ إلى عليّ بن المعتضد في زُهاء ألف رجل، فوجّهه إلى أبيه المعتضد. وفيها دخل الأعراب سامُرّا فأسَرُوا ابن سيما أنف في ذي القعدة منها وانتهبوا. * * * [ذكر خبر الوقعة بين الأكراد والأعراب] (٢) ولست ليال بقين من ذي القعدة خرج المعتضد الخرجة الثانية إلى الموْصِل عامدًا لحمدان بن حمدون؛ وذلك أنه بلغه أنه مايل هارون الشاري الوزاقيّ، ودعا له فورد كتاب المعتضد من كَرْخَ جُدّان على نَجاح الحُرَميّ الخادم بالوقْعة بينه وبين الأعراب والأكراد؛ وكانت يوم الجمعة سَلْخ ذي القعدة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ كتابي هذا وقت العتَمة ليلة الجمعة، وقد نصر الله - وله الحمد - على الأكراد والأعراب، وأظفرَنا بعالم منهم وبعيالاتهم؛ ولقد رأيتنا ونحن نسوق البقر والغنم كما كنا نسوقها عامًا أولًا، ولم تزل الأسنّة والسيوف تأخذهم، وحال بيننا وبينهم الليل، وأوقِدت النيران على رؤوس الجبال، ومن غد يومنا، فيقع الاستقصاء، وعسكري يتبعني إلى الكَرْخ، وكان وقاعُنا بهم وقتلُنا إياهم خمسين ميلًا، فلم يبق منهم مخبر والحمد لله كثيرًا، فقد وجب الشكر لله علينا والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد نبيه وآله وسلم كثيرًا. وكانت الأعراب والأكراد لمّا بلغهم خروجُ المعتضد، تحالفوا أنهم يُقْتَلون على دم واحد، واجتمعوا وعبَّوْا عسكرهم ثلاثة كراديس؛ كردوسًا دون

стр. 6064

كردوس، وجعلوا عيالاتهم وأولادهم في آخر كُردوس، وتقدّم المعتضد عسكره في خيل جربدة، فأوقع بهم، وقتل منهم، وغرق في الزّاب منهم خلق كثير، ثم خرج إلى الموْصِل عامدًا لقلعة ماردِين، وكانت في يد حمدان ابن حمدون، فلمّا بلغه مجيء المعتضد هرب وخلَّف ابنه بها، فنزل عسكر المعتضِد على القَلْعة، فحاربهم مَنْ كان فيها يومَهم ذلك؛ فلمّا كان من الغد ركب المعتضد، فصعد القلعة حتى وصل إلى الباب، ثم صاح: يا بن حمدون! فأجابه: لبيك! فقال له: افتح الباب، ويلك! ففتحه، فقعد المعتضد في الباب، وأمر مَنْ دخل فنقل ما في القلعة من المال والأثاث، ثم أمر بهدمها فهُدمَتْ، ثم وجّه خلْف حمدان بن حمدون، فطُلب أشدّ الطلب، وأخِذَت أموالٌ كانت له مودعة، وجيء بالمال إلى المعتضد، ثم ظُفر به، ثم مضى المعتضد إلى مدينة يقال لها: الحسنيّة، وفيها رجل يقال له: شدّاد في جيش كثيف، ذكر أنهم عشرة آلاف رجل، وكان له قلعة في المدينة فظفِر به المعتضد، فأخذه فهدم قلعته. وفيها ورد الخبر من طريق مكة أنه أصاب الناس في المصعد برد شديد ومطر جَوْد وبرد أصيب فيه أكثر من خمسمئة إنسان. وفي شوال منها غزا المسلمون الروم، فكانت بينهم الحرب اثني عشر يومًا، فظفِر المسلمون وغنموا غنيمة كثيرة وانصرفوا (١). * * * ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومئتين ذكر الأحداث التي كانت فيها [ذكر أمر النيروز المعتضديّ] فمن ذلك ما كان من أمر المعتضد في المحرّم منها بإنشاء الكتب إلى جميع العمال في النواحي والأمصار بترك افتتاح الخراج في النيْروز الذي هو نيروز العجم، وتأخير ذلك إلى اليوم الحادي عشر من حزيران، وسمي ذلك النَّيروز المعتضدي، فأنشئت الكتب بذلك من الموْصِل والمعتضد بها، وورد كتابه

стр. 6065

بذلك على يوسف بن يعقوب يعلمه أنه أراد بذلك الترفيه على الناس، والرفْق بهم، وأمر أن يُقْرأ كتابه على الناس، ففعل (١). * * * وفيها قدم ابن الجصاص من مصر بابنة أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون التي تزوّجها المعتضد، ومعها أحد عمومتها، فكان دخوُلهم بغداد يوم الأحد لليلتين خَلَتا من المحرّم، وأدخِلت للحرم ليلة الأحد، ونزلت في دار صاعد بن مخلَد؛ وكان المعتضد غائبًا بالموصل (٢). وفيها مُنِع الناس من عمل ما كانوا يعملون في نَيْروز العجم من صبّ الماء ورفع النيران وغير ذلك (٣). * * * [ذكر أمر المعتضد مع حمدان بن حمدون] وفيها كتب المعتضد من الموْصِل إلى إسحاق بن أيوب وحمدان بن حمدون بالمصير إليه؛ فأما إسحاق بن أيوب فسارعَ إلى ذلك، وأما حمدان بن حمدون فتحصّن في قلاعه، وغيّب أمواله وحُرَمه، فوجّه إليه المعتضد الجيوش مع وصيف مُوشْكير ونصر القُشورِيّ وغيرهما؛ فصادفوا الحسن بن عليّ كوره وأصحابه مُنيخين على قَلْعة لحمدان، بموضع يعرف بدير الزعفران من أرض الموصِل، وفيها الحسين بن حمدان، فلما رأى الحسين أوائل العسكر مقبلين طلب الأمان فأومن، وصار الحسين إلى المعتضد، وسلّم القلعة، فأمر بهدمها، وأغذّ وصيف موشْكير السَّيْر في طلب حمدان، وكان قد صار بموضع يعرف بباسُورين بين دجلة ونهر عظيم، وكان الماء زائدًا، فعبَر أصحاب وصيف إليه ونذر بهم، فركب وأصحابه ودافعوا عن أنفسهم، حتى قتِل أكثرهم، فألقَى حمدان نفسه في زَورق كان معدًّا له في دجلة، ومعه كاتب له نصرانيٌّ يسمى

стр. 6066

زكرياء بن يحيى، وحمل معه مالًا، وعبر إلى الجانب الغربي من دِجْلة من أرض ديار ربيعة، وقدَّر اللحاق بالأعراب لمّا حِيلَ بينه وبين أكراده الذين في الجائب الشرقيّ، وعبر في أثره نفرٌ يسير من الجند فاقتصّوا أثره، حتى أشرفوا على دير كان قد نزله؛ فلما بَصُر بهم من خرج من الدَّيْر هاربًا ومعه كاتبه، فألقيا أنفسهما في زَوْرق، وخلَّفا المال في الدَّيْر، فحُمل إلى المعتضد، وانحدر أصحاب السلطان في طلبه على الظهر وفي الماء، فلحقوه، فخرج عن الزَّوْرق حاسرًا إلى ضيعة له بشرقيّ دجلة، فركَب دابة لوكيله، وسار ليله أجمع إلى أن وافَى مضرب إسحاق بن أيوب في عسكر المعتضِد، مستجيرًا به، فأحضره إسحاق مضرب المعتضد، وأمر بالاحتفاظ به، وبثّ الخيل في طلب أسبابه، فظفِر بكاتبه وعدّة من قَراباته وغلمانه، وتتابع رؤساء الأكراد وغيرهم في الدّخول في الأمان؛ وذلك في آخر المحرّم من هذه السنة. * * * وفي شهر ربيع الأول منها قُبِض على بكتمر بن طاشتمر، وقُيِّد وحُبس، وقبِض ماله وضياعه ودوره. وفيها نُقلت ابنة خمارويه بن أحمد إلى المعتضد لأربع خَلَوْن من شهر ربيع الآخر، ونُودي في جانبي بغداد ألّا يعبر أحد في دِجْلة يوم الأحد، وغُلِّقت أبواب الدُّروب التي تلي الشطّ، ومُدّ على الشوارع النافذة إلى دِجْلة شراع، ووُكِّل بحافّتي دجْلة مَنْ يمنع أن يظهروا في دورهم على الشطّ. فلما صلِّيت العتمة وافت الشَّذَا من دار المعتضد، وفيها خدم معهم الشمع، فوقفوا بإزاء دار صاعد، وكانت أعِدّت أربع حرَّاقات شُدّت مع دار صاعد، فلما جاءت الشذا أحْدِرت الحرّاقات، وصارت الشَّذَا بين أيديهم؛ وأقامت الحُرّة يوم الإثنين في دار المعتضد، وجُليَتْ عليه يوم الثلاثاء لخمس خلون من شهر ربيع الأول (١). وفيها شخص المعتضد إلى الجبل، فبلغ الكرج، وأخذ أموالًا لابن أبي دُلف

стр. 6067

وكتب إلى عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف يطلب منه جوهرًا كان عنده، فوجّه به إليه، وتنحّى من بين يديه. وفيها أطلِق لؤلؤ غلام ابن طولون بعد خروج المعتضد، وحُمِل على دوابّ وبغال. وفيها وجِّهَ يوسف بن أبي الساج إلى الصَّيْمرة مددًا لفتح القلانسيّ، فهرب يوسف بن أبي الساج بمَنْ أطاعه إلى أخيه محمد بالمراغة، ولقي مالًا للسلطان في طريقه فأخذه، فقال في ذلك عبيد الله بن عبد الله بن طاِهر: إمامَ الهدى أنصارُكم آلُ طاهرٍ ... بلا سبب يُجفوْنَ والدهْرُ يَذهبُ وقد خَلطوا صَبرًا بشُكر ورابطوا ... وغيرُهُمُ يُعطَى ويُجبَى ويَهرُبُ وفيها وُجِّه المعتضد الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الريّ إلى أبي محمد ابنه. * * * وفيها وجّه محمد بن زيد العَلَويّ من طَبَرِستان إلى محمد بن ورد العطار باثنين وثلاثين ألف دينار، ليفرّقها على أهله ببغداد والكوفة؛ ومكة والمدينة، فسُعِي بِه، فأحضر دار بدر، وسُئل عن ذلك، فذكر أن يوجّه إليه في كلّ سنة بمثل هذا المال، فيفرّقه على مَنْ يأمره بالتّفرقة عليه من أهله، فأعلم بدر المعتضد ذلك، وأعلمه أن الرجل في يديه والمال، واستطلع رأيه وما يأمر به. فذكر عن أبي عبد الله الحسنيّ أنّ المعتضد قال لبدر: يا بدر، أما تذكر الرؤيا التي خبرّتك بها؟ فقال: لا يا أمير المؤمنين، فقال: ألا تذكر أنّي حدّثتك أنّ الناصر دعاني، فقال لي: اعلم أنّ هذا الأمر سيصير إليك، فانظر كيف تكون مع آل عليّ بن أبي طالب! ثم قال: رأيتُ في النوم كأني خارج من بغداد أريد ناحية النهروان في جيشي، وقد تشوّف الناس إليّ، إذ مررتُ برجل واقف على تلّ يصلي، لا يلتفت إليّ، فعجبت منه ومن قلة اكتراثه بعسكري، مع تشوّف الناس إلى العسكر، فأقبلتُ إليه حتى وقفت بين يديه، فلما فرغ من صَلاته قال لي: أقبل، فأقبلتُ إليه، فقال: أتعرفني؟ قلت: لا، قال: أنا عليّ بن أبي طالب؛ خذ هذه المِسْحاة، فاضرب بها الأرض - لمِسحاة بين يديه - فأخذتها فضربت بها ضربات، فقال لي: إنه سيلي من ولدك هذا الأمر بقدر ما ضربت بها، فأوصِهم

стр. 6068

بولدي خيرًا، قال بدر: فقلت: بلَى يا أمير المؤمنين، قد ذكرت، قال: فأطلِق المال، وأطلق الرجل وتقدّم إليه أن يكتب إلى صاحبه بطَبَرِستان أن يوجه ما يوجه به إليه ظاهرًا، وأن يفرّق محمد بن ورد ما يفرّقه ظاهرًا، وتقدّم بمعونة محمد على ما يريد من ذلك (١). وفي شعبان لإحدى عشرة بقيتْ منها، تُوُفِّيَ أبو طلحة منصور بن مسلم في حبس المعتضد. وفيها لثمانٍ خلوْن من شهر رمضان منها، وافَى عبيد الله بن سليمان الوزير بغداد قادمًا من الرّيّ، فخلع عليه المعتضد. ولثمان بقين من شهر رمضان منها، ولدت ناعم جارية أم القاسم بنت محمد بن عبد الله للمعتضد ابنًا سماه جعفرًا، فسمّى المعتضد هذه الجارية شغب. وفيها قدم إبراهيم بن أحمد الماذَرائيّ لاثنتي عشرة بقيت من ذي الحجة من دمشق على طريق البرّ، فوافَى بغداد في أحد عشرة يومًا، فأخبر المعتضد أن خمارويه بن أحمد ذبح على فراشه، ذبحه بعض خدمه من الخاصّة، وقيل: إن قتله كان لثلاث خلون من ذي الحجة، وقيل إن إبراهيم وافى بغداد من دمشق في سبعة أيام، وقُتِل من خدمه الذّين اتّهموا بقتله نيِّفٌ وعشرون خادمًا (٢). وكان المعتضد بعث مع ابن الجصّاص إلى خمارويه بهدايا، وأودعه إليه رسالة، فشخص ابن الجصاص لما وجِّه له، فلما بلغ سامرّا بلغ المعتضد مهلِك خمارويه، فكتب إليه يأمره بالرجوع إليه فرجع، ودخل بغداد لسبع بقين من ذي الحجة. * * *

стр. 6069

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث [خبر هارون الشاري والظفر به] (١) فمن ذلك ما كان من شخوص المعتضِد لثلاثَ عشرة بقيتْ من المحرّم منها - بسبب الشاري هارون - إلى ناحية الموصِل فظفر به، ووَرَد كتابُ المعتضد بظفرِه به إلى مدينة السلام يوم الثلاثاء لتسع خَلَوْن من شهر ربغ الأول، وكان سبب ظفره به أنه وجّه الحسين بن حمدان بن حمدون في جماعة من الفُرسان والرّجّالة من أهل بيته وغيرهم من أصحابه إليه؛ وذُكر أن الحسين بن حمدان قال للمعتضد: إن أنا جئت به إلى أمير المؤمنين فلي ثلاث حوائج إلى أمير المؤمنين، فقال: اذكرها، قال: أولها إطلاق أبِي، وحاجتان أسأله إياهما بعد مجيئي به إليه، فقال له المعتضد: لك ذلك فامض، فقال الحسين: أحتاج إلى ثلاثمئة فارس أنتخبهم فوجّه المعتضد معه ثلاثمئة فارس مع موشْكير، فقال: أريد أن يأمره أمير المؤمنين ألّا يخالفَني فيما آمره به، فأمر المعتضد موشْكير بذلك. فمضى الحسين حتى انتهى إلى مخاضة دجْلة، فتقدّم إلى وصيف ومَنْ معه بالوقوف على المخاضة، وقال له: ليس لهارون طريق إن هرب غيرُ هذا، فلا تبرحنّ من هذا الموضع حتى يمرّ بك هارون؛ فتمنَعه العبور، وأجيئك أنا، أو يبلغك: أني قد قُتِلت، ومضى حسين في طلب هارون فلقيَه وواقعه، وكانت بينهما قتلى، وانهزم الشاري هَارون، وأقام وصيفٌ على المخاضة ثلاثة أيام، فقال له أصحابه: قد طال مقامُنا بهذا المكان القَفْر، وقد أضرّ ذلك بنا، ولسنا نأمن أن يأخذ حسين الشاري فيكونَ الفتح له دوننا؛ والصواب أن نمضي في آثارهم، فأطاعهم ومضى، وجاء هارون الشاري منهزمًا إلى موضع المخاضة، فعبَر وجاء حسين في أثره، فلم ير وصيفًا وأصحابه بالموضع الذي تركهم فيه، ولا عرف لهارون خبرًا، ولا رأى له أثرًا، وجعل يسأل عن خبر هارون حتى وقف على عبوره، فعبَر في أثره، وجاء إلى حيٍّ من أحياء العرب، فسألهم عنه

стр. 6070

فكتموه أمرَه، فأراد أن يُوقع بهم، وأعلمهم أنّ المعتضد في أثره؛ فأعلموه: أنه اجتاز بهم، فأخذ بعض دوابهم، وترك دوابه عندهم - وكانت قد كلَّت وأعيت - واتّبع أثره، فلحقه بعد أيام والشاري في نحو من مئة، فناشده الشاري، وتوعّده، فأبى إلّا محاربته فحاربه؛ فذُكر أن حسين بن حمدان رمى بنفسه عليه، فابتدره أصحاب حسين فأخذوه، وجاء به إلى المعتضد سلمًا بغير عَقْد ولا عهْد، فأمر المعتضد بحلّ قيود حمدان بن حمدون، والتوسعة عليه والإِحسان إليه أن يقدم فيطلقه ويخلع عليه؛ فلما أسر الشاري وصار في يد المعتضد، انصرف راجعًا إلى مدينة السلام، فوافاها لثمان بقين من شهر ربيع الأول، فنزل بباب الشماسيّة، وعبّأ الجيش هنالك، وخلع المعتضد على الحسين بن حمدان، وطوّقه بطَوْق من ذهب، وخلع على جماعة من رؤساء أهله، وزيِّن الفيل بثياب الدِّيباج، واتُّخذ للشاريّ على الفيل كالمحفّة، وأقعِد فيها، وألبِس درّاعة ديباج، وجَعل على رأسه برنس حرير طويل. * * * ولعشر بقين من جمادى الأولى منها، أمر المعتضد بالكتاب إلى جميع النواحي بردّ الفاضل من سهام المواريث على ذوي الأرحام، وإبطال ديوان المواريث، وصرف عمّالها، فنفذت الكتب بذلك، وقرئت على المنابر (١). وفيها خرج عمرو بن الليث الصفار من نيسابور، فخالفه رافع بن هرثمة إليها، فدخلها وخطِب بها لمحمد بن زيد الطالبيّ وأبيه، فقال: اللهمّ أصلح الداعي إلى الحق، فرجع عمرو إلى نيسابور، فعسكر خارج المدينة، وخندق على عسكره لعشر خلوْن من شهر ربيع الآخر، فأقام محاصِرًا أهل نيسابور. وفي يوم الإثنين لأربع خَلوْن من جمادى الآخرة منها، وافى بغداد محمد بن إسحاق بن كنداجيق وخاقان المفلحيّ ومحمد بن كُمُشْجُور المعروف ببندُقة وبدر بن جُفّ أخو طغج وابن حَسَنج في جماعة من القواد من مصر في الأمان (٢).

стр. 6071

وذكر أن سبب مجيئهم إلى المعتضد في الأمان كان أنهم أرادوا أن يفتكوا بجيش بن خمارويه بن أحمد بن طولون، فسُعِي بهم إليه وكان راكبًا، وكانوا في موكبه، وعلِموا أنه قد وقف على أمرهم، فخرجوا من يومهم وسلكوا البريّة، وتركوا أموالهم وأهاليهم، فتاهوا أيامًا، ومات منهم جماعة من العطش، وخرجوا على طريق مكة فوق الكوفة بمرحلتين أو ثلاثة، ووجّه السلطان محمد بن سليمان صاحب الجيش إلى الكُوفة حتى كتب أسماءهم، وأقيمت لهم الوظائف من الكوفة فلما قربوا من بغداد، خرجت إليهم الوظائف والخيم والطعام، ووصلوا إلى المعتضِد يوم دخلوا فخُلع عليهم، وُحمل كلّ قائد منهم على دابّة بسرجه ولجامه، وخُلع على الباقين، وكان عددهم ستين رجلًا. وفي يوم السبت لأربع عشرة بقيت منها شخص الوزير عبيد الله بن سليمان إلى الجَبَل لحرب ابن أبي دُلف بأصبهان. * * * [خبر حصر الصقالبة القسطنطينية] وفيها - فيما ذكر - ورد كتابٌ من طَرَسُوس: أن الصَّقالبة غزت الروم في خلق كثير، فقتلوا منهم وخرّبوا لهم قرىً كثيرة حتى وصلوا إلى قسطنطينية وألجؤوا الرّوم إليها، وأغلقت أبواب مدينتهم، ثم وجّه طاغية الروم إلى ملك الصّقالبة أن ديننا ودينكم واحد؛ فعلام نقتل الرجال بيننا! فأجابه ملك الصقالبة: أن هذا ملك آبائي، ولست منصرفًا عنك إلّا بغلبة أحدنا صاحبه؛ فلما لمْ يجد ملك الرّوم خلاصًا من صاحب الصَّقَالبة، جَمَع من عنده من المسلمين، فأعطاهم السلاح، وسألهم معونتَه على الصّقالبة، ففعلوا، وكشفوا الصقالبة، فلما رأى ذلك ملك الروم خافَهم على نفسه، فبعث إليهم فردّهم، وأخذ منهم السلاح، وفرّقهم في البلدان، حذرًا من أن يجنوا عليه. * * * [خلاف جند جيْش بن خمارويه عليه] وللنصف من رجب من هذه السنة ورد الخبر من مصر: أن الجند من المغاربة والبربر وثبوا على جيش بن خمارويه، وقالوا: لا نرضى بك أميرًا علينا فتنحّ عنا

стр. 6072

حتى نولِّيَ عمَّك، فكلمهم كاتبه عليّ بن أحمد الماذَرائيّ، وسألهم أن ينصرفوا عنه يومهم ذلك، فانصرفوا وعادوا من غد، فعدا جيش على عمه الذي ذكروا أنهم يؤمّرونه، فضرب عنقه وعنق عمَّ له آخر، ورمى بأرؤسهما إليهم، فهجم الجند على جيش بن خمارويه، فقتلوه وقتلوا أمه وانتهبوا دارَه، وانتهبوا مصر وأحرقوها، وأقعدوا هارون بن خمارويه مكان أخيه. وفي رجب منها أمر المعتضد بكَرْي دُجَيل والاستقصاء عليه، وقلع صخر في فُوّهته كان يمنع الماء فجُبِيَ لذلك من أرباب الضّياع والإقطاعات أربعة آلاف دينار، وكسر - فيما ذكر - وأنفِق عليه، ووليَ ذلك كاتب زيرك وخادم من خدم المعتضد. * * * [ذكر الفداء بين المسلمين والروم] (١) وفي شعبان منها، كان الفداء بين المسلمين والرّوم على يدي أحمد بن طُغان، وذُكر: أن الكتاب الوارد بذلك من طَرَسوس كان فيه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أعلمك: أن أحمد بن طغان نادى في الناس يحضرون الفداء يوم الخميس لأربع خلون من شعبان سنة ثلاث وثمانين ومئتين، وأنه قد خرج إلى لامس - وهو معسكر المسلمين - يوم الجمعة، لخمس خلوْن من شعبان، وأمر الناس بالخروج معه في هذا اليوم، فصلّى الجمعة، وركب من مسجد الجامع ومعه راغب ومواليه، وخرج معه وجُوه البلد والموالي والقُوّاد والمطوّعة بأحسن زيّ، فلم يزل الناس خارجين إلى لامس إلى يوم الإثنين لثمان خلَوْن من شعبان، فجرى الفداء بين الفريقين اثني عشر يومًا؛ وكانت جملة من فُوِديَ به من المسلمين من الرجال والنساء والصبيان ألفين وخمسمئة وأربعة أنفس، وأطلق المسلمون يوم الثلاثاء لسبع بقين من شعبان سميون رسول ملك الروم، وأطلق

стр. 6073

الرّوم فيه يحيى بن عبد الباقي رسول المسلمين المتوجّه في الفداء، وانصرف الأمير ومَنْ معه. وخرج - فيما ذكر - أحمد بن طُغان بعد انصرافه من هذا الفداء في هذا الشهر في البحر، أو خلف دميانة على عمله على طَرَسوس، ثم وجّه بعده يوسف بن الباغمرديّ على طَرَسُوس، ولم يرجع هو إليها. * * * [ذكر أمر المعتضد مع عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف وأخيه بكر] وفي يوم الجمعة لعشر خَلَوْن من شهر رمضان من هذه السنهْ قُرئ كتاب على المنبر بمدينة السلام في مسجد جامعها، بأن عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف صار إلى بدر، وعبيد الله بن سليمان في الأمان يوم السبت لثلاث بقين من شعبان سامعًا مطيعًا منقادًا لأمير المؤمنين، مذعنًا بالطاعة والمصير معهما إلى بابه، وأنّ عبيد الله بن سليمان خرج إليه فتلقاه، وصار به إلى مضرب بدر، فأخذ عليه وعلى أهل بيته وأصحابه البَيْعة لأمير المؤمنين، وخلع عليه بدر وعلى الرؤساء من أهل بيته، وانصرفوا إلى مضرِبٍ قد أعِدّ لهم، وكان قبل ذلك قد دخل بكر بن عبد العزيز في الأمان على بدْر وعبيد الله بن سليمان، فولَّيَاه عمل أخيه عمر، على أن يخرج إليه ويحاربه، فلما دخل عمر في الأمان قالا لبكر: إن أخاك قد دخل في طاعة السلطان؛ وإنما كنا ولَّيناك عمله على أنه عاصٍ، والآن فأمير المؤمنين أَعلَى عَيْنًا فيما يرى من أمركما، فامضيا إلى بابه (١). ووليَ عيسى النوشريّ أصبهان، وأظهر أنه من قِبَل عمر بن عبد العزيز، فهرب بكر بن عبد العزيز في أصحابه، فكُتب بذلك إلى المعتضد، فكتب إلى بدْر يأمره بالمقام بموضعه إلى أن يعرف خبر بكر وما إليه يصير أمره، فأقام وخرج الوزير عبيد الله بن سليمان إلى أبي محمد عليّ بن المعتضد بالرَّيّ، ولحق بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف بالأهواز، فوجّه المعتضد في طلبه وصيفًا موشكير، فخرج من بغداد في طلبه حتى بلغ حدود فارس، وقد كان لحقه - فيما

стр. 6074

ذكر - ولم يواقعه، وباتا؛ كلّ واحد منهما قريب من صاحبه، فارتحل بكر بالليل فلم يتبعه وصيف، ومضى بكْر إلى أصبهان، ورجع وصيف إلى بغداد فكتب المعتضد إلى بدر يأمره يطلب بكْر وعرَبِه، فتقدّم بدر إلى عيسى النُّوشريّ بذلك، فقال بكر بن عبد العزيز: عنِّي مَلَامُك ليس حين مَلَامِ ... هيهاتَ أُحْدِثُ زائدًا لِلُوَامِ طارَتْ غَيَاياتُ الصِّبا عن مَفْرقي ... ومضى أوانُ شَراسَتي وعُرَامي أَلقى الأَحِبَّةُ بالعراقِ عِصِيَّهْمُ ... وبَقِيتُ نَصْب حوادثِ الأيَّامِ وتقَاذَفتْ بأَخي النوى ورمتْ به ... مَرْمَى البعيدِ قطِيعةُ الأَرحام وتَشَعَّبَ العربُ الذين تصدَّعوا ... فذَبَبْتُ عن أَحسابِهمْ بحُسامي فيه تَماسُك ما وَهَى من أَمرِهمْ ... والسُّمْر عند تصادُمِ الأَقوامِ فلأقرَعَنَّ صفاةَ دهرٍ نابهُمْ ... قرْعًا يَهُدّ رواسِيَ الأَعلامِ ولأضربنَّ الهامَ دونَ حريمِهمْ ... ضَرْبَ القُدَارِ نَقيعةَ القدّام ولأتركُنَّ الواردينَ حياضَهمْ ... بقَرارة لمواطِئِ الأقدامِ يا بدرُ إِنَّكَ لو شهِدتَ مواقفِي ... والمَوتُ يَلحظ والصِّفاحُ دوامي لَذَمَمْتَ رأْيكَ في إضاعةِ حُرمَتي ... ولضاقَ ذرْعُك في اطِّراحِ ذمامي حرَّكتني بعدَ السكونِ وإنما ... حرّكتَ مِنْ حِصْنِي جبالَ تَهَامِ وعَجمْتني فعجمْتَ مني مِرجَمًا ... خَشِنَ المناكب كلَّ يومِ زحامِ قلْ للأَميرِ أَبي محمد الذي ... يَجْلو بِغُرَّتِهِ دُجى الإِظلامِ أسكنتَني ظِلَّ العلَا فسكنتُهُ ... في عِيشةٍ رَغدٍ وعِزٍّ نامِي حتى إذا حُلِّئت عنه نابَنِي ... ما نابني وتنكَّرَتْ أَيامِي فلأشكرنَّ جَميلَ ما أوليتَنى ... ما غَرَّدَتْ في الأَيكِ وُرْقُ حمامِ هذا أَبو حفص يَدِي وذخِيرتي ... للنائباتِ وعُدَّتي وسَنَامي نادَيتُهُ فأجابني، وهَزَزْتهُ ... فهززتُ حَدَّ الصارمِ الصَّمصَامِ من رامَ أن يُغضِي الجفونَ على القَذَى ... أو يَستكِينَ يَرُومُ غير مرام ويَخيمُ حين يَرَى الأَسِنَة شرَّعًا ... والبِيضَ مُصْلَتَةٌ لضرْبِ الهام وقال بكر بن عبد العزيز يذكر هرب النّوشريّ من بين يديه ويعيِّر وصيفًا بالإحجام عنه ويتهدّد بَدْرًا:

стр. 6075

قالَتِ البِيض قد تغيّرَ بكرُ ... وبَدَا بعد وصلِه منه هجْرُ ليس كالسيفِ مونِسٌ حين يَعُرو ... حادثٌ مُعضِلٌ ويَفدَحُ أَمْرُ أوقَدوا الحربَ بيننا فاصْطَلَوْها ... ثم حاصُوا، فأَينَ منها المفَرُّ! وبغَوْا شَرَّنا فهذا أوانٌ ... قد بدا شَرُّهُ ويتلوه شَرُّ قد رأى النوشريُّ لمّا التقَينا ... مَن إِذَا أُشْرعَ الرّماحُ يفِرُّ جاء في قَسطَلٍ لُهَامٍ فصُلْنا ... صَولةً دُونها الكمُاة تَهِرُّ ولواءُ المُؤْشجِير أَفضَى إِلينا ... رُوِّيتْ عند ذاك بِيض وسُمرُ غَرَّ بدْرًا حِلمِي وفضلُ أناتِي ... واحتمالي وذاك مما يَغُرُّ سوف يَأتينَهْ شواذِبُ قُبٌّ ... لاحقات البطون جُونٌ وشقرُ يتبَارَين كالسَّعَالي عليها ... من بني وائل أُسودٌ تَكُرّ لست بكرًا إِنْ لم أَدعْهُمْ حديثًا ... ما سرَى كوكب وما كرَّ دَهْرُ وفي يوم الجمعة لسبع خَلَوْنَ من شوّال من هذه السنة مات عليّ بن محمد بن أبي الشوارب، فحُمل إلى سامُرّا من يومه في تابوت، وكانت ولايتُه للقضاء على مدينة أبي جعفر ستة أشهر (١). وفي يوم الإثنين لأربع بقين من شوّال منها دخل بغداد عمر بن عبد العزيز بن أبي دُلف قادمًا من أصبهان، فأمر المعتضد - فيما ذكر - القوّاد باستقباله، فاستقبله القاسم بن عبيد الله والقوّاد، وقعد له المعتضد، فوصل إليه، وخلع عليه، وحمله على دابّة بسرْج ولجام محلّىً بذهب، وخلع معه على ابنين له وعلى ابن أخيه أحمد بن عبد العزيز وعلى نفسين من قوّاده، وأنزِل في الدار التي كانتْ لعبيد الله بن عبد الله عند رأس الجسر؛ وكانت قد فُرشت له. وفي هذه السنة قرئ على القوّاد في دار المعتضد كتابٌ ورد من عمرو بن الليث الصفار؛ بأنه واقَعَ رافع بن هرثمة وهزمه، وأنه مرّ هاربًا وأنه عزم على أن يتبعه. وكانت الوقعة لخمس بقين من شهر رمضان وقرئ الكتاب يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة خَلَتْ من ذي القعدة.

стр. 6076

وفي يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة، وردت خريطة - فيما ذكر - من عمرو بن الليث على المعتضد، وهو في الحلبة، فانصرف إلى دار العامة، وقرئ الكتاب على القوّاد من عمرو بن الليث يُخبر فيه أنه وجّه في أثر رافع بعد الهزيمة محمد بن عمرو البلخيّ مع قائد آخر من قوّاده، وقد كان رافع صار إلى طوس فواقعوه، فانهزم واتبعوا أثرَه، فلحق بخُوارزم، فقتِل بخُوارزم، فأرسل بخاتمه مع الكتاب، وذكر أنه قد حمّل الرسول في أمر الرأس ما يُخبر به السلطان. وفي يوم الجمعة لثمان بقين من ذي القعدة منها قُرئت الكتب على المنابر بقتل رافع بن هرثمة. * * * ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة فمن ذلك ما كان من قدوم رسول عمرو بن الليث الصفار برأس رافع بن هرثمة في يوم الخميس لأربع خلوْن من المحرّم على المعتضد، فأمر بنصبه في المجلس بالجانب الشرقيّ إلى الظهر، ثم تحويله إلى الجانب الغربيّ، ونصبه هنالك إلى الليل، ثم ردّه إلى دار السلطان، وخُلع على الرسول وقت وصوله إلى المعتضد بالرأس (١). وفي يوم الخميس لسبع خلون من صفر كانت ملحمة بين راغب ودميانة بطرَسوس، وكان سبب ذلك - فيما ذكر - أن راغبًا مولى الموفّق ترك الدعاء لخمارويه بن أحمد، ودعا لبدر مولى المعتضد، فوقع بينه وبين أحمد بن طُغان الخلاف؛ فلما انصرف ابن طغان من الفداء الذي كان في سنة ثلاث وثمانين ومئتين ركب البحر ولم يدخل طَرَسوس، ومضى وخلّف دميانة للقيام بأمر طَرَسوس؛ فلما كان في صفر من هذه السنة، وجّه يوسف بن الباغمرديّ ليخلفه على طَرَسوس؛ فلما دخلها وقوِيَ به دميانة، كرهوا ما يفعله راغب من الدعاء

стр. 6077

لبدر، فوقعت بينهم الفتنة، وظفر بهم راغب، فحمل دميانة وابن الباغمرديّ وابن اليتيم مقيّدين إلى المعتضد. ولعشر بقين من صفر في يوم الإثنين من هذه السنة وردت خريطة من الجبل؛ بأن عيسى النُّوشريّ أوقع ببكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف في حدود أصبَهان، فقتل رجاله، واستباح عسكره، وأفلت في نفر يسير. وفي يوم الخميس لأربع عشرة خلت من شهر ربيع الأول منها، خُلع على أبي عمر، يوسف بن يعقوب، وقُلِّد قضاءَ مدينة أبي جعفر المنصور مكان علي بن محمد بن أبي الشوارب، وقضاء قطربُّل ومَسْكِن وبُزُرْجَسَابور والرذانيْن، وقعد للخصوم في هذا اليوم في المسجد الجامع، ومكثت مدينة أبي جعفر من لدن مات ابن أبي الشوارب إلى أن وليَها أبو عمر بغير قاض، وذلك خمسة أشهر وأربعة أيام (١). وفي يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلتْ منه في هذه السنة، أخِذ خادم نصرانيّ لغالب النصرانيّ متطبّب السلطان يقال له: وَصيف، فرُفع إلى الحبس، وشُهد عليه أنه شتم النبيّ ﷺ فحبِس، ثم اجتمع من غد هذا اليوم ناس من العامَّة بسبب هذا الخادم، فصاحوا بالقاسم بن عبيد الله، وطالبوه بإقامة الحدّ عليه، بسبب ما شُهد عليه؛ فلما كان يوم الأحد لثلاث عشرة بقيت منه اجتمع أهلُ باب الطاق إلى قنطرة البَرَدان وما يليها من الأسواق، وتداعَوْا، ومضوا إلى باب السلطان، فلَقيَهم أبو الحسين بن الوزير، فصاحوا به، فأعلمهم أنه قد أنهى خبره إلى المعتضد، فكذَّبوه وأسمعوه ما كره، ووثبوا بأعوانه ورجاله حتى هربوا منهم، ومضوْا إلى دار المعتضد بالثريَّا، فدخلوا من الباب الأول والثاني فمُنِعوا من الدخول، فوثبوا على مَنْ منعَهم، فخرج إليهم من سألهم عن خبرهم، فأخبروه، فكتب به إلى المعتضد، فأدخِل إليه منهم جماعة، وسألهم عن الخبر فذكروه له، فأرسل معهم خفيفًا السمرقنديَّ إلى يوسف القاضي، وتقدم إلى خفيف أن يأمر يوسف بالنَّظر في أمر الخادم، وأن يُنهِيَ إليه ما يقف عليه من أمره، فمضى معهم خفيف إلى يوسف، فكادوا يقتلونه ويقتلون يوسف لمَّا

стр. 6078

دخلوا عليه ممَّا ازدحموا، حتى أفلت يوسف منهم، ودخل بابًا وأغلقه دونهم، ولم يكن بعد ذلك للخادم ذِكْر، ولا كان للعامَّة في أمره اجتماع (١). وفي هذا الشهر من هذه السنة قدم - فيما ذكر - قوم من أهل طَرَسوس على السلطان يسألونه أن يولِّي عليهم والٍ، ويذكرون أن بلدهم بغير والٍ؛ وكانت طرسوس قبل في يدي ابن طولون، فأساء إليهم، فأخرجوا عامله عن البلد، وراسلهم في ذلك، ووعدهم الإحسان، فأبوا أن يتركوا له غلامًا يدخل بلدهم، وقالوا: مَنْ جاءنا من قبَلك حاربناه، فكف عنهم. وفي يوم الخميس لثلاث بقين من شهر ربيع الآخر من هذه السنة - فيما ذكر - ظهرت ظلمة بمصر، وحُمرة في السماء شديدة؛ حتى كان الرجل ينظر إلى وجه الآخر، فيراه أحمر، وكذلك الحيطان وغير ذلك، ومكثوا كذلك من العصر إلى العشاء الآخرة، وخرج الناس من منازلهم يدعون الله ويتضرعون إليه (٢). وفي يوم الأربعاء لثلاث خلوْن من جمادى الأولى، ولإحدى عشرة ليلة خلت من حَزِيران، نُودي في الأرباع والأسواق ببغداد بالنَّهي عن وقود النيران ليلة النيروز، وعن صبّ الماء في يومه، ونُودي بمثل ذلك في يوم الخميس، فلمَّا كان عشيّة يوم الجمعة نودي على باب سعيد بن يكسين صاحب الشرطة بالجانب الشرقيّ من مدينة السلام بأنّ أمير المؤمنين قد أطلق للناس في وقود النيران وصبّ الماء، ففعلت العامة من ذلك ما جاوز الحدّ، حتى صبّوا الماء على أصحاب الشرطة في مجلس الجسر - فيما ذكر (٣). وفيها أغريَت العامة بالصّياح بمن رأوْا من الخدم السود: يا عقيق، فكانوا يغضبون من ذلك، فوجَّه المعتضد خادمًا أسود عشيَّة الجمعة برقعة إلى ابن حمدون النديم؛ فلما بلغ الخادم رأسَ الجسر من الجانب الشرقيّ صاح به صائح من العامة: يا عقيق! فشتم الخادم الصائح وقنَّعه، فاجتمعت جماعة من العامة على الخادم فنكسوه وضربوه، وضاعت الرقعة التي

стр. 6079

كانت معه، فرجع إلى السلطان فأخبره بما صنع به، فأمر المعتضد طريفًا المخلديّ الخادم بالركوب والقبض على كلِّ مَنْ تولَّع بالخادم وضربه بالسياط، فركب طريف يوم السبت لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى في جماعة من الفرسان والرجَّالة، وقدَّم بين يديه خادمًا أسود؛ فصار إلى باب الطاقِ لِمَا أمِر به من القبض على من صاح بالخادم: يا عقيق، فقبض فيما ذكر بباب الطاق على سبعة أنفس؛ ذكِر أن بعضهم كان بِزِّيًّا؛ فضُرِبوا بالسياط في مجلس الشرطة بالجانب الشرقيّ وعبَر طريف فمضى إلى الكرْخ، ففعل مثل ذلك، وأخذ خمسة أنفس فضربهم في مجلس الشرطة بالشرقيَّة، وحُمِل الجميع على جمال، ونودي عليهم: هذا جزاء مَنْ أولِع بخدم السلطان، وصاح بهم: يا عقيق، وحبسوا يومهم، وأطلِقوا بالليل. وفي هذه السنة عَزم المعتضد بالله على لعن معاوية بن أبي سفيان على المنابر، وأمر بإنشاء كتاب بذلك يُقرَأ على الناس، فخوّفه عبيد الله بن سليمان بن وهب اضطراب العامة، وأنه لا يأمن أن تكون فتنة، فلم يلتفت إلى ذلك من قوله (١). وذُكر أن أول شيء بدأ به المعتضد حين أراد ذلك الأمر بالتقدّم إلى العامة بلزوم أعمالهم، وترك الاجتماع والقضية والشهادات عند السلطان، إلا أن يُسْألوا عن شهادة إن كانت عندهم، وبمنع القُصّاص من القعود على الطرقات، وعمِلت بذلك نسخ قرئت بالجانبين بمدينة السلام في الأرباع والمحالّ والأسواق، فقرِئت يوم الأربعاء لستّ بقين من جمادى الأولى من هذه السنة، ثمَّ مُنِع يوم الجمعة لأربع بقين منها القصّاص من القعود في الجامعيْن، ومُنع أهل الحلق في الفتيا أو غيرهم من القعود في المسجدين، ومُنِع الباعة من القعود في رحابهما. وفي جمادى الآخرة نودي في المسجد الجامع بنهي الناس عن الاجتماع على قاصّ أو غيره، ومنِع القصاص وأهل الحلَق من القعود (٢). وفي يوم الحادي عشر - وذلك يوم الجمعة - نُودي في الجامعيْن بأنّ الذمة بريَّة

стр. 6080

ممنَ اجتمع من الناس على مناظرة أو جدل، وأن من فعل ذلك أحلّ بنفسه الضرب، وتقدم إلى الشرّاب والذين يسقون الماء في الجامعين ألا يترحَّموا على معاوية، ولا يذكروه بخير. * * * [ذكر كتاب المعتضد في شأن بني أمية] (١) وتحدَّث الناس أن الكتاب الذي أمر المعتضد بإنشائه بلعن معاوية يقرأ بعد صلاة الجمعة على المنبر، فلما صلى الناس الجمعة بادروا إلى المقصورة ليسمعوا قراءة الكتاب فلم يُقرأ. فذُكر: أن المعتضد أمر بإخراج الكتاب الذي كان المأمون أمر لإِنْشائه بلعْن معاوية، فأخرِج له من الدّيوان، فأخِذ من جوامعه نسخة هذا الكتاب، وذكر: أنَّ نسخة الكتاب الذي أنشئ للمعتضد بالله: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله العليّ العظيم، الحليم الحكيم، العزيز الرحيم، المتفرد بالوحدانية، الباهر بقدرته، الخالق بمشيئته وحكمته؛ الذي يعلم سوابقَ الصدور، وضمائر القلوب، لا يخفى عليه خافيةٌ، ولا يَعْزُبُ عنه مثقال ذرّة في السموات العُلا، ولا في الأرضين السفلى؛ قد أحاط بكل شيء علمًا، وأحصى كلَّ شيء عددًا، وضرب لكل شيء أمدًا، وهو العليم الخبير، والحمد لله الذي برأ خلقه لعبادته، وخلق عباده لمعرفته، على سابق علمه في طاعة مطيعهم، وماضي أمره في عصيان عاصيهم؛ فبيَّن لهم ما يأتون وما يتَّقون، ونهج لهم سبل النجاة، وحذَّرهم مسالك الهَلَكة، وظاهَر عليهم الحجَّة، وقدَّم إليهم المعذرة، واختار لهم دينه الذي ارتضى لهم، وأكرمهم به، وجعل المعتصمين بحبله والمتمسكين بعُروته أولياءَه وأهلَ طاعته، والعاندين عنه والمخالفين له أعداءَه وأهلَ معصيته، ليهلك مَنْ هَلَكَ عن بينة، ويحيَا مَن حيّ عن بينِّة، وإن الله لسميع عليم، والحمد لله الذي اصطفى محمدًا رسوله من جميع بريَّته،

стр. 6081

واختار لرسالته، وابتعثه بالهدى والدّين المرتضى إلى عباده أجمعين، وأنزل عليه الكتاب المبين المستبين، وتأذّن له بالنصر والتمكين، وأيده بالعزّ والبرهان المتين، فاهتدى به مَن اهتدى، واستنقذ به مَن استجاب له من العمى، وأضلّ من أدبر وتولَّى، حتى أظهر الله أمرَه، وأعزّ نصرَه، وقهر مَنْ خالفه، وأنجز له وعده، وختَم به رسله، وقبضه مؤدّيًا لأمره، مبلِّغًا لرسالته، ناصحًا لأمته، مرضيًا مهتديًا إلى أكرم مآب المنقلبين، وأعلى منازل أنبيائه المرسلين، وعباده الفائزين؛ فصلِّ اللهم عليه أفضل صلاة وأتمَّها، وأجلَّها وأعظمَها، وأزكاها وأطهرها وعلى آله الطيبين. والحمدُ لله الذي جعل أمير المؤمنين وسلفه خلفاء خاتم النبيين وسيد المرسلين والقائمين بالدّين والمقوّمين لعباده المؤمنين، والمستحفَظين ودائع الحكمة، ومواريث النبوة، والمستخلَفين في الأمة، والمنصورين بالعزّ والمنعة، والتأييد والغلبة؛ حتى يظهر الله دينَه على الدّين كله ولو كره المشركون. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين ما عليه جماعةٌ من العامة من شُبْهة قد دخلتهم في أديانهم، وفساد قد لحِقهم في معتَقدهم، وعصبية قد غلبت عليها أهواؤهم، ونطقت بها ألسنتُهم، على غير معرفة ولا رويّة، وقلدوا فيها قادة الضلالة بلا بَيِّنَةٍ ولا بصيرة، وخالفوا السنن المتبعة، إلى الأهواء المبتدعة، قال الله : ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، خروجًا عن الجماعة، ومسارعة إلى الفتنة وإيثارًا للفرقة، وتشتيتًا للكلمة وإظهارًا لموالاة من قطع الله عنه الموالاة، وبَتَرَ منه العصمة، وأخرجه من الملة، وأوجب عليه اللعنة، وتعظيمًا لمن صغّر الله حقه، وأوهن أمره، وأضعف ركنه، من بني أمية الشجرة الملعونة، ومخالفةً لمن استنقَذهم الله به من الهَلكة، وأسبغ عليهم به النّعمة؛ من أهل بيت البركة والرحمة، قال الله : ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾، فأعظم أميرُ المؤمنين ما انتهى إليه من ذلك، ورأى في ترك إنكاره حرَجًا عليه في الدين، وفسادًا لمن قلّده الله أمره من المسلمين، وإهمالًا لمَا أوجبه الله عليه من تقويم المخالفين وتبصير الجاهلين، وإقامة الحجة على الشاكّين، وبسْط اليد على المعاندين.

стр. 6082

وأمير المؤمنين يرجع إليكم معشر الناس بأن الله لمّا ابتعث محمدًا بدينه، وأمره أن يصدَع بأمره، بدأ بأهله وعشيرته، فدعاهم إلى ربه، وأنذرهم وبشَّرهم، ونصحَ لهم وأرشدهم، فكان من استجاب له وصدّق قولَه، واتّبع أمره نفرٌ يسير من بني أبيه، من بين مؤمنٍ بما أتى به من ربِّه، وبين ناصر له وإن لم يتّبع دينَه؛ إعزازًا له، وإشفاقًا عليه، لماضي علم الله فيمن اختار منهم، ونفذت مشيئته فيما يستودعه إياه من خلافته وإِرْث نبيّه؛ فمؤمنهم مجاهد بنُصرته وحميّته، يدفعون مَنْ نابذَه، وينهرون مَنْ عارَّه وعانده، ويتوثَّقون له ممن كانفه وعاضده، ويبايعون له مَنْ سمح بنصرته، ويتجسَّسون له أخبار أعدائه، ويكيدون له بظهر الغيب كما يكيدون له برأى العين؛ حتى بلغ المدَى، وحان وقت الاهتداء، فدخلوا في دين الله وطاعته وتصديق رسوله، والإيمان به، بأثبت بصيرة، وأحسن هدى ورغبة، فجعلهم الله أهل بيتِ الرّحمة، وأهل بيت الدين - أذهب عنهم الرّجس وطهرهم تطهيرًا - ومعدن الحكمة، وورثة النبوّة وموضع الخلافة، وأوجب لهم الفضيلة وألزم العباد لهم الطاعة. وكان ممن عانده ونابذه وكذّبه وحاربه من عشيرته العددُ الأكثر، والسواد الأعظمُ؛ يتلقّوْنَه بالتكذيب والتثريب، ويقصدونه بالأذيّة والتخويف، ويبادونه بالعداوة، وينصبون له المحاربة، ويصدّون عنه مَنْ قصده، وينالون بالتعذيب مَن اتّبعه، وأشدُّهم في ذلك عداوةً وأعظمهم له مخالفة، وأوّلهم في كلّ حرب ومناصَبَة، لا يُرفع على الإِسلام رايةٌ إلا كان صاحبها وقائدها ورئيَسها، في كلّ مواطن الحرب، من بدر وأحُد والخندق والفتح. . . أبو سفيان بن حَرْب وأشياعه من بني أمية، الملعونين في كتاب الله، ثمَّ الملعونين على لسان رسول الله في عدّة مواطن، وعدّة مواضع، لماضي علم الله فيهم وفي أمرهم، ونفاقهم وكفر أحلامهم؛ فحارب مجاهدًا، ودافع مكابدًا، وأقام منابذًا حتى قهره بالسيف، وعلا أمر الله وهم كارهون؛ فتقوَّل بالإِسلام غير منطوٍ عليه، وأسرَّ الكفر غير مقلع عنه، فعرفه بذلك رسول الله ﷺ والمسلمون، وميز له المؤلفة قلوبُهم، فقبله وولده على علم منه؛ فممّا لعنهم الله به على لسان نبيه ﷺ ، وأنزل به كتابًا قوله: ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾، ولا اختلاف بين أحد أنَّه أراد بها بني أميّة.

стр. 6083

ومنه قول الرسول ﵇ وقد رآه مقبلًا على حمارٍ ومعاوية يقوُد به ويزيد ابنه يسوق به: "لعن الله القائد والرّاكب والسائق". ومنه ما يرويه الرّواة من قوله: يا بني عبد مناف تلقّفوها تلقّف الكرة، فما هناك جنة ولا نار. وهذا كفر صُراح يلحقه به اللعنة من الله كما لحقت ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ومنه ما يروون من وقوفه على ثنيّة أحُد بعد ذَهَاب بصره، وقوله لقائده: هاهنا ذببْنا محمدًا وأصحابه، ومنه الرؤيا التي رآها النبي ﷺ فوجَم لها، فما رُئي ضاحكًا بعدها، فأنزل الله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]؛ فذكروا أنَّه رأى نفرًا من بني أمية ينزون على منبره. ومنه طرد رسول الله ﷺ الحكم بن أبي العاص لحكايته إياه. وألحقه الله بدعوة رسوله آيةً باقية حين رآه يتخلّج، فقال له: "كن كما أنت"، فبقيَ على ذلك سائر عمره، إلى ما كان من مروان في افتتاحه أوّل فتنة كانت في الإِسلام، واحتقابه لكلّ دم حرام سُفِك فيها أو أريق بعدها. ومنه ما أنزل الله على نبيه في سورة القدر: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ من مُلْك بني أمية. ومنه أن رسول الله ﷺ دعا بمعاوية ليكتب بأمره بين يديه، فدافع بأمره، واعتلّ بطعامه، فقال النبيّ: "لا أشبع اللهُ بطنه"، فبقى لا يشبع، ويقول: والله ما أترك الطعام شبعًا؛ ولكن إعياء. ومنه أن رسول الله ﷺ قال: "يطلع من هذا الفجّ رجلٌ من أمتي يُحشر على غير ملتي" فطلع معاوية. ومنه أن رسول الله ﷺ ، قال: "إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه". ومنه الحديث المرفوع المشهور أنَّه قال: "إن معاوية في تابوت من نار في أسفل دَرك منها ينادِي: يا حنّان يا منّان، الآن وقد عصيتُ قبلُ وكنتُ من المفسدين. ومنه انبراؤه بالمحاربة لأفضل المسلمين في الإِسلام مكانًا وأقدمهم إليه سبقًا، وأحسنهم فيه أثرًا وذكرًا؛ عليّ بن أبي طالب، ينازعه حقه بباطله، ويجاهد أنصاره بضُلَّاله وغواته، ويحاول ما لم يزل هو وأبوه يحاولانه، من إطفاء نور الله وجحود دينه، ويأبى الله إلا أن يُتمّ نوره ولو كره المشركون، يستهوى أهلَ الغباوة، ويموّه على أهل الجهالة بمكرِه وبغيه، الذين قدّم رسول الله ﷺ الخبر عنهُما، فقال لعمار: "تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة ويدعونك إلى النار"، مؤثرًا للعاجلة، كافرًا بالآجلة، خارجًا من رِبْقة

стр. 6084

الإِسلام، مستحلًا للدّم الحرام، حتى سفك في فتنته، وعلى سبيل ضلالته ما لا يحصى عددُه من خيار المسلمين الذابّين عن دين الله والناصرين لحقه، مجاهدًا لله، مجتهدًا في أن يُعصى الله فلا يُطاع، وتُبطَل أحكامه فلا تُقام، ويُخالَف دينه فلا يُدان، وأن تعلوَ كلمة الضلالة، وترتفع دعوة الباطل؛ وكلمة الله هي العليا، ودينه المنصور، وحكمه المتّبع النافذ، وأمره الغالب، وكيد من حادّه المغلوب الدَّاحض؛ حتى احتمل أوزار تلك الحروب وما اتّبعها، وتطوّق تلك الدماء وما سُفك بعدها، وسنَّ سنن الفساد التي عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة، وأباح المحارم لمن ارتكبها، ومنع الحقوق أهلها؛ واغترّه الإملاء، واستدرجه الإمهال، والله له بالمرصاد. ثمَّ مما أوجب الله له به اللعنة قتلُه مَنْ قتل صبرًا من خيار الصحابة والتابعين وأهل الفضل والديانة؛ مثل عمرو بن الحَمِق وحُجْر بن عديّ، فيمن قتل [من] أمثالهم، في أن تكون له العزّة والملك والغلبة، ولله العزة والملك والقدرة، والله يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣]. ومما استحقّ به اللعنة من الله ورسوله ادّعاؤه زيادَ بن سُميّة، جرأةً على الله؛ والله يقول: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، ورسول ﷺ ، يقول: "ملعون مَن ادّعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه"، ويقول: "الولد للفِراش وللعاهر الحجر"، فخالف حكم الله وسنة نبيه ﷺ جهارًا، وجعل الولد لغير الفراش، والعاهر لا يضرّه عهرُه، فأدخل بهذه الدعوة من محارم الله ومحارم رسوله في أمّ حبيبة زوجة النبيّ ﷺ وفي غيرها من سُفور وجوه ما قد حرّمه الله، وأثبت بها قربى قد باعدها الله، وأباح بها ما قد حظره الله، مما لم يدخل على الإِسلام خلل مثله، ولم ينل الدين تبديل شبهُه. ومنه إيثاره بدين الله ودعاؤه عباد الله إلى ابنه يزيد المتكبّر الخمِّير، صاحب الدّيوك والفهود والقُرود، وأخذُه البيعة له على خيار المسلمين بالقَهْر والسطوة والتوعيد والإخافة والتهدّد والرهبة، وهو يعلم سفَهه، ويطّلع على خبثه ورَهقه، ويعاين سكَرَانه وفجورَه وكفره، فلما تمكن منه ما مكّنه منه، ووطَّأه له، وعصى الله ورسوله فيه، طلبَ بثأرات المشركين وطوائِلهم عند المسلمين،

стр. 6085

فأوقع بأهل الحَرّة الوقيعة التي لم يكن في الإِسلام أشنعُ منها ولا أفحش؛ ممَّا ارتكب من الصالحين فيها، وشفى بذلك عَبَد نفسه وغليله، وظن أنَّه قد انتقم من أولياء الله، وبلّغ النَّوى لأعداء الله، فقال مجاهرًا بكفره ومظهرًا لشركه: ليتَ أشياخي ببدرٍ شهدوا ... جزَعَ الخزْرَجِ من وقع الأَسلْ قد قتلنا القَوْم من ساداتكمْ ... وعَدلنا ميْلَ بدر فاعتدَلْ فأَهَلَّوا واستهلُّوا فرحًا ... ثمَّ قالوا: يا يزيد لا تُسَلْ لسْتُ من خِندفَ إِن لم أنتقم ... من بني أَحمدَ ما كان فعلْ وَلِعَتْ هاشِمُ بالمُلكِ فلا ... خبرٌ جاءَ، ولا وحيٌ نزَلْ هذا هو المروقُ من الدين، وقول من لا يرجع إلى الله ولا إلى دينه ولا إلى كتابه، ولا إلى رسوله، ولا يؤمن بالله ولا بما جاء من عند الله. ثمَّ مِنْ أغلظ ما انتهك، وأعظم ما اخترم سفكهُ لم الحسين بن عليّ وابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ مع موقِعه من رسول الله ﷺ ومكانه منه ومنزلته من الدين والفضل، وشهادة رسول الله ﷺ له ولأخيه بسيادة شباب أهل الجنة، اجتراءً على الله، وكفرًا بدينه، وعداوةً لرسوِله، ومجاهدةً لعترته، واستهانةً بحرمته، فكأنما يقتل به وبأهل بيته قومًا من كُفَّار أهل الترك والدّيلم، لا يخاف من الله نقمةً، ولا يرقب منه سطوة، فبتر الله عمرَه، واجتثّ أصله وفرعه، وسلبه ما تحت يده، وأعدّله من عذابه وعقوبته ما استحقَّه من الله بمعصيته. هذا إلى ما كان من بني مَرْوان من تبديل كتاب الله وتعطيل أحكامه، واتّخاذ مال الله دُولًا بينهم، وهَدْم بيته، واستحلال حرامه، ونصبهم المجانيقَ عليه، ورميهِم إياه بالنِيران، لا يألون له إحراقًا وإخرابًا، ولما حرّم الله منه استباحة وانتِهاكًا، ولمن لجأ إليه قتلًا وتنكيلًا، ولمن أمَّنهُ الله به إخافة وتشريدًا؛ حتى إذا حُقّت عليهم كلمة العذاب، واستحقُّوا من الله الانتقام، وملؤوا الأرض بالجوْر والعُدوان، وعمُّوا عباد الله بالظلم والاقتسار، وحلَّت عليهم السخطة، ونزلت بهم من الله السَّطْوة، أتاح الله لهم من عِتْرة نبيِّه، وأهل وراثته مَن استخلصهم منهم بخلافته، مثل ما أتاح الله من أسلافهم المؤمنين وآبائهم المجاهدين لأوائلهم الكافرين، فسفك الله بهم دماءَهم مرتدّين، كما سفك بآبائهم دماء آباء الكفرة المشركين؛ وقطع الله دابر القوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين،

стр. 6086

ومكن الله المستضعفين، وردَّ الله الحق إلى أهله المستحقين، كما قال جل شأنه: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥]. واعلموا أيها الناس، أنّ الله إنما أمر ليُطاع، ومثّل ليتمثَّل، وحكم ليُقبَل، وألزم الأخذ بسنة نبيه ﷺ ليُتَّبع؛ وإن كثيرًا ممّن ضلّ فالتوى، وانتقل من أهل الجهالة والسَّفَاه ممنّ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله؛ وقد قال الله : ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢]. فانتهوا معاشر الناس عما يُسخط الله عليكم؛ وراجعوا ما يرضيه عنكم، وارضوْا من الله بما اختار لكم، والزموا ما أمركم به، وجانبوا ما نهاكم عنه، واتَّبعوا الصراط المستقيم، والحجة البيّنة، والسبل الواضحة، وأهل بيت الرحمة؛ الذين هداكم الله بهم بديئًا، واستنقَذكم بهم من الجوْر والعُدوان أخيرًا، وأصاركم إلى الخفض والأمن والعزّ بدولتهم، وشملكم الصلاح في أديانكم ومعايشكم في أيامهم، والعنوا مَنْ لعنه الله ورسوله، وفارِقوا مَنْ لا تنالون القربة من الله إلا بمفارقته. اللهم العن أبا سفيان بن حرب، ومعاوية ابنه، ويزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم وولده، اللهم العن أئمة الكفر، وقادة الضلالة، وأعداء الدين، ومجاهدي الرسول، ومغيِّري الأحكام، ومبدّلِي الكتاب، وسفَّاكِي الدّم الحرام. اللهم إنَّا نتبرّأ إليك من موالاة أعدائك، ومن الإغماض لأهل معصيتك، كما قلتَ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]. يا أيها الناس، اعرفوا الحقّ تعرفوا أهله، وتأمَّلوا سبل الضلالة تعرفوا سابلَها، فإنَّه إنما يبين عن الناس أعمالُهم، ويلحقهم بالضلال والصلاح آباؤهم؛ فلا يأخذكم في الله لومة لائم، ولا يميلنّ بكم عن دين الله استهواء مَنْ يستهويكم وكيدُ مَنْ يكيدكم، وطاعة من تُخرجكم طاعته إلى معصية ربِّكم. أيها الناس، بنا هداكم الله، ونحن المستحفَظون فيكم أمر الله، ونحن ورثة رسول الله والقائمون بدين الله، فقفوا عندما نقفكم عليه، وانفذوا لما نأمركم به؛

стр. 6087

فإنكم ما أطعتم خلفاءَ الله وأئمة الهدى على سبيل الإيمان والتقوى؛ فأمير المؤمنين يستعصم الله لكم، ويسأله توفيقكم، ويرغب إلى الله في هدايتكم لرشدكم، وفي حفظ دينه عليكم؛ حتى تلقوه به مستحقين طاعته، مستحقين لرحمته، والله حسْب أمير المؤمنين فيكم، وعليه توكله، وبالله على ما قلَّده من أموركم استعانتُه، ولا حول لأمير المؤمنين ولا قوة إلا بالله والسلام عليكم. وكتب أبو القاسم عبيد الله بن سليمان في سنة أربع وثمانين ومئتين. وذكر: أن عبيد الله بن سليمان أحضر يوسف بن يعقوب القاضي، وأمره أن يُعمل الحيلة في إبطال ما عزم عليه المعتضد؛ فمضى يوسف بن يعقوب، فكلّم المعتضد في ذلك، وقال له: يا أمير المؤمنين؛ إني أخاف أن تضطرب العامة، ويكون منها عند سماعها هذا الكتاب حركة! فقال: إن تحركت العامة أو نطقت وضعتُ سيفي فيها. فقال: يا أميرَ المؤمنين، فما تصنع بالطالبيِّين الَّذين هم في كل ناحية يخرجون، ويميلُ إليهم كثير من الناس لقرابتهم من الرسول ومآثرهم؛ وفي هذا الكتاب إطراؤهم، أو كما قال، وإذا سمع الناس هذا كانوا إليهم أميَل، وكانوا هم أبسط ألسنة، وأثبت حجة منهم اليوم، فأمسك المعتضد فلم يردّ عليه جوابًا، ولم يأمر في الكتاب بعده بشيء (١).

стр. 6088

وفي يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من رجب منها شخص جعفر بن بَغلاغز إلى عمرو بن الليث الصفار وهو بنيسابور بخِلَع ولواء لولايته على الريّ وهدايا من قبَل المعتضد. وفي هذه السنة لحق بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف بمحمد بن زيد العَلَوِيّ بطبرستان، فأقام بدر وعبيد الله بن سليمان ينتظران أمرَ بكر إلامَ يؤول وعلى إصلاح الجبل. وفيها - فيما ذكر - فُتِحت من بلاد الروم قرّة، على يد راغب مولى الموفق وابن كلوب، وذلك في يوم الجمعة من رجب. وفي ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة خلت من شعبان - أو ليلة الخميس فيما ذكر - ظهر شخص إنسان في يده سيف في دار المعتضد بالثرَيَّا، فمضى إليه بعض الخدم لينظر ما هو، فضربه الشخص بالسَّيف ضربة قطع بها منطقته، ووصل السيف إلى بدن الخادم، ورجع الخادم منصرفًا عنه هاربًا، ودخل الشخص في زرع في البستان، فتوارى فيه، فطُلب باقي ليلته ومن غد، فلم يوقف له على أثر، فاستوحش المعتضد لذلك، وكثَّر الناس في أمره رجمًا بالظنون، حتى قالوا: إنه من الجنّ، ثمَّ عاد هذا الشخص للظهور بعد ذلك مرارًا كثيرة، حتى وكّل المعتضد بسور داره، وأحكم السور ورأسه، وجعل عليه كالبرابخ؛ لئلا يقع عليه الكُلَّاب إن رُمِيَ به، وجيء باللصوص من الحبس ونوظروا في ذلك، وهل يمكن أحد الدخول إليه بنقب أو تسلُّق.

стр. 6089

وفي يوم السبت لثمان بقين من شعبان من هذه السنة، وجَّه كرامة بن مُرّ من الكوفة بقوم مقيَّدين، ذكر أنهم من القرامطة، فأقرّوا على أبي هاشم بن صدقة الكاتب أنَّه كان يكاتبهم، وأنه أحد رؤسائهم، فقبض على أبي هاشم، وقيِّد وحبس في المطامير (١). وفي يوم السبت لسبع خلون من شهر رمضان من هذه السنة جُمع المجانين والمعزّمون، ومُضِيَ بهم إلى دار المعتضد في الثريَّا بسبب الشَّخص الذي كان يظهر له، فأدخِلوا الدار، وصعِد المعتضد عِلِّيّةً له، فأشرف عليهم؛ فلما رآهم صرِعت امرأة كانت معهم من المجانين واضطربت، وتكشَّفت فضجر وانصرف عنهم، ووهب لكلّ واحد منهم خمسةَ دراهم - فيما ذكر - وصُرفوا. وقد كان وجّه إلى المعزّمين قبل أن يشرف عليهم مَن يسألهم عن خبر الشخص الذي ظهر له: هل يمكنهم أن يعلموا علمه؟ فذكر قومٌ منهم أنهم يعزّمون على بعض المجانين، فإذا سقط سأل الجنِّيّ عن خبر ذلك الشخص وما هو، فلما رأى المرأة التي صُرعت أمر بصرفهم. وفي ذي القعدة منها ورد الخبر من أصبهان بوثوب الحارث بن عبد العزيز بن أبي دُلف المعروف بأبي ليلى بشفيع الخادم الموكَّل كان به فقتله، وكان أخوه عمر بن عبد العزيز بن أبي دلف أخذه فقيَّده، وحمله إلى قلعة لآل أبي دلف بالزّزّ، فحبسه فيها، وكان كلّ ما لآل أبي دُلف من مال ومتاع نفيس وجوهر في القَلْعة، وشفيع مولاهم موكّل بحفظ ذلك وحفظ القلعة، ومعه جماعة من غلمان عمر وخاصّته، فلما استأمن عمر إلى السلطان، وهرب بكر عاصيًا للسلطان بقيت القلعة بما فيها في يد شفيع، فكلَّمه أبو ليلى في إطلاقه فأبى، وقال: لا أفعل فيك وفيما في يدي إلا بما يأمرني به عمر. فذكر عن جارية لأبي ليلى أنها قالت: كان مع أبي ليلى في الحبس غلامٌ صغير يخدُمه، وآخر يخرج ويدخل في حوائجه ولا يبيت عنده، ويبيت عنده الغلام الصغير، فقال أبو ليلى لغلامه الذي يخرج في حوائجه: احتلْ لي في مِبْرد تدخله إليّ، ففعل وأدخله في شيء من طعامه، وكان شفيع الخادم يجيء في كل ليلة إذا

стр. 6090

أراد أن ينام إلى البيت الذي فيه أبو ليلى حتى يراه، ثمَّ يقفل عليه باب البيت هو بيده ويمضي فينام، وتحت فراشه سيف مسلول، وكان أبو ليلى قد سأل أن تُدخَل إليه جارية، فأدخِلت إليه جارية حدَثة السنِ، فذكر عن ذلفاء جارية أبي ليلى عن هذه الجارية أنها قالت: بَردَ أبو ليلى المسمار الذي في القيد، حتى كان يخرجه من رجله إذا شاء، قالت: وجاء شفيع الخادم عشيَّةٌ من العشايا إلى أبي ليلى، فقعد معه يحدّثه، فسأله أبو ليلى أن يشرب معه أقداحًا، ففعل، ثمَّ قام الخادم لحاجته، قالت: فأمرني أبو ليلى، ففرشتُ فراشه، فجعل عليه ثيابًا في موضع الإنسان من الفراش، وغطى على الثياب باللِّحاف، وأمرني أن أقعد عند رِجْل الفراش، وقال لي: إذا جاء شفيع لينظر إليّ ويقفل الباب، فسألك عنِّي فقولي: هو نائم، وخرج أبو ليلى من البيت، فاختفى في جوف فرش ومتاع في صُفَّة فيها باب هذا البيت، وجاء شفيع فنظر إلى الفراش، وسأل الجارية فأخبرتْه أنَّه قد نام، فأقفل الباب، فلمَّا نام الخادم ومَنْ معه في الدار التي في القلعة خرج أبو ليلى، فأخذ السيف من تحت فراش شفيع، وشدّ عليه فقتله، فوثب الغلمان الذين كانوا ينامون حوله فزعين، فاعتزلهم أبو ليلى والسيف في يده، وقال لهم: أنا أبو ليلى قد قتلتُ شفيعًا، ولئن تقدم إليّ منكم أحد لأقتلنَّه وأنتم آمنون؛ فاخرجوا من الدار حتى أكلِّمَكم بما أريد، ففتحوا باب القلعة، وخرجوا وجاء حتى قعد على باب القلعة، واجتمع الناس ممَّن كان في القلعة فكلَّمهم ووعدهم الإحسان، وأخذ عليهم الأيْمان، فلمَّا أصبح نزل من القَلْعة، ووجَّه إلى الأكراد وأهل الزّموم، فجمعهم وأعطاهم، وخرج مخالفًا على السلطان، وقيل: إن قتله الخادم كان في ليلة السبت لاثنتي عشرة بقيت من ذي القعدة من هذه السنة، وقيل: إنه ذبح الخادم ذبحًا بسكِين كان أدخلها إليه غلامه، ثمَّ أخذ السيف من تحت فراش الخادم وقام به إلى الغلمان. وفي هذه السنة - وهي سنة أربع وثمانين ومئتين - كان المنجّمون يوعدون الناس بغرق أكثر الأقاليم، وأنّ إقليم بابل لا يسلم منه إلا اليسير، وأنّ ذلك يكون بكثرة الأمطار وزيادة المياه في الأنهار والعيون والآبار، فقحط الناس فيها فلم يروْا فيها من المطر إلا اليسير، وغارت المياه في الأنهار، والعيون والآبار،

стр. 6091

حتى احتاج الناس إلى الاستسقاء فاستسقوا ببغداد مرات (١). ولليلة بقيت من ذي الحجة من هذه السنة كانت - فيما ذكر - وقعة بين عيسى النُّوشريّ وبين أبي ليلى بن عبد العزيز بن أبي دلف، وذلك يوم الخميس دون أصبهان بفرسخين، فأصاب أبا ليلى سهم في حلقه - فيما ذكر - فنحره، فسقط عن دابّته، وانهزم أصحابه، وأخِذ رأسه فحُمِل إلى أصبهان. وحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود الهاشميّ المعروف بأترجَّة (٢). * * * ثمَّ دخلت سنة خمس وثمانين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث فمن ذلك ما كان من قطع صالح بن مُدرك الطائيّ في جماعة من طَيّئ على الحاجّ بالأجفُر يوم الأربعاء لاثنتي عشرة بَقيتْ من المحرم، فحاربه الجنّيّ الكبير، وهو أمير القافلة، فظفِر الأعراب بالقافلة؛ فأخذوا ما كان فيها من الأموال والتِّجارات، وأخذوا جماعة من النِّساء الحرائر والمماليك، وقيل إنّ ذلك الذي أخذوا من الناس بقيمة ألفي ألف دينار (٣). ولسبع بقين من المحرم منها قُرئ على جماعة من حاجّ خُراسان في دار المعتضد بتولية عمرو بن الليث الصّفَّار ما وراء نهر بلخ، وعزل إسماعيل بن أحمد عنه (٤). ولخمس خلون من صفر منها ورد مدينة السلام وصيف كامه مع جماعة من القوّاد من قِبَل بدر مولى المعتضد وعبيد الله بن سليمان من الجبل، معهم رأس الحارث بن عبد العزيز بن أبي دُلف المعروف بأبي ليلى، فمضوا به إلى دار

стр. 6092

المعتضد بالثريَّا، فاستوهبه أخوه فوهبه، واستأذنه في دفنه فأذن له، وخلع على عمر بن عبد العزيز، في هذا اليوم وعلى جماعة من القواد القادمين. وفيها - فيما ذكر - كتب صاحب البريد من الكُوفة، يذكر أن ريحًا صفراء ارتفعت بنواحي الكوفة في ليلة الأحد لعشر بقين من شهر ربيع الأوّل، فلم تزل إلى وقت صلاة المغرب، ثمَّ استحالت سوداءَ فلم يزل الناس في تضرّع إلى الله. وإنّ السماء مطرت بعقب ذلك مطرًا شديدًا برعود هائلة وبروق متّصلة، ثمَّ سقط بعد ساعة بقرية تعرف بأحمد أباذ ونواحيها حجارة بِيض وسود مختلفة الألوان، في أوساطها ضَغطة شبه أفهار العطارين، فأنفذ منها حَجَرًا، فأخرِج إلى الدواوين والناس حتى رأوه (١). ولتسع بَقين منه شخص ابن الإخشاد أميرًا على طَرَسوس من بغداد مع النَّفر الذين كانوا قدموا منها يسألون أن يولَّى عليهم وال. وخرج أيضًا في هذا اليوم من بغداد فاتك مولى المعتضد للنَّظر في أمور العمَّال بالموصل وديار ربيعة وديار مضر والثغور والشامية والجزرية وإصلاح الأمور بها إلى ما كان يتقلده من أعمال البريد بهذه النواحي. وفي هذه السنة ورد الخبر - فيما ذُكر - من البصرة أن ريحًا ارتفعت بها بعد صلاة الجمعة لخمس بقين من شهر ربيع الأوّل صفراء، ثمَّ استحالت خضراء ثمَّ سوداء، ثمَّ تتابعت الأمطار بما لم يروْا مثلَها، ثمَّ وقع بردٌ كبار كان وزن البَرَدَة الواحدة مئة وخمسين درهمًا - فيما قيل - وأن الريح أقلعت من نهر الحسين خمسمئة نخلة وأكثر، ومن نهر معقل مئة نخلة عددًا (٢). وفيها كانت وفاة الخليل بن ريمال بحُلوان. ولخمس خلوْن من جُمادى الآخرة ورد الخبر على السلطان أن بكر بن عبد العزيز بن أبي دُلف تُوُفِّيَ بطبَرِستان من علَّة أصابته، ودفن هنالك. فأعطى الذي جاء بالخبر - فيما ذكر - ألف دينار.

стр. 6093

وفيها ولّى المعتضد محمَّد بن أبي الساج أعمال أَذْربيجان وأرمينية، وكان قد تغلَّب عليها وخالف، وبعث إليه بخلع وحُملان. وفيها ورد الخبر لثلاث خلوْن من شعبان أنّ راغبًا الخادم مولى الموفَّق غزا في البحر، فأظفره الله بمراكب كثيرة، وبجميع مَنْ فيها من الرُّوم، فضرب أعناق ثلاثة آلاف من الرّوم الذين كانوا في المراكب، وأحرق المراكب، وفتح حصونًا كثيرة من حصون الروم، وانصرفوا سالمين (١). وفي ذي الحجَّة منها ورد الخبر بوفاة أحمد بن عيسى بن شيْخ وقيام ابنه محمَّد بن أحمد بن عيسى بما كان في يد أبيه بآمِد، وما يليها على سبيل التغلب. ولإحدى عشرة بقيت من ذي الحجة منها خرج المعتضد من بغداد قاصدًا إلى آمد، وخرج معه ابنه أبو محمَّد والقوّاد والغلمان، واستخلف ببغداد صالحًا الأمين الحاجب، وقلَّده النَّظر في المظالم وأمر الجسرين وغير ذلك (٢). وفيها وجَّه هارون بن خمارويه بن أحمد بن طولون ومَنْ معه من قوّاد المصريين إلى المعتضد وضيفَ قاطرميز، يسألونه مقاطعتَهم عمَّا في أيديهم من مصر والشام، وأجرى هارون على ما كان يجري عليه أبوه، فقدم وصيف بغداد، فردّه المعتضد، ووجَّه معه عبد الله بن الفتح ليشافههم برسائل، ويشترط عليهم شروطًا، فخرجا لذلك في آخر هذه السنة. وفيها غزا ابن الأخشاد بأهل طَرَسُوس وغيرهم في ذي الحجة، وبلغ سَلَنْدُو. وفتِح عليه، وكان انصرافه إلى طرسوس في سنة ست وثمانين ومئتين. وحجّ بالناس في هذه السنة محمَّد بن عبد الله بن داود الهاشمي (٣). * * *

стр. 6094

ثمَّ دخلت سنة ست وثمانين ومئتين ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث الجليلة فمن ذلك ما كان من توجيه محمَّد بن أبي الساج ابنه المعروف بأبي المسافر إلى بغداد رهينةً بما ضمن للسلطان من الطاعة والمناصحة، فقدم - فيما ذكر - يوم الثلاثاءِ، لسبع خلوْن من المحرّم منها، معه هدايا من الدوابّ والمتاع وغير ذلك، والمعتضد يومئذ غائب عن بغداد. وفي شهر ربيع الآخر منها ورد الخبر أنّ المعتضد بالله وصل إلى آمد، فأناخ بجنده عليها، وأغلق محمَّد بن أحمد بن عيسى بن شيخ عليه أبواب مدينة آمد، وعلى من فيها من أشياعه. ففرّق المعتضد جيوشه حولها وحاصرهم، وذلك لأيام بقيَتْ من شهر ربيع الأوّل، ثمَّ جرت بينهم حروب، ونَصب عليهم المجانيق، ونَصب أهل آمد على سورهم المجانيق، وتراموْا بها (١). وفي يوم السبت لإحدى عشرة بقيت من جمادى الأولى وجَّه محمَّد بن أحمد بن عيسى إلى المعتضد يطلب لنفسه ولأهله ولأهل آمد الأمان، فأجابه إلى ذلك، فخرج محمَّد بن أحمد بن عيسى في هذا اليوم ومَنْ معه من أصحابه وأوليائه فوصلوا إلى المعتضد، فخلع عليه وعلى رؤساء أصحابه، وانصرفوا إلى مضرب قد أعدّ لهم، وتحوّل المعتضد من عسكره إلى منازل ابن عيسى بن شيخ ودوره؛ وكتب بذلك كتابًا إلى مدينة السَّلام مؤرَّخًا بيوم الأحد لعشر بقين من جمادى الأولى. ولخمس بقين من جمادى الأولى منها ورد الكتاب من المعتضد بفتحه آمد إلى مدينة السلام، وقرئ على المنبر بالجامع. وفيها انصرف عبد الله بن الفتح إلى المعتضد وهو مقيم بآمد من مصر بأجوبة كتُبه إلى هارون بن خمارويه، وأعلمه أنّ هارون قد بذل أن يسلّم أعمال قِنَّسرين العواصم، ويحمل إلى بيت المال ببغداد في كلّ سنة أربعمئة ألف وخمسين ألف دينار، وأنه يسأل أن يجدّد له ولاية على مصر والشام، وأن يوجَّه المعتضد بخادم من خدمه إليه بذلك، فأجابه إلى ما سأل، وأنفذ إليه بدرًا القداميّ

стр. 6095

وعبد الله بن الفتح بالولاية والخلع، فخرجا من آمد إلى مصر بذلك، وتسلم عمّال المعتضد أعمال قِنَّسرين والعواصم من أصحاب هارون في جُمادى الأولى، وأقام المعتضد بآمد بقيّة جُمادى الأولى وثلاثة وعشرين يومًا من جُمادى الآخرة. ثمَّ ارتحل منها يومَ السَّبت لسبع بَقين منها نحو الرقة، وخلَّف ابنه عليًّا بآمد مع جيوش ضمَّهم إليه لضبط الناحية وأعمال قِنَّسرين والعواصم وديار ربيعة وديار مُضر. وكان كاتب عليّ بن المعتضد يومئذ الحسين بن عمرو النّصرانيّ، وقلد الحسين بن عمرو النظر في أمور هذه النواحي ومكاتبة العمّال بها، وأمر المعتضد بهدم سور آمِد فهُدم (١). وفيها وافتْ هدية عمرو بن الليث الصفّار من نيسابور إلى بغداد، فكان مبلغ المال الذي وجّهه أربعة آلاف ألف درهم، وعشرين من الدوابّ، وبسروج ولُجم محلّاة مغرّقة ومئة وخمسين دابة بجلال مشهرة وكسوة وطيب وبُزاة، وذلك في يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة (٢). وفي هذه السنة ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي سعيد الجنّابي بالبحرين، فاجتمع إليه جماعة من الأعراب والقرامطة؛ وكان خروجه - فيما ذُكر - في أول السنة، وكثر أصحابه في جمادى الآخرة، وقويَ أمرُه، فقتل من حوله من أهل القرى، ثمَّ صار إلى موضع يقال له القَطيف، بينه وبين البصرة مراحل، فقتَل مَنْ بها. وذكر أنَّه يريد البصرة، فكتب أحمد بن محمَّد بن يحيى الواثقيّ - وكان يتقلّد معاون البصرة وكور دجلة في ذلك الوقت - إلى السلطان بما اتَّصل به من عَزْم هؤلاء القرامطة؛ فكتب إليه وإلى محمَّد بن هشام المتولِّي أعمال الصّدقات والخراج والضياع بها، في عمل سور على البصرة، فقُدّرت النفقة على ذلك أربعة عشر ألف دينار، فأمر بالإنفاق عليه فُبنِي (٣). وفي رجب من هذه السنّة صار إلى الأنبار جماعة من أعراب بني شَيْبان، فأغاروا على القرى، وقتلوا من لحقوا من الناس، واستاقوا المواشي. فخرج إليهم أحمد بن محمَّد بن كُمُشْجور المتولّي المعاون بها، فلم يُطقهم. فكتب إلى
следующие страницы →