تشدّ قلبك وقلوب مَنْ معك من أوليائنا، وتثق بالله وبنصره الذي لم يزل يعوّدناه في كل من مرق عن الطاعة وانحرف عن الإيمان، وتبادر إلينا بأخبار الناحية، وما يتجدّد فيها، ولا تُخْفِ عني شيئًا من أمرها إن شاء الله.
سبحانك اللهم، وتحيتهم فيها سلام، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على جدّي محمَّد رسول الله وعلى أهل بيته وسلم كثيرًا.
* * *
نسخة كتاب عامل له إليه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
لعبد الله أحمد الإمام المهديّ المنصور بالله - ثمَّ الصدر كلُّه على مثال نسخة صدر كتابه إلى عامله الذي حكينا في الكتاب الذي قبل هذا الكتاب - إلى ولد خير الوصيّين صلى الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين وسلم كثيرًا. ثمَّ بعد ذلك: من عامر بن عيسى العنقائيّ.
سلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ أما بعد أطال الله بقاء أمير المؤمنين، وأدام الله عزّه وتأييده، ونصره وسلامته، وكرامته ونعمته وسعادته، وأسبغ نعمه عليه، وزاد في إحسانه إليه، وفضْله لديه، فقد كان وصل كتاب سيّدي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه، يُعلِمني فيه ما كان من نفوذ بعض الجيوش المنصورة مع قائد من قوّاده إلى ناحيتنا لمجاهدة أعداء الله بني الفصيص والخائن بن دُحيم، وطلبهم حيث كانوا، والإيقاع بهم وبأسبابهم وضياعهم، ويأمرني أدام الله عزّه عند نظري في كتابه بالنهوض في كلّ من قدرتُ عليه من أصحابي وعشائري للقائهم ومكانفة الجيش ومعاضدتهم والمسير بسيرهم، والعمد كلّ ما يُومون إليه ويأمرون به، وفهمتُه، ولم يصل إليّ هذا الكتاب أعز الله أمير المؤمنين حتى وافت الجيوش المنصورة؛ فنالت طرفًا من ناحية ابن دُحيم، وانصرفوا بالكتاب الوارد عليهم من مسرور بن أحمد الدّاعية ليلقوْه بمدينة أفاميَة، ثمَّ ورد عليّ كتاب مسرور بن أحمد في درجة الكتاب الذي اقتصصتُ ما فيه من صدر كتابي هذا، يأمرني فيه بجمع من تهيأ مِنْ أصحابي وعشيرتي والنهوض إلى ما قِبَله، ويحذِّرني التخلّف عنه، وكان ورود كتابه عليّ وقتَ صحّ عندنا نزول المارق سُبْك عبد مفلح مدينة عَرْقة في زهاء ألف رجل،
стр. 6127
ما بين فارس وراجل، وقد شارف بلدنا، وأطلّ على ناحيتنا، وقد وجّه أحمد بن الوليد عبد أمير المؤمنين أطال الله بقاءه إلى جميع أصحابه، ووجّهت إلى جميع أصحابي، فجمعناهم إلينا، ووجّهنا العيون إلى ناحية عَرْقة لنعرف أخبار هذا الخائن، وأين يريد، فيكون قصدنا ذلك الوجه، ونرجو أن يُظفر الله به، ويمكّن منه بمنه وقدرته.
ولولا هذا الحادث، ونزول هذا المارق في هذه الناحية، وإشرافه على بلدنا لما تأخّرت في جماعة أصحابي عن النهوض إلى مدينة أفاميَة، لتكون يدي مع أيدي القوّاد المقيمين بها لمجاهدة مَنْ بتلك الناحية حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وأعلمت سيدي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه السبب في تخلّفي عن مسرور بن أحمد، ليكونَ على علم منه، ثمَّ إن أمرني أدام الله عزه بالنفوذ إلى أفامية كان نفوذي برأيه، وامتثلتُ ما يأمرني به إن شاء الله، أتمّ الله على أمير المؤمنين نعمه وأدام عزّه وسلامته، وهنّأه كرامته، وألبسه عفوه وعافيته.
والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته؛ والحمد لله ربّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّد النبي وعلى أهل بيته الطاهرين الأخيار.
وفيها وجّه القاسم بن عبيد الله الجيوشَ إلى صاحب الشامة، وولَّى حربه محمَّد بن سليمان الكاتب الذي كان إليه ديوان الجيش، وضمّ جميع القواد إليه، وأمرهم بالسمع له والطاعة، فنفذ من الرّقة في جيش كثيف، وكتب إلى مَنْ تقدمه من القوّاد بالسمع له والطاعة.
* * *
وفيها ورد رسولًا صاحب الروم؛ أحدهما خادم، والآخر فحل، يسأله الفِداء بمن في يده من المسلمين أسير، ومعهما هدايا من صاحب الروم وأسارى من المسلمين بعث بهم إليه، فأجابهما إلى ما سألا، وخلع عليهما.
وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمَّد (١).
* * *
стр. 6128
ثمَّ دخلت سنة إحدى وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأمور الجليلة
[ذكر خبر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة]
فمن ذلك ما كان من أمر الوقعة بين أصحاب السلطان وصاحب الشامة (١).
ذكر الخبر عن هذه الوقعة:
قال أبو جعفر: قد مضى ذكرى شخوصَ المكتفي من مدينة السلام نحو صاحب الشامة لحربه ومصيره إلى الرّقة، وبثه جيوشَه فيما بين حلب وحِمْص، وتوليته حرب صاحب الشامة محمَّد بن سليمان الكاتب وتصييره أمْرَ جيشه وقوّاده إليه؛ فلما دخلت هذه السنة كتب وزيره القاسم بن عبيد الله إلى محمَّد بن سليمان وقوّاد السلطان يأمره وإيّاهم بمناهضة ذي الشامة وأصحابه، فساروا إليه حتى صاروا إلى موضع بينهم وبين حَماة - فيما قيل - اثنا عشر ميلًا، فلقُوا به أصحابَ القرمطي في يوم الثلاثاء لست خَلَوْن من المحرّم، وكان القرمطيّ قدم أصحابه، وتخلّف هو في جماعة من أصحابه، ومعه مالٌ قد كان جمعه، وجعل السَّواد وراءه، فالتحمت الحرب بين أصحاب السلطان وأصحاب القرمطي، واشتدّت، فهُزم أصحاب القرمطيّ، وقتِلوا وأسِرَ من رجالهم بشرٌ كثير، وتفرّق الباقون في البوادِي، وتَبِعهم أصحابُ السلطان ليلة الأربعاء لسبع خلوْن من المحرّم، فلمّا رأى القرمطيّ ما نزل بأصحابه من الفُلول والهزيمة حمّل - فيما قيل - أخًا له يكنى أبا الفضل مالًا، وتقدّم إليه أن يلحق بالبوادي إلى أن يظهر في موضع، فيصير إليه، وركب هو وابن عمّه المسمّى المدثّر والمطوّق صاحبه وغلام له روميّ وأخذ دليلًا، وسار يريد الكوفة عرضًا في البريّة، حتى انتهى إلى موضع يعرف بالدّاليّة من أعمال طريق الفُرات، فنفد ما كان معهم من الزّاد والعلف، فوجّه بعض من كان معه ليأخذ له ما يحتاجون إليه، فدخل الدالية المعروفة بدالية ابن طَوْق لشراءِ حاجِة، فأنكروا زيّه، وسُئِل عن أمره فمجمج،
стр. 6129
فأعلِم المتولي مسلحة هذه الناحية بخبره، وهو رجل يعرف بأبي خُبْزَة خليفة أحمد بن محمَّد بن كُشَمْرد عامل أمير المؤمنين المكتفي على المعاون بالرّحبة وطريق الفرات، فركب في جماعة، وسأل هذا الرجل عن خبره، فأخبره أن الشامة خلف رابية هنالك في ثلاثة نفر.
فمضى إليهم، فأخذهم وصار بهم إلى صاحبه، فتوجّه بهم ابن كُشَمْرد وأبو خبزة إلى المكتفي بالرّقة، ورجعت الجيوش من الطلب بعد أن قتلوا وأسروا جميعَ مَنْ قدروا عليه من أولياء القرمطيّ وأشياعه، وكتب محمَّد بن سليمان إلى الوزير بالفتح:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قد تقدّمت كتبي إلى الوزير أعزه الله في خبر القرمطيّ اللعين وأشياعه؛ بما أرجو أن يكون قد وصل إن شاء الله، ولمّا كان في يوم الثلاثاء لست ليال خلون من المحرّم رحلتُ من الموضع المعروف بالقروانة نحو موضع يعرف بالعليانة في جميع العسكر من الأولياء، وزحفْنا بهم على مراتبهم في القلب والميمنة والميسرة وغير ذلك؛ فلم أبعد أن وافاني الخبر بأن الكافر القرمطيّ أنفذ النعمان ابن أخي إسماعيل بن النعمان أحد دعاته في ثلاثة آلاف فارس، وخلْق من الرّجّالة، وإنه نزل بموضع يعرف بتمنع، بينه وبين حماة اثنا عشر ميلًا، فاجتمع إليه جميع مَنْ كان بمعرّة النعمان وبناحية الفصيصيّ وسائر النواحي من الفرسان والرّجّالة، فأسررت ذلك عن القوّاد والناس جميعًا ولم أظهره، وسألتُ الدّليل الذي كان معي عن هذا الموضع، وكم بيننا وبينه، فذكر أنَّه ستة أميال، فتوكّلت على الله ، وتقدّمت إليه في المسير نحوه، فمال بالناس جميعًا، وسرنا حتى وافيتُ الكفرة، فوجدتهم على تعبئة، ورأينا طلائعهم، فلمّا نظروا إلينا مقبلين زحفوا نحونا، وسرنا إليهم، فافترقوا ستّة كراديس، وجعلوا على ميسرتهم - على ما أخبرني من ظفرتُ به من رؤسائهم - مسرورًا العُليصيّ وأبا الحمل وغلام هارون العُليصيّ، وأبا العذاب، ورجاء وصافي وأبا يعلى العلويّ، في ألف وخمسمئة فارس، وكمنوا كمينًا في أربعمئة فارس خلْف ميسرتهم بإزاء ميمنتنا، وجعلوا في القلب النعمان العُليصيّ والمعروف بأبي الحَطّي، والحماريّ وجماعة من بطلانهم في ألف وأربعمئة فارس وثلاثة آلاف
стр. 6130
راجل، وفي ميمنتهم كليبًا العليصيّ والمعروف بالسديد العليصيّ والحسين بن العليصي وأبا الجراح العليصي وحميد العليصيّ، وجماعة من نظرائهم في ألف وأربعمئة متفرّقين، متوكّلين على الله .
وقد استحثثتُ الأولياء والغلمان وسائر الناس غيرهم، ووعدتهم، فلما رأى بعضُنا بعضًا حمل الكردوس الذي كان في ميسرتهم ضربًا بالسياط، فقصد الحسين بن حمدان، وهو في جناح الميمنة، فاستقبلهم الحسين - بارك الله عليه وأحسن جزاءه - بوجهه وبموضعه من سائر أصحابه برماحهم، فكسروها في صدورهم، فانفلّوا عنهم، وعاود القرامطة الحمل عليهم، فأخذوا السيوف، واعترضوا ضربًا للوجوه فصُرع من الكفار الفجرة ستمئة فارس في أوّل وقعة وأخذ أصحاب الحسين خمسمئة فرس وأربعمئة طوْق فضة، وولّوْا مدبرين مفلولين، واتّبعهم الحسين، فرجعوا عليه، فلم يزالوا حملة وحملة، وفي خلال ذلك يصرع منهم الجماعة بعد الجماعة؛ حتى أفناهم الله ، فلم يفلت منهم إلَّا أقل من مئتي رجل.
وحمل الكردوس الذي كان في ميمنتهم على القاسم بن سيما ويُمْن الخادم ومَنْ كان معهما من بني شيبان وبني تميم، فاستقبلوهم بالرّماح حتى كسرُوها فيهم؛ واعتنق بعضُهم بعضًا، فقتِل من الفجرة جماعةٌ كثيرة، وحمل عليهم في وقت حملتهم خليفة بن المبارك ولؤلؤ، وكنت قد جعلته جناحًا لخليفة في ثلاثمئة فارس، وجميع أصحاب خليفة؛ وهم يعاركون بني شيبان وتميم، فقتِل من الكفرة مقتلة عظيمة، واتّبعوهم، فأخذ بنو شيبان منهم ثلاثمئة فرس ومئة طوْق، وأخذ أصحاب خليفة مثلَ ذلك؛ وزحف النعمان ومَنْ معه في القلْب إلينا، فحملتُ ومَنْ معي، وكنت بين القلب والميمنة، وحمل خاقان ونصر القشوريّ ومحمد بن كُمُشجُور ومَنْ كان معهم في الميمنة، ووصيف مُوشكير ومحمد بن إسحاق بن كُنْداجيق وابنا كَيْغلَغ والمبارك القمّي وربيعة بن محمَّد ومهاجر بن طليق والمظفر بن حاج وعبد الله بن حمدان وحيّ الكبير ووصيف البكتمريّ وبشر البكتمريّ ومحمد بن قَراطُغان.
وكان في جناح الميمنة جميعُ من حمل على مَنْ في القلب ومَن انقطع ممّن كان حمل على الحسين بن حمدان، فلم يزالوا يقتلون الكفار فرسانهم ورجّالتهم
стр. 6131
حتى قُتلوا أكثر من خمسة أميال، ولما أن تجاوزتُ المصافّ بنصف ميل خفتُ أن يكون من الكفار مكيدة في الاحتيال على الرّجالة والسواد، فوقفتُ إلى أن لحقوني، وجمعتهم وجمعت الناس إليّ وبين يدي المطرد المبارك، مطرد أمير المؤمنين، وقد حملت في الوقت الأوّل، وحمل الناس، ولم يزل عيسى النوشري ضابطًا للسواد من مصافّ خلفهم مع فرسانه ورجّالته على ما رسمتُه له، لم يَزُل من موضعه إلى أن رجع الناس جميعًا إليّ من كلّ موضع، وضربت مضربي في الموضع الذي وقفت فيه؛ حتى نزل الناس جميعًا، ولم أزل واقفًا إلى أن صلّيتُ المغربَ، حتى استقرّ العسكر بأهلِه، ووجَّهت في الطلائع ثمَّ نزلت؛ وأكثرت حمد الله على ما هنّأنا به من النصر، ولم يُبق أحد من قوّاد أمير المؤمنين وغلمانه ولا العجم وغيرهم غاية في نصر هذه الدولة المباركة في المناصحة لها إلَّا بلغوها؛ بارك الله عليهم جميعًا!
ولمّا استراح الناس خرجت والقوّاد جميعًا لنقيم خارج العسكر إلى أن يصبح الناس خوفًا من حيلة تقع، وأسأل الله تمام النعمة وإيزاع الشكر؛ وأنا - أعزّ الله سيدنا الوزير - راحل إلى حَماة، ثمَّ أشخص إلى سلمية بمنّ الله تعالى وعونه، فمن بَقيَ من هؤلاء الكفار مع الكافر فهم بسلمية؛ فإنَّه قد صار إليها منذ ثلاثة أيام، وأحتاج إلى أن يتقدم الوزير بالكتاب إلى جميع القوّاد وسائر بطون العرب من بني شَيْبان وتغلِب وبني تميم، يجزيهم جميعًا الخير على ما كان في هذه الوقعة؛ فما بقيَ لأحد منهم - صغير ولا كبير - غاية، والحمد لله على ما تفضّل بهّ، وإياه أسأل تمامَ النعمة.
ولما تقدَّمت في جمع الرؤوس، وُجِد رأس أبي الحمل، ورأس أبي العذاب وأبي البغل، وقيل إن النعمان قد قُتِل؛ وقد تقدّمت في طلبه، وأخذ رأسِه وحمله مع الرؤوس إلى حضرة أمير المؤمنين إن شاء الله.
وفي يوم الإثنين الأربع بقين من المحرَّم، أدخِل صاحب الشامة إلى الرّقة ظاهرًا للناس على فالج، عليه برنس حرير ودرّاعة ديباج، وبين يديه المدّثّر والمطوّق على جملين.
ثمَّ إن المكتفي خلّف عساكره مع محمَّد بن سليمان، وشخص في خاصّته وغلمانه وخدمه، وشخص معه القاسم بن عبيد الله من الرّقة إلى بغداد، وحمل
стр. 6132
معه القرمطيّ والمدثّر والمطوّق وجماعة من أسارى الوقعة، وذلك في أول صفر من هذه السنة.
فلما صار إلى بغداد عزم - فيما ذكر - على أن يدخل القرمطيَّ مدينة السلام مصلوبًا على دَقَل، والدّقل على ظهر فيل؛ فأمر بهدم طاقات الأبواب التي يجتاز بها الفيل، إن كانت أقصر من الدَّقل؛ وذلك مثل باب الطاق وباب الرّصافة وغيرهما.
ثمَّ استسمج المكتفي - فيما ذكر - فعل ما كان عزم عليه من ذاك، فعمل له دميانة - غلام يازَمان - كرسيًّا، وركِّب الكرسيّ على ظهر الفيل، وكان ارتفاعه عن ظهر الفيل ذراعيْن ونصف ذراع - فيما قيل - ودخل المكتفي مدينة السلام بغداد صبيحة يوم الإثنين لليلتين خَلَتا من شهر ربيع الأوّل، وقُدّم الأسرى بين يديه على جِمَال مقيّدين، عليهم دراريع حرير وبرانس حرير، والمطوّق في وسطهم، غلام ما خرجتْ لحيته، قد جُعل في فيه خشبة مخروطة، وشُدّت إلى قفاه كهيئة اللجام، وذلك أنَّه لما أدخِل الرّقة كان يشتم الناس إذا دعوا عليه، ويبزق عليهم، فَفُعِل ذلك به لئلا يشتم إنسانًا.
ثمَّ أمر المكتفي ببناء دكّة في المصلّى العتيق من الجانب الشرقيّ، تكسيرها عشرون ذراعًا في عشرين ذراعًا، وارتفاعها نحو من عشرة أذرُع، وبَنيَ لها درج يصعد منه إليها، وكان المكتفي خلّف مع محمَّد بن سليمان عساكره بالرّقة عند منصَرفه إلى مدينة السلام، فتلقّط محمَّد بن سليمان مَنْ كان في تلك الناحية من قُوّاد القرمطيّ وقضاته وأصحاب شُرَطه، فأخذهم وقيّدهم، وانحدر والقوّاد الذين تخلّفوا معه إلى مدينة السلام على طريق الفرات، فوافَى باب الأنبار ليلة الخميس لاثنتي عشرة خلت منْ شهر ربيع الأوّل، ومعه جماعة من القوّاد، منهم خاقان المفلحيّ ومحمد بن إسحاق بن كنداجيق وغيرهما: فأمِر القوّاد الذين ببغداد بتلقِّي محمَّد بن سليمان والدخول معه، فدخل بغداد وبين يديه نيّف وسبعون أسيرًا، حتى صار إلى الثريّا، فخُلع عليه، وطُوّق بطوق من ذهب وسُوّر بسواريْن من ذهب، وخُلِع على جميع القوّاد القادمين معه، وطُوّقوا وسُوّروا وصُرفوا إلى منازلهم، وأمِر بالأسرى إلى السجن.
وذكر عن صاحب الشامة أنَّه أخذَ وهو في حبس المكتفي سكرجّة من المائدة
стр. 6133
التي تدخل إليه فكسرها، وأخذ شظيَّة منها فقطع بها بعض عروق نفسه، فخرج منه دم كثير، ثمَّ شَدّ يده، فلما وقف المولَّى خدمته على ذلك سأله: لمَ فعل ذلك؟ فقال: هاج بي الدم فأخرجته، فترِك حتى صلح، ورجعت إليه قوّته.
ولما كان يوم الإثنين لسبع بَقين من شهر ربيع الأوّل أمر المكتفي القوّاد والغلمان بحضور الدّكة التي أمر ببنائها، وخرج من الناس خلقٌ كثير لحضورها، فحضروها، وحضر أحمد بن محمَّد الواثِقيّ وهو يومئذ يلي الشرطة بمدينة السلام ومحمد بن سليمان كاتب الجيش الدّكة، فقعدا عليها، وحمِل الأسرى الذين جاء بهِم المكتفي معه من الرَّقة والذين جاء بهم محمَّد بن سليمان ومَنْ كان في السجن من القَرامطة الذين جمعوا من الكوفة، وقومٌ من أهل بغداد كانوا على رأي القرامطة، وقومٌ من الرّفوغ من سائر البلدان من غير القرامطة - وكانوا قليلًا - فجيء بهم على جمال، وأحضِروا الدّكة، ووقفوا على جمالهم، ووكِّل بكلّ رجل منهم عونان، فقيل: إنهم كانوا ثلاثمئة ونيّفًا وعشرين، وقيل ثلاثمئة وستين، وجيء بالقرمطيّ الحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة؛ ومعه ابن عمه المعروف بالمدّثر على بغل في عماريّة، وقد أسبِل عليهما الغشاء، ومعهما جماعة من الفرسان والرّجّالة، فصعِد بهما إلى الدكة، وأقعِدا، وقدّم أربعة وثلاثون إنسانًا من هؤلاء الأسارى، فقُطِعت أيديهم وأرجلهم، وضُربت أعناقهم واحدًا بعد واحد، كان يُؤخذ الرجل فيبطح على وجهه فتقطع يمنى يديه، ويحلّق بها إلى أسفل ليراها الناس، ثمَّ تُقطع رجله اليسرى، ثمَّ يسرى يديه، ثمَّ يمنى رجليه، ويُرمى بما قطِع منه إلى أسفل، ثمَّ يقعَد فيمدّ رأسه، فيضُرب عنقه، ويرمَى برأسه وجثته إلى أسفل، وكانت جماعة من هؤلاء الأسرى قليلة يضجّون ويستغيثون، ويحلفون: أنهم ليسوا من القرامطة.
فلما فُرغ من قتل هؤلاء الأربعة والثلاثين النفس - وكانوا من وجوه أصحاب القرمطيّ - فيما ذكر - وكبرائهم قُدّم المدّثر، فقطِعت يداه ورجلاه وضربت عنقه، ثمَّ قدَّم القرمطيّ فضُرِب مئتي سوط، ثمَّ قطِعت يداه ورجلاه، وكوِيَ فغُشِيَ عليه، ثمَّ أخِذ خشب فأضرمت فيه النار، ووُضع في خواصرِه وبطنه، فجعل يفتح عينيه ثمَّ يغمضهما؛ فلما خافوا أن يموت ضُربت عنقه، ورُفع رأسه على خشبة، وكبّر مَن على الدكة وكبّر سائر الناس، فلما قُتِل انصرف القوّاد ومَنْ
стр. 6134
كان حضر ذلك الموضع للنظر إلى ما يُفعل بالقرمطيّ. وأقام الواثقيّ في جماعة من أصحابه في ذلك الموضع إلى وقت العشاء الآخرة، حتى ضُربت أعناق باقي الأسرى الذين أحضروا الدّكة، ثمَّ انصرف (١).
فلما كان من غد هذا اليوم حُملت رؤوس القتلى من المصلّى إلى الجسر، وصُلِب بَدَن القرمطيّ في طرف الجسر الأعلى ببغداد، وحفِرت لأجساد القتلى في يوم الأربعاء آبار إلى جانب الدّكة، وطُرحت فيها وطُمّت، ثمَّ أمِر بعد أيام بهدم الدكة ففُعل.
ولأربع عشرة خلتْ من شهر ربيع الآخر وافى بغداد القاسم بن سيما منصرفًا عن عمله بطريق الفرات، ومعه رجلٌ من بني العُلَيص من أصحاب القرمطيّ صاحب الشامة؛ دخل إليه بأمان، وكان أحد دعاة القرمطي، يكنى أبا محمَّد، وكان سبب دخوله في الأمان أنَّ السلطان راسلَه، ووعده الإحسان إن هو دخل في الأمان، وذلك أنَّه لم يكن بقي من رؤساء القرامطة بنواحي الشأم غيره، وكان من موالي بني العليص، فرّ وقتَ الوقعة إلى بعض النواحي الغامضة، فأفلت، ثمَّ رغب في الدّخول في الأمان والطاعة خوفًا على نفسه، فوافَى هو ومَنْ معه مدينة السلام، وهم نَيّفٌ وستون رجلًا، فأومنوا وأحسِن إليهم، ووُصِلوا بمال حمِل إليهم، وأخرج هو ومَنْ معه إلى رَحبة مالك بن طَوْق مع القاسم بن سيما، وأجريت لهم الأرزاق، فلما وصل القاسم بن سيما إلى عمله وهم معه، أقاموا معه مدّة، ثمَّ أجمعوا على الغدر بالقاسم بن سيما، وائتمروا به، ووقف على ذلك من عزمهم، فبادرهم ووضع السيف فيهيم فأبارهم، وأسر جماعة منهم، فارتدع مَنْ بقي من بني العليص ومواليهم، وذلّوا ولزموا أرض السَّماوة وناحيتها مدة حتى راسلهم الخبيث زكرويه، وأعلمهم أنّ مما أوحي إليه، أن المعروف بالشيخ وأخاه يُقتلان، وأن إمامَه الذي يوحَى إليه يظهر بعدهما ويظفر.
* * *
وفي يوم الخميس لتسع خلون من جمادى الأولى زوّج المكتفي ابنه محمّدًا
стр. 6135
ويكنى أبا أحمد بابنة أبي الحسين القاسم بن عبيد الله على صداقِ مئة ألف دينار.
وفي آخر جمادى الأولى من هذه السنة وَرَد - فيما ذكر - كتاب من ناحية جُبّى، يذكر فيه أن جُبّى وما يليها جاءها سيل في وادٍ من الجبل، فغرّق نحوًا من ثلاثين فرسخًا، غرق في ذلك خلقٌ كثير، وغرقت المواشي والغَلّات، وخربت المنازل والقُرى، وأخرِج من الغرقى ألف ومئتا نفس، سوى من لم يلحق منهم.
وفي يوم الأحد غرّة رجب خلَع المكتفي على محمَّد بن سليمان كاتب الجيش وعلى جماعة من وجوه القوّاد، منهم محمَّد بن إسحاق بن كُنداجيق، وخليفة بن المبارك المعروف بأبي الأغرّ وابنا كيغَلغ، وبندقة بن كُمُشجور، وغيرهم من القوّاد، وأمرهم بالسمع والطاعة لمحمد بن سليمان، وخرج محمَّد بن سليمان والخِلَع عليه حتى نزل مضربه بباب الشماسيّة، وعسكر هنالك، وعسكر معه جماعة القوّاد الذين أخرِجوا وبرزوا، وكان خروجهم ذلك قاصدين لدمشق ومصر لقبض الأعمال من هارون بن خمارويه؛ لِما تبيّن للسلطان من ضعفه وضعف مَنْ معه وذهاب رجاله بقتل مَنْ قتل منهم القرمطيّ.
ثمَّ رحل لستّ خلون من رجب محمَّد بن سليمان بن باب الشماسيّة ومن ضمّ إليه من الرجال، وهم زهاء عشرة آلاف رجل، وأمر بالجدّ في المسير.
ولثلاث بقين من رجب قرئ في الجامعين بمدينة السلام كتابٌ ورد من إسماعيل بن أحمد من خراسان، يذكر فيه أنّ الترك قصدوا المسلمين في جيش عظيم وخلق كثير، وأنه كان في عسكرهم سبعمئة قبّة تركيّة، ولا يكون ذلك إلَّا للرؤساء منهم، فوُجّه إليه برجل من قُوّاده في جيش ضمّه إليه، ونودي في الناس بالنّفير، فخرج من المطّوّعة ناس كثير، ومضى صاحب العسكر نحو الترك بمَنْ معه، فوافاهم المسلمون وهم غارُّون، فكبسوهم مع الصّبح، فقُتِل منهم خلق كثير، وانهزم الباقون، واستُبِيح عسكرهم، وانصرف المسلمون إلى موضعهم سالمين غانمين (١).
وفي شعبان منها ورد الخبر أنّ صاحب الروم وجّه عشرة صلبان معها مئة ألف
стр. 6136
رجل إلى الثّغور، وأن جماعة منهم قصدت نحو الحدث، فأغاروا وسَبَوْا مَنْ قدروا عليه من المسلمين، وأحرقوا (١).
وفي شهر رمضان منها ورد كتاب من القاسم بن سيما من الرّحبة على السلطان، يذكر فيه أن الأعراب الذين استأمنوا إلى السلطان وإليه من بني العُليص ومواليهم ممنّ كان مع القرمطيّ نكثوا وغدروا، وأنهم عزموا على أن يكبسوا الرّحبة في يوم الفطر، عند اشتغال الناس بصلاة العيد، فيقتلوا مَنْ يلحقون، وأن يحرقوا وينهبوا، وإني أوقعت عليهم الحيلة حتى قتلت منهم وأسرت خمسين ومئة نفس، سوى مَن غَرق منهم في الفرات، وإني قادم بالأسرى وفيهم جماعة من رؤسائهم وبرؤوس مَنْ قتِل منهم (٢).
وفي آخر شهر رمضان من هذه السنة ورد كتاب من أبي معدان من الرّقة - فيما قيل - باتصال الأخبار به من طَرَسوس أنّ الله أظهر المعروف بغلام زرافة في غزاة غزاها الرّوم في هذا الوقت بمدينة تدعى أنطالية، وزعموا أنها تعادل قسطنطينيّة، وهذه المدينة على ساحل البحر، وأن غلام زرافة فَتَحها بالسيف عنوة، وقتل - فيما قيل - خمسة آلاف رجل، وأسر شبيهًا بعدّتهم، واستنقذ من الأسارى أربعة آلاف إنسان، وأنه أخذ للروم ستين مركبًا، فحمّلها ما غنم من الفضة والذهب والمتاع والرقيق، وأنه قدّر نصيب كلّ رجل حضر هذه الغزاة، فكان ألف دينار، فاستبشر المسلمون بذلك، وبادرتُ بكتابي هذا ليقف الوزير على ذلك.
وكتب يوم الخميس لعشر خلون من شهر رمضان.
* * *
وأقام الحجّ للناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمَّد (٣).
стр. 6137
ثمَّ دخلت سنة اثنتين وتسعين ومئتين ذكر ما كان فيها من الأحداث الجليلة
فمن ذلك ما كان من توجيه نزار بن محمَّد من البصرة إلى السلطان ببغداد رجلًا ذكر أنَّه أراد الخروج على السلطان، وصار إلى واسط، وأن نزارًا وجَّه في طلبه مَنْ قبض عليه بواسط، وأحدره إلى البصرة، وأنه أخَذ بالبصرة قومًا؛ ذكر أنهم بايعوه، فوجّه نزار جميعهم في سفينة إلى بغداد، فوقفوا في فُرْضة البصريين، ووجّه جماعة من القواد إلى فرضة البصريين، فحمِل هذا الرجل على الفالج، وبين يديه ابن له صبيّ على جمل، ومعه تسعة وثلاثون إنسانًا على جمال، وعلى جماعتهم برانس الحرير ودراريع الحرير، وأكثرهم يستغيث ويبكي، ويحلف أنَّه برئ، وأنه لا يعرف مما ادّعي عليه شيئًا، وجازوا بهم في التمارين وباب الكرخ والخلد حتى وصلوا إلى دار المكتفي، فأمر بردّهم، وحبسهم في السجن المعروف بالجديد.
وفي المحرّم منها أغار أنْدُرونقس الروميّ على مَرْعَش ونواحيها، فنفر أهل المصّيصة وأهل طَرَسوس، فأصيب أبو الرّجال بن أبي بكار في جماعة من المسلمين.
وفي المحرّم منها صار محمَّد بن سليمان إلى حدود مصر لحرب هارون بن خمارويه، ووجّه المكتفي دميانة غلام يا زمان من بغداد، وأمره بركوب البحر والمضيّ إلى مصر ودخول النيل، وقطع الموادّ عمّن بمصر من الجند، فمضى ودخل النيل حتى وصل إلى الجسر، فأقام به، وضيّق عليهم، وزحف إليهم محمَّد بن سليمان في الجيوش على الظهر حتى دنا من الفسطاط، وكاتب القوّاد الذين بها، فكان أوّل مَنْ خرج إليه بدر الحماميّ - وكان رئيس القوم - فكسرهم ذلك، ثمَّ تتابع مَنْ يستأمن إليه من قوّاد المصريّين وغيرهم؛ فلما رأى ذلك هارون وبقية مَنْ معه، زحفوا إلى محمَّد بن سليمان، فكانت بينهم وَقعات - فيما ذكر - ثمَّ وَقع بين أصحاب هارون في بعض الأيام عصبيّة فاقتتلوا، فخرج هارون ليُسكتَهم، فرماه بعض المغاربة بزانة فقتله.
وبلغ محمَّد بن سليمان الخبرُ، فدخل هو ومَنْ معه الفسطاط، واحتوى على
стр. 6138
دور آل طولون وأسبابهم، وأخذهم جميعًا وهم بضعة عشر رجلًا، فقيّدهم وحبسهم، واستصفَى أموالهم، وكتب بالفتح، وكانت الوقعة في صفر من هذه السنة (١).
وكتِب إلى محمَّد بن سليمان في إشخاص جميع آل طولون وأسبابهم من القوّاد، وألا يترك أحدًا منهم بمصر ولا بالشام، وأن يبعث بهم إلى بغداد، ففعل ذلك.
ولثلاث خلوْن من شهر ربيع الأوّل منها سقط الحائط الذي على رأس الجسر الأوّل من الجانب الشرقيّ من الدار التي كانت لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر على الحسين بن زكرويه القرمطيّ، وهو مصلوب بقرب ذلك الحائط، فطحنه، فلم يُوجد بعد منه شيء.
وفي شهر رمضان منها ورد الخبر على السلطان بأنّ قائدًا من قوّاد المصريّين - يُعرف بالخليجيّ، يسمى إبراهيم - تخلّف عن محمَّد بن سليمان في آخر حُدود مصر مع جماعة استمالهم من الجند وغيرهم، ومضى إلى مصر مخالفًا للسلطان، وصار معه في طريقه جماعة تحبّ الفتنة، حتى أكثر جمعه، فلما صار إلى مصر أراد عيسى النُّوشريّ محارَبته، وكان عيسى النُّوشريّ العامل على المعونة بها يومئذ فعجز عن ذلك لكثرة من مع الخليجيّ، فانحاز عنه إلى الإسكندرية وأخلَى مصر فدخلها الخليجيّ.
وفيها ندب السلطان لمحاربة الخليجيّ وإصلاح أمر المغرب فاتكًا مولى المعتضد، وضمّ إليه بدرًا الحماميّ، وجعله مشيرًا عليه فيما يعمل به، وضمّ إليه جماعة من القوّاد وجندًا كثيرًا.
ولسبع خلون من شوال منها خلِع على فاتك وبدر الحماميّ لِمَا ندبا إليه من الخروج إلى مصر، وأمِرا بسرعة الخروج، ثمَّ شخص فاتك وبدر الحماميّ لاثنتي عشرة خلت من شوال.
وللنصف من شوّال منها دخل مدينة طَرَسُوس رستم بن بردوا واليًا عليها وعلى الثغور الشامية.
стр. 6139
وفيها كان الفداء بين المسلمين والرّوم، وأوّل يوم من ذلك كان لستّ بقين من ذي القعدة منها، فكان جملة مَنْ فُودي به من المسلمين - فيما قيل - ألفًا ونحوًا من مئتي نفس، ثمَّ غدر الرُّوم، فانصرفوا ورجع المسلمون بمن بقي معهم من أسارى الروم، فكان عهد الفداء والهدنة من أبي العشائر والقاضي ابن مكرم؛ فلما كان من أمر أنْدُرُونقس ما كان من غارته على أهل مَرْعش وقتله أبا الرّجال وغيره، عزِل أبو العشائر وولِّيَ رستم، فكان الفداء على يديه، وكان المتولِّي أمرَ الفداء من قبَل الروم رجلٌ يدعَى أسطانه (١).
وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن العباس بن محمَّد (٢).
* * *
ثمَّ دخلت سنة ثلاث وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ورود الخبر لخمس بَقِين من صفر؛ بأن الخليجيّ المتغلِّب على مصر، واقع أحمد بن كَيْغلَغَ وجماعةً من القوّاد بالقرب من العريش، فهزمهم أقبح هزيمة، فنُدب للخروج إليه جماعة من القوّاد المقيمين بمدينة السلام، فيهم إبراهيم بن كَيْغلَغ، فخرجوا.
ولسبعٍ خلوْن من شهر ربيع الأوّل منها، وافى مدينةَ السلام قائد من قوّاد طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث الصفار مستأمنًا، يعرف بأبي قابوس، مفارقًا عسكر السِّجْزيّة، وذلك أن طاهر بن محمَّد - فيما ذكر - تشاغل باللهو والصيد، ومضى إلى سِجِسْتان للصّيد والنزهة، فغلب على الأمر بفارس الليمث بن عليّ بن الليث وسبكرى مولى عمرو بن الليث، ودبّر الأمر في عمل طاهر والاسم له، فوقع بينهم وبين أبي قابوس تباعدٌ، ففارقهم وصار إلى باب السلطان، فقبله السلطان، وخلع عليه وعلى جماعة معه وحَباه وأكرمه، فكتب طاهر بن
стр. 6140
محمَّد بن عمرو بن الليث إلى السلطان يسأله ردّ أبي قابوس إليه، ويذكر أنَّه استكفاه بعضَ أعمال فارس، وأنه جَبَى المال، وخرج به معه، ويسأل إن لم يردّ إليه أن يحسب له ما ذهب به من مالِ فارس ممَّا صُودر عليه، فلم يجبه السلطان إلى شيء من ذلك.
* * *
[ذكر الخبر عن ظهور أخي الحسين بن زكرويه] (١)
وفي هذا الشهر من هذه السنة ورد الخبر أن أخًا للحسين بن زكرويه المعروف بصاحب الشامة ظهر بالدّالية من طريق الفرات في نفر، وأنه اجتمع إليه نفر من الأعراب والمتلصّصة فسار بهم نحو دمشق على طريق البرّ، وعاث بتلك الناحية، وحارب أهلها، فنُدب للخروج إليه الحسين بن حمدان بن حمدون، فخرج في جماعة كثيرة من الجند، وكان مصير هذا القرمطيّ إلى دمشق في جمادى الأولى من هذه السنة، ثمَّ ورد الخبر أنّ هذا القرمطيّ صار إلى طَبَريّة فامتنعوا من إدخاله، فحاربهم حتى دخلها، فقَتَل عامة مَنْ بها من الرّجال والنساء، ونهبها، وانصرف إلى ناحية البادية.
وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بأنّ الداعية الذي بنواحي اليمن صار إلى مدينة صنعاء، فحاربه أهلُها، فظفر بهم، فقتل أهلها، فلم ينفلت منهم إلا القليل، وتغلّب على سائر مدن اليمن (٢).
* * *
عاد الخبر إلى ما كان من أمر أخي ابن زكرَويْه (٣)
فذكر عن محمَّد بن داود بن الجراح أنَّه قال: أنفذ زكرويه بن مهرويه بعدما
стр. 6141
قتلِ ابنه صاحبُ الشامة رجلًا كان يعلّم الصبيان بقرية تدعى الزّابوقة من عمل الفلُّوجة، يسمَّى عبد الله بن سعيد، ويكنى أبا غانم، فتسمّى نصرًا ليعمي أمره، فدار على أحياء كَلْب يدعوهم إلى رأيه، فلم يقبله منهم أحد سوى رجل من بني زياد، يسمّى مقدام بن الكيّال، فإنَّه استغوى له طوائفَ من الأصبغيّين المنتمين إلى الفواطم وسواقط من العُليصِيّين وصعاليك من سائر بطون كلب، وقصد ناحية الشام، وعاملُ السلطان على دمشق والأردنّ أحمد بن كَيْغَلَغ، وهو مقيم بمصر على حرب ابن خَليج، الذي كان خالف محمَّد بن سليمان، ورجع إلى مصر، فغلب عليها، فاغتنم ذلك عبد الله بن سعيد هذا، وسار إلى مدينتي بُصرى وأذرعات من كُورتيْ حوران والبثنيّة، فحارب أهلها ثمَّ آمنهم، فلما استسلموا قَتل مقاتلتَهم، وسبى ذراريّهم، واستصفى أموالَهم، ثمَّ سار يؤمّ دمشق، فخرج إليه جماعة ممن كان مرسومًا بتشحيِنها من المصريّين كان خلّفهم أحمد بن كيغلغ مع صالح بن الفضل، فظهروا عليهم، وأثخنوا فيهم، ثمَّ اغترّوهم ببذل الأمان لهم، فقتلوا صالحًا، وفضُّوا عسكره، ولم يطمعوا في مدينة دمشق، وكانوا قد صاروا إليها، فدافعهم أهلُها عنها، فقصدوا نحو طبريّة مدينة جند الأردنّ، ولحق بهم جماعة افتتنت من الجند بدمشق، فواقعهم يوسف بن إبراهيم بن بغامردي عامل أحمد بن كَيْغَلَغ على الأردنّ، فكسروه وبذلوا الأمان له، ثمَّ غدروا به، فقتلوه ونهبوا مدينة الأردنّ، وسبوا النساء، وقتلوا طائفة من أهلها، فأنفذ السلطان الحسين بن حمدان لطلبهم ووجوهًا من القوّاد، فورد دمشق وقد دخل أعداء الله طبريّة، فلما اتّصل خبره بهم عطفوا نحو السماوة، وتبعهم الحسيه يطلبهم في برِّيّة السَّماوة، وهم ينتقلون من ماء إلى ماء، ويعوِّرونه حتى لجؤوا إلى الماءين المعروفين بالدِّمْعَانة والحالة، وانقطع الحسين من اتباعهم لعدمه الماء، فعاد إلى الرّحبة، وأسرى القرامطةُ مع غاويهم المسمّى نصرًا إلى قرية هِيت فصبّحوها وأهلُها غارّون لتسع بقين من شعبان مع طلوع الشمس، فنهب رَبَضَها، وقتل مَنْ قدر عليه من أهلها، وأحرق المنازل، وانتهب السفن التي في الفرات في غرضتها، وقتل من أهل البلد - فيما قيل - زهاء مئتي نفس ما بين رجل وامرأة وصبيّ، وأخذ ما قدر عليه من الأموال والمتاع، وأوقر - فيما قيل - ثلاثة آلاف راحلة، كانت معه زهاءَ مئتي كرّ حنطة بالمعدَّل ومن البُرّ والعطر والسقط جميع ما احتاج إليه، وأقام بها بقية اليوم الذي
стр. 6142
دخلها والذي بعده، ثمَّ رحل عنها بعد المغرب إلى البرّيّة، وإنما أصاب ذلك مِنْ رَبَضِها، وتحصّن منه أهلُ المدينة بسورها، فشخص محمَّد بن إسحاق بن كُنْداجيق إلى هِيت في جماعة من القوّاد في جيش كثيف بسبب هذا القرمطيّ، ثمَّ تبعه بعد أيام مؤنس الخازن.
وذكر عن محمَّد بن داود، أنَّه قال: إنَّ القرامطة صبّحوا هِيت وأهلُها غارّون فحماهم الله منه بسورها، ثمَّ عجّل السلطان محمَّد بن إسحاق بن كُنْدَاجيق نحوهم، فلم يقيموا بها إلا ثلاثًا، حتى قرب محمَّد بن إسحاق منهم، فهربوا منه نحو الماءين، فنهض محمَّد نحوهم، فوجدهم قد عوّروا المياه بينه وبينهم، فأنفِذت إليه من الحضرة الإبل والروايا والزّاد، وكُتب إلى الحسين بن حمدان بالنفوذ من جهة الرّحبة إليهم ليجتمع هو ومحمد بن إسحاق على الإيقاع بهم، فلما أحسّ الكلبيّون بإشراف الجند عليهم، ائتمروا بعدوّ الله المسمّى نصرًا، فوثبوا عليه، وفتكوا به، وتفرّد بقتله رجلٌ منهم يقال له الذئب بن القائم، وشخص إلى الباب متقرّبًا، بما كان منه، ومستأمِنًا لبقيتهم، فأسنِيت له الجائزة، وعُرِف له ما أتاه، وكُفّ عن طلب قومِه، فمكث أيامًا ثمَّ هرب، وظفرت بطلائع محمَّد بن إسحاق برأس المسمّى بنصر، فاحتزّوه وأدخلوه مدينة السلام، واقتتلت القرامطة بعده، حتى وقعت بينهما الدماء، فصار مقدام بن الكيّال إلى ناحية طيئ مفلتًا بما احتوى عليه من الحُطام، وصارت فرقة منهم كرهت أمورَهم إلى بني أسد المقيمين بنواحي عين التمر، فجاوروهم وأرسلوا إلى السلطان وفدًا يعتذرون مما كان منهم، ويسألون إقرارهم في جوار بني أسد، فأجيبوا إلى ذلك، وحصلت على الماءين بقية الفسَقة المستبصرة في دين القرامطة.
وكتب السلطان إلى حسين بن حمدان في معاودتهم باجتثاث أصولهم، فأنفذ زكرويه إليهم داعيةً له من أكَرة أهل السواد يسمّى القاسم بن أحمد بن عليّ، ويعرف بأبي محمّد، من رستاق نهر تلحانا، فأعلمهم أنّ فعل الذئب بن القائم قد أنفره عنهم، وثقّل قلبه عليهم، وأنهم قد ارتدّوا عن الدين، وأن وقت ظهورهم قد حضر، وقد بايع له بالكُوفة أربعون ألف رجل، وفي سوادها أربعمئة ألف رجل، وأن يوم موعدهم الذي ذكره الله في كتابه في شأن موسى كليمه عليه
стр. 6143
السلام وعدوه فرعون إذ يقول: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾، وأن زكرويه يأمرهم أن يخفوا أمرهم، ويظهروا الانقلاع نحو الشام، ويسيروا نحو الكوفة حتى يصبِّحوها في غداة يوم النحر، وهو يوم الخميس لعشر تخلو من ذي الحجة سنة ثلاث وتسعين ومئتين، فإنهم لا يُمنعون منها، وأنه يظهر لهم، وينجز لهم وعَده الذي كانْت رسله تأتيهم به، وأن يحملوا القاسم بن أحمد معهم، فامتثلوا أمره، ووافوْا باب الكوفة، وقد انصرف الناس عن مصلّاهم مع إسحاق بن عمران عامل السلطان بها، وكان الذين وافوا باب الكوفة في هذا اليوم - فيما ذكر - ثمانمئة فارس أو نحوها، رأسهم الذبلانيّ بن مهرويه من أهل الصوعق، وقيل: هو من أهل جُنْبُلَاء، عليهم الدّروع والجواشن والآلة الحسنة، ومعهم جماعة من الرّجالة على الرّواحل فأوقعوا بمَنْ لحقوه من العوامّ، وسلبوا جماعة، وقتلوا نحوًا من عشرين نفسًا، وبادر الناس إلى الكوفة فدخلوها، وتنادَوْا السلاح، فنهض إسحاق بن عمران في أصحابه، ودخل مدينة الكوفة من القَرامطة زهاء مئة فارس من الباب المعروف بباب كندة، فاجتمعت العوامّ وجماعة من أصحاب السلطان، فرموْهم بالحجارة وحاربوهم وألقوا عليهم السُّتُر، فقتِل منهم زهاء عشرين نفسًا، وأخرجوهم من المدينة، وخرج إسحاق بن عمران ومَنْ معه من الجند، فصافُّوا القرامطة الحرب، وأمر إسحاق بن عمران أهل الكوفة بالتحارس لئلا يجد القرامطة غِرّة منهم، فيدخلوا المدينة، فلم يزل الحرب بينهم إلى وقت العصر يوم النّحر، ثمَّ انهزمت القرامطة نحو القادسيّة، وأصلح أهل الكوفة سورَهم وخندقهم، وقاموا مع أصحاب السلطان يحرُسون مدينَتهم ليلًا ونهارًا.
وكتب إسحاق بن عمران إلى السلطان يستمدّه، فندب للخروج إليه جماعة من قوّاده، منهم طاهر بن عليّ بن وزير، ووصيف بن صوار تكبن التركيّ، والفضل بن موسى بن بغا، وبشر الخادم الأفشيني، وجنى الصَّفوانيّ، ورائق الخزريّ. وضمّ إليه جماعةً من غلمان الحُجَر وغيرهم، فشخص أولهم يوم الثلاثاء للنصف من ذي الحجة، ولم يرأس واحد منهم؛ كلُّ واحد منهم رئيس على أصحابه. وأمر القاسم بن سيما وغيره من رؤساء الأعراب بجمع الأعراب من البوادي بديار مُضَر وطريق الفرات ودَقُوقاء وخانيجَار وغيرها من النواحي،
стр. 6144
لينهضوا إلى هؤلاء القرامِطة إذْ كان أصحاب السلطان متفرّقين في نواحي الشام ومصر، فمضت الرسائل بذلك إليهم، فحضروا، ثمَّ ورد الخبر فيها بأنّ الذين شخصوا مددًا لإسحاق بن عمران خرجوا إلى زكرويه في رجالهم، وخلّفوا إسحاق بن عمران بالكوفة مع مَنْ معه من رجاله ليضبطها، وصاروا إلى موضع بينه وبين القادسيّة أربعة أميال، يعرف بالصؤر وهي في البرّية في العرض، فلقيهم زكرويه هنالك فصافّوه يوم الإثنين لتسع بقين من ذي الحجة.
وقد قيل كانت الوقعة يوم الأحد لعشر بَقِين منه، وجعل أصحاب السلطان بينهم وبين سوادهم نحوًا من ميل، ولم يخلّفوا أحدًا من المقاتلة عنده، واشتدّت الحرب بينهم، وكانت الدّبَرة أوّل هذا اليوم على القرمطيّ وأصحابه حتى كادوا أن يظفروا بهم، وكان زكرويه قد كَمّن عليهم كمينًا من خلفهم، ولم يشعروا به، فلما انتصف النهار خرج الكمين على السواد فانتهبه، ورأى أصحاب السلطان السيف من ورائهم، فانهزموا أقبَح هزيمة، ووضع القرمطيّ وأصحابه السيفَ في أصحاب السلطان، فقتلوهم كيف شاؤوا، وصبر جماعة من غلمان الحجَر من الخزر وغيرهم، وهم زهاء مئة غلام، وقاتلوا حتى قُتِلوا جميعًا بعد نكاية شديدة نَكَوْها في القرامطة، واحتوت القرامطة على سواد أصحاب السلطان فحازوه، ولم يُفِلت من أصحاب السلطان إلَّا مَنْ كان في دابته فَضْل فنجا به، أو من أثخِن بالجراح، فطرح نفسَه في القتلى، فتحامل بعد انقضاء الوقعة حتى دخل الكوفة، وأخذ للسلطان في هذا السّواد، مما كان وجّه به مع رجاله من الجمّازات، عليها السلاح والآلة زهاء ثلاثمئة جمّازة، ومن البِغال خمسمئة بغل.
وذكر أن مبلغ مَنْ قتِل من أصحاب السلطان في هذه الوقعة سوى غلمانهم والحمّالين ومَنْ كان في السواد ألف وخمسمئة رجل، فقوَي القرمطيّ وأصحابه بما أخذوا في هذه الوقعة، وتطرّف بيادرَ كانت إلى جانبه، فأخذ منها طعامًا وشعيرًا، وحمله على بغال السلطان إلى عسكره، وارتحل من موضع الوقعة نحوًا من خمسة أميال في العرض إلى موضع يقرب من الموضع المعروف بنهر المثنيّة، وذلك أن روائح القتلى آذتهم.
وذكر عن محمَّد بن داود بن الجراح أنَّه قال: وافى بابَ الكوفة الأعرابُ الذين
стр. 6145
كان زكرويه راسلهم، وقد انصرف المسلمون عن مصلّاهم مع إسحاق بن عمران، فتفرّقوا من جهتين، ودخلوا أبيات الكوفة، وقد ضربوا على القاسم بن أحمد داعية زكرويه قُبّة، وقالوا: هذا ابن رسول الله ﷺ ، ودعَوْا: يالثارات الحسين! يعنون الحسين بن زكرويه المصلوب بباب جسر مدينة السلام، وشعارهم: يا أحمد يا محمَّد - يعنون ابنيْ زكرويه المقتولين. وأظهروا الأعلام البيض، وقدّرُوا أن يستغووا رعاع الكوفيّين بذلك القول، فأسرع إسحاق بن عمران ومَنْ معه المبادرة نحوهم، ودفعهم وقتل مَنْ ثبت له منهم، وحضر جماعةٌ من آل أبي طالب، فحاربوا مع إسحاق بن عمران، وحضر جماعة من العامّة؛ فحاربوا، فانصرف القرامطة خاسئين، وصاروا إلى قرية تدعى العَشيرة من آخر عمل طَسُّوج السالحين ونهر يوسف مما يلي البرّ من يومهم، وأنفذوا إلى عدوّ الله زكرويه بن مهرويه مَن استخرجه من نقير في الأرض، كان متطمّرًا فيه سنين كثيرة بقرية الدرية وأهل قرية الصّؤر يتلقَّونَه على أيديهم، ويسمّونه ولىّ الله، فسجدوا له لمَّا رأوْه، وحضر معه جماعة من دعاته وخاصَّته، وأعلمهم أنَّ القاسم بن أحمد أعظم الناس عليهم مِنّةً، وأنه ردّهم إلى الدّين بعد خروجهم منه، وأنهم إذا امتثلوا أمَره أنجز مواعيدَهم، وبلّغهم آمالَهم، ورمز لهم رموزًا؛ وذكر فيها آيات من القرآن، نقلها عن الوجه الذي أنزلت فيه، واعترف لزكرويه جميع مَنْ رسخ حبُّ الكفر في قلبه من عربيّ ومولَى ونبَطيّ وغيرهم أنَّه رئيسهم المقدّم، وكهفهم وملاذُهم، وأيقنوا بالنصر وبلوغ الأمل، وسار بهم وهو محجوب عنهم يدعونه السيّد، ولا يبرزونه لمن في عسكرهم، والقاسم يتولّى الأمور دونه، ويُمضيها على رأيه إلى مؤاخر سِقْي الفرات من عمل الكوفة، وأعلمهم أنّ أهل السواد قاطبة خارجون إليه، فأقام هنالكَ نَيّفًا وعشرين يومًا؛ يبثّ رسله في السواديَين مستلحقين، فلم يلحق بهم من السواديين إلا من لحقته الشقوة، وهم زهاء خمسمئة رجل بنسائهم وأولادهم، وسرّب إليه السلطان الجنود، وكتب إلى كلّ مَنْ كان نفذ نحو الأنبار وهِيت لضبطها خوفًا من معاودة المقيمين الذين كانوا بالماءين إليها بالانصراف نحو الكوفة، فعجّل إليهم جماعة من القوّاد منهم: بشر الأفشينيّ، وجنى الصفوانيّ، ونحرير العمريّ، ورائق فتى أمير المؤمنين، والغلمان الصّغار المعروفين بالحُجَريَّة، فأوقعوا بأعداء الله بقرب قرية الصؤر، فقتلوا رجّالتهم وجماعة من فرسانهم، وأسلموا بيوتَهم في
стр. 6146
أيديهم، فدخلوها، وتشاغلوا بها، فعطفت القرامطة عليهم فهزموهم (١).
وذُكر عن بعض مَنْ ذُكر أنَّه حضر مجلس محمَّد بن داود بن الجراح، وقد أدخِل إليه قوم من القرامطة، منهم سِلْفُ زكرويه، فكان مما حدّثه أنَّه قال: كان زكرويه مختفيًا في منزلي في سرداب في داري عليه باب حديد، وكان لنا تنُّور ننقله، فإذا جاءنا الطلب وضعنا التنُّور على باب السرداب، وقامت امرأة تسجُره؛ فمكث كذلك أربع سنين، وذلك في أيام المعتضد، وكان يقول: لا أخرج والمعتضد في الأحياء، ثمَّ انتقل من منزلي إلى دار قد جُعل فيها بيت وراء باب الدار، إذا فُتح باب الدار انطبق على باب البيت، فيدخل الداخل فلا يرى بابَ البيت الذي هو فيه، فلم يزل هذه حاله حتى مات المعتضد، فحينئذ أنفذ الدّعاة، وعمل في الخروج.
ولما ورد خبر الوقعة التي كانت بين القرمطيّ وأصحاب السلطان بالصؤر على السلطان والناس، أعظموه، ونُدب للخروج إلى الكوفة مَنْ ذكرت من القوّاد، وجُعِلت الرئاسة لمحمد بن إسحاق بن كُنْدَاج، وضمّ إليه جماعة من أعراب بني شيبان والنّمِر زهاء ألفيْ رجل، وأعطُوا الأرزاق.
* * *
ولاثنتي عشرة بقيت من جمادى الأولى قدم بغداد من مكة جماعة نحو العشرة، فصاروا إلى باب السلطان، وسألوه توجيه جيش إلى بلدهم، لأنهم على خوف من الخارج بناحية اليَمن أن يطأ بلدهم، إذ كان قد قرب منها بزعمهم.
وفي يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة خلتْ من رجب، قرئ على المنبر ببغداد كتابٌ ورد على السلطان، أنّ أهل صنعاء وغيرهم من مُدن اليمن اجتمعوا على الخارجيّ الذي كان تغلّب عليها، فحاربوه وهزموه، وفلُّوا جُموعه، فانحاز إلى موضع من نواحي اليمن، ثمَّ خلع السلطان لثلاث خلوْن من شوال على مظفّر
стр. 6147
ابن حاجّ، وعقد له على اليمن، فخرج ابن حاجّ لخمس خلون من ذي القعدة، ومضى إلى عمله باليمن، فأقام بها حتى مات.
ولسبعٍ بقين من رجب من هذه السنة، أخرِج مضرب المكتفي، فضرب بباب الشماسيَّة على أن يخرج إلى الشام بسبب ابن الخليج، فوردت خريطة لستّ بقين منه من مصر من قبَل فاتك، يذكر أنَّه والقوّاد زحفوا إلى الخليجيّ، وكانت بينهم حروب كثيرة، وأن آخر حرب جرت بينهم وبينه قتِل فيها أكثر أصحابه، ثمَّ انهزم الباقون، فظفروا بهم، واحتَووْا على معسكرهم، فهرب الخليجيّ حتى دخل الفسطاط، فاستتر بها عند رجل من أهل البلد، ودخل الأولياءُ الفسطاط، فلما استقرّوا بها دُلّ على الخليجي، وعلى مَنْ كان استتر معه ممن شايعه، فقبض عليهم وحبسهم قبَله، فكتب إلى فاتك في حمل الخليجي ومَنْ أخذ معه إلى مدينة السلام، فرُدّت مضارب المكتفي التي أخرجت إلى باب الشماسة، ووجّه في ردّ خزائنه، فردّت وقد كانت جاوزت تكريت (١).
ثمَّ وجّه فاتك بالخليجي من مِصْر وجماعة ممّن أسِر معه مع بِشْر مولى محمَّد بن أبي الساج إلى مدينة السلام.
فلمّا كان في يوم الخميس للنصف من شهر رمضان من هذه السنة أدخِل مدينة السلام من باب الشماسية، وقُدّم بين يديه إحدى وعشرون رجلًا على جمال، وعليهم برانس ودراريع حرير، منهم ابنا بينَك - فيما قيل - وابن أشكال الذي كان صار إلى السلطان من عسكر عمرو الصفار في الأمان، وصندل المزاحِميّ الخادم الأسود.
فلما وصل الخليجيّ إلى المكتفي، فنظر إليه أمر بحبسه في الدار، وأمر بحبس الآخرين في الحديد، فوجّه بهم إلى ابن عمرويه، وكانت إليه الشرطة ببغداد، ثمَّ خلع المكتفي على وزيره العباس بن الحسن خَلعًا، لحسن تدبيره في هذا الفتح، وخلع على بشر الأفشينيّ.
ولخمس خلوْن من شوال أدخل بغداد رأس القرمطيّ المسمى نصرًا الذي كان انتهب هِيت منصوبًا على قناة.
стр. 6148
ولسبع خلون من شوّال ورد الخبر مدينة السلام أنّ الرّوم أغاروا على قُورس، فقاتلهم أهلُها، فهزموهم، وقتلوا أكثرَهم، وقتلوا رؤساء بني تميم، ودخلوا المدينة، وأحرقوا مسجدَها، واستاقوا مَنْ بَقي من أهلها.
وحجّ بالناس في هذه السنة الفضل بن عبد الملك الهاشميّ (١).
* * *
ثمَّ دخلت سنة أربع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث الجليلة
فممّا كان فيها من ذلك دخول ابن كيغَلغ طَرَسُوس غازيًا في أوَّل المحرّم وخرج معه رُستَم، وهي غزاة رستم الثانية، فبلغوا سلندو، ففتح الله عليهم، وصاروا إلى آلِس، فحصل في أيديهم نحو من خمسة آلاف رأس، وقتلوا مِن الروم مقتلَةً عظيمة، وانصرفوا سالمين.
[خبر زكرويه بن مهرويه القرمطيّ] (٢)
ولاثنتي عشرة خلتْ من المحرّم ورد الخبر مدينة السلام أن زكرويه بن مهرويه القرمطيّ ارتحل من الموضع المعروف بنهر المثنية، يريد الحاجّ وأنه وافَى موضعًا بينه وبين واقصة أربعة أميال.
وذكر عن محمَّد بن داود أنهم مَضَوْا في البرّ من جهة المشرق، حتى صاروا بالماء المسمّى سَلْمان، وصار ما بينهم وبين السواد مفازة، فأقام بموضعه يريد الحاجّ ينتظر القافلة الأولى، ووافت القافلة واقصة لستٍّ - أو سبعٍ - خلوْن من المحرّم، فأنذرهم أهلُ المنزل، وأخبروهم أنّ بينهم وبينه أربعة أميال.
فارتحلوا ولم يقيموا فنَجوْا، وكان في هذه القافلة الحسن بن موسى الرّبَعيّ، وسيما الإِبراهيميّ، فلما أمعنت القافلة في السّيْر صار القرمطيّ إلى واقصة،
стр. 6149
فسألهم عن القافلة فأخبروه أنها لم تقُم بواقصة، فاتّهمهم بإنذارهم إياهم، فقتَل من العلافين بها جماعة، وأحرق العلف، وتحصّن أهلُها في حصنهم، فأقام بها أيامًا، ثمَّ ارتحل عنها نحو زبالة.
وذكر عن محمَّد بن داود أنَّه قال: إن العساكر سارت في طلب زكرويه نحو عيون الطفّ، ثمَّ انصرفت عنه لمّا علمت بمكانه بسلْمان، ونفذ علَّان بن كُشمَرْد مع قطعة من فرسان الجيش متجرّدة على طريق جادّة مكة نحو زكرويه حتى نزلوا السِّبال، فمضى نحو واقصة حتى نزلها بعد أن جازت القافلة الأولى، ومرّ زكرويه في طريقه بطوائف من بني أسد، فأخذها من بيوتها معه، وقصد الحاجّ المنصرفين عن مكة، وقصد الجادّة نحوهم.
ووافَى خبرُ العطير من اللحوق لأربع عشر بقيتْ من المحرّم من هذه السنة بأن زكرويه اعترض قافلة الخُراسانية يوم الأحد لإحدى عشرة خلت من المحرّم بالعقبة من طريق مكة، فحاربوه حربًا شديدًا، فساءلهم: وقال: أفيكم السلطان؟ قالوا: ليس معنا سلطان، ونحن الحاجّ، فقال لهم: فامضوا فلستُ أريدكم، فلما سارت القافلة تَبِعها فأوقع بها، وجعل أصحابه ينخسون الجمال بالرّماح، ويبعجونها بالسيوف، فنفرت واختلطت القافلة، وأكبّ أصحاب الخبيث على الحاج يقتلونهم كيف شاؤوا، فقتلوا الرّجال والنساء، وسَبوْا من النساء من أرادوا واحتووا على ما كان في القافلة، وقد كان لقيَ بعض مَنْ أفلت من هذه القافلة عَلَّان بن كشمرد، فسأله عن الخبر، فأعلمه ما نزل بالقافلة الخراسانية، وقال له: ما بينك وبين القوم إلَّا قليل، والليلة أو في غد توافي القافلة الثانية، فإن رأوا عَلمًا للسلطان قويتْ أنفسهم، واللهَ اللهَ فيهم! فرجع عَلّان من ساعته، وأمر مَنْ معه بالرجوع، وقال: لا أعرّض أصحاب السلطان للقتل، ثمَّ أصعد زكرويه، ووافته القافلة الثانية.
وقد كان السلطان كتب إلى رؤساء القافلتين الثانية والثالثة ومن كان فيهما من القوّاد والكُتّاب مع جماعة من الرّسل الذين تنكَّبوا طريق الجادّة بخبر الفاسق وفعله بالحاجّ، ويأمرهم بالتحرّز منه، والعدول عن الجادّة نحو واسط والبصرة، أو الرجوع إلى فَيْد أو إلى المدينة، إلى أن يُلحِق بهم الجيوش.
ووصلت الكتب إليهم فلم يسمعوا ولم يقيموا، ولم يلبثوا وتقدّم أهل القافلة
стр. 6150
الثانية وفيها المبارك القُمّيّ وأحمد بن نصر العُقيليّ وأحمد بن عليّ بن الحسين الهمذانيّ، فوافوا الفجرة وقد رحلوا عن واقصة وعوَّروا مياهها، وملؤوا بركها وآبارها بجيف الإبل والدوابّ التي كانت معهم، مشقّقة بطونها، ووردُوا منزل العقبة في يوم الإثنين لاثنتي عشرة خلتْ من المحرّم، فحاربهم أصحاب القافلة الثانية، وكان أبو العشائر مع أصحابه في أوّل القافلة ومبارك القميّ فيمن معه في ساقتها، فجرت بينهم حربٌ شديدة حتى كشفوهم، وأشرفوا على الظفر بهم، فوجد الفجرة من ساقتِهم غِرّة، فركبوهم من جهتها، ووضعوا رماحهم في جنوب إبلهم وبطونها، فطحنتهم الإبل وتمكنوا منهم، فوضعوا السيف فيهم فقتلوهم عن آخرهم، إلا مَنْ استعبدوه، ثمَّ أنفذوا إلى ما دون العقبة بأميال فوارس لحقوا المُفلتة من السيف، فأعطوْهم الأمان، فرجعوا فقتلوهم أجمعين، وسَبَوْا من النساء ما أحبُّوا، واكتسحوا الأموال والأمتعة، وقُتل المبارك القميّ والمظفر ابنه، وأسِر أبو العشائر، وجُمع القتلى، فُوضع بعضهم على بعض، حتى صاروا كالتلّ العظيم، ثمَّ قطِعت يدا أبي العشائر ورجلاه، وضُربت عنقه، وأطلِق من النساء مَنْ لم يرغبوا فيه، وأفلت من الجرحى قومٌ وقعوا بين القتلى، فتحاملوا في الليل ومضوا؛ فمنهم من مات، ومنهم مَنْ نجا وهم قليل، وكان نساءُ القرامطة يَطُفْن مع صبيانهم في القتلَى يعرضون عليهم الماء، فمَن كلّمهم أجهزوا عليه.
وقيل: إنه كان في القافلة من الحاج زهاء عشرين ألف رجل، قُتل جميعهم غير نفر يسير ممّن قويَ على العدوّ، فنجا بغير زاد ومَن وقع في القتل وهو مجروح، وأفلت بعدُ، أو مَن استعبدوه لخدمتهم.
وذكر أن الذي أخذوا من المال والأمتعة الفاخرة في هذه القافلة قيمةُ ألفي ألف دينار.
وذكر عن بعض الضرّابين: أنَّه قال: وردت علينا كتب الضرّابين بمصر: أنكم في هذه السنة تستغنون، قد وجّه آل ابن طولون والقوّاد المصريون الذين أشخِصوا إلى مدينة السلام، ومَنْ كان في مثل حالهم في حمل ما لهم بمصر إلى مدينة السلام، وقد سبكوا آنية الذهب والفضة والحلي نِقَارًا، وحمل إلى مكة
стр. 6151
ليوافوا به مدينة السلام مع الحاجّ، فحُمِل في القوافل الشاخصة إلى مدينة السلام، فذهب ذلك كله.
وذكر: أن القرامطة بينما هم يقتلون وينهبون هذه القافلة يوم الإثنين؛ إذ أقبلت قافلة الخُراسانية، فخرج إليهم جماعةٌ من القرامطة، فواقعوهم، فكان سبيلُهم سَبيلَ هذه، فلما فرغ زكرويه من أهل القافلة الثانية من الحاجّ. وأخذ أموالهم، واستباح حريمَهم، رحل مِنْ وقته من العقبة بعد أن ملأ البرك والآبار بها بالجَيف من الناس والدواب، وكان ورد خبر قطعه على القافلة الثانية من قوافل السلطان مدينة السلام في عشيَّة يوم الجمعة لأربع عشرة بقيت من المحرّم، فعظم ذلك على الناس جميعًا وعلى السلطان، وندب الوزيرُ العباس بن الحسن بن أيوب محمدَ بن داود بن الجرّاح الكاتب المتوَلِّي دواوين الخراج والضياع بالمشرق وديوان الجيش للخروج إلى الكوفة، والمقام بها لإنفاذ الجيوش إلى القرمطيّ، فخرج من بغداد لإحدى عشرة بقيتْ من المحرّم، وحمل معه أموالًا كثيرة لإعطاء الجند.
ثمَّ سار زكرويه إلى زُبالة فنزلها، وبثّ الطلائع أمامه ووراءه خوفًا من أصحاب السلطان المقيمين بالقادسيّة أن يلحقوه ومتوقعًا ورود القافلة الثالثة التي فيها الأموال والتجار، ثمَّ سار إلى الثعلبيّة، ثمَّ إلى الشقوق، وأقام بها بين الشقوق والبِطان في طرف الرّمل في موضع يعرف بالطليح، ينتظر القافلة الثالثة، وفيها من القوّاد نفيس المولديُّ وصالح الأسود، ومعه الشَّمْسَة والخزانة، وكانت الشمسة جعل فيها المعتضد جوهرًا نفيسًا.
وفي هذه القافلة، كان إبراهيم بن أبي الأشعث - وإليه كان قضاء مكة والمدينة وأمر طريق مكة والنفقة فيه لمصالحه - وميمون بن إبراهيم الكاتب - وكان إليه أمر ديوان زمام الخراج والضياع - وأحمد بن محمَّد بن أحمد المعروف بابن الهزلَّج، والفرات بن أحمد بن محمَّد بن الفرات، والحسن بن إسماعيل قرابة العباس بن الحسن - وكان يتولى بريد الحرمين - وعليُّ بن العباس النَّهيكيّ.
فلما صار أهل هذه القافلة إلى فيْد بلغهم خبرُ الخبيث زكرويه وأصحابه، وأقاموا بِفَيْد أيامًا ينتظرون تقويةً لهم من قِبَل السلطان.
стр. 6152
وقد كان ابن كشمرد رجع من الطريق إلى القادسية في الجيوش التي أنفذها السلطان معه وقبله وبعد.
ثمَّ سار زكرويه إلى فَيْد، وبها عامل السلطان، يقال له: حامد بن فيروز، فالتجأ منه حامد إلى أحد حصنيها في نحو من مئة رجل كانوا معه في المسجد، وشحَّن الحصين الآخر بالرّجال، فجعل زكرويه يراسل أهل فَيْد، ويسألهم أن يُسلموا إليه عاملهم ومَنْ فيها من الجند، وأنهم إن فعلوا ذلك آمنهم، فلم يجيبوه إلى ما سأل، ولمّا لم يجيبوه حاربهم، فلم يظفر منهم بشيء، قال: فلما رأى أنَّه لا طاقة له بأهلها، تنحّى فصار إلى النِّياج، ثمَّ إلى حُفَير أبي موسى الأشعريّ.
وفي أول شهر ربيع الأوّل أنهض المكتفي وصيف بن صوارتكين - ومعه من القوّاد جماعة - فنفذوا من القادسية على طريق خَفَّان، فلقيَه وصيف يوم السبت لثمان بقين من شهر ربيع الأوّل، فاقتتلوا يومَهم، ثمَّ حجز بينهم الليل، فباتوا يتحارسون، ثمَّ عاودهم الحرب، فقتَل جيش السلطان منهم مقتلة عظيمة، وخلصوا إلى عدوّ الله زكرويه، فضربه بعض الجند بالسيف على قفاه وهو مولٍّ ضربةً اتصلت بدماغه، فأخِذ أسيرًا وحليفته وجماعة من خاصّته، وأقربائه، فيهم ابنه وكاتبه وزوجته، واحتوى الجند على ما في عسكره، وعاش زكرويه خمسة أيام ثمَّ مات، فشُقَّ بطنه، ثمَّ حُمِل بهيئته، وانصرف بمن كان بقي حيًّا في يديه من أسرى الحاج.
* * *
وفيها غزا ابن كَيْغلغ من طَرَسوس، فأصاب من العدوّ أربعة آلاف رأس سبْي ودوابّ ومواشي كثيرة ومتاعًا، ودخل بِطْريق من البطارقة إليه في الأمان، وأسلم، وكان شخوصه من طَرَسوس لهذه الغزاة في أول المحرم من هذه السنة (١).
وقيها كاتب أندرونقس البطريق السلطانَ يطلب الأمان، وكان على حرب أهل الثغور من قِبَل صاحب الروم، فأعطِيَ ذلك، فخرج، وأخرج نحوًا من مئتي
стр. 6153
نفس من المسلمين كانوا أسرى في حِصْنه، وكان صاحب الرّوم قد وجّه إليه مَنْ يقبض عليه، فأعطى المسلمين الذين كانوا في حصنه أسرى السلاحَ، وأخرج معهم بعض بنيه، فكبسوا البِطْريق الموّجه إليه للقبض عليه ليلًا؛ فقتلوا ممّن معه خَلْقًا كثيرًا، وغنموا ما في عسكره، وكان رستم قد خرج في أهل الثغور في جمادى الأولى قاصدًا أندرونقس ليتخلّصه، فوافَى رستم قونية بعقب الوقْعة، وعلم البطارقة بمسير المسلمين إليهم فانصرفوا، ووجّه أندرونقس ابنه إلى رستم، ووجّه رستم كاتبه وجماعة من البحريين، فباتوا في الحصين، فلما أصبحوا خرج أندرونقس وجميعُ مَنْ معه من أسارى المسلمين، ومَنْ صار إليهم منهم، ومَنْ وافقه على رأيه من النصارى، وأخرج ماله ومتاعه إلى معسكر المسلمين، وخرّب المسلمون قونية، ثمَّ قفلوا إلى طَرَسُوس وأندرونقس وأسارى المسلمين، ومَنْ كان مع أندرونقس من النصارى.
وفي جمادى الآخرة منها كانت بين أصحاب حسين بن حمدان بن حمدون وجماعة من أصحاب زكرويه كانوا هربوا من الوَقعة التي أصابه فيها ما أصابه، وأخذوا طريق الفرات يريدون الشام، فأوقع بهم وقعة، فقتل جماعة منهم، وأسرَ جماعة من نسائهم وصبيانهم.
وفيها وافَى رسل ملك الروم أحدهم خال ولده أليون وبسيل الخادم، ومعهم جماعة باب الشماسيّة بكتاب منه إلى المكتفي يسأله الفداء بمَنْ في بلاده من المسلمين، مَنْ في بلاد الإِسلام من الرّوم، وأن يوجّه المكتفي رسولًا إلى بلاد الروم ليجمع الأسرى من المسلمين الذين في بلاده، وليجتمع هو معه على أمر يتّفقان عليه، ويتخلّف بسيل الخادم بطرسوس ليجتمع إليه الأسرى من الروم في الثغور ليصيّرهم مع صاحب السلطان إلى موضع الفداء، فأقاموا بباب الشماسيَّة أيامًا، ثمَّ أدخِلوا بغداد ومعهم هدية من صاحب الروم عشرة من أسارى المسلمين، فقبلت منهم، وأجيب صاحب الروم إلى ما سأل.
وفيها أخِذ رجل بالشام - زعم أنَّه السفيانيّ - فحمِل هو وجماعة معه من الشام إلى باب السلطان، فقيل: إنه موسوس.
* * *
стр. 6154
وفيها أخذ الأعراب بطريق مكة رجليْن يعرف أحدهما بالحداد والآخر بالمنتقم، وذُكر: أن المعروف بالمنتقم منهما أخو امرأة زكرويه، فدفعوهما إلى نزار بالكوفة، فوجّههما نزار إلى السلطان، فذُكر عن الأعراب أنهما كانا صارا إليهما يدعوانهم إلى الخروج على السلطان.
وفيها وجّه الحسين بن حمدان من طريق الشام رجلًا يعرف بالكيال مع ستين رجلًا من أصحابه إلى السلطان كانوا استأمنوا إليه من أصحاب زكرويه.
وفيها وصل إلى بغداد أندرونقس البطريق.
وفيها كانت وقعة بين الحسين بن حمدان وأعراب كليب والنَّمر وأسد وغيرهم، اجتمعوا عليه في شهر رمضان منها، فهزموه حتى بلغوا به باب حلب.
وفيها حاصر أعراب طيّئ وصيف بن صوارتكين بفَيْد، وكان وُجِّه أميرًا على الموسم، فحوصر ثلاثة أيام، ثمَّ خرج إليهم، فواقعهم فقتل منهم قتلى، ثمَّ انهزمت الأعراب، ورحل وصيف من فيْد بمن معه من الحاجّ.
وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشميُّ (١).
* * *
ثمَّ دخلت سنة خمس وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من خروج عبد الله بن إبراهيم المِسمعيّ عن مدينة أصبهان إلى قرية من قراها على فراسخ منها وانضمام نحو من عشرة آلاف من الأكراد وغيرهم - فيما ذكر - إليه مظهرًا الخلاف على السلطان، فأمر بدر الحماميّ بالشخوص إليه، وضُمّ إليه جماعة من القوّاد ونحو من خمسة آلاف من الجند.
وفيها كانت وقعة للحسين بن موسى على أعراب طيّئ الذين كانوا حاربوا وصيف بن صوارتكين على غرّة منهم، فَقتَل من رجالهم - فيما قيل - سبعين، وأسرَ من فرسانهم جماعة.
стр. 6155
وفيها تُوُفِّيَ أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد عامل خراسان وما وراء النهر في صفر منها لأربع عشرة خلت منه، وقام ابنه أحمد بن إسماعيل بن أحمد في عمل أبيه مقامه، وولِيَ أعمال أبيه، وذكر: أن المكتفي لأربع ليال خلوْن من شهر ربيع الآخر قَعَد، فعقد بيده لواء ودفعه إلى طاهر بن عليّ بن وزير، وخلع عليه وأمره بالخروج باللواء إلى أحمد بن إسماعيل (١).
وفيها وُجّه منصور بن عبد الله بن منصور الكاتب إلى عبد الله بن إبراهيم المسمعيّ، وكتب إليه يخوّفه عاقبة الخلاف إليه، فتوجّه إليه، فلما صار إليه ناظره، فرجع إلى طاعة السلطان، وشخص في نفر من غلمانه، واستخلف على عمله بأصبهان خليفة، ومعه منصور بن عبد الله، حتى صار إلى باب السلطان، فرضيَ عنه المكتفي، ووصله وخلع عليه وعلى ابنه.
وفيها أوقع الحسين بن موسى بالكرديّ المتغلّب كان على نواحي الموصل، فظفر بأصحابه، واستباح عسكره وأمواله، وأفلت الكرديّ فتعلق بالجبال فلم يدرَك.
وفيها فتح المظفر بن حاج بعض ما كان غلب عليه بعض الخوارج باليمن، وأخذ رئيسًا من رؤسائهم يعرف بالحكيميّ.
وفيها لثلاث عشرة ليلة بقيت من جمادى الآخرة أمر خاقان المفلحيّ بالشخوص إلى أذْرَبيجان لحرب يوسف بن أبي الساج، وضمّ إليه نحو أربعة آلاف رجل من الجند.
ولثلاث عشرة بقيت من شهر رمضان دخل بغداد رسول أبي مُضَر زيادة الله بن الأغلف، ومعه فتح الأعجميّ، ومعه هدايا وجّه بها إلى المكتفي.
وفيها تمّ الفداء بين المسلمين والروم في ذي القعدة؛ وكانت عدّة من فُودِيَ بها من الرجال والنساء ثلاثمئة آلاف نفس (٢).
وفي ذي القعدة لاثنتي عشرة ليلة خلت منها تُوفِّيَ المكتفي بالله، وكانت
стр. 6156
خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يومًا، وكان يوم تُوُفِّيَ ابنَ اثنتين وثلاثين سنة يومئذ، وكان وُلد سنة أربع وستين ومئتين، ويكنى أبا محمَّد، وأمه أم ولد تركية تسمى جِيجك، وكان رَبعةً جميلًا، رقيق اللون، حسن الشعر، وافر الجُمّة، وافر اللحية (١).
* * *
стр. 6157
خلافة المقتدر بالله
ثمَّ بويع جعفر بن المعتضد بالله؛ ولما بويع جعفر بن المعتضد لقّب المقتدر بالله وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وأحد وعشرين يومًا، وكان مولده ليلة الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومئتين، وكنيته أبو الفضل، وأمه أمُّ ولد يقال لها شغب، فذُكر أنَّه كان في بيت المال يوم بويع خمسة عشر ألف ألف دينار، ولما بويع المقتدر غسّل المكتفي وصلّى عليه، ودُفن في موضع من دار محمَّد بن عبد الله بن طاهر (١).
وفيها كانت بين عج بن حاج والجند وقعة في اليوم الثاني من أيام منى، قتِل فيها جماعة، وجرح منهم بسبب طلبهم جائزة بيعة المقتدر، وهرب الناس الذين كانوا بمنى إلى بستان ابن عامر، وانتهب الجند مضرب أبي عدنان ربيعة بن محمَّد بمنى، وكان أحد أمراء القوافل، وأصاب المنصرفين من مكة في منصرفهم في الطريق من القطع والعطش أمر غليظ، مات من العطش - فيما قيل - منهم جماعة، وسمعت بعض من يحكى: أن الرجل كان يبول في كفّه، ثمَّ يشربه.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشميّ.
ثمَّ دخلت سنة ست وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من اجتماع جماعة من القوّاد والكتاب والقضاة على خلع
стр. 6158
المقتدر، وتناظرهم فيمن يُجعل في موضعه، فاجتمع رأيهم على عبد الله بن المعتزّ وناظروه في ذلك، فأجابهم إلى ذلك على ألَّا يكون في ذلك سفك دم ولا حرب، فأخبروه: أنّ الأمر يسلَّم إليه عفوًا، وأن جميع مَنْ وراءهم من الجند والقواد والكتاب قد رضُوا به، فبايعهم على ذلك، وكان الرأس في ذلك محمَّد بن داود بن الجراح، وأبو المثنّى أحمد بن يعقوب القاضي، وواطأ محمَّد بن داود بن الجراح جماعةً من القوّاد على الفتْك بالمقتدر والبيعة لعبد الله بن المعتزّ، وكان العباس بن الحسن على مثل رأيهم، فلمّا رأى العباس أمره مستوثقًا له مع المقتدر، بدا له فيما كان عزم عليه من ذلك، فحينئذ وثب به الآخرون فقتلوه، وكان الذي تولَّى قتلَه بدرٌ الأعجمي، والحسين بن حمدان، ووصيف بن صوارتكين، وذلك يوم السبت لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأوّل.
ولما كان من غدِ هذا اليوم - وذلك يوم الأحد - خلع المقتدرَ القوّاد، والكتاب، وقضاة بغداد، وبايعوا عبد الله بن المعتزّ، ولقبوه الراضي بالله (١). وكان الذي أخذ له البيعة على القوّاد وتولّى استخلافهم والدعاء بأسمائهم محمَّد بن سعيد الأزرق كاتب الجيش.
وفي هذا اليوم كانت بين الحسين بن حمدان وبين غلمان الدار حرب شديدة من غدوة إلى انتصاف النهار.
وفيه انفضّت المجموع التي كان محمَّد بن داود جمعها لبيعة ابن المعتزّ عنه؛ وذلك: أن الخادم الذي يدعى مؤنسًا حمل غلمانًا من غلمان الدار في شَذَوات،
стр. 6159
فصاعد بها وهم فيها في دجْلة، فلما حاذوا الدار التي فيها ابن المعتزّ ومحمد بن داود صاحوا بهم، ورشقوهم بالنّشاب، فتفرّقوا وهربَ مَنْ في الدار من الجند والقوّاد والكتاب، وهرب ابن المعتزّ ولحق بعض الذين بايعوا ابن المعتزّ بالمقتدر، فاعتذروا بأنّه منِع من المصير إليه، واختفى بعضهم فأخِذوا وقتِلوا وانتهب العامة دور ابن داود والعباس بن الحسن؛ وأخذ ابن المعتزّ فيمن أخِذ.
وفي يوم السبت لأربع بقين من شهر ربيع الأوّل منها سقط الثلج ببغداد من غدوة إلى قدر صلاة العصر، حتى صار في الدور والسطوح منه نحو من أربعة أصابع، وذكر أنَّه لم ير ببغداد مثل ذلك قطّ (١).
وفي يوم الإثنين لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأوّل منها، سُلِّم محمَّد بن يوسف القاضي، ومحمد بن عمرويه، وأبو المثنّى، وابن الجصاص، والأزرق كاتب الجيش في جماعة غيرهم إلى مؤنس الخازن، فترك أبا المثنى في دار السلطان، ونقل الآخرين إلى منزله، فافتدى بعضهم نفسه، وقتل بعضهم، وشُفع في بعض فأطلِق (٢).
وفيها كانت وقعة بين طاهر بن محمَّد بن عمرو بن الليث وسُبْكَرِي غلام عمرو بن الليث، فأسر سبكري طاهرًا، ووجّهه مع أخيه يعقوب بن محمَّد إلى السلطان.
وفيها وجّه القاسم بن سيما مع جماعة من القوّاد والجند في طلب حسين بن حمدان بن حمدون، فشخص لذلك حتى صار إلى قرقيسيا والرّحبة، والدّالية، وكتب إلى أخي الحسين عبد الله بن حمدان بن حمدون بطلب أخيه، فالتقى هو وأخوه بموضع يعرف بالأعمى بين تَكريت والسُّودقانية بالجانب الغربي من دِجْلة، فانهزم عبد الله، وبعث الحسين يطلب الأمان، فأعطِي ذلك.
ولسبع بقين من جمادى الآخرة منها وافَى الحسين بن حمدان بغداد، فنزل باب حرب، ثمَّ صار إلى دار السلطان من غد ذلك اليوم، فخلع عليه وعقد له على قُمَّ وقاشان.
стр. 6160
ولستٍّ بقين من جمادى الآخرة، خُلع على ابن دُليل النصرانيّ كاتب يوسف بن أبي الساج ورسوله، وعقد ليوسف بن أبي الساج على المراغة وأذْرَبيجان، وحُمِلت إليه الخلع، وأمر بالشخوص إلى عمله.
وللنصف من شعبان منها خلع على مؤنس الخادم، وأمِر بالشخوص إلى طَرَسُوس لغزو الصائفة، فنفذ لذلك وخرج في عسكر كثيف وجماعة من القوّاد وغلمان الحجر (١).
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي (٢).
ثمَّ دخلت سنة سبع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غزو مؤنس الخادم الصائفة بلاد الروم من ثغر مَلَطْية في جيش كثيف، ومعه أبو الأغرّ السُّلمّي وظفر بالرُّوم، وأسر أعلاجًا في آخر سنة ست وتسعين ومئتين، وورد الخبر بذلك على السلطان لست خلون من المحرّم (٣).
وفيها صار الليث بن عليّ بن الليث الصفار إلى فارس في جيش، فتغلّب عليها، وطرد عنها سُبْكَرِي، وذلك بعدما ولّى السلطان سُبْكَرِي بعدما بعث سبكري طاهر بن محمَّد إلى السلطان أسيرًا، فأمر المقتدر مؤنسًا الخادم بالشخوص إلى فارس لحرب الليث بن عليّ، فشخص إليها في شهر رمضان منها.
وفيه وجّه أيضًا المقتدر القاسم بن سيما لغزوة الصائفة ببلاد الروم في جمع كثير من الجند في شوال منها (٤).
وفيها كانت بين مؤنس الخادم والليث بن عليّ بن الليث وقعة هزم فيها
стр. 6161
الليث، ثمَّ أسِر وقتل من أصحابه جماعة كثيرة، واستأمن منهم إلى مؤنس جماعة كثيرة، ودخل أصحاب السلطان النوبندجان، وكان الليث قد تغلّب عليها.
وأقام الحجّ فيها للناس الفضل بن عبد الملك بن عبد الله بن عبيد الله بن العباس بن محمَّد (١).
ثمَّ دخلت سنة ثمان وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان فيها من غزو القاسم بن سيما أرض الروم الصائفة (٢).
وفيها وجّه المقتدر وصيف كامه الديلميّ في جيش وجماعة من القوّاد لحرب سُبْكَرِي غلام عمرو بن الليث.
وفيها كانت بين سُبْكَرِي ووصيف كامه وقعة هزمه فيها وصيف، وأخرجه من عمل فارس، ودخل وصيف كامه ومن معه فارس، واستأمن إليه من أصحاب سَبْكَرِي جماعة كثيرة، فأسر رئيس عسكره المعروف بالقتال، ومضى سَبْكَري هاربًا إلى أحمد بن إسماعيل بن أحمد بما معه من الأموال والذخائر فأخذ ما معه إسماعيل بن أحمد، وقبض عليه فحبسه.
وفيها كانت بين أحمد بن إسماعيل بن أحمد ومحمد بن عليّ بن الليث وقعة بناحية بُسْت والرُّخْج، أسره فيها أحمد بن إسماعيل.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٣).
ثمَّ دخلت سنة تسع وتسعين ومئتين ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من غزو رستم بن بردوا الصائفة من ناحية طَرَسوس، وهو
стр. 6162
والي الثغور من قبَل بني نَفيس، ومعه دميانة، فحاصر حصن مَليح الأرمنيّ، ثمَّ رَحل عنه، وأحرق أرباض ذي الكلاع.
وفيها ورد رسول أحمد بن إسماعيل بن أحمد بكتاب منه إلى السلطان يخبره فيه أنَّه فتح سِجِسْتان، وأنّ أصحابه دخلوها، وأخرجوا مَن كان بها من أصحاب الصّفار، وأن المعدّل بن عليّ بن الليث صار إليه بمن معه من أصحابه في الأمان، وكان المعدّل يومئذ مقيمًا بزرنج، فصار إلى أحمد بن إسماعيل وهو مقيم ببُسْت والرّخّج، فوجَّه به ابن إسماعيل وبعياله ومن معه إلى هراة، وبين سجستان وبُست الرخج ستون فرسخًا، فوردت الخريطة بذلك على السلطان يوم الإثنين لعشر خلوْن من صفر (١).
وفيها وافى بغداد العطير صاحب زكرويه ومعه الأغرّ - وهو أيضًا أحد قوّاد زكرويه - مستأمنًا.
وفي ذي الحجة منها غضب على عليّ بن محمَّد بن الفُرات لأربع خلوْن منه، وحيس ووُكّل بدوره ودور أهله وأخِذ كلّ ما وُجد له ولهم، وانتهب دوره ودور بني إخوته وأهلهم، واستوزر محمَّد بن عبيد الله بن يحيى بن خاقان (٢).
وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٣).
ثمَّ دخلت سنة ثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من ورود بغداد رسول من العامل على بَرْقة، وهي من عمل مصر، إلى ما خلفها بأربع فراسخ، ثمَّ ما بعد ذلك من عمل المغرب بخبر خارجيّ خرج عليه، وأنه ظفر بعسكره، وقتل خلقًا من أصحابه، ومعه آذان وأنوف مَنْ قتله في خيوط وأعلام من أعلام الخارجيّ.
وفي هذه السنة كَثُرت الأمراض والعِلل ببغداد في الناس، وذُكر أنّ الكلاب
стр. 6163
والذئاب كلبت فيها بالبادية، فكانت تطلب الناس والدوابّ والبهائم، فإذا عضَّت إنسانًا أهلكته (١).
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشميّ (٢).
ثمَّ دخلت سنة إحدى وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك عزل المقتدر محمَّد بن عبيد الله عن الوزارة وحبسه إياه مع ابنيه عبد الله وعبد الواحد وتصييره عليّ بن عيسى بن داود بن الجراح له وزيرًا (٣).
وفيها أكثر أيضًا الوباء ببغداد، فكان بها منه نوع سمّوه حَنِينًا، ومنعه نوعٌ سمَّوه الماسرا؛ فأما الحَنين فكانت سليمة، وأما الماسرا فكانت طاعونًا قتالة (٤).
وفيها أحضِر دار الوزير عليّ بن عيسى رجل - ذكر أنَّه يعرف بالحلاج ويكنى أبا محمَّد - مُشعْوذ، ومعه صاحب له، سمعتُ جماعة من الناس يزعمون أنَّه يدَّعى الربوبية فصُلبَ هو وصاحبه ثلاثة أيام، كلّ يوم من ذلك من أوله إلى انتصافه، ثمَّ ينزل بهما، فيؤمر بهما إلى الحبس، فحُبِس مدة طويلة، فافتتن به جماعة منهم نصر القشوريّ وغيره، إلى أن ضجّ الناس، ودَعَوْا على من يَعيبه، وفحش أمره، وأخرِج من الحبس، فقُطعت يداه ورجلاه، ثمَّ ضرِبت عنقه، ثمَّ أحرِق بالنار.
وفيها غزا الصائفة الحسين بن حمدان بن حمدون، فورد كتاب من طرسوس يذكر فيه أنَّه فتح حصونًا كثيرة، وقتل من الروم خلقًا كثيرًا (٥).
وفيها قُتِل أحمد بن إسماعيل بن أحمد صاحب خراسان وما وراء النهر، قتله
стр. 6164
غلام له تركيٌّ - أخصُّ غلمانه به - ذبحًا، هو وغلامان معه، دخلوا عليه في قبّته، ثمَّ هربوا فلم يدرَكوا.
وفيها وقع الاختلاف بين نصر بن أحمد بن إسماعيل بن أحمد وعمّ أبيه إسحاق بن أحمد، فكان مع نصر بن أحمد غلمان أبيه وكتابه وجماعة من قُوّاده والأموال والكُراع والسلاح، وانحاز بعد قتل أبيه إلى بخارى وإسحاق بن أحمد بسَمَرْقَنْد وهو عليل من نِقْرس به، فدعا الناس بَسَمرْقنْد إلى مبايعته على الرئاسة عليهم، وبعث كلّ واحد منهما إلى السلطان كتبه خاطبًا على نفسه عمل إسماعيل بن أحمد، وأنفذ إسحاق كتبه - فيما ذكر - إلى عمران المرزبانيّ لإيصالها إلى السلطان، ففعل ذلك، وأنفذ نصر بن أحمد بن إسماعيل كتبه إلى حماد بن أحمد؛ ليتولّى إيصالَها إلى السلطان، ففعل.
وفيها كانت وقعة بين نصر بن أحمد بن إسماعيل وأصحابه من أهل بُخارى وإسحاق بن أحمد عمّ أبيه وأصحابه من أهل سَمَرْقند لأربع عشرة بقيت من شعبان منها، هَزَم فيها نصر وأصحابه إسحاقَ وأهل سمرقند ومَنْ كان قد انضمّ إليه من أهل تلك النواحي، وتفرّقوا عنه هاربين، وكانت هذه الوقعة بينهم على باب بخارى.
وفيها زحف أهل بخارى إلى أهل سَمَرْقند بعدما هزموا إسحاق بن أحمد ومَنْ معه، فكانت بينهم وقعة أخرى ظفِر فيها أيضًا أهلُ بخارى بأهل سَمَرْقند فهزموهم، وقتلوا منهم مقتلَة عظيمة، ودخلوا سَمَرْقند قَسْرًا، وأخذوا إسحاق بن أحمد أسيرًا، وولَّوْا ما كان إليه من عمل ابنًا لعمرو بن نصر بن أحمد.
وفيها دخل أصحاب ابن البصريّ من أهل المغرب برقة، وطرد عنها عامل السلطان.
وولي أبو بكر محمَّد بن عليّ بن أحمد بن أبي زنبور الماذَرَائي أعمال مصر وخراجها.
وفيها قُتِل أبو سعيد الجنّابيّ الخارج كان بناحية البحرين وهجر، قتله - فيما قيل - خادم له.
стр. 6165
وفيها كثرت الأمراض والعلل ببغداد، وفشا الموت في أهلها، وكان أكثر ذلك - فيما قيل - في الحربية وأهل الأرباض (١).
وفيها وافَى قائد من قواد ابن البصريّ في البرابرة والمغاربة الإسكندرية.
وفيها ورد كتاب تَكِين عامل السلطان من مصر يسأله المدد.
وحجّ بالناس فيها الفضل بن عبد الملك (٢).
ثمَّ دخلت سنة اثنتين وثلاثمئة ذكر الخبر عما كان فيها من الأحداث
فمن ذلك ما كان من إشخاص الوزير عليّ بن عيسى. . . ابن عبد الباقي في ألفي فارس فيها لغزو الصائفة، معونة لبشر خادم ابن أبي الساج وهو والي طَرَسُوس من قبَل السلطان إلى طَرَسُوس، فلم يتيسَّر لهم غزو الصائفة، فغزوها شاتية في برد شديد وثلج.
وفيها تنحّى الحسن بن عليّ العَلَويّ الأطْروش بعد غلبته على طبرستان عن آمُل، وصار إلى سالوس فأقام بها، ووجّه صعلوك صاحب الريّ إليه جيشًا، فلم يكن لجيشه بها ثبات، وعاد الحسن بن عليّ إليها، ولم ير الناس مثل عدلِ الأطروش وحسن سيرته وإقامته الحق.
وفيها دخل حَبَاسة صاحب ابن البصريّ الإسكندرية، وغلب عليها، وذكر أنَّه وردها في مئتي مركب في البحر.
وفيها وافى حباسة صاحب ابن البصريّ موضعًا من فسطاط مصر على مرحلة، يقال لها: سَفط، ثمَّ رجع منه إلى وراء ذلك، فنزل منزلًا بين الفُسْطاط والإسكندرية.
وفيها شخص مؤنس الخادم إلى مصر لحرب حباسة، وقوِيَ بالرجال والسلاح والمال.