← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14544

إجابة الدعوة وشروطها

إبراهيم العبيد

Полный текст (152 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وقال في التهذيب: بعد قول وكيع: والذي في تاريخ البخاري عن ابن عقبة عن وكيع زياد أشرف من أن يكذب في الحديث، وكذا ساقه الحاكم أبو محمد في الكنى بإسناده إلى وكيع وهو الصواب ولعله سقط من رواية الترمذي «لا» وكان فيه مع شرفه لا يكذب في الحديث فتتفق الروايات. والله أعلم (١). وقال في التلخيص: وقال الدارقطني: تفرد به زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن السلمي عنه - أي ابن مسعود - قلت: وزياد مختلف في الاحتجاج به ومع ذلك فسماعه من عطاء بعد الاختلاط (٢). أما حديث أنس فأخرجه البيهقي (٣) من طريق بكر بن خنيس عن الأعمش عن أبي سفيان عن أنس به وقال: وليس هذا بقوي، بكر بن خنيس تكلموا فيه. وقال فيه الحافظ ابن حجر: صدوق له أغلاط، أفرط فيه ابن حبان (٤). وبكر هذا تركه غير واحد أحمد بن صالح وابن خراش والدارقطني وغيرهم، وضعفه آخرون، وقال أبو حاتم لا يبلغ به الترك. وقال ابن معين في رواية صالح لا بأس به إلا أنه يروي عن ضعفاء ويكتب من حديثه الرقاق وقال مرة: ليس بشيء (٥).

стр. 107

وقال الحافظ: في إسناده بكر بن خنيس وهو ضعيف، وذكره ابن أبي حاتم والدارقطني في العلل من حديث الحسن عن أنس ورجحا رواية من أرسله (١). أما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني (٢) من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن ابن عباس به. قال الهيثمي: وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو متروك (٣). وقال الحافظ في التلخيص وعن وحشي بن حرب وابن عباس رواهما الطبراني في الكبير وإسنادهما ضعيف (٤). وقال في الفتح: أخرجه الطبراني بسند ضعيف (٥). أما حديث وحشي بن حرب فأخرجه الطبراني (٦) من طريق محمد بن سليمان ثنا وحشي بن وحشي عن أبيه عن جده بنحوه. قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله وثقهم ابن حبان (٧) وضعفهم الحافظ. وقال الحافظ أيضًا: بعد ذكره هذا الحديث وشواهده: وهذه الأحاديث وإن كان كل منها لا يخلو عن مقال، فمجموعها يدل على أن للحديث أصلاً (٨).

стр. 108

وهذا الحديث وشواهده هو عمدة هذا الشرط وقد قال به جمع من أهل العلم واعتبروا الوجوب في اليوم الأول كما قاله ابن قدامة (١) والنووي (٢) وغيرهما. قال ابن قدامة: وإن صنعت الوليمة أكثر من يوم جاز فقد روى الخلال بإسناده عن أبي أنه أعرس، ودعا الناس ثمانية أيام. وإذا دعا في اليوم الأول وجبت الإجابة، وفي اليوم الثاني تستحب الإجابة، وفي اليوم الثالث لا تستحب. قال أحمد: الأول يجب، والثاني إن أحب، والثالث فلا، وهكذا مذهب الشافعي (٣). وحكى العراقي عن النووي في الروضة القطع بهذا، وقال: وليس كذلك فقد حكى ابن يونس في التعجيز وجهين في وجوب الإجابة في اليوم الثاني، وقال في شرحها أصحها الوجوب وبه قطع الجرجاني لوصف النبي ﷺ الثاني بأنه معروف (٤). لكن هذا الحديث الذي هو عمدة هذا الشرط على القول بتقويته ظاهره يعارض ما أخرجه أبو يعلى في مسنده (٥) عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ تزوج صفية

стр. 109

وجعل عتقها صداقها، وجعل الوليمة ثلاثة أيام، وبسط نطعا جاءت به أم سليم، وألقى عليه أقطًا وتمرًا، وأطعم الناس ثلاثة أيام. وقال البخاري: باب حق إجابة الوليمة والدعوة: ومن أولم سبعة أيام، ولم يوقت (١) النبي ﷺ يوما ولا يومين، وضعف حديث زهير كما تقدم، وقال (٢) قال ابن عمر وغيره عن النبي ﷺ إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجب، ولم يخص ثلاثة أيام ولا غيرها وهذا أصح (٣). وأخرج عبد الرزاق (٤) والبيهقي (٥) من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال تزوج أبي فدعا الناس ثمانية أيام، فدعا أبي بن كعب فيمن دعا، فجاء يومئذ وهو صائم فصلى، يقول دعا بالبركة ثم خرج. وأخرجه البيهقي من طريق وهيب عن أيوب عن محمد قال حدثتني حفصة أن سيرين عرس بالمدينة، فأولم فدعا الناس سبعا، وكان فيمن دعا أبي بن كعب فجاء وهو صائم فدعا لهم بخير وانصرف. وقال عقبة: وكذا رواه حماد بن زيد عن أيوب سبعا، إلا أنه لم يذكر حفصة في إسناده وقال معمر عن أيوب ثمانية. والأول أصح. وأخرجه من طريق عبد الوهاب عن أيوب عن محمد بن سيرين أن أباه دعا نفرًا من أصحاب النبي ﷺ ، فأتوا فيهم أبي بن كعب ﵁ أحسبه قال فبارك وانصرف.

стр. 110

وهذا الأثر يخشى فيه من الانقطاع، وهو أن ابن سيرين وأخته حفصة لم يدركا زمن القصة وهو زواج سرين (١). فإن ظاهر هذا عدم التقديم بيوم أو يومين. ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى عدم التحديد بيوم أو يومين كما قاله البخاري، وقال القاضي عياض (٢): استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعًا قال: وقال بعضهم: محلها إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله ولم يكرر عليهم. لكن يمكن أن يجمع بينهما بما قاله الحافظ: فيمكن حمل ما وقع من السلف من الزيادة على اليومين عند الأمن من ذلك - يعني السمعة والرياء - وإنما أطلق ذلك على الثالث لكونه الغالب، والله أعلم (٣). الشرط الحادي عشر: أن لا يكون في مكان الدعوة من يكرهه المدعو أو يكره هو المدعو (٤). هذا الشرط ذكره المرداوي بصيغة: قيل، وفي اشتراطه نظر، وذلك أن كراهية المدعو لمن في مكان الدعوة أو كراهية غيره له ليس على إطلاقها، بل لابد من التفصيل وهو أن الكراهية إما أن تكون بحق أو بغير حق، فإن كانت بحق ككونه

стр. 111

مبتدعًا أو ظالمًا أو فاسقًا أو أنه إذا حضر لا يأمن من أن يقول كلاما منكرًا، فهذا يدخل ضمن الشرط الأول لاشتمال الدعوة على منكر، أو الشرط الثاني لكون المكان اشتمل على من يجوز هجره، أو الشرط الرابع، وهو كون المكان اشتمل على من يتأذى بحضوره. أما إن كانت الكراهية بغير حق أو لحظوظ دنيوية، فلا يكون هذا مانعًا من الإجابة كمن كره إمام المسجد بغير حق لا يلتفت إليه، إلا إذا كان المدعو لا يأمن على نفسه إذا اجتمع معه لكونه حاد الطباع فقد تحصل مفسدة أكبر، فهنا قد يكون عدم الحضور أولى، لكن يعتذر من الداعي، ويكون العذر هو خشية الضرر لا مجرد الكراهية، والله أعلم.

стр. 112

المبحث الثاني الشروط المتعلقة بالداعي في هذا المبحث سأذكر ما وقفت عليه مما ذكره أهل العلم من الشروط المتعلقة بالداعي والتي إذا تحققت فيه وجبت أو استحبت الإجابة مع الشروط الأخرى وهي: الشرط الأول: أن يكون الداعي مسلمًا. الشرط الثاني: أن يكون الداعي حرًا. الشرط الثالث: أن يكون الداعي مكلفًا. الشرط الرابع: أن يكون الداعي رشيدًا. الشرط الخامس: أن لا يكون الداعي ممن يجوز هجره. الشرط السادس: أن لا يكون الداعي مفاخرًا بدعوته. الشرط السابع: أن لا يكون الداعي أكثر ماله من الحرام. وإليك بيانها بالتفصيل:

стр. 113

الشرط الأول: أن يكون الداعي مسلمًا (١). من شروط وجوب إجابة الدعوة: أن يكون الداعي مسلمًا، فلو دعاه ذمي لم تجب الإجابة على الأصح كما قاله النووي (٢). وقال ابن قدامة (٣): فإذا دعاه ذمي، فقال أصحابنا لا تجب إجابته لأن الإجابة للمسلم للإكرام والموالاة وتأكيد المودة والإخاء فلا تجب على المسلم للذمي، ولأنه لا يأمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة، ولكن تجوز إجابتهم لما روى أنس أن يهوديًا دعا النبي ﷺ إلى خبز شعير وإهالة سنخة، فأجابه ذكره الإمام أحمد في الزهد (٤). ودليل هذا الشرط: ١ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس».

стр. 114

أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) ولفظه: «خمس تجب للمسلم على أخيه». كلهم من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة به. وأخرجه ابن ماجة (٤) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بنحوه. وأخرجه مسلم (٥) من طريق العلاء عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه النسائي (٦) والترمذي (٧) كلاهما من طريق محمد بن موسى المخزمي عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا. وأخرجه أحمد (٨) من طريق ابن حجيرة عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا، وزاد مسلم والنسائي والترمذي وأحمد «وإذا استنصحك فانصح له». ووجه الدلالة من هذا الحديث ظاهرة حيث بين أن إجابة الدعوة حق للمسلم على أخيه المسلم، فالكافر لا تجب دعوته.

стр. 115

٢ - عن أبي مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: «أربع للمسلم على المسلم: أن يعوده إذا مرض، ويشهده إذا مات، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس». أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١) وابن ماجة (٢) وأحمد (٣) وابن حبان (٤) وبحشل (٥) والحاكم (٦). من طريق عبد الحميد بن جعفر عن أبيه عن حكيم بن أفلح عن أبي مسعود به. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ووافقه الذهبي. وقال البوصيري: هذا إسناد صحيح (٧). وفي هذا التصحيح نظر وذلك لأن فيه حكيم بن أفلح، قال الذهبي (٨): تفرد عنه والد عبد الحميد بن جعفر، وقال الحافظ (٩) فيه: مقبول. لكن الحديث يشهد له حديث: أبي هريرة السابق. ٣ - عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «للمسلم على المسلم ست بالمعروف: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس ويعوده إذا مرض، ويتبع جنازته إذا مات، ويحب له ما يحب لنفسه».

стр. 116

أخرجه الترمذي (١)، وابن ماجة (٢)، وأحمد (٣)، والدارمي (٤)، وأبو يعلى (٥)، وابن عدي (٦) من طريق أبي إسحاق عن الحارث عن علي به. وسنده ضعيف لضعف الحارث الأعور (٧). وأخرجه أبو يعلى (٨) من طريق يحيى بن نصر بن حاجب حدثنا هلال بن خباب عن زاذان عن علي قال: قال رسول الله ﷺ : «حق المسلم على المسلم ست: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، وينصح له بالغيب، ويشمت عليه إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويشهد جنازته إذا مات». لكن في سنده: يحيى بن نصر بن حاجب، قال أبو زرعة (٩): ليس بشيء، وقال أبو حاتم: تكلم الناس فيه (١٠). وقال الذهبي: وأما ابن عدي فروى له أحاديث حسنة وقال: أرجو أنه لا بأس به (١١). والحديث يشهد له حديث أبي هريرة وغيره. ٤ - عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي قال: حدثني أبي أنهم كانوا غزاة في البحر زمن معاوية، فانضم مركبنا إلى مركب أبي أيوب الأنصاري فلما

стр. 117

حضر غداؤنا أرسلنا إليه فأتانا، فقال دعوتموني وأنا صائم فلم يكن لي بد من أن أجيبكم لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن للمسلم على أخيه ست خصال واجبة إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقًا واجبًا لأخيه عليه: يسلم عليه إذا لقيه، ويجيبه إذا دعاه، ويشمته إذا عطس، ويعوده إذا مرض، ويحضره إذا مات، وينصحه إذا استنصحه». أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١) والطحاوي (٢) وأحمد بن منيع (٣)، وسنده ضعيف لضعف الأفريقي، ولكن يشهد له حديث أبي هريرة السابق وغيره دون قوله: «إن ترك منها شيئًا فقد ترك حقا واجبًا لأخيه عليه». الشرط الثاني والثالث والرابع: أن يكون الداعي حرًا مكلفًا رشيدًا (٤). من شروط وجوب إجابة الداعي: أن يكون حرًا مكلفًا رشيدًا، لأن العبد لا مال له فهو ملك لسيده، وكذا الصغير والمجنون ليسا من أهل التكليف، والسفيه لا يتصرف في ماله بل يحجر عليه. قال العراقي (٥): وإن أذن ولي المحجور لم تجب إجابته؛ لأنه مأمور بحفظ ماله، ولو أذن سيد العبد فهو حينئذ كالحر. مسألة: إذا دعت امرأة أجنبية رجلاً بدون محرم: قال العراقي: قال إبراهيم المروزي من أصحابنا: لو دعته أجنبية وليس هناك محرم له ولا لها ولم تخل به، بل جلست في بيت وبعثت بالطعام إليه مع خادم إلى

стр. 118

بيت آخر من دارها، لم يجبها مخافة الفتنة، حكاه النووي في الروضة وأقره. وقال السبكي: وهو الصواب إلا أن يكون الحال على خلاف ذلك كما كان سفيان الثوري وأضرابه يزورون رابعة العدوية ويسمعون كلامها، فإذا وجدت امرأة مثل رابعة ورجل مثل سفيان لم يكره لهما ذلك. قلت: أين مثل سفيان ورابعة بل الضابط أن يكون الحضور إليها لأمر ديني مع أمن الفتنة. وقال شيخنا جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي: إن أراد المروزي تحريم الإجابة فممنوع، وإن أراد عدم الوجوب فلا حاجة لتقييده بعدم وجود محرم لأن هنا مانعًا آخر من الوجوب وهو عدم العموم (١). وقال ابن عبد البر في حديث أنس ﵁ أن جدته مليكة دعت رسول الله ﷺ لطعام صنعته فأكل منه ... (٢) الحديث. وفيه إن المرأة المتجالة والمرأة الصالحة إذا دعت إلى طعام أجيبت هذا إن صح أنها لم تكن بذات محرم من رسول الله ﷺ وفي قول الله ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾ [النور: ٦٠] كفاية. وقال النووي: المرأة إذا دعت النساء كما ذكرنا في الرجال، فإذا دعت رجلا أو رجالاً وجبت الإجابة إذا لم يكن خلوة محرمة (٣). وتقدم (٤) حديث الشاة المسمومة التي أتت بها اليهودية إلى النبي ﷺ .

стр. 119

الشرط الخامس: أن لا يكون الداعي ممن يجوز هجره (١). إذا كان الداعي ممن يجوز هجره لم تجب الإجابة. قال العراقي: واعتبر الحنابلة في وجوب الإجابة أن لا يكون الداعي ممن يجوز هجره، والقول به عندنا قريب، لأن التودد بحضور الوليمة أشد وأبلغ من السلام والكلام، فإذا لم يحيا فحضوره الوليمة أولى. وقال ابن مفلح نقلاً عن ابن الجوزي: وإن كان الطعام حرامًا فليمتنع من الإجابة وكذلك إذا كان منكرًا وكذا إذا كان الداعي ظالمًا أو فاسقًا أو مبتدعًا أو مفاخرًا بدعوته. ثم قال: وذكر الشيخ تقي الدين في فتاويه أنه لا ينبغي أنه يسلم على من لا يصلي ولا يجيب دعوته انتهى كلامه (٢). وقطع بعض أصحابنا أنه لا تجب إجابة من يجوز هجره ... ثم قال: وحكاه صاحب المغني عن الأصحاب، وقال إنه لا يأمن اختلاط طعامهم بالحرام والنجاسة فعلى مقتضى هذا التعليل لا تجب إجابة مسلم في ماله شبهة ولا سيما إذا كثرت، ولا من لا يتحرز من النجاسة ويلابسها كثيرًا، وقد سئل أحمد ﵁ عن الرجل يدعى إلى الختان أو العرس وعنده المخنثون، فيدعوه بعد ذلك بيوم أو ساعة وليس عنده أولئك؟ فقال: أرجو أن لا يأثم إن لم يجب، وإن أجاب فأرجو أن لا يكون آثمًا. قال في المغني بعد ذكر هذا النص: فأسقط الوجوب لإسقاط الداعي حرمة نفسه باتخاذ المنكر، ولم يمنع من الإجابة لكون المجيب لا يرى منكرًا ولا يسمعه.

стр. 120

وقال صالح لأبيه: ما تقول في رجل شرب الخمر يدعوني إلى غدائه وعشائه أجيبه وأجالسه؟ قال: تأمره وتنهاه فإن كان كسبه طيبًا وعصى الله في بعض أمره يدعو لا يجاب (١). الشرط السادس: أن لا يكون الداعي مفاخرًا بدعوته (٢). إذا كان الداعي مفاخرًا لم تجب الإجابة. دليل هذا (٣) الشرط: حديث ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتبارين أن يؤكل، أخرجه أبو داود (٤) والبيهقي (٥) من طريق جرير بن حازم عن الزبير بن خريت قال: سمعت عكرمة به. ورجال إسناده ثقات وقال ابن مفلح: إسناد جيد (٦) لكن قال أبو داود في السنن: أكثر من رواه عن جرير لا يذكر فيه ابن عباس، وهارون النحوي ذكر فيه ابن عباس أيضًا، وحماد بن زيد لم يذكر ابن عباس. وأخرجه الحاكم (٧) وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي من طريق هارون بن موسى النحوي عن الزبير بن الحارث - هكذا في المستدرك، ولعله ابن خريت كما في سنن أبي داود - عن عكرمة عن ابن عباس به.

стр. 121

وقال البغوي: والصحيح أنه عن عكرمة عن النبي ﷺ مرسل (١). لكن الحديث له شاهد من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا «المترائيان لا يجابان ولا يؤكل طعامهما» أخرجه ابن السماك (٢) من طريق علي بن الحسن الضرير عن أبي حمزة السكري عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، به. وسنده صحيح إن كان علي بن الحسن هو ابن شقيق العبدي فإنه يروي عن أبي حمزة، لكن لم أر من وصفه بالضرير، والله أعلم. قال ابن الأثير: إن المتباريين هما المتعارضان بفعلهما ليُعجز أحدهما الآخر بصنيعه، وإنما كرهه لما فيه من المباهاة والرياء (٣). قال ابن مفلح: فهذا يدل كما ذكره ابن الجوزي في المفاخر بدعوته، وذكر أبي داود لذلك يوافقه، ثم هل يحرم أكل هذا الطعام أو يكره؟ يحتمل وجهين نظرًا لظاهر النهي والمعنى (٤). وقال الخطابي: المتباريان المتعارضان بفعلهما يقال: تبارى الرجلان إذا فعل كل واحد منهما مثل ما فعل صاحبه، ليرى أيهما يغلب صاحبه. وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة ولأنه داخل في جملة ما نهي عنه من أكل المال بالباطل (٥).

стр. 122

وقال ابن القيم: الوجه الخامس والتسعون (١): أنه ﷺ نهى عن طعام المتباريين وهما الرجلان يقصد كل منهما مباراة الآخر ومباهاته، إما في التبرعات كالرجلين يصنع كل منهما دعوة يفتخر بها على الآخر ويباريه فيها. وإما في المعاوضات كالبائعين يرخص كل منهما سلعته لمنع الناس من الشراء من صاحبه، ونص الإمام أحمد على كراهة الشراء من هؤلاء، وهذا النهي يتضمن سد الذريعة من وجهين: أحدهما: أن تسليط النفوس على الشراء منهما وأكل طعامهما تفريح لهما وتقوية لقلوبهما، وإغراء لهما على فعل ما كرهه الله ورسوله ﷺ . والثاني: أن ترك الأكل من طعامهما ذريعة إلى امتناعهما وكفهما عن ذلك (٢). الشرط السابع: أن لا يكون الداعي أكثر ماله من الحرام (٣). فإذا كان الداعي أكثر ماله من الحرام لم تجب إجابته أما حكم حضور الدعوة والأكل فالمسألة لا تخلو من حالتين هما: الحالة الأولى: أن يعلم أن عين الطعام المقدم في الدعوة محرم ككونه مسروقًا أو مغصوبًا ففي هذه الحالة تحرم الإجابة والأكل، وقد نص على تحريم الأكل في هذه الحالة غير واحد من أهل العلم منهم مكحول والزهري والفضيل

стр. 123

بن عياض وشيخ الإسلام ابن تيمية والعراقي وغيرهم، بل حكى ابن عبد البر وغيره الإجماع على ذلك (١). الحالة الثانية: أن يكون أكثر ماله من الحرام لكن لا يعلم عين الحرام. ففي هذه الحالة اختلف أهل العلم في ذلك على أقوال: القول الأول: تحريم الأكل حكاه ابن مفلح (٢) قولا في المذهب (٣) وهو رواية عن الإمام أحمد، وقطع به ابن الجوزي وذكر الشيخ تقي الدين أنه أحد الوجهين.

стр. 124

دليل هذا القول: ١ - حديث النعمان بن بشير ﵁ عن النبي ﷺ قال: «الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والترمذي (٤) والنسائي (٥) وابن ماجة (٦) كلهم من طرق عن الشعبي عن النعمان به. وقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام يعني الحلال المحض والحرام المحض، وقال من اتقاها فقد استبرأ لدينه، وفسرها تارة باختلاط الحلال بالحرام (٧). ٢ - حديث عدي بن حاتم ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه». قلت: أرسل كلبي فأجد

стр. 125

معه كلبًا آخر؟ قال: «لا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر». أخرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وأبو داود (٣) والنسائي (٤) وابن ماجة (٥). وفي لفظ للبخاري (٦) «وإن خالطها كلب من غيرها فلا تأكل». وفي لفظ لمسلم «إن وجدت مع كلبك كلبا غيره وقد قتل، فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله» (٧). ٣ - عن عائشة (٨) ﵂ قالت كان غلام لأبي بكر يخرج له الخراج وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر فقال له الغلام تدري ما هذا؟ فقال أبو بكر وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية وما أحسن الكهانة، إلا أني خدعته فلقيني فأعطاني بذلك فهذا الذي أكلت منه، فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه.

стр. 126

أخرجه البخاري (١). فالذي يظهر من فعل أبي بكر هذا إنما هو لما ثبت عنده من النهي عن حلوان الكاهن كما قاله الحافظ ابن حجر (٢)، ويحتمل أنه فعله على سبيل الورع لأنه لم يعلم به إلا بعد الأكل. ٤ - عن الحسن بن علي قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». أخرجه الترمذي (٣) والنسائي (٤) والطيالسي (٥) وأحمد (٦) والدارمي (٧) وأبو يعلى (٨) وابن حبان (٩) والحاكم (١٠). من طرق عن شعبة عن بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي به بإسناد صحيح.

стр. 127

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في موضع وقال في الموضع الآخر: قلت سنده قوي. وأخرجه عبد الرزاق (١) والطبراني (٢) عن الحسن بن عمارة والطبراني (٣) عن الحسن بن عبيد الله كلاهما عن بريد بن أبي مريم به. تنبيه: وقع عند الطيالسي والدارمي والحاكم يزيد بدل «بريد» ولعله تصحيف فإن الذي يروي عن أبي الحوراء ويروي عنه شعبة هو بريد بالباء (٤). ٥ - عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الإثم حواز (٥) القلوب». أخرجه البيهقي (٦) من طريق سعيد بن منصور ثنا سفيان عن منصور عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه عن عبد الله بن مسعود به مرفوعًا.

стр. 128

وأخرجه ابن أبي عمر العدني (١) عن سفيان والطبراني (٢) عن زائدة كلاهما عن منصور عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه (٣) عن ابن مسعود ﵁ موقوفًا. قال العراقي عقب المرفوع المعروف أنه من قول ابن مسعود ... وإسناده صحيح رويناه في مسند العدني ثم ساق سنده (٤). وله طرق أخرى موقوفة عند الطبراني (٥) والبيهقي (٦). قال الهيثمي: رواه الطبراني كله بأسانيد رجالها ثقات (٧). وقال العراقي: قد ورد في معناه مرفوعًا عدة أحاديث منها حديث النواس بن سمعان «الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» (٨) ومنها

стр. 129

حديث وابصة بن معبد «الإثم ما حاك في نفسك وتردد في الصدر» (١) ومنها حديث واثلة «والإثم ما حاك في صدرك» (٢) (٣). ٦ - عن أنس ﵁ قال: «إذا دخلت على رجل لا تتهمه في بطنه فكل من طعامه واشرب من شرابه». أخرجه البخاري (٤) تعليقًا ووصله ابن أبي شيبة (٥) ثنا وكيع عن سفيان عن عمرو (٦) الأنصاري قال: سمعت أنسا به بإسناد صحيح (٧). القول الثاني: كراهية الأكل والورع ترك ذلك. كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية والعراقي وغيرهما (٨). ودليل هذا القول عموم الأدلة في هذه المسألة.

стр. 130

القول الثالث: جواز الأكل. وممن قال بهذا الزهري ومكحول والفضيل بن عياض وأحمد في رواية وإسحاق وابن سيرين وسعيد بن جبير والحسن البصري (١) ومورق العجلي وغيرهم (٢). قال ابن رجب: ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه. وروي في ذلك آثار عن السلف ... (٣). أدلة هذا القول: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأل عنه، وإن سقاه شرابًا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأل عنه». أخرجه أحمد (٤) وأبو يعلى (٥) والطبراني (٦) والحاكم (٧) والخطيب (٨). من طرق عن مسلم بن خالد الزنجي عن زيد بن أسلم عن سُمي عن أبي صالح عن أبي هريرة به. إلا عند أبي يعلى عن مسلم بن خالد عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي هريرة به مرفوعًا.

стр. 131

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. لكن هذا الطريق فيه مسلم بن خالد الزنجي، قواه بعض أهل العلم وتكلم فيه آخرون، ومن تكلم فيه أكثر وهو ممن يعتبر به (١). وقال الحافظ: فقيه صدوق كثير الأوهام (٢). وللحديث علة أخرى وهي الوقف فقد أخرجه عبد الرزاق (٣) وابن أبي شيبة (٤) من طريق ابن عيينة عن محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبي هريرة موقوفًا. وعند عبد الرزاق عن ابن عيينة عن ابن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا، وهذا الطريق ابن عجلان وثقه غير واحد (٥). وقال فيه الحافظ: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة (٦). وفي هذا الإطلاق نظر وقد بين ذلك ابن حبان فقال: قال يحيى القطان سمعت محمد بن عجلان يقول: كان سعيد المقبري يحدث عن أبيه عن أبي هريرة وعن أبي هريرة فاختلط على فجعلتها كلها عن أبي هريرة. قال أبو حاتم: قد سمع سعيد المقبري من أبي هريرة وسمع عن أبيه عن أبي هريرة فلما اختلط على ابن عجلان صحيفته ولم يميز بينهما اختلط فيها وجعلها كلها عن أبي هريرة، وليس هذا مما يوهي الإنسان به، لأن الصحيفة كلها في نفسها صحيحة فما قال ابن عجلان عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، فذاك مما

стр. 132

حمل عنه قديمًا قبل اختلاط صحيفته عليه، وما كان عن سعيد عن أبي هريرة فبعضها متصل صحيح وبعضها منقطع؛ لأنه أسقط أباه منها فلا يجب الاحتجاج عند الاحتياط إلا بما يروي الثقات المتقنون عنه عن سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وإما يوهى أمره لو قال في الكل عن سعيد عن أبي هريرة فإنه لو قال ذلك كان كاذبًا في البعض؛ لأن الأكل لم يسمعه سعيد عن أبي هريرة فلو قال ذلك لكان الاحتجاج به ساقطًا على حسب ما ذكرناه (١). وعلى هذا فسند ابن أبي شيبة يرد عليه هذا الكلام، أما سند عبد الرزاق فلا يرد عليه هذا؛ لأنه من طريق سعيد عن أبيه عن أبي هريرة، وقد تابع ابن عجلان أبو معشر المدني عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة موقوفًا أخرجه عبد الرزاق (٢) وأبو معشر ضعفه غير واحد (٣). وأخرجه الحاكم (٤) من طريق سفيان عن ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة رواية به، وهذا يوحي برفعه ولكن هذا يرد عليه كلام ابن حبان السابق لأن ابن عجلان أسقط والد أبي سعيد. والحاصل أن رواية الوقف أقوى من الرفع، والله أعلم. ٢ - عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود قال: جاء إليه رجل فقال: إن لي جارًا يأكل الربا وإنه لا يزال يدعوني فقال: «مهنأه لك وإثمه عليه». قال سفيان فإن عرفته بعينه فلا تصبه. أخرجه عبد الرزاق (٥) عن الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر به.

стр. 133

وأخرجه أيضًا عن معمر عن منصور عن سلمة بن كهيل عن ذر، به، ورجال إسناده ثقات. وصحح أثر ابن مسعود الإمام أحمد (١) وابن رجب الحنبلي (٢). ٣ - عن سلمان الفارسي قال: إذا كان لك صديق عامل أو جار عامل أو ذو قرابة عامل فأهدى إليك هدية أو دعاك إلى طعام فاقبله، فإن مهنأه لك وإثمه عليه. أخرجه عبد الرزاق (٣) عن معمر عن أبي إسحاق عن الزبير بن عدي عن سلمان به. ورجال إسناده ثقات، ويخشى فيه من الانقطاع بين الزبير وسلمان (٤). ٤ - أن اليهود والنصارى يأكلون الربا وقد أحل الله طعامهم (٥). قال ابن رجب (٦): والآثار بذلك (٧) موجودة في كتاب الأدب لحميد بن زنجويه وبعضها في كتاب الجامع للخلال، وفي مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم.

стр. 134

الترجيح: من خلال تأمل الأقوال في هذه المسألة وأدلتها يظهر والله أعلم قوة القول الثاني، وهو القول بالكراهة لما فيه من الجمع بين الأدلة في هذه المسألة؛ ولأن أدلة التحريم غير صريحة في المنع إذا لم يعلم الحرام بعينه بل محتملة فالورع ترك ذلك، وكما قيل الورع محمود المقاصد وبخاصة إذا كان ممن يقتدى به.

стр. 135

المبحث الثالث الشروط المتعلقة بالمدعو في هذا البحث سأذكر ما وقفت عليه مما ذكره أهل العلم من الشروط المتعلقة بالمدعو والتي إذا تحققت فيه وجبت أو استحبت الإجابة مع الشروط الأخرى وهي: الشرط الأول: أن يعين المدعو. الشرط الثاني: أن يكون المدعو مسلمًا. الشرط الثالث: أن لا يكون المدعو معذورًا بمرخص في ترك الجماعة. الشرط الرابع: أن يكون المدعو حرًا. الشرط الخامس: أن لا يكون المدعو قد سبق بدعوة آخر. الشرط السادس: أن لا يتعذر المدعو إلى صاحب الدعوة فيرضى بتخلفه. الشرط السابع: أن لا يكون المدعو قاضيًا. وإليك بيانها بالتفصيل:

стр. 136

الشرط الأول: أن يعين المدعو (١). من شروط إجابة الدعوة أن يكون المدعو معينًا مخصوصًا بالدعوة فإذا كانت الدعوة غير معينة لم تجب الإجابة. قال ابن قدامة: وإنما تجب الإجابة على من عين بالدعوة بأن يدعو رجلاً بعينه أو جماعة معينين، فإذا دعا الجفلى بأن يقول: يا أيها الناس أجيبوا إلى الوليمة أو يقول الرسول: أمرت أن أدعو كل من لقيت أو من شئت لم تجب الإجابة ولم تستحب؛ لأنه لم يعين بالدعوة فلم تتعين عليه الإجابة ولأنه غير منصوص عليه ولا يحصل كسر قلب الداعي بترك إجابته ويجوز الإجابة بهذا لدخوله في عموم الدعاة (٢). وقال العراقي: ثانيها: - أي الشروط - أن يخصه بالدعوة بنفسه أو بإرسال شخص إليه فأما إذا قال بنفسه أو بوكيله: ليحضر من أراد أو قال لشخص: احضر وأحضر معك من شئت، فقال لغيره: احضر، فلا تجب الإجابة ولا تستحب، وكذا اعتبر المالكية والحنابلة في وجوب الإجابة أن يدعو معينا. قال ابن دقيق العيد في شرح الإلمام: ولا يخلو من احتمال لو قيل بخلافه. وقد يقال هذا معلوم من قولهم دعي فإن هذا لم يدع وإنما مكن من الحضور (٣). وقال ابن العربي: الدعاء يكون على وجهين أحدهما أن يكونوا معينين.

стр. 137

الثاني: أن يقول له أدع معينين وغير معنيين، وذلك جائز في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ قال لأنس في وليمته ادع لي فلانا وفلانا ومن لقيت، فجاؤوا وذكر الحديث أخرجه البخاري وغيره (١) (٢). مسألة: حكم البطاقات: ظهر في الآونة الأخيرة ما يسمى بالبطاقات لغرض الدعوة إلى الوليمة أو غيرها وهي: أوراق يكتب فيها اسم الداعي ومكان الدعوة ووقتها، وغالبًا ما تستعمل في الأعراس يوزعها أهل الزوج والزوجة. أما حكمها: فإنها لا تخلو إما أن يظهر منها قصد التعيين أو لا يظهر. فإن ظهر منها قصد التعيين بأن يسلمها الداعي بنفسه أو وكيله إلى المدعو، فهذه يظهر أنها من قبيل التعيين. وأما إن ظهر منها عدم قصد التعيين فهي أشبه بدعوة الجفلي التي نص بعض أهل العلم أن إجابتها لا تجب كما تقدم. ولهذا نجد البعض يرسل هذه البطاقات من قبيل المجاملات ورفع الإحراجات، وقد يكون البعض غير مراد في الدعوة، والبعض الآخر يدفعها إلى آخرين ويقول لهم: ادعوا من شئتم. وعلى هذا فهي بحسب القرينة إن ظهر منها قصد التعيين أخذت حكمه، وإن لم يظهر قصد التعيين أشبهت دعوة الجفلي والله أعلم.

стр. 138

الشرط الثاني: أن يكون المدعو مسلمًا (١). إذا كان المدعو كافرًا لم تجب الإجابة. قال العراقي: فلو دعا مسلم كافرًا لم تلزمه الإجابة جزمًا كما صرح به الماوردي والروياني، وعللاه بأنه لم يلتزم بأحكامنا إلا عن تراض فلو رضي ذميان بحكمنا أخبرناهما بإيجاب الإجابة، وهل يخبر المدعو أم لا؟ فيه قولان حكاهما الماوردي والروياني (٢). وتقدم دليل هذا الشرط (٣). الشرط الثالث: أن لا يكون المدعو معذورًا بمرخص في ترك الجماعة (٤). إذا كان المدعو معذورًا بما يبيح له ترك الجماعة لم تجب الإجابة. قال الحافظ: وضبطه الماوردي بما يرخص به في ترك الجماعة (٥). وكذا نقله العراقي (٦) عن الماوردي والروياني. الشرط الرابع: أن يكون المدعو حرًا (٧). إذا دعي الرقيق لا تلزمه الإجابة إلا إذا أذن له سيده.

стр. 139

قال العراقي: فلو دعا عبدًا لزمه إن أذن له سيده، وكذلك المكاتب إن لم يضر حضوره بكسبه، فإن أضر أو أذن سيده فوجهان، والمحجور إذا كان مدعوًا كالرشيد (١). الشرط الخامس: أن لا يكون المدعو قد سبق بدعوة آخر (٢). فإذا دعاه رجلان ولم يمكن الجمع بينهما وسبق أحدهما أجاب السابق؛ لأن إجابته وجبت حين دعاه فلم يزل الوجوب بدعاء الثاني، ولم تجب إجابة الثاني لأنها غير ممكنة مع إجابة الأول كما قاله ابن قدامة (٣) وابن العربي (٤) والعراقي (٥) وابن حجر (٦). ودليل هذا الشرط ما أخرجه أبو داود (٧) وأحمد (٨) والطحاوي (٩)

стр. 140

والبيهقي (١) من طريق يزيد بن عبد الله الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن النبي ﷺ قال: «إذا اجتمع الداعيان فأجب أقربهما بابًا أقربهما جوارًا، وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق». وفي سنده يزيد بن عبد الرحمن أبو خالد الدالاني، قال فيه ابن معين (٢) والنسائي (٣): ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق ثقة (٤) وقال أبو أحمد الحاكم: لا يتابع في بعض حديثه (٥) وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وفي حديثه لين، إلا أنه يكتب (٦) وقال البخاري: صدوق وإنما يهم في الشيء. وقال يعقوب: منكر الحديث. وقال ابن حبان: كان كثير الخطأ، فاحش الوهم، يخالف الثقات (٧). وقال الحافظ ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرًا وكان يدلس (٨).

стр. 141

قال الحافظ ابن حجر: وإسناده ضعيف ورواه أبو نعيم في معرفة الصحابة (١) من رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبيه وله شاهد في البخاري (٢) من حديث عائشة قيل يا رسول الله: إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما منك بابا» (٣). وأخرجه الطحاوي (٤) من حديث عائشة ولم يسق لفظه، وإنما قال: عن رسول الله ﷺ مثله، يعني حديث الرجل من أصحاب النبي ﷺ ، وسنده حسن، وعلى هذا يكون الحديث حسنًا. مسألة: إذا اجتمع داعيان في وقت واحد: إذا اجتمع داعيان في وقت واحد فإن المدعو يجيب أقربهما منه بابا إلا أن يسبق أحدهما الآخر؛ لأن أقربهما بابًا أقربهما جوارًا بدليل حديث أبي داود وحديث عائشة السابقين في هذا الشرط فإن استويا أجاب أقربهما رحمًا لما فيه من صلة الرحم فإن استويا أجاب أدينهما، فإن استويا أقرع بينهما؛ لأن القرعة تعين المستحق عند استواء الحقوق، قاله ابن قدامة (٥). وذهب العراقي (٦) إلى تقديم الأقرب رحمًا عند الاستواء، ثم الأقرب جوارًا، وعكس ذلك الماوردي والروياني فقدما الجوار على الرحم ثم بعدهما القرعة. ورجح الحافظ ابن حجر (٧) قول العراقي.

стр. 142

وحديث أبي داود نص في محل النزاع وكذا حديث عائشة في الصحيح (١) يقوِّي تقديم الأقرب بابًا على الرحم عند الاستواء؛ لأن النبي ﷺ أرشد عائشة إلى الأقرب بابًا في الهدية، ولم يقل أقربهما رحمًا إلا أن يقال إن النبي ﷺ قال ذلك لعلمه بالحال، لكن قد يقال ليس في سياق الحديث ما يدل على ذلك والعبرة بعموم اللفظ والله أعلم. الشرط السادس: أن لا يعتذر المدعو إلى صاحب الدعوة فيرضى بتخلفه (٢). فإن اعتذر المدعو إلى الداعي وقبل عذره لم تجب الإجابة كما قاله النووي (٣) والعراقي (٤) وغيرهما. قال العراقي (٥): سادسها - أي الشروط - أن لا يتعذر المدعو إلى صاحب الدعوة فيرضى بتخلفه فإن وجد ذلك زال الوجوب، وارتفعت كراهة التخلف، قال والدي: وهو قياس حقوق العباد ما لم يكن فيه شائبة حق الله تعالى كرد السلام، فإنه لا يسقط وجوب الرد برضا المسلم بتركه، وقد يظهر الرضا ويورث مع ذلك وحشة. انتهى (٦).

стр. 143

فلو غلب على ظنه أن الداعي لا يتألم بانقطاعه، ففيه تردد حكاه القاضي مجلي في الذخائر (١). ودليل هذا الشرط: ١ - ما أخرجه عبد الرزاق (٢) والبيهقي (٣) عن معمر عن مجاهد أن ابن عمر دعا يوما إلى طعام فقال رجل من القوم: أما أنا فأعفني من هذا فقال له ابن عمر: لا عافية لك من هذا فقم. صحح سنده الحافظ في الفتح (٤). ٢ - ما أخرجه عبد الرزاق (٥) والبيهقي (٦) من طريق معمر عن أيوب عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح قال دعي ابن عباس إلى طعام وهو يعالج من أمر السقاية شيئًا فقال للقوم: قوموا إلى أخيكم وأجيبوا أخاكم فأقرؤوا ﵇ وأخبروه أني مشغول. وسنده صحيح. قال الحافظ: وأخرجه الشافعي وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن عباس «أن صفوان دعاه فقال: إني مشغول وإن لم يعفني جئته» (٧).

стр. 144

وهذا اللفظ الذي ذكره الحافظ أخرجه البيهقي (١) من طريق الشافعي أنبأنا مسلم بن خالد عن ابن جريج - قال الشافعي - لا أدري عن عطاء أو غيره قال جاء رسول ابن صفوان إلى ابن عباس وهو يعالج زمزم يدعوه وأصحابه فأمرهم فقاموا واستعفاه وقال: إن لم يعفني جئته. وفي سنده مسلم بن خالد الزنجي، وثقه بعض أهل العلم والأكثر على الكلام فيه كابن معين وابن المديني والبخاري والنسائي وأبي داود والعقيلي وأبي حاتم وغيرهم (٢). وقال ابن حجر: صدوق كثير الأوهام (٣).

стр. 145

الشرط السابع: أن لا يكون المدعو قاضيًا (١) هذا الشرط ذكره بعض أهل العلم وقالوا إن القاضي لا تجب عليه إجابة الدعوة كما حكاه العراقي عن بعض الشافعية والنووي وجها والماوردي أيضًا وهو المنقول عن مالك، وقاله ابن قدامة (٢) وعللوا ذلك بما يأتي: ١ - قال ابن دقيق العيد: والذين استثنوا القاضي فإنما استثنوه لمعارض قام عندهم، وكأنه طلب صيانته عما يفضي إلى ابتذاله، وسقوط حرمته عند العامة، وفي ذلك عود ضرر على مقصود القضاء من تنفيذ الأحكام لأن الهيئات معينة عليها، ومن لم يعتبر هذا رجع إلى الأمر، وإن ترك العمل بمقتضاه مفسدة محققة (٣). وقال ابن عقيل في إجابة أهل الفضل: يورث دناءة وإسقاط الهيبة في نفوس الناس (٤). ثم رد ابن دقيق العيد وقال: وما ذكر من سبب التخصيص قد لا يفضي إلى مفسدة. ٢ - قال العراقي: ويحتمل أن يكون المعنى في المنع ما فيه من استمالته، وأنه قد يكون في معنى قبول الهدية والله أعلم (٥).
следующие страницы →