ذكر الأحداث الكائنة في سنة سبع من الهجرة غزوة خَيبَر
٢١١ - ثمَّ دخلت سنة سبع؛ فخرج رسولُ الله ﷺ في بقيّة المحرّم إلى خَيبَر واستخلَف على المدينة سباع بن عُرْفطة الغفاريّ، فمضى حتى نزل بجيشه بوادٍ يقال له الرَّجيع؛ فنزل بين أهل خَيبر وبين غَطَفان - فيما حدَّثنا ابنُ حميد قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق - ليَحُول بينهم وبين أن يُمِدُّوا أهلَ خيبر، وكانوا لهم مظاهرين على رسول الله ﷺ .
قال: فبلغني أنّ غَطَفان لما سمعتْ بمنزلِ رسول الله ﷺ من خَيبر، جَمَعُوا له، ثمَّ خرجوا ليظاهروا يهودَ عليه؛ حتى إذا ساروا مَنقَلةً سمعوا خلفهم في أموالهم وأهاليهم حسًّا؛ ظنُّوا أنّ القوم قد خالفوا إليهم، فرجعُوا على أعقابهم؛ فأقاموا في أهاليهم وأموالهم؛ وخلَّوْا بين رسول الله وبين خَيبَر، وبدأ رسول الله ﷺ بالأموال يأخذها مالًا مالًا، ويفتتحها حِصْنًا حِصْنًا؛ فكان أوّلَ حصونهم افتتح حصن ناعم؛ وعنده قُتِل محمود بن مسلمة، ألقيتْ عليه رحًا منه فقتلته؛ ثمَّ القَمُوص؛ حصن ابن أبي الحُقَيق. وأصاب رسول الله ﷺ منهم سَبَايا؛ منهم صفيّة بنت حُيَيّ بن أخطب، وكانت عند كنانة بن الربيع بن أبي الحُقيق؛ وابْنَتَي عمٍّ لها. فاصطفى رسولُ الله ﷺ صفيّة لنفسه، وكان دحية الكلبيّ قد سألَ رسولَ الله صفية؛ فلما اصطفاها لنفسه أعطاه ابنَتي عمّتها؛ وفشت السبايا من خيبر في المسلمين.
قال: ثمَّ جعل رسول الله ﷺ يتدنّى الحصون والأموال (١). (٣: ٩/ ١٠).
стр. 635
٢١٢ - فحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة، عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سَهْل أخي بني حارثة، عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ، قال: خرج مَرْحب اليهوديّ من حِصْنهم؛ قد جمع سلاحه وهو يرتجز؛ ويقول:
قد علمَتْ خَيبَرُ أنِّي مَرْحَبُ ... شاكِي السّلاحِ بَطَلٌ مُجَرَّبُ
أطْعَنُ أحْيَانًا وَحِينًا أَضْرِبُ ... إذَا اللُّيوثُ أَقبَلَتْ تَحَرَّبُ
كانَ حِمَايَ للْحِمَى لا يُقْرَبُ
وهو يقول: هَلْ من مبارز! فقال رسولُ الله ﷺ : من لهذا؟ فقام محمَّد بن مسلمة؛ فقال: أنا له يا رسول الله؛ أنا والله الموتور الثائر؛ قتلوا أخي بالأمس! قال: فقم إليه؛ اللهمّ أعِنْه عليه.
فلما أن دنا كلُّ واحد منهما مِن صاحبه، دخلت بينهما شجرةٌ عُمْرِيَّةٌ من شجر العُشَر؛ فجعل أحدُهما يلوذ بها من صاحبه؛ فكلَّما لاذَ بها اقتطع بسيفه منها ما دونه منها؛ حتى برز كلُّ واحد منهما لصاحبه، وصارت بينهما كالرَّجل القائم، ما بينهما فَننٌ؛ ثمَّ حمل مرحبٌ على محمَّد فضربه؛ فاتقاه بالدَّرقة فوقع
стр. 636
سيفه فيها؛ فعَضَّتْ به فأمْسَكَتْه، وضربه محمَّد بن مسلمة حتى قتلَه (١). (٢: ١٠/ ١١).
٢١٣ - وحدّثنا ابنُ حُمَيد، قال: حدثنا سَلَمة، قال: حدّثني محمَّد بن إسحاق عن هشام بن عروة؛ أنّ الزُّبَير بنَ العوّام خرج إلى ياسر، فقالت أمّه صفيّة بنت عبد المطلب: أيقتلُ ابني يا رسول الله؟ قال: بل ابنك يقتلُه إن شاء الله.
فخرج الزُّبَيْر وهو يقول:
قد علمَتْ خَيبَرُ أنِّي زبَّارْ ... قَرْمٌ لقَوم غَيرِ نِكْسٍ فَرَّارْ
ابنُ حُمَاة المَجْدِ وابْنُ الأخْيَارْ ... يَاسِرُ لا يَغْرُرْكَ جَمْعُ الكُفّار
فَجَمْعُهم مثل السَّرَابِ الجرَّارْ
ثمَّ التقيا فقتله الزبير (٢). (٣: ١١).
стр. 637
٢١٤ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا يونس بن بكير، قال: حدَّثنا المسيّب بن مسلم الأوديّ، قال: حدَّثنا عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه، قال: كان رسول الله ﷺ ربما أخذته الشَّقيقة، فيلبث اليوم واليومين لا يخرج. فلمّا نزل رسول الله ﷺ خيبر أخذته الشقيقة فلم يخرج إلى الناس. وإن أبا بكر أخذ رايةَ
стр. 638
رسول الله؛ ثمَّ نهض فقاتل قتالًا شديدًا؛ ثمَّ رجع فأخذها عمر فقاتل قتالًا شديدًا هو أشدُّ من القتال الأوّل؛ ثمَّ رجع فأخبر بذلك رسول الله، فقال: أما والله لأعطينَّها غدًا رجلًا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، يأخذها عنوة - قال: وليس ثَم عليّ ﵇ فتطاولت لها قريش، ورجا كلُّ واحد منهم أن يكون صاحب ذلك؛ فأصبح فجاء عليٌّ ﵇ على بعير له، حتى أناخ قريبًا من خباء رسول الله ﷺ وهو أرْمد، وقد عصب عينيه بشقّة بُرْد قَطَرِيّ؛ فقال رسول الله ﷺ : ما لك؟ قال: رمِدْتُ بعد، فقال رسول الله ﷺ : ادنُ منّي، فدنا فتَفَل في عينيه، فما وجعهما حتى مضى لسبيله. ثمَّ أعطاه الراية؛ فنهض بها معه وعليه حُلة أرجوان حمراء قد أخرج خَمْلُها. فأتى مدينة خيبر؛ وخرج مرحب صاحب الحصين وعليه مغْفرٌ مُعَصْفرٌ يمانٍ، وحجرٌ قد ثقَبه مثل البيضة على رأسه، وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنِّي مرحبُ ... شاكِي السِّلاحِ بَطَلٌ مجرَّبُ
فقال عليٌّ ﵇:
أنَا الذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيدَرَهْ ... أكيلُكم بالسيفِ كيل السنْدَرَهْ
لَيثٌ بغابات شَدِيدٌ قَسْوَرَهْ
فاختلفا ضربتين؛ فبدره عليٌّ فضربه، فقدَّ الحجرَ والمِغْفرَ ورأسَه؛ حتى وقع في الأضراس. وأخذ المدينة (١). (٣: ١٢ - ١٣).
стр. 639
٢١٥ - فلما اطمأنّ رسولُ الله ﷺ أهدت له زينب بنت الحارث امرأة سَلّام بن مشْكم شاةً مصليَّة؛ وقد سألت: أيّ عُضو من الشاة أحبُّ إلى رسول الله؟ فقيل
стр. 640
لها: الذراع؛ فأكثرتْ فيها السمّ، فسمَّتْ سائر الشاة، ثمَّ جاءت بها، فلما وضعتْها بين يدي رسول الله ﷺ تناول الذِّراع؛ فأخذها فلاكَ منها مُضغة فلم يُسِغها؛ ومعه بِشْر بن البَرَاء بن معرِور؛ وقد أخذ منها كما أخذ رسول الله، فأما بِشْر فأساغها؛ وأما رسول الله فلفظها، ثمَّ قال: إن هذا العظم ليخبِرُني أنَّه مسمُومٌ؛ ثمَّ دعا بها فاعترفت، فقال: ما حملك على ذلك؟ قالت: بلغت من قومي ما لم يَخْفَ عليك، فقلتُ: إن كان نبيًّا فسيُخْبَر؛ وإن كان ملكًا استرحتُ منه؛ فتجاوز عنها النبيّ ﷺ . ومات بشر بن البَراء من أكلَتِه التي أكل (١). (٣: ١٥).
٢١٦ - حدَّثنا ابنُ حميد؛ قال: حدَّثنا سلمة، عن محمَّد بن إسحاق؛ عن مَرْوان بن عثمان بن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: وقد كان رسول الله ﷺ قال في مرضه الذي تُوفِّيَ فيه - ودخلتْ عليه أمّ بشر بن البَراء تعوده: يا أمّ بِشْر؛ إنَّ هذا الأوانَ وجدت انقطاع أبْهَرِي من الأكلة التي أكلتُ مع ابنك بخيبر.
قال: وكان المسلمون يروْن أنّ رسول الله ﷺ قد مات شهيدًا مع ما أكرمه الله به من النبوّة (٢). (٣: ١٥/ ١٦).
стр. 641
٢١٦ / أ - قال ابن إسحاق: فلمّا فرغ رسول الله ﷺ من خيبر انصرف إلى وادي القُرى فحاصر أهله لياليَ، ثمّ انصرف راجعًا إلى المدينة (١). (٣: ١٦).
ذكر غزوة رسول الله ﷺ وادي القرى
٢١٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن ثور بن زيد، عن سالم مولى عبد الله بن مطيع، عن أبي هريرة، قال: لمّا انصرفنا مع رسول الله ﷺ من خيبر إلى وادي القرى، نزلْنا أصلًا مع مغارِب الشمس، ومع رسول الله ﷺ غلامٌ له؛ أهداه إليه رفاعة بن زيد الجُذاميّ، ثمَّ الضبيبي؛ فوالله إنا لنضع رَحْلَ رسول الله ﷺ إذ أتاه سهمٌ غرَب؛ فأصابه فقتله، فقلنا: هنيئًا له الجنّة! فقال رسول الله ﷺ : كلا والذي نفس محمَّد بيده؛ إنَّ شَمْلَتَه الآن لتُحْرَقُ عليه في النار. قال: وكان غَلَّها من فيء المسلمين يوم خيبر.
قال: فسمعها رجلٌ من أصحاب رسولِ الله ﷺ فأتاه، فقال: يا رسولَ الله، أصبتُ شرَاكَين لنعلين لي، قال: فقال: يُقَدُّ لك مثلهما من النار (٢). (٣: ١٦).
стр. 642
٢١٨ - وفي هذه السّفرة نام رسول الله ﷺ وأصحابُه عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس؛ حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيّب، قال: لمّا انصرف رسولُ الله ﷺ من خيبر؛ وكان ببعض الطريق، قال مِنْ آخر الليل: مَنْ رجلٌ يحفظ علينا الفجر، لعلَّنا ننام؟ فقال بلال: أنا يا رسول الله أحفظ لك؛ فنزل رسولُ الله ﷺ ، ونزل الناس فناموا؛ وقام بلال يصلي، فصَلّى ما شاء الله أن يُصلِّي ثمَّ استند إلى بعيره؛ واستقبل الفجر يرمقُه؛ فغلبته عينه، فنام فلم يُوقِظْهم إلا مسُّ الشمس؛ وكان رسول الله ﷺ أوّلَ أصحابه هبّ من نومه، فقال: ماذا صنعت بنا يا بلال! فقال: يا رسولَ الله، أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك، قال: صدقت. ثمَّ اقتاد رسول الله غيرَ كثير، ثمَّ أناخ فتوضّأ وتوضأ الناس، ثمَّ أمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلّى بالناس، فلمّا سلّم أقبل على الناس، فقال: إذا نسيتمُ الصلاة فصلُّوها إذا ذكرتموها، فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١) (٣: ١٦ - ١٧).
٢١٩ - قال ابن إسحاق: وكان فتْح خيبر في صفر.
قال: وشهد مع رسول الله ﷺ نساء من نساء المسلمين، فرضَخَ لهنّ
стр. 643
رسول الله من الفَيء ولم يضربْ لهنّ بسهم (١). (٣: ١٧).
[أمر الحجاج بن علاط السُّلَمِي]
٢٢٠ - قال: ولما فتحت خيبر قال الحجّاج بن علاط السُّلَميّ ثمَّ البَهْزيّ لرسول الله ﷺ : يا رسول الله؛ إنَّ لي مالًا بمكة عند صاحبتي أمّ شيبة بنت أبي طلحة - وكانت عنده، له منها مُعَرِّض بن الحجاج - ومال متفرّق في تجار أهل مكة، فائْذَنْ لي يا رسولَ الله. فأذن له رسول الله ﷺ ، ثمَّ قال: إنه لابدّ لي من أن أقول، قال: قل، قال الحجاج: فخرجت حتى إذا قدمت مكة، فوجدت بثنيّة البيضاء رجالًا من قريش يتسمّعون الأخبار، ويسألون عن أمر رسول الله، وقد بلغهم أنَّه قد سار إلى خيبر، وقد عرفوا أنها قرية الحجاز؛ ريفًا ومنعة ورجالًا، فهم يتحسّسون الأخبار؛ فلما رأوْني قالوا: الحجاج بن علاط - ولم يكونوا علموا بإسلامي - عنده والله الخَبر! أخبِرْنا بأمرِ محمَّد، فإنَّه قد بلَغنا أن القاطع قد سار إلى خَيبر؛ وهي بلدة يهود وريف الحجاز. قال: قلتُ: قد بلغني ذلك، وعندي من الخبر ما يسرّكم. قال: فالتاطوا بجَنْبَي ناقتي يقولون: إيه يا حجّاج! قال: قلت: هُزِمُوا هزيمةً لم تسمعوا بمثلها قطّ؛ وقتل أصحابه قتلًا لم تسمعوا بمثله قطّ، وأسرَ محمدٌ أسرًا، وقالوا: لن نقتلَه حتى نبعثَ به إلى مكّة فيقتلوه بين أظهرهم بمَنْ كان أصاب من رجالهم. قال: فقاموا فصاحوا بمكّة وقالوا: قد جاءكم الخَبر، وهذا محمَّد إنما تنتظرون أن يُقْدَم به عليكم فيُقتَل بين أظهرِكم. قال: قلت: أعينوني على جمع مالي بمكّة على غرمائي؛ فإنّي أريد أن أقدَم خيبر، فأصيب من فلّ محمَّد وأصحابه قبل أن يسبقني التجار إلى ما هنالك.
قال: فقاموا فجمعوا مالي كأحَثِّ جَمْع سمعت به. فجئت صاحبتي فقلت: مالي - وقد كان لي عندها مال موضوع - لعلي ألحق بخيبر؛ فأصيب من فُرَصِ
стр. 644
البيع قبل أن يسبقَني إليه التجار. فلما سمع العباس بن عبد المطلب الخبرَ وجاءه عنّي، أقبل حتى وقف إلى جنبي؛ وأنا في خيمة من خيام التجّار، فقال: يا حجّاج، ما هذا الذي جئت به؟ قال: قلت: وهلْ عندك حفْظٌ لما وضعت عندك؟ قال: نعم، قلت: فاستأخرْ عَنِّي حتى ألقاك على خلاء، فإني في جَمْع مالي كما ترى؛ فانصرفَ عني حتى إذا فرغتُ من جَمْع كلّ شيءٍ كان لي بمكة، وأجمعت الخروجَ، لقيت العبّاس، فقلت: احفظ عليَّ حديثي يا أبا الفضل؛ فإنّي أخشى الطَّلب ثلاثًا، ثمَّ قل ما شئت. قال: أفعل، قال: قلتُ فإنّي والله لقد تركتُ ابنَ أخيك عروسًا على ابنة ملكهم -يعني صفيّة بنت حيّي بن أخطب- ولقد افتتح خيبر، وانتثل ما فيها؛ وصارت له ولأصحابه. قال: ما تقول يا حجّاج! قال: قلت: إي والله؛ فاكتم عليَّ؛ ولقد أسلمت وما جئت إلَّا لآخذ مالي فَرَقًا من أن أغلَب عليه، فإذا مضت ثلاثٌ فأظهِرْ أمرَك؛ فهو والله على ما تحبّ. قال: حتى إذا كان اليوم الثالث لبس العباس حُلةً له، وتخلّقَ وأخذ عصاه؛ ثمَّ خرج حتى أتى الكعبةَ، فطاف بها؛ فلما رأوْه قالوا: يا أبا الفضل؛ هذا والله التجلّد لحرِّ المصيبة! قال: كلا والذي حلفتم به! لقد افتتحَ محمدٌ خيبر، وتُرِك عروسًا على ابنة ملكهم، وأحرز أموالها وما فيها؛ فأصبحَتْ له ولأصحابه. قالوا: مَنْ جاءك بهذا الخبر؟ قال: الذي جاءكم بما جاءكم به؛ لقد دخل عليكم مسلمًا، وأخذ ماله وانطلق ليلحقَ برسول الله وأصحابه فيكون معه، قالوا: يا لعباد الله! أفلت عدوُّ الله! أما والله لو علمْنَا لكان لنا وله شأنٌ، ولم ينشَبُوا أن جاءهم الخبر بذلك (١). (٣: ١٧/ ١٨ / ١٩).
ذكر مقاسم خيبر وأموالها
٢٢١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: كان رسولُ الله ﷺ يبعثُ إلي أهل خَيبر عبدَ الله بن رواحة خارصًا بين المسلمين ويهود، فيَخْرُص عليهم؛ فإذا قالوا: تعدّيت علينا، قال: إن شئتم فلكم، وإن شئتم فلنا؛ فتقول يهود: بهذا قامت السموات والأرض.
وإنما خَرَص عليهم عبد الله بن رواحة؛ ثم أصيب بمُؤتة، فكان جَبّار بن صَخْر بن خنساء، أخُو بني سلمة؛ هو الذي يخرُص عليهم بعد عبد الله بن رواحة، فأقامت يهود علي ذلك لا يري بهم المسلمون بأسًا في معاملتهم؛ حتى عَدوا في عهد رسول الله ﷺ علي عبد الله بن سهل، أخي بني حارثة؛ فقتلوه، فاتّهمهم رسولُ الله ﷺ والمسلمون عليه (١). (٣: ٢٠).
٢٢٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، قال: سألتُ ابنَ شهاب الزُّهريّ: كيف كان إعطاء رسولِ الله ﷺ يهودَ خيبر نخيلهم حين أعطاهم النّخل علي خَرْجها؟ أبَتَّ ذلك لهم حتى قُبض، أم أعطاهم إياها لضرورة من غير ذلك؟
فأخبرني ابنُ شهاب أنّ رسول الله ﷺ افتتح خيبر عَنْوةً بعد القتال؛ وكانت
стр. 647
خيبر مما أفاء الله علي رسوله؛ خمّسها رسول الله وقسّمها بين المسلمين، ونزل مَنْ نزل من أهلها علي الإجْلاء بعد القتال؛ فدعاهم رسولُ الله ﷺ فقال: إن شئتم دفعنا إليكم هذه الأموال علي أن تعملوها؛ وتكون ثمارها بيننا وبينكم؛ وأقِرُّكم ما أقرَّكم الله. فقبلوا، فكانوا علي ذلك يعملونها. وكان رسولُ الله ﷺ يبعث عبدَ الله بن رواحة فيَقْسِمُ ثمرَها، ويعدل عليهم في الخرْص؛ فلما تَوفّي الله نبيَّه ﷺ أقرَّها أبو بكرِ بعد النبيّ في أيديهم علي المعاملة التي كان عاملهم عليها رسول الله حتى توفِّيَ، ثم أقرَّها عمر صَدْرًا من إمارته؛ ثمّ بلغ عمرَ أنِّ رسول الله ﷺ قال في وجَعِه الذي قبض فيه: لا يجتمعنّ بجزيرة العرب دينان، ففحَصَ عمر عن ذلك حتى بلّغه الثَّبَتُ، فأرسَلَ إلي يهود أنّ الله قد أذِنَ في إجلائكم؛ فقد بلغني أنّ رسول الله ﷺ قال: لا يجتمعنّ بجزيرة العرب دينان، فمن كان عنده عها من رسول الله فلْيأتني به أنفذه له؛ ومَنْ لم يكن عنده عهدٌ من رسول الله من اليهود فليتجهَّزْ للجلاء، فأجلي عمر مَنْ لم يكن عنده عهد من رسول الله ﷺ منهم.
قال أبو جعفر: ثم رجع رسول الله ﷺ إلي المدينة (١). (٣: ٢٠/ ٢١).
стр. 648
٢٢٣ - قال أبو جعفر: وفيها سريّة غالب بن عبد الله في شهر رمضان إلي المَيفَعة؛ فحدّثنا ابنُ حُميد قال: حدَّثنا سلمَة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعثَ رسول الله ﷺ غالبَ بن عبد الله الكلبيّ إلي أرض بني مرّة، فأصاب بها مِرْداس بن نَهيك حليفًا لهم من الحُرَقة من جُهَينة؛ قتله أسَامة بن زيد ورجلٌ من الأنصار.
قال أسامة: لمّا غَشيناه، قال: أشهد أن لا إله إلا الله؛ فلم ننزع عنه حتى قتلناه؛ فلما قدمنا علي رسول الله أخبرناه الخبر؛ فقال: يا أسامة، مَنْ لك بلا إله إلا الله! (١) (٣: ٢٢).
[عمرة القضاء]
٢٢٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لمّا رجع رسولُ الله ﷺ إلي المدينة من خَيبر. أقام بها شهر ربيع الأولى وشهر ربيع الآخر وجمادي الأولى وجمادي الآخرة ورجب وشعبان وشهر رمضان وشوّالًا؛
стр. 649
يبعث فيما بين ذلك من غزوه وسراياه، ثم خرج في ذي القَعْدة في الشهر الذي صدَّه فيه المشركون معتمرًا عُمْرة القضاء مكان عُمرته التي صدُّوه عنها؛ وخرج معه المسلمون ممّن كان معه في عُمْرته تلك، وهي سنة سبع؛ فلما سمِع به أهلُ مكة خرجوا عنه؛ وتحدّثَتْ قريش بينها أنّ محمدًا وأصحابه في عسْر وجُهْد وحاجة (١). (٣: ٢٣).
стр. 650
٢٢٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمَة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بَكْر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ حين دخل مكّة في تلك العُمرة، دخلها وعبد الله بن رواحة آخذٌ بخطام ناقته؛ وهو يقول:
خَلُّوا بني الكُفَّارِ عن سَبِيلِهْ ... إنِّي شَهِيدٌ أَنَّه رَسُولُهْ
خَلوا فكلُّ الخَيرِ في رسولهْ ... يا رَبِّ إنِّي مُؤمِنٌ بقيلهْ
أَعْرِفُ حَقَّ الله في قَبُولهْ ... نحْنُ قَتَلْناكم علي تأويلهْ
كما قَتَلْناكم علي تَنْزِيلهْ ... ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عن مَقِيلِهْ
ويُذْهِلُ الخَلِيلَ عن خَلِيلِه (١)
(٣: ٢٤).
٢٢٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نَجيح، عن عطاء بن رباح ومجاهد، عن ابن عباس، أنّ رسولَ الله ﷺ تزوّج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك؛ وهو حرامٌ؛ وكان الذي زوّجه إياها العباس بن عبد المطلب (٢). (٣: ٢٤/ ٢٥).
стр. 651
[خبر غزوة غالب بن عبد الله الليثي بني الملوّح]
٢٢٧ - قال: وفيها أغزي رسولُ الله ﷺ غالبَ بن عبد الله الليثي في صفر إلي الكَديد إلي بني الملوح.
قال أبو جعفر: وكان من خبر هذه السرية وغالب بن عبد الله؛ ما حدّثني إبراهيم بن سَعيد الجوهريّ وسعيد بن يحيى بن سعيد -قال إبراهيم: حدّثني يحيى بن سعيد، وقال سعيد بن يحيى: حدّثني أبي- وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سَلمة؛ جَميعًا عن ابن إسحاق، قال: حدّثني يعقوب بن عُتْبة بن المغيرة، عن مُسْلِم بن عبد الله بن خُبَيب الجُهنيّ، عن جندب بن مكيث الجهنيّ، قال: بعث رسولُ الله ﷺ غالب بن عبد الله الكلبيّ؛ كلب ليث، إلي بني الملوح بالكديد، وأمره أن يُغير عليهم، فخرج -وكنت في سريّته- فمضينا؛ حتى إذا كنا بقُديد لقينَا بها الحارث بن مالك -وهو ابن البَرْصاء الليثيّ- فأخذناه فقال: إنّي إنما جئت لأُسلم؛ فقال غالبُ بن عبد الله: إن كنت إنّما جئت مسلمًا، فلنْ يضرّك رِبَاطُ يوم وليلة؛ وإن كنت علي غير ذلك استوثقنا منك. قال: فأوثقه رباطًا ثم خلّف عليه رُوَيجلًا أسود كان معنا، فقال: امكث معه حتى نمرّ عليك، فإنْ نازعَك فاحتزَّ رَأسَه. قال: ثمّ مضينَا حتى أتينا بطن الكَديد، فنزلنا عُشَيشِيَةً بعد العصر، فبعثني أصحابي رَبيئَةً، فَعَمَدْتُ إلي تلّ يطلعني علي الحاضر، فانبطحت عليه -وذلك قُبَيلَ المغرب- فخرج منهم رجل، فنظر فرآني منبطحًا علي التلّ، فقال لامرأته: والله إنّي لأري علي هذا التلّ سوادًا ما كنت رأيتُه أوّل النهار؛ فانظري لا تكون الكلاب جرّت بعض أوعيتك. فنظرتْ فقالت: والله ما أفقد شيئًا. قال: فناوليني قوسي وسهمين من نَبْلي، فناولته فرماني بسهْم فوضعه في جنبي. قال: فنزعتهُ فوضعته، ولم أتحرّك. ثمّ رماني بالآخر، فوضعه في رأس منكبي، فنزعته فوضعته ولم أتحرّك. فقال: أما والله لقد خالطه
стр. 652
سهمايَ، ولو كان ربيئة لتحرّك؛ فإذا أصبحت فاتّبعي سهميّ فخذيهما لا تمضغهما عليّ الكَلاب، قال: فأمهلناهم حتى راحت رائحتُهم، حتى إذا احتلبوا وعطنوا سكنوا، وذهبت عَتمةٌ من الليل شننّا عليهم الغارة، فقتلنا مَنْ قتلنا واستقْنا النّعم، فوجّهنا قافلين؛ وخرج صَرِيخ القوم إلي القوم مُغَوِّثًا. قال: وخرجنا سِرَاعًا حتى نمرّ بالحارث بن مالك؛ ابن البرصاء، وصاحبه؛ فانطلقنا به معنا، وأتانا صَرِيخ الناس، فجاءنا ما لا قبل لنا به، حتى إذا لم يكن بيننا وبينهم إلّا بطنُ الوادي مِنْ قُدَيد، بعثَ الله من حيث شاء سحابًا ما رأينا قبل ذلك مطرًا ولا خالًا، فجاء بما لا يقدر أحدٌ أن يقدم عليه، فلقد رأيناهم ينظرون إلينا، ما يقدرُ أحدٌ منهم أن يقدم ولا يتقدّم؛ ونحن نحدوها سراعًا؛ حتى أسندناها في المشلّل؛ ثم حدرناها عنها، فأعجزنا القوم بما في أيدينا، فما أنسي قولَ راجزٍ من المسلمين؛ وهو يحدوها في أعقابها، ويقول:
أبي أبو القاسم أنْ تَعَزَّبي
في خَضِلٍ نَباتُه مُغْلوْلِب
صُفرٍ أعاليه كلَوْنِ المُذْهَبِ (١)
(٣: ٢٧/ ٢٨).
٢٢٨ - قال أبو جعفر: وكان سبب إسلام عمرو بن العاص، ما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن راشد مولى ابن أبي أوْس، عن حبيب بن أبي أوْس، قال: حدّثني عمرو بن العاص من فيه إلي أذني، قال: لمّا انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعتُ رجالًا من قريش كانوا يروْن رأيي، ويسمعون منّي، فقلت لهم: تعلمون والله أنّي لأري أمر محمد يَعْلُو الأمور عُلوًّا مُنْكرًا. وإنّي قد رأيت رأيًا فما تروْن فيه؟ قالوا:
стр. 653
وماذا رأيت؟ قلت: رأيتُ أن نلحقَ بالنجاشيّ، فنكون عنده، فإن ظهر محمدٌ علي قومنا كنّا عند النجاشيّ فلأن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد؛ وإن يظهر قومنا فنحن مَنْ قد عرفوا؛ فلا يأتينا منهم إلا خيرٌ. فقالوا: إنّ هذا لرأيٌ. قلت: فاجمَعوا له ما نُهدي إليه -وكان أحبَّ ما يُهْدَي إليه من أرضنا الأدَم- فجمعنا له أدَمًا كثيرًا، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه، فوالله إنا لعنده؛ إذ جاءه عمرو بن أميّة الضّمريّ -وكان رسولُ الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه- قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال: فقلتُ لأصحابي: هذا عَمْرو بن أميّة الضمْريّ، لو قد دخلت علي النّجاشيّ وسألته إياه؛ فأعطانيه فضربتُ عنقه! فإذا فعلت ذلك رأتْ قريش أنّي قد أجزأتُ عنها حين قتلت رسول محمد.
فدخلت عليه، فسجدتُ له كما كنت أصنع، فقال: مرحبًا بصديقي! أهديتَ لي شيئًا من بلادك؟ قلت: نعم، أيها الملك، قد أهديت لك أدَمًا كثيرًا، ثم قَرَّبته إليه، فأعجبه واشتهاه؛ ثم قلت له: أيها الملك؛ إنّي قد رأيتُ رجلًا خرج من عندك؛ وهو رسول رجل عدوّ لنا، فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب بها أنفه ضربةً ظننت أنه قد كسره -يعني النجاشيّ- فلو انشقّت الأرض لي لدخلتُ فيها فَرَقًا منه. ثم قلت: والله أيها الملك لو ظننتُ أنك تَكْرَه هذا ما سألتكه، قال: أتسألني أن أعطيَك رسول رجل يأتيه الناموسُ الأكبر الذي كان يأتي موسى، لتقتله! فقلت: أيّها الملك، أكذاك هو؟ قال: ويحك يا عمرو! أطعني واتّبعه؛ فإنه والله لعلي الحقّ، وليظهرنّ عَلَى مَن خالفه كما ظهر موسى علي فرعون وجنوده.
قال: قلت: فتبايعني له علي الإسلام؟ قال: نعم، فبسط يده، فبايعتُه علي الإسلام، ثم خرجت إلي أصحابي؛ وقد حال رأيي عَمّا كان عليه، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامدًا لرسول الله لأسلم؛ فلقيتُ خالد بن الوليد -وذلك قبل الفتح- وهو مقبلٌ من مكة، فقلت: إلي أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام المنسم؛ وإن الرجل لنَبيّ، أذهب والله أسلِم؛ فحتّى متى! فقلت: والله ما جئتُ إلّا لأسلم، فقدمنا علي رسول الله ﷺ ، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلَم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسولَ الله، إنّي أبايعك علي أن تغفرَ لي ما تقدّم من
стр. 654
ذنبي، ولا أذكر ما تأخّر! فقال رسولُ الله ﷺ . يا عمرو، بايع فإنّ الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وإنّ الهجرة تجبُّ ما قبلها. فبايعته ثم انصرفت (١). (٣: ٢٩/ ٣٠ / ٣١).
[غزوة ذات السلاسل]
٢٢٩ - وحدّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدّثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: بعث رسولُ الله ﷺ عمرو بن العاص إلي أرض بَلِيّ وعُذْرة، يستنفر الناس إلي الشأم؛ وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت امرأةً مِنْ بَلِيّ، فبعثه رسولُ الله إليهم يستألفهم بذلك؛ حتى إذا كان علي
стр. 655
ماء بأرض جُذام، يقال له السلاسل -وبذلك سُمّيت تلك ال غزوة ذات السلاسل - فلمّا كان عليه خاف، فبعث إلي رسول الله يستمدّه، فبعث إليه رسولُ الله ﷺ أبا عبيدة بن الجرّاح في المهاجرين الأولين؛ فيهم أبو بكر وعمر رضوان الله عليهم، وقال لأبي عبيدة حين وجّهه: لا تختلفا؛ فخرج أبو عبيدة حتى إذا قدم عليه، قال له عمرو بن العاص: إنما جئتَ مددًا لي، فقال له أبو عبيدة: يا عمرو؛ إنّ رسول الله قد قال لي: لا تختلفا؛ وأنت إن عصيتَني أطعتُك، قال: فأنا أميرٌ عليك؛ وإنما أنت مددٌ لي، قال: فدونَك! فصلّي عمرو بن العاص بالناس (١). (٣: ٣٢).
стр. 656
[غزوة الخبط]
٢٣٠ - وحدثنا أحمد بن عبد الرحمن، قال: حدَّثنا عَمّي عبد الله بن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث أن عمرو بن دينار حدّثه أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: خرجنا في بعث ونحن ثلاثمئة، وعلينا أبو عبيدة بن الجراح، فأصابنا جوعٌ، فكنّا نأكل الخبَط ثلاثة أشهر؛ فخرجت دابّة من البحر يقال لها العَنبر، فمكثنا نصف شهر، نأكل منها، ونحر رجلٌ من الأنصار جزائر، ثم نحر من الغد كذلك؛ فنهاه أبو عبيدة، فانتهى.
قال عمرو بن دينار: وسمعت ذكوان أبا صالح قال: إنه قيس بن سعد (١). (٣: ٣٢/ ٣٣).
٢٣١ - حدَّثنا ابنُ المثَنَّى، قال: حدَّثنا الضّحاك بن مخْلد، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يخبر، - قال: زوَّدنا النبيّ ﷺ جرابًا من تمر، فكان يقبض لنا أبو عبيدة قبضة قبضة، ثم تمرة تمرة، فنمصّها ونشرب عليها الماء إلي الليل؛ حتى نَفد ما في الجراب، فكُنّا نجنِي الخبَط، فجعنا جوعًا شديدًا. قال: فألقي لنا البحر حوتًا ميتًا، فقال أبو عبيدة: جياع كلوا، فأكلنا -وكان أبو عبيدة ينصب الضِّلَع من أضلاعه فيمرّ الراكب علي بعيره تحته، ويجلس النفر الخمسة في موضع عينه- فأكلنا وادّهنّا حتى صَلَحت
стр. 657
أجسامنا، وحسنت شحماتنا؛ فلما قدمنا المدينة قال جابر: فذكرنا ذلك للنبيّ ﷺ ، فقال: كُلوا رزقًا أخرجه الله لكم، معكم منه شيء؟ -وكان معنا منه شيء- فأرسل إليه بعض القوم فأكل منه (١). (٣: ٣٣).
стр. 658
٢٣٢ - قال: وفيها أغزى رسولُ الله ﷺ في سريّةٍ أبا قتادة إلي بطن إضَم حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط، عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلميّ.
وقال بعضهم: عن ابن القعقاع- عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حَدْرَد، قال: بعثَنا رسول الله ﷺ إلي إضَم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قَتادة الحارث بن رِبْعيّ ومحَلّم بن جَثّامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم -وكانت قبل الفتح- مَرَّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ علي قَعود له، معه مُتَيِّع له ووطْب من لبن. فلمّا مَرَّ بنا سلّم علينا بتحيّة الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلّم بن جَثّامة الليثي لشيء كان بينه وبينه؛ فقتله وأخذ بعيره ومتيَّعه، فلمّا قدمنا علي رسول الله ﷺ فأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية (١). (٣: ٣٥/ ٣٦).
[ذكر الخبر عن غزوة مؤتة]
٢٣٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة بن الزبير، قال: بعث رسولُ الله ﷺ بَعثَهُ إلى مؤتة في جُمادي الأولى من سنة ثمانٍ؛ واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب علي الناس، فإن أصيبَ جعفر فعبد الله بن رواحة علي الناس.
стр. 659
فتجهّز الناسُ، ثم تهيَّؤوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم وَدَّع الناسُ أمراء رَسُول اللهِ وسلموا عليهم وودّعوهم فلمّا ودّع عبد الله بن رَواحة مع من ودّع من أمراء رسول الله ﷺ بكَى، فقالوا له: ما يُبكيك يا بن رواحة؟ فقال: أما والله ما بي حبّ الدنيا، ولا صبابة بكم؛ ولكني سمعتُ رسول الله يقرأ آيةً من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾.
فلست أدري كيف لي بالصَّدَرِ بعد الورود! فقال المسلمون: صحبكم الله ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة:
لكنَّنِي أسْأَلُ الرّحْمنَ مَغْفِرَةً ... وَضَرْبَةً ذاتَ فَرْغٍ تَقْذِف الزَّبَدَا
أو طَعْنَةً بيَدَي حَرَّانَ مُجْهِزَةً ... بحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الأحْشاءَ والكَبدا
حتى يقولوا إذَا مَرُّوا علي جَدَثي ... أَرْشَدَهُ اللهُ مِنْ غَازٍ وقد رَشَدَا! (١)
(٣: ٣٦/ ٣٧).
٢٣٣ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة وأبو تُمَيلة، عن محمد بن
стр. 660
إسحاق، عن يحيى بن عبّاد، عن أبيه، قال: حدّثني أبي الذي أرضعني -وكان أحد بني مرّة بن عوف، وكان في تلك الغزوة غزوة مُؤتة- قال: والله لكأنّي أنظرُ إلي جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء؛ فعقرها، ثم قاتل القوم حتى قُتِل؛ فلما قتل جعفر أخذ الرّايَة عبدُ الله بن رَواحة؛ ثمّ تقدّم بها وهو علي فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردد، ثم قال:
أقسمْتُ يا نَفْسُ لَتَنزِلنّهْ ... طَائِعَةً أوْ فَلَتُكْرَهِنَّهْ
إن أجْلَبَ الناسُ وشَدُّوا الرَّنّهْ ... ما لِي أَراكِ تَكْرَهِين الجَنَّهْ!
قد طَالمَا قد كنْتِ مُطْمَئِنَّهْ ... هَلْ أَنْتِ إلا نُطْفَةٌ في شَنَّهْ!
وقال أيضًا:
يا نَفْس إلَّا تُقْتَلي تَمُوتي ... هذَا حِمَامُ المَوْتِ قد صَلِيتِ
وما تَمَنَّيتِ فقدْ أعْطِيتِ ... إنْ تَفْعَلي فِعْلَهُمَا هُدِيتِ
قال: ثم نزل؛ فلمّا نزل أتاه ابنُ عمٍّ له بعظم من لحم؛ فقال: شُدَّ بها صلبك؛ فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت؛ فأخذه من يده؛ فانتهس منه نهسَةً ثم سمع الحطْمة في ناحية الناس، فقال: وأنت في الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه؛ فتقدّم فقاتل حتى قتل؛ فأخذ الراية ثابتُ بن أقرم؛ أخو بَلْعجلان؛ فقال: يا معشَر المسلمين اصطلحوا علي رجل منكم، فقالوا: أنت، قال: ما أنا بفاعل؛ فاصطلح الناس علي خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم؛ وحاشي بهم، ثم انحاز وتحيّز عنه حتى انصرف بالناس (١). (٣: ٣٩/ ٤٠).
стр. 661
٣٣٤ - فحدّثني القاسم بن بِشْر بن معروف، قال: حدَّثنا سليمان بن حرب، قال: حدَّثنا الأسود بن شيبان، عنِ خالد بن سُمَير، قال: قَدِم علينا عبد الله بن رَبَاح الأنصاريّ -وكانت الأنصار تُفقّهُه- فغشيَه الناس، فقال: حدَّثنا أبو قتادة فارسُ رسول الله ﷺ ، قال: بعث رسول الله جيشَ الأمراء، فقال: عليكم زيد بن حارثة؛ فإن أصيب فجعفر بن أبي طالب؛ فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة؛ فوثب جعفر فقال: يا رسولَ الله؛ ما كنت أذهبُ أن تستعمل زيدًا عليَّ! قال: امض؛ فإنك لا تدري أيّ ذلك خير!
فانطلقوا، فلبثوا ما شاء الله. ثم إنّ رسولَ الله ﷺ صعد المنبر، وأمر فنودي: الصّلاة جامعة! فاجتمع الناس إلي رسول الله، فقال: باب خير، باب خير، باب خير! أخبركم عن جيشكم هذا الغازي؛ إنّهم انطلقوا فلقُوا العدوّ، فقتل زيد شهيدًا -واستغفر له- ثمّ أخذ اللواء جعفر، فشدّ علي القوم حتى قتل شهيدًا -فشهد له بالشهادة واستغفر له- ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة؛ فأثبت قدميه حتى قتل شهيدًا -فاستغفر له- ثمّ أخذ اللواء خالد بن الوليد -ولم يكن من الأمراء هو أمَّر نفسه- ثم قال رسول الله ﷺ : اللهمّ إنه سيف من سيوفك، فأنت تنصره -فمنذ يومئذ سمّي خالد سيف الله- ثم قال رسول الله: أبكروا فأمدُّوا إخوانكم ولا يتخلّفنّ منكم أحد، فنفروا مُشاةً ورُكْبَانًا، وذلك في حرّ شديد (١). (٣: ٤٠/ ٤١).
٢٣٥ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، قال: لما أتي رسولَ الله مصابُ جعفر، قال رسول الله ﷺ : قد مرّ
стр. 662
جعفر البارحة في نفر من الملائكة، له جناحان، مختضب القوادم بالدّم، يريدون بيشة؛ أرضًا باليمن (١). (٣: ٤١).
стр. 663
[ذكر الخبر عن فتح مكة]
٢٣٦ - فبينا بنو بكر وخُزاعة علي ذلك حَجَز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به، فلمّا كان صلحُ الحديبية بينَ رسول الله ﷺ وبين قريش كان فيما شرطوا علي رسول الله ﷺ ، وشرط لهم -كما حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عُروة بن الزبير، عن المِسْوَر بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيره من علمائنا -أنه مَنْ أحَبَّ أن يدخلَ في عهد رسول الله ﷺ وعقْده دخلَ فيه، ومَنْ أحبّ أن يدخل في عهد قُريش وعقدهم دخل فيه؛ فدخلت بنو بكر في عَقْد قريش، ودخلت خُزاعة في عَقْد رسول الله ﷺ .
فلمّا كانت تلك الهدنة اغتنمتها بنو الدِّيل، من بني بكر من خُزاعة.
وأرادوا أن يصيبوا منهمِ [ثأرًا] بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رَزْن، فخرج نَوْفل بن معاوية الدّيلي في بني الدِّيل -وهو يومئذ قائدهم؛ ليس كل بني بكر تابعه- حتى بَيَّتَ خزاعة، وهم علي الوتير؛ ماء لهم،
стр. 664
فأصابوا منهم رجلًا وتحاوزوا واقتتلوا؛ ورفَدَت قريش بني بكْر بالسِّلاح؛ وقاتل معه من قريش مَنْ قاتل بالليل مستخفيًا؛ حتى حازوا خُزاعة إلي الحَرم.
رجع الحديث إلي حديث ابن إسحاق، قال: فلما انتهوْا إليه قالت بنو بكْر: يا نوفل، إنا قد دخلْنا الحرم إلهَك إلهَك؛ فقال: كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم! يا بني بكْر أصيبوا ثأْركم، فلعمري إنكم لتسرقُون في الحرم؛ أفلا تصيبون ثأركم فيه! وقد أصابوا منهم ليلة بَيَّتوهم بالوتير رجلًا يقال له منبّه، وكان منبّه رجلًا مفؤودًا خرج هو ورجل من قومه، يقال له تميم بن أسد -فقال له منبّه: يا تميم، انجُ بنفسك؛ فأمّا أنا فوالله إني لميّتٌ قتلوني أو تركوني؛ لقد انبتَّ فؤادي. فانطلق تميم فأفلَت، وأدركوا منبّهًا فَقتلوه- فلمّا دخلت خُزاعة مكة لجؤوا إلي دار بُدَيل بن ورْقاء الخُزاعيّ، ودار مولى لهم يقال له رافع.
قال: فلما تظاهرتْ [بنو بكر و] قُريش علي خُزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد والميثاق بما استحلّوا من خُزاعة -وكانوا في عَقْده وعهدِه- خرج عمرو بن سالم الخُزاعيّ، ثم أحد بني كعب؛ حتى قدِم علي رسولِ الله ﷺ المدينة؛ وكان ذلك ممّا هاج فتح مكة؛ فوقف عليه وهو في المسجد جالسٌ بين ظهرانَيِ الناس، فقال:
لا همّ إنِّي ناشدٌ مُحمّدا ... حلْفَ أبينا وأبيه الأتْلدَا
فوالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلدَا ... ثمَّتَ أَسلَمْنا فلم نَنْزِعْ يَدَا
فانْصُر رسول الله نَصْرًا أعْتَدَا ... وادْعُ عِبَادَ اللهِ يأتوا مَدَدَا
فيهم رسول اللهِ قد تَجَرَّدَا ... أبْيَض مثْل البَدْرِ يَنْمِي صُعدَا
إن سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا ... في فَيلَقٍ كالبَحْر يجْري مُزْبدَا
إنّ قريشًا أخلفوك الموْعِدا ... ونَقَضُوا ميثاقك المُؤَكَّدا
وجعلوا لي في كَدَاء رَصَدَا ... وزعموا أَن لسْتُ أَدْعُو أَحَدا
وَهُمْ أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدَا ... هُمْ بَيَّتُونَا بالوَتِيرِ هُجَّدَا
فقتَّلونا رُكَّعًا وَسُجّدَا
يقول: قد قتّلونا وقد أسلمنا. فقال رسول الله ﷺ حينَ سمع ذلك: قد نُصرْتَ
стр. 665
يا عمرو بن سالم! ثم عرض لرسول الله ﷺ عَنَانٌ من السماء، فقال: إنّ هذه السحابة لتستَهِلّ بنصر بني كعب.
ثم خرج بُدَيل بن ورقاء في نفر من خُزاعة حتى قدِموا علي رسول الله المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم؛ ثم انصرفوا راجعين إلى مكة. وقد كان رسولُ الله ﷺ قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدّد العَقْد، ويزيد في المدّة (١). (٣: ٤٣/ ٤٤ / ٤٥).
стр. 666
٢٣٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عُرْوة بن الزُّبير وغيره من عُلمائنا،
стр. 667
قالوا: لما أجمَع رسولُ الله ﷺ المسير إلي مكة، كتب حاطب بن أبي بَلْتَعة كتابًا إلي قُريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسولُ الله من الأمر في السَّير إليهم؛ ثمّ أعطاه امرأة -يزعمُ محمد بن جعفر أنها من مُزَينة؛ وزعم غيرُه أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب- وجعل لها جُعْلًا علي أن تُبلِّغه قريشًا. فجعلَتْه في رأسها، ثم فتلتْ عليه قُرونها، ثم خرجتْ به. وأتي رسول الله ﷺ الخبرُ من السماء بما صنع حاطبٌ؛ فبعث عليّ بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال: أدْركا امرأةً قد كتب معها حاطب بكتاب إلي قريش، يحذّرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم؛ فخرجا حتى أدركاها بالحُليفة، حُليفة ابن أبي أحمد؛ فاستنزلاها، فالتمسا في رَحْلها، فلم يجدا شيئًا، فقال لها عليُّ بن أبي طالب: إنّي أحلِفُ ما كذب رسول الله ولا كذبنا؛ ولتُخْرِجنَّ إليّ هذا الكتاب أو لنكشفنَّك؛ فلما رأت الجدّ منه، قالت: أعرض عنِّي، فأعرض عنها، فحلّتْ قرونَ رأسِها، فاستخرجت الكتاب منه، فدفعته إليه، فجاء به إلي رسول الله ﷺ ، فدعا رسول الله حاطبًا؛ فقال: يا حاطب، ما حملك علي هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمنٌ بالله ورسوله، ما غيَّرْتُ ولا بَدَّلْتُ، ولكنّي كنتُ امرأ ليس لي في القوم أصلٌ ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهلٌ وولَد، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دَعْني فلأضرب عنقه، فإنّ الرجل قد نافق، فقال رسول الله ﷺ : وما يدريك يا عمر، لعلّ الله قد اطّلع إلي أصحاب بدر يوم بدر؛ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم! فأنزل الله في حاطب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ إلي قوله ﴿وَإِلَيكَ أَنَبْنَا﴾ إلي آخر القصة (١). (٣: ٤٨/ ٤٩).
стр. 668
٢٣٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزّهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة بن مسعود، عن ابن عباس، قال: ثم مضي رسولُ الله ﷺ لسفره؛ واستخلف علي المدينة أبا رُهْم كُلْثوم بن حُصين بن خلَف الغفَاريّ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسولُ الله ﷺ ، وصام الناس معه؛ حتى إذا كان بالكَديد ما بين عُسَفان وأمج، أفطر رسولُ الله ﷺ ، ثم مضي حتى نزل مَرَّ الظَّهْران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبَّعَتْ سليم؛ وألَّفَتْ مُزَينة وفي كلّ القبائل عدد وإسلام؛ وأوعَبَ مع رسول الله المهاجرون والأنصار، فلم يتخلّف عنه منهم أحد، فلما نزل رسول الله ﷺ مَرّ الظهران، وقد عُمّيَت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبرٌ عن رسول الله؛ ولا يدرون ما هو فاعلٌ؛ فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحَكيم بن حزام، وبُدَيل بن ورْقاء، يتحسسون الأخبار، هل يجدون خبرًا أو يسمعون به (١)! (٣: ٤٩/ ٥٠).
стр. 669
٢٣٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وقد كان فيما حدّثني محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبَد بن العباس بن عبد المطلب؛ عن ابن عباس: وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقَّى رسول الله ﷺ ببعض الطريق؛ وقد كان أبو سُفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمتة بن المغيرة قد لَقيا رسولَ الله ﷺ بنيق العُقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فالتمسا الدخولَ علي رسول الله، فكلّمته أم سلَمة فيهما، فقالت: يا رسولَ الله، ابن عمك وابن عمّتك وصهرُك، قال: لا حاجةَ لي بهما، أما ابنُ عمّي فهتَك عِرْضي؛ وأما ابنُ عمّتي وصهري فهو الذي قال بمكة ما قال:
فلمّا خرج الخبر إليهما بذلك؛ ومع أبي سفيان بُنيٌّ له فقال: والله ليأذَننّ لي أو لآخُذَنَّ بيد بُنيّ هذا؛ ثم لنذهبنّ في الأرض؛ حتى نموت عطشًا وجوعَّا. فلما بلغ ذلك رسولَ الله ﷺ رقَّ لهما؛ ثم أذن لهما، فدخلا عليه؛ فأسلما وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مَضَي منه:
لَعَمْرِيَ إنِّي يومَ أحملُ رايةً ... لتَغْلِبَ خَيلُ اللَّاتِ خَيلَ محمدِ
لَكَالْمُدْلِج الحيرَان أظْلم ليلُه ... فهذَا أوَانِي حينَ أُهْدَي وأَهْتَدِي
وَهادٍ هَدَانِي غَيرَ نفْسي وَنالني ... معَ اللهِ مَنْ طَرَّدْتُ كلَّ مُطَرَّدِ
أَصُدُّ وَأَنأَي جَاهِدًا عن محمدٍ ... وأُدْعي ولِولم أنتسِبْ من مِحمّدِ
هُمُ ما هُمُ منْ لم يقل بهوَاهُمُ ... وإنْ كَان ذا رَأْيٍ يُلَمْ ويُفنَّدِ
أُرِيد لأُرْضِيهمْ ولسْتُ بلائِطٍ ... معَ القَوم ما لم أُهْدَ فِي كلِّ مَقْعَد
فقل لثَقِيفٍ لا أُريد قتَالها ... وقل لثَقيفٍ تلك غَيرِيَ أوْعِدِي
وما كنتُ فِي الجيشِ الَّذي نال عامِرًا ... وَما كَان عن جَرَّي لساني ولا يدي
قبائل جَاءتْ مِنْ بَلادٍ بعِيدَةٍ ... نَزَائعُ جَاءتْ مِنْ سُهَامٍ وسُرْدَدِ
قال: فزعموا أنه حين أنشد رسولَ الله ﷺ قوله: "ونالني مع الله من طرّدتُ كلّ مُطَرَّدِ"؛ ضَرَبَ النبي ﷺ في صدره. ثم قال: أنت طرّدتَني كل مطرّد! (١). (٣: ٥٠/ ٥١).
стр. 670
٢٤٠ - فلما نزل مَرّ الظهران خرج أبُو سفيان بن حرب ومعه حَكيم بن حزام.
فحدّثنا أبو كريب، قال: أخبرَنا يُونس بن بكَير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدّثني حُسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكْرمة عن ابن