← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

يومئذ في كلامه هذا: فإنّي لو كنت متّخذًا من العباد خليلًا لاتَّخذت أبا بكر خليلًا؛ ولكن صحبة وإخاءُ إيمان حتى يجمع الله بيننا عنده (١). (٣: ١٩١). ٣٤١ - وحدّثني أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدّثني عمّي عبد الله بن وهب، قال: حدَّثنا مالك، عن أبي النَّضْر، عن عُبيد بن حنين، عن أبي سعيد الخُدريّ أن رسولَ الله ﷺ جلس يومًا على المنبر، فقال: إنّ عبدًا خيّره الله بين أن يؤتيه من زَهْرة الدنيا ما شاء، وبين ما عند الله، فاختار ما عند الله؛ فبكى أبو بكر ثم قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا يا رسول الله! قال: فتعجّبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخبر رسول الله عن عبد يخيّر، ويقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا! قال: فكان رسول الله هو المخيَّر، وكان أبو بكر أعلمنا به؛ فقال رسولُ الله ﷺ : إنّ أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنتُ متّخذًا خليلًا لاتَّخذت أبا بكر خليلًا؛ ولكن أخوّة الإسلام، لا تبق خَوْخة في المسجد إلّا خَوْخة أبي بكر (٢). (٣: ١٩١). ٣٤٢ - حدَّثنا أحمد بن حمّاد الدُّولابيّ، قال: حدَّثنا سُفيانَ، عن سليمان بن أبي مسلم، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس! قال: اشتدَّ برسول الله ﷺ وجعُه، فقال: ائتوني أكتب كتابًا لا تضلّوا بعدي أبدًا. فتنازعوا - ولا ينبغي عند نبيّ أن يُتنازع - فقالوا: ما شأنه؟ أهَجَرَ! استفهموه؛ فذهبوا يعيدون عليه، فقال: دعوني فما أنا فيه خيرٌ مما تدعونني إليه؛ وأوصى بثلاث؛ قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفدَ بنحوٍ مما كنت أجيزهم؛ وسكت عن الثالثة عمدًا أو قال: فنسيتها (٣). (٣: ١٩٢/ ١٩٣).

стр. 772

٣٤٣ - حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا يحيى بن آدم، قال: حدَّثنا ابنُ عيينة، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: يوم الخميس! ثم ذكر نحو حديث أحمد بن حماد، غير أنه قال: ولا ينبغي عند نبيّ أن ينازَع (١). (٣: ١٩٣). ٣٤٤ - حدَّثنا أبو كُريب وصالح بن سَمّال، قال: حدَّثنا وكيع، عن مالك ابن مِغْوَل، عن طلحة بن مصرَّف، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: يوم الخميس وما يوم الخميس! قال: ثم نظرتُ إلى دموعه تسيل على خدَّيه كأنها نظام اللؤلؤ. قال: قال رسولُ الله ﷺ : ائتوني باللَّوح والدّواة -أو بالكَتِف والدّواة- أكتب لكم كتابًا لا تضلّون بعده. قال: فقالوا: إن رسول الله يَهْجُر (٢). (٣: ١٩٣). ٣٤٥ - حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدّثني عَمِّي عبد الله بن وهب، قال: أخبرَني يونس، عن الزُّهريّ، قال: أخبرَني عبد الله بن كعب بن مالك؛ أنّ ابنَ عباس أخبره أنّ عليّ بن أبي طالب خرَج من عند

стр. 773

رسول الله ﷺ في وجعه الذي تُوفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن. كيف أصبَح رسولُ الله؟ قال: أصبح بحمد الله بارئًا، فأخذ بيده عبّاس بن عبد المطلب، فقال: ألا تَرَى أنك بعد ثلاث عَبْدُ العصا! وإني أرَى رسول الله سيُتَوفَّى في وجعه هذا؛ وإنّي لأعرفَ وجوه بني عبد المطلب عند الموت؛ فاذهب إلى رسول الله فسلْه فيمَنْ يكون هذا الأمر؟ فإن كان فينا علِمْنَا ذلك، وإن كان في غيرنا أمر به فأوصَى بنا. قال عليٌّ: والله لئن سألناها رسولَ الله فمنَعنَاها لا يعطيناها النّاس أبدًا؛ والله لا أسألها رسولَ الله أبدًا (١). (٣: ١٩٣). ٣٤٦ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن عبد الله بن عبّاس، قال: خرج يومئذ عليّ بن أبي طالب على الناس من عند رسولِ الله ﷺ ، ثم ذكر نحوه؛ غير أنه قال في حديثه: أحلف بالله لقد عرفت الموتَ في وجه رسول الله كما كنت أعرفه في وجوه بني عبد المطلب؛ فانطلقْ بنا إلى رسول الله؛ فإن كان هذا الأمر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا أمَرنا فأوصى بنا الناس؛ وزاد فيه أيضًا: فتوفّى رسولُ الله حين اشتدّ الضُّحَى من ذلك اليوم (٢). (٣: ١٩٣). ٣٤٧ - حدَّثنا سعيد بن يحيى الأمويّ، قال: حدَّثنا أبي، عن عروة، عن عائشة، قالت: قال لنا رسولُ الله ﷺ : أفرغوا عليّ من سبع قِرَب من سبع آبار شتّى، لعلّي أخرج إلى الناس فأعهَدَ إليهم (٣). (٣: ١٩٣). ٣٤٨ - قال محمد، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة، قالت: فصببنا عليه من سبع قرَب، فوجد راحةً، فخرج فصلّى بالناس، وخطَبهم،

стр. 774

واستغفر للشهداء من أصحاب أحُد، ثم أوصى بالأنصار خيرًا، فقال: أمّا بعد يا معشر المهاجرين، إنكم قد أصبحتم تزيدون. وأصبحت الأنصار لا تزيد على هيئتها التي هي عليها اليوم، والأنصار عيبَتي التي أويت إليها، فأكرِموا كريمهم، وتجاوزوا عن مُسِيئهم. ثم قال: إنّ عبدًامن عباد الله قد خُيّر بين ما عند الله وبين الدنيا فاختار ما عند الله؛ فلم يفقهها إلّا أبو بكر، ظنّ أنه يريد نفسَه، فبكى، فقال له النبيّ ﷺ : على رِسْلك يا أبا بكر! سدُّوا هذه الأبوابَ الشوارع في المسجد إلا باب أبي بكر؛ فإني لا أعلم امرأ أفضلَ يدًا في الصحابة من أبي بكر (١). (٣: ١٩٤). ٣٤٩ - حدَّثنا عمرو بن عليّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيد القطّان، قال: حدَّثنا سُفيان، قال: حدَّثنا موسى بن أبي عائشة، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبة، عن عائشة، قالت: لَددْنَا رسولَ الله ﷺ في مرضه، فقال: لا تلُدُّوني! فقلنا: كراهيَةُ المريض الدواء. فلمّا أفاق قال: لا يبقى منكم أحدٌ إلا لُدّ؛ غير العبّاس فإنه لم يشهدْكم (٢). (٣: ١٩٥). ٣٥٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق في حديثه الذي ذكرناه عنه، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة قالت: ثم نزلَ رسولُ الله ﷺ ، فدخل بيته، وتتامّ به وجعُه حتىْ غُمِر، واجتمع عنده نساء من نسائه: أمّ سلَمة، وميمونة، ونساء من نساء المؤمنين؛ منهنّ أسماء بنت عُميس، وعنده عمُّه العباس بن عبد المطلب، وأجمعوا على أن يلُدُّوه، فقال العباس: لألُدّنه، قال: فلُدّ، فلما أفاقَ رسولُ الله ﷺ ، قال: مَنْ صنع بي هذا؟ قالوا: يا رسول الله، عمّك العباس، قال: هذا دواء أتى به نساء من نحو هذه الأرض - وأشار نحو أرض الحبشة - قال: ولم فعلتم ذلك؟ فقال العباس: خشينا يا رسولَ الله أن يكون بك وجع ذات الجَنْب، فقال: إن ذلك لداء ما كان الله ليعذِّبَني به، لا يبقى في البيت أحدٌ إلا لُدّ إلّا عمّي. قال: فلقد لدّت ميمونة وإنها

стр. 775

لصائمة لقسم رسولِ الله ﷺ ؛ عقوبةً لهم بما صنعوا (١). (٣: ١٩٥). ٣٥١ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، أدنّ عائشة حدّثته أدنّ رسولَ الله ﷺ حين قالوا: خشينا أن يكون بك ذات الجَنْب، قال: إنّها من الشيطان، ولم يكن الله ليسلّطها علي (٢). (٣: ١٩٥). ٣٥٢ - حُدّثتُ عن هشام بن محمد، عن أبي مخنف، قال: حدّثني الصّقْعب بن زهير، عن فقهاء أهل الحجاز، أنّ رسول الله ﷺ ثَقُل في وجعه الذي تُوُفَيَ فيه حتى أغْمِيَ عليه؛ فاجتمع إليه نساؤه وابنته وأهلُ بيته والعبّاس بن عبد المطلب وعليّ بن أبي طالب وجميعهم؛ وإن أسماءَ بنت عُميس قالت: ما وجعه هذا إلّا ذات الجنْب، فلُدّوه، فلددناه، فلما أفاق، قال: مَنْ فعل بي هذا؟ قالوا: لَدَّتْك أسماء بنت عُميس؛ ظنّتْ أنّ بك ذات الجنْب. قال: أعوذ بالله أن يُبليَني بذات الجنْب؛ أنا أكرم على الله من ذلك (٣). (٣/ ١٩٥ / ١٩٦).

стр. 776

٣٥٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حَدّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عُبَيد بن السَّبَّاق، عن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه أسامة بن زيد، قال: لما ثقُل رسولُ الله ﷺ هبطتُ وهبط الناس معي إلى المدينة، فدخلنا على رسول الله ﷺ ، وقد أصْمت فلا يتكلّم، فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها عليّ، فعرفتُ أنه يدعُو لي (١). (٣: ١٩٦). ٣٥٤ - حدثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة قالت: كان رسولُ الله ﷺ كثيرًا ما أسمعه، وهو يقول: إنّ الله لم يقبض نبيًّا حتى يخيّره (٢). (٣: ١٩٦). ٣٥٥ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا أبي، عن الأعمش، قال: [و] حدَّثنا أبو هشام الرفاعيّ، قال: حدَّثنا أبو معاوية ووكيع، قالا: حدَّثنا الأعمش، وحدّثنا عيسى بن عثمان بن عيسى، عن الأعمش عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة، قالت: لما مرض رسولُ الله ﷺ المرضَ الذي مات فيه، أذَّنَ بالصلاة، فقال: مُرُوا أبا بكر أنْ يُصلِّيَ بالناس، فقلت: إنّ أبا بكر رجلٌ رقيق، وإنه متى يقوم مقامَك لا يطيق! قال: فقال: مروا أبا بكر يصلِّي بالناس، فقلت مثل ذلك، فغضب، وقال: إنكنّ صواحبُ يوسف - وقال ابن وكيع: "صواحبات يوسف" - مُروا أبا بكر يصلِّي بالناس، قال: فخرج يُهادَى بين رجلين وقدماه تخُطّان في الأرض؛ فلما دنا من أبي بكر، تأخّر أبو بكر؛ فأشار إليه رسولُ الله ﷺ أن قُمْ في

стр. 777

مقامك، فقعد رسولُ الله ﷺ ، فصلّى إلى جنب أبي بكر جالسًا. قالت: فكان أبو بكر يصلِّي بصلاة النبيّ، وكان الناس يصلّون بصلاة أبي بكر. اللفظ لحديث عيسى بن عثمان (١). (٣: ١٩٧). ٣٥٦ - حدّثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، قال: حدَّثنا شُعيب بن الليث، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سَرْجِس، عن القاسم، عن عائشة قالت: رأيتُ رسولُ الله ﷺ يموت، وعنده قدحٌ فيه ماء يُدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعنِّي على سَكْرة الموت! (٢). (٣: ١٩٧). ٣٥٧ - حدّثني محمد بن خلَف العسقلانيّ، قال: حدثنا آدم، قال: حدَّثنا الليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن موسى بن سَرْجِس، عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ وهو يموت. ثم ذكر مثله؛ إلا أنه قال:

стр. 778

أعِنّي على سَكَرات الموت (١). (٣: ١٩٨). ٣٥٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، قال: حدَّثنا أنس بن مالك، قال: لما كانَ يوم الإثنين، اليوم الذي قُبِض فيه رسولُ الله ﷺ ، خرجَ إلى الناس وهم يصلون الصبح، فرَفَعَ السّترَ، وفتح الباب، فخرج رسولُ الله؛ حتى قام بباب عائشة، فكاد المسلمون أن يفتتنُوا في صلاتهم برسول الله ﷺ حين رأوه؛ فَرَحًا به، وتفرَّجوا. فأشار بيده: أن اثبتوا على صلاتكم، وتبسّم رسولُ الله فرحًا لمّا رأى من هيئتهم في صلاتهم، وما رأيتُ رسولَ الله ﷺ أحسن هيئة منة تلك الساعة؛ ثم رجع وانصرف الناس وهم يظنون أنّ رسولَ الله ﷺ قد أفاق من وجعه، فرجع أبو بكر إلى أهله بالسُّنْح (٢). (٣: ١٩٨).

стр. 779

٣٥٩ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يعقوب بن عُتْبة، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، قالت: رجع رسولُ الله ﷺ في ذلك اليوم حين دخل من المسجد، فاضطجع في حِجْري، فدخل عليَّ رجل من آل بكر في يده سواك أخضر قالت: فنظر رسول الله ﷺ إلى يده نظرًا عرفتُ أنه يريده، فأخذته فمضغتُه حتى ألنْته، ثم أعطيته إياه؛ قالت: فاستنّ به كأشدّ ما رأيته يستنّ بسواك قبله، ثم وضعه؛ ووجدت رسول الله يثقل في حِجْري. قالت: فذهبت أنظر في وجهه، فإذا نظره قد شَخص، وهو يقول: بل الرفيق الأعلَى من الجَنّة! قالت: قلت: خُيِّرتَ فاخترتَ والذّي بعثَك بالحق! قالت: وقُبِض رسول الله ﷺ (١) (٣: ١٩٩). ٣٦٠ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عبّاد بن الزبير، عن أبيه عبّاد، قال: سمعتُ عائشةَ تقول: مِات رسولُ الله ﷺ بين سَحْري ونَحْري وفي دوْري؛ ولم أظلم فيه أحدًا، فمن سَفهي وحداثة سنِّي أنّ رسول الله قُبِض وهو في حجري، ثم وضعت رأسه على وسادة؛ وقصت ألتَدِمُ مع النساء، وأضرب وجهي (٢). (٣: ١٩٩).

стр. 780

ذكر الأخبار الواردة باليوم الذي توفي فيه رسول الله ﷺ ومبلغ سنه يوم وفاته ٣٦٠ / أ- قال أبو جعفر: أما اليوم الذي مات فيه رسول الله ﷺ ؛ فلا خلاف بين أهل العلم بالأخبار فيه أنّه كان يومَ الإثنين من شهر ربيع الأوّل، غير أنه اختُلِف في أيّ الأثانين كان موته ﷺ (١). (٣: ١٩٩/ ٢٠٠). ٣٦١ - قال: وأقبلَ أبو بكر حَتى نزل على باب المسجد حين بلَغه الخبر، وعمَر يكلّم الناس؛ فلم يلتفت إلى شيء حتى دخلَ على رسول الله ﷺ في بيت عائشة؛ ورسول الله مُسَجًّى في ناحية البيت، عليه بُرْد حِبَرة، فأقبل حتى كشف عن وجهه، ثم أقبل عليه فقبَّله، ثم قال: بأبي أنت وأمّي! أما المَوْتة التي كتب الله عليك فقد ذُقْتَها، ثمّ لن يصيبَك بعدها موتةٌ أبدًا. ثم رَدَّ الثَّوْب على وجهه، ثم خرج وعمرُ يكلّم الناس، فقال: على رِسْلِك يا عمر! فأنصت، فأبى إلّا أن يتكلّم، فلما رآه أبو بكر لا يُنصِت أقبل على الناس، فلمّا سمع الناسُ كلامَه أقبلوا عليه (٢). (٣: ٢٠٠).

стр. 781

[ذكر جهاز رسول الله ﷺ ودفنه] ٣٦١ / أ- قال أبو جعفر: فلما بويع أبو بكر أقبلَ الناسُ على جِهازِ رسولِ الله ﷺ , فقال بعضهم: كان ذلك من فعلهم يوم الثلاثاء؛ وذلك الغدُ من وفاتِه ﷺ . وقال بعضهم: إنما دُفن بعد وفاته بثلاثة أيام، وقد مضى ذكرُ بعض قائلي ذلك (١). (٣: ٢١١). ٣٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن يحيى بن عَبَّاد، عن أبيه عَبّاد، عن عائشة، قالت: لما أرادوا أن يَغْسِلوا النبيّ ﷺ اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما ندري أنُجرّد رسولَ الله من ثيابه كما نجرّد موتانا، أو نغسله وعليه ثيابه! فلما اختلفوا ألقيَ عليهم السِّنَةُ حتى ما منهم رجل إلا وذقْنُه في صدره، ثم كلّمهم متكلّم من ناحية البيمت لا يُدْرى مَنْ هو: أن اغسلوا النبيّ وعليه ثيابُه؛ قالت: فقاموا إلى رسولِ الله ﷺ فغسّلوه وعليه قميصه يصبّون عليه الماء فوق القميص، ويدلُكونه والقميص دون أيديهم.

стр. 782

قال: فكانت عائشة تقول: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسّله إلا نِساؤه (١). (٣: ٢١٢). ٣٦٣ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن جعفر بن محمد بن علي بن حسين، عن أبيه، عن جدّه عليّ بن حسين. قال ابن إسحاق: وحدّثني الزّهريّ، عن عليّ بن حسين، قال: فلما فُرغ من غُسْل رسولِ الله ﷺ كُفِّن في ثلاثة أثواب: ثوبين صُحَارِيَّيْن وبُرد حِبَرَة؛ أدرج فيها إدراجًا (٢). (٣: ٢١٢).

стр. 783

٣٦٤ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن فاطمة بنت محمد بن عُمارة، امرأة عبد الله -يعني ابن أبي بكر- عن عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن عائشة أمّ المؤمنين، قالت: ما علمنا بدفن رسول الله ﷺ حتى سمِعنا صوتَ المَسَاحي من جوف الليل ليلة الأربعاء (١). (٢١٣: ٣).

стр. 784

٣٦٥ - حدَّثني ابنُ حُميد، قال: حدثنا سلَمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبيه إسحاق بن يَسار، عن مِقْسَم أبي القاسم، مولَى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن مولاه عبد الله بن الحارث، قال: اعتمرتُ مع عليّ بن أبي طالب في زمان عمر -أو زمان عثمان- فنزل على أخته أمّ هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عُمرته رجع وسكبتُ له غسلًا فاغتسل؛ فلمّا فرغ من غُسْله دخل عليه نفرٌ من أهل العراق؛ فقالوا: يا أبا الحسن؛ جئنا نسألك عن أمر نحبّ أن تخبرنا به! فقال: أظنّ المغيرة يحدّثكم أنه كان أحدثَ الناس عهدًا برسول الله ﷺ قالوا: أجل، عن ذا جئنا نسألك! قال: كذب؛ كان أحدثُ الناس عهدًا برسول الله قُثَمَ بن العبّاس (١). (٣: ٢١٤). ٣٦٦ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله، عن عائشة، قالت: كان على رسولِ الله ﷺ خميصة سوداء حين اشتدّ به وجعُه، قالت: فهو يَضَعُها مرّة على وجهه، ومرّة يكشفها عنه، ويقول: قاتل الله قومًا اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجدَ! يحذَر ذلك على أمته (٢). (٣: ٢١٤).

стр. 785

٣٦٧ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، قالت: كان آخر ما عهد رسول الله ﷺ أنه قال: لا يُتْرَك بجزيرة العرب دينان (١). (٢١٤: ٣/ ٢١٥). واختلف في مبلغ سنّه يوم توفي ﷺ ، فقال بعضهم: كان له يومئذ ثلاث وستون سنة. ذكر من قال ذلك: ٣٦٨ - حدَّثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا حجّاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّاد -يعني ابنَ سلَمة- عن أبي جمرة، عن ابن عباس، قال: أقام رسولُ الله ﷺ بمكّة ثلاث عشرة سنة يُوحَى إليه، وبالمدينة عشرًا؛ ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة (٢). (٣: ٢١٥). ٣٦٩ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا حجّاج بن المنهال، قال: حدَّثنا حمّاد، عن أبي جمرة، عن أبيه، قال: عاش رسولُ الله ﷺ ثلاثًا وستين سنة (٣). (٢١٥: ٣). ٣٧٠ - حدَّثنا محمد بن خلَف العسقلانيّ، قال: حدَّثنا آدم، قال: حدثنا

стр. 786

حمّاد بن سلمة، قال: حدَّثنا أبو جمرة الضُّبعيّ، عن ابن عباس، قال: بُعِث رسولُ الله ﷺ لأربعين سنة، وأقام بمكّة ثلاث عشرة يوحى إليه، وبالمدينة عشرًا، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة (١). (٣: ٢١٥/ ٢١٦). ٣٧١ - حدّثني أحمدُ بن عبد الرحمن بن وهب، قال: حدّثني عمي عبد الله، قال: حدَّثنا يونس، عن الزُّهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة، قالت: توفَّيَ رسولُ الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين (٢). (٣: ٢١٦). وقال آخرون: كان له يومئذ خمس وستون. ذكر من قال ذلك: ٣٧٢ - حدثني زياد بن أيّوب، قال: حدَّثنا هُشَيم، قال: أخبرنا عليّ بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عبّاس، قال: قبِض النبيّ ﷺ وهو ابن خمس وستين (٣). (٣: ٢١٦). ٣٧٣ - حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا معاذ بن هشام، قال: حدّثني أبي،

стр. 787

عن قتادة، عن الحسن، عن دغْفل -يعني ابن حنظلة- أن النبيّ ﷺ توفيَ وهو ابن - (١) خمس وستين سنة. (٣: ٢١٦). وقال آخرون: بل كان له يومئذ ستون سنة. ذكر من قال ذلك: ٣٧٤ - حدثنا ابن المثنّى، قال: حدَّثنا حجاج، قال: حدَّثنا حمّاد، قال: حدَّثنا عمرو بن دينار، عن عُروة بن الزبير، قال: بُعِث رسولُ الله ﷺ وهو ابن أربعين، ومات وهو ابن ستين (٢). (٣: ٢١٦). ٣٧٥ - حدَّثنا الحسينُ بن نصر، قال: أخبرَنا عبيدُ الله، قال: أخبرنا شيبان، عن يحيى بن أبي كَثِير، عن أبي سلَمة، قال: حدثتني عائشة وابنُ عبّاس، أن رسولَ الله ﷺ لبث بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة عشرًا (٣). (٣: ٢١٦). * * *

стр. 788

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 789

صحيح تاريخ الطبري الخلافة الراشدة للإِمَامِ أبِي جَعْفَر بن جَرِير الطَّبَرِيِّ (٢٢٤ - ٣١٠ هـ) حقَّقَه وَخرَّج رَوَايَاته وعَلَّقَ عليه محمد بن طاهر البرزنجي بإشرافِ ومُراجعَة المحقِّق محمد صبحي حسن حلّاق وبإشراف عام من الدكتور الشيخ يحيى بن إبراهيم اليحيى فيما يتعلق بمرويات أبي مخنف المجلّد الثالث دَار ابْن كَثير دمشق- بَيروت

стр. 790

بسم الله الحمن الرحيم

стр. 791

صحيح تاريخ الطبري الخلافة الراشدة

стр. 792

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م جميع الحقوق محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من دَار ابن كَثير للطباعة والنشر والتوزيع دمشق- بيروت الرقم الدولي: الموضوع: تاريخ العنوان: صحيح وضعيف تاريخ الطبري ١/ ١٠ التأليف: الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري نوع الورق: أبيض ألوان الطباعة: لونان عدد الصفحات: ٥٦١٦ القياس: ١٧×٢٤ نوع التجليد: فني- كعب لوحة الوزن: ١٥ كغ التنفيذ الطباعي: مطابع المستقبل التجليد: مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد دار ابن كثير دمشق- حلبونى- جادة ابن سينا- بناء الجابى ص. ب: ٣١١ - هاتف: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٢٨٤٥٠ - فاكس: ٢٢٤٣٥٠٢ بيروت- برج أبي حيدر- خلف دبوس الأصلي- بناء الحديقة ص. ب: ٦٣١٨/ ١١٣ - تلفاكس: ٨١٧٨٥٧/ ٠١ - جوال: ٢٠٤٤٥٩/ ٠٣ www.ibn-katheer.com - info@ibn-katheer.com

стр. 793

(مقدمة في منهج تحقيقنا لتأريخ الطبري فيما يتعلق بعهد الخلفاء الراشدين) الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: فإن تأريخ الإمام الطبري فيما يتعلق بالخلفاء الراشدين من أوسع المصادر التأريخية المتقدمة وأكثرها اعتناءً بالإسناد إلا أن الطبري ﵀ اعتمد [في تأريخ حروب الردة وفتوح الشام والعراق ومجريات الأحداث في هذا العهد على مرويات سيف بن عمر التيمي وبكثرة، وكذلك اعتمد مرويات أبي مخنف، ومعلوم أن أئمة الجرح والتعديل أجمعوا على تضعيف أبي مخنف فقال ابن حبان: رافضي يشتم الصحابة ويروي بالموضوعات عن الثقات (لسان الميزان ٤/ ٣٦٦). وقال ابن عدي: حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترف صاحب أخبارهم (الكامل ٦/ ٢١١٠). وقال ابن معين: ليس بشيء (تأريخ ابن معين ٢/ ٥٠٠) وعقب ابن عدي قائلًا: (وهذا الذي قاله ابن معين يوافقه عليه الأئمة) (الكامل الموضع السابق). وقال أبو حاتم: متروك الحديث (الجرح والتعديل ٧/ ١٨٢). ورأي ابن حجر فيه هو ما ذكره في لسان الميزان (٤/ ٤٩٢) لوط بن حييى - أبو مخنف - أخباري تالف لا يوثق به. تركه أبو حاتم وغيره. اهـ. قلنا: ولذلك وضعنا معظم روايات أبي مخنف في قسم الضعيف، وبيّنا ما في متونها من نكارة، ولم نجد له إلا روايات قليلة جدًّا توافق ما رواه الثقات. ولم

стр. 794

نُطِل كثيرًا في نقد رواياته فقد كفانا الأستاذ يحيى اليحى ذلك في كتابه القيم (مرويات أبي مخنف في تأريخ الطبري - عصر الخلافة الراشدة - دراسة نقدية). أما بالنسبة لروايات سيف بن عمر التميمي وهي الأكثر ورودًا في عهد أبي بكر الصديق عند الطبري؛ فقد وضعنا منهجًا نرجوا أن قد التزمنا به في تحقيقنا هذا. وقبل ذكر شروطنا في التفاصيل مع مرويات سيف لا بد أن نذكر أقوال العلماء فيه ولو باختصار. أما بالنسبة للحديث؛ فهو ضعيف عند جمهور النقاد. قال الدارقطني: ضعيف (التهذيب ٤/ ٢٩٦). وقال النسائي: ضعيف (الضعفاء والمتروكين / ٥١). وقال العقيلي: ولا يتابع عليه، ولا على كثير من حديثه (الضعفاء الكبير ٢/ ١٧٥). وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة، وكان يضع الحديث (المجروحين ١/ ٣٤٥). قلنا: وهذا زيادة في الجرح في ابن حبان وهو معروف بتساهله في التوثيق وتشدده في الجرح ولذلك قال الحافظ في التقريب (١/ ٢٦٢): أفحش ابن حبان القول فيه. أما بالنسبة للروايات التأريخية؛ فقد قال ابن حجر في التقريب: (عمدة في التأريخ). وقال الذهبي: كان أخباريًا عارفًا (الميزان ٢/ ٢٥٥). ولذلك قال عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى (قسم التأريخ الإسلامي) د. خالد الغيب: ينقسم الحديث عن درجة سيف العلمية إلى قسمين: الأول: يتعلق بسيف المحدث. والثاني: يتعلق بسيف الأخباري (استشهاد عثمان وموقعة الجمل في مرويات سيف بن عمر في تاريخ الطبري - دراسة نقدية ٢٨). ويرى المؤرخ الإسلامي المعاصر الأستاذ العمري: أن سيفًا هذا ضعيف جدًّا في التأريخ. قلنا: من أجل ما سبق وضعنا بعضًا من روايات سيف في قسم الصحيح بالشروط التالية: ١ - بعد أن وجدنا لهما أصلًا صحيحًا ابتداءً بالبخاري ومرورًا ببقية كتب الحديث - وانتهاءً بالمصادر التأريخية الموثوقة.

стр. 795

٢ - بعد أن تأكدنا من خلوّ تلك الروايات ممَّا يتعلق بالمسائل العقيدية، والحلال، والحرام. ٣ - بعد أن تأكدنا من خلوّ هذه الروايات من طعن في عدالة الصحابة، أو غمز ولمز بهم، وبتعاملهم مع بعضهم البعض. ٤ - بعد أن تأكدنا من خلو هذه الروايات من الانحياز إلى اتجاه سياسي معروف في عهد الخلفاء الراشدين. أما بقية الروايات (وهي الأكثر) فقد وضعناها في الضعيف وبيَّنا ما فيها من نكارة، أو غرابة. ولقد أسهب الدكتور خالد الغيث في تقييمه لروايات سيف في رسالته الجامعية فلا نريد أن نذكر تفاصيل ذلك إلَّا أنَّا نضيف معلقة صغيرة فيما يتعلق بالطعون الواردة في روايات سيف ونفي (الطعن في عدالة الصحابة) وهو أن البلاء ليس من سيف فحسب، وإنما أكثر البلاء من تلميذه وراويته شعيب، وأغلب الروايات من طريقه، فهو المعروف بتحامله على الصحابة (ليس بالمعروف وله أحاديث وأخبار وفيها بعض النكارة وفيها تحامل على السلف / اللسان ٣/ ١٤٥). واعتبرنا هذه الطريق (طريق شعيب عن سيف) أشد مرويات سيف ضعفًا عند الطبري. أما أقل مرويات سيف ضعفًا أو أصحها (وليس صحيحها) فهو طريق: (حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمّي، قال: حدثنا سيف) والله أعلم. ثانيًا: أما فيما يتعلق بالمصادر التي اعتمدنا عليها في تقسيمنا لمرويات الطبري التاريخية فهي كما يلي: ١ - تأريخ خليفة بن خياط: فهو مؤرخ معتمد ثقة توفي (٢٤٠ هـ) أي: بعد أنه بدأ الطبري بطلب الحديث بأربع سنوات -وهو يدرس التأريخ دراسة حولية بالإضافة إلى كتابته التأريخ بصيغة أخرى هي تدوين التأريخ من خلال دراسة الشخصيات التأريخية. الأنبياء، ثم الصحابة، ثم أئمة التابعين، وذلك في كتابة القيم المعروف (طبقات خليفة). ٢ - فتوح البلدان للبلاذري: والذي اهتم اهتمامًا بالغًا بتأريخ الفتوح وهو يعتمد الإسناد كسلفه خليفة، إلَّا أن خليفة يذكر الإسناد ويعتمده أكثر من

стр. 796

البلاذري الذي توفي (٢٧٩ هـ). وكذلك اعتمد البلاذري الإسناد في دراسته لشخصيات الصحابة في كتابه التاريخي القيّم (أنساب الأشراف). ٣ - والمصدر الثالث الذي اعتمدنا في مقارنتنا لروايات الطبري التأريخية هو (الطبقات الكبرى لابن سعد). وإن كان ابن سعد يعتمد كثيرًا على شيخه الواقدي، وهو متروك ولهذا لم نعتمد هذه الروايات إلَّا ما كان له متابعة، أو شاهد. ٤ - ومن المصادر المتقدمة الأخرى التي اعتمدناها في تحقيقنا لمرويات الطبري التأريخية (كتاب المعرفة والتأريخ) ليعقوب بن سفيان، وكذلك (الأخبار الطوال). للدينوري ت (٢٨٢ هـ). ٥ - ومعلوم: أن عددًا من المؤرخين الثقات برزوا في القرون التالية، ومنهم ابن عساكر الذي عاش في القرن الخامس الهجري واشتهر كتابه تأريخ دمشق وهو بحق سفر تأريخي قيَّم اعتمد فيه الإسناد ورجَّح أحيانًا بين الروايات التأريخية فذكرنا ترجيحاته واعتمدنا مختصر تأريخية (لابن منظور ﵀ وكذلك راجعنا روايات الكلاعي في كتابه (الاكتفاء) وابن الجوزي في كتابه المعروف (المنتظم). ٦ - أما بالنسبة للأئمة المتأخرين الذين برزوا في التأريخ بالإضافة إلى كونهم أئمة في الحديث؛ فقد اعتمدنا تاريخ الإسلام للذهبي وذكرنا أحيانًا تصحيحاته وتعليقاته على الروايات التأريخية، وكذلك اعتمدنا (البداية والنهاية لابن كثير) وذكرنا ترجيحات ابن كثير وتصويباته. ٧ - أما بالنسبة للحافظ ابن حجر؛ فقد اعتمدنا على كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) وخاصة فيما يذكره عن تأريخ الصحابة واشتراكهم في حروب الردة ومعارك الفتوح مشيرًا إلى روايات الأئمة المحدثين المتقدمين في كتبهم التي اطلع عليها ذاكرًا أسانيدهم فنذكرها بأسانيدها وهو أحيانًا يحكم على هذه الأسانيد وأحيانًا يسكت عنها (من أمثال ما كتبه ابن السكن، وابن شاهين، وابن مندة، وغيرهم). ٨ - وأخيرًا فقد رجعنا فيما رجعنا إليه إلى كتاب تأريخ الخلفاء للسيوطي. ٩ - أما فيما يتعلق بالصحاح، والمسانيد، والسنن، والمستدركات،

стр. 797

والمصنفات كمصنف ابن أبي شيبة وغيره ففيها روايات تأريخية قليلة جدًّا بالنسبة لمرويات الطبري وغيره ولكننا ذكرناها قبل غيرها فهي لنا كالكنز الثمين لأنها مسندة موصولة ورجال أسانيدها ثقات في الغالب. ١٠ - كنَّا نتمنى أن نطلع على ما كتبه الأستاذ الفاضل العمري في كتابه (تأريخ الخلفاء الراشدين) فهو مؤرخ معاصر معروف بتحريّه للروايات المسندة الصحيحة في التأريخ ونرجو أن نحصل عليه لاحقَّا إن شاء الله ومع ذلك فقد اطلعنا على بعض الرسائل الجامعية القيمة (مرويات أبي مخنف، مرويات سيف بن عمير، موقف الصحابة في الفتنة، عبد الله بن سبأ ... إلخ من الرسائل التي تطرقنا إلى ذكرها أثناء التحقيق). وكذلك اطلعنا على ما كتبه الأستاذ المؤرخ باشميل عن فتوح الشام فجزاهم الله جميعًا خير الجزاء ولا ندعي: أننا أصبنا كبد الحقيقة في تحقيقنا للروايات التأريخية ولكنّا حاولنا جهد المستطاع أن نظهر للقارئ الكريم عظمة التأريخ الإسلامي الذي طالما شوَّهه المستشرقون حسدًا، وحقدًا، وعدوانًا، فإن أصبنا في شيء؛ فمن الله التوفيق، وإن أخطأنا؛ فمن عند أنفسنا ونستغفر الله. * * *

стр. 798

صحيح تأريخ أبي بكر الصديق ﵁

стр. 799

نبذة من فضائل أبي بكر وقبل الدخول في عهد الخليفة الأول ﵁ نقدم بين يديّ الموضوع نبذة من فضائله. ١ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٤٦٧) حدثنا عبد الله بن محمد الجعفي، قال: حدثنا وهب بن جرير، قال: حدثنا أبي، قال: سمعت يعلى بن حكيم عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرجَ رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقةٍ، فقعد على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "إنه ليس من الناس أحدٌ أمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خلة الإسلام أفضل، سُدُّوا كل خوخةٍ في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر". صحيح. وأخرجه أحمد في المسند (١/ ٢٧٠ و ٣٥٩) وفي فضائل الصحابة (٦٧) والنسائي في فضائل الصحابة (١) وابن أبي عاصم في السنة (١٢٢٨). ٢ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٦٢): حدثنا معلي بن أسد، حدثنا عبد العزيز بن المختار، قال خالد الحذاء: حدثنا أبي عثمان، قال: حدثني (عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل، فأتيتُهُ فقلت: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: "عائشة" فقلت: من الرجال؟ قال: "أبوها". قلت: ثم من؟ قال: "ثم عمر بن الخطاب" فعد رجالًا. صحيح. وأخرجه مسلم (٢٣٨٤) والترمذي (٣٨٨٥) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (٢١٤) وابن أبي عاصم في السنة (١٢٣٥) وعبد بن حميد في المنتخب بتحقيق مصطفى العدوي (٢٩٥) والنسائي في فضائل الصحابة (٥). ٣ - أخرج مسلم في صحيحه رقم (٨٣٢): حدثني أحمد بن جعفر المعقري،

стр. 800

حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا شداد بن عبد الله أبو عمار، ويحيى بن أبي كثير عن أبي أمامة - قال عكرمة: ولقي شداد أبا أمامة وواثلة وصحب أنسًا إلى الشام وأثنى عليه فضلًا وخيرًا -. قال: قال عمرو بن عبسة السُّلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظنُّ: أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء؛ وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه؛ فإذا رسول الله ﵌ مستخفيًا جُرَآءُ عليه قومه، فتلطفتُ حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ قال: "أنا نبيٌّ". فقلت: وما نبيٌّ؟ قال: "أرسلني الله"، فقلت: وبأي شيء أرسلك؟ قال: "أرسلني بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحَّد الله لا يشرك به شيء". قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: "حرٌّ، وعبدٌ"، قال: ومعه يومئذٍ: أبو بكر، وبلال ممَّن آمن به ... ٤ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٦١): حدثنا هشام بن عمار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا زيد بن واقد عن بسر بن عبيد الله، عن عائذ الله أبي إدريس، عن أبي الدرداء ﵁ قال: كنت جالسًا عند النبي ﵌ إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي ﷺ : "أما صاحبكم فقد غامَرَ فسلَّم". وقال: يا رسول الله! إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء، فأسرعت إليه، ثم ندمت فسألته أن يغفر لي، فأبى عليَّ فأقبلت إليك. فقال: "يغفر الله لك يا أبا بكر؟ " ثلاثًا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر، فسأل: أثمَّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النبي ﷺ فجعل وجه النبي ﵌ يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله! والله أنا كنت أظْلَمَ (مرتين) فقال النبي ﵌: "إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ ". (مرتين) فما أوذي بعدها. صحيح. وأخرجه البخاري أيضًا (٤٦٤٠)، وأحمد في فضائل الصحابة (٢٩٧). ٥ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٧٥): حدثني محمد بن بشار، حدثنا يحيى عن سعيد عن قتادة: أن أنس بن مالك ﵁ حدثهم: أن النبي ﷺ صَعدَ أُحُدًا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم، فقال: "اثبت أحد،

стр. 801

فإن عليك نبيٌّ، وصدّيقٌ، وشهيدان". صحيح. وأخرجه أبو داود (٤٦٥١) والترمذي (٣٦٩٧) وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في فضائل الصحابة (٣٢)، وأحمد (٣/ ١١٢) وفي فضائل الصحابة (٢٤٦) وأبو يعلى (٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠). ٦ - أخرج البخاري في صحيحه برقم (٣٦٦٦): حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﵌ يقول: "من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دُعي من أبواب -يعني: الجنة- يا عبد الله هذا خيرٌ؛ فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" فقال أبو بكر: ما على هذا الذي يدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى منها كلها أحدٌ يا رسول الله؟ قال: "نعم وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر! ". صحيح. وأخرجه مسلم (١٠٢٧) والترمذي (٣٦٧٤) وعزاه المزي في الأطراف للنسائي، وأخرجه أحمد (٢/ ٢٦٨) وابن أبي شيبة (١٢٠١٣). ٧ - أخرج البخاري في صحيحه برقم (٤٠٧٧): حدثنا محمد، حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه، عن عائشة ﵂: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٧٢]. قالت لعروة: يا بن أختي؟ كان أبواك منهم: الزبير، وأبو بكر، لما أصاب رسول الله ﵌ ما أصاب يوم أحد، وانصرف عنه المشركون؛ خاف أن يرجعوا قال: "من يذهب في إثرهم"؟ فانتدب منهم سبعون رجلًا، كان فيهم أبو بكر، والزبير). ٨ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٦٧٨): حدثنا إسحاق بن نصر، قال: حدثنا حسين عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير، قال: حدثني أبو بردة عن أبي موسى قال: مرض النبي ﵌ فاشتد مرضه، فقال: "مُروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس. قال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس". فعادت. فقال:

стр. 802

"مري أبا بكر فليصل بالناس فإنكن صواحب يوسف". فأتاه الرسول فصلى بالناس في حياة النبي، ﵌. ٩ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٥٩): حدثنا الحميدي، ومحمد بن عبد الله قالا: حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: أتت امرأةٌ النبيَّ ﷺ فأمرها أن ترجع إليه. قالت: أرأيت إن جئتُ؛ ولم أجدك -كأنها تقول الموت- قال ﵌: "إن لم تجديني؛ فائتي أبا بكر". ١٠ - أخرج مسلم في صحيحه (ح / ٢٣٨٧): حدثنا عبيد الله بن سعيد، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إبراهيم بن سعد، حدثنا صالح بن كيسان عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قال لي رسول الله ﵌ في مرضه: "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنّى متمنٍّ، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر". ١١ - أخرج البخاري في صحيحه (ح / ٣٦٦٤): حدثنا عبدان، أخبرنا عبد الله عن يونس، عن الزهري، قال: أخبرني ابن المسيب: سمع أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت النبي ﵌ يقول: "بينا أنا نائم رأيتُني على قليب عليها دلو فنزعتُ منها ما شاء الله، ثم أخذها ابن أبي قحافة فنزع بها ذَنُوبًا، أو ذنوبين، وفي نزعه ضعف. والله يغفر له ضعفه! ثم استحالت غربًا، فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقريًا من الناس ينزع نزع عمر حتى ضرب الناس بعطن". * * *

стр. 803

ثم دخلت سنة إحدى عشر (حديث السقيفة) ١ - حدثني عليّ بن مسلم، قال: حدَّثنا عَبَّاد بن عبَّاد، قال: حدَّثنا عباد بن راشد، قال: حُدِّثنا عن الزهريّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عبَّاس، قال: كنت أقْرئ عبدَ الرحمن بن عَوْف القرآن، قال: فحجَّ عمر وحججنا معه، قال: فإني لَفِي منزلٍ بمنىً إذ جاءني عبدُ الرحمن بن عوف، فقال: شهدتُ أمير المؤمنين اليوم، وقام إليه رجلٌ فقال: إني سمعت فلانًا يقول: لو قد مات أمير المؤمنين لقد بايعتُ فلانًا. قال: فقال أمير المؤمنين: إني لقائم العشيَّةَ في الناس فمحَذِّرُهم هؤلاء الرّهط الذي يريدون أن يغصِبوا الناس أمرَهم. قال: قلتُ: يا أمير المؤمنين! إنّ الموسم يجمع رِعاع الناس وغوغاءَهم؛ وإنهم الذين يغلبون على مجلِسك، وإني لخائف إن قلت اليوم مقالة ألَّا يَعُوها ولا يحفظوها، ولا يضعوها على مواضعها، وأن يطيروا بها كلَّ مطيرٍ؛ ولكن أمهل حتى تقدم المدينة، تقدم دار الهجرة والسنَّة، وتخلُص بأصحاب رسولِ الله من المهاجرين والأنصار، فتقول ما قلت متمكّنًا، فيعُوا مقالتَك، ويضعوها على مواضعها. فقال: والله لأقومنَّ بها في أوَّل مقام أقومُه بالمدينة! . قال: فلمَّا قدِمْنا المدينة، وجاء يوم الجمعة هَجَّرت للحديث الذي حدثنيه عبد الرحمن؛ فوجدت سعيد بن زيد قد سبَقني بالتَّهجير، فجلست إلى جنبه عند المنبر، ركبتي إلى ركبته؛ فلمَّا زالت الشمس لم يلبث عمر أن خرَج، فقلت لسعيد وهو مقبل: ليقولنَّ أميرُ المؤمنين اليومَ على هذا المنْبر مقالةً لم تُقلْ قبلَه. فغضب وقال: فأيَّ مقالة يقول لم تُقَل قبله؟ ! فلمَّا جلس عمر على المنبر أذَّن

стр. 804

المؤذن، فلمَّا قضى المؤذن أذانه قام عمر، فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: أمَّا بعد، فإنّي أريد أن أقول مقالة قد قُدّر أن أقولها، مَنْ وعاها، وعَقَلها، وحفظها؛ فليحدّث بها حيث تنتهي به راحلته، ومَنْ لم يعِها فإني لا أحلُّ لأحد أن يكذِبَ عليّ: إن الله بعثَ محمدًا بالحق، وأنزل عليه الكتاب؛ وكان فيما أنزل عليه آية الرَّجْمِ، فرجم رسولُ الله ورجمنا بعده، وإني قد خشيتُ أن يطولَ بالناس زمان، فيقول قائل: والله ما نجد الرَّجْم في كتاب الله، فيَضلوا بتَرْكِ فريضة أنزلها الله، وقد كنا نقول: لا تَرْغبوا عن آبائكم؛ فإنه كفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم. ثم إنه بلَغني أن قائلًا منكم يقول: لو قد مات أمير المؤمنين بايعت فلانًا! فلا يَغُرَّن امرأً أن يقول: إن بيعة أبي بكر كانت فَلْتَة؛ فقد كان كذلك؛ غيرَ أن الله وَقى شرَّها؛ وليس منكم من تُقطعُ إليه الأعناق مثل أبي بكر! وإنه كان من خَبَرِنا حين توفّى الله نبيَّه ﷺ أن عليًّا والزُّبير ومَنْ معهما تخلَّفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلَّفت عنا الأنصار بأسْرِها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نؤمُّهم؛ فلقيَنا رجلان صالحان قد شهدا بدرًا، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننَا هؤلاء من الأنصار. قالا: فارجعوا فاقضوا أمرَكم بينكم. فقلنا: والله لنأتينَّهم! قال: فأتيناهم وهم مجتمعون في سَقيفة بني ساعدة. قال: وإذا بين أظهرهم رجلٌ مزمَّلٌ، قال: قلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: سعد بن عبادة، فقلت: ما شأنه؟ قالوا: وَجِعٌ، فقام رجلٌ منهم، فحمِد الله، وقال: أمَّا بعد، فنحنُ الأنصار وكتيبة الإسلام، وأنتم يا معشرَ قريش رهطُ نَبيّنا؛ وقد دفّت إلينا من قومكم دَافّةٌ. قال: فلما رأيتهم يريدون أن يختزِلُونا من أصلِنا، ويغصِبونا الأمر. وقد كنت زوَّرت في نفسي مقالةً أقدمها بين يدي أبي بكر، وقد كنت أداري منه بعض الحدّ، وكان هو أوقرَ منّي وأحلم؛ فلمَّا أردت أن أتكلم، قال: على رِسْلِكَ! فكرهت أن أعصيَه؛ فقام فحمد الله وأثنى عليه، فما ترك شيئًا كنتُ زوّرت في نفسي أن أتكلَّم به لو تكلمت؛ إلا قد جاء به أو بأحسنَ منه. وقال: أما بعدُ يا معشرَ الأنصار! فإنكم لا تذكُرون منكم فضلًا إلَّا وأنتم له أهلٌ؛ وإنَّ العربَ لا تعرف هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحيّ من قريش؛ وهم أوسط [العرب] دارًا ونسبًا، ولكن قد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين، فبايعوا أيَّهما شئتم. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح. وإنّي والله ما كرهتُ من كلامه شيئًا غيرَ هذه الكلمة؛ إن

стр. 805

كنت لأقَدَّم؛ فتُضْرَب عنقي فيما لا يقرّبني إلى إثم أحبُّ إليَّ من أن أؤمَّر على قوم فيهم أبو بكر. فلمَّا قضى أبو بكر كلامَه، قام منهم رجلٌ، فقال: أنَا جُذيلُها المُحَكّك، وعُذَيقُها المُرَجَّب؛ منَا أمير ومنكم أمير؛ يا معشر قريش! قال: فارتفعت الأصوات، وكثر اللَّغَط، فلمَّا أشفقت الاختلاف، قلت لأبي بكر: ابسُط يدك أبايعْك، فبسط يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون، وبايعه الأنصار. ثم نزونا على سعد، حتى قال قائلهم: قتلتُم سعد بن عبادة! فقلت: قتل الله سعدًا! وإنا والله ما وجدنا أمرًا هو أقوى من مبايعة أبي بكر؛ خشينا إنْ فارقنا القوم ولم تكن بيعةٌ أن يحدِثوا بعدنا بيعة، فإما أن نتابعهم على ما لا نرضَى، أو نخالفهم فيكون فساد (١). (٣: ٢٠٣/ ٢٠٤ / ٢٠٥/ ٢٠٦).

стр. 806

٢ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن الزُّهريّ، عن عروة بن الزبير، قال: إن أحدَ الرجُلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عُوَيم بن ساعدة، والآخر معْنُ بن عديّ؛ أخو بني العجلان، فأمَّا عُويم بن ساعدة فهو الذي بلَعنا: أنه قيل لرسول الله ﷺ : مَن الذين قال الله لهم: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهّرِينَ﴾؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم المرء منهم عُويم بن ساعدة! " وأما معن فبلَغنا: أن الناس بكَوْا علَى رسول الله ﷺ حين توفَّاه الله، وقالوا: والله لوددنا أنا متنا قبلَه؛ إنا نخشى أن نفتتن بعده. فقال معن بن عديّ: والله ما أحبُّ أني متُّ قبله حتى أصدِّقه ميتًا كما صدَّقته حيًّا. قتل مَعْنٌ يوم اليمامة شهيدًا في خلافة أبي بكر يوم مُسَيلمة الكذَّاب (١). (٣/ ٢٠٦ - ٢٠٧). ٣ - حدَّثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرني عمّي، قال: أخبرني سيف عن عبد العزيز بن سياه، عن حبيب بن أبي ثابت، قال: كان عليٌّ في بيته إذْ أتِيَ

стр. 807

فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيْعة، فخرج في قميص ما عليه إزارٌ ولارداءٌ، عجلًا، كراهيَةَ أن يُبْطئ عنها، حتى بايعه. ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه فأتاه فتجلله، ولزم مجلسه (١). (٣/ ٢٠٧). ٤ - حدَّثنا أبو صالح الضَّراريّ، قال: حدَّثنا عبد الرزاق بن همَّام، عن معمَر، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة: أن فاطمةَ والعباس أتيا أبا بكر يطلُبان ميراثهما من رسول الله ﷺ ، وهما حينئذ يطلبان أرضَه من فَدَك، وسهمَه من خيبر، فقال لهما أبو بكر: أما إنّي سمعتُ رسولَ الله يقول: لا نورَثُ، ما تَرَكْنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال. وإني والله لا أدَعُ أمرًا رأيت رسول الله يصنعه إلَّا صنعته. قال: فهجرتْه فاطمة فلم تكلّمْه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليٌّ ليلًا، ولم يؤذِن بها أبا بكر. وكان لعليّ وَجْهٌ من الناس حياةَ فاطمة، فلما توفِّيتْ فاطمة انصرفتْ وجوه الناس عن عليّ؛ فمكثتْ فاطمة ستة أشهر بعد رسول الله ﷺ ، ثم توفيت. قال معمر: فقال رجلٌ للزهريّ: أفلم يبايعه عليٌّ ستة أشهر! قال: لا؛ ولا أحدٌ من بني هاشم؛ حتى بايعه عليّ. فلما رأى عليٌّ انصرافَ وجوه الناس عنه ضَرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا ولا يأتِنا معك أحدٌ، وكره أن يأتيَه عمر لما علم من شدَّة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدَك، قال أبو بكر: والله لآتينّهم وحدِي، وما عسى أن يصنعوا بي! قال: فانطلق أبو بكر، فدخل على عليّ، وقد جَمَعَ بني هاشم عنده، فقام عليٌّ فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أمَّا بعد، فإنه لم يمنعنا من أنْ نبايعك يا أبا بكر إنكارٌ لفضيلتك، ولا نَفَاسَةٌ عليك بخيرٍ ساقه الله إليك، ولكنا كنَّا نرى: أن لنا في هذا الأمر حقًّا، فاستبددتم به علينا. ثم ذكر قرابته من رسول الله ﷺ وحقَّهم. فلم يزل عليٌّ يقول ذلك حتى بَكى أبو بكر. فلما صمت عليٌّ تشهَّد أبو بكر، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعدُ؛ فوالله لقرابة رسول الله أحبُّ إليَّ أن أصلَ من قرابتي؛ وإني والله ما ألوتُ

стр. 808

في هذه الأموال التي كانت بيني وبينكم غيرَ الخير؛ ولكنّي سمعت رسول الله يقول: "لا نورَث؛ ما تركنا فهو صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال"؛ وإني أعوذ بالله لا أذكر أمرًا صنعه محمد رسول الله إلَّا صنعتُه فيه إن شاء الله. ثم قال عليٌّ: موعدك العشيَّة للبَيعة، فلمَّا صلى أبو بكر الظُّهْرَ أقبلَ على النَّاس، ثم عذر عليًّا ببعض ما اعتذر، ثم قام عليٌّ فعظَّم من حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه. قالت: فأقبل الناس إلى عليّ فقالوا: أصبت وأحسنت، قالت: فكان الناس قريبًا إلى عليّ حين قاربَ الحق والمعروف (١). (٣: ٢٠٧/ ٢٠٨ / ٢٠٩). ٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن حسين بن عبد الله، عن عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: والله إني لأمشي مع عمر في خلافته؛ وهو عامد إلى حاجة له، وفي يده الدِّرَّة، وما معه غيري. قال: وهو يحدِّث نفسه، ويضرب وَحْشيَّ قدمه بدِرَّته، قال: إذ التفت إليّ فقال: يا بنَ عباس! هلْ تدري ما حملني على مقالتي هذه التي قلت حين توفَّى الله رسوله؟ قال: قلت: لا أدري يا أميرَ المؤمنين أنت أعلم، قال: والله إنْ حَمَلني على ذلك إلَّا أنّي كنتُ أقرأ هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾؛ فوالله إنّي كنت لأظن: أن رسولَ الله سيبقى في أمّته حتى يشهد عليها بآخر أعمالها؛ فإنه للّذي حملني على أن قلتُ ما قلت (٢). (٣: ٢١٠).

стр. 809

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 810

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →