قال الحافظ ابن حجر: وإسناده ضعيف ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١) من رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبيه وله شاهد في البخاري (٢) من حديث عائشة قيل يا رسول الله: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» (٣).
وأخرجه الطحاوي (٤) من حديث عائشة ولم يسق لفظه، وإنما قال: عن رسول الله ﷺ مثله، يعني حديث الرجل من أصحاب النبي ﷺ ، وسنده حسن، وعلى هذا يكون الحديث حسنًا.
مسألة: إذا اجتمع داعيان في وقت واحد:
إذا اجتمع داعيان في وقت واحد فإن المدعو يجيب أقربهما منه بابا إلا أن يسبق أحدهما الآخر؛ لأن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا بدليل حديث أبي داود وحديث عائشة السابقين في هذا الشرط فإن استويا أجاب أقربهما رحمًا لما فيه من صلة الرحم فإن استويا أجاب أدينهما، فإن استويا أقرع بينهما؛ لأن القرعة تعين المستحق عند استواء الحقوق، قاله ابن قدامة (٥).
وذهب العراقي (٦) إلى تقديم الأقرب رحمًا عند الاستواء، ثم الأقرب جوارًا، وعكس ذلك الماوردي والروياني فقدما الجوار على الرحم ثم بعدهما القرعة.
ورجح الحافظ ابن حجر (٧) قول العراقي.
стр. 142
وحديث أبي داود نص في محل النزاع وكذا حديث عائشة في الصحيح (١) يقوِّي تقديم الأقرب بابًا على الرحم عند الاستواء؛ لأن النبي ﷺ أرشد عائشة إلى الأقرب بابًا في الهدية، ولم يقل أقربهما رحمًا إلا أن يقال إن النبي ﷺ قال ذلك لعلمه بالحال، لكن قد يقال ليس في سياق الحديث ما يدل على ذلك والعبرة بعموم اللفظ والله أعلم.
الشرط السادس: أن لا يعتذر المدعو إلى صاحب الدعوة فيرضى بتخلفه (٢).
فإن اعتذر المدعو إلى الداعي وقبل عذره لم تجب الإجابة كما قاله النووي (٣) والعراقي (٤) وغيرهما.
قال العراقي (٥): سادسها - أي الشروط - أن لا يتعذر المدعو إلى صاحب الدعوة فيرضى بتخلفه فإن وجد ذلك زال الوجوب، وارتفعت كراهة التخلف، قال والدي: وهو قياس حقوق العباد ما لم يكن فيه شائبة حق الله تعالى كرد السلام، فإنه لا يسقط وجوب الرد برضا المسلم بتركه، وقد يظهر الرضا ويورث مع ذلك وحشة. انتهى (٦).
стр. 143
فلو غلب على ظنه أن الداعي لا يتألم بانقطاعه، ففيه تردد حكاه القاضي مجلي في الذخائر (١).
ودليل هذا الشرط:
١ - ما أخرجه عبد الرزاق (٢) والبيهقي (٣) عن معمر عن مجاهد أن ابن عمر دعا يوما إلى طعام فقال رجل من القوم: أما أنا فأعفني من هذا فقال له ابن عمر: لا عافية لك من هذا فقم. صحح سنده الحافظ في الفتح (٤).
٢ - ما أخرجه عبد الرزاق (٥) والبيهقي (٦) من طريق معمر عن أيوب عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح قال دعي ابن عباس إلى طعام وهو يعالج من أمر السقاية شيئًا فقال للقوم: قوموا إلى أخيكم وأجيبوا أخاكم فأقرؤوا ﵇ وأخبروه أني مشغول. وسنده صحيح.
قال الحافظ: وأخرجه الشافعي وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس «أن صفوان دعاه فقال: إني مشغول وإن لم يعفني جئته» (٧).
стр. 144
وهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ أخرجه البيهقي (١) من طريق الشافعي أنبأنا مسلم بن خالد عن ابن جريج - قال الشافعي - لا أدري عن عطاء أو غيره قال جاء رسول ابن صفوان إلى ابن عباس وهو يعالج زمزم يدعوه وأصحابه فأمرهم فقاموا واستعفاه وقال: إن لم يعفني جئته.
وفي سنده مسلم بن خالد الزنجي، وثقه بعض أهل العلم والأكثر على الكلام فيه كابن معين وابن المديني والبخاري والنسائي وأبي داود والعقيلي وأبي حاتم وغيرهم (٢). وقال ابن حجر: صدوق كثير الأوهام (٣).
стр. 145
الشرط السابع: أن لا يكون المدعو قاضيًا (١)
هذا الشرط ذكره بعض أهل العلم وقالوا إن القاضي لا تجب عليه إجابة الدعوة كما حكاه العراقي عن بعض الشافعية والنووي وجها والماوردي أيضًا وهو المنقول عن مالك، وقاله ابن قدامة (٢)
وعللوا ذلك بما يأتي:
١ - قال ابن دقيق العيد: والذين استثنوا القاضي فإنما استثنوه لمعارض قام عندهم، وكأنه طلب صيانته عما يفضي إلى ابتذاله، وسقوط حرمته عند العامة، وفي ذلك عود ضرر على مقصود القضاء من تنفيذ الأحكام لأن الهيئات معينة عليها، ومن لم يعتبر هذا رجع إلى الأمر، وإن ترك العمل بمقتضاه مفسدة محققة (٣).
وقال ابن عقيل في إجابة أهل الفضل: يورث دناءة وإسقاط الهيبة في نفوس الناس (٤).
ثم رد ابن دقيق العيد وقال: وما ذكر من سبب التخصيص قد لا يفضي إلى مفسدة.
٢ - قال العراقي: ويحتمل أن يكون المعنى في المنع ما فيه من استمالته، وأنه قد يكون في معنى قبول الهدية والله أعلم (٥).
стр. 146
٣ - أنهم لاختصاصهم بمصالح المسلمين يسقط عنهم فرض الإجابة بخلاف غيرهم ولذلك قال الشافعي: لا أحب أن يتخلف عن الوليمة، وأخرجه مخرج الاستحباب دون الوجوب لأن أمره ﵇ يحتمل الخصوص فيما عدا الولاة وهذا قول ابن أبي هريرة قال الماوردي (١).
والذين قالوا بهذا القول وهو عدم وجوب حضور القاضي للدعوة اختلفوا في حكم حضوره على أقوال:
القول الأول: تحريم الإجابة كما حكاه النووي (٢) أحد الوجوه في المسألة (٣).
القول الثاني: كراهية الإجابة وهذا هو المنقول عن مالك إنه كره لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم (٤) كما قاله ابن دقيق العيد (٥). وكذا قال بذلك ابن عقيل (٦)، ومنهم من خص الكراهة بما إذا كانت الدعوة لأجل القاضي خاصة أو للأغنياء ودعي منهم كما حكاه النووي (٧).
وقال في الموازنة: أكره أن يجيب أحدًا - أي القاضي - وهو في الدعوة خاصة أشد (٨).
стр. 147
القول الثالث: الاستحباب كما حكاه النووي أحد الوجوه، وقال: والصحيح لا تحرم ولا تجب بل تستحب بشرط التعميم، فإن كثرت وقطعته عن الحكم تركها في حق الجميع، ولا يخص بعض الناس لكن لو كان يخص بعض الناس قبل الولاية بإجابة وليمة فنقل ابن كج عن نص الشافعي ﵀ أنه لا بأس بالاستمرار (١).
القوال الرابع: الجواز قال ابن قدامة: ويجوز للحاكم حضور الولائم لأن النبي ﷺ كان يحضرها ويأمر بحضورها وقال: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» (٢) فإن كثرت وازدحمت تركها كلها ولم يجب أحدًا؛ لأن ذلك يشغله عن الحكم الذي قد تعين عليه لكن يعتذر إليهم ويسألهم التحليل، ولا يجيب بعضاً دون بعض؛ لأن في ذلك كسرًا لقلب من لم يجبه إلا أن يخص بعضها بعذر دون بعض مثل أن يكون في أحدها منكرًا أو تكون في مكان بعيد أو يشتغل بها زمنًا طويلاً والأخرى بخلاف ذلك فله الإجابة إليها دون الأولى لأن عذره ظاهر من التخلف عن الأولى (٣).
وهذا الشرط ليس محل وفاق بين أهل العلم بل محل خلاف وهذا القول الذي سبق أحد الأقوال في المسألة وهناك أقوال أخر فيها وهي:
القول الثاني: أن القاضي لا ينبغي له أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة وحدها للحديث (٤) كما حكاه العراقي (٥) عن مطرف وابن الماجشون من المالكية.
стр. 148
وحكاه عنهما ابن حبيب (١) وذكرا تخصيص الوليمة إلا أن يكون لأخ في الله أو خاصة أهله أو ذوي قرابته فلا بأس بذلك (٢).
لكن قال ابن دقيق العيد عقب هذا: وهذا تخصيص آخر مقتضاه أضعف من الأول (٣) يعني استثناء القاضي (٤).
القول الثالث: أن القاضي لا يحضر وليمة أحد الخصمين في حال خصومتهما ولا وليمتهما لأنه قد يزيد أحدهما في إكرامه فيميل إليه قلبه كما قاله النووي (٥).
القول الرابع: أن القاضي إن كان مرتزقًا لم يحضر لأنه أجير للمسلمين فلم يجز أن يفوت عليهم حقهم من زمانه، وإن كان متطوعًا غير مرتزق حضر وكان كغيره من الناس حكاه الماوردي (٦) وجها عند الشافعية.
وقال: فتكون الإجابة على هذا الوجه مفصلة باعتبار حاله في الارتزاق والتطوع.
القول الخامس: أن القاضي يكون حكمه حكم غيره في الإجابة وعدمها في سائر الدعوات فمن يرى وجوب الوليمة خاصة أوجبها عليه واستحب الإجابة في غيرها، ومن يرى الوجوب أو الاستحباب مطلقًا جعله مثل غيره
стр. 149
ولا يخص القاضي بشيء وهذا ما لم يتضرر بذلك كما حكاه النووي (١) وقاله ابن دقيق العيد (٢) والماوردي (٣) وهو ظاهر كلام الشافعي ﵀ حيث قال: ولا أحب أن يتخلف عن الوليمة إما أن يجيب كلاً وإما أن يترك كلاً ويعتذر ويسألهم التحليل (٤).
ودليل هذا القول عموم الأدلة الواردة في إجابة الدعوة وليس فيها تخصيص القاضي بشيء.
قال ابن دقيق العيد: والعموم يقتضي ظاهره المساواة بين القاضي وغيره (٥).
وقال أيضًا: إن الحديث عام بالنسبة إلى أهل الفضل وغيرهم ... ثم ذكر المنقول عن مالك وقال: وظاهر الحديث يقتضي الإجابة والمروءة والفضل والهدى في اتباع ما دل عليه الشرع ثم قال: نعم إذا تحققت مفسدة راجحة فقد يجعل ذلك مخصصًا (٦).
стр. 150
الترجيح:
من خلال تأمل أقوال أهل العلم في هذا الشرط يظهر قوة ما ذهب إليه ابن دقيق العيد ﵀ ومن معه من أن القاضي حكمه حكم غيره في إجابة الدعوة لعموم الأدلة الواردة في الأمر بإجابة الدعوة والحث عليها، وليس فيها ما يقتضي تخصيصه، وقد كان النبي ﷺ يجيب الدعوة إذا دعي لها حتى ولو كانت على شيء يسير.
نعم إذا كان القاضي يتضرر بحضوره الدعوة سواءً كانت وليمة أو غيرها كأن تكثر عليه وتؤثر على عمله، أو كان حضوره يؤدي إلى مفاسد تؤثر على منصب القضاء، أو كانت الدعوة من أجل استمالته والتأثير عليه في الأحكام، فإن ذلك يكون عذرًا يمنعه من الإجابة وسد باب الذرائع مشروع، لكن ليس هذا خاصًا بالقاضي وحده بل في كل من يحصل له ضرر بسبب الدعوة، والله أعلم.
стр. 151
الخاتمة
الحمد الله الذي بنعمته تتم الصالحات والحمد لله على إتمام هذا البحث مع الاعتراف بالقصور، ولكني أسأل الله أن يبارك فيه فقد ظهر لي من خلال هذا البحث النتائج التالية:
- أن الأظهر من أقوال أهل العلم وجوب إجابة الدعوة في العرس واستحبابها في غيره.
- أن الصوم ليس عذرًا يمنع من إجابة الدعوة.
- أن الأفضل لمن دعي وهو مفطر أن يأكل، والخلاف في وجوبه.
- أن من دعي وهو صائم صوم فرض مضيق حرم عليه الفطر.
- أن من دعي وهو صائم صوم فرض موسع، ففي جواز فطره خلاف والجمهور على عدم الفطر.
- أن من دعي وهو صائم صوم نفل، فإن كان ينكسر قلب الداعي بعدم الأكل فالأكل أفضل وإن كان لا ينكسر فإتمام الصوم أفضل.
وأن شروط إجابة الدعوة تنقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: ما يتعلق بالدعوة نفسها وعددها أحد عشر شرطًا وهي:
الأول: أن لا تشتمل الدعوة على منكر.
والثاني: أن لا يكون في مجلس الوليمة من يهجر.
والثالث: أن لا يكون الطعام حرامًا.
والرابع: أن لا يكون هناك ما يتأذى بحضوره ولا تليق به مجالسته.
والخامس: أن لا تكون الدعوة للخوف من شر المدعو أو لطمع في جاهه.
السادس: أن تكون الدعوة في وقت الوليمة.
والسابع: أن لا يخص بالدعوة الأغنياء.
стр. 152
الثامن: أن لا يكون فيه زحام.
التاسع: أن لا يكون فيه إغلاق باب.
العاشر: أن تكون الدعوة في اليوم الأول.
والحادي عشر: أن لا يكون في مكان الدعوة من يكرهه المدعو أو هو يكره المدعو.
ومن خلال تأمل هذه الشروط في هذا المبحث نجد أن بعضها جعله شرطًا محل نظر كالشرط الرابع، والثامن والتاسع والعاشر والحادي عشر ليس على إطلاقها بل مقيدة كما تقدم.
القسم الثاني: الشروط المتعلقة بالداعي وهي: سبعة الأول والثاني والثالث والرابع: أن يكون مسلمًا حرًا مكلفًا رشيدًا، والخامس: أن لا يكون الداعي ممن يجوز هجره، والسادس: أن لا يكون الداعي مفاخرًا بدعوته، والسابع: أن لا يكون الداعي أكثر ماله من الحرام.
القسم الثالث: الشروط المتعلقة بالمدعو، وهي سبعة: الأول: أن يكون المدعو معينًا. والثاني: أن يكون المدعو مسلمًا. والثالث: أن لا يكون المدعو معذورًا بمرخص في ترك الجماعة. الرابع: أن يكون المدعو حرًا. والخامس: أن لا يكون المدعو قد سبق بدعوة آخر. السادس: أن لا يتعذر المدعو إلى صاحب الدعوة فيرضى بتخلفه. السابع: أن لا يكون المدعو قاضيًا.
وهذا الأخير اشتراطه محل نظر، والأظهر أن القاضي مثل غيره ما لم يتضرر بسبب الدعوة، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،،،