← История

История · id 145435

صحيح وضعيف تاريخ الطبري

محمد بن طاهر البرزنجي

Полный текст (6 167 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

٥٣ - كتب إليّ السريّ عن شعيب، عن سيف، عن مُطَّرح، عن القاسم، عن أبي أمامة وأبي عثمان، عن يزيد بن سنان، عن رجال من أهل الشام ومن أشياخهم؛ قالوا: لمَّا كان اليوم الَّذِي تأمّر فيه خالد؛ هزم الله الرُّوم مع الليلِ، وصعد المسلمون العَقَبة، وأصابوا ما في العسكر، وقتل الله صناديدَهم ورؤوسهم وفرسانهم، وقتل الله أخا هِرَقْل، وأخِذ التَّذارق، وانتهت الهزيمة إلى هرقل وهو دُون مدينة حِمْص، فارتحل فجعل حِمْص بينه وبينهم، وأمَّر عليها أميرًا وخلَّفه فيها، كما كان أمَّر على دمشق، وأتبع المسلمون الرُّوم حين هزموهم خيولًا يَثْفِنونهم. ولمَّا صار إلى أبي عبيدة الأمرُ بعد الهزيمة؛ نادى بالرّحيل، وارتحل المسلمون بزحْفهم حتى وضعوا عساكرَهم بمَرْج الصُّفَّر. قال أبو أمامة: فبُعِثت طليعة من مرَج الصُّفَّر، معي فارسان؛ حتى دخلت الغُوطة فجُسْتها بين أبياتها وشجراتها، فقال أحد صاحبَيّ: قد بلغتَ حيث أمِرت فانصرف لا تهلكْنا، فقلت: قِفْ مكانَك حتى تصبح أو آتيَك. فسِرْتُ حتى دفعت إلى باب المدينة؛ وليس في الأرض أحدٌ ظاهر، فنزعت لجام فرسِي وعلَّقت عليها مخلاتها، وركزت رمحي، ثم وضعت رأسي فلم أشعُر إلّا بالمفتاح يحرَّك عند الباب ليُفتح؛ فقصت فصلَّيت الغداة، ثم ركبت فرسي، فحملت عليه، فطعنت البوّاب فقتلته، ثم انكفأت راجعًا؛ فخرجوا يطلبونني، فجعلوا يكفّون عنِّي مخافة أن يكون لي كمين، فدفعت إلى صاحبي الأدْنى الَّذي أمرتُه أن يقف، فلمَّا رأوْه قالوا: هذا كمين انتهى إلى كمينه. فانصرفوا وسرت أنا وصاحبي، حتى دفعنا إلى صاحبنا الثاني، فسِرْنا حتى انتهينا إلى المسلمين؛ وقد عزم أبو عبيدة ألّا يبرح حتى يأتيَه رأيُ عمر وأمْرُه؛ فأتاه فرحلوا حتى نزلوا على دِمَشق، وخلّف باليَرْمُوك بشير بن كعب بن أبيّ الحميريّ في خَيْل (١). (٣: ٤٠٣/ ٤٠٤). ٥٤ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان: أنّ أبا بكر ﵀ حين سار القوم خرج مع يَزيد بن أبي سفيان يُوصيه، وأبو بكر يمشي ويزيد راكب، فلمَّا فرغ من وصيَّته قال: أقرئُك

стр. 877

السلام، وأستودعك الله. ثم انصرف ومضى يزيد، فأخذ التَّبُوكيَّة ثم تبعه شُرَحبيل بن حَسَنة ثم أبو عبيدة بن الجرّاح مددًا لهما على رُبْع، فسلكوا ذلك الطريق، وخرج عمرو بن العاص حتى نزل بغَمْر العَرَبات، ونزلت الرُّوم بثَنِيَّة جِلّق بأعلَى فلسطين في سبعين ألفًا، عليهم تَذَارِق أخو هِرَقْل لأبيه وأمِّه. فكتب عَمْرو بن العاص إلى أبي بكر، يذكر له أمرَ الرُّوم ويستمدُّه. وخرج خالد بن سعيد بن العاصي، وهو بمرج الصُّفَّر من أرض الشام في يوم مَطير يستمطر فيه؛ فتعاوَى عليه أعلاجُ الروم، فقتلوه، وقد كان عمرو بن العاص كتب إلى أبي بكر يذكر له أمر الروم ويستمدّه. رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق: وكتب أبو بكر إلى خالد وهو بالحِيرة، يأمره أن يمدّ أهلَ الشام بِمَن معه من أهل القوّة، ويخرج فيهم، ويستخلف على ضَعفة النَّاس رجلًا منهم؛ فلمَّا أتى خالدًا كتابُ أبي بكر بذلك، قال خالد: هذا عمل الأعيسر بن أمّ شَمْلَة -يعني: عمر بن الخطاب- حسدني أن يكون فتْح العراق على يديّ. فسار خالد بأهل القوّة من الناس وردّ الضعفاء والنّساء إلى المدينة، مدينة رسول الله ﷺ ، وأمّر عليهم عُمير بن سعد الأنصاريّ، واستخلف خالد على مَن أسلم بالعراق من رَبيعة وغيرهم المثنَّى بن حارثة الشيبانيّ. ثم سار حتى نزل على عَين التَّمْر، فأغار على أهلها، فأصاب منهم، ورابط حِصْنًا بها فيه مقاتلةٌ كان كسرى وضعهم فيه حتى استنزلهم، فضرب أعناقهم، وسَبَى من عَين التَّمْر ومن أبناء تلك المرابِطة سبايا كثيرة، فبعث بها إلى أبي بكر؛ فكان مِن تلك السَّبَايا أبو عَمْرة مولى شبّان؛ وهو أبو عبد الأعلى بن أبي عمرة، وأبو عبيدة مولى المعلَّى من الأنصار من بني زُريق، وأبو عبد الله مولى زُهرة، وخَير مولى أبي داود الأنصاريّ ثم أحد بني مازن بن النَّجار، ويَسار وهو جدّ محمد بن إسحاق مولى قيس بن مَخْرمة بن المطَّلب بن عبد مناف، وأفلح مولى أبي أيوب الأنصاريّ ثم أحد بني مالك بن النَّجار، وحُمران بن أبان مَوْلى عثمان بن عفان. وقَتَل خالد بن الوليد هلال بن عَقّة بن بشر النّمَريّ وصلَبه بعين التّمر، ثم أراد السَّير مفوّزًا من قُراقر - وهو ماء لكلب إلى سُوَى، وهو ماء لبهراء بينهما خمس ليال - فلم يهتدِ خالد الطريق، فالتمس دليلًا، فدُلّ على رافع بن عميرة الطائيِّ؛ فقال له خالد: انطلق بالنَّاس،

стр. 878

فقال له رافع: إنَّك لن تطيق ذلك بالخيل والأثقال؛ والله إنّ الراكب المفرد ليخافُها على نفسه وما يسلُكها إلا مغرّرًا؛ إنها لخمس ليال جِياد لا يُصاب فيها ماء مع مَضَلَّتها، فقال له خالد: ويحك! إنه والله إنْ لي بدٌّ من ذلك، إنه قد أتتني من الأمير عَزمة بذلك، فمرْ بأمرك، قال: استكثروا من الماء؛ مَنِ استطاع منكم أن يصرّ أذن ناقته على ماء فليفعل؛ فإنها المهالك إلا ما دفع الله؛ ابْغنِي عشرين جَزورًا عظامًا سمانًا مَسانَّ. فأتاه بهنّ خالد، فعمد إليهنّ رافع فظمَّأهن، حتى إذا أجهدهنّ عطشًا أوردهنّ فشربن حتى إذا تملأَن عمَد إليهنّ، فقطع مشافرهنّ، ثم كَعمهنّ لئلا يجتررن، ثم أخلى أدبارهنّ. ثم قال لخالد: سر؛ فسار خالد معه مُغِذًّا بالخيول والأثقال؛ فكُلَّمَا نزل منزلًا افتظّ أربعًا من تلك الشَّوارف؛ فأخذ ما في أكراشها، فسقاه الخيل؛ ثم شرب الناس مما حملوا معهم من الماء؛ فلما خشِيَ خالد على أصحابه في آخر يوم من المفازة قال لرافع بن عميرة وهو أرمد: ويحكَ يا رافع! ما عندك؟ قال: أدركتَ الرِّيّ إن شاء الله؛ فلمَّا دنا من العلَمين، قال للناس: انظروا هل ترون شُجيرة من عَوْسج كقِعْدة الرجل؟ قالوا: ما نراها. قال: إنَّا لله وإنا إليه راجعون! هلكتم والله إذًا وهلكتُ؛ لا أبالكم! انظروا، فطلبوا فوجدوها قد قطعت وبقيت منها بقيَّة، فلمَّا رآها المسلمون كبَّروا وكبَّر رافع بن عميرة؛ ثم قال: احفروا في أصلها، فحفروا فاستخرجوا عينًا، فشربوا حتى رَويَ النَّاس، فاتّصلتْ بعد ذلك لخالد المنازل، فقال رافع: والله ما وردتُ هذا الماءَ قطّ إلا مرةً واحدة، وردته مع أبي وأنا غلام، فقال شاعر من المسلمين: لله عَينا رافِعٍ أنّى اهْتَدَى ... فَوّزَ من قُراقرٍ إلى سُوَى! خمْسًا إذا ما سارها الجَيشُ بكى ... ما سارها قَبْلك إنسيٌّ يُرَى فلمَّا انتهى خالد إلى سُوَى، أغار على أهله - وهم بَهْراء - قبيل الصُّبح، وناس منهم يشربونَ خَمْرًا لهم في جَفْنة قد اجتمعوا عليها، ومغنِّيهم يقول: ألا علّلانِي قبل جيش أبي بكرِ ... لعلّ منايانا قريب وما نَدْرِي ألا علّلاني بالزُّجاج وكرِّرا ... عَليَّ كُمَيتَ اللونِ صافيةً تَجْرِي ألا علّلاني من سُلافة قهوةٍ ... تسلِّي همومَ النفس من جيِّدِ الخمرِ أظُنُّ خيولَ المسلمين وخالدًا ... ستطرُقكمْ قبل الصَّبَاح من البِشْرِ

стр. 879

فهل لكُمُ في السير قبل قتالهم ... وقبل خروج المعصراتِ من الخِدْر! فيزعمون: أن مغنّيَهم ذلك قتِل تحت الغارة، فسال دمُه في تلك الجفنة. ثم سار خالدٌ على وجهه ذلك، حتى أغار على غَسَّان بمرْج راهط، ثم سار حتى نزلَ على قناة بُصْرَى، وعليها أبو عبيدة بن الجراح وشُرَحْبيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان؛ فاجتمعوا عليها، فرابطوها حتى صالحت بُصرى على الجِزْية، وفتحها الله على المسلمين، فكانتْ أوّلَ مدينة من مَدائن الشام فتحت في خلافة أبي بكر. ثم ساروا جميعًا إلى فِلِسطين مددًا لعمرو بن العاص، وعمرو مقيم بالعَرباتِ مِنْ غَوْر فِلِسطين، وسمعت الرُّوم بهم، فانكشفوا عن جلَّق إلى أجْنادِين؛ وعليهم تَذَارق أخُو هِرَقْل لأبيه وأمِّه - وأجنادين بلد بين الرّملة وبيت جَبْرين من أرض فلسطين - وسار عمرو بن العاص حينَ سمع بأبي عبيدة بن الجرّاح وشُرَحبْيل بن حَسَنة ويزيد بن أبي سفيان حتى لقيَهم، فاجتمعوا بأجنادين؛ حتى عسكروا عليهم (١). (٣: ٤٠٥/ ٤٠٦ / ٤١٥/ ٤١٦ / ٤١٧).

стр. 880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 881

٥٥ - قال أبو جعفر: وأمَّا أبو زيد؛ فحدّثني عن عليّ بن محمد بالإسناد الذي قد ذكرت قبلُ: أن أبا بكر ﵀ وجَّه بعد خروج يزيد بن أبي سفيان موجّهًا إلى الشام بأيام شُرَحبيلَ بن حَسَنة - قال: وهو شُرَحْبيل بن عبد الله بن المطاع بن عمرو، من كِنْدة، ويقال من الأزد - فسار في سبعة آلاف، ثم أبا عبيدة بن الجرّاح في سبعة آلاف، فنزل يزيد البَلْقاء، ونزل شُرحبيل الأرْدُنّ - ويقال بُصْرَى - ونزل أبو عبيدة الجابِية، ثم أمدّهم بعمرو بن العاص، فنزل بغَمْر العرَبات، ثم رغِب الناس في الجهاد؛ فكانوا يأتون المدينة فيوجّههم أبو بكر إلى

стр. 882

الشَّام فمنهم مَن يصير مع أبي عبيدة، ومنهم مَن يصير مع يزيد، يصير كلّ قوم مع من أحبّوا. قالوا: فأوّل صُلْح كان بالشام صلح مَآبَ؛ وهي فسطاط ليست بمدينة، مرّ أبو عبيدة بهم في طريقه، وهي قرية من البَلْقاء، فقاتلوه، ثم سألوه الصُّلْح فصالحهم. واجتمع الرُّوم جمعًا بالعَرَبة من أرضِ فلسطين؛ فوجَّه إليهم يزيدُ بن أبي سفيان أبا أمامة الباهليّ؛ ففضَّ ذلك الجمع. قالوا: فأوّل حرب كانت بالشام بعد سريّة أسامة بالعَرَبة. ثم أتوا الدّاثنة - ويقال: الدّاثن - فهزمهم أبو أمامة الباهليُّ، وقتل بِطْريقًا منهم. ثم كانت مَرْج الصّفَّر، استشهد فيها خالد بن سعيد بن العاصي، أتاهم أدْرُنْجار في أربعة آلاف وهم غارُّون، فاستُشهد خالد وعدّة من المسلمين. قال أبو جعفر: وقيل: إنّ المقتول في هذه الغزوة كان ابنًا لخالد بن سعيد، وإنّ خالدًا انحاز حين قُتل ابنه، فوجَّه أبو بكر خالد بن الوليد أميرًا على الأمراء الذين بالشام، ضمَّهم إليه؛ فشخص خالد من الحِيرة في ربيع الآخر سنة ثلاث عشرة في ثمانمئة - ويقال: في خَمْسمئة - واستخلف على عَمَلهِ المثنَّى بن حارثة، فلَقيه عدوّ بَصَنْدَوْدَاء، فظفر بهم، وخلَّف بها ابن حَرام الأنصاريّ؛ ولقيَ جمعًا بالمُصيّخ، والحُصَيد، عليهم ربيعة بن بُجير التَّغلبِيّ، فهزمهم وسَبَى وغَنِم، وسار ففوّز من قُراقِر إلى سُوَى؛ فأغار على أهل سُوَى؛ واكتسح أموالهم، وقتل حُرْقُوص بن النُّعمان البَهرانيّ، ثم أتى أرَك فصالحوه، وأتى تَدْمُر فتحصّنوا، ثم صالحوه؛ ثم أتى القريتين، فقاتلهم، فظفر بهم، وغَنِم، وأتى حُوَّارين؛ فقاتلهم فهَزَمهم وقتلَ وسبَى، وأتى قُصَم فصالحه بنو مَشْجَعة من قُضاعة، وأتى مَرْج راهِط، فأغار على غَسَّان في يوم فِصْحهم، فقتل وسَبَى، ووجَّه بُسْر بن أبي أرطاة وحبيب بن مَسْلَمة إلى الغوطة، فأتوْا كنيسة فسَبوا الرّجال والنِّساء، وساقُوا العِيال إلى خالد. قال: فوافى خالدًا كتابُ أبي بكر بالحيرة منصرفَه من حجّهِ: أن سِرْ حتَّى تأتيَ جموعَ المسلمين باليَرْموك، فإنهم قد شَجُوا وأشْجَوْا، وإيّاك أن تعود لمثل ما فعلت، فإنه لم يشجِ الجموع من الناس بعون الله شجاك، ولم ينزع الشجَى من الناس نزعك. فليهنئك أبا سليمان النيَّة والحُظوة؛ فأتمِم يُتمم الله لك،

стр. 883

ولا يدخلنَّك عُجب فتخسَر وتُخْذَل؛ وإيّاك أن تُدِلّ بعمل، فإن الله له المنّ، وهو وليّ الجَزاء. رجع الحديث إلى حديث أبي زيد عن علي بن محمد بإسناده الذي قد مضى ذكره، قال: وأتَى خالدٌ دمشقَ فجمع له صاحِب بصرى، فسار إليه هو وأبو عُبيدة؛ فلقيَهم أدرنجا، فظفِر بهم، وهزمهم؛ فدخلوا حصنَهم؛ وطلبوا الصُّلْح، فصالحهم على كلّ رأس دينار في كلِّ عام وجريب حنطة. ثم رجع العدوُّ للمسلمين، فتوافَتْ جنود المسلمين والرُّوم بأجنادين، فالتقَوْا يوم السبت لليلتين بقِيَتا من جُمادى الأولى سنة ثلاث عشرة؛ فظهر المسلمون، وهزم الله المشركين، وقتل خليفة هِرَقل، واستشهد رجالٌ من المسلمين؛ ثم رجع هِرَقْل للمسلمين، فالتقوْا بالواقوصة فقاتلوهم؛ وقاتلهم العدوّ، وجاءتهم وفاة أبي بكر وهم مصافُّون وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب (١). (٣: ٤٠٦/ ٤٠٧ / ٤١٨/ ٤١٩). ٥٦ - كتب إليَّ السريّ عنِ شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظَفر بن دهي، ومحمد بن عبد الله عن أبي عثمان، وطلحة عن المغيرة، والمهلَّب بن عقبة عن عبد الرحمن بن سِياه الأحمريّ، قالوا: كان أبو بكر قد وجَّه خالدَ بن سعيد بن العاصي إلى الشام حيث وجَّه خالد بن الوليد إلى العراق، وأوصاه بمثل الَّذي أوصى به خالدًا. وإن خالد بن سعيد سار حتى نزلَ على الشام ولم يقتحم؛ واستجلب النَّاس فعزَّ، فهابته الرُّوم، فأحجموا عنه، فلم يصبر على أمر أبي بكر ولكن تورّدها فاستطردت له الرُّوم، حتى أوردوه الصُّفَّر، ثم تعطَّفُوا عليه بعد ما أمِن؛ فوافقوا ابنَه سعيد بن خالد مستمطِرًا؛ فقتلوه هو ومَن معه، وأتى الخبرُ خالدًا، فخرج هاربًا؛ حتى يأتي البرّ، فينزل منزلًا، واجتمعت الرُّوم إلى اليَرْموك؛ فنزلوا به، وقالوا: والله لنشغلن أبا بكر في نفسه عن تورّد بلادنا بخيوله. وكتب خالد بن سعيد إلى أبي بكر بالَّذي كان، فكتب أبو بكر إلى عمرو بن العاص - وكان في بلاد قُضاعة - بالسَّير إلى اليرموك، ففعل. وبعث أبا عبيدة بن

стр. 884

الجراح ويزيد بن أبي سفيان، وأمر كلّ واحد منهما بالغارة، وألّا تُوغلوا حتى لا يكون وراءكم أحدٌ من عدوِّكم. وقدم عليه شُرَحبْيل بن حَسَنة بفتح من فتوح خالد، فسرّحه نحو الشام في جُنْد، وسمّى لكلّ رجل من أمراء الأجناد كورةً من كور الشام، فتوافوا باليَرْموك، فلمّا رأت الروم توافيَهم ندموا على الذي ظهر منهم، ونَسوا الذي كانوا يتوعّدون به أبا بكر، واهتموا وهمَّتهم أنفسهم، وأشْجَوْهم وشجوا بهم، ثم نزلوا الواقوصة. وقال أبو بكر: والله لأنْسِيَنّ الرُّوم وساوسَ الشيطان بخالد بن الوليد، فكتب إليه بهذا الكتاب الَّذي فوق هذا الحديث، وأمَره أن يستخلِف المثنَّى بن حارثة على العِراق في نصف الناس، فإذا فتح الله على المسلمين الشَّام، فارجعْ إلى عملك بالعراق. وبعث خالد بالأخماس إلّا ما نفّل منها مع عُمَير بن سعد الأنصاريّ وبمسيره إلى الشام. ودعا خالد الأدلَّة، فارتحل من الحيرة سائرًا إلى دُومة، ثم طعن في البرّ إلى قراقر، ثم قال: كيف لي بطريق أخرج فيه من وراء جموع الروم! فإني إن استقبلتها حبستني عن غِياث المسلمين، فكلّهم قال: لا نعرف إلا طريقًا لا يحمل الجيوش، يأخذه الفذّ الراكب، فإيَّاك أن تغرّر بالمسلمين. فعزم عليهم ولم يُجِبْه إلى ذلك إلّا رافع بن عُميرةَ على تهيُّبٍ شديد، فقام فيهم، فقال: لا يختلفنّ هَدْيُكم، ولا يضعفنّ يقينكم، واعلموا أنّ المعونة تأتي على قدر النيَّة، والأجر على قدر الحِسْبة؛ وإنّ المسلم لا ينبغي له أن يكترث بشيء يقع فيه مع معونة الله له، فقالوا له: أنت رَجُلٌ قد جمع الله لك الخير، فشأنَك. فطابقوه ونووا واحتسبوا، واشتهوا مثلَ الذي اشتهى خالد، فأمرهم خالد، فتروَّوا للشَّفة لخمس، وأمر صاحب كلّ خيل بقدر ما يسقيها، فظمَّأ كل قائد من الإبل الشُّرُفِ الجِلال ما يكتفي به، ثم سَقْوها العَلَل بعد النَّهلِ؛ ثم صرُّوا آذان الإبل وكعموها، وخلَّوا أدبارها، ثم ركبوا من قراقر مفوّزين إلى سُوَى - وهي على جانبها الآخر ممَّا يلي الشام - فلما ساروا يومًا افتظّوا لكل عِدّة من الخيل عشرًا من تلك الإبل فمزجوا ما في كُروشها بما كان من الألبان، ثم سَقَوا الخيلَ، وشربوا للشفة جَرْعًا، ففعلوا ذلك أربعة أيام (١). (٣: ٤٠٨/ ٤٠٩).

стр. 885

٥٧ - قال أبو جعفر الطبريّ: وشاركهم محمَّد وطلحة، قالوا: لما نزل بسُوَى وخشِيَ أن يفضحهم حرُّ الشمس؛ نادى خالد رافعًا: ما عندك؟ قال: خير، أدكتم الرِّيّ، وأنتم على الماء! وشجَّعهم وهو متحيّر أرمد، وقال: أيُّها النَّاس، انظروا عَلمَين كأنهما ثَدْيان. فأتوْا عليهما، وقالوا: عَلَمان، فقام عليهما فقال: اضربوا يمْنةً ويَسْرَةً - لعَوْسجة كقِعدة الرجل - فوجدوا جِذْمها، فقالوا: جذمٌ، ولا نرى شجرة، فقال: احتفروا حيث شئتمْ، فاستثاروا أو شالًا وأحساءً رَواءً، فقال رافع: أيّها الأمير، والله ما وردتُ هذا الماء منذ ثلاثين سنة، وما وردته إلّا مرّة وأنا غلام مع أبي. فاستعدُّوا ثم أغاروا والقوم لا يروْن أنّ جيشًا يقطع إليهم (١). (٣: ٤٠٩/ ٤١٠). ٥٨ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد، عن إسحاق بن إبراهيم، عن ظفر بن دهي، قال: فأغار بنا خالد من سُوَى على مُصَيَّخ بَهْرَاءَ بالقُصْوانَى - ماء من المياه - فصبَّح المُصَيَّخ والنَّمِر؛ وإنهم لغارّون، وإن رفقة لتشرب في وجه الصُّبْح، وساقيهم يغنِّيهم، ويقول: ألا صبّحاني قَبْلَ جَيشِ أبي بكرِ فضُربت عنُقه، فاختلط دمُه بخمره (٢). (٣: ٤١٠). ٥٩ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن عمرو بن محمد بإسناده الذي تقدّم ذكره، قال: ولمّا بلغ غسَّان خروج خالد على سُوى وانتسافها، وغارتُه على مصيَّخ بَهْراء وانتسافها، فاجتمعوا بمرْج راهط، وبلغ ذلك خالدًا، وقد خلّف ثُغور الرُّوم وجنودها ممَّا يلي العراق، فصار بينهم وبين اليرموك، صمد لهم؛ فخرج من سُوَى بعد ما رجع إليها بسبْي بَهْراء، فنزل الرُّمانَتين -عَلَمين على الطِريق- ثم نزل الكَثَب، حتى صار إلى دمشق، ثم مَرْج الصُّفَّر، فلقِيَ عليه غَسّان وعليهم الحارث بن الأيهَم، فانتسف عسكرهم وعيالاتِهم. ونزل بالمَرْج أيَّامًا، وبعث إلى أبي بكر بالأخماس مع بلال بن الحارث المُزَنيّ، ثم خرج من المرْج حتى ينزل قناة بُصْرَى؛ فكانت أوّلَ مدينة افتُتحت بالشام على

стр. 886

يديْ خالد فيمن معه من جُنُود العراق، وخرج منها، فوافَى المسلمين بالواقُوصة، فنازلهم بها في تسعة آلاف (١). (٣: ٤١٠/ ٤١١). ٦٠ - كتب إليَّ السريُّ عن شعيب، عن سيف، عن محمد وطلحة والمهلّب، قالوا: ولما رجع خالدٌ من حجِّه وافاه كتاب أبي بكر بالخُروج في شَطْر الناس، وأن يخلّف على الشَّطْر الباقي المثنَّى بن حارثة، وقال: لا تأخذنْ نجدًا إلّا خلَّفت له نجدًا، فإذا فتح الله عليكم فاردُدْهم إلى العراق، وأنت معهم، ثم أنت على عَمَلِك. وأحضر خالدٌ أصحابَ رسول الله ﷺ واستأثر بهم على المثنَّى، وترك للمثنَّى أعدادهم من أهل القناعة ممن لم يكن له صحبة، ثم نظر فيمن بقيَ، فاختلج مَن كان قدِم على النبيّ ﷺ وافدًا أو غير وافد، وترك للمثنَّى أعدادَهم من أهل القناعة، ثم قسَم الجند نصفين، فقال المثنّى: والله لا أقيم إلّا على إنفاذ أمر أبي بكر كلِّه في استصحاب نصف الصحابة أو بعض النصف، وبالله ما أرجو النَّصر إلّا بهم، فأنَّى تُعرِيني منهم! فلما رأى ذلك خالد بعد ما تلكَّأ عليه أعاضه منهم حتى رضيَ، وكان فيمن أعاضه منهم فُرات بن حيَّان العجليّ، وبَشِير بن الخَصَاصِيّة، والحارث بن حسّان الذُّهليَّان، ومعبَد بن أمّ معبد الأسلميّ، وعبد الله بن أبي أوفى الأسلميّ، والحارث بن بِلال المُزنيّ، وعاصم بن عمرو التميميّ؛ حتى إذا رضيَ المثنَّى وأخذ حاجَتَه؛ انجذب خالد فمضَى لوجهه وشيَّعه المثنَى إلى قُراقر، ثم رجع إلى الحيرة في المرحّم، فأقام في سلطانه، ووضع في المسلحة التي كان فيها على السَّيب أخاه، ومكان ضرار بن الخطاب عتبةَ بن النّهاس، ومكان ضرار بن الأزور مسعودًا أخاه الآخر، وسدّ أماكن كل مَن خرج من الأمراء برجالٍ أمثالهم من أهل الغَناء، ووضع مذعور بن عديّ في بعض تلك الأماكن، وأستقام أهل فارس - على رأس سنة من مقدَم خالد الحيرة، بعد خروج خالد بقليل؛ وذلك في سنة ثلاث عشرة - على شَهْرَبَراز بن أردشير بن شهريار ممّن يُناسب إلى كسرى، ثم إلى سابور. فوجَّه إلى المثنَّى جندًا عظيمًا عليهم هُرْمُز جاذوَيه في عشرة آلاف، ومعه فيل، وكتبت المسالح إلى المثنَّى بإقباله، فخرج المثنَّى من الحِيرة نحوه، وضمّ إليه المسالح، وجعل على مجنَّبَتَيه المُعَنَّى ومسعودًا ابنَي حارثة، وأقام له ببابل، وأقبلَ هُرمز جاذويه، وعلى مجنَّبَتيه

стр. 887

الكوكبد والخرُكبْذ. وكتب إلى المثنَّى: من شهر براز إلى المثنَّى؛ إني قد بعثتُ إليك جندًا من وخش أهل فارس، إنما هم رُعاة الدّجاج والخنازير؛ ولست أقاتلك إلّا بهم. فأجابه المثنَّى: من المثنَّى إلى شهر براز؛ إنما أنتَ أحدُ رجلين: إما باغٍ فذلك شرٌّ لك وخيرٌ لنا، وإمَّا كاذب فأعظم الكذّابين عقوبةً وفضيحة عند الله في الناس الملوك. وأما الذي يدلّنا عليه الرأي؛ فإنَّكم إنما اضطررتم إليهم؛ فالحمد لله الذي ردّ كيدكم إلى رعاة الدّجاج والخنازير. فجزع أهلُ فارس من كتابه، وقالوا: إنما أتِيَ شهربراز من شؤم مولده ولؤم مَنشئه - وكان يسكن ميسان - وبعض البلدان شَينٌ على مَنْ يسكنه. وقالوا له: جرّأت علينا عدوَّنا بالَّذي كتبت به إليهم؛ فإذا كاتبت أحدًا فاسْتَشِرْ. فالتقوْا ببابل، فاقتتلوا بعُدوة الصَّراة الدُّنيا على الطريق الأوّل قتالًا شديدًا. ثم إن المثنّى وناسًا من المسلمين اعتورُوا الفيل - وقد كان يفرّق بين الصفوف والكراديس - فأصابوا مقتَله، فقتلوه وهزموا أهلَ فارس، واتّبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى جازوا بهم مسالِحَهُمْ، فأقاموا فيها، وتتبَّع الطلب الفالَّة؛ حتى انتهوْا إلى المدائن؛ وفي ذلك يقول عَبْدة بن الطبيب السعديّ، وكان عَبْدة قد هاجَر لمهاجَرة حليلة له حتى شهد وقعة بابل؛ فلما آيسته رجع إلى البادية، فقال: هل حَبْلُ خَولَة بَعْدَ البَيْن موصولُ ... أم أنت عنها بَعِيدُ الدارِ مشغولُ! وللأَحِبَّة أيّامٌ تَذكَّرُها ... وللنّوى قبل يوم البين تأويل حَلَّتْ خُوَيلةُ في حَيّ عَهِدتهُمُ ... دُونَ المَدائنِ فيها الدِّيكُ والفيلُ يُقارِعون رؤوَس العُجْم ضاحِيَةً ... مِنْهُم فوارِسُ لا عُزلٌ ولا مِيلُ القصيدة. وقال الفرزدق يعدّد بيوتات بكر بن وائل وذكر المثنّى وقَتْلَه الفيل: وبَيْتُ المُثنّى قاتِلِ الفيلِ عَنْوةً ... ببابلَ إذ في فارِسٍ مُلكُ بابِل ومات شهر براز منهزَمَ هرمز جاذويه. واختلف أهل فارس، وبقي ما دون دِجْلة وبُرْس من السَّواد في يدي المثنَّى والمسلمين.

стр. 888

ثم إنّ أهل فارس اجتمعوا بعد شهر براز على دُخْت زَنان ابنة كسرى؛ فلم ينفذ لها أمرٌ فخُلعت. ومُلِّكَ سابور بن شهربراز. قالوا: ولما ملك سابور بن شهر براز قام بأمره الفَرُّخزاذ بن البِنْدَوان، فسأله أن يزوّجه آزَرْمِيدُخْت ابنة كِسْرى، ففعل، فغضبت من ذلك، وقالت: يا بن عَمّ! أتزوّجني عبدي؟ ! قال: استحْيِي من هذا الكلام ولا تعيديه عليّ، فإنَّه زوجُك، فبعثت إلى سِياوَخْش الرازيّ - وكان من فتَّاك الأعاجم - فشكَتْ إليه الَّذي تخاف، فقال لها: إن كنتِ كارهة لهذا فلا تعاودِيه فيه، وأرسلي إليه وقولي له: فليقل له فليأتك؛ فأنا أكفيكه. ففعلت وفعل؛ واستعدّ سياوَخْش، فلمَّا كان ليلة العُرْس أقبل الفرُّخزاذ حتى دخلَ، فثار به سياوَخْش فقتله ومَن معه، ثم نَهدَ بها معه إلى سابور، فحضرته ثم دخلوا عليه فقتلوه، ومُلّكَتْ آزر ميدخت بنت كسرى، وتشاغلوا بذلك؛ وأبطأ خبر أبي بكر على المسلمين فخلّف المثنّى على المسلمين بشير بن الخصاصيَّة، ووضع مكانه في المسالح سعيدَ بن مُرّة العِجْلي؛ وخرج المثنَّى نحو أبي بكر ليخبره خبر المسلمين والمشركين، وليستأذنه في الاستعانة بمن قد ظهرت توبتُه وندمُه من أهل الرّدة مِمن يستطعمه الغزوَ، وليخبره أنه لم يخلّف أحدًا أنشط إلى قتال فارس وحربهما ومعونة المهاجرين منهم. فقدم المدينة وأبو بكر مريض، وقد كان مرض أبو بكر بعد مخرج خالد إلى الشام - مرضته التي مرض فيها - بأشهر، فقدم المثنَّى وقد أشفى، وعقد لعمر، فأخبره الخبر، فقال: عليّ بعمر، فجاء فقال له: اسمع يا عمر ما أقول لك، ثم اعمل به، إنِّي لأرجُو أن أموتَ من يومي هذا - وذلك يوم الإثنين - فإن أنا مِتّ فلا تمسينّ حتى تندُب الناس مع المثنَّى، وإن تأخِّرتُ إلى الليل فلا تُصْبحنّ حتى تندب الناس مع المثنَّى، ولا تشغلنَّكم مصيبة وإن عَظُمت عن أمر دينكم، ووصية ربِّكم، وقد رأيتُنِي متوفَّى رسولِ الله ﷺ وما صنعت، ولم يصَب الخلق بمثله؛ وبالله لو أنِّي أنِي عن أمر رسوله؛ لخذلَنا، ولعاقبَنا، فاضطرمت المدينة نارًا. وإن فتح الله على أمراء الشام؛ فاردُدْ أصحابَ خالد إلى العراق، فإنَّهم أهله وولاة أمره وحدّه وأهل الضّراوة منهم والجراءة عليهم. ومات أبو بكر ﵀ مع الليل، فدفنه عمرُ ليلًا، وصلى عليه في المسجد، وندب الناس مع المثنَّى بعد ما سُوِّيَ على أبي بكر، وقال عمر: كان

стр. 889

أبو بكر قد عَلِم أنه يَسُوءني أنْ أؤمّر خالدًا على حرب العراق؛ حين أمرني بصرف أصحابي، وترَك ذكره. قال أبو جعفر: وإلى آزر ميدخت انتهى شأن أبي بكر، وأحدُ شِقَّي السَّواد في سلطانه، ثم مات وتشاغل أهلُ فارس بينهم عن إزالة المسلمين عن السَّواد، فيما بين ملك أبي بكر إلى قيام عمر ورجوع المثنَّى مع أبي عبيد إلى العراق، والجمهور من جُنْد أهل العراق بالحيرة، والمسالح بالسّيب، والغارات تنتهي بهم إلى شاطئ دِجْلة، ودجلة حجاز بين العرب والعجم. فهذا حديث العراق في إمارة أبي بكر من مبتدئه إلى منتهاه (١). (٣: ٤١١/ ٤١٢ / ٤١٣/ ٤١٤). ٦١ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا سَلَمة عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزُّبَير، عن عُروة بن الزبير: أنَّه قال: كان على الرّوم رجل منهم يقال له: القُبُقْلار؛ وكان هِرَقل استخلفه على أمَرَاء الشام حين سار إلى القسطنطينيّة، وإليه انصرف تذَارق بمنْ معه من الروم. فأمّا علماء الشام فيزعُمون أنّما كان على الرّوم تَذارِق. والله أعلم (٢). (٣: ٤١٧). ٦٢ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن محمّد بن إسحاق، عن محمّد بن جعفر بن الزبير، عن عُروة، قال: لما تدانَى العسكران بعث القُبُقْلار رجلًا عربيًّا - قال: فحدّثت: أنّ ذلكَ الرجل رجلٌ من قضاعة من تزيد بن حَيدَان، يقال له ابن هزارف - فقال: ادْخُل في هؤلاء القوم فأقم فيهم يومًا وليلة، ثم ائتني بخبرهم. قال: فدخل في النَّاس رجلٌ عربي لا ينكَر؛ فأقام فيهم يومًا وليلة، ثم أتاه فقال له: ما وراءك؟ قال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سَرق ابنُ ملكهم قطعوا يده، ولو زنى رُجِم؛ لإقامة الحقّ فيهم. فقال له القبقلار: لئن كنتَ صدقتني لبَطنُ الأرض خيرٌ من لقاء هؤلاء على ظهرها، ولودِدْتُ: أنّ حظّي من الله أن يخلَّى بيني وبينهم، فلا ينصرني عليهم، ولا ينصُرهم عليّ. قال: ثم تزاحف النَّاس، فاقتتلوا، فلما رأى القُبُقْلار ما رأى من قتال المسلمين؛ قال للروم: لفُّوا رأسِي بثوب، قالوا له: لِمَ؟ قال: يوم البئيس، لا أحبّ أن أراه!

стр. 890

ما رأيت في الدُّنيا يومًا أشدّ من هذا! قال: فاحتزَّ المسلمون رأسَه، وإنّه لملفَّف. وكانت [وقعة] أجنادين في سنة ثلاث عشرة لليلتين بقِيَتَا من جُمادى الأولى. وقتل يومئذ من المسلمين جماعةٌ؛ منهم سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبّار بن الأسود بن عبد الأسد، ونعيم بن عبد الله النحَّام، وهشام بن العاصي بن وائل، وجماعة أخَر من قُريش. قال: ولم يسمَّ لنا من الأنصار أحدٌ أصيب بها. وفيها تُوُفِّي أبو بكر لثمانِ ليالٍ بقينَ -أو سبع بقينَ- من جُمادى الآخرة (١). (٣: ٤١٧/ ٤١٨).

стр. 891

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 893

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 894

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 895

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 896

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 898

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 899

ذكر مرض أبي بكر ووفاته ٦٣ - وقال غير مَن ذكرت في سبب مرض أبي بكر الذي توفي فيه ما حدّثني الحارثُ، قال: حدّثَنا ابنُ سعد، قال: أخبَرنَا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد الليثيّ عن محمد بن حمزة، عن عمرو، عن أبيه، قال: وأخبرنا

стр. 900

محمَّد بن عبد الله، عن الزُّهريِّ، عن عروة، عن عائشة. قال: وأخبَرنا عمر بن عمران بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عمر بن الحسين مولى آل مظعون، عن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، قالوا: كان أوّل ما بدَأ مرضُ أبي بكر به أنَّه اغتسلَ يوم الإثنين لسبع خَلَوْن من جمُادى الآخرة، وكان يومًا باردًا فَحُمّ خمسة عشر يومًا لا يخرج إلى الصلاة؛ وكان يأمر عمر بن الخطاب أن يُصَلِّي بالنَّاس؛ ويدخل الناس يعودونه؛ وهو يَثْقل كلّ يوم، وهو نازل في داره التي قطع له رسول الله ﷺ وجَاه دار عثمان بن عفان اليوم، وكان عثمان ألزمهم له في مرضه؛ وتوفي أبو بكر مُسْيَ ليلة الثلاثاء؛ لثماني ليالٍ بقين من جُمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة. وكانت خلافتُه سنتين وثلاثة أشهر وعشر ليال (١). (٣: ٤١٩/ ٤٢٠). ٦٤ - وكان أبو مَعْشَر يقول: كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال، فتُوُفِّي، وهو ابن ثلاث وستين سنة؛ مجتمَعٌ على ذلك في الروّايات كلِّها، استوفى سنّ النبي ﷺ ، وكان أبو بكر وُلد بعد الفيل بثلاث سنين (٢). (٣: ٤٢٠). ٦٥ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا جَرير عن يحيى بن سعيد، قال: قال سعيد بن المسيَّب: استكمل أبو بكر بخلافته سنَّ رسول الله ﷺ فتوفِّيَ وهو بسنّ النبي ﷺ (٣). (٣: ٤٢٠). ٦٦ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم عن يونس بن إسحاق، عن أبي السَّفر، عن عامر، عن جرير، قال: كنت عند معاوية فقال: توفِّيَ النَّبيّ ﷺ وهو ابنُ ثلاث وستين سنة، وتوفِّيَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين سنة، وقتل عمر وهو ابن ثلاث وستين سنة (٤). (٣: ٤٢٠).

стр. 901

٦٧ - وحدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق، عن عامر بن سعد، عن جرير، قال: قال معاوية: قُبِض رسولُ الله ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وقُتِل عمر وهو ابن ثلاث وستين، وتُوفِّيَ أبو بكر وهو ابن ثلاث وستين (١). (٣: ٤٢٠). ٦٨ - وقال عليّ بن محمد في خبره الذي ذكرت عنه: كانت ولاية أبي بكر سنتين وثلاثة أشهر وعشرين يومًا، ويقال: عشرة أيام (٢). (٣: ٤٢٠). ذكر الخبر عمّن غسَّله والكفن الذي كفّن فيه أبو بكر ومن صلَّى عليه والوقت الذي صلِّي عليه فيه والوقت الذي توفِّي فيه ٦٩ - حدّثني الحارث، عن ابن سعد، قال: أخبرَنا محمد بن عمر، قال: حدّثني مالك بن أبي الرّحَّال عن أبيه، عن عائشة، قالت: توفِّي أبو بكر ﵀ بين المغرب والعشاء (٣). (٣: ٤٢١). ٧٠ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حدَّثنا يحيى بن واضح عن محمد بن عبد الله، عن عطاء وابن أبي مُلَيكة: أنّ أسماءَ بنت عُمَيس، قالت: قال لي أبو بكر: غَسِّليني، قلت: لا أطيق ذلك، قال: يعينُك عبد الرحمن بن أبي بكر، يصبّ الماء (٤). (٣: ٤٢١).

стр. 902

٧١ - حدَّثنا ابنُ وكيع، قال: حدَّثنا ابن عُيينة عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، سألها أبو بكر: في كم كُفّن النبيّ ﷺ ؟ قالت: في ثلاثة أثواب، قال: اغسلوا ثوبَيَّ هذين -وكانا ممشَّقَين- وابتاعوا لي ثوبًا آخر. قلت: يا أبَهْ! إنَّا موسرون، قال: أي بُنيَّة! الحيُّ أحقُّ بالجديد من الميِّت، وإنما هما للمُهْلة والصَّديد (١). (٣: ٤٢١). ٧٢ - حدّثني العبَّاس بن الوليد، قال: أخبرَنا أبي قال: حدَّثنا الأوزاعيّ؛ قال: حدّثني عبد الرحمن بن القاسم: أنّ أبا بكر توُفِّيَ عشاءً بعد ما غابت الشمس ليلَةَ الثلاثاء، ودفن ليلًا ليلة الثلاثاء (٢) (٣: ٤٢١). ٧٣ - حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا غَنَّام عن هشام، عن أبيه: أنّ أبا بكر مات ليلة الثلاثاء ودُفن ليلًا (٣). (٣: ٤٢١). ٧٤ - حدّثني أبو زيد، عن عليّ بن محمد بإسناده الذي قد مَضَى ذكرِه: أنّ أبا بكر حُمِلَ على السَّرِير الذي حُمِل عليه رسولُ الله ﷺ ، وصلَّى عليه عمر في مسجد رسولِ الله ﷺ ، ودخل قبره عمر، وعثمان؛ وطلحة؛ وعبد الرحمن بن أبي بكر؛ وأراد عبد الله أن يدخلَ قَبره، فقال له عمر: كُفِيت (٤). (٣: ٤٢٢).

стр. 903

٧٥ - حدّثني عليّ بن مسلم الطوسيّ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُدَيك، قال: أخبرني عمرو بن عثمان بن هانئ عن القاسم بن محمد، قال: دخلتُ على عائشة رضي الله تعالى عنها، فقلت: يا أمَّهْ! اكشفي لي عن قبر النبيّ ﷺ وصاحبيه؛ فكشفت لي عن ثلاثة قبور، لا مُشرِفَة ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العَرْصة الحمراء؛ قال: فرأيتُ قبرَ النبيّ ﷺ مقدَّمًا وقبر أبي بكر عند رأسه، وعمر رأسه عند رِجْلِ النبيّ ﷺ (١). (٣: ٤٢١/ ٤٢٢). ذكر نسب أبي بكر واسمِه وما كان يُعرف به ٧٦ - حدّثني أبو زيد، قال: حدَّثنا عليّ بن محمد بإسناده الذي قد مَضى ذكرُه: أنَّهم أجمعوا على أن اسم أبي بكر عبد الله، وأنه إنما قيل له: عَتيق عن عتقه. قال: وقال بعضهم: قيل له ذلك، لأنّ النبيّ ﷺ قال له: أنت عَتِيقٌ من النار (٢). (٣: ٤٢٤). ٧٧ - حدّثني الحارثُ، عن ابن سعد، عن محمد بن عمر، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحة عن معاوية بن إسحاق، عن أبيه، عن عائشة: أنها سُئلت: لِمَ سُمِّيَ أبو بكر عتيقًا؟ فقالت: نظر إليه النبيّ ﷺ يومًا، فقال: هذا عتيق الله من النار.

стр. 904

واسم أبيه عثمان، وكنيته أبو قحافة، قال: فأبو بكر عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تَيم مُرّة بن كعب بن لُؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك، وأمُّه أمّ الخير بنت صَخْر بن عامر بن كعب بن سَعْد بن تَيم بن مُرّة (١). (٣: ٤٢٥). ٧٨ - وقال الواقديّ: اسمه عبد الله بن أبي قُحافة -واسمه عثمان- بن عامر. وأمّه أمّ الخير، واسمها سَلْمى بنت صَخْر بن عامر بن كعب بن سعد بن تَيم بن مُرّة (٢). (٣: ٤٢٥). ٧٩ - وحدثني يونس، قال: أخبرَنا ابن وَهْب، قال: أخبرَني ابن لَهيعة عن عُمارة بن غزيّة، قال: سألتُ عبدَ الرحمن بن القاسم عن اسم أبي بكر الصديق، فقال: عتيق؛ وكانوا إخوةً ثلاثة بني أبي قُحافة: عتيق، ومُعْتق، وعُتَيْق (٣). (٣: ٤٢٥).

стр. 905

ذكر أسماء قضاته وكتّابه وعُمَّاله عل الصدقات ٨٠ - حدَّثنا محمد بن عبد الله المُخَرّمي، قال: حدَّثنا أبو الفتح نَصْر بن المغيرة، قال: قال سفيان -وذكره عن مِسْعَر: لمَّا ولي أبو بكر؛ قال له أبو عبيدة: أنا أكفيك المال -يعني: الجزاء- وقال عمر: أنا أكفيك القضاء. فمكث عمر سنةً لا يأتيه رجلان (١). (٣: ٢٦). ٨١ - قال أبو جعفر: وكان ﵁ سخيًّا ليِّنًا، عالمًا بأنساب العرب؛ وفيه يقول خِفاف بن نَدْبة -ونَدْبة أمُّه، وأبوه عمير بن الحارث- في مرثيته أبا بكر: أبْلَجُ ذو عُرْفٍ وذو مُنكَرٍ ... مُقَسّمُ المعروف رَحْبُ الفِناء للمجْدِ في منزلِهِ بادِيًا ... حوْضٌ رفيعٌ لم يَخُنْهُ الإزاء واللهِ لا يُدْرِكُ أيَّامَهُ ... ذو مِئزَرٍ حافٍ ولا ذو رِدَاء مَنْ يَسْعَ كي يُدْرِكَ أيّامَهُ ... يجْتَهِدِ الشَّدَّ بأرضٍ فَضاء (٣: ٤٢٧) (٢). ٨٢ - وكان -فيما ذكر الحارث عن ابن سعد، عن عمرو بن الهيثم أبي قَطَن؛ قال: حدثنا الربيع عن حَيَّان الصائغ، قال: كان نقش خاتم أبي بكر ﵀: "نعم القادر الله" (٣) (٣: ٤٢٧). ٨٣ - قالوا: ولم يعش أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر وأيامًا، وتوفي في المحرم سنة أربع عشرة بمكة وهو ابن سبع وتسعين سنة (٤) (٣: ٤٢٧). * * *

стр. 906

صحيح تاريخ عمر بن الخطاب ﵁

стр. 907

ذكر استخلاف عمر بن الخطاب (١) وعقد أبو بكر في مرضته التي توفي فيها لعمر بن الخطاب ٨٤ - قال أبو جعفر: وقال الواقديّ: حدّثني إبراهيم بن أبي النّضر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، قال: دعا أبو بكر عثمان خاليًا، فقال: اكتُب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قُحافة إلى المسلمين، أمَّا بعد. قال: ثمّ أغمِيَ عليه، فذهب عنه، فكتب عثمان: أمَّا بعد؛ فإني قد استخلفتُ عليكم عمرَ بن الخطاب، ولم آلُكم خيرًا منه، ثم أفاق أبو بكر، فقال: اقرأ عليّ، فقرأ عليه،

стр. 908

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 909

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 910

فكبَّر أبو بكر، وقال: أراك خِفْتَ أن يختلف الناس إن افتُلتتْ نفسي في غَشيتي! قال: نعم، قال: جزاك الله خيرًا عن الإسلام وأهله، وأقرّها أبو بكر ﵁ من هذا الموضع (١). (٣: ٤٢٩).

стр. 911

٨٥ - قال أبو جعفر: وكان أبو بكر قبل أن يشتغل بأمور المسلمين تاجرًا، وكان منزله بالسُّنْح، ثم تحوّل إلى المدينة. فحدّثني الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة عن مَرْوان بن أبي سعيد بن المعلَّى، قال: سمعتُ سعيد بن المسيَّب قال: وأخبرنا مُوسى بن محمَّد بن إبراهيم عن أبيه، عن عبد الرحمن بن صبيحة التميميّ، عن أبيه، قال: وأخبرَنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: وأخبَرنا محمد بن عبد الله عن الزهريّ، عن عُرْوة، عن عائشة، قال: وأخبرنا أبو قُدامة عُثْمان بن محمد عن أبي وَجْزة، عن أبيه؛ قال: وغير هؤلاء أيضًا قد حدّثني ببعضه، فدخلَ حديثُ بعضهم في حديث بعض، قالوا: قالت عائشةُ: كان منزل أبي بالسُّنْح عند زوْجته حَبيبة بنة خارجة بن زيد بن أبي زُهير من بني الحارث بن الخزرج، وكان قد حجَّر عليه حُجرة من سَعَف؛ فما زادَ على ذلك حتى تحوّل إلى منزله بالمدينة؛ فأقام هنالك بالسُّنْح بعد ما بويع له ستَّة أشهر، يغدُو على رجليه إلى المدينة، وربما ركب على فرس له، وعليه إزار ورِداء ممشَّق، فيوافِي المدينةَ فيصلي الصَّلَواتِ بالنَّاس، فإذا صلَّى العشاء؛ رجع إلى أهله بالسُّنْح؛ فكان إذا حَضر صلَّى بالناس وإذا لم يحضر صلَّى بهم عمر بن

стр. 912

الخطاب. قال: فكان يُقيم يوم الجمعة صدرَ النَّهار بالسُّنح يصبغ رأسه ولحيته ثم يروح لقَدَر الجمعة، فيُجمِّع بالنَّاس. وكان رجلًا تاجرًا، فكان يغدُو كلّ يوم إلى السوق، فيبيع ويبتاع؛ وكانت له قطعة غنم تروحُ عليه؛ وربَّما خرج هو بنفسه فيها؛ وربما كُفِيَهَا فرُعيت له، وكان يحلب للحيّ أغنامَهم، فلمَّا بويع له بالخلافة قالتْ جارية من الحيّ: الآن لا تُحْلبُ لنا منائحُ دارنا، فسمعها أبو بكر، فقال: بلَى لعمري لأحلبنّها لكم؛ وإني لأرجو ألّا يغيِّرني ما دخلت فيه عن خُلق كنت عليه. فكان يحلُب لهم، فربما قال للجارية من الحيّ: يا جارية! أتحبّين أن أرعَى لك، أو أصرِّح؟ فربما قالت: ارْعَ، وربما قالت: صرّح؛ فأيّ ذلك قالتْه فعل؛ فمكث كذلك بالسُّنْح ستَّة أشهر؛ ثم نزل إلى المدينة، فأقام بها، ونَظَر في أمرِه، فقال: لا والله، ما تصلِح أمور الناس التِّجارة، وما يصلِحُهم إلّا التفرُّغ لهم والنَّظر في شأنهم، ولا بدّ لعيالي مما يُصلِحُهم. فترك التجارة واستنفق من مال المسلمين ما يُصلِحُه ويُصْلح عياله يومًا بيوم، ويحجّ ويعتمر. وكان الذي فرضوا له في كلّ سنة ستَّة آلاف درهم؛ فلما حضرتْه الوفاة، قال: ردُّوا ما عندَنا من مال المسلمين؛ فإني لا أصيبُ من هذا المال شيئًا، وإنّ أرضي الَّتي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم؛ فدفع ذلك إلى عمر، ولقوحًا وعبدًا صَيقلًا، وقطيفة ما تُساوي خمسة دراهم؛ فقال عمر: لقد أتعب مَن بعده (١). (٣: ٤٣١/ ٤٣٢ / ٤٣٣). ٨٦ - وقال عليّ بن محمد -فيما حدّثني أبو زيد عنه في حديثه عن القوم الذين ذكرتُ روايته عنهم- قال أبو بكر: انظروا كم أنفقت منذ وُلِّيتُ من بيت المال فاقضوه عنِّي. فوجدوا مبلَغه ثمانية آلاف درهم في ولايته (٢). (٣: ٤٣٣).

стр. 913

٨٧ - حدَّثنا ابنُ حُميد، قال: حَدّثنا سَلمة عن ابن إسحاق، عن الزهريّ، عن القاسم بن محمد، عن أسماءَ بنة عُمَيس، قالت: دخل طلحة بن عبيد الله على أبي بكر، فقال: استخلفتَ على الناس عُمر، وقد رأيتَ ما يلقى الناس منه وأنت معه؛ فكيف به إذا خلا بهم! وأنت لاقٍ ربَّك فسائلك عن رعيَّتك؟ ! فقال أبو بكر -وكان مضطجعًا: أجلسوني، فأجلسوه، فقال لطلحة: أبالله تفرّقني؟ ! -أو أبالله تخوّفني؟ ! - إذا لقيت الله ربِّي فساءلني قلت: استخلفتُ على أهلِك خيرَ أهلك (١). (٣: ٤٣٣). ٨٨ - حدَّثنا ابنُ حميد، قال: حدَّثنا سلَمة عن ابن إسحاق، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن الحصين بمثل ذلك (٢) (٣: ٤٣٣).

стр. 914

٨٩ - قال أبو جعفر: قد تقدّم ذكرنا وقت عقد أبي بكر لعُمر بن الخطاب الخلافة، ووقت وفاة أبي بكر، وأنّ عمر صلَّى عليه، وأنه دفن ليلةَ وفاته قبل أن يُصْبح الناس، فأصبح عمر صبيحةَ تلك الليلة، فكان أوّل ما عمل وقال -فيما ذُكِر- ما حدثنا أبو كُرَيب، قال: حدَّثنا أبو بكر بن عيّاش عن الأعمش، عن جامع بن شدّاد، عن أبيه؛ قال: لمَّا استُخلِف عمر صعِد المنبر، فقال: إني قائل كلمات فأمِّنوا عليهنّ، فكان أوّل منطق نطق به حين استُخلِف (١). (٣: ٤٣٣). ٩٠ - حدَّثنا عمر، قال: حدّثني عليّ عن عيسى بن يزيد، عن صالح بن كيسان، قال: كان أوّل كتاب كتبه عمر حين وُلِّي إلى أبي عبيدة يولِّيه على جند

стр. 915

خالد: أوصيك بتقوى الله الذي يبقَى ويفنَى ما سواه؛ الذي هدانا من الضّلالة، وأخرجَنا من الظُّلمات إلى النور. وقد استعملتك على جُنْد خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحقّ عليك، لا تُقدِّم المسلمين إلى هَلَكة رجاء غنيمة؛ ولا تُنزلهم منزلًا قبل أن تستريده لهم؛ وتعلمَ كيف مأتاه؛ ولا تبعث سريّة إلا في كَثْف من الناس؛ وإيّاك وإلقاء المسلمين في الهلَكة، وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك؛ فغمِّضْ بَصَرك عن الدنيا، وألْه قلبك عنها؛ وإيّاك أن تُهلِكَك كما أهلكتْ مَن كان قبلك، فقد رأيتَ مصارعَهم (١). (٣: ٤٣٤). ذكر غزوة فِحْل وفتح دمشق ٩٠ / أ- حدّثني عمر عن عليّ بن محمد بإسناده، عن النّفر الذين ذكرت
следующие страницы →