عوفُ الجَذَمِيّ حتى نزل بإزائنا، وأرسل إليه ثُمامة بن أوْس بن لأم الطائيّ: إنّ معي من جَديلة خمسمئة، فإنْ دَهِمَكم أمر فنحن بالقُرْدُودة والإنسُر دُوَينَ الرمل. وأرسل إليه مُهَلْهِلُ بن زيد: إنّ معي حدَّ الغوث؛ فإنْ دهِمكم أمرٌ فنحن بالأكناف بحيال فَيد. وإنما تحدَّبتْ طيّئ على ذي الخمارين عوف: أنه كان بين أسَد وغَطَفَان وطيّئ حِلْفٌ في الجاهليّة، فلما كان قبل مبعث النبيّ ﷺ اجتمعتْ غَطَفان وأسَد على طيّئ، فأزاحوها عن دارها في الجاهلية: غَوْثها، وجَدِيلتها، فكره ذلك عَوْف؛ فقطع ما بينه وبين غَطَفان، وتتابع الحيَّانِ على الجَلاء، وأرسل عوف إلى الحيّين من طيّيء، فأعاد حِلْفهم، وقام بنصرتهم، فرجعوا إلى دُورهم، واشتدّ ذلك على غَطَفان؛ فلما مات رسولُ الله ﷺ قام عُيَينة بن حِصْن في غَطَفَان؛ فقال: ما أعرف حدودَ غَطَفَان منذ انقطع ما بيننا وبين بني أسَد؛ وإني لمجدّد الحِلْف الذي كان بيننا في القديم ومتابعٌ طليحة؛ والله لأنْ نتّبع نبيًّا من الحليفين أحبُّ من أن نتّبع نبيًّا من قريش؛ وقد مات محمد، وبَقِيَ طليحة! فطابَقُوه على رأيِه، ففعل وفعلوا.
فلمّا اجتمعت غطفان على المطابَقة لطليحة هَرب ضرار، وقُضاعيّ، وسنان، ومَن كان قام بشيء من أمر النبيّ ﷺ في بني أسد إلى أبي بكر، وارفضّ مَن كان معهم، فأخبروا أبا بكر الخبر، وأمروه بالحذَر، فقال ضرار بن الأزور: فما رأيتُ أحدًا - ليس رسولَ الله ﷺ أمْلأَ بحرب شَعواء من أبي بكر؛ فجعلنا نخبره، ولكأنما نخبره بما له ولا عليه. وقدمتْ عليه وفودُ بني أسد، وغَطَفَان، وهَوازِن، وطيّئ، وتلقتْ وفودُ قضاعة أسامة بن زيد، فحوَّزها إلى أبي بكر؛ فاجتمعوا بالمدينة فنزلوا على وجوه المسلمين لعاشر من مُتَوَفَّى رسول الله ﷺ ، فعرضوا الصلاةَ على أن يُعْفوا من الزّكاة، واجتمع مَلأ مَن أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون؛ فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلا أنزل منهم نازلًا إلا العبَّاس. ثم أتوا أبا بكر فأخبروه خبرهم وما أجمع عليه ملؤُهم، إلَّا ما كان من أبي بكر، فإنه أبي إلَّا ما كان رسولُ الله ﷺ يأخذ، وأبوا، فردّهم وأجَّلهم يومًا وليلة؛ فتطايروا إلى عشائرهم. (٣: ٢٥٧/ ٢٥٨).
٢٠ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب عن سيف، عن سَهْل بن يوسف، قال: أخذ المسلمون رجلًا من بني أسَد، فأتِيَ به خالد بالغَمْر -وكان عالمًا بأمر
стр. 842
طُليحة- فقال له خالد: حدِّثنا عنه وعما يقول لكم، فزعم أن مما أتي به: "والحمام واليمام، والصُّرَد الصَّوَّام، قد صمنا قبلكم بأعوام، ليبلغنّ مُلْكُنا العراق، والشام". (٣: ٢٦).
٢١ - حدَّثني السريّ، قال: حدَّثنا شعيب عن سيف، عن أبي يعقوب سعيد بن عبيد، قال: لما أرْزَى أهل الغَمْر إلى البُزاخة، قام فيهم طليحة، ثم قال: "أمرت أن تصنعوا رحًا ذات عُرًا، يرمي الله بها مَنْ رَمى، يهوي عليها من هوى"، ثم عَبَّى جنوده. ثم قال: "ابعنَوا فارسين على فرسين إلى أبي بكر: إن بني عامر أقبلت بعد إعراض ودخلت في الإسلام بعد تربص، وإني لي أقبل من أحد قاتلني أو سالمني شيئًا حتى يجيئوني بمن عدا على المسلمين، فقتلهم كل قتلة، وبعثت إليك بقرّة وأصحابه (١). (٣: ٢٦٢/ ٢٦٣).
٢٢ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، قال: لمّا فرغ خالد من أمر بني عامر وبيعتهم على ما بايعهم عليه، أوثق عُيينة بن حِصن وقُرّة بن هبيرة، فبعث بهما إلى أبي بكر، فلمّا قدِما عليه قال له قرّة: يا خليفةَ رسولِ الله! إنِّي قد كنت مسلمًا، ولي من ذلك على إسلامي عند عمرو بن العاص شهادة؛ قد مرّ بي فأكرمته وقرّبته ومنعته. قال: فدَعا أبو بكر عمرَو بن العاص، فقال: ما تعلم من أمر هذا؟ فقصّ عليه الخبر، حتى انتهى إلى ما قال له من أمر الصّدقة، قال له قرّة: حسبك رحمك الله! قال: لا والله؛ حتى أبلِّغ له كلّ ما قلت، فبلّغ له، فتجاوز عنه أبو بكر، وحقَن دمه (١). (٣: ٢٥٩ - ٢٦٠).
стр. 846
ذكر رِدّة هوازن وسليم وعامر
٢٣ - حدَّثنا السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن سهل وعبد الله، قالا: أمّا بنو عامر فإنهم قدّموا رِجْلًا وأخروا أخرى، ونظروا ما تصنع أسد وغَطَفان؛ فلما أحيطَ بهم وبنو عامر على قادتِهم وسادتهم؛ كان قُرّة بن هُبيرة في كعب ومن لافَّها، وعلقمة بن عُلاثَة في كلاب ومَن لافَّها؛ وقد كان علقمة أسلمَ ثم ارتدّ في أزمان النبيّ ﷺ ، ثم خرج بعد فَتْح الطائف حتى لحق بالشام؛ فلما تُوُفِّيَ النبيّ ﷺ أقبل مسرعًا حتى عسكر في بني كَعْب، مقدّمًا رجلًا ومؤخِّرًا أخرى؛ وبلغ ذلك أبا بكر، فبعث إليه سريّة، وأمَّر عليها القَعْقاع بن عمرو، وقال: يا قعقاع! سِرْ حتى تُغير على عَلْقمة بن عُلاثة، لعلك أن تأخذه لي أو تقتله؛ واعلم أنّ شفاء الشَّق الحوْص، فاصنع ما عندك. فخرج في تلك السريّة؛ حتى أغار على الماء الذي عليه عَلْقمة؛ وكان لا يبرح أن يكون على رِجْل؛ فسابقهم على فرسِه؛ فسبقهم مراكضةً، وأسلم أهلُه وولده، فانتسف امرأتَه وبناتِه ونساءَه، ومَن أقام من الرجال؛ فاتّقوْه بالإسلام، فقدِم بهم على أبي بكر، فجحد ولده وزوجته أن يكونوا مالؤوا علقمة، وكانوا مقيمين في الدار، فلم يبلغه إلّا ذلك، وقالوا: ما ذنبنا فيما صنع علقمة من ذلك! فأرسلهم ثم أسلم، فقبل ذلك منه (١). (٣: ٢٦١ - ٢٦٢).
стр. 847
ذكر بقية خبر مسيلمة الكذاب وقومه من أهل اليمامة
٢٤ - وكتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن طلحة بن الأعلم، عن عبيد بن عمير، عن رجل منهم، قال: لما بلغ مسيلمة دنوُّ خالد؛ ضرب عسكره بعقرّباء، واستنفر الناس، فجعل النَّاس يخرجون إليه، وخرج مَجّاعة بن مُرَارة في سريّة يطلب ثأرًا له في بني عامر وبني تميم قد خاف فواته، وبادر به الشغل، فأمَّا ثأره في بني عامر، فكانت خَوْلة بنة جعفر فيهم، فمنعوه منها، فاختلجها؛ وأما ثأره في بني تميم فنعَمٌ أخَذُوا له. واستقبل خالدٌ شُرَحبيل بن حَسَنة، فقدمه وأمّر على المقدمة خالد بن فلان المخزوميّ، وجعل على المجنَّبتَين زيدًا وأبا حُذَيفة، وجعل مُسيلمة على مجنّبتيه المحكَّم والرّجَّال، فسار خالد ومعه شُرَحبيل، حتى إذا كان من عسكر مسيلمة على ليلة؛ هجم على جُبَيلة هجوم - المقلِّل يقول: أربعين، والمكثِّر يقول: ستين - فإذا هو مجَّاعة وأصحابه، وقد غَلَبهم الكَرَى، وكانوا راجعين من بلاد بني عامر، قد طوَوْا إليهم؛ واستخرجوا خَوْلة بنة جعفر فهي معهم، فعرّسوا دون أصل الثنيَّة؛ ثنيَّة اليمامة، فوجدوهم نيامًا وأرسان خيولهم بأيديهم تحت خدودهم وهم لا يشعرون بقرب الجيش منهم؛ فأنبهوهم، وقالوا: مَن أنتم؟ قالوا: هذا مَجّاعة وهذه حنيفة، قالوا: وأنتم فلا حيَّاكم الله! فأوثقوهم وأقاموا إلى أن جاءهم خالد بن الوليد، فأتوْه بهم؛ فظنّ خالد: أنهم جاؤوه ليستقبلوه وليتَّقوه بحاجته، فقال: متى سمعتم بنا؟ قالوا: ما شَعَرْنا بك؛ إنَّما خرجنا لثأر لنا فيمَن حولنا من بني عامر وتميم، ولو فطنوا لقالوا: تلقيناك حين سمعنا بك. فأمر بهم أن يقتلوا، فجادوا كلُّهُم
стр. 848
بأنفسهم دُون مَجّاعة بن مرارة، وقالوا: إن كنتَ تريد بأهل اليمامة غدًا خيرًا أو شرًّا فاستبق هذا ولا تقتله؛ فقتلهم خالد وحبس مَجَّاعة عنده كالرَّهينة (١). (٣: ٢٨٦/ ٢٨٧).
٢٥ - كتب إليّ السريّ، قال: حدَّثنا شُعيب، عن سيف عن طلحة، عن عِكْرمة، عن أبي هريرة، وعبد الله بن سَعيد عن أبي سعيد عن أبي هريرة، قال: قد كان أبو بكر بعثَ إلى الرجَّال فأتاه فأوصاه بوصيَّته، ثم أرسله إلى أهل اليمامة؛ وهو يرى أنَّه على الصدق حين أجابه. قالا: قال أبو هريرة: جلستُ مع النبيّ ﷺ في رهط معنا الرّجَّال بن عُنْفوة، فقال: إنّ فيكم لرجلًا ضِرْسه في النار أعظم من أحُد، فهلك القوم وبقيت أنا والرّجال، فكنت متخوّفًا لها؛ حتى خرج الرّجَّال مع مُسيلمة، فشهد له بالنبوّة؛ فكانت فتنة الرّجَّال أعظَم من فتنة مُسيلمة، فبعث إليهم أبو بكر خالدًا، فسار حتى إذا بلغ ثنيّة اليمَامة، استقبل مَجَّاعة بن مُرارَة - وكان سيّد بني حنيفة - في جِبلّ من قومه، يريد الغارة علي بني عامر، ويطلبُ دمًا، وهم ثلاثة وعشرون فارسًا ركبانًا قد عرّسوا. فبيّتهم خالد في معرَّسهم، فقال: مَتَى سمعتم بنا؟ فقالوا: ما سمعنا بكم؛ إنَّما خرجنا لنثأر بدم لنا في بني عامر. فأمر بهم خالد فَضُرِبَتْ أعناقهم، واستحيَا مجَّاعة؛ ثم سار إلى اليمامة؛ فخرج مسيلمة وبنو حَنِيفة حين سمعوا بخالد، فنزلوا بعقرباء، فحلّ بها عليهم - وهي طرف اليمامة دون الأموال - وريف اليمامة وراء ظهورهم. وقال شُرحبيل بن مُسيلمة: يا بني حنيفة، اليومَ يومُ الغَيرة، اليوم إن هزمتم تستردَفُ النّساء سبيَّات، ويُنْكحْن غير خطيبات؛ فقاتلوا عن أحسابكم، وامنعوا نساءكم. فاقتتلوا بعقرَباء، وكانت رايةُ المهاجرين مع سالم مولَى أبي حذيفة، فقالوا: تخشى علينا من نفسك شيئًا! فقال: بئس حامل القرآن أنا إذًا! وكانت راية الأنصار مع ثابت بن قيس بن شمَّاس، وكانت العرب على راياتها ومجَّاعة أسيرٌ مع أمّ تميم في فُسطاطها، فجال المسلمون جَوْلَة، ودخل أناس من بني حَنِيفة على أمّ تميم، فأرادوا قتلَها، فمنعها مجَّاعة. قال: أنا لها جارٌ، فنِعْمَتِ الحُرَّة هي! فدفعهم عنها، وترادَّ المسلمون، فكرُّوا عليهم؛ فانهزمت بنو حنيفة، فقال
стр. 849
المحكّم بن الطّفيل: يا بني حنِيفة، ادخلوا الحديقة؛ فإني سأمنع أدباركم، فقاتلَ دونهم ساعة ثم قتله الله؛ قتله عبد الرحمن بن أبي بكر؛ ودخل الكفار الحديقة، وقتَل وحشِيّ مسيلمة، وضربه رجلٌ من الأنصار فشاركه فيه (١). (٣: ٢٨٧/ ٢٨٨).
٢٦ - حدَّثنا ابن حميد، قال: حدَّثنا سلَمة، قال: وحدّثني محمد بن إسحاق عن عبد الله بن الفضل بن العباس بن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عُمَر، قال: سمعتُ رجلًا يومئذ يصرُخ يقول: قتله العبد الأسود! (٢) (٢٩١: ٣).
ذكر خبر أهل البَحْرَين وردّة الحُطَم ومَن تجمّع معه بالبحرين
٢٧ - قال أبو جعفر: وكان فيما بلَغنا من خَبَر أهل البحرين وارتداد مَنِ ارتدّ منهم كما حدثنا عبيد الله بن سعد، قال: أخبرَنا عَمّي يعقوب بن إبراهيم، قال: أخبرنا سَيف، قال: خرج العَلاء بن الحضرميّ نحو البحرين؛ وكان من حديث البحرين: أنّ النبيّ ﷺ والمنذر بن ساوى اشتكيا في شهر واحد، ثم مات المنذر بعد النبيّ ﷺ بقليل، وارتدّ بعده أهلُ البحرين، فأمَّا عبد القيس ففاءت، وأمَّا
стр. 852
بكر فتمَّت على رِدّتها؛ وكان الذي ثنَى عبدَ القيس الجارودُ حتى فاؤوا (١). (٣٠١: ٣).
٢٨ - حدَّثنا عُبيد الله، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سيف عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن بن أبي الحسن، قال: قَدِم الجارود بن المُعَلَّى عَلَى النبيّ ﷺ مرتدًّا، فقال: أسلِم يا جارود، فقال: إنّ لي دينًا، قال له النبي ﷺ : إنّ دينك يا جارود ليس بشيء، وليس بدين؛ فقال له الجارود: فإنْ أنا أسلمت فما كان من تبعةٍ في الإسلام فعليك؟ قال: نعم. فأسلم ومكث بالمدينة حتى فَقُهَ. فلما أرادَ الخروج، قال: يا رسولَ الله، هل نجدُ عند أحد منكم ظهرًا نتبلّغ عليه؟ قال: ما أصبح عندنا ظهر. قال: يا رسول الله؛ إنَّا نَجِد بالطريق ضَوالّ من هذه الضوالّ، قال: تلك حَرقُ النار، فإيَّاك وإيَّاها. فلمَّا قدم على قومه دعاهم إلى الإسلام فأجابوه كلُّهم، فلم يلبث إلّا يسيرًا حتى مات النبيّ ﷺ . فقالت عبد القيس: لو كان محمدٌ نبيًّا لما مات؛ وارتدوا، وبلغه ذلك فبعث فيهم فجمعهم، ثم قام فخَطَبهم، فقال: يا معشَر عبد القيس! إني سائلُكم عن أمر فأخبروني به إن علمتموه ولا تجيبوني إن لم تَعْلموا قالوا: سلْ عَمَّا بدا لك، قال: تعلمون أنَّه كان لله أنبياء فيما مضى؟ قالوا: نعم، قال: تعلمونه أو ترونه؟ قالوا: لا بل نعلمه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإن محمدًا ﷺ مات كما ماتوا، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، قالوا: ونحن نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنَّك سيِّدنا وأفضلُنا. وثبتوا على إسلامهم، ولم يبسطوا ولم يُبْسَط إليهم وخَلَّوْا بين سائر ربيعة وبين المنذر والمسلمين، فكان المنذر مشتغلًا بهم حياته، فلمَّا مات المنذر حُصِر أصحاب المنذر في مكانين حتى تنقَّذهم العلاء (٢). (٣: ٣٠١/ ٣٠٢).
٢٩ - قال أبو جعفر: وأما ابن إسحاق فإنه قال في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلمة عنه، قال: لمَّا فرغ خالد بن الوليد من اليَمامة بعث أبو بكر ﵁ العَلاء بن الحضرميّ. وكان العَلاء هو الذِي كان رسولُ الله ﷺ بعثه إلى المنذر بن ساوى العبديّ، فأسلم المنذر، فأقام بها العلاء أميرًا
стр. 853
لرسول الله ﷺ ، فمات المنذر بن ساوى بالبحرين بعد متوفَّى رسولِ الله ﷺ ، وكان عمرو بن العاص بعُمان، فتوفّي رسولُ الله ﷺ وعمرو بها فأقبل عمرو، فمرّ بالمنذر بن ساوى وهو بالموت فدخل عليه فقال المنذر له: كم كان رسُول الله ﷺ يجعل للميّت من المسلمين من ماله عند وفاته؟ قال عمرو: فقلت له: كان يجعل له الثّلُث؛ قال: فما ترى لِي أن أصنع في ثلُث مالي؟ قال عمرو: فقلت له: إن شئت قسمتَه في أهل قرابتك، وجعلتَه في سبيل الخير؛ وإن شئت تصدّقت به فجعلته صدقةً مُحَرّمة تجري من بعدك على مَنْ تصدّقت به عليه. قال: ما أحبّ أن أجعل من مالي شيئًا محرّمًا كالبَحيرة والسَّائبة والوَصِيلة والحامِي ولكن أقسمه، فأنفذه على مَنْ أوصيتُ به له يصنع به ما يشاء.
قال: فكان عمرو يعجب لها من قوله. وارتدّت ربيعة بالبحرين فيمَن ارتدّ من العرب، إلا الجارود بن عمرو بن حَنَش بن مُعَلَّى؛ فإنه ثبت على الإسلام ومَن معه من قومه، وقامَ حين بلغته وفاة رسولِ الله ﷺ وارتداد العرب، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله، وأكفر من لا يشهد. واجتمعت ربيعة بالبحرين وارتدّت، فقالوا: نردُّ الملْكَ في آل المنذر، فملَّكوا المنذر بن النعمان بن المنذر، وكان يُسَمَّى الغَرور، وكان يقول حين أسلم وأسلم الناس وغلبهم السيف: لستُ بالغَرُور؛ ولكنّي المغرور.
٣٠ - حدَّثنا عُبيد الله بن سعد، قال: أخبرَنا عمّي، قال: أخبرنا سَيفٌ، عن إسماعيل بن مسلم، عن عُمَير بن فلان العَبْدِيّ، قال: لمَّا مات النبيّ ﷺ خرج الحُطَمُ بن ضُبَيعة أخو بني قيس بن ثعلبة فيمَن اتّبعه من بكر بن وائل على الرّدّة، ومَنْ تأشَّب إليه من غير المرتدّين ممَّن لم يزل كافرًا، حتى نزل القَطِيف وهَجَر، واستغوى الخطّ ومن فيها من الزُّطّ والسَّيابجة، وبَعث بعثًا إلى دارِين، فأقاموا له ليجعلَ عبدَ القَيس بينه وبينهم، وكانوا مخالفين لهم، يمدُّون المنذر والمسلمين؛ وأرسل إلى الغَرور بن سُوَيد، أخي النعمان بن المنذر؛ فبعثه إلى جؤاثَى، وقال: اثبت، فإني إن ظفرت ملَّكتك بالبحرين حتى تكون كالنعمان بالحيرة. وبعث إلى جؤاثى، فحصرهم وألحُّوا عليهم فاشتدّ على المحصورين الحصر، وفي المسلمين المحصورين رَجُل من صالح المسلمين يقال له عبد الله بن حذَف؛ أحد بني أبي بكر بن كِلاب، وقد اشتدّ عليه وعليهم الجوع
стр. 854
حتى كادوا أن يهلكوا. وقال في ذلك عبد الله بن حَذَف:
ألا أبْلغْ أبا بَكْر رسولًا ... وفِتْيانَ المدينة أجمعينَا
فهل لكُمُ إلى قومٍ كِرَامٍ ... قُعُود في جُؤاثى مُحْصَرينا!
كأنَّ دِمَاءَهُمْ في كلِّ فَجّ ... شُعَاعُ الشَمس يغْشَى الناظرينا
توكّلْنا على الرَّحمن إنَّا ... وَجَدْنا الصَّبْرَ للمتوكِّلينا (١)
(٣: ٣٠٢/ ٣٠٣ / ٣٠٤).
стр. 855
ثم كانت سنة اثنتي عشرة من الهجرة مسيرة خالد إلى العراق وصلح الحيرة
٣١ - حَدّثني عمر بن شَبَّة، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بالإسناد الّذي قد تَقدّم ذكرُه عن القوم الذين ذكرتهم فيه: أنّ أبا بكر ﵀ وجَّه خالدَ بن الوليد إلى أرضِ الكوفة، وفيها المثنَّى بن حارثة الشَّيبانيّ، فسار في المحرّم سنة اثنتي عشرة، فجعل طريقه البصرة، وفيها قُطْبة بن قَتادة السَّدُوسيّ (١). (٣: ٣٤٣).
٣٢ - قال أبو جعفر: وأمَّا الواقديّ، فإنه قال: اختُلف في أمر خالد بن الوليد، فقائل يقول: مضى من وجهه ذلك من اليمَامة إلى العراق. وقائل يقول:
стр. 856
رجع من اليمامة، فقدم المدينة، ثم سار إلى العراق من المدينة على طريق الكُوفة؛ حتى انتهى إلى الحِيرة. (٣: ٣٤٣).
٣٣ - حدَّثنا ابن حُميد، قال: حدّثَنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن صالح بن كيسان: أنّ أبا بكر ﵀ كتَبَ إلى خالد بن الوليد يأمُره أن يسير إلى العراق، فمضى خالدٌ يريد العراق، حتى نزل بقُرَيّات من السّواد، يقال لها: بانِقيا وبارُوسْما وألَّيس؛ فصالحه أهلُها، وكان الذي صالحه عليها ابن صَلوبا، وذلك في سنة اثنتي عشرة، فقبل منهم خالد الجِزْية وكتب لهم كتابًا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من خالد بن الوليد لابن صلوبا السَّواديّ - ومنزله بشاطئ الفُرات - إنَّك آمن بأمان الله - إذْ حَقن دمه بإعطاء الجزية - وقد أعطيتَ عن نفسك وعن أهل خَرْجك وجزيرتك ومَنْ كان في قريتيك - بانقيا وباروسما - ألف درهم، فقبلتُها منك، ورضيَ مَن معي من المسلمين بها منك، ولك ذمَّة الله وذمَّة محمَّد ﷺ ، وذمَّة المسلمين على ذلك. وشهد هشام بن الوليد.
ثم أقبل خالد بن الوليد بمن معه حتى نزل الحيرة، فخرج إليه أشرافُهم مع قَبيصة بن إياس بن حيَّة الطائيّ - وكان أمَّره عليها كسرى بعد النعمان بن المنذر - فقال له خالد ولأصحابه: أدعُوكم إلى الله وإلى الإسلام، فإن أجبتم إليه فأنتمْ من المسلمين، لكم ما لهم وعليكم ما عليهم؛ فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم الجِزية فقد أتيتُكم بأقوام هم أحرصُ علَى الموت منكم على الحياة، جاهدناكم حتى يحكم الله بيننا وبينكم.
فقال له قَبيصة بن إياس: ما لنا بحرْبك من حاجة، بل نقيم على دِيننا، ونعطيك الجِزْية. فصالحهم على تسعين ألف درهم، فكانت أوّل جزية وقعت بالعراق، هي القُرَيّات الَّتي صالح عليها ابن صلوبا (١). (٣: ٣٤٣/ ٣٤٤).
٣٤ - قال أبو جعفر: وأمَّا هشام بن الكلبيّ؛ فإنه قال: لمَّا كتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة أن يسير إلى الشام؛ أمره أن يبدأ بالعراق فيمرّ بها؛ فأقبل خالد منها يسير حتى نزل النِّباج.
قال هشام: قال أبو مخنف: فحدّثني أبو الخطَّاب حَمزة بن عليّ، عن رجل
стр. 857
من بكْر بن وائل: أن المثنى بن حارثة الشَّيباني، سار حتى قدِم على أبي بكر ﵀، فقال: أمِّرْنِي على مَنْ قِبَلي من قومي، أقاتل مَن يلِيني من أهل فارس، وأكفِيك ناحيتي، ففعل ذلك، فأقبل فجمع قومَه وأخذ يُغير بناحية كَسْكَر مرّة، وفي أسفل الفرات مرّة، ونزل خالد بن الوليد النِّباج، والمثَنَّى بن حارثة بخَفَّانَ معسكرٌ؛ فكتب إليه خالد بن الوليد ليأتَيه، وبعث إليه بكتاب من أبي بكر يأمره فيه بطاعتهِ؛ فانقضّ إليه جوادًا حتى لحق به، وقد زعمت بنو عِجْل: أنَّه كان خرج مع المثنَّى بن حارثة رجلٌ منهم يقال له: مذعور بن عديّ، نازع المثنَّى بن حارثة، فتكاتبا إلى أبي بكر؛ فكتب أبو بكر إلى العِجْليّ يأمره بالمسير مع خالد إلى الشام، وأقرّ المثنَّى على حاله، فبلغ العجليُّ مصرَ، فشرُف بها وعظم شأنه، فدارُه اليوم بها معروفة؛ وأقبل خالد بن الوليد يسير، فعرض له جابانُ صاحِب ألّيس، فبعث إليه المثنَّى بن حارثة، فقاتله فهزمه، وقتل جُلّ أصحابه إلى جانب نهرٍ ثَمَّ يُدعى نهر دم لتلك الوقعة؛ وصالح أهلَ ألَّيس، وأقبل حتى دنا من الحِيرة، فخرجت إليه خيول ازاذبه صاحب خيل كسرى الَّتي كانت في مسَالح ما بينه وبين العرب، فلقُوهم بمجتَمع الأنهار، فتوجَّه إليهم المثنّى بن حارثة، فهزمهم الله.
ولمَّا رأى ذلك أهلُ الحيرة خرجوا يستقبلونه، فيهم عبد المسيح بن عمرو بن بُقَيلة وهانئ بن قَبيصة، فقال خالد لعبد المسيح: من أين أثَرُك؟ قال: من ظَهْر أبي، قال: من أيَنَ خرجت؟ قال: من بطن أمّي، قال: ويحك! علَى أيّ شيء أنت؟ قال: على الأرض، قال: ويلَك! في أقي شيء أنت؟ قال: في ثيابي، قال: ويحك! تعقل؟ قال: نعم وأقيِّد، قال: إنَّما أسألك، قال: وأنا أجيبُك، قال: أسلِمٌ أنت أم حربٌ؟ قال: بل سِلْم، قال: فما هذه الحصون التي أرى؟ قال: بنيناها للسَّفِيه نحبسه حتى يجيء الحليم فينهاه. ثم قال لهم خالد: إنِّي أدعُوكم إلى الله وإلى عبادتِه وإلى الإسلام، فإن قبلتم فلكم ما لَنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم فالجِزْية، وإن أبيتم فقد جئناكم بقوم يحبُّون الموت كما تحبّونَ أنتم شرب الخمر. فقالوا: لا حاجة لنا في حَرْبِك، فصالحهم على تسعين ومئة ألف درهم، فكانت أوّلَ جزية حملت إلى المدينة من العراق. ثم نزل على بانِقْيا، فصالحه بُصْبُيرى بن صلوبا على ألف درهم وطيلسان، وكتب لهم كتابًا، وكان
стр. 858
صالح خالد أهل الحيرة على أن يكونوا له عيونًا، ففعلوا (١). (٣: ٣٤٤/ ٣٤٥).
٣٥ - قال هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني المجالد بن سعيد، عن الشَعبى، قال: أقرأني بنو بُقيلة كتابَ خالد بن الوليد إلى أهل المدائن: من خالد بن الوليد إِلى مرازبة أهل فارس؛ سلام على من اتَّبع الهدى، أمَّا بعدُ، فالحمدُ لله الذي فضَّ خَدَمتكم، وسلب مُلْككم، ووهَّن كيدَكم. وإنَّه مَن صلَّى صلاتنا؛ واستقبَل قبلتَنا، وأكلَ ذبيحتنا؛ فذلك المسلم الَّذي له مالنا، وعليه ما علينا، أمَّا بعد، فإذا جاءكم كتابي فابعثوا إليّ بالرُّهُن، واعتقدوا منِّي الذّمة، وإلّا فوالَّذي لا إله غيره لأبعثنّ إليكم قومًا يحبُّون الموت كما تحبّون الحياة.
فلما قرؤوا الكتاب، أخذوا يتعجَّبُون، وذلك سنة اثنتي عشرة (٢) (٣: ٣٤٦).
٣٦ - وفيها تزوّج عمر ﵀ عاتكة بنت زيد. وفيها مات أبو مرثَد الغنويّ. وفيها مات أبو العاصي بن الربيع في ذي الحجة؛ وأوصى إلى الزبير، وتزوج عليّ ﵇ ابنته. وفيها اشترى عمر أسلم مولاه (١). (٣: ٣٨٥).
٣٧ - واختلف فيمن حجّ بالناس في هذه السنة، فقال بعضهم: حجّ بهم فيها أبو بكر ﵀.
ذِكْر من قال ذلك:
حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة، عن ابن إسحاق، عن العَلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، مولَى الحُرَقة، عن رجل من بني سَهْم، عن ابن ماجدة السَّهميّ، أنه قال: حجّ أبو بكر في خلافته سنة اثنتي عشرة، وقد عارمتُ غلامًا
стр. 862
من أهلي، فعضّ بأذني فقطع منها -أو عضضتُ بأذنه فقطعت منها- فرُفع شأننا إلى أبي بكر، فقال: اذهبوا بهما إلى عمر فلينظر، فإن كان الجارح قد بَلغ فليُقدْ منه. فلما انتُهيَ بنا إلى عمر ﵁، قال: لَعَمْرِي لقد بلغَ هذا! ادعوا لي حجَّامًا. قال: فلمّا ذكر الحجام، قال: أما إنّي قد سمعتُ النَّبيّ ﷺ يقول: قد أعطيت خالتي غلامًا، وأنا أرجو أن يبارك الله لها فيه، وقد نهيتُها أن تجعله حجَّامًا أو قصّابًا أو صائغًا؛ فاقتصّ منه (١). (٣: ٣٨٦).
٣٨ - وذكر الواقديّ، عن عثمان بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر، عن أبي وَجْزة يزيد بن عبيد، عن أبيه، أنّ أبا بكرٍ حجّ في سنة اثنتي عشرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ﵀ (٢). (٣: ٣٨٦).
стр. 863
ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ذكر الخبر عمّا كان فيها من الأحداث
٣٩ - ففيها وَجَّه أبو بكر ﵀ الجيوشَ إلى الشام بعد منصرَفه من مكَّة إلى المدينة.
حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمَّد بن إسحاق، قال: لما قَفَل أبو بكر من الحجّ سنة اثنتي عشرة جهّز الجيوش إلى الشام، فبعث عمرو بن العاص قِبَلَ فلسْطِين، فأخذ طريق المُعْرِقة على أيلَة، وبعث يزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجرَّاح وشُرحبيل بن حَسَنة - وهو أحد الغَوْث - وأمرهم أن يسلُكوا التَّبُوكيَّة على البلقاء من عَلْياء الشام (١). (٣: ٣٨٧).
٤٠ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن أبي إسحاق الشيباني، عن أبي صفيَّة التَّيمي؛ تَيم بن شيبان، وطلحة عن المغيرة، ومحمد عن أبي عثمان، قالوا: أمرَ أبو بكر خالدًا بأن ينزلَ تَيماء، ففصل ردءًا حتَّى ينزل بتَيماءَ؛ وقد أمره أبو بكر ألّا يبرَحها، وأنْ يدعُوَ مَن حَوْله بالانضمام إليه، وألّا يقبل إلّا ممَّن لم يرتدّ، ولا يقاتل إلّا من قاتله؛ حتى يأتيَه أمرُه. فأقام فاجتمع إليه جموع كثيرة؛ وبلغ الرّوم عِظَمُ ذلك العسكر، فضربوا على العرب الضَّاحية البعوث بالشام إليهم؛ فكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بذلك، وبنزول من استنفرت الرّوم؛ ونفر إليهم من بَهْراء وكلْب وسليح وتَنُوخ ولَخْم وجُذام وغَسَّان من دون زِيزاءَ بثلاث؛ فكتب إليه أبو بكر: أن أقدم ولا تُحْجِم واستنصر الله؛ فسار إليهم خالد، فلمَّا دنا منهم تفرّقوا وأعروا منزلهم؛ فنزله ودخل عامة مَن كان تجمَّع له في الإسلام" وكتب خالد إلى أبي بكر بذلك؛ فكتب إليه أبو بكر: أقدِم ولا تقتحمنّ حتى لا تُؤتَى مِن خلفك. فسار فيمن كان خرج معه من تَيماء وفيمَن لحق به من طَرَف الرمل؛ حتى نزلوا فيما بين آبل وزِيزاء والقسطل؛ فسار إليه
стр. 864
بطْريقٌ من بطارقة الرُّوم، يُدعى: باهان، فهزمه وقتل جندَه، وكتب بذلك إلى أَبي بكر واستمدّه. وقد قدم على أبي بكر أوائلُ مستنفرِي اليمن ومَن بين مكَّة واليمن، وفيهم ذو الكَلاع، وقدم عليه عِكْرمة قافلًا وغازيًا فيمَن كان معه من تِهامة وعُمان والبحرين والسَّرْو. فكتب لهم أبو بكر إلى أمراء الصدقات أن يبدّلوا من استبدل، فكلّهم استبدل، فسُمّيَ ذلك الجيش جيش البِدال. فقدموا على خالد بن سعيد، وعند ذلك اهتاج أبو بكر للشام، وعناه أمرُه. وقد كان أبو بكر ردّ عمرو بن العاص على عِمالة كان رسولُ الله ﷺ ولّاها إيَّاه من صدقات سعد هُذَيم، وعُذْرة، ومَنْ لَفَّها من جُذام، وحَدَس قبل ذهابه إلى عُمان. فخرج إلى عُمان وهو على عِدَةٍ من عمله؛ إذا هو رجع. فأنجز له ذلك أبو بكر.
فكتب أبو بكر عند اهتياجه للشام إلى عمرو: إني كنت قد رددتُك على العمل الذي كان رسولُ الله ﷺ ولّاكه مرّة، وسمّاه لك أخرى؛ مبعثَك إلى عُمان إنجازًا لمواعيد رسول الله ﷺ ؛ فقد وليتَه ثم وليتَه؛ وقد أحببتُ - أبا عبد الله - أن أفرّغَك لما هو خير لك في حياتك ومعادك منه؛ إلّا أنْ يكون الذي أنتَ فيه أحبَّ إليك. فكتب إليه عمرو: إني سهم من سهام الإسلام، وأنت بعبد الله الرامِي بها، والجامعُ لها، فانظر أشدّها وأخشاها وأفضلَها فارمِ به شيئًا إن جاءك من ناحية من النواحي. وكتب إلي الوليد بن عقبة بنحو ذلك، فأجابه بإيثار الجهاد (١). (٣: ٣٨٨/ ٣٨٩).
٤١ - كتب إليّ السريّ عن شُعَيب، عن سيف، عن سهل بن يوسف، عن القاسم بن محمد، قال: كتبَ أبو بكر إلى عمرو، وإلى الوليد بن عُقْبة - وكان على النّصف من صدقات قُضاعة - وقد كان أبو بكر شيَّعهما مبعثَهما على الصدقة، وأوصى كلّ واحد منهما بوصيَّة واحدة: اتَقِ الله في السرّ والعلانية؛ فإنه مَنْ يتّق الله يجعلْ له مخرجًا، ويرزقه مِنْ حيث لا يحتسب؛ ومن يتَّق الله يكفِّرْ عنه سيِّئاته ويُعظِم له أجرًا. فإن تقوى الله خيرُ ما تَوَاصَى به عباد الله؛ إنَّك في سبيل من سبُل الله؛ لا يَسَعُك فيه الإذهان والتفريط والغفلة عمَّا فيه قِوام دينكم، وعصمة
стр. 865
أمركم، فلا تَنِ ولا تفتُر. وكتب إليهما: استخلفا على أعمالكما، واندُبا مَنْ يليكما.
فولَّى عمروٌ على عُليا قضاعة عَمرَو بن فلان العذريّ، وولَّى الوليدُ على ضاحية قضاعة مما يلي دُومة امرأ القيس، وندبا الناس، فتتامّ إليهما بشر كثير، وانتظرا أمرَ أبي بكر.
وقام أبو بكر في الناس خطيبًا، فحمِد الله وأثنَى عليه، وصلَّى على رسوله، وقال: ألا إنّ لكلّ أمر جوامعَ، فمن بلَغها فهي حسبُه؛ ومن عمل لله كفاه الله. عليكم بالجدّ والقصد؛ فإنّ القصد أبلَغ؛ ألا إنه لا دين لأحد لا إيمان له، ولا أجرَ لمن لا حِسْبة له، ولا عمل لمن لا نيَّة له، ألا وإنّ في كتاب الله من الثواب على الجهاد في سبيل الله لَمَا ينبغي للمسلم أن يحبّ أن يُخَصَّ به، هي التجارة التي دلّ الله عليها، ونجَّى بها من الخزي، وألحق بها الكرامة في الدنيا والآخرة.
فأمدّ عمرًا ببعض من انتدب إلى من اجتمع إليه، وأمَّره على فِلِسطين، وأمَره بطريق سمَّاها له؛ وكتب إلى الوليد وأمَرَه بالأرْدُنّ، وأمدّه ببعضهم؛ ودعا يزيد بن أبي سفيان، فأمّره على جُند عظيم، هم جمهور مَن انتدب له، وفي جنده سُهَيل بن عَمرو وأشباهه من أهل مكَّة، وشيَّعه ماشيًا. واستعمل أبا عبيدة بن الجرّاح علَى من اجتمع [إليه]، وأمَّره على حِمْص وخرج معه وهما ماشيان والناس معهما وخلفهما، وأوْصَى كلّ واحد منهما (١). (٣: ٣٩٠).
٤٢ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن سهل، عن القاسم، ومبشِّر عن سالم، ويزيد بن أسيد الغسانيّ عن خالد، وعبادة، قالوا: ولمَّا قدِم الوليد على خالد بن سعيد فسانده، وقدمت جنود المسلمين الَّذين كان أبو بكر أمدّه بهم وسُمّوا جيش البِدال، وبلغه عن الأمراء وتوجُّههم إليه، اقتحم على الرّوم طلبَ الحُظْوة، وأعرى ظهرَه، وبادر الأمراء بقتال الرّوم، واستطرد له باهان فأرَزَ هو ومَن معه إلى دمشق؛ واقتحم خالد في الجيش ومعه ذو الكَلاع، وعِكْرمة، والوليد حتى ينزل مَرْج الصُّفَّر؛ من بين الواقوصة ودِمشق؛ فانطوت
стр. 866
مسالح باهان عليه، وأخذوا عليه الطرق ولا يشعر، وزحف له باهان فوجد ابنه سعيد بن خالد يستمطِر في الناس، فقتلوهم. وأتى الخبرُ خالدًا، فخرج هاربًا في جريدة، فأفلت مَن أفلت من أصحابه على ظهور الخيل والإبل، وقد أجهِضوا عن عسكرهم؛ ولم تنته بخالدِ بن سعيد الهزيمة عن ذي المروة، وأقام عِكْرِمة في الناس ردءًا لهم، فردّ عنهم باهان وجنوده أن يطلُبوه، وأقام من الشام على قريب، وقد قدم شرحبيل بن حَسَنة وافدًا من عند خالد بن الوليد، فندب معه النَّاس، ثم استعمله أبو بكر على عمل الوليد، وخرج معه يوصيه، فأتى شرحبيل على خالد، ففصل بأصحابه إلّا القليل، واجتمع إلى أبي بكر أناسٌ، فأمَّر عليهم معاوية، وأمرَه باللحاق بيزيد، فخرج معاوية حتى لحق بيزيد؛ فلما مرّ بخالد فصل ببقيّة أصحابه (١). (٣: ٣٩١).
٤٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن هشام بن عروة، عن أبيه: أنّ عمر بن الخطاب لم يزلْ يكلّم أبا بكر في خالد بن الوليد وفي خالد بن سعيد؛ فأبى أن يعطيَه في خالد بن الوليد، وقال: لا أشِيم سيَفًا سلَّه الله على الكُفَّار، وأطاعه في خالد بن سعيد بعد ما فعل فَعْلته. فأخذ عمرو طريق المُعْرِقة، وسلك أبو عبيدة طريقه، وأخذ يزيد طريق التبوكيَّة؛ وسلك شُرحبيل طريقه، وسمّى لهم أمصار الشام، وعرف أن الرُّوم ستشغلهم؛ فأحبّ أن يصعّد المصوّب ويصوّب المصعِّد؛ لئلا يتواكلوا، فكان كما ظنّ وصاروا إلى ما أحبّ (٢). (٣: ٣٩١).
٤٤ - كتب إليَّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن مبشَّر وسهل وأبي عثمان، عن خالد وعبادة وأبي حارثة، قالوا: وأوعَبَ القوّاد بالنَّاس نحو الشام وعكرمهَ ردءٌ للناس، وبلغ الرُّوم ذلك؛ فكتبوا إلى هِرَقل؛ وخرج هرقل حتى نزل بحِمْص، فأعدّ لهم الجنودَ، وعبّى لهم العساكر؛ وأرادَ اشتغال بعضهم عن بعض لكثرة جندِه، وفضول رجاله؛ وأرسل إلى عمرو أخاه تَذَارِق لأبيه وأمّه، فخرج نحوهم في تسعين ألفًا، وبعث مَن يسوقهم، حتَّى نزل صاحب
стр. 867
الساقة ثنيَّة جِلَّق بأعلى فلسطين، وبعث جَرَجة بن توذرا نحو يزيد بن أبي سفيان، فعسكر بإزائه، وبعث الدُّراقص فاستقبَل شُرحبيل بن حَسَنة، وبعث الفِيقار بن نَسْطُوس في ستّين ألفًا؛ نحو أبي عبيدة، فهابهم المسلمون، وجميع فرق المسلمين واحد وعشرون ألفًا؛ سوى عكرمة في ستَّة آلاف؛ ففزِعوا جميعًا بالكتُب وبالرّسل إلى عمرو: أن ما الرأي؟ فكاتبهم وراسلهم: إنّ الرأي الاجتماع، وذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلَب من قلَّة؛ وإذا نحن تفرّقْنا لم يبق الرّجل منا في عدد يُقْرِن فيه لأحد ممّن استقبلنا وأعِذَ لنا لكل طائفة منّا. فاتَّعَدوا اليَرْموك ليجتمعوا به، وقد كتب إلى أبي بكر بمثل ما كاتبوا به عمرًا؛ فطلع عليهم كتابه بمثل رأي عمرو، بأن اجتمعوا فتكونوا عسكرًا واحدًا، والقَوْا زحوف المشركين بزحف المسلمين، فإنكم أعوان الله؛ والله ناصرٌ مَن نصره، وخاذلٌ من كَفره، ولن يؤتَى مثلُكم من قلة؛ وإنما يؤتى العشرة آلاف والزيادة على العشرة آلاف إذا أتُوا مِنْ تلقاء الذنوب؛ فاحترسوا من الذّنوب، واجتمعوا باليرموك متساندين وليصَلّ كلّ رجل منكم بأصحابه.
وبلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته: أن اجتمعُوا لهم، وانزلوا بالرُّوم منزلًا واسمع العَطَن، واسمع المطَّرَد، ضيّق المهرَب؛ وعلى الناس التَّذارق وعلى المقدمة جَرجَة، وعلى مجنَّبتيه باهان والدُّراقص، وعلى الحرب الفيقار؛ وأبشروا فإن باهان في الأثر مددٌ لكم. ففعلوا فنزلوا الواقوصة وهي على ضفَّة اليَرموك، وصار الوادي خَنْدقًا لهم؛ وهو لِهْبٌ لا يدرك؛ وإنما أراد باهان وأصحابهُ أن تستفيق الرُّوم ويأنسوا بالمسلمين؛ وترجع إليهم أفئدتهم عن طِيَرَتها.
وانتقل المسلمون عن عسكرِهم الذي اجتمعوا به؛ فنزل عليهم بحذائهم على طريقهم؛ وليس للرُّوم طريق إلّا عليهم. فقال عمرو: أيّها الناس! أبشِروا، حُصِرت والله الرُّوم! وقلَّمَا جاء محصور بخير. فأقاموا بإزائهم وعلى طريقهم؛ ومخرجهم صفر من سنة ثلاث عشرة وشهرَيْ ربيع، لا يقدرون من الرّوم على شيء؛ ولا يخلصُون إليهم؛ اللهْبُ - وهو الواقوصة - من ورائهم، والخندق من أمامهم، ولا يخرجون خرْجةً إلا أديل المسلمون منهم؛ حتى إذا سلخوا شهر ربيع الأول؛ وقد استمدُّوا أبا بكر وأعلموه الشأن في صفر؛ فكتب إلى خالد
стр. 868
ليلحق بهم، وأمره أن يخلّف على العراق المثنّى؛ فوافاهم في ربيع (١). (٣: ٣٩٢/ ٣٩٣).
٤٥ - كتب إليّ السريّ عن شُعيب، عن سيف، عن محمَّد، وطلحة، وعمرو، والمهلَّب، قالوا: ولما نزل المسلمون اليرمُوك، واستمدُّوا أبا بكر، قال: خالد لها. فبعث إليه وهو بالعراق، وعَزَم عليه واستحثَّه في السَّير، فنفذ خالد لذلك؛ فطلع عليهم خالد؛ وطلع باهان على الرُّوم، وقد قدَّم قدّامَه الشَّمامِسةَ، والرّهبان، والقسِّيسين؛ يُغْرونهم ويحضّونهم على القتال؛ ووافق قدوم خالد قدومَ باهان، فخرج بهم باهان كالمقتدر؛ فولي خالد قتاله، وقاتل الأمراءُ مَنْ بإزائهم؛ فهزم باهان، وتتابع الروم على الهزيمة، فاقتحموا خندقَهم؛ وتيمَّنت الروم بباهان؛ وفرح المسلمون بخالد وحَرِد المسلمون. وحَرِب المشركون وهم أربعون ومئتا ألف؛ منهم ثمانون ألف مقيَّد، وأربعون ألفًا منهم مسلسل للموت، وأربعون ألفًا مربَّطُون بالعمائم، وثمانون ألف فارس وثمانون ألف راجل، والمسلمون سبعة وعشرون ألفًا ممّن كان مقيمًا؛ إلى أن قدم عليهم خالد في تسعة آلاف؛ فصاروا ستة وثلاثين ألفًا.
ومرض أبو بكر ﵀ في جمادى الأولى، وتُوُفِّيَ للنصف من جمادى الآخرة، قبل الفتح بعشر ليال (٢). (٣: ٣٩٢/ ٣٩٣).
خبر اليَرْموك
قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قد سمّى لكلّ أمير من أمراء الشام كُورَةً؛ فسمَّى لأبي عُبيدة بن عبد الله بن الجرّاح حِمْص، وليزيد بن أبي سفيان دِمَشق؛ ولشُرحبيل بن حَسَنة الأردنَّ، ولعمرو بن العاصِ ولعلقمة بن مُجَزّز فِلسطين، فلمّا فرغا منها نزل علقمة وسار إلى مِصْر. فلمَّا شارفوا الشام، دهم كلَّ أمير منهم قومٌ كثير، فأجمع رأيهم أن يجتمعوا بمكان واحد، وأن يلقوْا جمعَ المشركين بجمع المسلمين.
стр. 869
ولما رأى خالد أنّ المسلمين يقاتلون متساندين قال لهم: هل لكم يا معشر الرؤساء في أمْرٍ يُعزّ الله به الدّين، ولا يدخل عليكم معه ولا منه نقيصة ولا مكروه؟ !
٤٦ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سَيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغسَّاني، عن خالد وعبادة، قالا: توافَى إليها مع الأمراء والجنود الأربعة سبعةٌ وعشرون ألفًا وثلاثة آلاف من فُلّال خالد بن سعيد، أمَّر عليهم أبو بكر معاويةَ وشُرحبيل، وعشرة آلاف من أمداد أهل العراق مع خالد بن الوليد سوى ستَّة آلاف ثبتوا مع عكرمة ردءًا بعد خالد بن سعيد؛ فكانوا ستّة وأربعين ألفًا، وكلّ قتالهم كان على تساند، كلّ جند وأميره، لا يجمعهم أحدٌ؛ حتَّى قدم عليهم خالد من العراق. وكان عسكر أبي عبيدة باليرْموك مجاورًا لعسكر عمرو بن العاص، وعسكر شُرَحبيل مجاورًا لعسكر يزيد بن أبي سفيان؛ فكان أبو عبيدة ربَّما صلَّى مع عمرو وشُرحبيل مع يزيد. فأما عمرو ويزيد فإنَّهما كانا لا يصلِّيان مع أبي عبيدة وشُرحبيل، وقدم خالد بن الوليد وهم على حالهم تلك؛ فعسكر على حِدَة؛ فصلَّى بأهلِ العراق، ووافق خالد بن الوليد المسلمين وهم متضايقُون بمدَدِ الرّوم؛ عليهم باهان، ووافق الروم وهو نِشاط بمددهم، فالتقوا، فهزمهم الله حتى ألجأهم وأمدادَهم إلى الخنادق - والواقوصة أحد حدوده - فلزموا خندقهم عامّة شهر، يُحَضِّضُهم القسِّيسون، والشَّمَامشة، والرّهبان، وينعَوْن لهم النَّصرانيَّة، حتى استبصروا. فخرجوا للقتال الذي لم يكن بعد قتال مثله، في جمادى الآخرة.
فلمَّا أحسّ المسلمون خروجَهم، وأرادوا الخروجَ متساندين، سار فيهم خالد بن الوليد؛ فحمِد الله وأثنى عليه، وقال: إن هذا يومٌ من أيّام الله، لا ينبغي فيه الفخر ولا البغي. أخلِصوا جهادَكم، وأريدوا الله بعملكم؛ فإن هذا يومٌ له ما بعده؛ ولا تقاتلوا قومًا على نظام وتعبية؛ على تسانُد وانتشار؛ فإن ذلك لا يحلّ ولا ينبغي. وإنّ مَن وراءَكم لو يعلم علمَكم حال بينكم وبين هذا؛ فاعملوا فيما لم تؤمروا به بالذي تروْن أنَّه الرّأي من واليكم ومحبَّته، قالوا: فهات، فما الرأي؟ قال: إنّ أبا بكر لم يبعثْنا إلّا وهو يرى أنا سنتياسر، ولو علم بالذي كان ويكون، لقد جمعكم. إن الذي أنتم فيه أشدُّ على المسلمين ممَّا قد
стр. 870
غشيَهم، وأنفعُ للمشركين من أمدادهم؛ ولقد علمت: أنّ الدنيا فرّقت بينكم، فاللهَ الله، فقد أفرِدَ كل رجل منكم ببلد من البلدان لا ينتقصه منه أن دان لأحد من أمراء الجنود، ولا يزيده عليه أن دانوا له. إنّ تأمير بعضكم لا ينقصكم عند الله ولا عند خليفة رسول الله ﷺ . هلمّوا فإنّ هؤلاء تهيَّؤوا، وهذا يوم له ما بعده، إنْ رددناهم إلى خندقهم اليوم لم نزل نردّهم، وإن هزمونا لم نُفلح بعدها. فهلمّوا فلْنتعاور الإمارة، فليكن عليها بعضُنا اليوم، والآخر غدًا، والآخر بعد غد؛ حتى يتأمَّر كلّكم، ودعوني ألِيكُم اليوم.
فأمَّروه، وهم يرون أنها كخرجاتهم، وأن الأمر أطولُ ممَّا صاروا إليه؛ فخرجت الرُّوم في تعبية لم يرَ الراؤون مثلها قطّ، وخرج خالد في تعبية لم تُعبِّها العرب قبل ذلك؛ فخرج في ستَّة وثلاثين كُردوسًا إلى الأربعين، وقال: إنّ عدوّكم قد كثُر وَطَغَى، وليس من التعبية تعبية أكثر في رأي العين من الكراديس. فجعل القلب كراديسَ، وأقام فيه أبا عبيدة، وجعل الميمنة كراديس وعليها عمرو بن العاص وفيها شُرَحْبيل بن حَسنة. وجعل الميسرة كَراديس وعليها يزيد بن أبي سفيان. وكان على كُرْدوس من كراديس أهلِ العراق القَعْقاع بن عمرو، وعلى كُرْدوس مذعور بن عديّ، وعياض بن غَنْم على كرْدوس، وهاشم بن عتبة على كُرْدوس، وزياد بن حنظلة على كُردوس، وخالد في كُردوس؛ وعلى فالّة خالد بن سعيد دحْيَة بن خليفة على كُردوس، وامرؤ القيس على كُرْدُوس، ويزيد بن يحنَّس على كُردوس، وأبو عبيدة على كُردوس، وعكْرمة على كُردوس، وسهيل على كُردوس، وعبد الرحمن بن خالد على كُردوس - وهو يومئذ ابن ثمانيَ عشرة سنة - وحبيب بن مَسلمة على كُرْدوس، وصفوان بن أميّة على كُردوس، وسعيد بن خالد على كُرْدوس، وأبو الأعور بن سفيان على كُرْدوس، وابن ذي الخِمار على كُرْدُوس؛ وفي الميمنة عُمارة بن مُخشّى بن خُوَيلِد على كُردوس؛ وشُرَحْبيل على كُردوس ومعه خالد بن سعيد، وعبد الله بن قيس على كُردُوس؛ وعمرو بن عَبسَة على كُرْدوس، والسِّمط بن الأسود على كُردوس، وذو الكَلاع على كُردوس، ومعاوية بن حُدَيج على آخر؛ وجُنْدب بن عمرو بن حُمَمَة على كُردوس، وعمرو بن فلان على كردوس؛ ولَقيط بن عبد القيس بن بجرة حليف لبني ظَفَر من بني فزارة على كُرْدوس، وفي
стр. 871
المَيسَرة يزيد بن أبي سفيان على كُرْدوس، والزُّبير على كُرْدوس، وحَوْشب ذو ظُليم على كُرْدوس، وقيس بن عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول بن مازن بن صعصعة من هوازن -حليف لبني النَّجَّار- على كُردوس، وعِصْمة بن عبد الله - حليف لبني النجار من بني أسد - على كُردوس، وضِرار بن الأزور على كُردوس، ومسروق بن فلان على كُرْدُوس، وعُتْبة بن ربيعة بن بَهْز - حليف لبني عِصْمة - على كُردوس، وجارية بن عبد الله الأشجعيّ - حليف لبني سلِمة - على كُردوس، وقَباث على كردوس.
وكان القاضي أبو الدرداء، وكان القاصَّ أبو سفيان بن حرب، وكان على الطَّلائع قَباث بن أشيَم؛ وكان على الأقباض عبد الله بن مسعود (١). (٣: ٣٩٣/ ٣٩٤ / ٣٩٥/ ٣٩٦).
٤٧ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان يزيد بن أسيد الغَسَّاني، عن عبادة وخالد؛ قالا: شهد اليَرْموكَ ألفٌ من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم نحو من مئة من أهل بدر. قالا: وكان أبو سفيان يسيرُ فيقِف على الكراديس، فيقول: الله اللهَ! إنكم ذَادةُ العرب، وأنصارُ الإسلام، وإنهم ذَادة الرُّوم وأنصار الشرك! اللهمّ إنّ هذا يومٌ من أيَّامك؛ اللهم أنزلْ نصرك على عبادك!
قالا: وقال رجل لخالد: ما أكثرَ الرومَ وأقلّ المسلمين! فقال خالد: ما أقلَّ الروم وأكثر المسلمين! إنما تكثُر الجنود بالنَّصر وتقلّ بالخذلان؛ لا بعدد
стр. 872
الرِّجال؛ والله لوددت أنّ الأشقر بَراءٌ من توجّيه؛ وأنهم أضعفوا في العدد - وكان فرسه قد حفِيَ في مسيره - قالا: فأمر خالد عِكرمة والقَعْقاع، وكانا على مجنَّبتي القَلْب، فأنشبا القِتال، وارتجز القعقاع وقال:
يا ليتني ألقاك في الطِّرادِ ... قبلَ اعتِرام الجَحْفَلِ الوَرَّادِ
وأنت في حَلْبتك الورادِ
وقال عِكْرمة:
قد عَلِمتْ بَهْكَنةُ الجواري ... أنِّي على مَكْرُمةٍ أحامِي
فنشب القتال، والتحمَ النَّاس، وتطارد الفرسان؛ فإنَّهم على ذلك؛ إذ قدم البريد من المدينة؛ فأخذته الخيول؛ وسألوه الخَبر؛ فلم يخبرهم إلّا بسلامة، وأخبرهم عن أمداد؛ وإنما جاء بموت أبي بكر ﵀ وتأمير أبي عبيدة، فأبلغوه خالدًا، فأخبره خبَر أبي بكر، أسرّه إليه، وأخبره بالَّذي أخبر به الجندَ. قال: أحسنتَ فقفْ، وأخذ الكتاب وجعله في كنانته؛ وخاف إن هو أظهر ذلك أن ينتشر له أمر الجند؛ فوقف محميَة بن زُنَيم مع خالد؛ وهو الرسول، وخرج جَرَجة؛ حتى كان بين الصفَّين، ونادى: ليخرجْ إليّ خالد، فخرج إليه خالد وأقام أبا عبيدة مكانه، فوافقه بين الصّفَّين؛ حتى اختلفت أعناق دابَّتيهما، وقد أمَّن أحدُهما صاحبه، فقال جَرَجَة: يا خالد! اصدقْني، ولا تكذِبْني؛ فإنّ الحرّ لا يكذِب، ولا تخادعني؛ فإن الكريم لا يخادع المسترسل بالله: هل أنزل الله على نبيّكم سيفًا من السماء فأعطاكه، فلا تسلَّه على قوم إلّا هزمتهم؟ قال: لا، قال: فبمَ سُميت سيف الله؟ قال: إن الله بعث فينا نبيَّه ﷺ ، فدعانا فنفرْنا عنه ونأينا عنه جميعًا. ثم إنّ بعضنا صدّقه وتابعه؛ وبعضنا باعده وكذّبه؛ فكنت فيمن كذّبه وباعده وقاتله. ثم إن الله أخذ بقلوبنا ونواصينا؛ فهدانا به، فتابعناه. فقال: "أنت سيف من سيوف الله سلَّه الله على المشركين! ". ودعا لي بالنّصر؛ فسُمِّيت سيف الله بذلك؛ فأنا من أشدّ المسلمين على المشركين. قال: صدقتَني، ثم أعاد عليه جَرَجة: يا خالد! أخبرْني إلامَ تدعوني؟ قال: إلى شهادة أن لا إِله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، والإقرار بما جاء به من عند الله، قال: فمنْ لم يُجبْكم؟ قال: فالجِزْيَة ونمنعهم، قال: فإن لم يعطِها، قال: نؤذنه بحرب، ثم نقاتله. قال: فما منزلةُ الَّذِي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر
стр. 873
اليوم؟ قال: منزلتُنا واحدة فيما افترضَ الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأوّلنا وآخرنا. ثم أعاد عليه جَرَجة: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالدُ مثل ما لكم من الأجر والذُّخْر؟ قال: نعم، وأفضل؛ قال: وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟ قال: إنَّا دخلْنا في هذا الأمر، وبايَعْنا نبينا ﷺ وهو حيّ بين أظهرنا، تأتيه أخبار السماء ويخبرنا بالكتب، ويرينا الآيات، وحقّ لمن رأى ما رأينا، وسمع ما سمعنا، أن يُسْلِم ويبايع؛ وإنكم أنتم لم تروْا ما رأينا، ولم تسمعوا ما سمعنا من العجائب والحُجَج؛ فَمنْ دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونيَّة كان أفضَل منَّا. قال جرجة: بالله لقد صدَقتني ولم تخادعْني ولم تألّفني! قال: بالله لقد صدقتُك وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة! وإنَّ الله لَوليُّ ما سألت عنه. فقال: صدقتَني؛ وقلب التّرس ومال مع خالد، وقال: عَلِّمْني الإسلام، فمال به خالد إلى فَسطاطه، فشنّ عليه قِربَة من ماء، ثم صلَّى ركعتين؛ وحملت الرُّوم مع انقلابه إلى خالد؛ وهم يروْن أنَّها منه حملة، فأزالوا المسلمين عن مواقفهم إلا المحامية، عليهم عِكرمة والحارث بن هشام. وركب خالدٌ ومعه جَرجة والرُّوم خلال المسلمين؛ فتنادَى الناس، فثابوا، وتراجعت الرُّوم إلى مواقفهم، فزحف بهم خالد حتى تصافحوا بالسيُّوف، فضرب فيهم خالد وجَرَجَة من لدن ارتفاع النهار إلى جُنُوح الشمس للغروب، ثم أصِيبَ جرجَة ولم يصلِّ صلاة سجد فيها إلا الرّكعتين اللَّتين أسلم عليهما، وصلَّى الناس الأولى والعصر إيماءً، وتضعضع الروم، ونَهَد خالد بالقلب حتَّى كان بين خيلهِم ورجْلهم، وكان مقاتلهُم واسعَ المطَّرد، ضيّق المهرب؛ فلمَّا وجدت خيلُهم مذهَبًا؛ ذهبت وتركوا رَجْلهم في مصافِّهم؛ وخرجت خيلُهم تشتدّ بهم في الصحراء، وأخَّر النَّاس الصلاة حتى صلّوا بعد الفتح. ولما رأى المسلمون خيلَ الروم توجَّهت للهَرب؛ أفرجوا لها، ولم يحرّجوها؛ فذهبت فتفرّقت في البلاد، وأقبل خالد والمسلمون على الرّجْل ففضّوهم؛ فكأنما هُدِم بهم حائط؛ فاقتحموا في خندقهم، فاقتحمه عليهم فعَمَدوا إلى الواقوصة، حتى هوى فيها المقترنون وغيرُهم، فمَنْ صبر من المقترنين للقتال هوى به من خشَعتْ نفسُه، فيهوي الواحد بالعشرة لا يطيقونه؛ كلَّما هوى اثنان كانت البقيَّة أضعف، فتهافت في الواقوصة عشرون ومئة ألف؛ ثمانون ألف مقترن وأربعون ألف مطلق؛ سوى مَنْ قُتِل في المعركة من الخيل والرّجل؛ فكان سهم الفارس يومئذ ألفًا وخمسمئة، وتجلّل الفيقار وأشرافٌ من
стр. 874
أشراف الرُّوم برانسَهم، ثم جلسوا وقالوا: لا نحبّ أن نرى يوم السَّوء إذْ لم نستطع أن نرى يوم السرور؛ وإذ لم نستطع أن نمنع النصرانيَّة؛ فأصيبوا في تزمّلهم (١). (٣: ٣٩٦/ ٣٩٧ / ٣٩٨/ ٣٩٩ / ٤٠٠).
٤٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان، عن خالد وعبادة؛ قالا: أصبح خالد من تلك اللَّيلة، وهو في رِواق تَذارِق، لمَّا دخل الخندق نزله وأحاطت به خيله، وقاتل الناسُ حتى أصبحوا (٢). (٣: ٤٠٠/ ٤٠١).
٤٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عُميس، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة -وكان شهد اليَرْموك هو وعُبادة بن الصامت- أنّ النساء قَاتلْنَ يوم اليَرْموك في جَوْلة، فخرجت جُوَيرِية بنة أبي سفيان في جَوْلة، وكانت مع زوجها [وأصيبت] بعد قتال شديد، وأصيبت يومئذ عينُ أبي سفيان، فأخرج السهم من عينه أبو حثْمة (٣). (٣: ٤٠١).
٥٠ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن أبي عثمان وخالد: وكان ممَّن أصيب في الثلاثة الآلاف الَّذين أصيبوا يوم اليَرْموك عِكرمة، وعمرو بن عِكْرمة، وسلمَة بن هشام، وعمرو بن سعيد، وأبان بن سعيد - وأثبِت خالد بن سعيد فلا يُدرَى أين ماتَ بَعْد - وجُنْدَب بن عمرو بن حُمَمَة الدَّوْسِيّ، والطّفَيل بن عمرو، وضرار بن الأزور أثبت، فبقَي، وطُلَيب بن عُمَير بن وَهْب من بني عبد بن قُصيّ، وهَبَّار بن سُفْيان، وهشام بن العاصي (٤). (٣: ٤٠٢).
٥١ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سَيف، عن عمرو بن ميمون، عن أبيه، قال: لقي خالدًا مقدمَه الشام مغيثًا لأهل اليرموك رجلٌ من يوم العرب، فقال: يا خالد! إنّ الروم في جمع كثير؛ مئتي ألف أو يزيدون؛ فإنْ رأيت أن ترجعَ عَلَى حامِيتك فافعل؛ فقال خالد: أبالرّوم تخوّفني؟ ! والله لودِدْتُ أنّ
стр. 875
الأشقر بَراءٌ من تَوَجّيه، وأنَّهم أضعفوا ضعْفَهم، فهزمهم الله على يديه! (١) (٤٠٢: ٣).
٥٢ - كتب إليّ السريّ، عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة وعمرو بن ميمون، قالوا: وقد كان هرقل حجّ قبل مهزم خالد بن سعيد، فحجّ بيت المقدس، فبينا هو مقيم به أتاه الخبر بقُرْب الجنود منه، فجمع الرُّوم، وقال: أرى من الرأي ألّا تقاتِلُوا هؤلاء القوم، وأن تُصالحوهم؛ فوالله لأن تُعطوهم نصفَ ما أخرجت الشام؛ وتأخذوا نصفًا وتقِرَّ لكم جبال الرُّوم؛ خيرٌ لكم من أن يبلغوكم على الشام، ويشاركوكم في جبال الرّوم؛ فنخر أخوه ونخر خَتَنُه؛ وتصدّع عنه مَن كان حوله؛ فلمَّا رآهم يعصونه ويردّون عليه بعث أخاه، وأمَّر الأمراء، ووجَّه إلى كلّ جند جندًا. فلما اجتمع المسلمون، أمرهم بمنزل واحد واسع جامع حصين، فنزلوا بالواقوصة، وخرج فنزل حِمْص، فلمَّا بلغه أن خالدًا قد طلع على سُوَى، وانتسف أهلَه وأموالهم، وعَمَد إلى بُصْرَى وافتتحها وأباح عَذْراء، قال لجلسائه: ألم أقل لكم لا تقاتلوهم! فإنَّه لا قِوامَ لكم مع هؤلاء القوم؛ إنّ دينهم دينٌ جديد يجدّد لهم ثِبارَهم، فلا يقوم لهم أحد حتى يُبْلَى. فقالوا: قاتِل عن دينك ولا تُجبّن النَّاس، واقض الذي عليك؛ قال: وأيَّ شيء أطلب إلّا توفيرَ دينكم!
ولما نزلت جنود المسلمين اليَرْموك، بعث إليهم المسلمون: إنَّا نريد كلامَ أميركم وملاقاته؛ فدعُونا نأتِه ونكلّمه، فأبلغوه فأذِن لهم. فأتاه أبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان كالرسول، والحارث بن هشام وضِرار بن الأزور وأبو جَنْدل بن سُهيل؛ ومع أخي الملك يومئذ ثلاثون رِواقًا في عسكره وثلاثون سُرادِقًا، كلُّها من ديباج؛ فلمَّا انتهوْا إليها أبوْا أن يدخلوا عليه فيها، وقالوا: لا نستحلّ الحرير فابْرز لنا. فبرز إلى فُرُش ممهَّدة؛ وبلغ ذلك هرقل، فقال: ألم أقل لكم! هذا أوّلُ الذُّلّ، أما الشام فلا شام؛ وويل للروم من المولود المشؤوم! ولم يتأتّ بينهم وبين المسلمين صُلْح، فرجع أبو عبيدة وأصحابه، واتَّعدوا، فكان القتال حتى جاء الفتح (٢). (٣: ٤٠٢/ ٤٠٣).
стр. 876
٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُطَّرح، عن القاسم، عن أبي أمامة وأبي عثمان، عن يزيد بن سنان، عن رجال من أهل الشام ومن أشياخهم؛ قالوا: لمَّا كان اليوم الَّذِي تأمّر فيه خالد؛ هزم الله الرُّوم مع الليلِ، وصعد المسلمون العَقَبة، وأصابوا ما في العسكر، وقتل الله صناديدَهم ورؤوسهم وفرسانهم، وقتل الله أخا هِرَقْل، وأخِذ التَّذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دُون مدينة حِمْص، فارتحل فجعل حِمْص بينه وبينهم، وأمَّر عليها أميرًا وخلَّفه فيها، كما كان أمَّر على دمشق، وأتبع المسلمون الرُّوم حين هزموهم خيولًا يَثْفِنونهم. ولمَّا صار إلى أبي عبيدة الأمرُ بعد الهزيمة؛ نادى بالرّحيل، وارتحل المسلمون بزحْفهم حتى وضعوا عساكرَهم بمَرْج الصُّفَّر. قال أبو أمامة: فبُعِثت طليعة من مرَج الصُّفَّر، معي فارسان؛ حتى دخلت الغُوطة فجُسْتها بين أبياتها وشجراتها، فقال أحد صاحبَيّ: قد بلغتَ حيث أمِرت فانصرف لا تهلكْنا، فقلت: قِفْ مكانَك حتى تصبح أو آتيَك. فسِرْتُ حتى دفعت إلى باب المدينة؛ وليس في الأرض أحدٌ ظاهر، فنزعت لجام فرسِي وعلَّقت عليها مخلاتها، وركزت رمحي، ثم وضعت رأسي فلم أشعُر إلّا بالمفتاح يحرَّك عند الباب ليُفتح؛ فقصت فصلَّيت الغداة، ثم ركبت فرسي، فحملت عليه، فطعنت البوّاب فقتلته، ثم انكفأت راجعًا؛ فخرجوا يطلبونني، فجعلوا يكفّون عنِّي مخافة أن يكون لي كمين، فدفعت إلى صاحبي الأدْنى الَّذي أمرتُه أن يقف، فلمَّا رأوْه قالوا: هذا كمين انتهى إلى كمينه. فانصرفوا وسرت أنا وصاحبي، حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني، فسِرْنا حتى انتهينا إلى المسلمين؛ وقد عزم أبو عبيدة ألّا يبرح حتى يأتيَه رأيُ عمر وأمْرُه؛ فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دِمَشق، وخلّف باليَرْمُوك بشير بن كعب بن أبيّ الحميريّ في خَيْل (١). (٣: ٤٠٣/ ٤٠٤).
٥٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان: أنّ أبا بكر ﵀ حين سار القوم خرج مع يَزيد بن أبي سفيان يُوصيه، وأبو بكر يمشي ويزيد راكب، فلمَّا فرغ من وصيَّته قال: أقرئُك
стр. 877
السلام، وأستودعك الله. ثم انصرف ومضى يزيد، فأخذ التَّبُوكيَّة ثم تبعه شُرَحبيل بن حَسَنة ثم أبو عبيدة بن الجرّاح مددًا لهما على رُبْع، فسلكوا ذلك الطريق، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل بغَمْر العَرَبات، ونزلت الرُّوم بثَنِيَّة جِلّق بأعلَى فلسطين في سبعين ألفًا، عليهم تَذَارِق أخو هِرَقْل لأبيه وأمِّه. فكتب عَمْرو بن العاص إلى أبي بكر، يذكر له أمرَ الرُّوم ويستمدُّه. وخرج خالد بن سعيد بن العاصي، وهو بمرج الصُّفَّر من أرض الشام في يوم مَطير يستمطر فيه؛ فتعاوَى عليه أعلاجُ الروم، فقتلوه، وقد كان عمرو بن العاص كتب إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمدّه.
رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحِيرة، يأمره أن يمدّ أهلَ الشام بِمَن معه من أهل القوّة، ويخرج فيهم، ويستخلف على ضَعفة النَّاس رجلًا منهم؛ فلمَّا أتى خالدًا كتابُ أبي بكر بذلك، قال خالد: هذا عمل الأعيسر بن أمّ شَمْلَة -يعني: عمر بن الخطاب- حسدني أن يكون فتْح العراق على يديّ. فسار خالد بأهل القوّة من الناس وردّ الضعفاء والنّساء إلى المدينة، مدينة رسول الله ﷺ ، وأمّر عليهم عُمير بن سعد الأنصاريّ، واستخلف خالد على مَن أسلم بالعراق من رَبيعة وغيرهم المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ. ثم سار حتى نزل على عَين التَّمْر، فأغار على أهلها، فأصاب منهم، ورابط حِصْنًا بها فيه مقاتلةٌ كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم، فضرب أعناقهم، وسَبَى من عَين التَّمْر ومن أبناء تلك المرابِطة سبايا كثيرة، فبعث بها إلى أبي بكر؛ فكان مِن تلك السَّبَايا أبو عَمْرة مولى شبّان؛ وهو أبو عبد الأعلى بن أبي عمرة، وأبو عبيدة مولى المعلَّى من الأنصار من بني زُريق، وأبو عبد الله مولى زُهرة، وخَير مولى أبي داود الأنصاريّ ثم أحد بني مازن بن النَّجار، ويَسار وهو جدّ محمد بن إسحاق مولى قيس بن مَخْرمة بن المطَّلب بن عبد مناف، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاريّ ثم أحد بني مالك بن النَّجار، وحُمران بن أبان مَوْلى عثمان بن عفان. وقَتَل خالد بن الوليد هلال بن عَقّة بن بشر النّمَريّ وصلَبه بعين التّمر، ثم أراد السَّير مفوّزًا من قُراقر - وهو ماء لكلب إلى سُوَى، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال - فلم يهتدِ خالد الطريق، فالتمس دليلًا، فدُلّ على رافع بن عميرة الطائيِّ؛ فقال له خالد: انطلق بالنَّاس،
стр. 878
فقال له رافع: إنَّك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال؛ والله إنّ الراكب المفرد ليخافُها على نفسه وما يسلُكها إلا مغرّرًا؛ إنها لخمس ليال جِياد لا يُصاب فيها ماء مع مَضَلَّتها، فقال له خالد: ويحك! إنه والله إنْ لي بدٌّ من ذلك، إنه قد أتتني من الأمير عَزمة بذلك، فمرْ بأمرك، قال: استكثروا من الماء؛ مَنِ استطاع منكم أن يصرّ أذن ناقته على ماء فليفعل؛ فإنها المهالك إلا ما دفع الله؛ ابْغنِي عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا مَسانَّ. فأتاه بهنّ خالد، فعمد إليهنّ رافع فظمَّأهن، حتى إذا أجهدهنّ عطشًا أوردهنّ فشربن حتى إذا تملأَن عمَد إليهنّ، فقطع مشافرهنّ، ثم كَعمهنّ لئلا يجتررن، ثم أخلى أدبارهنّ.
ثم قال لخالد: سر؛ فسار خالد معه مُغِذًّا بالخيول والأثقال؛ فكُلَّمَا نزل منزلًا افتظّ أربعًا من تلك الشَّوارف؛ فأخذ ما في أكراشها، فسقاه الخيل؛ ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء؛ فلما خشِيَ خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد: ويحكَ يا رافع! ما عندك؟ قال: أدركتَ الرِّيّ إن شاء الله؛ فلمَّا دنا من العلَمين، قال للناس: انظروا هل ترون شُجيرة من عَوْسج كقِعْدة الرجل؟ قالوا: ما نراها. قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! هلكتم والله إذًا وهلكتُ؛ لا أبالكم! انظروا، فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقيت منها بقيَّة، فلمَّا رآها المسلمون كبَّروا وكبَّر رافع بن عميرة؛ ثم قال: احفروا في أصلها، فحفروا فاستخرجوا عينًا، فشربوا حتى رَويَ النَّاس، فاتّصلتْ بعد ذلك لخالد المنازل، فقال رافع: والله ما وردتُ هذا الماءَ قطّ إلا مرةً واحدة، وردته مع أبي وأنا غلام، فقال شاعر من المسلمين:
لله عَينا رافِعٍ أنّى اهْتَدَى ... فَوّزَ من قُراقرٍ إلى سُوَى!
خمْسًا إذا ما سارها الجَيشُ بكى ... ما سارها قَبْلك إنسيٌّ يُرَى
فلمَّا انتهى خالد إلى سُوَى، أغار على أهله - وهم بَهْراء - قبيل الصُّبح، وناس منهم يشربونَ خَمْرًا لهم في جَفْنة قد اجتمعوا عليها، ومغنِّيهم يقول:
ألا علّلانِي قبل جيش أبي بكرِ ... لعلّ منايانا قريب وما نَدْرِي
ألا علّلاني بالزُّجاج وكرِّرا ... عَليَّ كُمَيتَ اللونِ صافيةً تَجْرِي
ألا علّلاني من سُلافة قهوةٍ ... تسلِّي همومَ النفس من جيِّدِ الخمرِ
أظُنُّ خيولَ المسلمين وخالدًا ... ستطرُقكمْ قبل الصَّبَاح من البِشْرِ
стр. 879
فهل لكُمُ في السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصراتِ من الخِدْر!
فيزعمون: أن مغنّيَهم ذلك قتِل تحت الغارة، فسال دمُه في تلك الجفنة. ثم سار خالدٌ على وجهه ذلك، حتى أغار على غَسَّان بمرْج راهط، ثم سار حتى نزلَ على قناة بُصْرَى، وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشُرَحْبيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان؛ فاجتمعوا عليها، فرابطوها حتى صالحت بُصرى على الجِزْية، وفتحها الله على المسلمين، فكانتْ أوّلَ مدينة من مَدائن الشام فتحت في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعًا إلى فِلِسطين مددًا لعمرو بن العاص، وعمرو مقيم بالعَرباتِ مِنْ غَوْر فِلِسطين، وسمعت الرُّوم بهم، فانكشفوا عن جلَّق إلى أجْنادِين؛ وعليهم تَذَارق أخُو هِرَقْل لأبيه وأمِّه - وأجنادين بلد بين الرّملة وبيت جَبْرين من أرض فلسطين - وسار عمرو بن العاص حينَ سمع بأبي عبيدة بن الجرّاح وشُرَحبْيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان حتى لقيَهم، فاجتمعوا بأجنادين؛ حتى عسكروا عليهم (١). (٣: ٤٠٥/ ٤٠٦ / ٤١٥/ ٤١٦ / ٤١٧).