← Указатели

Указатели · id 1455

الفهرست - ت أيمن السيد

ابن النديم

Полный текст (1 273 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تصدير الحَمْدُ لله أَرْحَمِ الرَّاحِمِين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على المَبْعُوثِ رَحْمَةً للعالمين. يَطوي الزَّمَانُ الكثير ممَّا يَقُومُ به النَّاسُ في حَيَاتِهم من أعْمَالٍ وإنجازاتٍ. فالحَيَاةُ الإِنْسَانِية تتقدَّم نحو الأمام، إِذْ يَبني كل جيلٍ على آثارِ أسلافه، ويَدْفَعُ بالمُنْجَزاتِ البَشَرية قُدُمًا في حَرَكَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ تَحْتَفِظُ بما هو نافعٌ، وتُضيفُ إليه وتَزيدُ عليه، في حَرَكَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ وتَقَدُّمٍ مُطَّرِد. ومن جراء هذه الحَرَكَة الدَّائِبَة أَنَّ ما قد يُعَدُّ في يوم من الأيَّامِ إِنْجَازًا كبيرًا، ووَسِيلَة رَاحَةٍ ورَفَاهِية لبني الإنْسَان، يُصْبِح ولا أحَد يَحْفِل به، إذ تُبْدِع العُقُولُ البَشَرية أَشْيَاءَ جَديدَة تَتَجَاوَزُ ما كان يَسْتَحْوِذُ الاهْتِمَام، وما كان مَوْضِعَ تَفَاخُرٍ واعْتِزَازٍ. غير أنَّ سَبِيلَ الفكر الإنساني ونتاجَه يتَّخذ طريقا آخَرَ، هو طريق التطوير والتَّحْسِين. يأخُذُ الخَلَفُ ما قَدَّمَه السَّلَفُ، فيَبْنُون عليه ويُطَوِّرُونَه، ثم يَرْتَقُون به ليَرْتَقي بهم في مَدَارِج المَعْرِفَة وآفَاقِ الحَيَاة. لذلك تزهو الأمَمُ بمُفَكِّريها وأدبائها، وشُعَرَائها، وفَلاسِفَتها، وعُلَمَائِها وفنانيها. ويظلُّ رِجال الفكر في القِمَّة بين أعلام الأمم ورجالاتها. ويَدُورُ الزَّمانُ فيَطوي ذكر الأباطِرَة والمُلُوك فلا يبقى منهم إلا فَقَرَاتٌ قَليلَةٌ في سجل التاريخ، بينما يظلّ النَّاسُ يُطالعون أَعْمَالَ رِجَال الفكر، ويأنسون بهم. فالتُّراثُ الحَقِيقي هو التُّرَاثُ الفِكْري، وغِنَى الأمم إنَّما هو بما تُقَدِّمه للبَشَرِيَّة من فكر.

стр. 2

ومنذ أنِ اخْتَارَ الله تعالى أُمَّة العَرَب لتكُون حَامِلَةَ رِسَالَته الخاتمة إلى البَشَرِيَّة، والفِكْرُ العَرَبيّ فكرٌ مُتَّصِلُ العَطَاء، ومَوْكِبه سباق بين مَوَاكِب الأمم. ولئن كان من سنة حَيَاة الأمم أنْ تَدُورَ بين فَتَرَات صُعُودٍ وهبوط، وانتكاسة يعقبها تألُّق جَدِيد، فإِنَّنا نَدْعُو الله تعالى أنْ يَجْعَل سَبِيلنا اليوم سهلًا إلى تألُّقٍ ثَابِت الأسس، قَوِيّ الدَّعَائِم، شَامِخَ البُنْيان، يأخُذُ من الحَدِيث أفضل ما فيه ليَضُمّه إلى عَطَاء الأجيال السَّالِفَة من رُوَّاد الفكر والأدب الإسلامي والعُلُوم الإنسانية. ولعلَّ ممَّا يُمَيِّز تُرَاثَ أُمَّتِنا هذا التَّواصل الذي لا يَسْتَهين بنتاج السَّلَفِ لمُجَرَّد أَنَّ مِنْ جَاءَ بَعْدَهُم اسْتَطَاع أنْ يَصِل إلى أبعد ممَّا وَصَلُوا إليه. بل نحن ننظُرُ بكُلِّ احْتِرام وتقدير إلى منْ سَبَقُونَا، ونُدْرِكُ أَنَّهُم بَذَلُوا غَايَةَ الجهد ليصلوا إلى أفْضَل ما تُتيحه لهم إمكاناتهم وقُدْرَاتُهم. ونَدْعُو لهم أن يجزيهم الله على ما قَدَّمُوا، ونُقُولُ كَمَا عَلَّمَنَا دِينُنا: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾. ومُؤَسَّسَةُ الفُرْقَانِ للتُّرَاثِ الإِسْلامي إنَّما قَامَت لتُحَافِظ على ما وَصَلَ إلينا من تُرَاثِ من سَبَقُونَا في دُرُوبِ المَعْرِفَة، وأَنْ تَنْفُضَ الغُبَارَ المُتَرَاكم عن أفضل كُنُوزه. فهي إِذْ تَهْتَمُّ بِفَهْرَسَةِ مَجْمُوعات وَخَزَائِنِ المَخْطُوطات في البلاد المُخْتَلِفَة تَضَعُ بين أيدي الباحثين كتبا وآثارًا مَخْطُوطَةً لم يكونوا يَعْرِفُون بوُجُودِها أَصْلًا. وهي إِذْ تَهْتَمُ بتَحْقِيق نَفَائِس من هذا التراث ونَشْرِها، فإنَّها تُبْرِزُ حَقِيقَةَ التَّوَاصُل الفِكْري والحَضَاري، وتُؤكد الدَّوْرَ العَظِيم الذي سَجَّلَه التَّاريخُ للحَضَارَة الإسلامية على مَدَى قُرُونٍ مُتَوَاصِلَة، رَغم جُحُودِ المُنْكِرين وعِنادِ الجَاهِلين. ومُؤَسَّسَةُ الفُرْقَانِ تَنْشُدُ دَائِمَا أنْ تكونَ أَعْمَالُهَا عَالِيَةَ الجَوْدَة، تَخْتَارُ لها أفْضَلَ الكَفَاءَات وخِيرَة العُلَمَاء ممَّن يَتَوخُّون الدقة ويَحْرِصُون على الامتياز، ويَضَعُون نُصْبَ أَعْيُنِهم تَعْلِيم رَسُولِ الله ﷺ : "إِنَّ الله يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُم عَمَلًا أَنْ يُتقِنَه"، هكذا سَارَت فيما قَدَّمَت من أعْمَال:

стр. 3

وهي حَرِيصَةً على الحفاظ على هذا الأسَاسِ في عَمَلِها في المُسْتَقْبل إِنْ شَاءَ الله. والكِتابُ الذي تُقَدِّمُهُ اليوم ليس جديدا على القُرَّاء والدارسين، فهو كِتَابُ "الفِهْرِست في أَخْبَارِ العُلَمَاءِ المُصَنِّفين من القُدَمَاءِ والمُحْدَثين وأَسْمَاءِ ما صَنَّفُوهُ من الكُتُب" لأبي الفَرَج محمد بن أبي يَعْقُوب إِسْحَاق النَّدِيم الوَرَّاق، المتوفى سنة ٣٨٠ هجرية / ٩٩٠ ميلادية. ولعل أول ما يُقَالُ عن كتاب "الفهرست" هذا إنَّه كِتَابٌ مُؤَسِّسٌ فِي حَرَكَة رَصْدِ الإنتاج الفكري العربي الإسلامي وإسهامات العُلَمَاء المُسْلِمِين في الحَضَارَة الإِنْسَانية، وهي حَرَكَةٌ قد اسْتَمَرَّت فيما بَعْد، وتَعَاقَبَ عليها العُلَمَاءُ والمُؤَرِّخون، ورَفَدَها المُفَهْرِسُون بذَخائر نَفِيسَة. ولقد طُبعَ هذا الكِتابُ من قَبْل عِدَّة مَرَّاتٍ، غير أَنَّ مُؤَسَّسَةِ الفُرْقَانِ أَحَبَّت أنْ تُقَدِّمَ هذه الطَّبْعَة المُحَقِّقَة للكتاب، تَرْجِعُ فيها إلى أُصُولِه الخَطِّيَّة التي وَصَلَت إلينا، وأهمها النُّسْخَة المَنْقُولَة من دُسْتُورِ المُؤَلِّف الذي كَتَبَه بخَطِّه والمُوَزَّعَة الآن بين مكتبتي شيستربيتي بدبين وشهيد علي باشا بإستانبول، وتَرْجِعُ إلى نُقُولِ النَّدِيم في مَصَادِرِها التي وَصَلَت إلينا وكذلك نُقُولِ المُتأخِّرين عن النَّديم، وتُشِيرُ فيها إلى ما وَصَلَ إلينا من الكتب التي أتى على ذِكْرِهَا النَّديم وأماكن وُجُودِها في المَكْتَبَات العَالَمِيَّة وكذلك إلى ما نُشِرَ منها وأماكن نَشْرِه. وقد عَهِدَت بهذا العَمَلِ إلى الدكتور أيمن فؤاد سيد، فعَكَفَ عليه لتخرج في هذه الصورة التي نأمل أن تُكْمِلَ الفَائِدَة، فيُسَرُّ بها العَالِمُ، ويَسْتَفِيدُ منها البَاحِثُ. ونَدْعُو الله تعالى أنْ يُوَفِّقَنَا إِلى نَشْرِ المَزِيدِ من كُنُوزِ حَضَارَتِنَا الثّرِيَّة المِعْطَاءَة. أحمد زكي يماني رئيس مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة كان الاسْتِقْبالُ الطَّيِّبُ الذي لقيته نَشْرَتي الأولى لكتاب "الفهرست" لأبي الفرج محمد بن إسحاق النديم وسُرْعَة نَفادِها، دَافِعًا لي لإعادة النظر في هذه النَّشْرَة وإعدادِ نَشْرَةٍ جَدِيدَةٍ للكتاب تَتلافى ما تَسَرَّبَ إلى النَّشْرَة الأولى من هنات مع تحديث مَعْلُوماتها. وأخَذْتُ كذلك في الاعتبار المُلاحظات التي زَوَّدَني بها العديد من الأصدقاء والتي سَجَّلُوها على نُسَخهم الشَّخْصِيَّة. وقد أعَدْتُ قِراءَة هذه النَّشْرَة ومُقابَلَتها كلمةً كلمة على الأصل المنقول من دُسْتُورِ المؤلِّف المكتوب بخطِّه، وتتبَّعْتُ كذلك البحوث والدراسات الحديثة المتعلقة بموضوع الكتاب والتي ظَهَرَت مؤخرًا، وأحَلْتُ إليها القارئ الكريم، وأعدتُ كذلك ترتيب كشافات الكتاب وتعديلها، وعلى الأخص كشافات العناوين. وجاء نص الكتاب في هذه النَّشْرَة الجديدة في مجلدين، يَسْبِقُهُما مُجَلدٌ يَشْتَمِلُ على دراسة الكتاب، ويَلْحَقَّهُما مُجَلَّدٌ يَشْتَمِلُ على كشافات الكتاب. * * * وكُنتُ قد أشَرْتُ في مُقَدِّمَة النَّشْرَة الأولى [٨٥ - ٩٠] إلى مشروعات نَشْرِ هذا الكتاب والتي لم يُقَدَّر لها الاكْتِمال: مَشْرُوع المستشرق الألماني يوهان فيك JOHANNE FUCK، ومَشْرُوع العالم المغربي الرَّاحِل محمد بن تاويت الطنجي. وكانت كلية الإلاهيات بجامعة أنْقَرَة بتركيا قد دَعَتْني في أوائل عام ٢٠١١ م للمُشَارَكة في المؤتمر الدولي الذي تنظمه في الفترة بين ١٣ - ١٤ أكتوبر من العام نفسه للاحتفال بذكرى العالم المغربي الرَّاحِل محمد بن تاويت الطنجي

стр. 5

(١٩١٧ - ١٩٧٤ م)، فكانت فُرْصَةً اتَّصَلْتُ فيها بأغلب الذين تتلمذوا عليه في الفترة الطَّويلة التي أمضاها في تركيا أستاذا بجامعة أنْقَرَة منذ سنة ١٩٥٣ وحتى وفاته، ﵀، سنة ١٩٧٤ م. وعَلِمْتُ من خِلالِ المُناقشات التي دارت بين الحاضرين أن أوراق الدكتور محمد بن تاويت الطَّنجي الشَّخْصِية محفوظَةٌ في مكتبة وقف الديانة التركي ISAM بإيسكودار بالجانب الآسيوي من إستانبول. وفي زيارة لاحقةٍ لإستانبول، في شهر مايو سنة ٢٠١٢ م، نَظَّمَ لي الصَّديقُ العزيز الدكتور جنكيز تومار، الباحث بمركزي ISAM وإرسيكا IRCICA بإستانبول، زيارَةً إلى مكتبة وَقْفِ الديانة التركي ISAM استقبلني خلالها مدير المركز الأستاذ الدكتور محمد عاكف أيْدِن ويَسَّرَ لي الاطلاع على الأوراقِ الشَّخْصِية الخاصة بالمرحوم الدكتور محمد بن تاويت الطنجي التي تحتفظ بها مكتبة المركز، وهي عبارةً عن صندوقين كبيرين مليئين ببطاقات مُصَنَّفَة وأوراق مختلفة الأحجام وعَدَدٍ من الكراسات بها تدويناتُ ومُلاحظات العالم الرَّاحِل وجَمِيعُها مكتوبة بخطِّ يده، وهو خَطٌّ مَشْرِقيٌّ واضِح، وتَتَّصِلُ جَمِيعُها بما كان يجمعه من مَوَادٌ تتعلَّقُ بِمَشْروعَيْه لإخْرَاجِ نَشْرَةٍ نقدية لكلِّ من "تاريخ ابن خلدون" و "الفِهْرِسْت" لأبي الفرج محمد بن إسحاق النديم. ونَظَرًا لضيق الوقت رَكَّزْت بَحْثي في الأوراق والكراسات المتعلقة بـ "كتاب الفهرست" للنديم؛ فوَجَدْتُه قد قَطَعَ شَوْطًا بَعِيدًا في إعْدادِ الكتاب والتَّعْلِيقِ عليه وَفْقَ المَنْهَج الذي ارْتَضاهُ لهذا العَمَل. ووَجَدْتُ كذلك بين هذه الأوراق المُراسلات التي دَارَت بينه وبين المستشرق الهولندي. س. ١. بونيبيكر S. A. BONEBAKKER ، والذي نَشَرَ كِتابَ "نقد الشِّعْر" المنسوب لقُدامَة بن جَعْفَر، الذي كان يُعاونه في الحصول على صُورَةٍ من نُسْخَة "الفهْرِسْت" المحفوظة في مكتبة شيستربيتي بدبلن بإيرلندا وكذلك النُّسخة المحفوظة في مكتبة جامعة ليدن. وحَرَصَ بونيبيكر في أحَدٍ رَسائلِه على تنبيه الطَّنْجِي إلى أنَّ المستشرق الألماني يوهان فيك J. FUCK دَرَسَ نُسْخَة شيستربيتي منذ سنة ١٩٣٨ م، وإن كان لا يَعْرِفُ

стр. 6

إذا كان ينوي نَشْرَ الكتاب أم لا، ثم أضافَ أنَّه يَرَى أَنَّ النَّشْرَة التي يعدّها الطَّنْجِي ستكون أكمل وأتمَّ من عَمَلِ فيك J. FUCK لكثرة ما تحت يد الطنجي من مواد. ونَظَرًا لأهَمِّيَّة وقيمة العَمَل الذي قام به المرحوم محمد بن تاويت الطنجي، والذي يُمَثِّلُ مَرحَلَةً مهمَّةً في تاريخ الاهتمام بكتاب "الفِهْرِسْت"، فقد حَرَصْتُ أَنْ أضَعَ في نهاية هذا التقديم صورة طبق الأصْلِ للأوراق التي وَقَعَ عليها اختياري من الأرشيف الخاص به والمحْفُوظ في مكتبة وقف الديانة التركي ISAM بإستانبول، وكذلك صُور لبعض المراسلات المتعلقة بموضوع نشر الكتاب، تخليدا لذكرى هذا العالم وتقديرًا لجهْدِه العِلْمي وليَطَّلِعَ عليها الباحثون المُحْدَثُون. * * * ويَطِيبُ لي في نِهَايَة هذا العَمَل أنْ أتَوَجَّهَ بالشكر والامْتِنَانِ إلى كُلِّ الذين قَدَّمُوا لي عَوْنَهُم ومُسَاعَدَتَهُم فِي أَثْنَاء إعْدَادِ هذه النَّشْرَة النَّقْدِيَّة بالمَشُورَة والرَّأي أو بالحُصُولِ على أصُولِ الكتاب الخَطِّيَّة. فالشُّكرُ واجِبٌ إلى العلامة البروفيسير يوسف فإن إس JOSEPH VAN ESS، أستاذ الدراسات الإسلامية والسَّامِيَّة بجامعة توبنجن TUBINGEN بألمانيا، الذي أفَادَني بالكثير من المَعْلُومَات في أَثْنَاء مُنَاقَشَتي معه المَقَالَة الخَامِسَة الخاصة بالمُتَكَلِّمين، وعلى الأخص مُصَنِّفي المُعْتَزِلَة، عندما التقيتُه في الدَّارِ البَيْضَاء بالمغرب في فبراير سنة ٢٠٠٧ ثم في القاهرة في مايو سنة ٢٠٠٨ م، ودَلَني مَشْكُورًا إلى صُدُورِ كتاب Ibn an - Nadim und die mittelalterliche arabische Literature الذي أتَوَجَّهُ بالشكر إلى الصَّديق الأب RENE VINCENT، مدير مكتبة معهد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة، الذي وَفَّرَ لي على الفَوْر نُسْخَةً منه. أمَّا المَقالَةُ السَّابِعَةُ من الكتاب والتي خَصَّصَها النَّديمُ للفَلْسَفَة والعلوم القديمة وكُتب الرِّياضيات والطَّب، فقد كان لي فيها مُناقشاتٌ مُطَوَّلَةٌ أَفَدْتُ منها الكثير مع كُلٍّ من العالم الكبير الدكتور رشدي راشد ROSHDI RASHED الأستاذ بالمركز

стр. 7

الوطني للأبحاث العلمية CNRS بفرنسا في العديد من اللقاءات بالقاهرة والإسكندرية، والدكتور جورج - GEORGE SALIBA أستاذ تاريخ العلوم العربية والإسلامية بجامعة كولومبيا بنيويورك بالولايات المتحدة، والدكتور ديمتري جوتاس DIMITRI GUTAS أستاذ العلوم العربية والإسلامية بجامعة ييل بالولايات المتحدة في لقاءٍ جَمَعَ بيننا أثناء حُضُور مؤتمر علمي بالدار البيضاء بالمغرب في ربيع عام ٢٠٠٧ م. وتَفَضَّلَ الصَّدِيقُ العَالِمُ الكَبِيرُ البروفيسير أكمل الدين إحسان أوغلي، الأمين العام لمنظمة التّعاون الإسلامي، فَوْرَ إِقْرَار المَجْلِس العِلْمي لمُؤَسَّسَةِ الفُرْقَان تكليفي بنَشْر الكتاب بتَوْفِير نُسْخَةٍ رقمية لي لنُسْخَة "الفِهْرِست" المَحْفُوظَة بمكتبة شَهِيد علي باشا بإستانبول، وأمَدَّني كذلك الصَّدِيقُ المُؤَرِّخ الكبير البروفيسير محمد عدنان البخيت رئيس لَجْنَة تاريخ بلاد الشام بالجامعة الأردنية بنُسْخَةٍ ورقيةٍ لنُسْخَة "الفِهْرِسْت"المَحْفُوظَة في مكتبة شيسترييتي CHESTER BEATTY LIBRARY، حيث تَحْتَفِظُ الجَامِعَةُ الأردنية بنُسْخَةٍ ميكروفلمية لمقتنيات هذه المكتبة. ورحبت الدكتوره ELAINE WRIGHT القَيِّمَةُ على المجموعات الإسلامية بمكتبة شيستربيتي عندما نَقَلَتْ إليها مُعَاوِنَتُها الأستاذة ELIZABETH OMIDVARAN التي التقيتها في كامبردج في أغسطس سنة ٢٠٠٧ بِامْدَادِي بصُورٍ رَقَمِيَّةٍ مُلَوَّنَةٍ لِبَعْضِ أَوْراقِ هذه النُّسْخَة. وتَفَضَّلَ صَدِيقي البروفيسير يان ياشت ويتكام JUN JUST WITKAM ، أستاذ علم المخطوطات بجامعة لَيْدن، بإمْدَادِي بصُورَة رَقَمِيَّة لنُسْخَة "الفِهْرِسْت" المحفوظة بمكتبة جامعة ليدن. أما أخي العالم الجليل الدكتور عبد الستار الحَلْوَجي فقد تَفَضَّلَ بمُطالَعَة نَصِّ الكِتاب، بما عُرِفَ عنه من دقةٍ وعِنَايَةٍ، وأبْدَى افْتِرَاحات قيِّمة أفَدْتُ بالكثير منها. فإلى جميع هؤلاء الأصْدِقَاء أَتَوَجَّهُ بخَالِصِ شُكْرِي وعَظيم امْتِنَاني. وأَتَوَجَّهُ كذلك بالعِرْفَانِ إلى الذين أَسْهَمُوا في إخْرَاج هذا العمل إلى الوُجُود الأساتذة والدكاترة إبراهيم شَبُّوح وأكْمَل الدِّين إحْسَان أوغلي وإيرج أفشار وعبد الله

стр. 8

يُوسُف الغُنِيم وفرنسُوا ديروش ومحمَّد عَدْنَان البخيت ومحمَّد هَيْثَم الخَيَّاط أعْضَاء مَجْلِس الخُبَرَاء لمُؤسسة الفُرْقَان للتُّرَاثِ الإسلامي، الذين رَحْبُوا بَنَشْرِ الكِتَابِ فَوْرَ طَرْحِ مَشْرُوع إعْدَادِه عليهم. والشُّكْرُ مَوْصُولٌ كذلك إلى أخي الأستاذ محمد دريويش مسئول النَّشْر بمؤسسة الفرقان لمتابعته معي خطوات إعداد هذه النَّشْرَة، والأخ الدكتور صالح شهسواري مدير مؤسسة الفرقان على تحمُّسِه لإخراج هذه النَّشْرَة المُنَقَّحَة للكتاب. أَمَّا رَئيسُ المُؤَسَّسَة مَعَالي العالم الأديب الشَّيْخ أحمد زكي يماني فإِنَّ فَضْلَهُ على هذا الكتاب وحِرْصَهُ على مُتَابَعَةِ تَطَوُّرِ العَمَلِ، سواء في نَشْرَته الأولى أو في هذه النَّشْرَة، يُضافُ إلى أيَّادٍ كثيرة له على الدراسات الإسلامية من خِلالِ ما تَنْشُرُهُ منها مُؤَسَّسَةُ الفُرْقَان للتراث الإسلامي بلندن. وكانت مكتبنَا المَعْهَد العِلْمِي الفرنسي للآثار الشَّرْقية ومَعْهَد الدراسات الشرقية للآباء الدومنيكان بالقاهرة الغَنِيَّتين بأحْدَثِ الإصْدَارَات في كلِّ مَجَالات الدِّرَاسَات الإسلامية بمُخْتَلِفِ اللُّغَات، نِعْمَ العَوْن لي في كِتَابَة تعليقاتي وإحالاتي، سَوَاء على النَّصوص القدِيمَة أو الدّراسات الحَدِيثَة، فالشَّكْرُ مَوْصُول إلى القَائِمين عليهما الذين وَفَّرُوا لي ظُرُوفَ البَحْثِ المُوَاتية. ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾. أيمن فواد سيد القاهرة في يوم الاثنين أول شعبان سنة ١٤٣٤ هـ ١٠ يونية سنة ٢٠١٣ م

стр. 9

أوراق محمد بن تاويت الطنجي عن فهرست النديم

стр. 10

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة المحقق هذا كِتَابٌ مُؤسِّس في حَرَكَةِ رَصْدِ الإنْتاجِ الفِكْرِي العربي الإسلامي وإِسْهَامَاتِ العُلَمَاءِ العَرَب والمسلمين في الحَضَارَةِ الإِنْسَانِيَّة حتى نحو نِهَايَة القَرْنِ الرَّابع الهِجْرِي / العَاشِرِ الميلادِي - عَصْرِ النَّهْضَةِ في الإسلام - الذي بَلَغَت فيه الحَضَارَةُ الإِسْلامِيَّةُ أَوْجَ عَظَمَتِها، وازْدَهَرَت فيه حَرَكَةُ التَّألِيفِ والتَّرْجَمَة والنَّقْل، واتَّضَحَ فيه إِسْهَامُ العُلَمَاءِ العَرَب والمُسْلِمين في تَطَوُّرِ العِلْمِ الإِنْسَانِي، واسْتَوَت فيه الأفكار والمذاهب الكلامية والفقهية والنَّقْدِيَّة، واكتملت فيه المدارس النحوية واللُّغَوِيَّة والتَّارِيخِيَّة التي أثرت في تَطَور حَرَكَة التَّأليف الإسلامي في العُصُورِ التّالية. فكِتَابُ "الفِهْرِسْت" أو "الفِهْرِست" في أَخْبَارِ العُلَمَاءِ المُصَنِّفين من القُدَمَاءِ والمُحْدَثين وأَسْمَاءِ ما صَنَّفُوهُ من الكُتُبِ" لأبي الفرج محمد بن أبي يَعْقُوب إسْحَاق النَّدِيم الوَرّاق، المتوفَّى في ٢٠ شَعْبَان سَنة ٣٨٠ هـ/ ١٨ نوفمبر سنة ٩٩٠ م، هو أهمُّ كِتَابٍ غير مَسْبُوقٍ يَرْصُدُ حَرَكَةَ التَّالِيفِ في العَالَمِ الإِسْلامِي - وعلى الأخصِّ في مَشْرِقِ هذا العَالَم - على امْتِدَادِ القُرُونِ الأَرْبَعَة الأولى للإسلام. فهو يُقَدِّمُ لنا في الوَاقِع أَوَّلَ رُؤيَةٍ شَامِلَةٍ للثقافة العربيَّة حتى عَصْرِه، هذه الثَّقَافَةُ التي تَميَّزَت بانْفِتَاحِها على جَمِيعِ التَّيَّارات الفكرية، بحيث إِنَّ الحَضَارَة الغربية لم تَعْرِفْ على الإطلاق كتابًا مُماثِلًا حتى بدَايَة ظُهُورِ الطَّبَاعَة في نهاية القَرْن الخامس عشر للميلاد. ورَتَّبَ محمَّد بن إِسْحَاقٍ النَّدِيم، الذي نَدِينُ له بِأَقْدَمِ عَرْضٍ مَنْهَجِيّ للتُّرَاثِ العربي كله، كتابَهُ في عَشْرِ أَجْزاءٍ أطْلَقَ عليها النديم مقالات. تَنَاوَلَ في المقالاتِ

стр. 11

الست الأولى منها مَوْضُوعات إسلاميَّة؛ فجَعَلَ المَقَالَةَ الأُولى مَدْخَلًا للكتاب تَنَاوَلَ فيها وَصْفَ لُغَاتِ الأُمم المُخْتَلِفَة وأَسْمَاءَ كُتُبِ الشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّة ثم القُرْآن الكريم واخْتِلاف المَصَاحِفِ وأخبار القُرَّاء، وخَصَّصَ المَقَالة الثانية للنَّحْوِيين واللغويين، والمَقَالَة الثَّالِثَة للأخباريين والنَّسَّابِين وكُتَابِ السِّير، والمَقَالَة الرَّابِعَة [للشِّعْر و] الشُّعَرَاء، والمقالة الخامسة للكلام والمُتَكَلِّمِين، والمَقَالَة السَّادِسَة للفِقْه والفُقَهَاء والمُحَدِّثين. أمَّا المَقَالَاتُ الأَرْبَعُ الأخِيرَةُ فتناوَلَ فيها مَوْضُوعات غير إسلامية؛ فخَصَّصَ المَقَالَة السَّابِعَة الفَلْسَفَة والعُلُومِ القَدِيمة وكُتُبِ الرِّيَاضِيَّات والطِّبّ، والمَقَالَة الثَّامِنَةِ لكُتُبِ الأسْمَار والخرافات وللمُشَعْبِذِين والسَّحَرَة، والمقالة التَّاسِعَة للمَذَاهِب والاعتقادات القديمة وللزَّنَادِقَة ومَذَاهِب أَهْلِ الهِنْد وَأَهْلِ الصين وغيرهم من أجْنَاسِ الأمم، والمَقَالَة العَاشِرَة والأخِيرَة للكيميائيين والصَّنْعَوِيين من الفلاسفة القُدَمَاء والمُحْدَثِين، بحيث إنَّه حَاوَلَ أَنْ يُغَطِّيَ فيها كما ذَكَرَ فِي مُقَدِّمَة كِتابِه المُوجَزَة - "كُتُبَ جَمِيعِ الأُمَم من العَرَبِ والعَجَمِ المَوْجُود منها بلُغَةِ العَرَبِ وقَلَمِها في أَصْنَافِ العُلُوم وأَخْبَار مُصَنِّفِيها وطَبَقَات مُؤلِّفيها وأَنْسَابهم وتأريخ مواليدهم ومَبْلَغ أَعْمَارِهم وأوْقَات وَفَاتِهم وأماكن بُلْدَانهم ومَنَاقِبهم ومَثَالِبِهم مُنْذ ابْتِدَاءِ كُلِّ عِلْمٍ اخْتُرِعَ إِلى عَصْرِه هو، وهو سنة سَبْعِ وسَبْعِين وثلاث مائة للهجرة". فالمَعْلُومَاتُ التي جَمَعَها النَّدِيمُ في كِتابِه تُثِيرُ الإِعْجَابَ وتَجْعَلُ منه كِتَابًا مُتَفَرِّدًا في نَوْعِه، بَالِغَ القيمة. فهو يُقَدِّمُ لنا في المَقَالَة السَّابِعَة - على سَبِيلِ المثال أَفْضَلَ عَرْضٍ يُوَضِّحُ لنا كَيْفِيَّة انْتِقَالِ الثَّقَافَة اليُونَانِيَّة إلى العَرَبِ والمُسْلِمين والإِسْهَامَات المهمَّة التي أضَافَها هؤلاء في مجالات العُلُوم البَحْتَة، ويُقَدِّمُ لنا في المَقَالَةِ التَّاسِعَة أهَمَّ الأَخْبَارِ عن الصَّابِئَة والمانَوِيَّة والمَزْدَكِيَّة والخُرَّمِيَّة والزَّنَادِقَة وَمَذَاهِبِ أَهْل الهِنْدِ والصِّين اعتمادًا على مَصَادِر نادِرَة لم تصل إلَيْنَا، كذلك فإنَّ المَعْلُومَات التي يُقَدِّمُها في المَقَالَة الخامسة عن المُعْتَزِلَة وعن الحَلَّاج وعن الإِسْمَاعِيليَّة ذَاتُ شَأْنٍ

стр. 12

خَطِيرٍ، وتَجْعَلُنَا نَتَسَاءَل كيف تَسَنَّى للنَّدِيم الوَرَّاق جَمْعَ هذه المادة الضَّخْمَة لتأليف كتاب صعب مثل كتاب "الفهرست"؟ وهَكَذَا يَحِقُّ للنَّدِيم أَنْ نَعُدَّ كِتَابَه أَوَّلَ تاريخ للتّراثِ العَرَبي، قد يكون وَحِيدا في بَابِه، سيَظُلُّ على الدَّوَامِ المَصْدَرَ الرَّئيس لمَعْرِفَة مَصَادِر الفِكْرِ والأَدَبِ والعِلْم في القُرُونِ الأرْبَعَة الأولى للإسلام، وهو مَوْضُوعٌ لم يَتَنَاوَلْهُ أَحَدٌ غَيْرُه من العُلَمَاءِ المسلمين الذين لم يهتموا بالتأريخ لنَشْأَةِ العُلُوم النَّقْلِيَّة والعَقْلِيَّة وتَطَوُّرِها بقَدْرِ اهْتِمَامِهم بالترجمة لمؤلفي هذه العُلُوم، من مُحَدِّثين وفُقَهَاء ولُغَوِيين وأطباء … إلخ. أمَّا الأَعْمَالُ التي اهْتَمَّت بذكر الكُتُبِ وتَصْنِيفِها فَقَليلَةٌ، يأتي على رأسها كتاب "الفهرست" للنديم في القَدِيم، وكِتابُ "كَشْف الظُّنُون عن أَسَامِي الكُتُبِ والفُنُون" لحاجي خَلِيفَة كاتب جَلَبي، المتوفى سنة ١٠٦٧ هـ /١٦٥٦ م، في العَصْرِ المتأخِّر، وهو الموضُوع الذي اهتم به في العَصْرِ الحديث كارل بروكلمان CARL BROCKELMANN (١٦ - ١٩٥٦ م) في "تاريخ الأدب العربي"، وفؤاد سزجين FUAT SEZGIN في "تاريخ التُّرَاثِ العَرَبيّ". * * * وقد وُفِّقَ النَّدِيمُ تَوْفِيقًا كبيرًا فيما قَصَدَ إليه، رَغْمَ عَدَمِ تَمَكُّنِه أَحْيَانًا من التَّوَصُّلِ إلى بعض المعلومات التي لم تَتَوَافَر له، وهو مَا لا يَعِيبُ كِتَابَه، لأَنَّهُ قَصَدَ التأليف في مَوْضُوع مَوْسُوعِي كان هو رَائِدَهُ الأَوَّل. ولا تحتفظ أَيَّةُ مَكْتَبَةٍ في العالم - للأسف الشَّدِيد بِنُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ تامَّةٍ من هذا الكتاب. ورَغْمَ المُحَاوَلات والجُهُودِ المُخْتَلِفَة التي قام بها العَدِيدُ من العُلَمَاءِ لإعَادَةِ بِنَاءِ نَصٍّ كاملٍ لهذا الكِتابِ المُؤَسِّس، من خِلالِ القِطَعِ المُختلفة التي وَصَلَت إلينا منه، فما تَزَالُ هناك أَوْرَاقٌ مَفْقُودَةٌ منه لا نَعْرِفُ على وَجْهِ التَّدْقِيق ما

стр. 13

اشْتَمَلَت عليه، تَقَعُ جَمِيعُها في الفَنِّ الأوَّل من المَقَالَة الخَامِسَة التي خَصَّصَها النَّدِيمُ للحَدِيثِ عن المُعْتَزِلَة ومُصَنَّفَاتِ عُلَمَائِهِم [٦٠٦:١ - ٦٠٩]. وكان أوَّلَ من عَرَّفَ بهذا الكِتَابِ المهم ونَشَرَهُ في العَصْرِ الحديث، المُسْتَشْرِقُ الألماني جوستاف فليجل GUSTAVE FLUGEL ، (١٨٠٢ - ١٨٧٠ م)، إذ قَدَّمَ له أَوَّلَ نَشْرَةٍ عِلْمِيَّةٍ، صَدَرَت في جُزْءَيْن بعد وَفَاتِه في سَنَتي ١٨٧١ - ١٨٧٢ م، وهي نَشْرَةٌ مَعِيبَةٌ تَنْقُصُ أكثر من نِصْفِ الفَنِّ الأَوَّل من المقالة الخَامِسَة الخاصة بمُصَنِّفي المُعْتَزِلَة، واعْتَمَدَتْ على النُّسَخِ الجزئية للكتاب التي كانت مَعْرُوفَةً في مَكْتَبَاتِ أوروبا في ذلك الوقت (في باريس ولَيْدن وفيينا)، وجَمِيعُها نُسَخُ غير مَوْثُوقِةٍ لا تَصْلُحُ أَسَاسًا لأي نَشْرٍ عِلْمِي، وعَدَّهَا المُسْتَشْرِقُ الألماني هِلْمُوت رِيتَّر HELLMUT - RITTER الذي تَوَفَّرَ بعد ذلك على دِرَاسَةِ نُسَخِ الكِتَابِ المَحْفُوظَة في مَكْتَبَاتِ إستانبول - نُسَخًا من الدَّرَجَةِ الثَّالِثَة. فقد تَدَخَّلَت في أصُولِهَا أَيْدي العُلَمَاءِ والنسَّاخ بالإضافة والزِّيَادَةِ، على الأقل حتى نِهَايَةِ القَرْنِ السَّادِسَ الهِجْرِي الثَّانِي عَشَرَ الميلادي، بحيث إن ما تمثله هذه النَّشْرَةُ لا يُعَبِّر تَعْبِيرًا دَقِيقًا عن الأصل أو الدستور الذي تَرَكَهُ لنا محمَّد بن إِسْحَاق النديم. فقد تَأكَّد لنا بما لا يَدَعُ مَجَالًا للشَّك، أَنَّ محمَّد بن إسْحَاق النَّدِيم تُوفي في ٢٠ شَعْبَان سَنَة ٣٨٠ هـ/١٨ نوفمبر سنة ٩٩٠ م [فيما يلي ١٨]، الأمْرُ الذي يَعْني أَنَّ جَمِيعَ التَّوَاريخ اللَّاحِقَّة لهذا التاريخ، الواردة في الكتاب لَيْسَت من عَمَلِ النَّدِيم وإِنما أَضَافَها أَشْخَاصٌ آخَرُون فيما بَعْد إلى الكِتاب. ولعَلَّ سَبَبَ ذلك رَاجِعٌ إلى أنَّ النَّدِيمَ نفسه تَرَكَ في دُسْتُورِه الذي كَتَبَهُ بخَطِّه فَرَاغَات كَثِيرَة تَتَعَلَّقُ بِأَسْمَاءِ المُؤَلِّفين وتَوَاريخ وَفَيَاتِهم وعَنَاوِين كُتُبهم، وبَلَغَت هذه الفَرَاغَاتُ أحْيَانًا ما بين كَلِمَةٍ أو عِبَارَةٍ ورُبع صَفْحَة وصَفْحَةٍ كاملة - على الأخص في المقالات الأرْبَعِ الأخيرة - وتَدُلُّ هذه الفَرَاغَاتُ جَمِيعُها على أنَّه لم يتمكن من إعَادَةِ النَّظَرِ في هذا الدُّسْتُور واسْتِكْمَالِ المَعْلُومَاتِ التي بَيَّضَ لها، وتُشْعِرُنَا كما لو أَنَّنَا أَمَامَ مُسَوَّدَةٍ غير مُكْتَمِلَة.

стр. 14

وفي الوَقْتِ نَفْسِه عَدَّ بَعْضُ المُؤَلِّفين القُدَمَاء مَا ذَكَرَه النَّدِيمُ فِي تَرْجَمَةِ الدَّاعِي إلى الله الإمام النَّاصِر إلى الحَقِّ الحَسَن بن عليّ [٦٨٠:١] من زَعْم بعض الزَّيْدِيَّة أَنَّ له نَحْوًا من مئة كتابٍ لم يَتَمَكَّن من رُؤيَتِها، ثم قَوْلُه: "فَإِنْ رَأَى نَاظِرٌ فِي كِتَابِنَا شَيْئًا منها ألحقها بموضِعِها إِنْ شَاءَ الله تعالى"، دَعْوَةً عَامَّةً لمن يُطَالِعُ الكِتَابَ ويَعْرِفُ شَيْئًا من الأسْمَاءِ أو التَّوَارِيخ أو العَنَاوِين التي بَيَّضَ لها النَّدِيمُ في سَائِر المقالات أنْ يُضِيفَها إلى الكِتاب. وجَاءَت كلُّ هذه الزِّيَادَات والإضافات التي وَصَلَت إلينا في المقالات الأربع الأُولى للكتاب، ورَغْمَ أَنَّ حَجْمَ هذه الفَرَاغات في المقالات الأَرْبَعِ الأَخِيرَةِ يَفُوقَ مثيلاتها في المقالات الأولى، فلم يَسْتَدْرك عليها أَحَدٌ شَيْئًا أَو يُحَاوِل إِتْمَامَها. وأُرجح أنَّ هذه الزَّيَادَات تَرْجِعُ جَمِيعُها، أو أغْلَبُها، إلى الوزير أبي القاسم الحسين بن علي بن الحسين المَغْرِبي، المتوفى سنة ٤١٨ هـ /١٠٢٧ م، الذي أعَدَّ نُسْخَةً أَضَافَ إليها هذه الزِّيَادَات (ما وَصَلَ إلينا منها يَشْتَمِلُ فقط على المقالات الأرْبَع الأولى) [٣:١ - ٥٥١] وَقَفَ عليها ياقوت الحموي وأشار إليها في كتابه "مُعْجَم الأدباء" بالصيغ التالية: "نَقَلْتُ من زِيَادَاتِ الوَزِير المَغْرِبي في فهرست ابن النديم" [١٠٤:١٨]، و "قَرَأْتُ في كِتَابِ الفِهْرِسْت الذي تَمَّمَهُ الوَزِيرُ الكامل أبو القاسم المغربي ولم أجد هذا في النُّسْخَة التي بخَطّ المُصَنِّف" [٣١٧:١٦ - ٣١٨] (١). وتُمَثِّلُ نُسْخَةُ الوَزِير أبي القَاسِم المغربي الأصْلَ الذي نقلت عنه عائلةُ النُّسَخ التي تمثِّلُها نُسْخَةُ المكتبة الوَطَنِيَّة في باريس رقم ٤٤٥٧. BnF ar، المُشْتَمِلَةُ الآن فقط على المقالاتِ الأرْبَع الأولى للكتابِ [انظر وضف النسخة فيما يلي ١٣٦ - ١٣٨]، بالرغم من أنَّ ما نَسَبَهُ إليه يَاقُوتُ لا يُوجَدُ في هذه النُّسْخَة. _________ (١) راجع كذلك ما كتبه برجستراسر عن مصادر ياقوت الحموي في معجم الأدباء BERGSTRASER G. (١٩٢٤)، Die Quellen von Jâqut's Irsâd"، ZS II" pp. ١٨٥ - ٨٦.

стр. 15

الكتاب ومؤلف ١ - مَوْضُوعُ الكِتَابَ وَمَا ألفَ فِيهِ مِن قَبْلُ يَدْخُلُ مَوْضُوعُ الكِتَابِ الذي نَنْشُرُهُ اليوم في مَجَالِ كُتُبِ الفَهَارِس التي تُعْنَى بتَسْجِيلِ أَسْمَاءِ المؤلّفات وعَنَاوِينها، سواء بطَرِيقَةٍ مَوْضُوعِية نَوْعِيَّة أو بطَرِيقَةٍ حضرية على حُرُوفِ الهِجاء. و "الفِهْرِسُ" كِتَابٌ جُمِعَت فيه أسْمَاءُ كُتُبٍ أخرى، وهذه الكلمة ليست عربيةً مَحْضَة، بل مُعَرَّبَة عن كلمة "فِهْرِسْت" الفَارِسِيَّة، وجَمْعُ الفِهْرِس: "فَهَارِس" (١). ويَعُدُّ المتخصصون الفِهْرِسَ الببليوجرافي الذي وَضَعَهُ الشَّاعِرُ اليوناني كالِّيماخوس CALLIMACHUS (٣١٠/ ٣٠٥ - ٢٤٠ ق. م)، لأهم مكتبات العالم القَدِيم، مَكْتَبَة الإسْكَنْدَرية، أوَّلَ فِهْرِسِ مَنْهَجِي وُضِعَ في التاريخ، حيث قَسَمَ كاليمَاخُوس المَعْرِفَةَ تَقْسِيمًا عِلْمِيًّا وصَنَّفَ كُتُبَ المكتبة حَسَبَ هذا التقسيم. وعُنْوَانُ هذا الفِهْرِس - الذي يُعْرَفُ بـ "البينكِس PINAKES" - " قوائم جَمِيعِ المُؤَلَّفَات المُهِمَّة في الثَّقَافَة اليونانية وأسْمَاء مُؤلّفيها"، وكان يَقَعُ في مائة وعشرين لِفَافَةٍ بَرْدِيَّةٍ قُسِمت فيها مُحْتَوَياتُ المكتبة إلى ثمانية أقسام تَبَعًا لأَسْمَاءِ المُؤَلِّفين: المؤلفين المَسْرَحِيين، وشُعَرَاء الملاحم والأناشيد، والمشرعين، والفَلَاسِفَة، والمؤرّخين، والخُطَبَاء، وأسَاتِذَة عِلْم الخَطَابَة، والمؤلفين المتنوعين. ويُعد كذلك "الفِهْرِسُ" الذي أعَدَّهُ لمُؤلَّفاته الطَّبِيبُ اليوناني الشَّهِيرُ جالينوس GALIENUS، الذي عَاشَ في القَرْنِ الثَّاني للميلاد [٢٧٥:٢ - ٢٨٠]، والذي _________ (١) الفيروزآبادي: القاموس المحيط ٧٢٧.

стр. 16

عَرَفَهُ العَرَبُ باسم "الفينكس FINAKES" (حيث تُقْلَبُ البَاء اليونانية فاء في العربية) [٣٦:١) من أوائل الفَهَارِس التي أُعِدَّت مُؤَلَّفَاتِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ إِنْ لم يكن أوَّلَها على الإطلاق. وأَشَارَ إلى هذا "الفِهْرِس" حُنَيْنُ بن إِسْحَاق، المُتَوَفَّى سَنَة ٢٦٠ هـ / ٨٧٣ م، [٢: ٢٨٩ - ٢٩١]، الذي تَوَفَّرَ على تَرْجَمَة مُؤلَّفَاتِ جَالِينُوس ونَقْلِها إلى العَرَبِيَّة، بقَوْله: "إن جَالينوس وَضَعَ كِتَابًا رَسَمَ فيه ذِكْر كُتُبِه وسَمَّاهُ "فِينَكس"، وتَرْجَمَتُه "الفِهْرِسْت". وإِنَّ جَالِينُوس وَضَعَ مَقَالَةً أَخْرِى وَصَفَ فِيها مَرَاتِبَ قراءة كتبه" (١). ثم أَضَافَ وَاصِفًا له: "أما الكِتَابُ الذي سَمَّاهُ جَالِينُوس "فينكس" وأَثْبَتَ فِيهِ ذِكْرَ كُتُبِه، فهو مَقَالَتَان: ذَكَرَ في المَقَالَةِ الأولى كُتُبه في الطِّبّ، وفي المقالة الثانية كُتبه في المَنْطِق والفَلْسَفَة والبلاغة والنحو. وقد وَجَدْنَا هاتين المقالتين في بعض النسخ باليونانية مَوْصُولَتَيْن كأَنَّهما مَقَالَةٌ وَاحِدَةٌ. وغَرَضُهُ في هذا الكتاب أَنْ يَصِفَ الكُتُب التي وَضَعَ ومَا غَرَضُهُ في كُلِّ وَاحِدٍ منها وما دَعَاهُ إلى وَضْعِه ولمن وَضَعَهُ وفي أي حَدٍّ من سنه" (٢). ثم قال: "وقد سَبَقَني إلى تَرْجَمَتِه إلى السُّرْيانية أيُّوبُ الرُّهَاوِي المعروف بالأبْرَش، ثم تَرْجَمْتُهُ أنا من السُّريانية لدَاوُد المتطبِّب وإلى العربي لأبي جَعْفَر محمد بن مُوسَى" (٣). _________ (١) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ١: ١٣٥؛ وفيما يلي ٣٦:١. (٢) نفسه ١٣٦:١. (٣) نفسه ١: ١٣٧.

стр. 17

واكتَشَفَ البروفيسير فؤاد سزجين FUAT SEZGIN نُسْخَةً من هذه التَّرْجَمَة محفوظة الآن في مكتبة المَشْهَد الرَّضَوِي بإيران تحت رقم ٥٢٢٣ طب (١). أمَّا كُتُبُ جَالينوس التي تُرْجِمَت إلى العَرَبِيَّة فقد وَضَعَ حُنَيْنُ بن إِسْحَاقَ فيها مَقَالَةً عُنْوَانُها: "ذِكْر مَا تُرْجِمَ من كُتُبِ جَالينوس وبَعْض ما لم يُتَرْجَم"، كَتَبَها إلى علي بن المنجم [٢٩١:٢ - ٢٩٢]، منها نُسْخَةٌ في مكتبة آيا صوفيا بالسليمانية باستانبول برقم ٣٦٣١ كما وَضَعَ مَقَالَةً أخرى ذَكَرَ فيها "الكُتُب التي لم يَذْكُرْها جالينوس في فِهْرِسْت كُتُبِه"، ووَصَفَ جَمِيعَ ما وُجِدَ لجَالينوس من الكُتُبِ التي رَبَّحَ أَنَّه صَنَّفَها بعد وَضْعِه لفِهْرِسْت كُتبه، منها نُسْخَةٌ في مكتبة آيا صوفيا بالسُّلَيْمَانية بإستانبول برقم ٣٥٩٠. وكِتَابُ "الفِهْرِسْت" للنديم ليس أوّل كِتَابٍ في الأدَبِ العَرَبيّ يتناول هذا الموضوع، وإِنما سَبَقَتْهُ مُحاولات لم تَبْلُغ الشُّمُول والاسْتِيعَابَ الذي وَصَلَ إليه كتاب النديم. وقد أفادَ النَّديم نفسه من بَعْض هذه المحاولات التي جَاءَت في شَكْلِ قَوَائِم بعناوين الكُتُب، سَوَاء تلك التي تناوَلَت مَوْضُوعَات مُحَدَّدَة أو مُؤلَّفات شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، فمن ذلك: "فِهْرِسْت مُؤَلَّفات عَالِمِ الكِيمْياء المَشْهُورِ جَابِرٍ ابن حَيَّان بن عبد الله الكوفي"، المتوفّى نحو سنة ٢٠٠ هـ/٨١٥ م، يقول: "له فهرست كبيرٌ يحتوي على جَمِيعِ ما أَلَّفَ في الصَّنْعَة وغيرها، وله فهرست صَغِيرٌ يحتوي على ما ألفَ في الصَّنْعَةِ فَقَط". [٤٢١:٢]. والفهرست الذي صنعه أبو زكريا يحيى بن عَدِيّ بن حَمِيد بن زكريا المَنْطِقِي، المتوفى سنة ٣٦٣ هـ/٩٧٤ م، لكُتب أرسطاطاليس، والذي نَقَلَ عنه النَّدِيمُ بما مِثَالُه: _________ (١) F. SEZGIN، GAS III، pp.٧٨ - ٧٩.

стр. 18

"كذَا قَرَأْتُ بخَطِّ يحيى بن عَدِيّ في فِهْرِسْت كُتُبِه" [١٧٠:٢]، أو "رأَيْتُها مَكْتُوبَة بخَطِّ يحيى بن عَدِيّ في فهرست كتبه" [١٧٠:٢]. ووَقَفَ النَّدِيمُ كذلك على "فِهْرِسْت" لمؤَلَّفات أبي بَكْر محمد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ نَقَلَ منه أَسْمَاءَ مُصَنَّفَاتِه بما مِثَالُه: "مَا صَنَّفَهُ الرَّازِيُّ من الكُتُبِ مَنْقُولٌ مِن فِهْرِسْتِهِ" [٣٠٧:٢]. كما وَقَفَ على قائِمَةٍ مُطَوَّلَةٍ مُؤَلَّفَاتِ أبي الحسن علي بن محمد المدائني بخِطِّ أبي الحسن علي بن محمد بن عُبيد بن الزُّبَيْرِ الأَسَدِي الكوفي، بما مِثاله: "وله من الكتب ما أنا ذاكره من خطِّ أبي الحسن بن الكوفي" [٣١٦:١ - ٣٢٣]. وعلى قَائِمَةٍ أخرى بمؤلفات هِشَام بن محمد بن السائب الكَلْبِيّ [٣٠١:١ - ٣٠٧]. ثم جَاءَ محمَّد بن إِسْحَاق النَّدِيم ليَضَعَ سَنَة ٣٧٧ هـ / ٩٨٧ م، كِتَابَه الفَذ "الفِهْرِست في أَخْبَارِ العُلَمَاءِ المُصَنِّفين من القُدَمَاءِ والمُحْدَثين وأَسْمَاءِ مَا صَنَّفُوهُ من الكُتُب"، الذي سَجَّلَ فيه باقتِدَارٍ الإنتاج الفكري للعرب والمسلمين في مختلف فنون المَعْرِفَة ومَوْضُوعَاتِها، تأليفا وتَرْجَمَةً، حتى تأريخ تدوينه للكتاب في مستهلّ شَعْبَان سنة ٣٧٧ هـ / ديسمبر سنة ٩٨٧ م. ويرى ستيفان ليدر STEFAN LEDER أنه لا يمكننا اعْتِبَارِ المَعْلُومَاتِ الوَارِدَة في "الفِهْرِسْت" نَصًّا مَنْسُوبًا تمامًا للنَّدِيم، بسَبَبِ اعْتماده في إِثْبَاتِ بَعْض منها على قوائم ببليوجرافية أُتيحت له، مثل تلك التي كتبها أبو الحسن بن الكوفي أو "الفِهْرِست" الذي أعَدَّهُ جَابِرُ بن حَيَّانَ لمُؤلَّفَاتِه أو "فِهْرِسْت كُتُبِ الرَّازِي" فهرست كُتب أرسطاطاليس" الذي كتبه بخَطّه يحيى بن عَدِيّ (١). _________ (١) des STEFAN LEDER Grenzen " Rekoustruktion alten Schrifttums nach den Angaben in Fihrist"، in Ibn an - Nadîm und die mittelalterliche arabische Literatur، pp. ٢٣ - ٢٤.

стр. 19

ورَغْمَ إشارَة النَّدِيمَ في صَدْرِ كِتَابِه إِلى أَنَّه "فَهْرِسْتُ كُتُبِ جَمِيعِ الأُمم من العَرَبِ والعَجَمِ المَوْجُودِ منها بلُغَةِ العَرَب وقَلَمِها في أَصْنَافِ العُلُوم وأَخْبَارِ مُصَنِّفيها وطَبَقَاتِ مُؤَلِّفيها وأَنْسَابِهم وتأريخ مواليدهم ومَبْلَغ أَعْمَارِهِم وأَوْقَاتِ وَفَاتِهم وأمَاكِن بُلْدَانِهم ومَنَاقِبهم ومَثَالِبهم، منذ ابْتِدَاءِ كُلِّ عِلْمٍ اخْتُرِع إلى عَصْرِنَا هذا، وهو سنة سَبْعٍ وسبعين وثلاث مائة للهجرة"، فإنَّه لا يمكننا أن نَعُدَّ "فهرست" محمَّد بن إِسْحَاق النديم حَصْرًا لجميع الإنتاج الفكري الذي أنْتَجَه العَرَب والمسلمون في القُرُون الأربعة الأولى للإسلام، تأليفا ونَقلا وتَرْجَمَةً، فقد غَابَ عنه منها الكثيرُ الذي نَعْرِفُهُ الآن ووَصَلَ إلينا، كما أنه لم يُغَطِّ كُلَّ العَالم الإسلامي حيث لم يذكر أيّ شيءٍ عن ما أَنْتِجَ في مصر وشَمَالِ أفريقيا والأندلس، ورَكَّزَ جُهْدَه على ما أُنْتِجَ في مَرْكَز الخلافة الإسلامية في هذا الوَقْت، العِرَاق وعاصمته بَغْدَاد. كما أنَّ عَدَدًا كبيرًا من المصنفين الذين أتى على ذِكْرِهِم لم يَسْتَوْعِب جَمِيعَ كُتُبِهم ولم يدَّع ذلك، فقد فَاتَهُ ذِكْرُ الكَثِير من الكتب والكثير من المؤلّفين الذين عاشوا في الحقبة التي سَجَّلَهَا في كتابه. ومع ذلك فلا يمكننا اتِّهامُ النَّدِيم بأنه لم يتعرف على ما أُنْتِجَ خَارِجَ العِرَاقِ، لأنَّ الإنتاج الفكري في هذا العَصْر كان مَحْصُورًا بالفِعْل في العِرَاق ومَشْرِق العالم الإسلامي حيث مَرْكَز الخلافة الإسلامية، وهو دَليلٌ على حَيَوِيَّة المراكز الجَاذِبَة التي تَرْعَى العُلُومَ والآدَابَ حَيْثُ "بَيْتُ الحِكْمَة" الذي أَسَّسَهُ هَارُونُ الرشيد في بغداد وازْدَهَرَ على الأخص في عَصْرِ المأمون، وحَيْثُ ازْدَهَرَت المدارس الفكرية واللُّغَوِيَّة والكَلامِيَّة المختلفة في البَصْرَة والكُوفَة وبَغْدَاد حتى المَوْصِل شَمَالًا، ونَبَغَ العُلَمَاءُ والأَدَبَاءُ والمتكلمون والفُقَهَاءُ الرُّوَّاد، وقامَ العِبَادِيُّون والسُّرْيَانُ بجُهْدِ رائع في حَرَكَة النَّقْل والتَّرْجَمَة من اللغات اليونانية والسريانية والبهلوية والهِنْدِيَّة إلى اللغة العربية. كما أنَّ مِصْرَ والمغرب والأندلس لم يَبْدَأ فيها الإنتاج العلمي الفِعْليّ إلا في القرنين الرابع والخامس

стр. 20

للهجرة مع قيام الخلافة الفاطمية في إفريقية ومصر والخلافة الأموية في الأندلس. ومَثَلَ كِتَابُ "الفِهْرِسْت" للنديم مَصْدَرًا لا غنى عنه لجميع المؤلفين الذين اهْتَمُّوا بذكر مُصَنَّفَات العُلَمَاء الذين عَاشُوا في القُرُونِ الأَرْبَعَة الأُولى للإِسْلام، ولم يَسْتَطيعُوا الفِكَاكَ من أَسْرِه أو أنْ يُضيفُوا إليه إلَّا في حالاتٍ قَلِيلَةٍ ونَادِرَة، كما أَنَّهم اتَّبَعُوا طَرِيقَتَهُ ومَنْهَجَهُ عند تَنَاوُلِهم العُلَمَاءَ المُصَنِّفين اللاحقين مثل ما فَعَلَ: يَاقُوتُ الحَمَوِي وجَمَالُ الدِّين القِفْطِيّ وابنُ أبي أُصَيْبَعَة وابنُ خَلْكان وابنُ أَنْجَبَ السَّاعِي وغريغوريوس ابن العِبْرِي والذَّهَبِيّ والصَّفَدِيّ وابنُ حَجَرٍ العَسْقَلانِي وابنُ قُطلُوبُغَا والدَّاوُدِيّ [انظر فيما يلي نُقُولَ المتأخرين من الكتاب ٦٦ - ٦٨]. ٢ - مؤلِّف الكتاب لا نَعْرِفُ الكَثِيرَ عن حَيَاةِ صَاحِبِ "الفِهْرِسْت" بعيدا عن المعلومات التي ذَكَرَها هو عن نَفْسِه ويمكننا جَمْعُها من خِلالٍ كِتَابِه. واسْمُهُ الكامل كما ذَكَرَ في صَدْرِ كُلِّ مَقَالَةٍ من المقالات العَشْرِ لِكتابه في نُسْخَةِ الأصْل: أبو الفرج محمد بن إسْحَاق بن محمد بن إسْحَاق النَّدِيم المعروف إسْحَاق بابن أبي يَعْقُوبَ الوَرَّاق. ورُبَّما يَعْني لَقَبُ النَّدِيم أَنَّه كان نَدِيما لبَعْضِ الوَقْتِ لأَحَدِ كِبَارِ رِجَالِ الدَّوْلَة في القَرْنِ الرَّابع الهجري العاشر الميلادي، رَجَّحْتُ أنْ يكون أبا القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن داود بن الجرَّاح. ومن المؤكد أنَّ وَالِدَهُ أَبا يَعْقُوب إِسْحَاق كان وَرَّاقًا يَتَّجِرُ في الكُتُبِ في سُوقِ الوَرَّاقِين في بَغْدَاد، ويَتَّضِحُ من طَبِيعَة كِتَابِ وَلَدِه محمَّد الذي بين أَيْدِينَا أنَّ مِهْنَة الوَالِد انْتَقَلَت إلى الابن فكان هو نَفْسُه وَرَّاقًا، وهو ما قَرَّرَهُ ياقوتٌ الحموي في تَرْجَمَتِه المُوجَزَة له حين قال: "ولا أُبْعِدُ أنْ يكون قد

стр. 21

كان وَرَّاقًا يَبيعُ الكُتُب" ووَصَفَه بأَنَّهُ "مُصَنِّفُ كِتَابِ "الفِهْرِسْت" الذي جَوَّدَ فيه واسْتَوْعَبَ اسْتِيعَابًا يَدُلُّ على اطِّلَاعِه على فُنُونٍ من العِلْم وتَحَقُّقه لجَمِيع الكُتُب" (١). وقد أكَّد ذلك أيضًا مُعَاصِرُهُ الوَزِيرُ جَمَالُ الدِّين عليُّ بن يُوسُف القِفْطِيّ الذي وَصَفَهُ بأَنَّهُ "كان كَثِيرَ البَحْثِ والتَّفْتِيش عن الأُمُورِ القَدِيمَة، كَثِيرَ الرَّغْبَة في الكُتُب وجَمْعها وذِكْر أخْبَارِها وأخْبَار مُصَنِّفِيها ومَعْرِفَة خُطُوطِ المُتَقَدِّمين" (٢). وهو ما يَتَّضِحُ من خِلال صَفَحات كِتابِه حَيْثُ يَسْرِدُ فيه تَقْريبًا أَسْمَاءَ جَمِيع الكُتُب المدوَّنة باللُّغَةِ العَرَبيَّة، تأليفًا وتَرْجَمَةً، التي وُجِدَتْ في عَصْرِه في سُوقٍ الوَرَّاقِين في بَغْدَاد عاصِمَة دَار الخِلافَة، ليس فَقَط ما كَتَبَهُ العُلَمَاءُ والفُقَهَاءُ واللُّغويُّون والنُّحَاةُ والأخْباريُّون والمُتَكَلِّمُون وصُنّاعُ ورُوَاةُ دَواوين الشُّعَرَاء، وأنما أيضًا القِصَص مجهولةَ المُؤَلِّف وقِصَص الجِنّ والعُشَّاق والخُرَافَات وحتَّى كُتُب الطَّبيخ والعِطْر والفِلاحَة. وقد أتَاحَ له عَمَلُهُ وَرَّاقًا أَنْ يَرَى مُعْظَمَ الكُتُب التي ذَكَرَها وأَنْ يُحَاوِلَ تَحْدِيد قيمتها العِلْمِيَّة والمادِّية، بحيث يَحِقّ لنا أنْ نَثِقَ بما يقولُه من أنَّه رأى هذا الكِتَابَ أو ذاك أو شاهَدَ نُسْخَةً منه بخَطِّ مُؤلِّفِه أو بخَطِّ أحَدِ العُلَماء، فقد تَوَافَرَت له إمكانياتُ مثل هذا العَمَل وأتاحت له حِرْفَتُهُ جَمْعَ الكثير من المادَّة. ورَغْم كلِّ ذلك فقد فاتَه ذِكْرُ الكَثِير من المُؤَلَّفَات التي نَعْرِفُها الآن من خِلالِ الأخْبَار العَدِيدَة التي وَرَدَت عنها في مَصَادِر مُبَكِّرَة وَصَلَ إلينا بَعْضُها (٣). وأَهَمُ تَرْجَمَةٍ كُتِبَت للنَّديم هي التَّرْجَمَةُ التي خَصَّصَها له أبو عبد الله محمَّد بن محمود البَغْدَادي المعروف بابن النَّجَّار، المتوفَّى سنة ٦٤٣ هـ / ١٢٤٥ م، في "ذَيْل تاريخ بَغْدَاد"، وهي تَرْجَمَةٌ لا تُوجَدُ في ما وَصَلَ إلينا _________ (١) ياقوت الحموي. معجم الأدباء ١٧:١٨. (٢) القفطي. إنباه الرواة ٧:١. (٣) F. SEZGIN، GAS I، p.٣٨٦

стр. 22

من أجْزَاء الكتاب، وإِنَّما اعْتَمَدَ عليها الصَّفَدِيُّ والمَقْريزيُّ وابنُ حَجَر العَسْقَلانيّ والشَّخْصُ الذي كَتَبَ تَرْجَمَة النَّدِيم مُلَخَّصَةً منها على ظَهْرِيَّة نُسْخَة مكتبة جامعة لَيْدِن تَقُولُ التَّرْجَمَةُ كما وَصَلَت إِلَيْنَا: "أبو الفَرَج محمَّد بن أبي يَعْقُوب إِسْحَاق الوَرَّاق المعروف بالنَّديم، مُصَنِّفُ كِتَاب "فِهْرِسْت العُلَمَاء" رَوَى فيه عن أبي سَعِيدٍ السِّيرَافِيّ وأبي الحَسَن محمَّد بن يُوسُف النَّاقِط وأبي الفَرَج الأصْبَهانِي وأبي الحَسَن بن المُنّجِّم وأبي عُبَيْد الله محمَّد المَرْزبَانيّ. ورَوَى عن أبي علي إسْمَاعيل الصَّفَّار بالإجَازَة، ولم أرَ لأحَدٍ عنه رِوَايَةً، وصَنَّفَ كِتَابَ "الفِهْرِسْت" في شَعْبَان سَنَة سَبْعٍ وسَبْعين وثَلاث مائة، ومَاتَ يوم الأربعاء لعَشْرٍ بَقِين من شَعْبَان سَنَة ثمانين وثَلاث مائة ببَغْدَاد، وقد اتُّهِمَ بالتَّشَيُّع، عَفَا الله عنه". ولم تَذْكُرِ المَصَادِرُ تأريخ مِيلادِ النَّدِيم ومَكانَه، إِلَّا أَنَّه لا شَكّ فِي أَنَّه وُلِدَ ونَشَأ في بَغْدَاد، وكان مَوْلِدُهُ بها بين سنتي ٣١٥ هـ / ٩٢٧ م و ٣٢٠ هـ / ٩٣٢ م، فهو يَقُولُ في تَرْجَمَة أبي بكر محمَّد بن عبد الله البرْدَعي: "رَأَيْتُهُ في سَنَة أرْبَعين وثَلاث مائة وكان بي آنِسًا يُظْهِرُ مَذْهَبَ الاعْتِزَال، وكان خَارِجِيًّا وأحَدَ فُقَهَائهم، وقال لي: إنَّ له في الفِقْهِ عِدَّةَ كُتُبٍ وذَكَرَ بَعْضَها". ولا يمكن أن يَتِمَّ هذا الحَدِيثُ بهذا الأسْلُوب إِلَّا إِذَا كان مُؤَلِّفُنَا على الأقَلّ في سِنّ العِشْرين أو الخامِسَة والعِشْرين. كما يَقُولُ عند حَدِيثه عن أبي عبد الله محمد بن أحمد الصَّفْوَاني: "لقيته سَنَة سِتٍّ وأرْبعين وثلاث مائة". ولا شَكَّ في أنَّه كان لوَالِدِهِ الوَرَّاق دُكانٌ كبيرٌ لبَيْع الكُتُب في سُوقِ الوَرَّاقين (١) ببَغْدَاد وكانت مُهِمَّةُ الوَرَّاق في ذلك الوقْت هي السَّيْطَرَة على عَمَلِيَّة صِنَاعة _________ (١) كان سُوقُ الوَرَّاقِين في بَغْدَاد في القَرْن الرَّابع الهجري العَاشِر الميلادي في الجَانِب الشَّرْقي من بَغْدَاد في الرُّصَافَة في مَحَلَّة بَابِ الطَّاقِ، يَدُلُّ على موضعه اليوم "سُوق السَّرَاي" على كتف دِجْلَة عند رأس جِسْر الشُّهَدَاء من ناحِيَة الرُّصَافَة.

стр. 23

الكِتَاب، فلم يكن دُكَّانُه مركزًا لنَسْخِ الكُتُب وبَيْعها فَقَط، بل - كعادَة دَكاكين الوَرَّاقِين في هذا العَصْر - مُلْتقًى يَجْتَمِعُ فيه العُلَمَاءُ للتَّعَرُّفِ على الجَدِيدِ من الكُتُب ولتَدَاوُل المَعْلُومَات في مُخْتلف مَجَالات الفِكْر والإبْدَاع الأدَبِي. وتَعَرَّفَ النَّدِيمُ في هذه البِيئَة العِلْمِيَّة على مَشَايِخِه وأَسَاتِذَتِه الذين تَتَلْمَذَ عليهم وأخَذَ عنهم: أبي سَعِيدٍ السِّيرَافي [١: ١٥٦، ١٦٦] وأبي الفَرَج الأصْبَهَانيّ [١: ٤٣٨] ومحمد بن يُوسُف النَّاقِط [١: ٥٩] وأبي عُبَيْد الله المَرْزُبانيّ [١: ٤٠٧] وأبي الحَسَن عليّ بن هَارُون بن المُنَجِّم [١: ٤٤٥] وأبي عليّ إِسْمَاعِيل الصَّفَّار [١: ١٦٤]. ولا شَكّ أنَّه أَخَذَ مُنْذُ وَقْتِ مُبكِّر في جَمْعِ مادَّة كِتَابِه "الفِهْرِسْت"، كما تَدُلُّ على ذلك العَدِيدُ من التَّوَاريخ التي ذَكَرَهَا في كتابه، وكان يَتَبَادَل الرَّأْيَ حَوْلَ بَعْض هذه المَوَادّ وتَرْتِيبِها مع مَنْ يَلْقَاهُ من العُلَمَاءِ، يَقُولُ في تَرْجَمَة قُسْطَا بن لُوقَا البَعْلَبَكِّي: "وقد كان يَجِب أَنْ يُقَدِّمَ على حُنَيْن لفَضْلِه ونُبْلِه وتَقَدِّمِه في صِنَاعَة الطِّبّ، ولكنَّ بَعْضَ الإخْوَان سَأل أنْ يُقَدِّمَ حُنَيْنٌ عليهٌ، وكلا الرَّجُلَيْن فَاضِل" [٢: ٢٩٢]. وكان يَنْتَهِزُ وُجُودَهُ في مَجَالِس بعض الكُبَرَاء ويَسْتَفسرُ من بعض الحَاضِرين حَوْلَ بَعْض المَسَائِل، مِثْل اسْتِفْسَارِه من أبي الخَيْر الحَسَن بن سَوَّار بن الخّمَّار، بحَضْرَة أبي القَاسِم عيسى بن عليّ - عن أَوَّلِ مَنْ تكلَّمَ في الفَلْسَفَة [٢: ١٥٢ - ١٥٣]. وسُؤَالِه في البُسْتِي هل هو بالسِّين أو بالشِّين، لأنَّ البُسْتَ مَعْرُوفٌ في أَرْضِ سِجِسْتان، وبُشْت لا نَعْرِفُها [١: ٤٣١]. وكانت تَرْبِطُ النَّدِيم عَلَاقَةٌ وَطِيدَةٌ بأبي القاسِم عِيسى بن عليّ بن عِيسى بن دَاوُد بن الجَرَّاح، المتوفَّى سنة ٣٩١ هـ/ ١٠٠١ م، وكان يَحْضُر مَجَالِسَه، قال عنه النَّديمُ: "أَوْحَدُ زَمَانِهِ في عِلْم المَنْطق والعُلُوم القَدِيمَة"؛ وكُلَّما وَرَدَ اسْمُه أتْبَعَهُ بعِبَارَة "أَيَّدَهُ الله"، وقد رَجَحْتُ أنَّ أبا القَاسِم عِيسى بن عليّ هو الشَّخْصُ الذي أهْدَى إليه النَّديمُ كِتابَه.

стр. 24

وكان النَّديمُ - كما يَتَّضِحُ من صَفَحَات كِتَابه - شِيعيًّا مُتَحَمِّسًا، قال عنه ياقُوتٌ الحَمَوي: "وكان شِيعيًّا مُعْتَزِلِيًّا". وقال المَقْريزيٌّ: "وقد اتُّهِمَ بالتَّشَيُّع عَفَا الله عنه". وقال ابن حَجَر: "ومُصَنِّفُهُ المَذْكُور - يَعْنِي الفِهْرِسْت - يُنَادِى على مَنْ صَنَّفَه بالاعْتِزَال والزَّيْغُ نَسْأَلُ الله السَّلامَة". ووَصَفَهُ الذَّهَبِيُّ قَبْلَهما بـ "الأخباري الأديب الشِّيعيّ المُعْتَزِليّ". وأضَافَ ابْنُ حَجَر: "ولمَّا طَالَعْتُ كِتَابَه ظَهَرَ لي أنه رَافِضِيٌّ مُعْتَزِليٌّ فإنَّه يُسَمِّي أَهْلَ السُّنَّة الحَشْويَّة ويُسَمِّي الأشَاعِرَة المُجْبِرَة ويُسَمِّي كُلَّ مَنْ لم يكن شِيعِيًّا عامِّيًّا. وذَكَرَ فِي تَرْجَمَة الشَّافِعِيّ شَيْئًا مُخْتَلَقًا ظَاهِرَ الافْتِرَاء حيث قال: "كان الشَّافِعِيُّ شَدِيدًا في التَّشَيُّع". أقولُ: وقد عَلَّقَ شَخصٌ على هَامِش نُسْخَة الأصْلِ أمام هذا المَوْضِع: "المُصَنِّفُ شِيعيٌّ جَلْد، فأَرَادَ أَنْ يَفْتَخِرَ بالشَّافِعِيّ بأنَّه منهم، فكَذب" (١). _________ (١) كان القَرْنُ الرَّابع الهجري/ العَاشِر الميلادي - الذي عَاش فيه النَّدِيمُ - هو "عصر انْتِصَار الشِّيعَة". فقد نَجَحَ الزَّيْدِيُّون في إقَامَةِ دَوْلَةٍ حَاكَمَةٍ في طَبَرِسْتَان سَنَة ٢٥٠ هـ/٨٦٤ م وفي اليَمَن سَنَة ٢٨٤ هـ / ٨٩٧ م، واسْتَوْلَى القَرَامِطَةُ على جَنُوبِ العِرَاقِ والبَحرين والأحْسَاء، وتَوَّجَ الفَاطِمِيُّون نَشَاطَهُم السِّرِّي المُكَثَّفَ الذي اسْتَمَرَّ أكثر من مائة وخمسين عامًا بإعْلانِ قِيَامِ الخِلَافَة الفاطِمية في إفِريقيَّة سَنَة ٢٩٧ هـ / ٩٠٨ م ثم في مصر سَنَة ٣٥٨ هـ / ٩٦٩ م. ولم يَمْض على انْتِصَار الفاطميين ثَلاثُون عَامًا إلَّا وقد ظَهَرَ جَلِيًّا انْهَيَارُ سُلْطَة الخِلَافَة العَبَّاسيَّة عندما نَجَعَ البُوَيْهِيُّون الشِّيعَة سَنَة ٣٣٤ هـ / ٩٤٥ م، في فَرْضِ سَيْطرتهم على بَغْدَاد مركز الخِلافَة السُّنِّيَّة واعْتَنَقَتْ العَدِيدُ من الإِمَارَات العَرَبيَّة الصَّغيرَة في بِلادِ الرَّافِدَيْن والجَزيرَة وسُورْيا الشَّمالية المَذْهَبَ الشِّيعي. ثم جَاءَ اسْتِقْرَارُ الأَتْرَاكِ السَّلاجِقَة (الغُزّ) في فَارِس والعِرَاق والجَزِيرَة وسُورْيَا الشَّمَالية ليُوقِفَ هذا الزَّحْفَ للتَّشَيُّعِ السَّياسي وتَمَكَّنُوا مِن وَضْعِ نِهَايَةٍ لتَحَكُّم البُويْهِيين في الخِلَافَة العَبَّاسِية، سَنَة ٤٤٧ هـ/ ١٠٥٥ م، ومَدُّوا نُفُوذَهم على مُمْتَلَكات الفَاطِميين في الشَّام، ثم اسْتكمَل خُلَفَاؤهم الزَّنْكيون ثم النُّوريُّون، وأخيرًا الأيُّوبِيُّون عَمَليَّة الإحْيَاء السُّنيّ التي انْتَهَت بالقَضَاءِ على الخِلافَة الفَاطِميَّة في مصر، سَنَة ٥٦٧ هـ ١٠٧١٢ م والقَضَاءِ على النُّفُوذِ الشِّيعي في كلِّ المَنْطِقَة عن طَرِيق "المَدَارس" التي بَدَأها في عام ٤٥٩ هـ/١٠٦٦ م الوَزِيرُ نِظَامُ المُلْك السُّلْجُوقي. ولم يَبْدأ المَدُّ الشِّيعي في اسْتِعَادَة نَشَاطِهِ إِلَّا مع مَطْلَعِ القَرْنِ العَاشِر الهجري/ السَّادس عَشَر الميلادي بعد أنْ فَرَضَ الشَّاه إسْمَاعِيل الصَّفَوي=

стр. 25

ويَظْهَرُ تَشَيُّعُ المؤلِّف كذلك عندما ذَكَرَ أنَّ الواقِدِيّ كان يَتَشَيَّعَ ولكنَّه يُخْفي ذلك تَقِيَّةً [١: ٣٠٨]، ومن قَوْلِه عن مُصْعَبٍ بن عبد الله الزُّبَيْرِي أَنَّ أَبَاهُ عبد الله كان من أشْرَارِ النَّاسِ مُتَحَامِلًا على وَلَدِ عليّ، ﵇ [١: ٣٤٠]، ومن جَعْلِه أكثر المُحَدِّثين، مثل سُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَان الثَّوْرِيِّ، على مَذْهَبِ الزَّيْدِيَّة [١: ٦٣٩ - ٦٤١]. أمَّا هو نفسه فكان شيعيًّا إمَامِيًّا كما يَبْدُو من إنْكارِه لما جَاءَ في كُتُبِ الإسْمَاعيلية [١: ٦٧٢]. ويَتَّضِحُ مَيْلُ النَّدِيم إلى الاعْتِزَال من ثَرَاء الفَصْل الذي عَقَدَهُ لمُصَنِّفي المُعْتَزِلَة، والمَوْجُودُ فَقَط نُسْخة شيستربيتي، والذي اشْتَمَلَ على مَعْلُومات مُهِمَّة لا نجدها حتى في كُتُبِ "طَبَقَاتِ المُعْتَزِلَة"، حتى قال عنه السُّبْكيّ: "كان فيما أحْسَبُ مُعْتَزِلِيًّا، وله بَعضُ المَسِيس بصناعَة الكلام" (١). والمكانُ الوَحِيدُ الذي ذَهَبَ إِليه النَّدِيمُ خَارِجَ بَغْدَاد وصَرَّحَ به، هو مَدِينَةُ المَوْصِل في شَمَال العِرَاق التي تَرَدَّدَ عليها في فَتَرَات مُخْتَلِفَة. فعند حَدِيثه عن الإِسْمَاعِيلِيَّة يَذْكر منهم رَجُلًا يُعْرَفُ بابن حَمْدَان وأنَّه رِآه بالمَوْصِل [١: ٦٧٤]. وعند حَدِيثه على كتاب "أصُول الهَنْدَسَة" لأُقْلِيدِس ذكر أَنَّ أَبَا عُثْمَانَ الدِّمَشْقِيّ نَقَلَ منه مَقَالَات رأى منها العَاشِرَة بالموصل في خِزانَةِ عليّ بن أحمد العِمْرَاني [٢: ٢٠٨]. وهو رَجُلٌ من أهْل المَوْصل جَمَّاعَةٌ للكُتُب يَقْصِدُهُ النَّاسُ من المَوَاضِع البَعِيدَة للقِرَاءَة عليه، وتُوفِّي سنة ٣٤٤ هـ / ٩٥٥ م [٢: ٢٥٨]، وهو ما يَدُلُّ على أنَّ زِيَارَة النَّديم للمَوْصِل كانت قَبْل هذا التاريخ، إلَّا أنْ يكون قد زَارَ المكتبة بعد وَفَاة _________ = المَذْهَبَ الشِّيعي مَذْهَبًا رَسْمِيًّا في مُخْتَلف أنْحَاءِ إيران ودَخَلَ منها إلى العِرَاق. ويُوَضِّحُ هذا العَرْضُ المَوْقِفَ الذي تَبَنَّاهُ يَاقُوتٌ الحَمَوِيُّ والذَّهَبي والمَقْريزي وابنُ حَجَر - مُمَثِّلُو السِّيَادَة السُّنِّية - من تَشَيُّع النَّديم، والذي يُعَبِّر عن الانْتصار السُّنِّي الذي سَادَ بَينَ القَرْنَيْن السَّابع والتَّاسع للهجرة في ظِلِّ الأيُّوبيين والمماليك والإيلْخانِيين وبِدَايَات العُثْمَانِيين. (١) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٢٩٩:٢.

стр. 26

صَاحِبها. ورأى النَّدِيمُ بالمَوْصِل كذلك نَيِّفًا وعشرين جُزْءًا من "شِعْر أبي العَتَاهِيَة" أَنْصَافِ الطَّلْحِيّ بخَطِّ ابن عَمَّار الثَّقَفِي كاتِب شِعْر المُحْدَثِين [١: ٥٠٣]، وكُتُبَ إصْطَفَن الرَّاهِب في الكِيمْيَاء [٢: ٤٦٢ - ٤٦٣]، كما الْتَقَى بِشَخْصٍ يُعْرَفُ بالزَّجَّاج مُعَلِّم وَلَد نَاصِر الدَّوْلَة لا يَعْرِفُ له كتاب. ومن المؤكَّد أنَّ النَّديمَ لم يَعْتَمِد في ذِكْر قَوَائِم الكُتُبِ التي أَوْرَدَها في كتابه على ما كان مُتَدَاوَلًا فَقَط في سُوقِ الوَرَّاقِين، وإِنما تَعَرَّفَ عليها كذلك من خِلالِ تَرَدُّدِه على العَدِيد من خَزَائِن الكُتُب العَامَّة والخَاصَّة الغَنِيَّة التي كانت تَزْخَرُ بها بَغْدَادُ، دَار الخِلافَة الإسلامية، وسَائِر مُدُنِ العِرَاق الأخرى، مثل: بَقَايا كُتُب خِزَانَة الحِكْمَة (المأمُون) ببَغْدَاد [١: ١٣، ٥١؛ ٢: ٢٣٤، ٢٣٥]، وخزَانَة كُتُب عليّ بن أحمد العِمْرَاني بالمَوْصِل، السَّابِق الإِشَارَة إليها، وخِزَانَةِ كُتُب محمد بن الحُسَيْن ابن أبي بَعْرَة بمَدِينَة الحَدِيثَة، قُرْب المَوْصِل، والذي قال عنه النَّدِيمُ: "جَمَّاعَةٌ للكُتُبِ، له خِزَانَةٌ لم أرَ لأَحَدٍ مِثْلَها كَثْرَة" [١: ١٠٦] رأى في جُمْلَتها مُصْحَفًا بخَطّ خَالِد بن أبي الهَيَّاج، ومن خُطُوطِ العُلَمَاء في النَّحْو واللُّغَة مثل: أبي عَمْرو بن العَلاء وأبي عَمْرو الشَّيْبَاني والأصْمَعِيّ وابن الأعْرَابي وسِيبَوَيْه والفَرَّاء والكِسَائي، ومن خُطُوطِ أَصْحَابِ الحَدِيث مثل: سُفْيَان بن عُيَيْنَة وسُفْيَانِ الثَّوْرِيّ والأَوْزَاعِيّ؛ [١: ١٠٧]؛ وخِزَانَةِ كُتُبِ ابن حَاجِب النُّعْمَان التي قال عنها: "ولم تُشَاهَد خِزَانَةٌ للكُتُبِ أحْسَن من خِزَانَتِه، لأنَّها كانت تَحْتَوي على كُلِّ كتاب عَيْنٍ ودِيوَان فَرْدٍ بخُطُوط العُلَمَاءِ المَنَّسُوبَة". فقَد وَجَّه النَّديمُ عِنَايَتَه إلى "جَمْعِ كُتُبِ جَمِيعِ الأُمَم من العَرَبِ والعَجَم المَوْجُود منها بلُغَةِ العَرَب وقَلَمها … مُنْد ابْتِدَاءِ كُلِّ عِلْمٍ اخْتُرِعَ إِلى عَصْرِه هو". وبالطَّبْع فإِنَّ قِسْمًا كبيرًا من هذا الإنْتَاج لم يكن مُتَوَافِرًا في سُوقِ الوَرَّاقِين في عَصْرِه، واعْتَمَدَ في ذكره على مُحَاوَلات سَابِقَة وقَوائم أعَدَّهَا بعضُ المُهْتَمِّين وعلى ما احْتَوَت عليه هذه الخَزَائن الغَنِيَّة.

стр. 27

تأرِيخُ وَفَاة النَّديم لم يُشِر يَاقُوتٌ الحَمَويّ، أوَّلُ من تَرْجَمَ للنَّديم، لا إلى تأريخ ميلاده ولا إلى تأريخ وَفاته، وأوَّلُ من ذَكَرَ تأريخَ وَفاتِه هو مُوَاطِنُه أبو عبد الله محمد بن محمود البَغْدَادِيّ المعروف بابن النَّجَّار، فقد ذَكَرَ في ترجمته له في "ذَيْل تاريخ بَغْدَاد" - التي لم تَصِل إلينا - ولَخَّصَها كلٌّ من الصَّفَدِيّ والمَقْريزيّ وابن حَجَر والشَّخْصِ الذي سَجَّلَ تَرْجَمَته على ظَهْرِيَّة نُسْخَة مكتبة جامعة لَيْدن، أنَّه تُوفِّي "يوم الأرْبعاء لعَشْرٍ بَقِين من شَعْبَان سَنَة ثمانين وثَلاث مائة / (١٢) نوفمبر سَنَة ٩٩٠ م) ". فيكون قد عَاشَ بين ستين وخَمْسٍ وستين عَامًا، إِذَا صَحَّ افْتِرَاضُنَا أَنَّه وُلِدَ بين سنتي ٣١٥ و ٣٢٠ هـ. وجَرَت مُنَاقَشَاتٌ مُطَوَّلَةٌ حَوْلَ تأريخ وَفَاة النَّدِيم بين كلِّ الذين اهْتَمُّوا بدِرَاسَة النَّديم وكتابه "الفِهْرِست"، واعْتَمَدَت ما تَوَصَّلَت إليه هذه المُنَاقَشَاتُ في الغَالِب على تصْحيفَات وَقَعَت في المَصَادر التي رَجَعُوا إليها. ويَرْجِعُ السَّبَبُ في ذلك إلى وُجُودِ تَوَارِيخ مُتَأخِّرة عن تأريخ تألِيف الكتاب، انْفَرَدَت بها نُسْخَةُ المكتبة الوَطَنِيَّة الفرنسية، لا تُوجَدُ في دُسْتُورِ المُؤَلِّف الذي كَتَبَهُ بخَطِّه، جَعَلَت بعض المُؤَلِّفين القُدَمَاء (ابن حَجَر العَسْقَلاني) والدَّارِسِين المُحَدثِين (خَيْرِ الدِّينِ الزِّرِكْلي وشَعْبَان خَلِيفَة) يَمِيلُون إلى تأخُّر تأريخ وَفَاتِه على هذه التَّوَاريخ المذكورة في نُسْخَة المكتبة الوَطَنِيَّة الفرنسية. وحَقِيقَةُ الأمْر أَنَّ التَّاريخَ الذي ذَكَرَهُ ابن حَجَر العَسْقلاني وأَثَارَ كلَّ هذا الاضْطِرَاب، وَرَدَ مُصَحَّفًا في نَشْرَةِ الكتاب ولم يَقُل به ابْنُ حَجَر. فالذي وَرَدَ في هذه النَّشْرَة، نَقْلًا عن ابن النَّجَّار، هو: "وقال أبو طَاهِر الكَرَجِيّ: مَاتَ في شَعْبَان سَنَة ثَمَانٍ وثَلاثين". واسْتَنْتَجَ الذين اعْتَمَدُوا هذه الرِّوَايَة أَنَّه لا يمكن أنْ

стр. 28

يَكونَ التَّاريخُ ثَمَانِيًا وثَلاثين وثَلاث مائة، وأنَّ المَقْصُودَ هو ثَمَانٍ وثَلاثين وأَرْبَع مائة، وائْتِنَاسًا بالتَّوَاريخ المتأخِّرَة الوَارِدَة في نُسْخَة المكتبة الوَطَنِيَّة الفرنسية والتي كانت مع ابن حَجَر العَسْقَلانيّ نُسْخَةٌ مماثِلَةٌ لها رأى في مَوْضِعٍ منها أنَّه "كُتِب في سَنَة اثْنتي عَشْرَة وأَرْبَع مائة". وعندما رَجَعْتُ إلى نُسْخَة كِتابِ "لِسَان الميزَان" لابن حَجَر، المحفوظة في مكتبة أحمد الثَّالِث بإستانبول برقم ٢٩٤٤ [منها مُصَوَّرَة على الميكروفلم بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة برقم ٤٢٤ تاريخ]، وَجَدْتُ القِرَاءَة الصَّحِيحَة للنّصّ: "مَاتَ في شَعْبَان سنة ثمانين وثَلاث مائة" لا ثَمَانٍ وثلاثينِ كما في المطبوع، وهو التأريخُ الصَّحِيحُ الذي ذكره ابن النَّجَّار مَصْدَرُ ابن حَجَر والذي اعتمد عليه كذلك الصَّفَدِيّ والمَقْريزي والشَّخْصُ الذي لَخَّصَ عنه ترجمة النَّديم على ظَهْرِيَّة نُسْخَة مكتبة جامعة ليدن، وإن قَرَأ فليجل التأريخ الأخير الذي كُتِبَ بالأرقام: خَمْس وثمانين وثلاث مائة بَدَلًا من ثمانين وثلاث مائة، حيث الْتَبَسَ عليه الصِّفْر برقم خمسة (١). هَلْ أَلَّفَ النَّدِيمُ كُتُبًا غَيْرَ "الفِهْرِسْت"؟ لم يكن أبو الفَرَج محمَّدُ بن إِسْحَاق النَّديم مُجَرَّدَ وَرَّاقٍ يَعْرِفُ عَنَاوِينَ الكُتُب وأَسْمَاءَها، وإنَّما كان عَالِمًا وَاسِعَ الاطِّلاعِ في مَجَالات المَعْرِفَة المَوْجُودَة في عَصْره، كما يَدُلُّ على ذلك كتابُه "الفِهْرِسْت". وقد أَشَارَ النَّديمُ خِلال هذا الكتاب إلى أنَّه ألَّفَ قَبْلَ "الفِهْرِسْت" كتابَيْن على الأقَلِ، فقد قال في الفَنِّ الأوَّل من المَقَالَة الأولى في خِتَامِ حَدِيثِه عن فَضَائِل _________ (١) راجع كذلك RUDOLF SELLHEIM، "Das) Todesdatum des Ibn an - Nadîm"، Isr. Or. St. II ٤٢٨ - ٣٢ .pp ،(١٩٧٢)، عَرَّبه حُسَام الصغير بعنوان. "تاريخ وفاة ابن النديم"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ٥٠ (١٩٧٠)، ٦١٣ - ٦٢٤.

стр. 29

الكُتُب: "وقد اسْتَقْصَيْتُ هذا المَعْنَى وغيره ممَّا يُجانِسُه في مَقَالَة الكِتَابَة وأدواتها من الكتاب الذي ألفْتُهُ في "الأوْصَافِ والتَّشْبِيهَات". وعند ترجمته لأحمد بن أبي دُوَّاد المُعْتَزِلي قال: "وقد ذَكَرْتُ حَالَه في كتابِ "المَثَالِب". فدَلَّ بذلك على أنَّ له كِتَابَيْن سابقين على "الفِهْرِسْت" لم يَصِلا إلينا للأسَف. النَّدِيمُ في المَصَادِر القديمة لم نَظْفَر في المَصَادِر العَربيَّة القَدِيمَة - كما أوْضَحْتُ - بَتَرَاجِم مُفِيدَة عَن حَيَاة النَّديم، فَرَغْم كونه بَغْداديًّا لم يُتَرْجِم له الخَطِيبُ البَغْدَادي في "تاريخ مَدِينَة السَّلام" كما لم يُتَرْجِم له ابن خَلِّكان في "وَفَيات الأعيان" رَغْم مَعْرفته بكتابه واعْتماده عليه، وكان أوَّل من تَرْجَمَ له هو يَاقُوتٌ الحَمَويّ ترجمةً تحمل تَقْديرًا له ولكِتابِه الذي أفَادَ منه الكثير أكثر منها تَرْجَمَة لحياته. وأهم المصادر التي ذَكَرَتْهُ: ياقوت الحموي: معجم الأدباء ١٧:١٨. ابن النَّجار: ذيل تاريخ بَغْدَاد (تَرْجَمَةٌ لم تصل إلينا اقْتَبَسها المَقْرِيزِي وابن حَجَر). القِفْطي: إنْباه الرواة على أنْبَاه النُّحَاة ١: ٧. الذَّهَبِيّ: تاريخ الإسْلام ووَفَيّات المَشَاهِير والأعْلام، حقَّقَه وضَبَطَ نَصَّه وعَلَّق عليه بَشَّار عَوَّاد مَعْرُوف، بيروت - دار الغرب الإسلامي، ٨٣٣:٨. الصفدي: الوافي بالوفيات ٢: ١٩٧. السبكي: طبقات الشافعية الكبرى ٢٩٩:٢ (في ترجمة عبد الله بن سعيد بن بن سعيد بن كُلَّاب). ابن حَجَر العسقلاني: لسان الميزان ٥: ٧٢ - ٧٣، وهي أكبر هذه التَّراجِم. وانظر كذلك فيما يلي ٦٦ - ٦٨ "نُقُول المُتَأخِّرين من الكِتَاب"

стр. 30

٣ - النَّدِيمُ وكِتابُه الفِهْرِسْت في الدِّرَاسَات الحديثة دِرَاسَاتٌ بِلُغَاتٍ أَجْنَبِيَّة كانت دِرَاسَاتُ المُسْتَشْرِقين عن النَّديم وكتابه "الفِهْرِسْت" هي أَوَّلَ ما صَدَرَ عنه من دِرَاسَات في العَصْرِ الحَدِيث، وكان أوَّلُها دِرَاسَة جوستاف فليجل عن الكتاب الصَّادِرَة سنة ١٨٥٩، ثم تَلَتْها الكثيرُ من الدِّرَاسات المذكورة فيما يلي تَبَعًا لتأريخ صُدُورِها: GUSTAVE FLUGEL، "Uber Muhammad ibn Ishâk's Fihrist al - 'ûlûm"، ZDMG ١٣ (١٨٥٩)، pp. ٥٥٩ - ٦٥٠. Mani، Sein Lehre und seine Schriften. Ein Beitrage zur Geschishte des Manichaismus. Aus dem Fihrist des Abu'l Faradsch Muhammad ben Ishak al - Warrak، Leipzig ١٨٦٢. IGNAC GOLDZIHER، "Beitr?ge zur Erkl?rung des kitâb al - Fihrist"، ZDMG ٣٦ (١٨٦٢)، pp. ٢٧٧ - ٨٤. AUGUST MULLER، Die Griechischen Philosophen in der arabischen Uberlieferung، Halle ١٨٧٣، pp.١٣ - ٧١. M. TH. HOUTSMA، "Zum Kitâb al - Fihrist"، WZKM IV (١٨٩٠)، pp. ٢١٧ - ٣٥. HEINRICH SUTER، "Das Mathematiker - Verzeichniss im Fihrist des Ibn Abî Ja'kûb an - Nadîm"، Zeitschrift für Mathematik und Physik، Suppl. ٣٧ (Leipzig ١٨٩٢)، pp. ١ - ٨٧; ٣٨ (١٨٩٣)، pp.١٢٦ - ٢٧. HELMUT RITTER، "Philologika. I - Zur Uberlieferung des Fihrist"، Der Islam ١٧ (١٩٢٨)، pp. ١٥ - ٢٣. JOHANNE W. FUCK، "Eine arabische Literaturgeschichte aus dem ٩. Jahrhundert n. Chv. (Der Fihrist des Ibn an - Nadim)"، ZDMG ٨٤ (١٩٣٠)، pp. ١١١ - ٢٤. "Neue Materialien zum Fihrist"، ZDMG ٩٠ (١٩٣٦)، pp. ٢٩٨ - ٣٢١. CARL BROCKELMANN، Geschichte der arabischen Literatur، Leiden - Brill ١٩٣٧، I، pp. ١٤٧ - ٤٨، SI، pp. ٢٢٦ - ٢٧. A. J. ARBERRY، "New Material on the Kitab al - Fihrîst of Ibn al - Nadîm" in Islamic Research Association Miscellany I (١٩٤٨)، pp. ١٩ - ٤٥.

стр. 31

JOHANNE W.FUCK، "The Arabic Literature on Alchemy according to an - Nadim (A.D. ٩٨٧). A Translation of the Tenth Discourse of the Book of the Catalogue (AL - Fihrist) with Introduction and Commentary"، Ambix ٤ (١٩٥١)، pp. ٨١ - ١٤٤. "Some Hitherto unpublished Texts on the Mu'tazilite Movement from Ibn al - Nadim's Kitâb al - Fihrist>in S.M. ABDALLAH (ed.)، Professor Muhammad Shâfï' presentation Volume، Lahore: Majlis - e - Armughân - e ?Ilmi ١٩٥٥، pp. ٥١ - ٧٦. H. G. FARMER، "Tenth Century Arabic Books on Music: As Contained in 'Kitâb al - Fihrist' of Abu' l - Faraj Muhammad ibn al - Nadîm"، Annual of Leeds University Oriental Society ٢ (١٩٥٩ - ٦٠)، pp. ٣٧ - ٤٧. FUAT SEZGIN، Geschichte des arabischen Schrifftums، Leiden - Brill ١٩٦٧، I، pp. ٣٨٥ - ٨٨. J. W. FUCK، El art. Ibn al - Nadim III (١٩٧١)، pp. ٩١٩ - ٢٠. R. SELLHEIM، "Des Todesdatum des Ibn an - Nadîm"، Isr. Or. St. II (١٩٧٢)، pp. ٤٢٨ - نُشِرَت ترجمة عربية لهذا المقال بعنوان: "تأريخ وفاة ابن النَّديم"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ٥٠ (١٩٧٥)، ٦١٣ - ٦٢٤. MANFRED FLEISCHHAMMER، "Johann Fücks Malerialien zum Fihrist"، in Wissenschaftliche Zeitschrift der Martin - Luther - Universit?t Halle، XXV (١٩٧٦)، pp. ٧٥ - ٨٤. FRIEDRICH W. ZIMMERMAN، "On the Supposed Shorter Version of Ibn an - Nadîm's Fihrist and its Date"، Der Islam ٥٣ (١٩٧٦)، pp. ٢٦٧ - ٧٣. SAMIR KHALIL، Theodore de Mopsueste dans le "Fihrist" d'Ibn an - Nadim، Le Muséon ٩٠ (١٩٧٧)، pp. ٣٥٥ - ٦٣. VALERIJ V. POLOSIN، Fikhrist Ibn an - Nadîm Kak istoriko - Kulturniy pamyatnik X veka (The Fihrist by Ibn an - i - Nadîm as a Historical - Cultural Monument of the ١٠ th Century)، Moscow ١٩٨٩. (وهي أوّل دِرَاسَةٍ مُسْتَقِلَّة تُفْرَدُ للنَّديم وكتابه تقع في ١٥٨ صفحة مضغوطة وببُنْط صغير، قدَّمَ لها ديوين ستيوارت، في سنة ٢٠٠٦، عَرْضًا جَيِّدًا باللُّغَة الإنجليزية DEWIN STEWART، "Scholarship on the Fihrist of Ibn al - Nadîm: The Work of Valery V. Polosin"، Al. 'Usûr al - Wustâ: Bulletin of Middle East Medievalists XVIII ((٢٠٠٦)، pp. ٨ - ١٣. PAUL KUNITZSCH، "Die Nachricht über Ptolem?us im Fihrist>، ZAL ٢٥ (١٩٩٣)، pp. ٢٤ - ٢١٩. MANFRED FLEISCHHAMMER (ed.)، Ibn an - Nadîm und die mittelalterliche arabische Literatur - Beitr?ge zum ١. Johann Wilhelm Fück - Kolloquium (Halle ١٩٨٧)، Harrassowitz Verlag ١٩٩٦.

стр. 32

DIMETRY FROLOW، "Ibn al - Nadîm on the History of Qur'anic Exegisis"، WZKM ٨٧ (١٩٩٧)، pp. ٦٥ - ٨١. NASUHI UNAL KARAARSLAN، IA art. Ibnû'n - Nadîm XXI، pp. ١٧١ - ٧٣. FUAT SEZGIN، Ibn an - Nadim، Kitab al - Fihrist Herausyegeben von Gustav Flügel Vol. I، Historiography and Classification of Science in Islam ١، Frankfurt ٢٠٠٥. Ibn an - Nadîm vol. II. Historiography (٢، Frankfurt ٢٠٠٥. Ibn an - Nadîm Kitâb al - Fihrist - Texts and Studies Historiography (٣، Frankfurt ٢٠٠٥. DEVIN J. STEWART، Scholarship on the Fihrist of Ibn al - Nadim. The Work of Valeriy V. Polosin"، al - Usur al - Wusta. Bulletin of Middle East Medievalists XXIII (April ٢٠٠٦)، pp.٨ - ١٣. <<The Structure of the Fihrist: Ibn al - Nadîm as Historian of Islamic Legal and Theological Schools"، IJMES ٣٩ (٢٠٠٧)، pp. ٣٦٩ - ٨٧. "Ibn al - Nadîm's Ismà'îli Contacts"، JRAS ٣ ed Series ١٩ (٢٠٠٩)، pp.٢١ - ٤٠. دِرَاسَاتُ باللُّغَةِ العَرَبِيَّة عبد الله مخلص: "بَعْضُ صَفَحَات من كتاب الفهرست"، لُغَة العَرَب ٦ (يوليه ١٩٢٨)، ٥٠٢ - ٥٠٦. محمد يونس الحسيني: "أَثَرٌ خَالِد في تاريخ الفكر العربي: كتاب الفهرست لابن النَّديم"، مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق ١١ (١٩٣١)، ٦٧٨ - ٦٨٧. جَوَاد علي: "ما عَرَفَهُ ابن النَّدِيم عن اليهودية والنَّصْرَانِيَّة"، مجلة المجمع العلمي العراقي ٨ (١٩٦١)، ٨٤ - ١١٣، ١٠ (١٩٦٢)، ١٥٦ - ١٨٣. إبراهيم الإبياري: "الفِهْرِسْت لابن النَّديم"، تراث الإنسانية ٣ (١٩٦٥)، ١٩٢ - ٢١٠. عبد الكريم الأمين: "ابن النَّديم في كتاب الفِهْرِسْت الرَّائد الأول للبِبْليوجرافِيات في التُّرَاث العَرَبي والإسلامي"، مجلة الأقلام ٥ (فبراير ١٩٦٩)، ٤٣ - ٥٥. بيارد دودج: "حَيَاة ابن النَّديم"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ٤٥ (١٩٧٠)، ٥٤٥ - ٥٥٥. : "كتاب الفهرست لابن النَّديم - المخطوطات"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ٤٥ (١٩٧٠)، ٨١٠ - ٨٢٣.

стр. 33

عبد الوهاب أبو النور: "أربعة كتب في الببليوجرافيا العربية"، الكتاب العربي ٤٩ (أبريل ١٩٧٠)، ١٣ - ١٨. عبد الرحمن مُعَلَّا: "ابن النَّديم والبِبْليوجْرافيا الحَدِيثَة"، مجلة العربي ١٧٢ (مارس ١٩٧٣)، ٢٩ - ٣٢. رودلف زلهايم: "تأريخ وَفَاة ابن النَّديم" (تعريب حُسام الصَّغير)، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ٥٠ (١٩٧٥)، ٦١٣ - ٦٢٤. عبد السَّتَّار الحَلْوَجي: "نَشأةُ علم البِبْليوجرافيا عند المسلمين"، مجلة الدَّارَة ٢ (١٩٧٦)، ١٧٦ - ١٨٣. : "من تُراثِنَا البِبْليوجْرَافي: ابن النَّديم وكِتابه الفِهْرِسْت"، مجلة كلية اللغة العربية - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ٧ (١٩٧٧)، ٤٦١ - ٤٧٨. : "فهرست النديم، تحقيق أيمن فؤاد سيد"، تراثيات ١٤ (يوليه ٢٠٠٩)، ٢٥٣ - ٢٦٤. محمد جواد مشكور: "كتاب الفِهْرِسْت للنَّديم المعروف خَطأ بابن النَّديم"، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق ٥٢ (١٩٧٧)، ٣٣٦ - ٣٥٩. عبد اللَّطيف محمد العَبْد: "نَوَادِرُ المَعَارِف عند ابن النَّديم"، القاهرة - دار النهضة العربية ١٩٧٧. يوسف حسين بَكَّار: "نَظَرَاتٌ في فِهْرِسْت ابن النَّديم"، المورد ٣/ ٩ (١٩٨٠)، ٣٧٠ - ٣٨٦. فاليري بولوسين: "ملاحظات حول فهرست ابن النَّديم"، أبحاث جديدة للمستعربين السُّوفْيت، موسكو ١٩٨٦، ١٢٤ - ١٦٣. عبد التَّوَّاب شَرَفُ الدِّين: "رَوَائِعُ التُّرَاث الإسْلامي: الفِهْرِسْت لابن النَّديم"، المجلة العربية للتوثيق والمعلومات ٤ (مارس ١٩٨٦)، ٧٤ - ٨٦. الطاهر أحمد مكي: الفِهْرِسْت لمحمد بن إسحاق النَّدِيم"، دراسات في مصادر الأدب، القاهرة ١٩٨٦، ٢٩٥ - ٣١٧. إبراهيم حَمُودَة: "كتاب الفِهْرِسْت للنَّديم"، الناشر العربي ٨ (فبراير ١٩٨٧)، ١٦٢ - ١٦٥. بشير الهاشمي: "وَرَّاقان خَدَمَا الكتاب والحضارة"، الناشر العربي ١١ (١٩٨٨)، ٦٤ - ٨١. عبد الرحمن محمد العَيْفَان: "أَسَالِيبُ الضَّبْطِ البِبْليوجْرافي عند المسلمين من القَرْن الرَّابع حتى القَرْن العَاشِر الهجريين"، رسالة دكتوراه بكلية الآداب - جامعة القاهرة ١٩٩١، ٤٦ - ١٤٦.

стр. 34

شَعْبَان عبد العزيز خَلِيفَة: "الفِهْرِسْت لابن النَّديم - دراسة بيوجرافية ببليوجرافية ببليومترية"، مجلة مركز الوثائق والدراسات الإنسانية ٣ (قطر ١٩٩١)، ١٤٣ - ١٧٥. محمود الحاج قاسم: "دِرَاسَةٌ مقارنة في تاريخ الأطبَّاء بين ابن النَّدِيم وابن جُلْجُل"، آفاق الثقافة والتراث ١٦ (مركز جمعة الماجِد - دُبَيّ ١٩٩٧) ٢٤ - ٣٨. فَاضِل إبراهيم خَلِيل: "ابن النَّديم ومَقَالَتُه حَوْلَ الكيمياء في كتاب الفِهْرِسْت"، المجلة الثَّقافية - الأردن ٣ (١٩٩٨)، ٢٣٢ - ٢٣٥. كوركيس عَوَّاد: "مَصادِرُ الموسيقى العربية في كتاب (الفِهْرِسْت) لابن النَّديم"، في كتاب كوركيس عَوَّاد: الدَّخائر الشَّرقية، جَمْع وتَقْديم وتعليق جليل العَطِيَّة، بيروت - دار الغرب الإسلامي ١٩٩٩ م، ٢٤:٢ - ٣٢. مجاهد مصطفى بهجت: "مَنْهَجُ ابن النَّديم في تَصْنِيف الشُّعَرَاء المُحْدَثين"، الذخائر ٤ (٢٠٠٠)، ٢٨١ - ٢٨٩. عبد الجَبَّار ناجي: "محمَّدُ بن إِسْحَاق النَّديم رَائِد عِلْم الفهْرَسَة والتَّصْنيف في بَيْتِ الحِكْمَة"، بغداد - بيت الحكمة ٢٠٠١، ٩١ - ١٢٢. عبد الرحمن بن حمد العَكْرَش: "اسْتِشْهَادَاتُ النَّديم المَرْجعية ومَصَادِرُهُ فِي الفِهْرِسْت: دِرَاسَةٌ ببليومترية وتحليل محتوى"، مجلة جامعة الملك سعود ١٤ (٢٠٠٢)، ٢٧١ - ٣٤٨. محمد عوني عبد الرؤوف: "جوستاف فليجل وتحقيق كتاب الفِهْرِسْت لابن النَّدِيم"، جهود المُسْتَشْرقين في التُّرَاث العربي بين التَّحْقِيق والتَّرْجَمَة، إعداد وتقديم إيمان السعيد جلال، القاهرة - المجلس الأعلى للثقافة ٢٠٠٤، ٢٠١ - ٢٦٦؛ وكذلك في كتاب: شَوَامِخ المُحَقِّقين، إعداد حسام أحمد عبد الظَّاهِر، القاهرة - دار الكتب المصرية ٢٠٠٨، ١٨٣:٢ - ٢٣٢. محمد عبد الحيّ بن عبد الكبير الكتاني: "ابن النَّديم وكتابُه "الفِهْرِست"، قرأه وضبط نصَّه أيوب بولسعاد، تقديم ومراجعة أحمد شوقي بنبين، الرباط ٢٠١٣ م. وذلك إضَافَةً إلى التَّرَاجِم التي خَصَّصَها له الزِّرِكْلي في "الأَعْلَام" وعُمَر رِضَا كحَّالة في "مُعْجَم المُؤَلِّفين".

стр. 35

ترتيب الكتاب ومنهجه أَوْضَحَ النَّدِيمُ في مُقَدِّمَتِه المُوجَزَة عن قَصْدِه من تألِيف "الفِهْرِسْت" بقَوْلِه: "هذا فِهْرِسْتُ كُتُبِ جَمِيعِ الأُمَمِ من العَرَبِ والعَجَمِ، المَوْجُودِ منها بلُغَةِ العَرَبِ وقَلَمِها، في أصْنَافِ العُلُوم وأَخْبَارِ مُصَنِّفيها وطَبَقَاتِ مُؤلِّفِيها وأَنْسَابِهم، وتأرِيخِ مَوَالِدِهِم ومَبْلَغ أَعْمَارِهِم وأَوْقَاتِ وَفَاتِهم، وأمَاكِنِ بُلْدَانِهِم، ومَنَاقِبِهم ومَثَالِبِهم، منذ ابْتِدَاءِ كُلِّ عِلْمٍ اخْتُرِعَ إِلى عَصْرِنَا هذا سَنَة وهو سَبْعٍ وسَبْعِين وثلاث مائة للهِجْرَة". وقَامَ النَّديمُ بتَصْنِيف هذه العُلُوم في عَشْرَة أَجْزَاء أو مَقَالَاتِ، حَيْثُ اسْتَخْدَمَ اللَّفْظَيْن في النُّسْحَة الدُّسْتُور. وقَسَمَ كُلَّ مَقَالَةٍ (جُزْء) إلى فُنُونٍ يَخْتَلِفُ عَدَدُها من مَقَالَةٍ إلى أخرى [فيما تقدم ١ - ٢]. ويَقُومُ البِنَاءُ الأَسَاسِيّ للكِتَاب على ذِكْرِ قَوَائِم عَنَاوين الكُتُب التي تَنْقَسِمُ إلى صِنْفَينَ: قَوَائِم مُؤَلَّفَات مُؤَلِّفين بأعْيَانِهم، وهي التي تُهَيْمِنُ على سَائِر الكِتَاب، وقَوَائِم مُؤَلَّفَاتٍ مُتَعَلِّقَةٍ بمَوْضُوعٍ مُعَيَّن، كما نَجِدُ على سَبِيلِ المِثَال في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة الأولى الخَاصّ بعُلُوم القُرْآن، حيثُ يُقَدِّمُ لنا قَوَائِمَ بما أُلِّفَ في: "تَفْسِير القُرْآن" و "مَعَانِي القُرْآن" و "غَرِيبِ القُرْآن" و "لُغَاتِ القُرْآنِ و"القِرَاءَات" و "النَّقْطِ والشَّكْلِ في القُرْآن" و "لَامَاتِ القُرْآن" و "الوَقْفِ والابْتِدَاء" و "اخْتِلافِ المَصَاحِف" و "مُتَشَابِه القُرْآن" و "فَضَائِل القُرْآن" و "النَّاسِخ والمَنْسُوخ"؛ وكذلك نِهَايَة الفَنّ الثَّالِثِ من المَقَالَة الثَّانية حيث يُقَدِّمُ لنا قَوَائمَ بالكُتُب المُؤلَّفَة في "غَرِيب الحَدِيث" وفي "النَّوَادِر" وفي "الأنْوَاء"؛ وأيْضًا في نِهَايَة الفَنّ الثَّاني من المَقَالة السَّابِعَة حيث يذكر لنا

стр. 36

"أَسْمَاءِ الكُتُب المُؤلَّفَة في الحَرَكَات"؛ ويُقَدِّمُ لنا في أثناء الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة الثَّامِنَة قَوَائِمَ بأَسْمَاءِ الكُتُبِ المُؤلَّفَة في "البَاه الفَارِسي والهِنْدِي والرُّومي والعَرَبي" و "في الخَيَلَان والاخْتِلَاج والشَّامَات" وفي "الفُرُوسِيَّة وحَمْلِ السِّلاح وآلاتِ الحُرُوب" وفي "البَيْطَرَةِ وعِلاج الدَّوَابِّ وصِفَاتِ الخَيْل" وفي "تَعْبِير الرُّؤْيَا" وفي "العِطْر" وفي "الطَّبِيخ" وفي "السُّمُومَاتِ وعَمَلِ الصَّيْدَنَة" وفي "التَّعَاوِيذِ والرَّقَى". والأصْلُ عِندَهُ أنْ يُرَتِّبَ المُؤَلِّفين وقَوَائِمَ مُؤلَّفَاتِهم في كُلِّ فَنٍّ تَرْتِيبًا تاريخيًّا اعْتِمَادًا على تأريخ الوَفَاةِ، رَغْم وُجُود فَرَاغَات كثيرة في الكِتَاب تَتَعلَّقُ بتواريخ وَفَاة عَدَدٍ من المُؤلِّفِين الذين ذكرهم ولم يَعْرِف تأريخَ وَفَاتِهم أو لأنَّهم كانُوا مُعَاصِرين له وعَاشُوا فَتْرَةً بعد تأليف كِتَابِه، أولم يكن متأكِّدًا من أمْرِهم، واسْتَخْدَمَ لذلك عِبَارَات مثل: "ولم يَكُن بَعِيد العَهْد" [٤٢٠:١ - ٤٢١]، "ويَحْيَا إلى وَقْتِنَا هذا" [٤٢٢:١]، "ويَحْيَا في عَصْرِنَا هذا" [٤٧٦:١]، "قَرِيب العَهْد وأحْسَبُهُ يَحْيَا" [١: ٤٧٧، ٦٨٨، ٦٩١]، "في زَمَانِنَا" [٦٩١:١]، و"كان قَرِيبَ العَهْد" [٦٦:٢]، "ويَحْيَا إلى وَقْتِنَا هذا بل أحْسَبُهُ ماتَ قَرِيبًا" [٣٤٠:٢]. واسْتَرْشَدَ في ذلك، بالنِّسْبَة للمُؤلّفين الذين تُوفُّوا قَبْل سنة ٣٥٠ هـ / ٩٦١ م، بالتَّرْتِيبِ الذي اتَّبَعَتْهُ المَصَادِرُ التي نَقَلَ عنها: "أَخْبَار النَّحْوِيين البَصْرِيين" لأبي سَعِيدٍ السِّيرَافي في الفَنِّ الأوَّل من المَقَالَة الثَّانية، و "المُقْتَبَس" للمَرْزُبَاني في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة نفسها، و "المَعَارف" لابن قُتَيْبَةَ، و "الطَّبَقَات الكبرى" لابن سَعْد في المَقَالَة الثَّالِثَة، و "تارِيخ الأطِبَّاء والفَلاسِفَة" لإسْحَاق ابن حُنَيْن في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة السَّابِعَة. ويَتَّضِحُ ذلك كذلك في الفُنُونِ التي لا يُوجَدُ لها مِثَالٌ سابقٌ، مِثْل الفَنِّ الرَّابع من المَقَالَة السَّادِسَة الخاصّ بـ "أخْبَار دَاوُد بن عليّ الظَّاهِرِي وأَصْحَابه"، حيث

стр. 37

يُتَرْجِمُ فيه لأحَد عَشَرَ شَخْصًا، بَدَأها بتَرْجَمَة دَاوُد بن علي نفسه وأنْهَاها بتَرْجَمَة القَاضي أبي الحسَن عَبْد العَزِيز بن أحمد الأصْبَهَانِيّ الخَزَرِيّ الذي "وَلَّاه عَضُدُ الدَّوْلَة قَضَاءَ الرُّبْعِ الأَسْفَلِ من الجَانِبِ الشَّرْقِيّ من مَدِينَة السَّلام وإلى وَقْتِنَا هذا وهو سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وثَلاث مائة" [٦٧:٢] (١). واتَّبَعَ النَّديمُ في ذلك، على امْتِدَاد الكِتَاب، أنْمُوذَجَ كُتُبِ "الطَّبَقَات" وهو الأُسْلُوبُ المُسْتَخْدَم في هذا النَّوْع من التَّأليف في عَصْرِ النَّدِيم (٢)، ويَعْكسُ هذا التَّرْتِيبُ بوُضُوحٍ قَصْدَ النَّدِيم في كِتَابه وهو "ذِكْرُ كُتُبِ جَمِيعِ الأُمَمِ … المَوْجُودِ منها بلُغَةِ العَرَبِ … منذ ابْتِداء كُلِّ عِلْمٍ اخْتُرِعَ إِلى عَصْرِنَا هَذا سَبْعٍ وسَبْعِين وثَلاث مائة للهِجْرَة"، أي إنَّه أرَادَ تَتَبُّع نَشْأَة كُلّ عِلْمٍ وتَطَوّره. ورَغْمَ أنَّ الأَصْلَ عند النَّديم هو ذِكر أسْمَاء المُصَنِّفين وقَوَائِم مُؤلَّفَاتِهم، فإِنَّه يُتَرْجِمُ أَحْيَانًا لشَخْصٍ لا تَصْنِيفَ له، على غَيْر مَنْهَج الكِتَاب، مِثْل: ابن ضَمْضَم الكلابي (١٢٧:١)، والطُّوال النَّحوي (٢٠٣:١) أبي الحَسَن أحمد بن إبراهيم اللُّغَوِيّ أسْتَاذ أبي العَبَّاس ثَعْلَب، قال عنه: "وخَطُّه يُرْغَبُ فيه ولا مُصَنَّفَ له" [٢٤٥:١]، والزَّجَّاج مُعَلِّم وَلَد نَاصِر الدَّوْلَة الذي قال عنه إنَّه "لا يُعْرفُ له كتاب " [٢٦٥:١]، وأحمد بن أبي دُوَّاد المُعْتَزِليّ، واعْتَذَرَ لذلك بأنَّه "من أَفَاضِل المُعْتَزِلَة ومَنْ جَرَّدَ في إظْهَارِ المَذْهَبِ والذَّبِّ عن أهْلِه والعِنَايَة به" [٥٨٩:١]، أو مِثْل ما ذكره في الفَنِّ الخاص بمُتَكَلّمي الخَوَارِجَ، يَقُول: "الرُّؤسَاءُ من هؤلاء القَوم _________ (١) قارن مع ما ذكره دوين ستيوارت في مقاله D. STEWART، The Structure of the Fihrist: Ibn al - Nadîm as Historian of Islamic Legal and Theological Schools"، IJMES ٣٠ (٢٠٠٧)، pp.٣٦٩ - ٨٧. (٢) رَاجِع كذلك ما ذَكَرَهُ ابن أَبي يَعْلى في كتاب "طَبَقَات الحَنَابِلَة" (٢٣٨:١) وتَقْسِيمه طَبَقَات الفُقَهَاءِ وطَبَقات الرُّوَاة وطَبَقَات أصْحَاب الأخْبَار والقِصَص وطَبَقَات المُفَسِّرين وطَبَقَات خُزَّان العِلْم وطَبَقَات الحُفَّاظ على سِتَّة نَفَرٍ يُمَثِّل كلٍّ منهم طَبَقَة.

стр. 38

كثيرٌ، ولَيْس جَمِيعُهم صَنَّفَ الكُتُبَ، ولعَلَّ مَنْ لا نَعْرِفُ له كِتَابًا قد صَنَّفَ ولم يَصِل إلينا، لأنَّ كُتُبَهم مَسْتُورَةٌ مَحْفُوظَة" [٦٥١:١]. وأَوْضَحَ النَّدِيمُ في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة الثَّالِثَة عن مَنْهَجِه فِي التَّرْتِيب دَاخِل القُنُون نفسها بقَوْلِهِ: "إِذَا ذَكَرْتُ من المُصَنِّفين إِنْسَانًا أَتْبَعْتُهُ بذكر مَنْ يُقَارِبُهُ ويُشْبِهُهُ وإنْ تأَخَّرَت مُدَّتُهُ عن مُدَّةِ مَنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ. وهَذَا سَبِيلي في جَمِيع الكتاب" [١: ٤٥٠]. ورَغْم ذلك فلم يَلْتَزِم النَّدِيمُ دَائمًا بهذا التَّرْتيب وحَادَ عنه مُضْطَرًّا في بَعْضِ الأحْيَان، فبَعْدَ تَرْجَمَة أبي القاسِم جَعْفَر محمَّد الإسْكافي في مَقَالَة المُعْتَزِلَة، أوْرَدَ العُنْوَانَ التَّالِيَ: "ذِكْر قَوْمٍ من المُعْتَزِلة أبْدَعُوا وَتَفَرَّدُوا"، ثم أَضَافَ: "تَذْكُرُ هؤلاء في هذا المَوْضِع من الزَّمَان، ثم نَعُودُ إلى ذكر المُعْتَزِلَة المُخْلَصين فنُنَسِّقهم على الوَلاء إلى زَمَانِنا هذا وبالله الثِّقَة" [٥٩٤:١]. وعند حَدِيثه على "أَخْبَار فُقَهَاءِ الشِّيعة وأسْمَاء ما صَنَّفُوهُ من الكُتُب" في الفَنِّ الخَامِس من المَقَالَةِ السَّادِسَة يَقُولُ: "هؤلاء مشائِحُ الشِّيعَة الذين رَوَوا الفِقْه عن الأئِمَّة ذَكَرْتُهم على غَيْر تَرْتِيب" [٦٩:٢ - ٧٠]. ولكن من الغَرِيب أنْ يَذكُر النَّدِيمُ مَعْلُومَات في غَايَة الاقْتِضَاب عن مُصَنِّفِين بَلَغُوا شَأوًا كبيرًا في الثَّقَافَة الإسْلامية ولا يُكَلِّفُ نَفْسَهُ حَتَّى بِذِكْر تَوَاريخ وَفَيَاتِهم، مِثْل: محمَّد بن إسْمَاعيل البُخَارِيّ ومُسْلِم بن الحَجَّاج القُشَيْرِيّ وأحمد بن حَنْبَل وعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الأَوْزَاعِيّ، وربما يكون لتَشَيُّع النَّدِيم، أثَرٌ في هذا التَّجَاهل! وحَرَصَ النَّديمُ على ذِكْر بَعْض مُعَاصِريه الذين تأخَّرَت وَفَاتُهُم على تأريخ تأليف الكتاب، مِثْل: محمَّد بن عِمْرَان المَرْزُبَانيّ (تُوفِّي سنة ٣٨٤ هـ)، وأبي الفَتْح عُثْمَان بن جنِّي (تُوفِّي سنة ٣٩٢ هـ)، والمُعَافى بن زكرِيَّا النَّهْرَواني (تُوفِّي سَنَة

стр. 39

٣٨٦ هـ)، وأبي سَهْل وَيُجِن بن رُسْتُم الكُوهي (تُوفِّي بعد سَنَة ٣٨٠ هـ)، وأبي القاسِم عيسى بن علي بن عيسى بن دَاوُد بن الجَرَّاح (تُوفِّي سنة ٣٩١ هـ)، وأبي الوَفَاءِ البُوزْجَاني (تُوفِّي سَنَة ٣٨٧ هـ /٩٩٧ م)، وأبي سليمان السِّجِسْتاني (تُوفِّي بعد سَنَة ٣٩١ هـ / ١٠٠١ م). ومع ذلك فلم يَذْكر بَعْضَ مُعَاصِريه الذين اشْتَهَرَت مُؤَلَّفاتُهُم في عَصْرِه، ولا شَكَّ أنَّه كان على عِلْمٍ بها وهو الوَرَّاقُ المُحْتَرِفُ، مثل: إخْوَان الصَّفَا ورَسَائِلِهم وأبي فِرَاسٍ الحَمْدَانِيّ الشَّاعِر (تُوفِّي سَنَة ٣٥٧ هـ)، ومحمد بن أحمد الأَزْهَري (تُوفِّي سنة ٣٧٠ هـ)، ومحمَّد بن العَبَّاس الخُوَارِزْمِي (تُوفِّي سنة ٣٨٣ هـ) وإسْمَاعيل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ (تُوفِّي سَنَة ٣٩٣ هـ)، وأبي حَيَّان التَّوحِيدِيّ (تُوفِّي سنة ٤٠٠ هـ) وصِلَتُه بالصَّاحِب بن عَبَّاد وابن العَمِيد مَعْرُوفَة، وقد ذكرهما النَّديمُ في المَقَالَة الثَّالِثَة. ويُلاحَظُ من خِلالِ عَنَاوين الكُتُب التي أَوْرَدَهَا النَّدِيمُ، على الأخَصّ في المَقَالات الثَّلاث الأولى، أنَّ العُلَمَاءِ القُدَمَاء كانُوا لا يَرَوْن بأسًا فِي اشْتِرَاكِ الكُتُب في الأسْمَاء. فأكْثَرُ الأوائل سَمَّوا كُتُبَهُم باسْم: "غَرِيب القُرْآن" و "فَضَائل القُرْآن" و "لُغات القُرْآن" و "أحْكام القرآن" و "اخْتِلاف المَصاحف" و "غَرِيب الحَدِيث" و "النَّاسِخ والمَنْسُوخ" و "النَّوَادِر" و "الأنْوَاء" و "المَقْصُور والمَمْدُود" "والمُذَكَّر والمُؤنَّث" … إلخ، لأنَّهُم قَصَدُوا إلى المَعْنَى العَامّ الدَّالّ على ما في كُتُبِهم ولم يُبَالُوا بالتَّخْصِيص. وكان القُدَمَاء كذلك إذَا اخْتَلَفَ المَوْضُوع في الكِتَاب الوَاحِد سَمَّوا كُلِّ بَابٍ كبيرٍ منه "كِتابًا"، مثل ما فَعَلَ ابن قُتَيْبَة في كِتَابِ "مَعَاني الشِّعْرِ الكَبِير" وكِتَابِ "عُيُون الشِّعْر" وكِتَابِ "عُيُون الأخْبَار" [٢٣٦:١ - ٢٣٧]، وأبو عبد الله المُفَجَّع في كِتَابِ "التُّرْجُمَان في مَعَاني الشِّعْر" [٢٥٥:١ - ٢٥٦].

стр. 40

كما أنَّ عَدَدَ الكُتُبِ الضَّخْم الذي سَاقَهُ النَّدِيمُ في كِتَابِهِ لا يُمَثِّلُ دَائمًا كُتُبًا بمعنى الكلمة، وإِنَّما مَعْلُومَات تَدَاوَلَها العُلَمَاءُ لا ككُتُبٍ وإِنَّما كنُصُوصٍ مُتَدَاوَلَةٍ في نِطَاقٍ ضَيِّق، وهي لَيْسَت بالضَّرُورَة كُتُبًا صَادِرَةٌ عَن مُؤَلِّفين وإِنَّما هي، في الأغْلَب، تَقَاييد ثُمَّ تَدَاوُلها في وَسَطٍ ثَقَافِيّ مُعَيَّن، ثم فُقِدَت هذه الكُتُبُ (التَّقاييد) لأنَّها ضُمِّنَت في الكُتُبِ المَوْسُوعِيَّة في العُصُورِ التَّالِيَة (١). ويُوَجِّهُ النَّدِيمُ اهْتِمامًا خَاصًّا إلى الكُتُب التي وَقَفَ عليها بخُطُوطِ مُؤلِّفِيها (AUTOGRAPHE) وإلى خَزَائِن الكُتُبِ الشَّخصيَّة وأَهَمَ النُّسَخِ المَوْجُودَة بها. فقد كان العُلَمَاءُ المُسْلِمُون يُقَدِّرُون تَمَامًا النُّسَخَ التي بخُطُوطِ مُؤَلِّفيها أو التي عليها خُطُوطُ العُلَمَاءِ، كما أنَّ كِبَارَ الوَرَّاقين أمْثَالَ النَّدِيم وياقُوت الحَمَوي كان بمَقْدُورهم التَّعَرُّف على خُطُوط العُلَمَاء من كَثْرَة تَعَاملهم مع الكُتُب، حتى إِنَّ يَاقُوتًا الحَمويّ كان كثيرًا ما يَسْتَخدِم - وهو يَنْقُل عن خَطِّ عَالِمٍ من العُلَمَاء - عِبَارَة: "ومِنْ خَطِّه الذي لا أَرْتَابُ فيه نَقَلْت" (٢). فمن النَّسَخ التي رَآها النَّدِيمُ بخُطُوطِ مُؤَلِّفيها: كِتَابُ "تَعْلِيم نَقْضَ المُؤَامَرَات" لابن المَاشِطَة [٤٢١:١]؛ وكِتَابُ "أَشْعَار قُرَيْش" لأبي أحمد بِشْر المَرْتَدِي، رَأى الدُّسْتُور بخَطِّه [٤٠١:١]؛ وكتاب "الخَرَاج" لأحمد بن محمَّد بن سُلَيْمَان بن بَشَّار الكاتِب، رَأى المُسَوَّدَة بخَطِّه نحو ألْف وَرَقَة؛ وكذلك كِتَابُ "الشَّرَاب والمُدَامَة" له، رآه بخَطِّه [٤٢١:١]؛ وكِتَابُ "الدَّلَائِل على التَّوْحِيد من كلام الفَلاسِفَة وغيرهم" ليزْدَجِرْد بن مُهَنْبَدَاذ الكِسْرَوي، كبير رآه بخَطِّه [٣٩٦:١]؛ _________ (١) STEFAN LEDER، op.cit.، p.٢٤ (٢) ياقوت الحموي. معجم الأدباء ٣: ٢٧؛ ٥: ١٠٨؛ ٦: ٦٤؛ ٧: ٢٥٣؛ ٨: ١٥٠، ٩: ٧٧، ١٦: ٧٨، ٩٥، ١٠١.
следующие страницы →