← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14544

إجابة الدعوة وشروطها

إبراهيم العبيد

Полный текст (152 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

إِجَابَة الدعْوَة وشروطها تأليف إِبْرَاهِيم بن عَليّ بن عبيد العبيد كُلية الحَدِيث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية - الْمَدِينَة النَّبَوِيَّة دَار ابْن الْجَوْزِيّ

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ المقدمة إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١، ٧٢]. أما بعد: فإن الدعوات قد كثرت في هذا العصر وأصبح الكثير من الناس في حرج

стр. 3

من عدم الإجابة ولا يدري ما يأتي منها وما يذر سواء كانت الدعوة لعرس أو إملاك أو عقيقة أو حضور ضيف أو غيرها. مع عدم إلمام بالشروط التي إذا توافرت وجبت أو استحبت الإجابة، سواء كانت هذه الشروط متعلقة بالداعي أو المدعو أو الدعوة نفسها، فمن هنا كانت الحاجة ماسة إلى بيان حكم هذه المسألة مع جمع شروط إجابة الدعوة أو موانع الإجابة في رسالة مستقلة واستخراجها من بين ثنايا كتب أهل العلم، فأحببت أن أساهم في بيان حكم هذه المسألة وشروطها بجمع الأقوال فيها ومناقشتها وذكر أدلتها مع تخريجها والحكم عليها وسميته: «إجابة الدعوة وشروطها» (١). وجعلته في مقدمة وفصلين وخاتمة. خطة البحث: المقدمة: وفيها أهمية الموضوع وخطة البحث والمنهج الذي سلكته في إعداد هذا البحث.

стр. 4

الفصل الأول: إجابة الدعوة، ويشتمل على مبحثين، هما: المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة. المبحث الثاني: الأكل لمن دعي إذا حضر. الفصل الثاني: شروط إجابة الدعوة، ويشتمل على ثلاثة مباحث، هي: المبحث الأول: الشروط المتعلقة بالدعوة. المبحث الثاني: الشروط المتعلقة بالداعي. المبحث الثالث: الشروط المتعلقة بالمدعو. الخاتمة: وتشتمل على أهم نتائج البحث. ومما تجدر الإشارة إليه أن شروط إجابة الدعوة لا يُسلَّم بجميعها، فبعضها محل نظر هل تدخل في الشروط أو لا، والبعض الآخر منها ما هو في الحقيقة مانع من موانع الإجابة، لا شرط، لكن لما رأيت أن غالب من كتب في هذا الباب ذكرها في معرض الشروط ولم يفصلها- أحببت جمع الجميع في موضع واحد وتدخل من باب التغليب، لأن الهدف من هذا البحث تحقيق من تجب عليه الإجابة أو تستحب، وهذا يحصل بذكر الشرط أو المانع (١). منهج البحث: - أقوم بجمع الأقوال في حكم إجابة الدعوة من كتب شروح الأحاديث وكتب الفقهاء.

стр. 5

- أنسب كل قول إلى قائله من المصادر الأصلية فإن لم أجده إلا بواسطة أثبته. - أجمع كل ما وقفت عليه مما قاله أهل العلم بأنه شرط من شروط إجابة الدعوة أو مانع من الإجابة. - أذكر كل ما وقفت عليه من أدلة إجابة الدعوة أو شروطها من دواوين السنة في مظانها. - مناقشة الأدلة من حيث درجتها وصحة الاستدلال بها على القول. - أخرِّج الأحاديث الواردة في هذا البحث وأحكم عليها حسب قواعد المحدثين، فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما فإني أكتفي بالعزو إلى من أخرجه من أصحاب الكتب الستة دون غيرهم، فإن لم يكن في الصحيحين أو أحدهما فأني اجتهد في تخريجه من دواوين السنة الصحاح والمسانيد والسنن والمعاجم وكتب الزوائد وغيرها. - أرتب الأحاديث في كل مبحث على حسب درجتها، الصحيحة فالحسنة فالضعيفة ما لم يكن له شاهد من الأحاديث الصحيحة أو الحسنة فإني أجعله عقبه للعلاقة بينها. - إذا صح الحديث من أحد طرقه فإني لا ألتزم الحكم على جميع طرق الحديث اكتفاء بصحته. - أنقل أقوال أهل العلم في الحكم على الحديث - إن وجدت. - إذا كان ضعف الحديث ظاهرًا فإني لا أستطرد في الكلام عليه. - أترجم للرواة الذين تدعو الحاجة إلى الترجمة لهم - كمن يدور عليه الحكم على الحديث - من كتابي الكاشف للحافظ الذهبي

стр. 6

والتقريب للحافظ ابن حجر، ما لم أخالفهما بناء على كلام حفاظ آخرين، فإني أبين ذلك. - إذا لم يكن الراوي من رجال التقريب والكاشف، فإني أترجم له من كتب الجرح والتعديل الأخرى. - أبيِّن الغريب الذي يحتاج إلى بيان من كتب الغريب واللغة. - عمل الفهارس العلمية. - فهرس الأحاديث والآثار. - فهرسي المصادر والمراجع. - فهرس المواضيع. هذا وقد بذلت جهدي في إخراج هذا البحث، فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله ، وما كان فيه من خطأ فاسأل الله العفو والتوفيق للصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين كتبه: إبراهيم بن علي العبيد كلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية بالجامعة الإسلامية المدينة المنورة

стр. 7

الفصل الأول: إجابة الدعوة ويشمل على مبحثين: المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة. المبحث الثاني: الأكل لمن دعي إذا حضر.

стр. 8

المبحث الأول: حكم إجابة الدعوة عند تأمل الأحاديث الواردة في هذه المسألة نجد أن هدي النبي ﷺ إجابة الدعوة إذا دعي إليها حتى لو دعي إلى كراع كما ثبت ذلك عنه ﷺ ، وقد تعددت الأحاديث القولية والفعلية في ذلك واختلفت دلالتها، فبعضها ظاهر في الوجوب مطلقًا، وبعضها ظاهر في الوجوب في وليمة العرس، وبعضها ظاهر في السنية، ولهذا اختلفت مذاهب أهل العلم في ذلك على أقوال هي: القول الأول: وجوب إجابة الدعوة مطلقًا سواء كانت عرسًا أو غيره وممن قال بهذا: بعض الشافعية وأهل الظاهر وعبيد الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة والشوكاني وابن حزم، وقال: إن هذا قول جمهور الصحابة والتابعين (١). لكن تعقبه العراقي (٢) فقال: وادعى ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين وفي ذلك نظر. وقال الحافظ ابن حجر: وزعم ابن حزم أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويعكر عليه ما نقلناه عن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة أنه قال في وليمة الختان: «لم يكن يدعى لها» لكن يمكن الانفصال عنه بأن ذلك لا يمنع القول بالوجوب لو دعوا ... (٣).

стр. 9

أدلة هذا القول: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله ﷺ ». أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، والنسائي (٤)، وابن ماجة (٥)، وفي لفظ لمسلم مرفوعًا جميعه (٦).

стр. 10

وفي الباب عن ابن عمر (١)، وابن عباس (٢) ﵃. ووجه الدلالة منه أن العصيان لا يطلق إلا على ترك الواجب والوليمة تشمل العرس وغيره (٣). ٢ - حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها». أخرجه البخاري (٤)، ومسلم (٥)، وأبو داود (٦)، النسائي (٧). وفي لفظ متفق عليه: «أجيبوا هذه الدعوة إذا دعيتم لها. قال: وكان عبد الله يأتي الدعوة في العرس وغير العرس ويأتيها وهو صائم». وفي لفظ لمسلم وأبي داود «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه».

стр. 11

وله ألفاظ أخر (١). ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أمر بإجابة الوليمة والدعوة والأصل في الأمر الوجوب إلا أن يصرفه صارف، وقالوا إن الوليمة والدعوة تشمل العرس وغيره، ويؤيد هذا رواية مسلم وغيره «عرسًا كان أو نحوه» وأن عبد الله بن عمر وهو راوي الحديث كان يأتي الدعوة في العرس وهو صائم (٢).

стр. 12

وفي لفظ لأبي داود (١)، وابن عدي (٢)، والبيهقي (٣) من طريق دُورست بن زياد عن أبان بن طارق عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله، ومن دخل على غير دعوة دخل سارقًا وخرج مغيرًا». وسنده ضعيف فيه أبان بن طارق مجهول ودورست ضعيف. وقال أبو داود عقبه: أبان بن طارق مجهول، وضعف الحديث العراقي (٤). وأخرجه ابن عدي من طريق خالد بن الحارث عن أبان بن طارق به، وقال أبان بن طارق: هذا لا يعرف إلا بهذا الحديث، وهذا الحديث معروف به وله غير هذا الحديث لعله حديثين أو ثلاثة، وليس له أنكر من هذا. وأخرجه سعيد بن منصور (٥) من طريق الزهري مرسلاً. وأخرجه أحمد (٦) من طريق العمري عن نافع، وفي سنده العمري. والحاصل: أن الحديث ضعيف بهذا اللفظ. وفي هذا اللفظ قال: «من دعي فلم يجب» ولم يخصها بالوليمة. وفي لفظ لأبي يعلي (٧) «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله».

стр. 13

ووجه الدلالة أنه سمى من لم يجب الدعوة عاصيًا لله ولرسوله. قال ابن حزم: فإن قيل قد جاء في بعض الآثار «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب» قلنا نعم لكن الآثار التي أوردنا فيها زيادة غير العرس مع العرس، وزيادة العدل لا يحل تركها (١). ٣ - حديث البراء بن عازب ﵁ قال: «أمرنا النبي ﷺ بسبع ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض وإتباع الجنائز وتشميت العاطس وإبرار القسم ونصرة المظلوم وإفشاء السلام وإجابة الداعي، ونهانا عن خواتيم الذهب وعن آنية الفضة والمياثر والقسية والإستبرق والديباج». أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥). وفي الباب عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «فكوا العاني، وأجيبوا الداعي وعودوا المريض» أخرجه البخاري (٦). ووجه الدلالة منهما أن النبي ﷺ أمر بإجابة الداعي مطلقًا والأصل في الأمر الوجوب. ٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حق المسلم

стр. 14

على المسلم خمس: رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس». أخرجه البخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبو داود (٣)، وابن ماجة (٤). وفي لفظ لمسلم أيضًا، ولفظ أبي داود: «خمس تجب للمسلم على أخيه». وفي الباب عن علي (٥)،

стр. 15

وأبي مسعود (١)، وأبي أيوب (٢) ﵃. ووجه الدلالة أن المراد بالحق الوجوب بدليل رواية مسلم وأبي داود.

стр. 16

قال الحافظ: «وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافًا لقول ابن بطال: المراد حق الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية» (١). وحديث أبي أيوب نص في الوجوب لو صح لكنه ضعيف. ٥ - حديث أبي أمامة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من دعاكم فأجيبوه». أخرجه الطبراني (٢) من طريق محمد بن عبد الله العرزمي عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة. قال الهيثمي: وفيه محمد بن عبيد الله العرزمي وهو ضعيف (٣). وفيه أيضًا عن علي بن يزيد: ضعيف (٤). ووجه الدلالة ظاهرة كالدليل الثاني: ٦ - حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أجيبوا الداعي، ولا تردوا الهدية، ولا تضربوا المسلمين». أخرجه أحمد (٥)، وابن أبي شيبة (٦)، والبخاري في الأدب المفرد (٧)، والبزار (٨)،

стр. 17

والطحاوي (١)، وابن حبان (٢)، والطبراني (٣) عن طريق الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود به. ووجه الدلالة منه ظاهرة كالدليل الثاني: وإسناده صحيح. وأما عنعنة الأعمش فمحمولة على السماع لأن شيخه أبو وائل. قال الذهبي وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدري به فمتى قال: (حدثنا) فلا كلام، ومتى قال: (عن) تطرق إليه احتمال التدليس إلا عن شيوخ أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال (٤) ... وذكره الحافظ في كتابه تعريف أهل التقديس في المرتبة الثانية من المدلسين (٥). وقال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح (٦).

стр. 18

٧ - حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى طعام فليجب فإن شاء طعم». أخرجه مسلم (١)، وأبو داود (٢)، والنسائي (٣) من طرق عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر ﵁ به. وأخرجه ابن ماجة (٤) من طريق أحمد بن يوسف السلمي ثنا أبو عاصم أنبأنا ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ به، وزاد «وهو صائم» ورجال إسناده ثقات لكن أبا الزبير عنعنه وهو مدلس. ورواه ابن نمير كما عند مسلم ويزيد بن سنان كما عند الطحاوي (٥) وعمرو بن علي بن بحر كما عند ابن حبان (٦) كلهم عن أبي عاصم عن ابن جريج عن أبي الزبير به بدون هذه الزيادة، وأبو الزبير صرح بالتحديث عند الطحاوي، فهؤلاء الثلاثة خالفوا أحمد بن يوسف السلمي فلم يذكروا هذه الزيادة مع ما فيها من عنعنة أبي الزبير، وكذلك رواه سفيان عن أبي الزبير بدونها كما عند مسلم وغيره.

стр. 19

وفي الباب عن أبي هريرة (١)، وابن مسعود (٢). ووجه الدلالة أن هذا أمر والأصل في الأمر الوجوب. ٨ - عن عكرمة بن عمار سمعت أبا غادية اليمامي قال: «أتيت المدينة فجاء رسول كثير بن الصلت فدعاهم فما قام إلا أبو هريرة وخمسة منهم أنا، فذهبوا فأكلوا ثم جاء أبو هريرة ثم قال: والله يا أهل المسجد إنكم لعصاة لأبي القاسم ﷺ ». أخرجه أحمد (٣) من طريق روح عن عكرمة به، وفي سنده أبو غادية

стр. 20

مجهول كما قال الحافظ (١). ووجه الدلالة ظاهر حيث سمى من لم يجب عاصيًا. ٩ - حديث عياض بن أشرس السلمي قال: رأيت يعلى بن مرة دعوته إلى مأدبة فقعد صائمًا فجعل الناس يأكلون ولا يطعم فقلت له: والله لو علمنا أنك صائم ما عتبناك قال: لا تقولوا ذلك فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أجب أخاك فإنك منه على اثنتين إما خير فأحق ما شهدته، وإما غيره فتنهاه عنه وتأمره بالخير». أخرجه الطبراني (٢) من طريق عمر بن عبد الله بن يعلى عن عياض به. قال الهيثمي: وفيه عمر بن عبد الله بن يعلى وهو ضعيف (٣). ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ أمر بإجابة الدعوة. قال الشوكاني: والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها من الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصيًا، وهذا في وليمة النكاح في غاية الظهور، وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعًا كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة ... وقال أيضًا: ولكن الحق ما ذهب إليه الأولون يعني القول بالوجوب (٤). القول الثاني: أن إجابة الدعوة سنة مطلقًا في العرس وغيره وممن قال بهذا القول: بعض الشافعية والحنابلة وذكر ابن عبد البر واللخمي من المالكية

стр. 21

أنه المذهب (١) (٢). أدلة هذا القول: استدل أصحاب هذا القول بعموم أدلة أصحاب القول الأول وأنها تدل على السنية واستدلوا أيضًا بأن النبي ﷺ كان هديه إجابة الدعوة كما ورد في أحاديث كثيرة منها: ١ - حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «لو دعيت إلى كُراع لأجبت، ولو أهدي إلي كراع لقبلت». أخرجه البخاري (٣)، والنسائي (٤)، ولفظه: «لو دعيت إلى كراع أو إلى ذراع ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت» وفي الباب عن أنس (٥)

стр. 22

وابن عباس (١) ﵃. ٢ - حديث سهل بن سعد ﵁ قال: «دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله ﷺ في عرسه وكانت امرأته يومئذ خادمهم، وهي العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله ﷺ أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته إياه». أخرجه البخاري (٢)، ومسلم (٣)، وفي الباب عن أنس (٤)

стр. 23

وأبي طلحة (١) ﵄. ٣ - حديث أنس ﵁ قال: «كان رسول الله ﷺ يعود المريض ويشهد الجنازة ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد، وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه إكاف (٢) ليف». أخرجه الترمذي (٣)، وابن ماجة (٤)، وابن سعد (٥)، وابن أبي شيبة (٦)، وابن أبي الدنيا (٧)، وأبو الشيخ (٨)،

стр. 24

والبيهقي (١) من طريق مسلم الأعور عن أنس ﵁ به، وسنده ضعيف. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم، عن أنس، ومسلم الأعور يضعف وهو مسلم بن كيسان تكلم فيه وقد روى عن شعبة وسفيان الملائي. وأخرجه ابن سعد بنحوه لكن في سنده عمرو بن حبيب العدوي ضعيف كما قاله الحافظ (٢). ٤ - حديث أنس ﵁ قال: «كان النبي ﷺ يدعى إلى خبز الشعير والإهالة السنخة فيجيب ولقد كان له درع عند يهودي فما وجد ما يفكها حتى مات». أخرجه الترمذي (٣)، وأبو يعلى (٤)، وأبو الشيخ (٥) من طريق ابن فضيل عن الأعمش عن أنس ﵁ به. والأعمش لم يسمع من أنس - وقد عنعنه - كما قاله ابن المديني (٦).

стр. 25

والحديث في البخاري (١) وغيره بلفظ «عن أنس ﵁ أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة ولقد رهن النبي ﷺ درعًا له بالمدينة عند يهودي وأخذ منه شعيرًا لأهله ولقد سمعته يقول: ما أمسى عند آل محمد ﷺ صاع بر ولا صاع حب وإن عنده لتسع نسوة». وفي الباب عن ابن عباس (٢) ﵄. ووجه الدلالة من هذه الأحاديث أن هدي النبي ﷺ هو إجابة الدعوة وهذا فعل وهو يدل على السنية. القول الثالث: التفصيل وهو أن إجابة الدعوة تجب في العرس دون غيره. وممن قال بهذا: مالك والثوري والشافعي والخطابي والعنبري والحنفية وجمهور الحنابلة وجمهور الشافعية وهو المشهور عنهم وبالغ السرخسي منهم فنقل الإجماع (٣) وهو قول الجمهور. ونقل القاضي عياض وغيره الاتفاق على وجوب الإجابة في وليمة العرس (٤).

стр. 26

لكن اعترض على هذا النقل الحافظ ابن حجر فقال: وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ثم النووي الاتفاق على القول بوجوب الإجابة إلى وليمة العرس وفيه نظر، نعم المشهور من أقوال العلماء الوجوب وصرح جمهور الشافعية والحنابلة أنها فرض عين ونص عليه مالك وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب ... (١). أدلة هذا القول: ١ - عموم أحاديث الباب وأنها تدل على السنية إلا ما نص عليه وهو وليمة العرس. ٢ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «شر الطعام طعام الوليمة يدعى لها الأغنياء ويترك الفقراء ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٢). ووجه الدلالة منه أن هذا الحديث يدل على وجوب إجابة وليمة العرس دون غيرها لأن الوليمة المراد بها وليمة العرس إذا أطلقت دون غيرها وهذا الدليل هو الذي خصص دعوة وليمة العرس بالوجوب دون غيرها من الدعوات فتبقى على السنية (٣). ٣ - حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها». وفي لفظ: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليجبها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» (٤). ووجه الدلالة أن المراد بالوليمة هو وليمة العرس كما تقدم وما ورد في

стр. 27

بعض ألفاظه «الدعوة» فالألف واللام للعهد والمراد بها وليمة العرس (١). ٤ - حديث أبي هريرة ﵁ قال: «الوليمة حق وسنة فمن دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله والخُرس والإعذار والتوكير أنت فيه بالخيار». قال قلت: إني والله لا أدري ما الخرس والإعذار والتوكير؟ قال: الخرس الولادة والإعذار الختان، والتوكير الرجل يبني الدار وينزل في القوم فيجعل الطعام فيدعوهم فهم بالخيار إن شاؤوا أجابوا، وإن شاؤوا قعدوا. أخرجه الطبراني في الأوسط (٢) من طريق الصلت بن مسعود الجحدري قال: حدثنا يحيى بن عثمان التيمي قال: حدثنا إسماعيل بن أمية قال: حدثني مجاهد عن أبي هريرة ﵁ به. وسنده ضعيف. قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن إسماعيل بن أمية إلا يحيى بن عثمان التيمي تفرد به الصلت بن مسعود. وقال الهيثمي: وفيه يحيى بن عثمان التيمي وثقه أبو حاتم الرازي وابن حبان وضعفه البخاري وغيره وبقية رجاله رجال الصحيح (٣). ويحيى بن عثمان ضعفه غير واحد والذي في الجرح والتعديل قال أبو حاتم: شيخ (٤). وأما ابن حبان فذكره وشدد النكير عليه فقال: منكر الحديث جدًا ... (٥).

стр. 28

وضعفه الحافظ ابن حجر (١). ووجه الدلالة منه أنه فرق بين دعوة الوليمة وغيرها، وسمَّى من لم يجب في الوليمة عاصيًا، أما غيرها فهو بالخيار. القول الرابع: إن إجابة وليمة العرس فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين. وممن قال بهذا: بعض الشافعية والحنابلة (٢). أدلة هذا القول: عموم الأدلة السابقة وقالوا إن الإجابة إكرام وموالاة فهي كرد السلام (٣). القول الخامس: أن إجابة الدعوة تسن في العرس وتباح في غيره، حكاه العراقي عن بعض الحنابلة (٤). المناقشة: بعد استعرض الأقوال في هذه المسألة اتضح أن الأقوال فيها خمسة المشهور منها ثلاثة: الوجوب والسنية والتفصيل وإن كان كل قول منها لا يسلم من اعتراض لكن قد يكون الاعتراض له حظ من النظر وقد لا يكون له حظ من النظر وفي هذا المبحث أود أن أورد الاعتراضات الواردة على أدلة كل

стр. 29

قول ومناقشتها قدر الإمكان مع ذكر أقوال أهل العلم في ذلك فأقول: مناقشة أدلة أصحاب القول الأول: نوقشت أدلة أصحاب القول الأول. أما الدليل الأول وهو حديث أبي هريرة فاعترض عليه من وجهين: الأول: بأن المراد به وليمة العرس، وذلك لأن الوليمة إذا أطلقت فالمراد بها وليمة العرس. قال الحافظ ابن حجر: عقب تبويب البخاري «باب حق إجابة الوليمة والدعوة»: كذا عطف الدعوة على الوليمة فأشار بذلك إلى أن الوليمة مختصة بطعام العرس ويكون عطفه الدعوة عليها من العام بعد الخاص وقد تقدم بيان الاختلاف في وقته (١). وأما اختصاص اسم الوليمة به فهو قول أهل اللغة فيما نقله عنهم ابن عبد البر (٢) وهو المنقول عن الخليل بن أحمد وثعلب وغيرهما وجزم به الجوهري (٣) وابن الأثير (٤) وقال صاحب المحكم: الوليمة طعام العرس والإملاك، وقيل كل طعام صنع لعرس وغيره. وقال عياض في المشارق: الوليمة طعام النكاح وقيل: الإملاك وقيل: طعام العرس خاصة. وقال الشافعي وأصحابه: تقع الوليمة على كل دعوة تتخذ لسرور حادث من نكاح أو ختان أو غيرهما، لكن الأشهر استعمالها عند الإطلاق في النكاح وتقيد في غيره فيقال: وليمة الختان ونحو ذلك.

стр. 30

وقال الأزهري: الوليمة مأخوذة من الوَلم الجمع وزنًا ومعنى لأن الزوجين يجتمعان (١). وقال ابن الأعرابي: أصلها من تتم الشيء واجتماعه. وجزم الماوردي ثم القرطبي بأنها لا تطلق في غير طعام العرس إلا بقرينة وأما الدعوة فهي أعم من الوليمة ... (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الوليمة تختص بطعام العرس في مقتضى كلام أحمد في رواية المروذي. وقيل: تطلق على كل طعام لسرور حادث وقاله القاضي في الجامع وقيل: تطلق على ذلك إلا أنه في العرس أظهر (٣). وقال العراقي: اختلف العلماء وأهل اللغة في الوليمة والمشهور اختصاصها بطعام العرس (٤) ... ثم ساق نحو كلام الحافظ السابق. وقال في القاموس: الوليمة طعام العرس أو كل طعام صنع لدعوة وغيرها وأَوْلَم صنعها (٥). قال ابن رسلان: وقول أهل اللغة أقوى لأنهم أهل اللسان وهم أعرف بموضوعات اللغة وأعلم بلسان العرب (٦). وقال الشوكاني: عقب دلالة هذا الحديث: والظاهر الوجوب للأوامر الواردة بالإجابة من غير صارف لها عن الوجوب ولجعل الذي لم يجب عاصيًا

стр. 31

وهذا في النكاح في غاية الظهور، وأما في غيرها من الولائم الآتية فإن صدق عليها اسم الوليمة شرعًا كما سلف في أول الباب كانت الإجابة إليها واجبة (١). وقال أيضًا: ويمكن أن يقال: الوليمة في اللغة وليمة العرس فقط وفي الشرع للولائم المشروعة (٢). وبعد إيراد هذه النقول يظهر لنا أن المشهور عند أهل اللغة وغيرهم أن الوليمة لا تطلق إلا على وليمة العرس فقط، وعلى هذا لا يكون في الحديث دلالة على الوجوب إلا في وليمة العرس فقط. قال الطحاوي: فتأملنا هذا الحديث - يعني حديث أبي هريرة - لنقف على معناه الذي أريد به إن شاء الله فوجدنا الطعام المقصود بما ذكر إليه فيه هو الوليمة وكانت صنفًا من الأطعمة لأن في الأطعمة أصنافًا سواها نحن ذاكروها في هذا الباب إن شاء الله، وهو ما سمعت أحمد بن أبي عمران يقول: كانت العرب تسمى الطعام الذي يطعمه الرجل إذا ولد له مولود طعام الخرس وتسمى طعام الختان طعام الأعذار، يقولون: قد أعذر على ولده وإذا بنى الرجل دارًا أو اشتراها فأطعم قيل طعام الوكيرة أي من الوكر وإذا قدم من سفر فأطعم قيل طعام النقيعة. قال: وأنشد أبو نصر أحمد بن حاتم صاحب الأصمعي: إنا لنضرب بالسيوف رؤوسهم ... ضرب القدار نقيعة القدام قال: والقدار الجزار، والقدام القادمون يقال قادم وقدّام كما يقال كاتب وكتاب. وطعام المأتم يقال له طعام الهضيمة قال لنا ابن أبي عمران: وأنشدني

стр. 32

الحسن بن عمرو الوائلي لأم حكيم بنت عبد المطلب لأبيها: كفى قومه نائبات الخطوب ... في آخر الدهر الأول طعام الهضائم والمأدبات ... وحمل عن الغارم المثقل وطعام الدعوة: طعام المأدبة قال لي ابن أبي عمران: وما سمعت طعام الهضيمة من أصحابنا البغداديين وإنما سمعته بالبصرة من أهل اللغة بها. قال أبو جعفر: وطعام الوليمة خلاف هذه الأطعمة وفي قصد رسول الله ﷺ بالكلام الذي قصد به إليه فيه ما قد دل أنه حكمه في الدعاء إليه خلاف غيره من الأطعمة المدعى إليها، ولولا ذلك لاكتفى بذكر الطعام ولم يقصد إلى اسم من أسمائه فيذكره به ويدع ما سواه من أسمائه فلا يذكرها. فنظرنا في المعنى الذي به حكم ذلك الطعام من حكم ما سواه من الأطعمة فوجدنا أبا أمية وإبراهيم بن أبي داود قد حدثانا قالا: ... ثم ذكر حديث «لا بد للعرس من وليمة» وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله ﷺ أنه لا بد للعرس من وليمة ثم ذكر حديث عبد الرحمن بن عوف «أولم ولو بشاة» وقال: فكان هذا الحديث أيضًا أمر رسول الله ﷺ عبد الرحمن بن عوف لما تزوج أنه يولم ثم ذكر حديث «الوليمة حق والثاني معروف والثالث رياء وسمعة». وقال: فكان في هذا الحديث إخبار رسول الله ﷺ أن الوليمة حق وفرق بين حكمها في الأيام الثلاثة فجعلها في أول يوم محمودًا عليها أهلها لأنهم فعلوا حقًا. وجعلها في اليوم الثاني معروفًا لأنه قد يصل إليها في اليوم الثاني من عسى أن لا يكون وصل إليها في اليوم الأول ممن في وصله إليها من الثواب لأهلها ما لهم في ذلك. وجعلها في اليوم الثالث بخلاف ذلك لأنه جعلها رياء وسمعة، وكان معلومًا أن

стр. 33

من دعي إلى الحق فعليه أن يجيب إليه، وأن من دعي إلى معروف فله أن يجيب إليه وليس عليه أن يجيب إليه، وأن من دعي إلى الرياء والسمعة فعليه أن لا يجيب إليه. وفي ذلك ما قد دل على أن من الأطعمة التي يدعى إليها ما للمدعو إليه أن لا يأتيه، وأن منها ما على المدعو إليه أن يأتيه (١). وأما قوله في آخر الحديث: «ومن ترك الدعوة» فقال الحافظ ابن حجر: والذي يظهر أن اللام في الدعوة للعهد من الوليمة المذكورة أولاً. وقد تقدم أن الوليمة إذا اطلقت حملت على طعام العرس بخلاف سائر الولائم فإنها تقيد (٢). الوجه الثاني: ما حكاه ابن عبد البر بعد قوله ﷺ : «ومن لم يأت الدعوة فقد عصى الله ورسوله» قال: على أنه يحتمل والله أعلم من لم ير إتيان الدعوة فقد عصى الله ورسوله وهذا أحسن وجه حمل عليه هذا الحديث إن شاء الله (٣). وفي هذا نظر لأن النبي ﷺ علق العصيان على عدم الإتيان لا على الاعتقاد، والأصل حمل اللفظ على حقيقته إلا بقرينة تدل على أن هذا الظاهر

стр. 34

غير مراد (١). وأما الدليل الثاني وهو حديث ابن عمر ﵄ فإنه نوقش من وجهين هما: الأول: أن يقال إن قوله ﷺ : «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» المراد به وليمة العرس كما تقدم بيان ذلك في الجواب عن حديث أبي هريرة.

стр. 35

وأما رواية «أجيبوا هذه الدعوة» فقال الحافظ ابن حجر: وهذه اللام يحتمل أن تكون للعهد، والمراد وليمة العرس ويؤيده رواية ابن عمر الأخرى «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» وقد تقرر أن الحديث الواحد إذا تعددت ألفاظه وأمكن حمل بعضها على بعض تعين ذلك، ويحتمل أن تكون اللام للعموم، وهو الذي فهمه راوي الحديث فكان يأتي الدعوة للعرس ولغيره (١). وأما رواية أبي داود وابن عدي والبيهقي «من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله ...» فإنها تدل على العموم وعدم التخصيص بالعرس لكنها ضعيفة كما تقدم بيان ذلك (٢). لكنه ورد عند أبي يعلى وصححه الحافظ (٣) بلفظ «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجبها ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله». فجعل العصيان مقيدًا بممن لم يجب دعوة الوليمة لا كل دعوة. وأما رواية «عرسًا كان أو نحوه» فإنها تدل على عدم التخصيص بوليمة العرس لأنه قال أو نحوه لكن يمكن أن يجاب عنه: بأن يقال هذه الرواية تدل على أنه لا يجب إجابة كل دعوة، وذلك لأن الحديث أمر بإجابة دعوة العرس ونحوه فما المراد بهذا النحو فهل المراد به نحوه من حيث الكبر أو غير ذلك إلا أن يقال: بينه فهم ابن عمر، وأنه كان يأتي في العرس وغير العرس لكن هذا لا يدل على الوجوب أيضًا لأن تطبيق ابن عمر للإتيان إنما هو لكونه مأمورًا بهذا ولو كان على سبيل الاستحباب، لما عُرف عنه من شدة تحريه للسنة وقد يكون أخذ إتيان وليمة العرس من هذا الحديث، وغير وليمة العرس من أحاديث أُخر كحديث البراء وغيره ففعله لا يدل على

стр. 36

وجوب الجميع والله أعلم. وقال الطحاوي: قد يحتمل أن يكون ذلك من كلام النبي ﷺ ، وقد يحتمل أن يكون من كلام رواة هذين الخبرين. وقد روى حديث ابن عمر هذا جماعة عن نافع بغير ذكر هذا المعنى الذي هو خلاف العرس، ثم ساقه من طريق عمر بن محمد العمري عن نافع بلفظ «إذا دعيتم فأجيبوا». ومن طريق موسى بن عقبة عن نافع بلفظ «أجيبوا الدعوة إذا دعيتم لها». ومن طريق أيوب السختياني عن نافع بلفظ «ائتوا الدعوة إذا دعيتم». ثم قال: فاحتمل أن تكون تلك الدعوة المرادة في هذه الآثار هي الدعوة المذكورة في الآثار الأول فتتفق هذه الآثار ولا تختلف، فنظرنا هل رُوي شيء يدل على أنها تلك الدعوة كما ذكرنا؟ فوجدنا يونس قد حدثنا قال أنبأنا ابن وهب أن مالكًا أخبره عن نافع عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها» فبين هذا الحديث أن الذي يجب إتيانه من الأطعمة التي يدعى إليها في أحاديث ابن عمر هي هذه الوليمة ... (١). تنبيه: قال ابن عبد البر: قد رواه معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر فقال فيه «عرسًا كان أو غيره» ذكره عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «إذا دعا أحدكم أخاه فليجبه عرسًا كان أو غيره» وذكر أبو داود قال: حدثنا الحسن بن علي قال: حدثنا عبد الرزاق بإسناده مثله وقال: «عرسًا كان أو دعوة» قال أبو داود: وكذلك رواه

стр. 37

الزبيدي عن نافع مثل حديث معمر عن أيوب ومعناه سواء ... (١). ففي هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وكذا لعبد الرزاق يبطل التأويل السابق لقوله ﷺ : «عرسًا كان أو نحوه» فإن رواية أبي داود وعبد الرزاق تدل على العموم في العرس وغيره إلا أن هذه الرواية التي ذكرها ابن عبد البر وعزاها لأبي داود وعبد الرزاق لم أجدها عندهما بهذا اللفظ بل عندهما (٢) بلفظ «عرسًا كان أو نحوه» من نفس الطريق التي ذكرها ابن عبد البر فليتأمل ذلك لعله في نسخ أخرى غير هذه أو تكون تصحيفًا، إلا أن يقال لو صحت حملت على حديث البراء وغيره لأنه لم يرتب العصيان على من لم يجب في هذه الرواية والله أعلم. الوجه الثاني: حمل المطلق على المقيد وذلك أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث إطلاق الوليمة وفي بعضها قال: «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجيب» كما عند مسلم وغيره. قال النووي عقب هذه الرواية: قد يحتج به من يخصص وجوب الإجابة بوليمة العرس ويتعلق الآخرون بالروايات المطلقة ولقوله ﷺ في الرواية التي بعد هذه «إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرسًا كان أو نحوه» ويحملون هذا على الغالب أو نحوه من التأويل (٣). وقال العراقي: ويدل على عدم الوجوب في غير وليمة العرس التقييد في بعض الروايات بقوله «وليمة عرس» وقد تقدم ذكرها فيحمل المطلق على

стр. 38

المقيد (١). وقد تعقب الشوكاني هذا الوجه فقال: لا يقال ينبغي حمل مطلق الوليمة على الوليمة المقيدة بالعرس كما وقع في رواية حديث ابن عمر المذكورة بلفظ «إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب» لأنا نقول: ذلك غير ناتج للتقييد لما وقع في الرواية المتعقبة لهذه الرواية بلفظ «من دعي إلى عرس أو نحوه» وأيضًا قوله: «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» يدل على وجوب الإجابة إلى غير وليمة العرس (٢). لكن تقدم أن رواية «من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله» هذه مقيدة بالوليمة كما في الصحيحين. أما رواية أبي داود المطلقة فإنها ضعيفة. وأما رواية «إلى عرس أو نحوه» فتقدم الجواب عنها وأنها لا تدل على وجوب كل دعوة، والله أعلم. وأما الدليل الثالث حديث البراء: فقال ابن عبد البر: قال البراء: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع فذكر منها إجابة الداعي وذكر منها أشياء منها ما هو فرض على الكفاية ومنها ما هو واجب وجوب سنة، فكذلك إجابة الدعوة والله نسأل العصمة (٣). وأما الدليل الرابع حديث أبي هريرة: هذا الحديث لفظ الصحيحين «حق» لكن عند مسلم في لفظ «خمس تجب» وهذا اللفظ ظاهره الوجوب إلا أن الحافظ حمله على وجوب الكفاية فقال: وقد تبين أن معنى الحق هنا الوجوب خلافًا لقول ابن بطال: المراد حق

стр. 39

الحرمة والصحبة والظاهر أن المراد به هنا وجوب الكفاية (١). ولعله أخذ هذا مما قرن معه من عيادة المريض واتباع الجنائز ورد السلام وتشميت العاطس مع ما في دلالة الاقتران من الكلام عند الأصوليين. وقال الطحاوي: عقب هذا الحديث: فقد تحتمل أيضًا أن يكون الحق الواجب في إجابة الدعوة يراد به الدعوة التي هي وليمة لا ما سواها، فلم يبين لنا في شيء مما روينا وجوب إتيانه من الطعام المدعى إليه غير طعام الوليمة التي هي الأعراس والله سبحانه نسأله التوفيق (٢). وقال أيضًا في الجواب عن حديث أبي أيوب: فقال قائل: ففي هذا الحديث من كلام أبي أيوب ما قد دل على أن الدعوة التي من حق المسلم على أخيه إجابته إليها هو مثل ما دعا إليه فأجاب إليه. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنه قد يحتمل أن يكون ذلك كما قد ذكر، ويكون الأحسن بالناس إذا دعوا إلى مثله أن لا يتخلفوا عنه، ويكون حضور بعضهم إياه مسقطًا لما على غيرهم منه ويكون من الأشياء التي يحملها العامة على الخاصة كحضور الجنائز وكدفن الموتى. ويحتمل أن يكون ذلك على ما يجب أن يكون الناس عليه في أسفارهم مع إخوانهم من الزيادة في مواصلتهم والانبساط إليهم والجود عليهم أكثر مما يكونون لهم عليه في خلاف السفر، فيكون ما كان من أبي أيوب لذلك والذي كان منه فلم يذكره عن النبي ﷺ . وإنما ذكر عن النبي ﷺ ما سوى ذلك مما في هذا الحديث. وقد يحتمل أن يكون النبي ﷺ أراد بما في هذا الحديث من إجابة الدعوة

стр. 40

الوليمة التي ذكرنا لا ما سواها (١). وأما الدليل الخامس حديث أبي أمامة والدليل الثامن حديث أبي هريرة والدليل التاسع حديث يعلى بن مرة فإنها ضعيفة وتقدم بيان ضعفها. أما الدليل السادس حديث ابن مسعود فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة ﵄. وقال الطحاوي: في الجواب عن حديث ابن مسعود: ففي هذا الحديث الأمر بإجابة الداعي وبقبول الهدية والمنع من ردها فقد يحتمل أن تكون هذه الإجابة وهذا الممنوع من رده من جنس واحد، ويكون المدعى إليه هو خلاف الوليمة وقد يحتمل أن يكون كل واحد منهما جنسًا غير الجنس الآخر فيكون المدعى إليه هو الوليمة الواجب إتيانها والهدية بخلافها (٢). وأما الدليل السابع حديث جابر فيجاب عنه بمثل ما أجيب عن الدليل الثالث والرابع حديث البراء وأبي هريرة. وقال الطحاوي أيضًا في الجواب عن هذا الحديث: فكان ذلك محتملاً أن يكون أريد به الطعام المذكور في الآثار الأول (٣) لا ما سواه منها (٤). وقد يجاب عن هذه الأدلة كلها عدا الدليل الأول والثاني بأن المراد بها إما وليمة العرس كما أشار إليه الطحاوي، وإما أنها محمولة على الاستحباب والصارف لها عن الوجوب هو حديث أبي هريرة وابن عمر في رواية أبي يعلى حيث رتب العصيان على من لم يجب الوليمة، فهذا يدل على أن غير الوليمة لها حكم آخر غير الوجوب وهو الندب، وسيأتي مزيد بحث في ذلك عند مناقشة
следующие страницы →