← Фараид

Фараид · id 14543

لمحات مهمة في الوصية

سليمان الجاسر

Полный текст (55 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلة إصدارات مَرْكَز وَاقِف (١) لمحات مهمة فِي الْوَصِيَّة جمع وإعداد الْفَقِير إِلَى عَفْو ربه سُلَيْمَان بن جاسر بن عبد الْكَرِيم الجاسر المشرف على مَرْكَز وَاقِف (خبراء الْوَصَايَا والأوقاف) مدَار الوطن للنشر

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهدِ الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١]. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. وبعد: فقد أعلم الله أنه جعل المال قوامًا للأنفس وأمر بحفظه، ونهى أن يؤتى المال السفهاء من النساء والأولاد وغيرهم، وقد مدحه النبي ﷺ إذا كان من كسب حلال ووضع في حلال فقال: «نعم المال الصالح للمرء الصالح» (١).

стр. 3

وقال سعيد بن المسيب: لا خير في من لا يريد جمع المال من حله، يكف به وجهه عن الناس، ويصل به رحمه، ويعطي حقه (١). * وهذه مسائل مختصرة في الوصية، أردت بها تسهيل مهمات المسائل فيها على العامة، ولم أُغفل نكاتًا تقود الخواص إلى معرفة دقائق المسائل والتنبيه على مآخذ الخلاف. أسأل الله أن ينفع بها الكاتب والقارئ، وأن يجعلها لوجهه الكريم خالصة صالحة، ولعباده المؤمنين نافعة، وأن يستعمل الجميع في طاعته، ويعصمنا من إهمال العمر وإضاعته، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وكتبه الفقير إلى عفو ربه أبو عبد الرحمن سليمان بن جاسر الجاسر غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين

стр. 4

تعريف الوصية: الوصية لغة: أصل الوصية من الوصل، قال ابن فارس: «الواو والصاد والياء أصل يدل على وصل شيء بشيء، ووصيت الشيء وصلته» (١) وقال الزمخشري: «وصى الشيء بالشيء: وصله به، وأوصيت إلى زيدٍ لعمرو بكذا، ووصَّيت، وهذا وصييّ، وهم أوصيائي، وهذه وصيتي ووصاتي، وقبل الوصي وصايته» (٢). وأوصيت إليه إذا جعلته وصيّاً (٣). ويقال (وصيّة) بالتشديد، و (وصاة) بالتخفيف بغير همز. الوصية اصطلاحًا: هي: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت عن طريق التبرع، سواء كان ذلك في الأعيان أو في المنافع (٤). سبب التسمية: وسميت وصية؛ لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته (٥).

стр. 5

وعرَّفها بعضهم: بأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت بطريق التبرع. ومن هذا التعريف يتبين الفرق بين الهبة والوصية، فالتمليك المستفاد من الهبة يثبت في الحال، أم التمليك المستفاد من الوصية فلا يكون إلا بعد الموت، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالهبة لا تكون إلا بالعين، والوصية تكون بالعين وبالدَّين وبالمنفعة (١). الفرق بين الوصية والوقف: • الوصية تدخلها الأحكام التكليفية الخمسة كما تقدم، أما الوقف فإنه في الأصل مستحب، وقد يكون حرامًا أو مكروهًا. • الوصية لا يعمل بها إلا بعد الموت، أما الوقف فيعمل به حال العزم عليه. • الوصية يجوز للموصي الرجوع فيها بعد إنشائها، أما الوقف فلا. • الوصية لا تجوز إلا بالثلث فأقل، أما الوقف فإنه لا حد لأكثره. الموصى له بالمنفعة يملك الإجازة والإعارة، والسفر بها، وتورث عنه، أما الوقف فإنا الموقف عليه لا يملك إجارتها ولا إعارتها ولا تورث عنه لا يملكه إجازةً ولا إعارةً ولا يورث عنه (٢). • الوصية لا تجوز للورثة أما الوقف فيجوز عليهم. • الوصية تجوز بما لا يقدر على تسليمه كجمل شارد وطير في الهواء (أما الوقف فليس كذلك).

стр. 6

الأدلة على مشروعية الوصية: الوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول (١). أولًا: الأدلة من الكتاب: ١ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. عن بن عباس ﵄: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ يعني مالًا (٢)، وقال القرطبي: الخير هنا المال من غير خلاف (٣). والمراد بحضور الموت: حضور أسبابه وأماراته من العلل والأمراض المخوفة، وليس المراد منه معاينة الموت؛ لأنه في ذلك الوقت يعجز عن الإيصاء (٤). ٢ - قوله تعالى في توزيع الميراث والتركة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، وقوله : ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، فهذان النصان جعلا الميراث حقًا مؤخرًا عن تنفيذ الوصية وأداء الدين. فدل على مشروعيتها. ٣ - وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ

стр. 7

حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، ففي الآية مشروعية الوصية، حيث بين سبحانه مشروعية الإشهاد عليها، وعدد شهودها، فدل ذلك على مشروعيتها وأهميتها. ثانيًا: الأدلة من السنة: ما رواه ابن عمر ﵂ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» (١). وفي لفظ عند مسلم: «له شيء يريد أن يوصي فيه» (٢). ومعنى الحديث أن الحزم هو هذا، فقد يفاجؤه الموت. قال الشافعي: ما الحزم والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده، إذا كان له شيء يريد أن يوصي فيه، لأنه لا يدري متى تأتيه منيته فتحول بينه وبين ما يريد من ذلك (٣). زاد مسلم (٤) عن ابن عمر ﵄: «ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله ﷺ قال ذلك إلا وعندي وصيتي». وأخرج البخاري- ومسلم بنحوه- عن سعد بن أبي وقاص ﵄ قال: مرضت فعادني النبي ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن لا يردني على

стр. 8

عقبي، قال: «لعل الله أن يرفعك ويرفك بك ناسًا»، قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، فقلت: أوصي بالنصف؟ قال: «النصف كثير»، قلت: فالثلث؟ قال «الثلث، والثلث كثير- أو كبير-»، قال: فأوصى الناس بالثلث فجاز ذلك لهم (١). وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات على وصية مات على سبيل وسنة ومات على تقى وشهادة، ومات مغفورًا له» (٢). وقال الحسن: «المؤمن لا يأكل في كل بطنه، ولا تزال وصيته تحت جنبه» (٣). ثالثًا: الإجماع: فقد حكاه غير واحد من أهل العلم، قال ابن عبد البر: «واتفق فقهاء الأمصار على أن الوصية مندوب إليها، ومرغوب فيها، وأنها جائزة لمن أوصى في كل ماله، قل أو كثر، ما لم يتجاوز الثلث» (٤). وقال ابن قدامة: «وأجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية» (٥). وفي الاستذكار (٦): «وأجمع الجمهور على أن الوصية غير واجبة على أحد

стр. 9

إلا أن يكون عليه دين، أو يكون عنده وديعة أو أمانة، وشذَّ أهل الظاهر فأوجبوها فرضا لمن ترك مالًا كثيرًا». وصية الصحابة ﵃: انتقل الرسول ﷺ إلى الرفيق الأعلى ولم يوص لأنه لم يترك مالًا يوصي به. روى البخاري عن ابن أبي أوفى أنه ﷺ لم يوصل، قال العلماء في تعليل ذلك: لأنه لم يترك بعده مالًا. كما صح بذلك الحديث عن عمرو بن الحارث (١)، الحارث (٢)، وعائشة (٢)، وطلحة بن مصرف (٣)، ﵃. وأما الأرض فقد كان سبلها (وقفها)، وأما السلاح والبغلة فقد أخبر أنها لا تورث عنه بل جميع ما يخلفه صدقة ذكره النووي. أما الصحابة ﵃ فقد كانوا يوصون ببعض أموالهم تقربًا إلى الله. وكانت لهم وصية مكتوبة لمن بعدهم من الورثة. قال النخعي: مات رسول الله ﷺ ولم يوص، وقد أوصى أبو بكر فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا شيء عليه (٤). وأخرج عبد الرازق بسند صحيح أن أنسًا ﵁ قال: كونوا- أي الصحابة- يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ويشهد

стр. 10

أن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله، ويصلحوا ذات بينهم، ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه يعقوب ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢]. وتبع الصحابة في ذلك من بعدهم السلف الصالح، فقال الضحاك: «من مات ولم يوصِ لذوي قرابته فقد ختم عمله بمعصية» (١)، وقال مسروق: «أوص لذي قرابتك ممكن لا يرثك، ثم دع المال على ما قسمه الله عليه» (٢) رابعًا: المعقول: هو حاجة الناس إلى الوصية زيادة في القربات والحسنات وتداركًا لما فرط به الإنسان في حياته من أعمال الخير، وقد روي في الحديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم» (٣) فإن الإنسان مغرور بأمله، مقصر في عمله، فإذا عرض له المرض، وخاف الموت، احتاج إلى تلافي بعض ما فرط منه، من التفريط بماله، على وجه لو مضى فيه يتحقق مقصده المالي.

стр. 11

حكم الوصية: حكم الوصية له جانبان: أحدهما: من حيث الفعل أو الترك. والثاني: من حيث الأثر الشرعي المترتب عليها (١) وإليك بيان ذلك: أولًا: حكم الوصية من حيث الفعل أو الترك: وحكم الوصية من ناحية الفعل أو الترك يراد به الوصف الشرعي لها، والوصف الشرعي من حيث ذاته فيما يتعلق بالوصية لا خلاف بين الفقهاء في أنه يمكن أن يعتريها الأحكام التكليفية الخمسة (٢)، حيث يدور حكم الوصية بين الوجوب والاستحباب والكراهية والتحريم والإباحة. ١ - الوصية الواجبة (٣): تجب الوصية على من له مال يوصي فيه (٤)، وإذا كان على الإنسان حق لله تعالى ككفارة، أو دين لا بينه فيه أي أن يكون مدينًا ولا أحد يعلم عن دينه إلا الله والموصي وصاحب الدين فهنا تجب الوصية؛ لأن وفاء الدين واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

стр. 12

وكذا تجب الوصية للأقربين الذين ليس لهم حق في الإرث وكانوا فقرات والموصي غنيا فهنا تجب عليه الوصية لهؤلاء الأقارب. دليل ذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. ٢ - الوصية المستحبة: إذا كان الموصي ذا مال وورثته أغنياء وكذا أقاربه لا حاجة لهم بالمال، فهنا يستحب الوصية بما يراه الموصي نفعًا له بعد موته (١)، لحديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» (٢). ٣ - الوصية المكروهة (٣): وتكون مكروهة إذا كان مال الموصي قليلًا وورثته محتاجين، لأنه في هذه الحالة ضيق على الورثة، ولذا قال رسول الله ﷺ لسعد ﵁: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» (٤). كما تكره لأهل الفسق متى علم أو غلب على ظنه أنهم سيستعينون بها على الفسق والفجور، أما إذا غلب على ظنه صرفها في المباحات وفيما يساعده على البعد عن المعاصي والتوبة الخالصة والرجوع إلى الله فإنها تكون مباحة وقد

стр. 13

تصل إلى درجة الندب (١). ٤ - الوصية المحرمة (٢): وهي الوصية التي لا تجوز ويأثم صاحبها وهي أنواع: الأول: ما زاد على الثلث بلا إذن من الورثة لورود النهي عنه في حديث سعد ﵁ المتقدم فإن أذنوا فالصحيح جوازها. الثاني: إذا كانت لوارث، لقوله ﷺ : «لا وصية لوارث» (٣). الثالث: الوصية لأمر محرم كالوصية للكنيسة- مثلاً- أو بالسلاح لأهل الحرب؛ لأن ذلك لا يجوز في الحياة، فلا يجوز بعد الممات. لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. الرابع: تحرم إذا كان فيها إضرار بالورثة، لما روى عن عبد الرزاق عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة فإذا أوصى حافٍ في وصيته فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته فيختم له بخير عمل فيدخل الجنة»، قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] (٤).

стр. 14

٥ - الوصية المباحة: وهي ما عدا ذلك من الوصايا المتقدمة كأن يكون الموصي ماله قليل وورثته غير محتاجين، فهنا تباح الوصية. قيد: وتكون مباحة في الصور السابقة بشرط أن يكون الشيء الموصى به مباحًا أما إذا كان من أفعال القربات فإنها مستحبة. حكم الوصية المعلقة بشرط: تصح الوصية المضافة أو المعلقة بشرط أو المقترنة به متى كان الشرط صحيحًا، والشرط الصحيح: هو ما كان فيه مصلحة للموصي أو الموصى له أو لغيرها، ولم يكن منهيًا عنه، ولا منافيًا لمقاصد الشريعة. ومتى كان الشرط صحيحًا وجبت مراعاته ما دامت المصلحة منه قائمة. فإن زالت المصلحة المقصودة منه أو كان غير صحيح لم تجب مراعاته. (١) حكم الوصية من حيث الصفة الشرعية: وهو حكمها من حيث صفتها الشرعية ابتداءً، وقد اختلف فيها الفقهاء حسب النصوص الشرعية المتعلقة بها على النحو التالي: أولًا: أنها فرض على كل من ترك مالًا: وإلى هذا ذهب ابن حزم الظاهري، واستدل بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ ....﴾ [البقرة: ١٨٠]، وبقوله ﷺ : «ما حق امرئ

стр. 15

مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة» (١). واستنادًا إلى ما ثبت من وجوبها عن صحابة النبي ﷺ ، فقد روي القول بوجوب الوصية عن ابن عمر وطلحة والزبير، وعبد الله بن أبي أوفى، وبهذا قال كثير من التابعين منهم طلحة بن مصرف، وطاووس، والشعبي (٢). ثانيًا: أنها واجبة للوالدين والأقربين غير الوارثين . وإلى هذا ذهب داود الظاهري، وحُكي عن مسروق وطاووس، وإياس وقتادة وابن جرير الطبري، واستدل أصحاب هذا المذهب بقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وبحديث ابن عمر السابق: «ما حق امرئ مسلم ...» الحديث. ثالثًا: مذهب الأئمة الأربعة: ذهب الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشهورة إلى أن الوصية ليست واجبة ولا مفروضة على الموصي بعد آية المواريث التي نسخت وجوبها للوالدين والأقربين، وإنما يمكن أن تعتريها الأحكام التكليفية الخمسة حسبما يتعلق بها من قرائن وأفعال، وتتعلق بالموصي نفسه بناء على ما سبق ذكره وتوضيحه من قبل. وقال ابن عباس في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية. إنه منسوخ بقوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ﴾ الآية، ورووا من طرق أنه ﷺ قال:

стр. 16

«لا وصية لوارث» (١). وأجابوا عن حديث ابن عمر السابق في لفظ مسلم: «وصية يريد أن يوصي بها»، بأنها: «لو كانت واجبة لم يجعلها إلى إرادة الموصي، ولكان ذلك لازمًا على كل حال» (٢). والمذهب الراجح هو ما ذهب إليه الأئمة الأربعة. حكم الوصية بالمعنى الثاني وهو الأثر المترتب عليها (٣): لا خلاف بين الفقهاء في أن الحكم الشرعي للوصية بهذا المعنى الثاني إنما هو حدوث الملك للموصى له في الموصى به وقت الموت لا وقت الوصية، لأن الوصية ليست بتمليك في الحال، بل هي تمليك مضاف لما بعد الحياة بدون عوض (٤). كما اتفق الفقهاء على ضرورة الإيجاب بالوصية من الموصى لصحتها لأن إيجاب الموجب ركن في الوصية بالإجماع، ولكنهم اختلفوا في القبول لها هل يعتبر شرطًا في صحتها، أو ركنًا فيها أم لا، على النحو التالي: ١ - جمهور الفقهاء وهم الأئمة الأربعة يذهبون إلى أن الوصية إن كانت لغير معين كالفقراء لزمت بموت الموصي ولا تحتاج إلى قبول الموصى له حيث لا يعتبر القبول هنا ركنًا ولا شرطًا.

стр. 17

وأما إذا كانت الوصية لمعين فإنها تحتاج إلى قبول، ويكون القبول ضروريًا لصحتها ولزومها، سواء كان ركنًا أم شرطًا (١). ٢ - وذهب نفر من الحنفية إلى أن قبول الموصى له لا يعد ركنًا ولا شرطًا سواء كانت الوصية لمعين كمحمد بن فلان أو لغير معين كالفقراء والمساكين. وذلك لأن الوصية ركنها الإيجاب فقط ولا تحتاج إلى قبول (٢). ويتفق جميع الفقهاء على أن القبول لا يلزم الفور به بعد الموت وأنه إذا حدث القبول بعد الموت تأكد صحة الوصية ولزومها ودخولها في ملك الموصى له. ولكنهم اختلفوا فيما إذا تأخر القبول بها لفترة ثم تم القبول هل العبرة بوقت القبول في الملك أم بموت الموصي أم هما معًا. ١ - المالكية ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدهما: أن ملكها من حين الموت مطلقًا. والثاني: من وقت القبول. والثالث: اعتبارهما معًا (٣). ٢ - جمهور الفقهاء: وهو التفريق بين ما إذا كانت الوصية لمعين أو لغير معين، فإن كانت لمعين لزم القبول واعتبر من وقته حتى لا يؤدي التأخير إلى ضرر الورثة، ولحثه

стр. 18

على سرعة القبول أو الرد حتى تتحدد الحقوق بالنسبة لآثار المال الناتجة عنه. أما إن كانت الوصية لغير معين فإنها تلزم بالموت ولا تحتاج إلى قبول هذا يكون المرعى في المالكية هنا وقت الموت. وهو المذهب الراجح. فضل الوصية (١): قال الشعبي: «كان يقال: من أوصى بوصية فلم يَجُرْ ولم يحِفْ كان له من الأجر مثل ما إن لو تصدق به في حياته» (٢). نماذج من وصايا السلف: عن أنس ﵁ قال «هكذا كانوا يوصون: هذا ما أوصى به فلان بن فلان، أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. وأوصى من ترك بعده من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم، وأن يطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وأوصى إن حدث به حدث من وجعه هذا، أن حاجته كذا وكذا ...» (٣). وروى الدرامي بسنده وصية الربيع بن خشيم وهي (٤): «هذا ما أوصى به

стр. 19

الربيع بن خثيم وأشهد الله عليه، وكفى به شهيدًا وجازيًا لعباده الصالحين ومثيبًا فإني رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ ﷺ نبيًا، وإني آمر نفسي ومن أطاعني أن نعبد الله في العابدين، ونحمده في الحامدين، وأن ننصح لجماعة المسلمين» (١). الحكمة من الوصية (٢): مما ينبغي التنبيه عليه أن الله -تعالى- حينما تعبدنا بما أمرنا به فقد يبين لنا الحكمة من هذا الأمر أو هذا النهي وهذا موجود في كتاب الله -تعالى- كثير وقد لا يبين الحكمة في بعض الأوامر أو في بعض المنهيات لكن ليس معنى ذلك أننا نتوقف في فعل ما أمرنا به لعدم بيان الحكمة فيه بل نقوم بفعله وإن لم تظهر لنا الحكمة من تشريعه. ١ - ولما كانت الوصية من هذا النوع الأخير التي لم تأت نصوص الكتاب والسنة في بيان الحكمة من تشريعها أحببت أن أنبه على هذا الجانب فلو لم تظهر للبعض الحكمة من تشريعها فإن التشريع لها باقٍ مع العلم بأنه من نظر بعين البصيرة والفقه في الوصية وجد الكثير من جوانب الحكمة في تشريعها؛ فمن هذه الجوانب: ١. قال الله تعالى عن يعقوب ﵇: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].

стр. 20

فهذه وصية من يعقوب لأبنائه بالتمسك بعبادة الله وحده لا شريك له فهذه وصية جامعة للموصي والموصى إليه بل هي من أنفع الوصايا على الإطلاق, وللأسف غفل الكثير عن هذه الوصية ونظروا لما هو دونها في النفع فهي وصية الأولين والآخرين وأتباعهم بل هي وصية رب العالمين لعباده. فما ينبغي التفطن له أن يوصى أحدنا أولاده إذا حضرته الوفاة بما وصى به يعقوب أولاده لكي يثبتوا عليه حتى يلقوا ربهم . ٢ - ومن الحكمة في تشريعها أنها تبرأ بها ذمة الموصى مما يحدث بعد موته وبخاصة إذا كان في أماكن يكثر فيها الجهل بعقيدة التوحيد فالموصي يوصي أولاده مثلاً وكذا أقاربه ببراءته من الحالقة والشاقة والصالقة كما قال أبو موسى الأشعري ﵁ في مرض موته: «أنا بريء ممن برئ منه رسول الله ﷺ من الصالقة والحالقة والشاقة» (١) , وكذا براءته من دعوى الجاهلية الممقوتة فإذا وصي الموصي بعدم شق الجيوب ولطم الخدود وحلق الرؤوس وغيرها من الأمور المنهية شرعاً فإنه ينجو من عذاب القبر فإن النبي ﷺ قال: «إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه» (٢) , والمراد بالبكاء هنا هو المصحوب بما ذكرناه آنفاً فإذا وصى بعدم فعل هذه الأشياء وبراءته منها نجا بلا شك من العذاب المرتب على ذلك. ٣ - ومن حكمتها أنها عمل ينتفع به الميت بعد موته فلو أن أحد الموصين

стр. 21

أوصى بعمل خيري دائم النفع فهذا بلا شك ينتفع به الميت فهو رصيد دائم يزيد له في حسناته بعد مماته. كما في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو علم ينتفع به, أو ولد صالح يدعو له» (١). ٤ - ومن حكمتها أن فيها الحفاظ على مال الدائن وبراءة ذمة المدين وبهذا تظهر الحكمة من أن حقوق الآدميين محفوظة حتى وإن مات من عليه الدين. ٥ - ومن حكمتها أنها حماية للأموال ورعاية للقُصَّر, فلو أن رجلاً مات وترك ثروة مالية للورثة وبين هؤلاء الورثة قُصَّر لا يحسنون التصرف في أموالهم وقد أوصى هذا الرجل بأن يكون زيد من الناس وصياً على أولاده, فإن هذا الوصي يقوم مقام والدهم فيحافظ على القصر وعلى أموالهم. ٦ - ثم إنها صدقة تصدق الله بها على الموصى بعد وفاته, فينبغي إذا كان صاحب مال ألا يحرم نفسه من الخير. ٧ - ثم إن وصية المرء بأقاربه غير الوارثين هو من باب العناية بهم, وصلة رحمهم, و «يعلم الله العليم الحكيم أن بعض الأثرياء أو أكثرهم لهم أجداد محرومون من الميراث بآبائهم, سواء كان جده لأبيه أو لأمه, هل يبقى محروماً من الوصية؟» (٢).

стр. 22

أركان الوصية (١): ١ - الموصى: وهو صاحب الوصية. ٢ - الموصى له: وهو المستفيد من الوصية. ٣ - الموصَى به: وهو الشيء المستفاد منه غالباً. ٤ - الموصى إليه (الوصي): وهو القائم بتنفيذ الوصية. وأضاف بعضهم ركناً خامساً, وهو: الصيغة: وهى الألفاظ المستعملة في الوصية, كأن تقول أوصيت بكذا لفلان, أو جعلت لفلان ثلث مالي بعد موتى ونحو ذلك. وبيان الأركان كما يلي: أولا: الموصى: والمراد به صاحب الوصية . الشروط المعتبرة في الموصي: ١ - كونه أهلاً للتبرع أي كامل الأهلية. ويستثنى من ذلك السفيه وضعيف العقل والصغير المميز, فتصح منهم الوصية إذا كانت تشتمل على نفع لهم بلا ضرر أما الصغير المميز فلما رواه مالك في الموطأ (٢) بإسناد حسن (٣) " أن عمر ﵁ أجاز وصية غلام من غسان" , وكان عمره عشر سنين, ولأن

стр. 23

الصبي محتاج إلى الثواب، وهذا محض مصلحة من غير ضرورة، وكذلك المحجور عليه لأن علة الحجر تبديد المال وإتلافه وتلك علة مرتفعة عنه بالموت (١). وكذلك المحجور عليه لحظ غيره، فإن الحجر لحظ الغرماء ولا ضرر عليهم في وصيته، لأنه إنما تنفذ وصيته في ثلثه بعد وفاء دينه. ٢ - أن لا يكون معاينًا للموت: فإن عاينه لم تصح، لأنه لا قول له حينئذٍ معتبر شرعًا. ٣ - أن يكون مالكًا للمال أو المنفعة. ٤ - أن يكون الموصي غير مدين دينًا يستغرق كل ماله: فإن كان كذلك فإن الوصية لا تصح؛ لأن سداد الدين مقدم على الوصية، كما في أثر علي ﵁ «قضى رسول الله ﷺ بالدَّين قبل الوصية» (٢). ثانيًا: الموصى له: وهو المستفيد من الوصية: فإن كانت الوصية لجهة عامة فشرطه أن لا تكون جهة معصية، وإن كانت خاصة فالشروط المعتبرة فيه: ١ - أن لا يكون وارثًا للموِصي: نُسخت الوصية للوارثين بآية المواريث عند جمهور الفقهاء، وبقيت لغير الوارثين من الأقربين بقوله تعالى في المواريث:

стр. 24

﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، وهذا مذهب جمهور الفقهاء (١)، لما ثبت عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ألا لا وصية لوارث» (٢). ومذهب الحنفية وهو الأظهر عند الشافعية وظاهر مذهب الإمام أحمد وقول عند المالكية أن الوصية للوارث صحيحة موقوفة على إجازة الورثة (٣). لما رُوي أن النبي ﷺ قال: «لا وصية لوارث إلا أن يجيز الورثة» (٤). وري بلفظ: «إلا أن يشال الورثة» (٥). وقال به الحسن وابن سيرين (٦). ٢ - كونه الموصَى له معينًا: فإن كان مجهول العين فلا تصح له الوصية، ويكفي العلم بالوصف كقوله أوصي للمساكين والفقراء. ٣ - كون الموصى له أهلًا للتملك: فإن كان ممن لا يصح تملكه فلا تصح الوصية له، كالجني والبهيمة والميت (٧)، ونحوه.

стр. 25

٤ - كون الموصى له حيّاً غير ميت (١): جاء في الكافي: «ولا تصح الوصية لمن لا يملك كالميت، لأنه تمليك فلم يصح لهم»، وقال في المهذب: «ولا تصح الوصية لمن لا يملك، فإن وصى لميت لم تصح الوصية، لأنه تمليك فلم يصح للميت كالهبة». فإن كان حيّاً حياة تقديرية كالجنين في بطن أمه هل تصح الوصية؟ الصحيح أنها تصح للحمل الذي تحقق وجوده قبل صدور الوصية، أما إن كان غير موجود حينها كما لو قال: أوصيت لحمل فلانة وهي لم تحمل بعد، فلا تصح؛ لأنها وصية لمعدوم (٢). فإن أوصى لحمل تحقق وجوده فنزل ميتًا بطلت الوصية، وتعرف حياته باستهلاله. والاستهلال هو صياح المولود أو عطاسه أو ارتضاعه أو تنفسه ونحو ذلك. لكن هناك سؤال قد يطرأ على البعض بماذا يتحقق وجود الحمل؟ الجواب: يتحقق تحقيق وجود الحمل إن ولد قبل تمام ستة أشهر من وقت الوصية؛ لأن هذه الفترة أقل مدة تضع فيها المرأة حملها، أما في عصرنا الحاضر فوسائل التقنية الحديثة سهَّلت لنا معرفة مثل ذلك.

стр. 26

٥ - كون الموصَى له غير قاتل للموصِي: فإذا أوصى شخص لآخر ثم قتله الموصى له بعد الوصية بطلت الوصية إن كان القتل عمدًا قياسًا على الميراث، وللقاعدة الفقهية المشهورة (من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه)، وقال الإمام مالك ﵀: تصح لأنها هبة، والقتل لا يمنعها كالحياة (١). والأول أولى. أما إن أجازها الورثة فهل تصح؟؟ الصحيح أنها لا تصح وعند الأحناف تصح. قبول الموصَى له الوصية: فإن لم يقبل بطلت، فلو قال الموصي: أوصيت لفلان بن فلان كذا، وقلنا هذه وصية من فلان لك فقال لا أريدها، فهنا تبطل الوصية ويردها إلى الورثة. هل يشترط إسلام الموصي والموصى له ؟ لا يشترط إسلام الموصي والموصَى له. فتجوز الوصية من المسلم للكافر لما روى الدرامي: «أن صفية أوصت لنسيب لها يهودي» (٢). قال ابن عبد البر: «لا خلاف علمته في جواز وصية المسلم لقرابته الكفار

стр. 27

لأنهم لا يرثونه» (١) ا. هـ. بشرط كونه معينا، وأن لا يكون محاربا للمسلمين. فإن كان مرتداً هل تصح له الوصية؟ قولان لأهل العلم (٢): والصحيح أنها لا تصح له لأن ملكه غير مستقر ولا يرث ولا يورث، ولكون ملكه يزول عن ماله بسبب ردته، فلا يثبت له الملك بالوصية. أما الوصية من الكافر للمسلم فإذا كانت الوصية تصح من المسلم إلى الكافر فمن باب أولى صحتها من الكافر للمسلم. ثالثا: الموصَى به (٣). وهي العين التي أوصى بها أو المنفعة. ويشترط في الموصَى به أمور: ١ - كونه بعد موت الموصي: فإن كان قبله فهو هبة وليس وصية. ٢ - أن يكون قابلاً للتمليك: فلو أوصَى بشيء يزول ملك الموصَى له عنه، أو أوصَى بشيء سوف يملكه فمات قبل ملكه له فلا تصح الوصية به. لكن إن أوصى بما لا يقدر على تسليمه صحت الوصية به، وللموصِي السعي في تحصيله.

стр. 28

٣ - أن يكون الموصى به مباحاً: فإن كان الموصى به غير مباح الانتفاع به فإنه لا يجوز للموصى له تنفيذه، كما لو أوصى فلان بالتبرع بالمجلات الخليعة المفسدة للدين والدنيا. رابعا: الموصَى إليه (الوصي): تعريفه: هو المأمور بالتصرف في الوصية بعد الموت وهو من يسمى بالوكيل على الوصية، أو الوصي على الوصية وغيرها. الشروط المعتبرة فيه (١): ١ - التكليف: أي كونه مكلفا أي مسلماً بالغاً عاقلاً. ٢ - الرشد: والمراد به إحسان التصرف أي كونه ممن يحسن التصرف فيما ينفعه وينفع غيره. ٣ - العدالة: فإن كان مخروم العدالة فلا تصح نيابته عن الموصي. تنبيهات على الوَصِي: الأول: يتم تحديد التصرف من قبل الموصَى إليه بما أُوصي إليه فقط، فإذا أوصَى إليه أن ينظر في المال فليس له أن يزوج البنات مثلا، وكذا إذا أوصَى إليه بأن ينظر في الوقف الفلاني فلا يحق له أن ينظر في غيره. الثاني: فيمن يكون وصياً من قبل نفسه للضرورة: صورة هذا أن الميت لم يوصه بشيء لكن هو الذي تولى مال الميت بعد

стр. 29

موته لأجل الضرورة من خوف إتلاف المال، أو ضياعه بعدم معرفة وجوه التصرف فيه، فيجعل نفسه وصياً لأجل المصلحة فيجوز إن توفرت فيه شروط الوصي (التكليف، والرشد، والعدالة). الثالث: لا يجوز للموصى إليه عزل نفسه إذا في عزله ضرر على الوصية، كأن يعرف ظلم الحاكم وعدم مبالاته بأوقاف المسلمين ووصاياهم، فيخاف أن يُسند الوصية إلى غير أهل (١). خامسا: الصيغة: وهي الألفاظ في الوصية. لا يشترط في الصيغة التي تنعقد بها الوصية ألفاظ مخصوصة، فتكون بكل لفظ يدل عليها سواء كان لفظا صريحا كقول الموصي أوصيت لفلان بكذا، ونحوه، أو لفظاً غير صريح يفهم منه الوصية بالقرينة كقول الموصِي أعطوا كذا لفلان بعد موتي. قال الشيخ محمد بن محمد مختار الشنقيطي (٢): «قوله: وصَّيت بعشرة آلاف لفلان، فهذا لفظ صريح، ويعتبر إيجاباً واضحاً في الدلالة ليس فيه أي احتمال. والألفاظ الضمنية التي تدل على الوصية ضمناً ما جرى به العرف من الألفاظ المعروفة، كقوله: أعطوا فلانا من ثلثي كذا وكذا، فنعتبرها وصية، رغم أنه ما قال: وصية مني، بل قال: أعطوا فلانا، لكن (أَعطوا) تدل ضمناً

стр. 30

على أنه يريد الوصية، فهذا هن اللفظ الصريح واللفظ غير الصريح» ا. هـ. ومثل اللفظ الكتابة وهذا يسمى الإيجاب. أما القبول: وهو قبول الموصَى إليه (الوصى) الوصاية التي اسندت إليه، فهو شرط لتنفيذ الوصية بعد الموت وهو أن يقول قبلت ويحصل أيضاً بالفعل كأخذ الموصى به، ونحو ذلك مما يدل على الرضا. ولا يشترط الفورية في القبول، بل يجوز القبول ولو كان على التراخي ما لم يتعين تنفيذ الوصاية (١). حكم تنفيذ الوصية: يغفل كثير ممن أوصي إليهم عن حكم تنفيذ ما أسند إليهم في الوصية وأحيانا لا يبالون بها، وهذا خطأ، فحكم تنفيذ الوصية واجب يأثم الموصَى إليه بعدم تنفيذها أو تأخيرها إن كانت محددة بوقت؛ فعلى من كان وصياً على شيء أن ينتبه لهذا الحكم. ومن الأمور التي تحث على تنفيذها ما أخرجه أبو داود أن عمرو بن العاص ﵁، سأل النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إن أبي أوصى أن يعتق عنه مائة رقبة، فأعتق ابنه هشام خمسين، وبقيت عليه خمسون رقبة، أفأعتق عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : «إنه لو كان مسلماً فأعتقتم عنه، أو تصدقتم عنه، أو حججتم عنه بلغه ذلك» (٢).

стр. 31

متى يشرع تنفيذها ؟ يشرع تنفيذ الوصية إذا مات الموصي، فإن كانت هذه الوصية حالة، يمعنى أنها في أمر يكون بعد موته مباشرة، فهنا يجب في الحال تنفيذها كأن يكون أوصي به؛ وإن كانت في أمور مالية فهنا يشرع تنفيذها أيضاً بعد موت الموصي، وعلى حسب ما تقتضيه الحاجة. ولا تستحق الوصية للموصى له إلا بعد موت الموصي وبعد سداد الديون (١)، فإن استغرقت الديون التركة فليس للموصى له شيء لقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا﴾ [النساء: ١١]. قضاء الدين مقدم على الوصية وجوباً: ومن الأمور التي يجب العناية بها أن قضاء الدين مقدم على تنفيذ الوصية لقوله تعالى في سورة النساء: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]، وعن سعد بن الأطول: أن أخاه مات وترك ثلاثمائة درهم، وترك عيالاً، فأراد أن ينفقها على عياله، فسأل النبي ﷺ فقال: «إن أخاك محتبس بدينه فاقض عنه» فقال: يا رسول الله، قد أديت عنه إلا دينارين، ادعتهما امرأة وليس لها بينة، قال: «فأعطها فإنها محقة» وهو حديث صحيح (٢). وقال البخاري ﵀ (٣): «وذكر أن النبي ﷺ قضى بالدين قبل الوصية».

стр. 32

الحث على الوصية في حال الصحة: حث رسول الله ﷺ على الصدقة عامة في حال الصحة، فحين سئل: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ قال ﷺ : «أن تصدق وأنت صحيح حريص، تأمل الغنى وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» (١). كما جعل النبي ﷺ معيار فائدة المال هو فيما يذهب في سبيل الله تعالى، قائلا: «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟» قالوا: يا رسول الله، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه. قال: «فإن ماله ما قدَّم، ومال وارثه ما أخر» (٢). وأخرج عبد الرازق، وعبد بن حميد عن قتادة، قال: قال رسول الله ﷺ : «أيها الناس، ابتاعوا أنفسكم من ربكم، ألا إنه ليس لامرئ شيء، ألا لا أعرفنَّ امرأ بخل بحق الله عليه، حتى إذا حضره الموت أخذ يدعدع ماله ههنا وههنا» ثم يقول قتادة: «ويلك يا ابن آدم، كنت بخيلاً ممسكاً، حتى إذا حضرك الموت أخذت تدعدع مالك وتفرقه، يا ابن آدم، اتق الله ولا تجمع إساءتين في مالك، إساءة في الحياة، وإساءة عند الموت، انظر إلى قرابتك الذين يحتاجون ولا يرثون، فأوص لهم من مالك بالمعروف» (٣).

стр. 33

مبطلات الوصية (١): تبطل الوصية بعدم استيفائها الشروط المعتبرة في أركانها. لكن أظهر ما يبطلها ستة أمور: ١ - موت الموصَى له؛ وذلك لأن الوصية إنما يملكها الموصى له بعد موت الموصي فإن مات قبل الموصِي بطلت الوصية، لأنه لم يملكها بعدُ. ٢ - قتل الموصِي من قبل الموصَى له؛ لأن القتل يمنع الوصية فلو قلنا بعدم بطلان الوصية بالقتل لفتحنا باب شر عظيم فكل من أوصي له أبطأ عليه موت الموصي قد يقتله ليأخذ الوصية (٢). ٣ - تلف الموصَى به؛ فمتى تلف الموصَى به بطلت الوصية فلو أوصى الميت لزيد بمال أو سيارة مثلا فتلفت باحتراق أو غيره فإن الوصية تبطل. ٤ - وزاد بعضهم أمراً رابعاً، وهو إذا جُنَّ الموصي جنوناً مطبقاً واتصل الجنون بالموت، والجنون المطبق هو الجنون الذي يستمر سنة عند محمد بن

стр. 34

الحسن، وقال أبو يوسف: هو الذي يستمر شهراً، وعليه الفتوى (١). ٥ - إنكار الموصِي للوصية وجحودها؛ فمتى أنكر الموصي أنه أوصى لزيد بكذا فإنها تبطل لكونه لا يريد إيصالها له. ٦ - ردة الموصي أو الموصَى له؛ فإذا ارتد أحدهما بطلت الوصية.

стр. 35

مسائل مهمة في أحكام الوصية: المسألة الأولى: استحسان تحديد الوصية في شيء معين: إذا أوصى المسلم بشيء من ماله ثلثاً كان أو أقل منه، احتاج الورثة إلى أن يقوموا بحصر جميع ما خلفه مورثهم للتوصل إلى قدر هذه النسبة، وبما أن الأشياء التي يخلفها الموصي قد تكون كثيرة ومتنوعة، وربما احتاج حصرها لوقت طويل؛ مما يكون سبباً في تعطيل تنفيذ الوصية بعض الوقت، وقد تحدث شقاقاً ونزاعاً بين الورثة؛ لذا فإن من الأولى أن تكون الوصية في عقار، أو عقارات معينة، أو مبالغ محدودة، أو أسهم معلومة، في حدود الثلث فأقل؛ ليكون ذلك أسرع في تنفيذ الوصية، وأسهل على الوارث، وعلى الجهات المختصة من المحاكم وكتابات العدل وكتابات العدل وغيرها (١). المسألة الثانية: حكم المضارة في الوصية: المضارة في الوصية كبيرة من الكبائر، قال ابن عباس ﵁: «الإضرار في الوصية من الكبائر» (٢). وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢]. قال ابن كثير _رحمه الله_: «لتكن وصيته على العدل لا على الإضرار

стр. 36

والجور والحيف بأن يحرم أحد الورثة أو ينقصه، أو يزيده على ما فرض الله له من الفريضة، فمن سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في حكمه وشرعه» (١) ا. هـ. قال ابن الأثير _رحمه الله_: «ومعنى المضارة في الوصية: أن لا يمضيها، أو ينقص بعضها، أو يوصي لغير أهلها ونحو ذلك» (٢) ا. هـ. والإضرار في الوصية من قبل الموصي بالوصية يكون من قبل الموصي ويكون من قبل الموصى إليه. فالإضرار بها بأن يوصي بأكثر من الثلث أو يوصي لغير الوارثين مع كون الورثة محتاجين وهذا على نحو ما ذكرناه في أحكام الوصية (٣). قال أبو هريرة ﵁ وروي مرفوعاً-: «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل الشر سبعين سنة فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل الجنة»، ثم قال: فاقرؤوا إن شئتم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [النساء: ١٣ - ١٤] (٤).

стр. 37

ومن الإضرار فيها أيضاً من قبل الموصي تفضيل بعض الورثة على بعض بالوصية له بالمال مضارة بالورثة ونحوه أما الإضرار بالوصية من قبل الموصى إليه فيكون بإهمالها وعدم القيام بحقها أو التصرف فيها بما ليس من مصلحتها بل فيه إفساد لها أو نقص منها ونحو ذلك فهذا إضرار بالوصية. والإضرار في الوصية نوعان: إثمٌ وجنف. فالإثم هو الإضرار بالوصية مع القصد، أما الجنف فهو الإضرار بالوصية من دون قصد. وقد أوضح ابن القيم في إغاثة اللهفان معناهما مع التمثيل لهما وما يجب نحوهما بقوله: «والضرار نوعان: جنف وإثم. فإنه قد يقصد الضرار، وهو الإثم، وقد يضار من غير قصد، وهو الجنف، فمن أوصى بزيادة على الثلث فهو مضار قصد أو لم يقصد، فللوارث رد هذه الوصية. وإن أوصى بالثلث فما دون ولم يعلم أنه قصد الضرار وجب إمضاؤها. فإن علم الموصَى له أن الموصي إنما أوصى ضراراً لم يحل الأخذ، ولو اعترف الموصي أنه إنما أوصَى ضراراً لم تجز إعانته على إمضاء هذه الوصية. وقد أجاز إبطال وصية الجنف والإثم، وأن يصلح الوصي أو غيره بين الورثة والمُوصَى له فقال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢]. وكذلك إذا ظهر للحاكم أو الموصي الجنف، أو الإثم في الوقف ومصرفه أو بعض شروطه فأبطل ذلك مصلحا لا مفسدا. وليس له أن يعين الواقف على إمضاء الجنف والإثم، ولا يصح هذا الشرط ولا يحكم به، فإن الشارع قد

стр. 38

رده وأبطله. فليس له أن يصحح ما رده الشارع وحرمه، فإن ذلك مضارة له ومناقضة» (١). المسألة الثالثة: مقدار ما يوصَى به: قال القرطبي (٢): لم يبين الله تعالى في كتابه مقدار ما يوصى به من المال، وإنما قال: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، والخير المال، كقوله: ... ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾، فاختلف العلماء في مقدار ذلك، فروي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أوصَى بالخمس، وقال: رضيت لنفسي بما رضي الله به لنفسه، وقال علي ﵁: رضي الله لنفسه من غنائم المسلمين بالخمس، وقال معمر عن قتادة: أوصى عمر بالربع، وذكره البخاري عن ابن عباس، وروري عن علي ﵁ أنه قال: لأن أوصي بالخمس أحب إليَّ من أن أوصي بالربع، ولأن أوصي بالربع أحب إليَّ من أن أوصي بالثلث. المسألة الرابعة: الوصية بالثلث: تجوز الوصية بالثلث ولا تجوز الزيادة عليه، والأولى أن ينقص عنه، وقد استقر الإجماع على ذلك، فعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: جاء النبي ﷺ يعودني، وأنا بمكة - وهو يكره أن يموت بالأرض التي هاجر فيها - قال: «يرحم الله ابن عفراء» قلت: يا رسول الله أوصي بمالي كله؟ قال: «لا» قلت: الثلث؟ قال: «فالثلث، والثلث كثير، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيديهم، وإن مهما

стр. 39

أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك ...» الحديث (١). وعن ابن عباس ﵁ قال: لو غضَّ الناس إلى الربع، لأن رسول الله ﷺ قال: «الثلث، والثلث كثير» (٢). المسألة الخامسة: حكم الوصية بأكثر من الثلث لمن كان له وارث: الموصي إما أن يكون له وارث أو لا. فإن كان له وارث فإنه لا يجوز له الوصية بأكثر من الثلث كما تقدم، وذهب جمهور الفقهاء الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه إذا أوصى بالزيادة على الثلث فإن وصيته لا تنفذ إلا بإذن الورثة، فإن أجازوها جازت وإن لم يجيزوها بطلت (٣)، ويشترط لنفاذها شرطان: ١ - أن تكون بعد موت الموصي: لأنه قبل موته لم يثبت للمجيز حق فلا تعتبر إجازته، وإذا أجازها أثناء الحياة كان له الرجوع عنها متى شاء. وإن أجازها بعد الحياة نفذت الوصية، وقال الزهري وربيعة: ليس له الرجوع مطلقاً. ٢ - أن يكون المجيز وقت الإجازة كامل الأهلية: غير محجور عليه لسفه أو غفلة.

стр. 40

المسألة السادسة: حكم الوصية بأكثر من الثلث لمن لا وارث له: قال ابن قدامة ﵀ (١): «فيه روايتان: الأولى: تجوز وصيته بماله كله، لأن النهي معلل بالإضرار بالوارث لقوله: «إنك إن تذر ورثتك أغنياء ...» الحديث، وبه قال ابن القيم (٢). الثانية: الوصية باطلة، لأن ماله يصير للمسلمين، ولا مجيز منهم» ا. هـ. وعدم الجواز هو رأي الجمهور (٣)، لأن الحق فيها لكافة المسلمين ولا يتصور الإجازة منهم جميعاً (٤). وجاء في المهذب: «وإن أوصَى بما زاد عن الثلث، فإن لم يكن له وارث بطلت وصيته فيما يزيد على الثلث لأن ماله ميراث للمسلمين، ولا مجيز له منهم فبطلت» (٥). وقال البغوي (٦): «وفي الحديث (حديث سعد المتقدم) دليل على أنه لا يجاوز الثلث سواء كان له وارث أو لم يكن؛ وذهب أكثر أهل العلم إلى أن الورثة إن أجازوها جازت وبه قال مالك والشافعي (٧)، كما لو أوصى لأجنبي
следующие страницы →