الليث، ثمَّ أسِر وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، واستأمن منهم إلى مؤنس جماعة كثيرة، ودخل أصحاب السلطان النوبندجان، وكان الليث قد تغلّب عليها.
وأقام الحجّ فيها للناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمَّد (١).
ثمَّ دخلت سنة ثمان وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان فيها من غزو القاسم بن سيما أرض الروم الصائفة (٢).
وفيها وجّه المقتدر وصيف كامه الديلميّ في جيش وجماعة من القوّاد لحرب سُبْكَرِي غلام عمرو بن الليث.
وفيها كانت بين سُبْكَرِي ووصيف كامه وقعة هزمه فيها وصيف، وأخرجه من عمل فارس، ودخل وصيف كامه ومن معه فارس، واستأمن إليه من أصحاب سَبْكَرِي جماعة كثيرة، فأسر رئيس عسكره المعروف بالقتال، ومضى سَبْكَري هاربًا إلى أحمد بن إسماعيل بن أحمد بما معه من الأموال والذخائر فأخذ ما معه إسماعيل بن أحمد، وقبض عليه فحبسه.
وفيها كانت بين أحمد بن إسماعيل بن أحمد ومحمد بن عليّ بن الليث وقعة بناحية بُسْت والرُّخْج، أسره فيها أحمد بن إسماعيل.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٣).
ثمَّ دخلت سنة تسع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غزو رستم بن بردوا الصائفة من ناحية طَرَسوس، وهو
стр. 6162
والي الثغور من قبَل بني نَفيس، ومعه دميانة، فحاصر حصن مَليح الأرمنيّ، ثمَّ رَحل عنه، وأحرق أرباض ذي الكلاع.
وفيها ورد رسول أحمد بن إسماعيل بن أحمد بكتاب منه إلى السلطان يخبره فيه أنَّه فتح سِجِسْتان، وأنّ أصحابه دخلوها، وأخرجوا مَن كان بها من أصحاب الصّفار، وأن المعدّل بن عليّ بن الليث صار إليه بمن معه من أصحابه في الأمان، وكان المعدّل يومئذ مقيمًا بزرنج، فصار إلى أحمد بن إسماعيل وهو مقيم ببُسْت والرّخّج، فوجَّه به ابن إسماعيل وبعياله ومن معه إلى هراة، وبين سجستان وبُست الرخج ستون فرسخًا، فوردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الإثنين لعشر خلوْن من صفر (١).
وفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغرّ - وهو أيضًا أحد قوّاد زكرويه - مستأمنًا.
وفي ذي الحجة منها غضب على عليّ بن محمَّد بن الفُرات لأربع خلوْن منه، وحيس ووُكّل بدوره ودور أهله وأخِذ كلّ ما وُجد له ولهم، وانتهب دوره ودور بني إخوته وأهلهم، واستوزر محمَّد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان (٢).
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٣).
ثمَّ دخلت سنة ثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على بَرْقة، وهي من عمل مصر، إلى ما خلفها بأربع فراسخ، ثمَّ ما بعد ذلك من عمل المغرب بخبر خارجيّ خرج عليه، وأنه ظفر بعسكره، وقتل خلقًا من أصحابه، ومعه آذان وأنوف مَنْ قتله في خيوط وأعلام من أعلام الخارجيّ.
وفي هذه السنة كَثُرت الأمراض والعِلل ببغداد في الناس، وذُكر أنّ الكلاب
стр. 6163
والذئاب كلبت فيها بالبادية، فكانت تطلب الناس والدوابّ والبهائم، فإذا عضَّت إنسانًا أهلكته (١).
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشميّ (٢).
ثمَّ دخلت سنة إحدى وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك عزل المقتدر محمَّد بن عبيد الله عن الوزارة وحبسه إياه مع ابنيه عبد الله وعبد الواحد وتصييره عليّ بن عيسى بن داود بن الجراح له وزيرًا (٣).
وفيها أكثر أيضًا الوباء ببغداد، فكان بها منه نوع سمّوه حَنِينًا، ومنعه نوعٌ سمَّوه الماسرا؛ فأما الحَنين فكانت سليمة، وأما الماسرا فكانت طاعونًا قتالة (٤).
وفيها أحضِر دار الوزير عليّ بن عيسى رجل - ذكر أنَّه يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمَّد - مُشعْوذ، ومعه صاحب له، سمعتُ جماعة من الناس يزعمون أنَّه يدَّعى الربوبية فصُلبَ هو وصاحبه ثلاثة أيام، كلّ يوم من ذلك من أوله إلى انتصافه، ثمَّ ينزل بهما، فيؤمر بهما إلى الحبس، فحُبِس مدة طويلة، فافتتن به جماعة منهم نصر القشوريّ وغيره، إلى أن ضجّ الناس، ودَعَوْا على من يَعيبه، وفحش أمره، وأخرِج من الحبس، فقُطعت يداه ورجلاه، ثمَّ ضرِبت عنقه، ثمَّ أحرِق بالنار.
وفيها غزا الصائفة الحسين بن حمدان بن حمدون، فورد كتاب من طرسوس يذكر فيه أنَّه فتح حصونًا كثيرة، وقتل من الروم خلقًا كثيرًا (٥).
وفيها قُتِل أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر، قتله
стр. 6164
غلام له تركيٌّ - أخصُّ غلمانه به - ذبحًا، هو وغلامان معه، دخلوا عليه في قبّته، ثمَّ هربوا فلم يدرَكوا.
وفيها وقع الاختلاف بين نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد وعمّ أبيه إسحاق بن أحمد، فكان مع نصر بن أحمد غلمان أبيه وكتابه وجماعة من قُوّاده والأموال والكُراع والسلاح، وانحاز بعد قتل أبيه إلى بخارى وإسحاق بن أحمد بسَمَرْقَنْد وهو عليل من نِقْرس به، فدعا الناس بَسَمرْقنْد إلى مبايعته على الرئاسة عليهم، وبعث كلّ واحد منهما إلى السلطان كتبه خاطبًا على نفسه عمل إسماعيل بن أحمد، وأنفذ إسحاق كتبه - فيما ذكر - إلى عمران المرزبانيّ لإيصالها إلى السلطان، ففعل ذلك، وأنفذ نصر بن أحمد بن إسماعيل كتبه إلى حماد بن أحمد؛ ليتولّى إيصالَها إلى السلطان، ففعل.
وفيها كانت وقعة بين نصر بن أحمد بن إسماعيل وأصحابه من أهل بُخارى وإسحاق بن أحمد عمّ أبيه وأصحابه من أهل سَمَرْقند لأربع عشرة بقيت من شعبان منها، هَزَم فيها نصر وأصحابه إسحاقَ وأهل سمرقند ومَنْ كان قد انضمّ إليه من أهل تلك النواحي، وتفرّقوا عنه هاربين، وكانت هذه الوقعة بينهم على باب بخارى.
وفيها زحف أهل بخارى إلى أهل سَمَرْقند بعدما هزموا إسحاق بن أحمد ومَنْ معه، فكانت بينهم وقعة أخرى ظفِر فيها أيضًا أهلُ بخارى بأهل سَمَرْقند فهزموهم، وقتلوا منهم مقتلَة عظيمة، ودخلوا سَمَرْقند قَسْرًا، وأخذوا إسحاق بن أحمد أسيرًا، وولَّوْا ما كان إليه من عمل ابنًا لعمرو بن نصر بن أحمد.
وفيها دخل أصحاب ابن البصريّ من أهل المغرب برقة، وطرد عنها عامل السلطان.
وولي أبو بكر محمَّد بن عليّ بن أحمد بن أبي زنبور الماذَرَائي أعمال مصر وخراجها.
وفيها قُتِل أبو سعيد الجنّابيّ الخارج كان بناحية البحرين وهجر، قتله - فيما قيل - خادم له.
стр. 6165
وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد، وفشا الموت في أهلها، وكان أكثر ذلك - فيما قيل - في الحربية وأهل الأرباض (١).
وفيها وافَى قائد من قواد ابن البصريّ في البرابرة والمغاربة الإسكندرية.
وفيها ورد كتاب تَكِين عامل السلطان من مصر يسأله المدد.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٢).
ثمَّ دخلت سنة اثنتين وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من إشخاص الوزير عليّ بن عيسى. . . ابن عبد الباقي في ألفي فارس فيها لغزو الصائفة، معونة لبشر خادم ابن أبي الساج وهو والي طَرَسُوس من قبَل السلطان إلى طَرَسُوس، فلم يتيسَّر لهم غزو الصائفة، فغزوها شاتية في برد شديد وثلج.
وفيها تنحّى الحسن بن عليّ العَلَويّ الأطْروش بعد غلبته على طبرستان عن آمُل، وصار إلى سالوس فأقام بها، ووجّه صعلوك صاحب الريّ إليه جيشًا، فلم يكن لجيشه بها ثبات، وعاد الحسن بن عليّ إليها، ولم ير الناس مثل عدلِ الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق.
وفيها دخل حَبَاسة صاحب ابن البصريّ الإسكندرية، وغلب عليها، وذكر أنَّه وردها في مئتي مركب في البحر.
وفيها وافى حباسة صاحب ابن البصريّ موضعًا من فسطاط مصر على مرحلة، يقال لها: سَفط، ثمَّ رجع منه إلى وراء ذلك، فنزل منزلًا بين الفُسْطاط والإسكندرية.
وفيها شخص مؤنس الخادم إلى مصر لحرب حباسة، وقوِيَ بالرجال والسلاح والمال.
стр. 6166
وفيها لسبع بقين من جمادى الأولى قُبِض على الحسين بن عبد الله المعروف بابن الجصّاص وعلى ابنيه، واسْتُصْفِيَ كلّ شيء له، ثمَّ حُبِس وقُيِّد (١).
وفيها كانت وقعة بمصر بين أصحاب السلطان وحَبَاسة وأصحابه لستّ بقين من جمادى الأولى منها، فقُتل من الفريقين جماعة، وجُرحت منهم جماعة، ثمَّ أخرى بعد ذلك بيوم نحو التي كانت في هذه، ثمَّ ثالثة بعد ذلك في جمادى الآخرة منها.
ولأربع عشرة بقيت من جمادى الآخرة منها ورد كتاب بوقعة كانت بينهم، هزم أصحاب السلطان فيها المغاربة.
وفيها ورد كتاب من بشر عامل السلطان على طَرَسُوس على السلطان، يذكر فيه غزوه أرض الروم، وما فتح فيها من الحصون، وما غُنِم وسُبِيَ، وأنه أسر من البطارقة مئة وخمسين، وأن مبلغ السّبْي نحو من ألفي رأس (٢).
ولإحدى عشرة بقيَت من رجب ورد الخبر من مصر أنّ أصحاب السلطان لقوا حَباسة وأهل المغرب يقاتلونهم، فكانت الهزيمة على المغاربة، فقتلوا منهم وأسَرُوا سبعة آلاف رجل، وهرب الباقون مفلولين، وكانت الوقعة يوم الخميس بسلخ جمادى الآخرة.
وفيها انصرف حباسة ومَنْ معه من المغاربة عن الإسكندرية راجعين إلى المغرب بعد ما ناظَر - فيما ذكر - حباسة عامل السلطان بمصر على الدّخول إليه بالأمان، وجرت بينهما في ذلك كتب، وكان انصرافه - فيما ذكر - لاختلاف حدث بين أصحابه في الموضع الذي شخص منه.
وفيها أوقع يانسُ الخادم بناحية وادي الذئاب، وما قرب من ذلك الموضع بمن هنالك من الأعراب، فقتَل منهم مقتلة عظيمةً، ذكر أنَّه قتل منهم سبعة آلاف رجل، ونهب بيوتَهم، وأصاب في بيوتهم من أموال التجار وأمتعتهم التي كانوا أخذوها بقطع الطريق عليهم ما لا يحصى كثرته.
стр. 6167
ولست خلوْن من ذي الحجة هلكت بدعة مولاة المأمون.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك.
* * *
وفي اليوم الثاني والعشرين من ذي الحجة منها خرج أعراب من الحاجر على ثلاثة فراسخ مما يلي البر على المنصرفين من مكة، فقطعوا عليهم الطريق، وأخذوا. . . ما معهم من العين واستاقوا من جمالهم ما أرادوا، وأخذوا - فيما قيل - مئتين وثمانين امرأة حرائر سوى من أخذوا من المماليك والإماء (١).
تمّ الكتاب، وهو آخر تاريخ ابن جرير الطبري ﵀، وقد ضمّنّا هذا الكتاب أبوابًا من أوله إلى آخره، حيث انتهينا إليه من يومنا هذا، فما كان متأخّرًا ذكرناه برواية سماع إن أخّر الله في الأجل.
* * *