Полный текст (1 273 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
"أَسْمَاءِ الكُتُب المُؤلَّفَة في الحَرَكَات"؛ ويُقَدِّمُ لنا في أثناء الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة الثَّامِنَة قَوَائِمَ بأَسْمَاءِ الكُتُبِ المُؤلَّفَة في "البَاه الفَارِسي والهِنْدِي والرُّومي والعَرَبي" و "في الخَيَلَان والاخْتِلَاج والشَّامَات" وفي "الفُرُوسِيَّة وحَمْلِ السِّلاح وآلاتِ الحُرُوب" وفي "البَيْطَرَةِ وعِلاج الدَّوَابِّ وصِفَاتِ الخَيْل" وفي "تَعْبِير الرُّؤْيَا" وفي "العِطْر" وفي "الطَّبِيخ" وفي "السُّمُومَاتِ وعَمَلِ الصَّيْدَنَة" وفي "التَّعَاوِيذِ والرَّقَى".
والأصْلُ عِندَهُ أنْ يُرَتِّبَ المُؤَلِّفين وقَوَائِمَ مُؤلَّفَاتِهم في كُلِّ فَنٍّ تَرْتِيبًا تاريخيًّا اعْتِمَادًا على تأريخ الوَفَاةِ، رَغْم وُجُود فَرَاغَات كثيرة في الكِتَاب تَتَعلَّقُ بتواريخ وَفَاة عَدَدٍ من المُؤلِّفِين الذين ذكرهم ولم يَعْرِف تأريخَ وَفَاتِهم أو لأنَّهم كانُوا مُعَاصِرين له وعَاشُوا فَتْرَةً بعد تأليف كِتَابِه، أولم يكن متأكِّدًا من أمْرِهم، واسْتَخْدَمَ لذلك عِبَارَات مثل: "ولم يَكُن بَعِيد العَهْد" [٤٢٠:١ - ٤٢١]، "ويَحْيَا إلى وَقْتِنَا هذا" [٤٢٢:١]، "ويَحْيَا في عَصْرِنَا هذا" [٤٧٦:١]، "قَرِيب العَهْد وأحْسَبُهُ يَحْيَا" [١: ٤٧٧، ٦٨٨، ٦٩١]، "في زَمَانِنَا" [٦٩١:١]، و"كان قَرِيبَ العَهْد" [٦٦:٢]، "ويَحْيَا إلى وَقْتِنَا هذا بل أحْسَبُهُ ماتَ قَرِيبًا" [٣٤٠:٢]. واسْتَرْشَدَ في ذلك، بالنِّسْبَة للمُؤلّفين الذين تُوفُّوا قَبْل سنة ٣٥٠ هـ / ٩٦١ م، بالتَّرْتِيبِ الذي اتَّبَعَتْهُ المَصَادِرُ التي نَقَلَ عنها: "أَخْبَار النَّحْوِيين البَصْرِيين" لأبي سَعِيدٍ السِّيرَافي في الفَنِّ الأوَّل من المَقَالَة الثَّانية، و "المُقْتَبَس" للمَرْزُبَاني في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة نفسها، و "المَعَارف" لابن قُتَيْبَةَ، و "الطَّبَقَات الكبرى" لابن سَعْد في المَقَالَة الثَّالِثَة، و "تارِيخ الأطِبَّاء والفَلاسِفَة" لإسْحَاق ابن حُنَيْن في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة السَّابِعَة.
ويَتَّضِحُ ذلك كذلك في الفُنُونِ التي لا يُوجَدُ لها مِثَالٌ سابقٌ، مِثْل الفَنِّ الرَّابع من المَقَالَة السَّادِسَة الخاصّ بـ "أخْبَار دَاوُد بن عليّ الظَّاهِرِي وأَصْحَابه"، حيث
стр. 37
يُتَرْجِمُ فيه لأحَد عَشَرَ شَخْصًا، بَدَأها بتَرْجَمَة دَاوُد بن علي نفسه وأنْهَاها بتَرْجَمَة القَاضي أبي الحسَن عَبْد العَزِيز بن أحمد الأصْبَهَانِيّ الخَزَرِيّ الذي "وَلَّاه عَضُدُ الدَّوْلَة قَضَاءَ الرُّبْعِ الأَسْفَلِ من الجَانِبِ الشَّرْقِيّ من مَدِينَة السَّلام وإلى وَقْتِنَا هذا وهو سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وثَلاث مائة" [٦٧:٢] (١).
واتَّبَعَ النَّديمُ في ذلك، على امْتِدَاد الكِتَاب، أنْمُوذَجَ كُتُبِ "الطَّبَقَات" وهو الأُسْلُوبُ المُسْتَخْدَم في هذا النَّوْع من التَّأليف في عَصْرِ النَّدِيم (٢)، ويَعْكسُ هذا التَّرْتِيبُ بوُضُوحٍ قَصْدَ النَّدِيم في كِتَابه وهو "ذِكْرُ كُتُبِ جَمِيعِ الأُمَمِ … المَوْجُودِ منها بلُغَةِ العَرَبِ … منذ ابْتِداء كُلِّ عِلْمٍ اخْتُرِعَ إِلى عَصْرِنَا هَذا سَبْعٍ وسَبْعِين وثَلاث مائة للهِجْرَة"، أي إنَّه أرَادَ تَتَبُّع نَشْأَة كُلّ عِلْمٍ وتَطَوّره.
ورَغْمَ أنَّ الأَصْلَ عند النَّديم هو ذِكر أسْمَاء المُصَنِّفين وقَوَائِم مُؤلَّفَاتِهم، فإِنَّه يُتَرْجِمُ أَحْيَانًا لشَخْصٍ لا تَصْنِيفَ له، على غَيْر مَنْهَج الكِتَاب، مِثْل: ابن ضَمْضَم الكلابي (١٢٧:١)، والطُّوال النَّحوي (٢٠٣:١) أبي الحَسَن أحمد بن إبراهيم اللُّغَوِيّ أسْتَاذ أبي العَبَّاس ثَعْلَب، قال عنه: "وخَطُّه يُرْغَبُ فيه ولا مُصَنَّفَ له" [٢٤٥:١]، والزَّجَّاج مُعَلِّم وَلَد نَاصِر الدَّوْلَة الذي قال عنه إنَّه "لا يُعْرفُ له كتاب " [٢٦٥:١]، وأحمد بن أبي دُوَّاد المُعْتَزِليّ، واعْتَذَرَ لذلك بأنَّه "من أَفَاضِل المُعْتَزِلَة ومَنْ جَرَّدَ في إظْهَارِ المَذْهَبِ والذَّبِّ عن أهْلِه والعِنَايَة به" [٥٨٩:١]، أو مِثْل ما ذكره في الفَنِّ الخاص بمُتَكَلّمي الخَوَارِجَ، يَقُول: "الرُّؤسَاءُ من هؤلاء القَوم
_________
(١) قارن مع ما ذكره دوين ستيوارت في مقاله D. STEWART، The Structure of the Fihrist: Ibn al - Nadîm as Historian of Islamic Legal and Theological Schools"، IJMES ٣٠ (٢٠٠٧)، pp.٣٦٩ - ٨٧.
(٢) رَاجِع كذلك ما ذَكَرَهُ ابن أَبي يَعْلى في كتاب "طَبَقَات الحَنَابِلَة" (٢٣٨:١) وتَقْسِيمه طَبَقَات الفُقَهَاءِ وطَبَقات الرُّوَاة وطَبَقَات أصْحَاب الأخْبَار والقِصَص وطَبَقَات المُفَسِّرين وطَبَقَات خُزَّان العِلْم وطَبَقَات الحُفَّاظ على سِتَّة نَفَرٍ يُمَثِّل كلٍّ منهم طَبَقَة.
стр. 38
كثيرٌ، ولَيْس جَمِيعُهم صَنَّفَ الكُتُبَ، ولعَلَّ مَنْ لا نَعْرِفُ له كِتَابًا قد صَنَّفَ ولم يَصِل إلينا، لأنَّ كُتُبَهم مَسْتُورَةٌ مَحْفُوظَة" [٦٥١:١].
وأَوْضَحَ النَّدِيمُ في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة الثَّالِثَة عن مَنْهَجِه فِي التَّرْتِيب دَاخِل القُنُون نفسها بقَوْلِهِ: "إِذَا ذَكَرْتُ من المُصَنِّفين إِنْسَانًا أَتْبَعْتُهُ بذكر مَنْ يُقَارِبُهُ ويُشْبِهُهُ وإنْ تأَخَّرَت مُدَّتُهُ عن مُدَّةِ مَنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُ. وهَذَا سَبِيلي في جَمِيع الكتاب" [١: ٤٥٠].
ورَغْم ذلك فلم يَلْتَزِم النَّدِيمُ دَائمًا بهذا التَّرْتيب وحَادَ عنه مُضْطَرًّا في بَعْضِ الأحْيَان، فبَعْدَ تَرْجَمَة أبي القاسِم جَعْفَر محمَّد الإسْكافي في مَقَالَة المُعْتَزِلَة، أوْرَدَ العُنْوَانَ التَّالِيَ: "ذِكْر قَوْمٍ من المُعْتَزِلة أبْدَعُوا وَتَفَرَّدُوا"، ثم أَضَافَ: "تَذْكُرُ هؤلاء في هذا المَوْضِع من الزَّمَان، ثم نَعُودُ إلى ذكر المُعْتَزِلَة المُخْلَصين فنُنَسِّقهم على الوَلاء إلى زَمَانِنا هذا وبالله الثِّقَة" [٥٩٤:١]. وعند حَدِيثه على "أَخْبَار فُقَهَاءِ الشِّيعة وأسْمَاء ما صَنَّفُوهُ من الكُتُب" في الفَنِّ الخَامِس من المَقَالَةِ السَّادِسَة يَقُولُ: "هؤلاء مشائِحُ الشِّيعَة الذين رَوَوا الفِقْه عن الأئِمَّة ذَكَرْتُهم على غَيْر تَرْتِيب" [٦٩:٢ - ٧٠].
ولكن من الغَرِيب أنْ يَذكُر النَّدِيمُ مَعْلُومَات في غَايَة الاقْتِضَاب عن مُصَنِّفِين بَلَغُوا شَأوًا كبيرًا في الثَّقَافَة الإسْلامية ولا يُكَلِّفُ نَفْسَهُ حَتَّى بِذِكْر تَوَاريخ وَفَيَاتِهم، مِثْل: محمَّد بن إسْمَاعيل البُخَارِيّ ومُسْلِم بن الحَجَّاج القُشَيْرِيّ وأحمد بن حَنْبَل وعبد الرَّحْمَن بن عَمْرو الأَوْزَاعِيّ، وربما يكون لتَشَيُّع النَّدِيم، أثَرٌ في هذا التَّجَاهل!
وحَرَصَ النَّديمُ على ذِكْر بَعْض مُعَاصِريه الذين تأخَّرَت وَفَاتُهُم على تأريخ تأليف الكتاب، مِثْل: محمَّد بن عِمْرَان المَرْزُبَانيّ (تُوفِّي سنة ٣٨٤ هـ)، وأبي الفَتْح عُثْمَان بن جنِّي (تُوفِّي سنة ٣٩٢ هـ)، والمُعَافى بن زكرِيَّا النَّهْرَواني (تُوفِّي سَنَة
стр. 39
٣٨٦ هـ)، وأبي سَهْل وَيُجِن بن رُسْتُم الكُوهي (تُوفِّي بعد سَنَة ٣٨٠ هـ)، وأبي القاسِم عيسى بن علي بن عيسى بن دَاوُد بن الجَرَّاح (تُوفِّي سنة ٣٩١ هـ)، وأبي الوَفَاءِ البُوزْجَاني (تُوفِّي سَنَة ٣٨٧ هـ /٩٩٧ م)، وأبي سليمان السِّجِسْتاني (تُوفِّي بعد سَنَة ٣٩١ هـ / ١٠٠١ م). ومع ذلك فلم يَذْكر بَعْضَ مُعَاصِريه الذين اشْتَهَرَت مُؤَلَّفاتُهُم في عَصْرِه، ولا شَكَّ أنَّه كان على عِلْمٍ بها وهو الوَرَّاقُ المُحْتَرِفُ، مثل: إخْوَان الصَّفَا ورَسَائِلِهم وأبي فِرَاسٍ الحَمْدَانِيّ الشَّاعِر (تُوفِّي سَنَة ٣٥٧ هـ)، ومحمد بن أحمد الأَزْهَري (تُوفِّي سنة ٣٧٠ هـ)، ومحمَّد بن العَبَّاس الخُوَارِزْمِي (تُوفِّي سنة ٣٨٣ هـ) وإسْمَاعيل بن حَمَّاد الجَوْهَرِيّ (تُوفِّي سَنَة ٣٩٣ هـ)، وأبي حَيَّان التَّوحِيدِيّ (تُوفِّي سنة ٤٠٠ هـ) وصِلَتُه بالصَّاحِب بن عَبَّاد وابن العَمِيد مَعْرُوفَة، وقد ذكرهما النَّديمُ في المَقَالَة الثَّالِثَة.
ويُلاحَظُ من خِلالِ عَنَاوين الكُتُب التي أَوْرَدَهَا النَّدِيمُ، على الأخَصّ في المَقَالات الثَّلاث الأولى، أنَّ العُلَمَاءِ القُدَمَاء كانُوا لا يَرَوْن بأسًا فِي اشْتِرَاكِ الكُتُب في الأسْمَاء. فأكْثَرُ الأوائل سَمَّوا كُتُبَهُم باسْم: "غَرِيب القُرْآن" و "فَضَائل القُرْآن" و "لُغات القُرْآن" و "أحْكام القرآن" و "اخْتِلاف المَصاحف" و "غَرِيب الحَدِيث" و "النَّاسِخ والمَنْسُوخ" و "النَّوَادِر" و "الأنْوَاء" و "المَقْصُور والمَمْدُود" "والمُذَكَّر والمُؤنَّث" … إلخ، لأنَّهُم قَصَدُوا إلى المَعْنَى العَامّ الدَّالّ على ما في كُتُبِهم ولم يُبَالُوا بالتَّخْصِيص.
وكان القُدَمَاء كذلك إذَا اخْتَلَفَ المَوْضُوع في الكِتَاب الوَاحِد سَمَّوا كُلِّ بَابٍ كبيرٍ منه "كِتابًا"، مثل ما فَعَلَ ابن قُتَيْبَة في كِتَابِ "مَعَاني الشِّعْرِ الكَبِير" وكِتَابِ "عُيُون الشِّعْر" وكِتَابِ "عُيُون الأخْبَار" [٢٣٦:١ - ٢٣٧]، وأبو عبد الله المُفَجَّع في كِتَابِ "التُّرْجُمَان في مَعَاني الشِّعْر" [٢٥٥:١ - ٢٥٦].
стр. 40
كما أنَّ عَدَدَ الكُتُبِ الضَّخْم الذي سَاقَهُ النَّدِيمُ في كِتَابِهِ لا يُمَثِّلُ دَائمًا كُتُبًا بمعنى الكلمة، وإِنَّما مَعْلُومَات تَدَاوَلَها العُلَمَاءُ لا ككُتُبٍ وإِنَّما كنُصُوصٍ مُتَدَاوَلَةٍ في نِطَاقٍ ضَيِّق، وهي لَيْسَت بالضَّرُورَة كُتُبًا صَادِرَةٌ عَن مُؤَلِّفين وإِنَّما هي، في الأغْلَب، تَقَاييد ثُمَّ تَدَاوُلها في وَسَطٍ ثَقَافِيّ مُعَيَّن، ثم فُقِدَت هذه الكُتُبُ (التَّقاييد) لأنَّها ضُمِّنَت في الكُتُبِ المَوْسُوعِيَّة في العُصُورِ التَّالِيَة (١).
ويُوَجِّهُ النَّدِيمُ اهْتِمامًا خَاصًّا إلى الكُتُب التي وَقَفَ عليها بخُطُوطِ مُؤلِّفِيها (AUTOGRAPHE) وإلى خَزَائِن الكُتُبِ الشَّخصيَّة وأَهَمَ النُّسَخِ المَوْجُودَة بها. فقد كان العُلَمَاءُ المُسْلِمُون يُقَدِّرُون تَمَامًا النُّسَخَ التي بخُطُوطِ مُؤَلِّفيها أو التي عليها خُطُوطُ العُلَمَاءِ، كما أنَّ كِبَارَ الوَرَّاقين أمْثَالَ النَّدِيم وياقُوت الحَمَوي كان بمَقْدُورهم التَّعَرُّف على خُطُوط العُلَمَاء من كَثْرَة تَعَاملهم مع الكُتُب، حتى إِنَّ يَاقُوتًا الحَمويّ كان كثيرًا ما يَسْتَخدِم - وهو يَنْقُل عن خَطِّ عَالِمٍ من العُلَمَاء - عِبَارَة: "ومِنْ خَطِّه الذي لا أَرْتَابُ فيه نَقَلْت" (٢).
فمن النَّسَخ التي رَآها النَّدِيمُ بخُطُوطِ مُؤَلِّفيها: كِتَابُ "تَعْلِيم نَقْضَ المُؤَامَرَات" لابن المَاشِطَة [٤٢١:١]؛ وكِتَابُ "أَشْعَار قُرَيْش" لأبي أحمد بِشْر المَرْتَدِي، رَأى الدُّسْتُور بخَطِّه [٤٠١:١]؛ وكتاب "الخَرَاج" لأحمد بن محمَّد بن سُلَيْمَان بن بَشَّار الكاتِب، رَأى المُسَوَّدَة بخَطِّه نحو ألْف وَرَقَة؛ وكذلك كِتَابُ "الشَّرَاب والمُدَامَة" له، رآه بخَطِّه [٤٢١:١]؛ وكِتَابُ "الدَّلَائِل على التَّوْحِيد من كلام الفَلاسِفَة وغيرهم" ليزْدَجِرْد بن مُهَنْبَدَاذ الكِسْرَوي، كبير رآه بخَطِّه [٣٩٦:١]؛
_________
(١) STEFAN LEDER، op.cit.، p.٢٤
(٢) ياقوت الحموي. معجم الأدباء ٣: ٢٧؛ ٥: ١٠٨؛ ٦: ٦٤؛ ٧: ٢٥٣؛ ٨: ١٥٠، ٩: ٧٧، ١٦: ٧٨، ٩٥، ١٠١.
стр. 41
و "كتابُ النَّبَات" لأبي سَعِيد السُّكَّريّ، قال: رَأَيْتُ منه شَيْئًا يَسِيرًا بخَطِّه"؛ [١: ٢٣٩]؛ وكتاب "المَنَاهِل والقُرَى" له أيْضًا، قال: "رَأَيْتُه بخَطِّه". ووَقَفَ كذلك على نُسْخَةٍ من "كِتَاب مَكَّة" لعُمَر بن شَبَّة، قال: "قَرَأْتُ في كتاب مَكَّة لعُمَر بن شَبَّة وبخَطِّه" [١: ١٣]؛ وأخرى من كتاب "الوُزَرَاء" لابن عَبْدُوس الجَهْشِيَارِيّ نَقَلَ منها بقوله: "وقَرَأت بخَطِّ أبي عبد الله محمَّد بن عَبْدُوسِ الجَهْشِيَارِيّ في كِتَابِ الوُزَرَاء تألِيفه" [١: ٣٠].
ورَأى النَّدِيمُ كذلك عَدَدًا من النُّسَخِ بخُطُوطِ العُلَمَاء وكِبَارِ الوَرَّاقِين منها: "كِتَابُ النِّسَاء" و "كِتَاب البِغَال" للجَاحِظ، قال: "رَأَيْتُ أنا هذين الكتابَيْن بخَطِّ زكريَّا بن يحيى بن سُلَيْمَان ويكنى أبا يحيى وَرَّاق الجَاحِظ"، [١: ٥٨٢]، ونُسْخَةٌ من كِتَابِ "النَّوَادِر في الغَرِيب" لأبي شَنْبَل العُقَيْلِيّ، قال: "رَأَيْتُه بِخَطِّ عَتِيق بإصْلاحِ أبي عُمَر الزَّاهِد، نحو ثَلاث مائة وَرَقَة".
ورَأى بخَطّ السُّكَّريّ، الذي وَصَفَهُ بأنه كان "مَرْغُوبًا في خَطِّه لصِحَّتِه" [١: ٢٣٩]- كُتُبًا ودَوَاوِين كَثِيرَة، منها، منها نُسْخَةٌ من "كِتَاب غَرِيب الحَدِيث" للأصْمَعِيّ في نحو ثلاثين وَرَقَة [١: ١٥٧]، ونُسْخَةٌ من كتاب "النَّحْل" للزُّبَيْر بن بَكَّار [١: ٣٤٢]، ورَأى كذلك المَقَالَة الأولى من كِتَاب "السَّمَاع الطَّبِيعي" لأرِسْطاطالِيس بتَرْجَمَة إبراهيم بن الصَّلْت، بخَطّ يحيى بن عَدِيّ [٢: ١٦٧]، و "كتاب رِيطُورِيقَا (الخَطَابَة) " لأرسطاطاليس بنَقْلٍ قديم، بخَطِّ أحمد بن الطَّيِّب السَّرْخَسِي [٢: ١٦٥]. ومن النُّسَخ الفَرِيدَة التي رَآها النَّديم نُسْخَة كِتَاب "القَبَائِل الكَبِير والأيَّام" الذي جَمَعَهُ محمَّد بن حَبِيب للفَتْحِ بن خَاقَان، يقول: "ورَأَيْتُ النُّسْخَة بعَيْنِها عند أبي القاسم بن أبي الخَطَّاب بن الفُرَات في طَلْحيّ، نَيِّفًا وعِشْرِين جُزْءًا وكانت تَنْقُصُ ما يَدُلُّ على أنَّها من نَحْو أرْبَعين جزءًا وفي كلِّ جُزءٍ مائة وَرَقَة وأكثر، ولهذه النُّسْخَة فِهْرِسْت لما
стр. 42
تَحْتَوي عليه من القَبَائِل بخَطّ السِّنْدِيّ بن عليّ الوَرَّاقِ في طَلْحِيّ نَحْو خَمْس عَشْرَة وَرَقَة بخَطٍّ نَزْك" [١: ٣٢٩]. ويَتَضَمَّن هذا النَّصُ إِشَارَةً مهمَّةً إلى قِيَام القُدَمَاء بِصُنْعِ كشَّافَات للكُتُب المُطَوَّلَة.
أمَّا النُّسَخُ القَدِيمَةُ التي كُتِبَت قَبْل حَرَكَة إصْلاحِ الكِتَابَة فقد أطْلَقَ النَّدِيمُ على خَطِّها "الخَطّ العَتِيق" وأشَارَ إليها بالصِّيَغ التَّالية: "قَرَأْتُ في كِتَابٍ وَقَعَ إِليَّ قَدِيم النَّسْخ يُشْبِه أنْ يكون من خِزَانَة المأمُون" [١: ٥١]. "قَرَأْتُ بِخَطٍّ عَتِيقٍ يُوشِكُ أَنْ يكونَ كُتِبَ في زَمَانِ دَاوُد بن عليّ (توفي سنة ٢٧٠ هـ) [٢: ٦٠]، ورَأى "أَسْمَاءَ شُرَّاح أرِسْطو مكتوبَةً على ظَهْرِ جُزْءٍ بِخَطٍّ عَتِيق"، وقال عن كتاب "المُغَنِّي المُجِيد" لأبي جَعْفَر محمَّد بن عليّ بن أُمَيَّة: "رَأَيْتُه بخطٍّ عَتِيق" [١: ٤٤٩].
وحَرَصَ النَّدِيمُ كذلك على الإِشَارَة إلى العُلَمَاء والوَرَّاقِين الذين اشْتَهَرُوا بِجَوْدَةِ الخَطِّ مثل: إبراهيم بن محمد بن سَعْدَان بن المُبَارَك، قال عنه: "جَمَّاعَةٌ للكُتُب صَحِيحُ الخَطِّ صَادِقُ الرِّوايَة" [١: ٢٤٢]، ورأى بخَطِّه نُسْخَةً من "كتاب النَّوَادِر" لأبي اليَقْظَان سُحَيْم بن حَفْص النَّسَّابَة [١: ٧٢، ٢٩٨]؛ وأبي الحَسَن أحمد بن إبراهيم اللُّغَوي أسْتاذ أبي العَبَّاس ثَعْلَب، قال عنه: "وخَطُّهُ يُرْغَبُ فيه ولا مُصَنَّفَ له" [١: ٢٤٥]؛ وأبي الحُسَيْن أحمد بن سُلَيْمانَ الأَسَدِي المَعْبَدِي، قال عنه: "وخَطُّهُ يُرْغَبُ فيه" [١: ٢٤٣]؛ وأبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن أبي خَمِيصَة المعروف بابن أبي العَلاء، قال عنه: "أَحَدُ العُلَمَاء ويُرْغَبُ في خَطِّه لضَبْطِه وكان أخْبَارِيًا" [١: ٢٤٧]؛ وأبي مُوسَى سُلَيْمَان بن محمَّد الحَامِض أحد أصْحَاب ثَعْلَب، قال عنه: يُوصَفُ بصِحَّة الخَطّ وحُسْنِ المَذْهَبِ فِي الضَّبْطِ وكان يُوَرِّق" [١: ٢٤٠]؛ وعبد الله بن محمد بن وَدَاع الأَزْدِيّ، قال عنه: "حَسَنُ المَعْرِفَة صَحِيحُ الخَطّ حَسَنْهُ يَرْغَبُ فيه النَّاسُ ويأخُذُ بخَطِّه الثَّمن" [١: ٢٤٤]؛ والمُفَضَّل
стр. 43
بن سَلَمَة، قال عنه: "كوفيّ المذهَب مَلِيح الخَطِّ" [١: ٢٢٣]؛ وأبي الفَتْح عبيد الله بن أحمد بن محمد المعروف بجَخْجَخ، قال عنه الخطيب البَغْدادي: "كان ثِقَةً صَحِيحَ الكتابة كَتَبَ بخَطِّه حتى قال النَّاسُ إِنَّ يَدهُ من حَدِيد" [١: ١١٤، ١٨٠]؛ وأبي يحيى مالك بن دِينَار البَصْرِيّ، قال عنه النَّدِيمُ: "كان يَكْتُب المَصَاحِف بالأجْرَة" [١: ١٦]؛ وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن حَبِيب الفَزَارِيِّ، قال عنه: "عَالِمٌ صَحِيحُ الخطّ" [١: ٢٤٣]؛ وأبي الحَسَن محمَّد بن صَالِح الآمِدِي، قال عنه: "وخَطُّهُ مَلِيحٌ صَحِيحٌ" [١: ٢٤٧]؛ وأبي عبد الله محمد بن عبد الله الكَرْمَانِي النَّحْوِي الوَرّاق، قال عنه: "مَلِيحُ الخَطِّ صَحِيحُ النَّقْل يَرْغَبُ النَّاسُ في خَطَّه وكان يُوَرِّقُ بالأجْرَة" [١: ٢٤٣].
ولم يكتف النَّديمُ بذلك بل أشَار كذلك إلى الذين اشْتُهِرُوا بِقُبْحِ الخَطِّ مثل: أبي سَهْل أحمد بن عَاصِم الحُلْوَاني، قال عنه: "وخَطُّه في نِهَايَة القُبْح إِلَّا أَنَّه من العُلَمَاء" [١: ٢٤٥]. ورأى بخَطِّه نُسْخَةً من "شِعْر أبي نُوَاس على مَعَانِيه وغَرِيبه" نحو ألْف وَرَقَة عَمِلَها أبو سَعِيدٍ السُّكَّريّ [١: ٢٤٠].
стр. 44
هل حرر النديم "الفهرست" أكثر من مرة؟
أشار كارل بروكلمان CARL BROCKELMANN إلى أنَّ النَّدِيمَ بَدَأ سنة ٣٧٧ هـ / ٩٨٧ م، تَصْنِيفَ كِتَابِه "الفِهْرِسْت"، فَوَضَعَ منه - بادئ الأمْرِ - أَرْبَعَ مَقَالات هي: مَقَالَةُ الفَلْسَفَة والعُلُوم القَدِيمة ومَقَالَةُ الكُتُبِ المُصَنَّفَة في الأَسْمَار والخُرَافَات ومَقَالَةُ المَذَاهِب والاعْتِقَادَات القَدِيمَة ومَقَالَةُ الكِيمْياء، وأنَّ هذا التَّألِيفَ الأوَّل مَائِلٌ في نُسْخَةِ مكتبة كوبريلي باستانبول رقم ١١٣٥. ثم أضَافَ النَّديمُ في العَام نفسه إلى الكِتَابِ المَقَالَات السِّتّ الأولى في العُلُومِ العَرَبيَّة والإسْلامِيَّة، واحْتَفَظَ بمُقدِّمة الكِتَاب - التي تَعَرَّضَ فيها لبَعْضِ لُغَاتِ الأُمَم من العَرَبِ والعَجَمِ ونُعُوتِ أقْلامِها وأشْكالِ كِتَابَاتها - التي كانت مَوْجُودَةً في التَّأليف الأوَّل، فصَارَت هي الفَنَّ الأوَّل من المَقَالَة الأولى (١).
وتبَنَّى كثيرٌ من البَاحثِين هذا الرَّأي الذي ذَهَبَ إليه بروكلمان، منهم هلموت ريتر H. RITTER (٢) ، ويوهان فيك J. W. Fuck (٣) ووَالِدي، ﵀، فقال في مُقَدِّمة تَحْقِيقِه الأَنْمُوذَجي لكتاب "طَبَقَات الأطِبَّاء والحُكَمَاء" لابن جُلْجُل الأنْدَلُسي: "من المَظْنُون أَنَّ ابنَ النَّديم أَلْفَ كِتَابَهُ أَوَّلًا عن الكُتُب اليُونَانِيَّة والمُتَرْجَمَة وأسْمَاءِ النَّقَلَة والمُتَرْجِمين، كما يَتَّضِحُ ذلك من نُسْخَةٍ مَخْطُوطَةٍ من هذا الكتاب مَحْفُوظَةٍ بمكتبة كوبريلي بإستانبول برقم ١١٣٥ كُتِبَت سنة ٦٠٠ هـ، وهي نُسْخَةٌ قائِمَةٌ بذاتها وتَحْتَوي على أرْبَع مَقَالَات فقط، وهذه
_________
(١) CARL BROCKELMANN، GALS I، pp.٢٢٦ - ٢٧.
(٢) H. RITTER، "Zur Uberlieferung des
Fihrist"، Der Islam ١٧ (١٩٢٨)، p. ١٧.
(٣) J. W. FUCK، El art، Ibn al - Nadim III،
p.٩١٩.
стр. 45
المَقَالَاتُ تُطابِقُ المَقَالات السَّابِعَة إلى العَاشِرَة من الكتاب"، ثم أضَافَ: "ولَعَلَّ ابنَ النَّديم كان كِتابُه في الأصْلِ على هذه المَقَالَات ثم جَعَلَ كِتَابَه شَامِلًا لكلِّ الفنونِ فأضَافَ إليها المَقَالَات السِّتّ الأولى، وصَارَ بذلك في عَشْرِ مَقَالات" (١).
ولكنَّ مُرَاجَعَةً متأنِّيَةً للنَّصِّ الوَارِدِ في هذه النُّسْخَة يُثْبِتُ أَنَّهَا مُجَرَّدُ انْتِقَاءٍ قَامَ به شَخْصٌ آخَرُ غير النَّديم - رُبَّما بناءً على طَلَبِ عَالِم لم يُعَيِّنه - ليَسْتَخْلِصَ في مُجَلَّدٍ وَاحِدٍ ما ذَكَرَهُ النَّدِيمُ عن الفَلْسَفَة والعُلُوم والكُتب المُتَرْجَمَة والاعْتِقَادَات القَديمة. واحْتَفَظ نَاسِخُ النُّسْخَة التي وَصَلَت إلينا - واسْمُهُ يُوسُف بن مَهَنَّا بن مَنْصُور - بالفَنِّ الأوَّل من المَقَالَة الأولى وفيه اقْتِصَاصُ ما يَحْتَوي عليه الكتابُ، ليكون مَدْخَلًا له بَعْد تحْوِيره ليَشْتَمِل فقط على المَقَالَات الأرْبَع الأخِيرَة، بحيث أصْبَحَت المَقَالَةُ السَّابِعَة هي المَقَالَة الأولى والمَقَالَةُ العَاشِرَة هي المَقَالَةَ الرَّابِعَة، وحَوَّلَ اقْتِصَاص ما يحتوي عليه الكتاب ليُنَاسِب هذا التَّعْدِيل فأَصْبَحَ: "هذا فِهْرِسْت كُتُبِ العُلُوم القَدِيمَة من تَصانِيف اليُونَان والفُرْس والهِنْد" بَدَلًا من "هذا فِهْرِسْت كُتُب جَمِيع الأُمَم من العَرَبِ والعَجَم" واحْتَفَظَ يبَقِيَّة المُقَدِّمَة وتأريخ تَحْرِيرِها، وضَمَّ الفَنَّ الأوَّل من المَقَالَة الأولى بعد تَعْديله إلى المَقَالَة الأولى في تَرْتيبه فأَصْبَحَت بذلك في أَرْبَعَة فُنُونِ بَدَلًا من ثَلاثَة.
وفَاتَ المُنْتَقِي مع ذلك أنْ يُعَدِّلَ بَعْضَ العِبَارَات الاسْتِطْرادية التي يُحِيلُ فيها النَّدِيمُ إلى المَقَالَات الأولى للكِتَاب وتَرَكها على حَالِهَا دون حَذْفٍ أو تَعْدِيل. فنَقْرَأ في ترجمة يحيى بن أبي مَنْصُور: [المخطوط، ورقة ٤٥ ظ، ٢: ٢٣٧] "وقد اسْتَقْصَيْتُ ذكره في مَوْضِعه"، وقد مَرَّ بالفِعْل في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَةَ الثَّالِثَة من أصْلِ الكتاب [١: ٤٥٩]. وفي تَرْجَمَة أبي العَنْبَس الصَّيْمَرِيّ [المخطوط، ورقة ٤٧ ظ، ٢: ٢٤٥]: "وقد مَرَّ ذِكْرُهُ مُسْتَقْصًى"، وهو قد مَرَّ بالفِعْل في المَقَالة نَفْسِها
_________
(١) فؤاد سيد: مقدمة طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل، صفحة ز هـ ١.
стр. 46
[١: ٤٦٧ - ٤٦٩]. واسْتَبْقَى كذلك ما ذَكَرَهُ النَّدِيمُ في ترجمة ابن أبي العَزَاقِر في المَقَالَة الأخِيرَة من الكتاب [الرابعة = العاشرة]: "وقد اسْتَقْصَيْتُ ذكره في أَخْبَار الشِّيعَة" [المخطوط، ورقة ١١٨ و، ٢: ٤٢٥]، وهو قد مَرَّ بالفِعْل في المَقَالتين الثَّالِثَة والسَّادِسَة [١: ٤٢٧، ٦٣٥]، ولم يُعَدِّل ما ذَكَرَهُ النَّديمُ عند إِشَارَته إلى مُؤَلَّفَات الرَّازِي في الصِّنَاعَة وأبْقَى عِبَارَته كما هي: "فمن يُرِد مَعْرِفَة ذلك فليَنْظُر في المَقَالَة العَاشِرَة" بَدَلًا من الرَّابِعَة عنده [المخطوط، ورقة ٦٤ و، ٢: ٣٠٨]. وعند حَدِيثه في المَقَالَة الثَّامِنَة عن مَنْ عَمِلَ الأسْمَارَ والخُرَافَات على ألْسِنَة النَّاسِ والطَّيْرِ والبَهَائِم قال: "وقد اسْتَقْصَيْنا أَخْبَارَ هؤلاء وما صَنَّفُوهُ في مَوَاضِعِه من الكتاب" [المخطوط، ورقة ٦٩ و، ٢: ٣٢٤]. وهم قد مَرَّ ذكرهم بالفِعْل في المَقَالَة الثَّالِثَة.
ويتكوَّنُ نَصُّ كِتَابِ "الفِهْرِسْت" للنَّدِيم، كما وَصَلَ إلينا نَقْلًا عن دسْتُور المُؤلِّف الذي كَتَبَهُ بخَطِّه، من عَشْرِ مَقَالَاتٍ (أجزاء) أتمَّ النَّديمُ تَبييض - ولا أَقُولُ تَألِيف القِسْمِ الأكبر منها في شَعْبَان سَنَة ٣٧٧ هـ / نوفمبر سنة ٩٨٧ م، وهو ما يُشيرُ إليه صَرَاحَةً في أكثر من مَوْضِعٍ على امْتِدَادِ صَفَحَات الكتاب بما مِثَالُه:
١ - "إلى عَصْرِنَا هذا وهو سَنَةُ سَبْع وسَبْعين وثَلاث مائة" [١: ٣].
٢ - "هَذَا آخِرُ ما صَنَّفْنَاهُ من المَقَالَة الأولى من كتاب "الفِهْرِسْت" إلى يَوْم السَّبْت مُسْتَهَلّ شَعْبَان سَنَة سَبْعٍ وسَبْعِين وثَلاث مائة" [١: ٩٨].
٣ - "هَذَا آخِرُ ما صَنَّفْنَاهُ من مَقَالَة النَّحْويين واللُّغويين إلى يَوْمِ السَّبْت مُسْتَهَلّ شَهْرٍ شَعْبَان سَنَة سَبعٍ وسبعين وثلاث مائة" [١: ٢٧٠].
وهو ما يُعَادِلُ سَبْعًا وخَمْسين وَرَقَةً من نُسْخَة الأصْلِ، وهو أَمْرٌ جَائِزٌ مَعَ وَرَّاقٍ مُحْتَرِف مثل النَّديم أنْ يَكْتُبَ في يومٍ، تَبْييضًا لا تألِيفًا، نحو سِتّين وَرَقَةً، خاصَّةً إذا افْتَرَضْنَا أَنَّه يَنْقُلُ من مُسَوَّدَةٍ كَامِلَةٍ، مُقَارِنين ذلك بالحَدِيث الذي دَارَ بَيْنَه وبين وَرَّاقٍ آخَر من العُلَمَاء هو مُعَاصِرُهُ أبو زكريَّا يحيى بن عَدِيّ المَنْطِقيّ عندما الْتَقَاهُ
стр. 47
يومًا في سُوقِ الوَرَّاقِين وعَاتَبَهُ النَّدِيمُ على كثرَة نَسْخِه، فأجَابَه يحيى بن عَدِيّ: "لعَهْدِي بنَفْسِي وأنا أكْتُبُ في اليَوْم واللَّيْلَة مائة وَرَقَة وأقلّ" [٢: ٢٠٢]. والوَاضِحُ أَنَّ النَّدِيمَ، في مُسْتَهَلّ شَعْبَان سَنَة سَبْعٍ وسَبْعين وثَلاث مائة، كان قد انْتَهَى من جَمْع مادَّةِ كِتابِه وتَفَرَّغَ لتَبْيِيضه وإخْرَاجِه في شَكْلِ دُسْتُورٍ يُعَوَّلُ عليه، وذلك بالرَّغم من الفَرَاغَات الكثيرَة التي تُقابِلُنا في الدُّسْتُور والتي كان يَوَدُّ أَنْ يَسْتكملها فيما بعد، في الوَقْتِ نفسه لم يتمكن من الحُصُولِ على مَعْلُومَات عن بَعْض المؤلِّفين فاسْتَخْدَمَ بَدَلًا من تَرْك الفَرَاغَات عِبَارَات مثل: "ولا يُعْرَفُ من أمْرِه أكثر من هذا" أو "غَيْر هذا" [١: ٢٣٩، ٢٦١، ٤٢١، ٤٢٧، ٤٣٢، ٤٣٤، ٤٧٣، ٢: ٢٥٦، ٢٩٩] أو "لا يُعْرَفُ غير هذا" [١: ٢٦٣، ٢: ٢٤٨].
ثُمَّ أُتمَّ نَسْخَ ما تَبَقَّى من أَوْرَاقِ النُّسْخَة الدُّسْتُور والتي تُعَادِلُ، في النُّسْخَة المَنْقُولَة عنها، وَاحِدًا وسَبْعين ومائتي وَرَقَة فيما تَبَقَّى من سَنَة سَبْعِ وسَبْعين وثَلاث مائة، وأشَارَ إلى ذلك بالصِّيَغ التَّالِيَة:
٤ - "ويَحْيَا إلى الوَقْتِ الذي بُيِّضَ هذا الكتابُ فيه" [١: ١٨٧].
٥ - "ويَحْيَا إلى وَقْتِنَا هذا بل أحْسَبُهُ مَاتَ قَرِيبًا" [٢: ٣٤٠].
٦ - "وَيَحْيَا إِلى زَمَانِنَا هذا" [١: ٣٥٣].
٧ - " … تُوفي منذ شُهُور" [١: ٤٠٦].
٨ - "ويَحْيَا إِلى وَقْتِنَا هذا وهو سَنَة سَبْع وسَبْعين وثَلاث مائة" [١: ٤٠٧ - ٤٠٨].
٩ - "ووَلَّاهُ عَضُدُ الدَّوْلَة قَضَاءَ الرُّبْعِ الأسْفَل من الجانِب الشَّرْقي من مَدِينَة السَّلام، وإلى وَقْتِنا هذا سَنَة وهو سَبعٍ وسَبْعين وثلاث مائة" [٢: ٦٧].
١٠ - "مَاتَ قَريبًا في سَنَة سِتٍّ وسَبْعين وثَلاث مائة" [٢: ٢٦٣].
стр. 48
١١ - "ما حَكَاهُ الرَّاهِبُ النَّجْرَانِيّ الوَارِدُ من بَلَدِ الصِّين في سَنَة سَبْعِ وسَبْعِين وثَلاث مائة" [٢: ٤٣٢].
وهي المَوَاضِعُ التي صَرَّحَ فيها النَّديمُ بالتأريخ الذي كَتَبَ فيه دُسْتُورَه، وإِنْ كان قد اسْتَخْدَمَ عِبَارَات أخْرى تُؤدِّي المَعْنَى نَفْسه رَغْم أنَّه لم يَذْكُر فيها التأريخ مِثْل: "وكان قَرِيبَ العَهْدِ وقد أَدْرَكَهُ جَمَاعَةٌ في زَمَانِنَا" [١: ٥٥]؛ "ويَحْيَا إِلى زَمَانِنَا هذا" [١: ٣٥١]؛ و "تُوفّي منذ شُهُور" [١: ٤٠٤]؛ و "القاضِي في عَصْرِنا" [٢: ١٢٣] يَقْصِدُ المُعَافى بن زكريَّا النَّهْرَوَاني، المتوفَّى سنة ٣٨٦ هـ؛ و "في زَمَانِنَا ويَحْيَا إلى وَقْتِنَا هذا" [١: ٤٢٠]؛ و "يَحْيَا في عَصْرِنا هذا" [١: ٤٧٦] في حَديثِه عن عليّ بن محمد الشِّمْشَاطيّ، المتوفَّى سنة ٣٩٤ هـ؛ و "قَرِيبُ العَهْدِ وأَحْسَبُهُ يَحْيَا" [١: ٤٧٧] في حَدِيثه عن الحَسَن بن بِشْر الآمِدِي، رَغْم أنَّه تُوفَّى سنة ٣٧١ هـ؛ و "وقد بَقِيَ إِلى زَمَائِنَا هذا" [٢: ١٣٦]؛ و "بها إلى وَقْتِنَا هذا"؛ [٢: ١٣٩] "في زَمَاننا هذا" [٢: ٢٠٦]؛ و "يَحْيَا في زَمَانِنَا" [٢: ٢٦٣]. وعند حَدِيثه عن عبد الله بن أبي زَيْد القَيْرَوَاني، المتوفَّى سنة ٣٨٦ هـ، "أَحَدُ الفُضَلَاء في زَمَانِنَا هذا" [٢: ١٣].
وهي كُلُّها أدِلَّةٌ على أنَّ النَّديمَ كان يَكْتُبُ أحْيَانًا بَعْضَ مَعْلُومَاتِه من الذَّاكِرَة ودُون أنْ يَتأكَّدَ منها.
وإذا أخَذْنَا في الاعْتِبَار المَجَال الذي يَتَنَاوَلُهُ "الفِهْرِسْتُ"، فمن غير المُسْتَبْعَد أنْ تكون هناك صِيَاغَةٌ مُبَكِّرَةٌ لبَعْض مَقَالات الكِتَاب ضَمَّنَها النَّديمُ في مَوَاضِعِها عند التَّبْييض، وعلى الأخَصِّ المَقَالات الأخِيرَة من الكِتَاب التي يَتَّضِحُ فيها الجُهْدُ والعَنَاءُ الذي بَذَلَهُ النَّديمُ في جَمْع مادَّتها، فهي تَشْتَمِلُ على فُصُولٍ حَوْل بِدَايَة الفَلْسَفَة وسِيرَة فلاطُن وأرِسْطاطالِيس وأُقلِيدِس وجَالِينُوس وغيرهم من فَلاسِفَة الإغْرِيق ورياضِييِّهم وأطِبَّائِهم وعُلَمَاء المُسْلِمين الذين تابَعُوا
стр. 49
مَنْهَجَهُم، وكذلك عن أُصُولِ "أَلْفِ لَيْلَة ولَيْلَة"، كما أَنَّه يُقَدِّمُ لنا مَعْلُومات في غَايَة الأهَمِّيَّة في مَقَالَة الاعْتِفَادَات القَدِيمَة عن الصَّابِئَة والمَانَوِيَّة ومَذَاهِب الهِنْد والصِّين، ويُدْلي برأيه أحْيَانًا عند حَدِيثه عن السِّحْر الأسْوَد والسِّحْر الأبْيَض، على سَبِيل المِثَال، أو على الشَّعْبَذَة والخُرَافَات وعِلْم الصَّنْعَة أو الكِيمْيَاء؛ وخاصَّةً أنَّه يُحِيلُ إليها عندما يَقُولُ في المَقَالَة الأولى عند حَديثه على أنْوَاع الوَرَق [١: ٤٧] "وقد اسْتَقْصَيْنا خَبَرَ ذلك في مقالة الفَلاسِفَة". وعند حديثه على النَّقَلَة للكتاب المُقَدَّس [١: ٥٨] يقول: "ونحن نَسْتَقْصي أَخْبَارَهُم في مَقَالَةَ العُلُومِ القَديمَة".
وتَعْكِسُ المقَالَاتُ الأخِيرَةُ، بالإضَافَة إلى ذلك، الطَّبِيعَة المُتَغَايِرَة للمَصَادِر المُسْتَخْدَمَة في كتابتها، ورُبَّما أَيْضًا تَطَلُّبها لمَعْرِفَة خَلْفِيَّةٍ من المَعْلُومَات غير المُتَوَافِرَة في المَجَال المألُوف للأدَبِ العَرَبِي التَّقْليدي، وتَكْشِفُ عَن ضَرُورَة وُجُود صِيَاغَةِ أوَّلِيَّةٍ لبَعْض فُصُولِ هذه المَقَالَات. ويمكن أنْ نَجِدَ فِي مَدْخَل جَالِينُوس أَنمُوذَجًا على ذلك يَدُلُّ على أنَّه كُتِبَ أَوَّلًا قَبْل سَنَتَيْن أو ثَلاثَة من إدْمَاجِه في "الفِهْرِسْت". فقد اعْتَمَدَ فيه النَّدِيمُ الرِّوَايَة التَّالِيَة لإسْحَاق بن حُنَيْن في "تاريخ الأطِبَّاء والفَلاسِفَة"، يَقُولُ إِسْحَاقُ:
"ومن وَفَاةِ جَالِينُوس وإلى سَنَة تِسْعِين ومائتين للهجرة [سَنَة تأليف كتاب إِسْحَاق] ثَمَان مائة وخَمْس عَشْرَة سَنَة" [تاريخ الأطباء ١٥٥]. واسْتَخْدَمَ النَّدِيمُ الرِّوَايَةَ نَفْسَها ولكنَّه صَاغَها هكذا: "ومُنْذُ وَفَاةِ جَالِينُوس إلى عَهْدِنا هذا، على ما أَوْجَبَهُ الحِسَابُ الذي ذكره يحيى النَّحْوي وإسْحَاقُ بن حُنَين بعده، تِسْع مائة سَنَة" [٢: ٢٧٦]. فيكون قد كَتَبَ المَدْخَلَ الخاصّ بجَالِينُوس أو بَعْضَه سَنَة ٣٧٥ هـ / ٩٨٥ م، أي قبل سَنَتَيْن من إدْمَاجِه في "الفِهْرِسْت"، رَغْم أَنَّنا لا يمكن أنْ نَتَأكَّدَ تمامًا من صَوَابِ هذا التَّأريخ، لأنَّ تأريخَ وَفَاة جَالِينُوس
стр. 50
يُحْسَبُ بالتَّقويم الشَّمْسي بينما التَّوَاريخ المستخدَمة لدى المؤلِّفين العَرَب والمسلمين على السَّوَاء تَتْبَع التَّقويم القَمَري، فتكون الـ ٨٥ سَنَةً شَمْسِيَّة منذ سَنَة ٢٩٠ هـ (ديسمبر ٩٠٢ - نوفمبر ٩٠٣) تَتَطَابَقُ مع السَّنَة المَعْرُوفَة لتأليف "الفِهْرِسْت" [شَعْبَان ٣٧٧ هـ / نوفمبر ٩٨٧ م] " (١)!
بينما تَبْدُو المَقَالاتُ الأرْبَع الأولى أشْبَه بثَبَتٍ ببْليوجرافي لمُؤلَّفات الكاتب أو الشَّاعِر ولا تُضِيفُ في العُمُوم إِلَّا مَعْلُومَات مُخْتَصَرَةً جِدًّا عن حَيَاتِهِ على عَكْس المَعْلُومَات الوَارِدَة في المَقَالات الأخِيرَة، فالنَّديمُ بحُكم عَمَلِهِ وَرَّاقًا يَهْتَمُّ أَوَّلًا وقَبْل كلِّ شيء بالكُتُبِ والمُصَنَّفَات أكثر من اهْتِمَامِه بحَيَاةِ المُؤَلِّفين والكُتَّاب، لاسِيَّما وأنَّه تُوجَدُ بالفِعْل مُؤلَّفاتٌ في الطَّبَقَات والتَّرَاجِم تَنَاوَلَت حَيَاة المُؤلِّفين والشُّعَرَاء الإسْلاميين، وهو لذلك لا يُثْبِتُ سوى عَنَاوِين الكُتُب التي رَآهَا بنَفْسِه أو أَعْلَمَهُ الثِّقَاتُ أَنَّهم رَأوها. ويُحَدِّدُ أحْيَانًا حَجْمَ مُجَلَّدِ الكتاب، وعلى الأخَصِّ في مَقَالَة الشُّعَرَاء المُحْدَثِين، حَيْثُ يُحَدِّدُ لكلِّ منهم عَدَدَ أَوْرَاق دِيوَانِه (بِنَاء على نَوْعٍ مُعَيَّنٍ من الوَرَقِ وعَدَدِ أسْطُر كلِّ صَفْحَة فيه). وغَالِبًا ما يَذْكر نُسَخًا كَتَبَها نُسَّاخٌ (خَطَّاطُون) مَشْهُورون مثل: ابن مُقْلَة وابن الكوفيّ وأبي الطَّيِّب بن أُخَيّ الشَّافِعِيّ والتِّرْمذِيّ وابن عَمَّار الثَّقَفِي كاتب شِعْر المُحْدَثين، ويَذْكُرُ كذلك هُوَاة الكُتُب ومُحتَوَى مَكْتَبَاتهم.
لقد أرَادَ النَّدِيمُ أنْ يكونَ كِتَابُه، الذي صَنَّفَه في عَشْرِ مَقَالاتٍ، جَامِعًا للإنْتَاجِ الفِكريّ المكتوب باللُّغَة العَرَبِيَّة حتى الرُّبْعِ الثَّالِثِ من القَرْنِ الرَّابع الهجريّ، ولكن
_________
(١) راجع كذلك مقال زيمرمان. FRIEDRICH W ZIMMERMANN، "On the Supposed Shorter Version of Ibn an - Nadîm's Fihrist and its Date، Der Islam (١٩٧٦)، pp. ٢٦٧ - ٧٣.
стр. 51
كما يَتَّضِحُ من نَصِّ الدُّسْتُور الذي كَتَبَهُ بخَطِّه، فإنَّ الكثيرَ من البَيَانَات والمَعْلُومَات لم تكن مُتَوَافِرَة له وكان يُرِيدُ اسْتِكمالَها فَبَيَّضَ لها في دُسْتُورِه على أَنْ يَسْتَدْركها في وَقْتٍ لاحق، كما أنَّه كان حَرِيصًا على إتْمَام إنْجَازِ الكتاب في الشُّهُور المُتَبَقِّيَة من عَام ٣٧٧ هـ / ٩٨٨ م. ورَغْم نَقْصِ هذه المَعْلُومات، إِلَّا أَنَّني أكادُ أَجْزِمُ أَنَّ النَّدِيمَ كَتَبَ فَقَط بخَطِّه من كتاب "الفِهْرِسْت" النُّسْخَة الدُّسْتُور وتَرَكَ بها الفَرَاغَات التي لم يَتَحَقَّق منها ليُعَاوِدَ اسْتِدْراكها فيما بَعْدُ. وأَظُنُّ أَنَّ الإضَافَات التي تُطَالِعُنَا في نِهَايَة المَقَالَة الأولى [٩٩:١ - ١٠٠] ونِهَايَةِ المَقَالَة الثَّانِية [٢٧٠:١ - ٢٧٣] بَعْدَ أنْ ذَكَرَ قَبْلَها أنَّ هذا آخِرُ ما صَنَّفَهُ في كُلِّ من المَقَالَتَين، كانت في شَكْلِ طَيَّارَاتٍ مُضَافَةٍ في دُسْتُوره وأضَافَهَا نَاسِحُ نُسْخَةِ الأصْل في نِهَايَة كُلِّ مَقَالَة.
ورَغْم تأخُّرِ وَفَاةِ النَّدِيم بَعْدَ انْتِهَائه من كِتَابَة الدُّسْتُور، في سَنَة ٣٧٧ هـ/ ٩٨٨ م، إلى مُنْتَصَفِ شَعْبَان سَنَة ٣٨٠ هـ/ نوفمبر سَنَة ٩٩٠ م، فإنَّه لم يُعاوِد النَّظَرَ في دُسْتُورِه لاستكمال هذه النَّوَاقِص أو لإصْلاحِ وتَعْدِيل بَعْض عِبَارَات الكتَاب التي تَحْتَاجُ إلى اسْتِدْرَاكِ أو التي تَظْهَرُ فيها أَخْطَاءٌ إمْلائِيةٌ ونَحْوِيَّةٌ وأسْلُوبِيَّة. وعلى ذلك فلا يُوجَدُ لكتابِ "الفِهْرِسْت" سِوَى تَحْريرٍ وَاحِدٍ هو النُّسْخَة الدُّسْتُور التي تُمَثِّلُها الآن النُّسْخَةُ المُوَزّعَةُ بين مكتبتي شيستر بيتي بدِبلن وشهيد علي باشا بالسُّليمانية بإستانبول، لأنَّه لو كان حَرَّرَ كِتابه أكثر من مَرَّة لكان على الأقَلّ اسْتَدْرَكَ المَوَاضِع التي بها تَقْدِيمٌ وتَأخِير [٢: ٨١، ١٠٦].
стр. 52
مَصَادِرُ الكِتَاب
تَنْقَسِمُ المَصَادِرُ التي اعْتَمَدَ عليها النَّدِيمُ في بِنَاءِ كِتابِه إِلى مَصَادِر أَدَبِيَّة، ومَعْلُومَات اسْتَمَدَّها من خُطُوطِ العُلَمَاء، وما رَآهُ بنفسه من الكُتُبِ والمُجَلَّدَات، وما أَخْبَرَهُ به أقْرَانُه ومُعَاصِرُوه الثِّقَات (١).
ويَلْحَظُ المُسْتَخْدِمُون لكِتَابِ "الفِهْرِسْت" أَنَّ هُنَاكَ مَصَادِرَ أَفَادَ منها النَّدِيمُ على امْتِدَادِ كِتَابِه وأَخْرَى أَفَادَ منها في فَنٍّ مُعَيَّن. ومن أهَمِّ مَصَادِر النَّوْعِ الأَوَّل ما نَقَلَهُ النَّدِيمُ من خَطٍّ أبي الحَسَن علي بن محمَّد بن عُبَيْد بن الزُّبَيْر الأَسَدِيّ الكُوفيِّ المَشْهور بابن الكُوفيِّ (٢٥٤ - ٣٤٨ هـ/ ٨٦٨ - ٩٦٠ م)، قال عنه النَّدِيمُ: "عَالِمٌ صَحِيحُ الخَطِّ رَاوِيَةٌ جَمَّاعَةٌ للكُتُبِ صَادِقٌ في الحِكَايَة مُنَقِّرٍّ بَحَّاث" [٢٤١:١ - ٢٤٢]، وقال عنه ياقُوتٌ الحَمَوِيّ: "صَاحِبُ الخَطَّ المعروفِ بالصِّحَّة المَشْهُورِ بِإتْقَانِ الضَّبْطِ وحُسْنِ الشَّكل، فإذا قيل: نَقَلْتُ من خَطِّ ابن الكُوفيّ، فقد بَالَغَ في الاحْتِيَاط، وكان من أجَلِّ أَصْحَابِ ثَعْلَب". ورَأى ياقُوتٌ من مُؤَلَّفَاتِه "كِتَاب الهَمْز" بخَطِّه (٢)، وأضَافَ أنَّه رَأى كذلك بخَطِّه عِدَّة كُتُب فلم يَرَ أَحْسَنَ ضَبْطًا وإتْقَانًا للكتابَة منه، فإِنَّه يجْعَلُ الإِعْرَابَ على الحَرْفِ بمِقْدَار الحَرْفِ احْتِيَاطًا، ويَكْتُبُ على الكلمة المَشْكُوكِ فيها عِدَّةَ مِرَارٍ: صَحّ صَحّ صَحّ. وكان من جَمَّاعِي الكُتُب وأَرْبَابِ الهَوَى فيها" (٣)، وكان يَسْكُنُ بطَاقِ الحَرَّاني بالجَانِب
_________
(١) راجع كذلك دِرَاسَة عبد الرحمن بن حمد العكرش: "اسْتِشْهَادَات النَّديم المرجعية ومَصَادره في الفهرست - دراسة ببليومترية وتحليل محتوى"، مجلة جامعة المَلِك سعود، ١٤، الآداب - ٢، (٢٠٠٢)، ٢٧١ - ٣٤٩. وهي دِرَاسَةٌ تَتَبَّع فيها المُؤلِّفُ اسْتِشْهَادَات النَّديم المَرْجِعية ومَدَى اسْتيفائها لعَنَاصِر الإشَارَة المرجعية وتوزيعها التَّاريخي باسْتِخْدَام المنهج القِيَاسِي (الببليومتري) ومنهج تحليل المحتوى.
(٢) ياقوت الحموي: معجم الأدباء ١٥٣:١٤.
(٣) نفسه ١٤: ١٥٣ - ١٥٤.
стр. 53
الغَرْبِيّ من بَغْدَاد قَرِيبًا من سُوقِ الوَرَّاقِين القَدِيم (١). وذَكَرَ القِفْطِيُّ أَنَّ أَبَاهُ كان من أهْلِ ذَوِي اليَسَار من أهْلِ الكُوفَة، فلمَّا تُوفِّي وَرِثَ عنه ابنُه - فيما يُقَال - زَائِدًا عن خَمْسين ألْف دِينَار فصَرَفَها كلَّها في طَلَبِ العِلْم وتَحْصِيل الكُتُب اشْتِرَاءً واسْتِنسَاخًا وكتابةً وصَرَفَ من ذلك جُزْءًا صَالِحًا لفُقَرَاءِ طَلَبَةِ العِلْم (٢).
وشاهَدَ القِفْطِيُّ بَعْضَ كُتُبِ خِزَانَتِه في القَرْنِ السَّابع الهجري، ووَصَفَها بأنَّها "في غَايَة الجَوْدَة والإتْقَان، والمَوْجُودُ فيها في زَمَانِهِ إِذَا تُؤمِّل دَلَّ على تَيَقُظٍ وَبَحْثٍ ورَغْبَة. وكان لكَثْرَتها يُعَيِّنُ لكلِّ نَوْعٍ منها مَوْضِعًا مَخْصُوصًا من خِزَانَتِه ويكتُبُه على أوَّلِ الكِتابِ ليجده إذَا طَلَبَه، ويُعيدُهُ إلى مَوْضِعِه المَعْلُوم إِذَا غَنِيَ عنه" (٣).
واعْتَمَدَ النَّدِيمُ على ابن الكُوفيّ في مَقَالاتٍ مُخْتَلِفَة من "الفِهْرِسْت"، لاسِيَّما فيما يَتَعَلَّقُ باللُّغويين الكوفِيّين والمُؤَرِّخين. ولكن من الصَّعْبِ أَنْ نَعْرِفَ إذا كان النَّدِيمُ قد نَقَلَ من كُتُبِه المُؤَلَّفَة والتي ذكرها في ترجمته له، أو اسْتَفَادَ من مُلاحَظَاتِه المختلَفة التي دَوَّنَها على هَوَامِش كُتُبِ مَكْتَبَته الضَّحْمَة التي خَلَّفَها، أو أنَّه اسْتَخْدَمَ كُرَّاسًا أو أكثر دَوَّنَ فيه ابن الكُوفيِّ مُلاحَظات وتَعْلِيقَات حَوْلَ الكُتُبِ، أو أنَّه اسْتَخْدَمَ فِهْرِسًا لمكتبة هذا الهَاوِي.
فالنَّديمُ يَنْقُلُ من خَطِّه "اخْتِلافَ النَّاسِ في أَوَّلِ مَنْ وَضَعَ الخَطَّ العَرَبي" [٩:١]، و "ثَبَت كِتَابِ الصِّفَات للنَّضْرِ بن شُمَيْل" [١٤٥:١]، ورأى بخَطّه قِطْعَةً من "كتاب الأرَضِين والمِيَاه والجِبَال والبِحَار" لسَعْدَان بن المُبَارَك [٢١٣:١ - ٢١٤]، ونَقَل من خَطِّه قائِمَة مُؤلَّفات هِشَام بن محمَّد بن السَّائِب الكلبيّ بتَرْتِيبها [٣٠١:١ - ٣٠٥]، وكذلك قائمة مُؤلَّفَات أبي الحَسَن عليّ بن محمَّد المَدَائِنِيّ [٣١٦:١ - ٣٢٣]، ونَقَل من خَطِّه أيضًا تَرَاجِم مجموعة من العُلَماء وأَسْمَاء كُتُبهم،
_________
(١) الخطيب البغدادي: تاريخ مدينة السَّلام ١٣: ٥٥٥.
(٢) القفطي: إنباه الرواة ٣٠٥:٢ - ٣٠٦.
(٣) نفسه ٣٠٦:٢.
стр. 54
أو على حَدِّ تَعْبِير النَّدِيم "طائِفَة أَصَبْنَا ذكرهم بخَطِّ ابن الكوفيِّ فذَكَرْنَاهُم" [٣٣٤:١]، ونَقَلَ كذلك من خَطِّه تَسْمِيَة من رَوَى عنه الزُّبَيْر بن بَكَّار [٣٤٠:١] وخَبَرَ كِتَابِ "الأغَاني الكَبِير" لإسْحَاق بن إبراهيم المَوْصِليّ [٤٣٨:١].
وذَكَرَ النَّدِيمُ في المَقَالَة العَاشِرَة أَنَّه قَرَأَ نُسْخَة الأقْلام التي يُكتبُ بها كُتُبَ الصَّنْعَة والسِّحْر، والتي ذَكَرَها ابن وَحْشِيَّة، بخَطِّ ابن وَحْشِيَّة كما قَرَأها بعَينها "في جُمْلَة أَجْزَاءٍ بخَطِّ أبي الحَسَن بن الكوفيّ فيها تَعْليقاتُ لُغَةٍ ونَحْو وأَشْعَار وآثَار وَقَعَت لأبي الحَسَن بن التَّنْح من كُتُبِ بني الفُرَات" وأَضَافَ: "وهذا من أظْرَفِ ما رأيتُه بخَطِّ ابن الكوفيّ بعد كتاب "مَسَاوئ العَوَامّ" لأبي العَنْبَس الصَّيْمَرِيّ [٤٦٠:٢ - ٤٦١].
وتَقَعُ جَمِيعُ نُقُولِ النَّدِيم من ابن الكُوفيّ - فيما عَدَا هذا النَّقْل الأخِير - في المَقَالات الأرْبَع الأُولى، وهي تُوجَدُ، إِضَافَةً إلى ما ذكرتُه كذلك في الصَّفَحات [٠٧،٢٠٦،١٩٧،١٦٨:١، ٢٩٩،٢٧٧،٢٣٩،٢٢٥،٢١٩،٢١٤،٢١٢،٢١١، ٣١٦، ٣٢٣، ٣٢٩، ٣٤٢، ٣٤٤، ٤٩٧].
وكان المُسْتَشْرِقُ الألماني يُوليوس لِيبَّرْت JULIUS LIPPERT (١٩٠٩ - ١٣٩ م) قد كَتَبَ مَقَالًا، عَام ١٨٩٧ م، بعُنْوَان "ابن الكوفي سَلَفًا للنَّديم" (١)، اسْتَنْتج فيه من كَثْرَة النُّقُول التي اقْتَبَسَها النَّدِيمُ من خَطِّ ابن الكُوفيّ أنَّه أَلْفَ كِتابًا في تاريخ الكُتُب سَبَقَ به النَّدِيم، غَيْر أَنَّ الشَّوَاهِدَ التي ذكرناها لا تُؤكِّدُ لنا هذا الاسْتِنْتاج (٢).
_________
(١) JULIUS LIPPERT، Ibn al - Kafi، ein (١٨٩٢)، Vorgânger Nadim's"، WZKM XI pp.١٤٧ - ٥٥.
(٢) انظر كذلك حسين علي محفوظ: "ابن الكوفي (٢٥٤ - ٣٤٨ هـ / ٨٦٨ - ٩٦٠ م) "، مجلة كلية الآداب - جامعة بغداد ٣ (١٩٦١)، F. SEZGIN، GASI، pp.٣٨٤ - ٨٥ - ١٩ - ٤٤٦
стр. 55
واعْتَمَدَ النَّدِيمُ في الفَنِّ الأوَّل من المَقَالَة الأُولى على "كِتَابِ مَكَّة" لعُمَر بن شَبَّة من نُسْخَة بخَطِّه [١٣:١]. ونَقَلَ أَخْبَارًا وَقَفَ عليها بخَطِّ أبي محمد عبد الله ابن أبي سَعْدِ الوَرَّاق، المتوفَّى سنة ٢٧٤ هـ / ٨٨٧ م، الذي قال عنه الخَطِيبُ البَغْدَادي: "كان ثِقَةً صَاحِبَ أَخْبَارٍ ومُلَح". وهو في الوَقْتِ نفسه أحَدُ مَصَادِر شَيْخه أبي سَعِيد السِّيرافيّ في "أَخْبَار النَّحْويين البَصْرِيين".
أمَّا حَدِيثه عن أوَائِل الكُتَّاب فقد نَقَلَهُ من خَطِّ أبي العَبَّاس أحمد بن محمَّد بن ثَوَابَة الكاتِب، المتوفَّى سنة ٢٧٣ هـ / ٨٨٦ م أو ٢٧٧ هـ / ٨٩٠ م، رُبَّما من "رِسَالَته في الكِتَابَة والخَطّ" [١٧:١ - ٢٠]. ونَقَلَ كلامًا في فَضَائل الخَطّ ومَدْح الكلام العَرَبي عن سَهْلِ بن هَارُون صَاحِب خِزَانَة الحكمة للمأمُون، المتوفَّى سَنَة ٢١٥ هـ / ٨٣٠ م، دُون تَحديد عُنْوَانِ الكتاب [٢٥:١ - ٢٦]. وأنْهَى هذا الفَصْل بقَوْله: "قد اسْتَقْصَيْتُ هذا المعنى وغيره ممَّا يُجانِسُهُ في مَقَالَة الكِتَابَة وأدَوَاتها من الكتاب الذي أَلَّفْتُهُ في "الأَوْصَاف والتَّشْبِيهات" [فيما يلي ٢٩:١].
وكان في مُتَنَاوَلِه نُسْخَةٌ كتاب "الوُزَرَاء" للجَهْشِياريّ بخَطِّه نَقَلَ منها فَوائد عن بِدَايَة الكتابة عند الفُرْسِ لا تُوجَدُ فيما وَصَلَ إلينا من كتاب "الوُزَرَاء" للجَهْشِيارِيّ [٣٠:١ - ٣١]. ونَقَلَ عن ابن المُقَفَّع، دون أنْ يُحَدِّدَ عُنْوَان الكتاب الذي نَقَلَ منه، فَوَائِدَ مُهِمَّة عن أنْوَاعِ الخُطُوطِ عند الفُرْسِ [فيما يلي ١: ٣١ - ٣٤]. أمَّا ما ذكرُه عن القَلَمِ العِبْرَانيّ فقرَأه في "بَعْض الكُتُب القَدِيمَة" التي لم يُعَيِّنها ومنها نُقُولٌ عن تِيَادُورُس المَصِّيصِيّ THEODORE DE MOPSUESTE [٢٩:١] ورَجُلٍ من أفَاضِل اليَهُود وبَعْضِ أهْل العِلْم من اليَهُود. وذَكَرَ الشَّيْءَ نَفْسَه عند حَدِيثِه على القَلَمِ الرُّومي فذكر أنَّه قَرَأَهُ في "بعض التَّوَاريخ القَدِيمَة" لم يُحَدِّدها، وبَعْضه
стр. 56
الآخَر ذَكَرَهُ إِسْحَاق الرَّاهِب في "تاريخه" [١٣٦:١]، وهو مَصْدَرٌ لم أَسْتَدِلّ عليه سيتكرَّر ذكره في المَقَالَة السَّابِعَة [١٥٦:٢].
وعند حَدِيثه على قَلَم "السَّاميا" أشَارَ إلى أنَّ جَالِينُوس ذكرهُ في "فينَكِس" كُتُبِه ونَقَلَ عنه رِوَايَةً طَوِيلَةً [٣٦:١ - ٣٧]. وكان مع النَّدِيم كتابٌ يحتوي فَوَائِدَ لأبي الفَضْل جَعْفَر بن المكتفي بالله نَقَلَ عنه في مَوَاضِع كثيرة من الكتاب على الأخَصّ في المَقَالَة السَّابِعَة [٣٧:١ - ٣٨].
وعند حَدِيثه على قَلَم الصِّين نَقَلَ نَصًّا مُطَوَّلًا على أسْلُوبِ هذه الكتابَة عن محمد بن زكريَّا الرَّازِي [٣٩:١ - ٤٠].
أمَّا "الثِّقَةُ" الذي يَتَرَدَّد ذكرُه على امْتِدَادِ الكتاب، فأَرَجِّحُ أنْ يكون شَخْصًا قَرِيبَ الصِّلَة من المَوْضُوع الذي يُناقِشه النَّدِيمُ وثِقَةً فيما يَرْويه ولم يجد ضَرُورَةً لذكر اسْمِه [١: ٤١، ٤٢، ٤٣] فكان يكتفي بقَوْل: "أَخْبَرَنِي الثِّقَة"، "قاله الثِّقَة"، "قال لي من أثِقُ بحكايته".
وفي الفَنِّ الثَّاني من المَقَالَة الأُولى، الخاصّ بأسْمَاء كُتُب الشَّرَائِعِ المُنزَّلَة على مَذْهَبِ المسلمين ومَذَاهِب أهْلِها، صَرَّحَ النَّديمُ بأنَّ ما ذكره قَرَأَهُ في "كتابٍ وَقَعَ إلَيْه قَدِيم النَّسْخ يُشْبِهُ أنْ يكونَ من خِزَانَة المأمون" [٥١:١ - ٥٤]. أَمَّا حَدِيثُه عن "التَّوْرَاة" فقد سأل عنه رَجُلًا من أفَاضِل اليَهُود [٥٤:١] واسْتَفْسَرَ عَمَّا يَخُصُّ "إنْجِيل النَّصَارَى" وما نُقِلَ منه إلى العَرَبيَّة من شَخْصِ يُعْرَفُ بـ "يُونُس القَسّ" كان فَاضِلًا [٥٦:١].
واعْتَمَدَ في الفَنِّ الثَّالِث من المَقَالَة الأُولى الخاصّ بالقُرْآن الكريم والكُتُبِ المُؤَلَّفَه فيه، فيما يَخُصُّ تَدْوين القُرْآن، على رِوَايَة ابن أبي دَاوُد السِّجِسْتَاني في "كتاب المَصَاحِف"، وهو كِتَابٌ تَلَقَّاهُ سَمَاعًا من أبي الحَسَن محمد بن يُوسُف النَّاقِط أحد مشايخه، المتوفَّى سنة ٣٦٧ هـ / ٩٧٧ م. وأَوْرَدَ ما سَجَّلَهُ
стр. 57
عن تَرْتِيب نُزُولِ القُرْآن في مُصْحَفِ عبد الله بن مَسْعُود وفي مُصْحَفِ أُبَيّ بن كَعْب من "كتاب القِرَاءَات" للفَضْلِ بن شَاذَان [٦٤:١، ٦٧]، كما أخَذَ بَعْضَ تراجم القُرَّاء من كتابي "الطَّبَقات الكبرى" لابن سَعْد و "المَعَارِف"، لابن قُتَيْبَة.
* * *
واسْتَخْدَمَ النَّدِيمُ فيما يَتَعَلَّق بتَرَاجِم النَّحْويين واللُّغويين، مَوْضُوع المقالة الثَّانِيَة، كُتُبَ تَرَاجِم لمُؤَلِّفين تَقَدَّمُوهُ مُبَاشَرَةً، مثل مُؤلَّفَات أبي جَعْفَرٍ أحمد بن محمد بن رُسْتُم بن يَزْدَيار الطَّبَرِي، المتوفَّى نحو سَنَة ٣١٠ هـ / ٩٢٢ م [١٠٢:١]، وأبي الحُسَيْن عبد الله بن محمد بن سُفْيَان الخَزَّاز، المتوفَّى سَنَة ٣٢٥ هـ / ٩٣٧ م [١: ١١١، ١٦١، ١٦٩، ٢٩٣] وأبي الطَّيِّب أحمد بن أُخَيِّ الشَّافِعِيّ، كان مَوْجودًا في أوَاسِط القَرْنِ الرَّابع الهجري [١: ١١٨، ١٢٠، ١٩١، ١٩٣، ١٩٥، ٢١٨، ٢٨٧] وأبي الفَتْح عبيد الله بن أحمد النَّحْويّ المعروف بجَخْجَحَ، المتوفَّى سَنَة ٣٥٨ هـ / ٩٦٩ م [١: ١١٤، ١٨٠، ٢١٥، ٢٣١].
وفي أحْوَالٍ قَلِيلَة تَرْجِعُ مَصَادِرُ النَّدِيم في هذه المَقَالَة إلى مُؤَلِّفين عَاشُوا فِي القَرْنِ الثَّالِث الهجري التَّاسِع الميلادي، كأبي الطَّيِّب محمد بن عبد الله اليُوسُفِيّ الكاتِب، المتوفَّى نحو سَنَة ٢٦٠ هـ /٨٧٤ م [١: ١٣٠، ٢٠٥] وأبي العَبَّاس أحمد بن يحيى ثَعْلَب، المتوفَّى سَنَة ٢٩١ هـ /٩٠٤ م.
فقد اعْتَمَدَ النَّدِيمُ على نُصُوصٍ عن بَعْضِ اللُّغويين والنَّحْوِيين وآرَائِهم وتآلِيفِهم لأبي العَبَّاس أحمد بن يحيى ثَعْلَب، مَعْرُوضَة في صُورَة مَجَالِس نَقَلَ عنها النَّدِيمُ دون أنْ يُسَمِّيَها مُعْتَمِدًا في ذلك على نُسْخَةٍ بخَطِّ الخَطَّاط الأشْهَر أبي عبد الله بن مُقْلَة، المتوفَّى سَنَة ٣٢٨ هـ / ٩٤٠ م [١: ١٠٤، ١١٢، ١٥٠، ١٥٥، ١٩٨، ٢٠٦ - ٢٠٧،
стр. 58
٢٢٥، ٢٢٦، ٢٨٦، ٣٩٢ - ٣٨٩]، وأَوْرَدَ في مَوْضِعٍ آخَر [١٤٣:١] فِقْرَةً نَقَلَها عن نُسْخَةٍ بخَطِّ ثَعْلَب، تُوجَدُ عند ياقُوت الحَمَوي الذي نَسَبَها إلى كتاب "الأمَالي" لثَعْلَب (١).
ويُوجَدُ في كتابِ "مَجَالِس العُلَمَاء" للزَّجَّاجِيّ نحو عِشْرين نَصًّا مَنْسُوبًا إلى أبي العَبَّاس ثَعْلَب، يَشْتَمِلُ نِصْفُها على حَوَادِث جَرَت بين ثَعْلَب وبين مَشايِخِه وأَقْرَانِه. وصَرَّحَ الزَّجَاجِيُّ في بَعْض المَوَاضِع أنَّه نَقَلَها عن نُسْخَةٍ بخَطِّ ثَعْلَب. وتَتَطابَق نُقُولُ الزَّجَاجِيّ عن ثَعْلَب تَقْرِيبًا مع نُقُولِ النَّدِيم، فعلى سَبِيلِ المِثَال يَتَطَابَقُ نَصٌّ مُطَوَّلٌ عند الزَّجَاجِيّ [٣٩ - ٤٠] مع نَصّ النَّدِيم [١٥٩:١ - ١٦٠].
وكان كِتَابُ "أَخْبَار النَّحْوِيين البَصْرِيين" لشَيْخ النَّدِيم أبي سَعِيد الحَسَن بن عبد الله بن المَرْزُبَان السِّيرافيِّ، المتوفَّى سَنَة ٣٦٨ هـ / ٩٧٩ م، مَصْدَرَهُ الرَّئيس في الفَنِّ الأوّل من المَقَالَة الثَّانيَة الخاصّ بأخْبَار النَّحْويين واللُّغَويين البَصْرِيين وتَتَبَّعَ حتَّى تَرْتِيبَه. ووَاضِحٌ من خِلالِ الإسْنَادِ الذي اسْتَخْدَمَهُ النَّديمُ أنَّه تَلَقَّى الكِتَابَ سَمَاعًا من شَيْخه أبي سَعِيدٍ السِّيرَافيّ في مثل قَوْلِهِ: "حَدَّثَنِي الشَّيْخ أبو سَعِيد" و "أَنْشَدَنَا القاضي أبو سَعِيد" و "قال شَيْخُنا أبو سَعِيد" [١: ١٠٤، ١١٠، ١٤٩، ١٦٥، ١٦٦]. وكان يَنْقُلُ كلامَ أبي سَعِيدٍ السِّيرَافي بمَصَادِرِه وعلى الأخَصِّ نُقُول السِّيرَافيِّ من كِتَابِ "طَبَقَات النَّحْوِيين البَصْرِيين وأخْبَارهم" لأبي العَبَّاس المُبَرِّد.
واعْتَمَدَ النَّدِيمُ كذلك على كتابي "أخْبَار النَّحْويين" و "الرَّدّ على ثَعْلَب في اخْتِلافِ النَّحْوِيين" لابن دُرُسْتَوَيْه، المتوفَّى سَنَة ٣٤٧ هـ / ٩٥٨ م [١: ١١٥، ١١٦، ١٨١، ١٩٢]، إضَافَة إلى كِتَاب "المُقْتَبَس" للمَرْزُباني.
_________
(١) ياقوت الحموي: معجم الأدباء ١١٥:١٦.
стр. 59
* * *
أمَّا أكثَرُ مادَّة المَقَالَةِ الثَّالِثَة فقد اعْتَمَدَ فيها النَّديمُ على مَصْدَرَيْن رَئيسَيْن: "الطَّبَقَات الكبرى" لمحمد بن سَعْد كاتب الوَاقِدِيّ، المتوفَّى سَنَة ٢٣٠ هـ / ٨٤٥ م (الذي سَيُعَاود الاعْتماد عليه بَعْد ذلك في المَقَالَة السَّادِسَة)، و "المَعَارف" لابن قُتَيْبَة، المتوفَّى سَنَة ٢٧٦ هـ / ٨٨٩ م، وإنْ لم يُصَرِّح به، مع الاحْتِفَاظ أَحْيَانًا بتَرْتيب وُرُود التَّرَاجم عند ابن قُتَيْبَة، وكذلك كِتَاب "التَّاريخ" لأبي بكر أحمد بن زُهَيْر بن أبي خَيْثَمَة، المتوفَّى سَنَة ٢٧٩ هـ/٨٩٢ م [١: ١١٣، ٣٤٠]، وكتاب "الأخْبار الدَّاخِلَة في التَّاريخ" لأبي القاسِم الحِجَازِيّ [٣٢٨:١، ٢: ٢٧، ٣٧] إِضَافَةً إلى قَوَائِم مُؤلَّفات هِشَامِ الكَلْبيّ والمَدَائني التي نَقَلَها من خَطِّ أبي الحَسَن بن الكوفِيّ [٣٠١:١ - ٣٠٥، ٣١٦ - ٣٢٣].
* * *
وأَوْضَحَ النَّديمُ في مُقَدِّمَة المَقَالَة الرَّابِعَة غَرَضَهُ من هذه المَقَالَة، وهو "أنْ يُبِينَ عن ذِكْرِ صُنَّاعِ أَشْعَارِ القُدَمَاء وأسْمَاءِ الرُّوَاة عنهم ولدَوَاوِينهم وأَسْمَاءِ أَشْعَارِ القَبَائِلَ ومَنْ جَمَعَها وأَلَّفَهَا"، وأن يَذْكر فيما يَخُصُّ أشْعَارَ المُحْدَثين "مِقْدَارَ حَجْم شِعْرِ كلِّ شَاعِرِ والمُكْثِر منهم والمُقِلّ" [٤٨٥:١]، وذلك ليَعْرِفَ الذي يُرِيدُ جَمْعَ الكُتُبِ والأَشْعَارِ ذلك ويكون على بَصِيرَةٍ منه. فإذا قال إِنَّ شِعْرَ فُلانٍ عَشْرُ ورَقَات، فإِنَّما عَنَى بالوَرَقَة أَنْ تكون سُلَيْمانِيَّة، ومِقْدَار ما فيها يكون عِشْرين سَطْرًا، أي في صَفْحَة الوَرَقَة، قال ذلك على التَّقْريب وبحَسَب ما رآهُ على مَرِّ الزَّمَان لا بالتَّحْقيق والعَدَدِ الجَزْم [٥٠٢:١].
وما ذَكَرَهُ النَّديمُ في هذه المَقَالَة هو من صُلْبِ عَمَل الوَرّاق، حتَّى ذَهَب بعضُ البَاحِثِين إلى أنَّه كان بسَبِيلِه لإعْدَادِ قائِمَة بَيْعٍ لما تَوَافَرَ في وِرَاقَة وَالِدِهِ مَن دَوَاوِينِ الشُّعَرَاء. ولا شَكَّ أنَّ ما ذكره في هذه المَقَالَة قد رَآهُ بنفسه حتَّى يمكن له أنْ يُحَدِّد حَجْمَه.
стр. 60
واعْتَمَدَ النَّدِيمُ في ذِكْر الشُّعَرَاءِ المُحْدَثين - الذين حَدَّدَ مَقَادِيرَ أَشْعَارِهم - على الشُّعَرَاء الذين ذَكَرَهُم محمد بن دَاوُد بن الجَرَّاح في كتاب "الوَرَقَة في أَخْبَار الشُّعَرَاء" [٥٠٩:١]، ثم أسْمَاء الشُّعَرَاء الكُتَّاب الذين ذَكَرَهُم أبو الحُسَيْن عَبْد العَزِيز بن إبراهيم بن حَاجِب النُّعْمَان في كتاب "أَشْعَار الكُتَّاب" وإِنْ تَكَرَّرَ فيه ما مَضَى من كِتَابِ "الوَرَقَة" لمحمَّد بن دَاوُد بن الجَرَّاح [٥٣١:١].
وتَضَمَّنَت هذه المَقَالَةُ في نُسْخَة المكتبة الوَطَنِيَّة الفرنسية، ذِكْرَ شُعَرَاءَ لم يَرِدُوا في دُسْتُور المؤلِّف الذي كَتَبَه بخَطِّه، هي من زِيَادَات نُسْخَة الوَزِير المَغْرِبي، بَعْضُها لشُعَرَاء تُوفُّوا بعد الأرْبع مِائَة مثل: أبي نَصْر بن نُبَاتَةِ التَّمِيميّ أَحَد شُعَرَاء سَيْفِ الدَّوْلَة [٥٤٣:١].
* * *
ويُقَدِّمُ لنا الفَنُّ الأوَّل من المَقَالَة الخَامِسَة، الذي أَفْرَدَهُ النَّدِيمُ لعُلَمَاء المُعْتَزِلَة المُصَنِّفين مَعْلُومَات جَدِيدَة بالفِعْل، وللأسَفِ فإنَّ هذا الفَنّ لم يُحْفَظ بطَرِيقَةٍ جَيِّدَةٍ ووَصَلَ إلينا في نُسْخَةٍ وَحِيدَةٍ سَقَطَ منها كُرَّاسَةٌ كَامِلَةٌ (عَشْر وَرَقَات) احْتَفَظَت قِطْعَةٌ من "الفِهْرسْت" (نُسْخَة تُونك بالهِنْد) بقِسمٍ ممَّا كان فيها.
ولكن لا شَكَّ أنَّ النُّسْخَة، أو النُّسَخ، التي كانت في حَوْزَة كلٍّ من ابن أنْجَب السَّاعِي والذَّهَبِيّ وابن حَجَرٍ العَسْقَلانيّ كانت أكْمَلَ من النُّسْحَة التي وَصَلَت إلينا، فيُقَدِّمُ لنا ابن أنْجَبَ والذَّهبيّ، نَقْلًا عن"الفِهْرِسْت"، قَوَائِمَ لمؤلَّفَات مُصَنِّفين من رِجَالِ المُعْتَزِلَة لا تُوجَدُ فيما وَصَلَ إلينا من نُسَخ "الفِهْرسِت" مثل: قَائِمَةِ مُؤلَّفات أبي علي الجُبَّائي التي انْفَرَدَ بها ابن أَنْجَبَ السَّاعِي [٦٠٦:١ - ٦٠٨]، وتَرَاجِم أبي يَعْقُوب الشَّحَّام صَاحِب أبي الهُذَيْل العَلَّاف، ومحمد بن عيسى
стр. 61
بَرْغُوث تِلْمِيذ النَّظَّام، وبِشْر المَرِيسِيّ مُعَاصِر الخَلِيفَة المأمُون [٦٠٨:١ - ٦٠٩] التي نَقَلَها عنه الذَّهَبِيّ.
فالمَعْلُومَاتُ التي يُورِدُها النَّديمُ، وعلى الأخَصّ قَوَائم كُتُبِ مُصَنِّفي المُعْتَزِلَة، لا نَجِدُها حتى في كُتُبِ طَبَقَاتِ المُعْتَزِلَة، مثل كتاب "فَضْلِ الاعْتِزَال وطَبَقَاتِ المُعْتَزِلَة" للقاضي عبد الجَبَّار بن أحمد الهَمَدَاني، المتوفَّى سنة ٤١٥ هـ / ١٠٢٤ م، وهو أَقْدَمُ وأهمُّ كتابٍ وَصَلَ إلينا في تراجم رِجَال المُعْتَزِلَة، ممَّا يَدْفَعُنَا إِلَى التَّسَاؤل عن المَصْدَرِ الذي اسْتَقَى منه النَّديمُ هذه المَعْلومُات، الذي رُبما كان مُؤَلِّفًا لأبي الحُسَيْن الخَيَّاط أو كِتَابَ "مَحَاسِن خُرَاسَان" لأبي القَاسِمِ البَلْخِيّ، مَصْدَرَ النَّديم الرَّئيس في هذا الفَنّ. وبما أنَّ النَّديمَ نفسه كان مُعْتَزِلِيًّا فإِنَّ لما ذَكَرَهُ أَهَمِّيَّةً خاصَّةً، فَطَرِيقَةُ تَنَاوُله للمَدْرَسَة الاعْتِزَالية يَخْتَلِفُ بَعْضَ الشيء عن ما نَجِدُه لدى المُتَكَلِّمين الذين تَرْجَمُوا لرِجَال المُعْتَزِلَة، فنَجِد عنده مَكانًا لرِجَالٍ لم يُذكروا في كُتُبِ طَبَقَاتِ المُعْتَزِلَة أَمْثَالَ: ضِرَار بن عَمْرو وأبي عيسى الوَرَّاق وابن الرَّوَنْديّ والنَّاشئ الكبير.
وحَاوَلَ النَّديمُ أَنْ يَتَنَاوَلَ في هذا الفَنِّ - كما جَاءَ فِي عُنْوَانِهِ - مُصَنِّفي المُعْتَزِلَة والمُرْجِئَة، وهو ما لا نَجِدُهُ مجتمعًا تَقْرِيبًا لدى أحَدٍ من المُؤَلِّفين المتأخِّرين، وقَصَدَ النَّديمُ بذلك أنْ يذكر مجموعةً من مُتَكَلِّمِي البَصْرَة الذين عَاشُوا في الأَسَاسِ بالقُرْبِ من المُعْتَزِلَة، وإنْ لم يُحَدِّد لنا للأسف، على وَجْهِ الدِّقَةَ، مَنْ هم الرَّجَال الذين أرَادَ أَنْ يَذْكُرَهُم تحت المُرْجِئَة المُصَنِّفين؟ لأنَّ هذه المَدَاخِل لم تَصِل إلينا. ويَذْهَبُ العَلامَةُ يوسف فان إس JOSEPH VAN ESS إلى أنَّه من الممكن أنْ نُفَكِّرَ في أفْرَادٍ مثل: أبي شَمِر الحَنَفي ومُوَيْس بن عِمْرَان ومحمَّد بن شَبِيبٍ البَصْريّ، الذين كانوا مُرْجِئَةً قَدَرِيَّةً (١).
_________
(١) JOSEPH VAN Ess، Die Mu'tazilitenbio - graphien im Fihrist und die mu'tazilitische biographische Tradition، p.٣.
стр. 62
ومن بَين المُرْجِئَة القَلِيلين الذين ذَكَرَهُم النَّديمُ نَجِدُ مُتَكَلِّما كان مَنْسِيًّا تَقْرِيبًا هو حُمَيْدُ بن سَعِيد بن بَخْتَيَار [٦٠٩:١] الذي كان في خِلالِ مِحْنَةِ خَلْقِ القُرْآن على اتِّفَاقٍ سِيَاسِيّ ضِدّ المُشَبِّهَة ومع خَلْقِ القُرْآن، وإنْ عُدَّ في عَهْدِ الخَلِيفَة المُعْتَصِم شُعُوبِيًّا زِنْدِيقًا.
ونَظَرًا لأنَّ النَّديمَ كان بَغْدَادِيًا فإنَّه لا يُقَدِّمُ لنا مَعْلُومات مُؤَكَّدَة إِلَّا عن مُعْتَزِلَة بغْدَاد. وهو لا يَذْكُر لنا إِطْلاقًا في هذا الفنّ المَصْدَرَ الذي اسْتَمَدَّ منه مَعْلُومَاته، والمَصْدَرُ الوَحِيدُ الذي يُحِيلُ إليه هو كِتَابُ "مَحَاسِن خُرَاسَان" لأبي القَاسِم البَلْخِيّ، ولم يَعْتَمِد على كِتابِه الآخَر "المَقَالات" لأنَّه - كما يَتَّضح من عُنْوانه - يَشْتَمِلُ على مَعْلُومَات كلامِيَّة، ولم يُوَجِّه النَّديمُ اهْتِمَامه إلى مَسَائِل من هذا النَّوْع. والمَعْلُوماتُ التي يَسُوقها البَلْخِيُّ أَخَذَهَا في الأغْلَب عن أبي الحُسَيْن الخَيَّاط، أحد مُعْتَزِلَة بَغْدَاد الذي الْتَقَاهُ في بَلْخ.
وكَتَبَ بعد النَّديم بنحو ثَلاثَة عُقُودٍ القاضي عبد الجبَّار بن أحمد المُعْتَزِلي، رأس الطَّبَقَة الحادية عَشَرَة من رجال المُعْتَزِلَة، أوَّلَ كِتاب في طَبَقَاتِ المُعْتَزِلَة وَصَلَ إلينا، ومن الغَرِيب أنَّ القاضي عبد الجبَّار لا يُشيرُ إطْلاقًا إلى كِتابِ "الفِهْرِسْت" وإلى الفَصْلِ المُهِمّ الذي عَقَدَهُ النَّدِيمُ عن مُصَنِّفي المُعْتَزِلَة.
وهكذا يَسْتَمِدُّ الفَضْلُ الذي عَقَدَهُ النَّديمُ عن المُعْتَزِلَة أَهَمِّيَّتَهُ كَمَصْدَر مُتَمَيِّزٍ في مَعْرِفَة أَسْمَاءِ الكُتُب، وإنْ كنَّا نَجْهَلُ حتَّى الآن من أَيْنَ اسْتَمَدَّ هذه القَوَائِم.
واعْتَمَدَ النَّديمُ فيما ذَكَرَهُ عن أخْبَار الزُّهَّاد والعُبَّاد والمُتَصَوِّفَة المتكلِّمين على ما قَرَأه بخَطّ أبي محمد جَعْفَر بن محمَّد بن نصير الخُلْدِيّ، المتوفَّى سَنَة ٣٤٨ هـ / ٩٥٩ م، وأضَافَ أنَّه سَمِعَه يَقُول ما قرأه بخَطِّه [٦٥٥:١].
стр. 63
ومن أهَمِّ فُنُونِ المَقَالَة الخَامِسَة كذلك ما ذَكَرَهُ النَّديم عن مَذَاهب الإِسْمَاعِيلِيَّة وأخْبَار الحَلَّاج. فقد اعْتَمَدَ في ذكر مَذَاهِب الإسْمَاعِيليَّة على كتاب أبي عبد الله بن رِزْام الذي رَدَّ فيه على الإسْمَاعِيلية وكَشَفَ مَذَاهِبهم [٦٦٦:١ - ٦٦٩]، وهو مَصْدَرٌ اعْتَمَدَ عليه كلٌّ من ابن القَارِح في "رسالته" ومحمود بن محمد الملاحِمي في كتاب "المُعْتَمَد في أصول الدِّين" وسَمَّوا مُؤلِّفَه أبا عبد الله محمَّد بن عليّ بن زَيْد المعروف بابن رِزَام الطَّائي الكوفيّ. وفُقِدَ هذا المَصْدَرُ منذ زَمَنٍ، فمؤرِّخُ مصر الإسلامية الشَّهير تَقِيّ الدِّين أحمد بن علي المَقْريزي، المتوفَّى سَنَة ٨٤٥ هـ / ١٤٤٢ م، اعْتَمَدَ في ذكر ما قيل في أنْسَابِ الخُلَفَاء الفاطِميين، في كتابه "اتِّعَاظ الحُنَفَا"، على مجلَّدٍ وَقَفَ عليه يَشْتَمِلُ على بِضْعٍ وعِشْرين كرَّاسَة في الطَّعْنِ على أنْسَابِ الخُلَفَاء الفاطميين تأليف الشَّريف أخي مُحْسِن، ثم أضَافَ بعد ذلك على هَامِش نُسْخَته المكتوبة بخَطّه والمَحْفُوظة الآن بمكتبة غوطا بألمانيا: "وقد غَبَرْتُ زَمَانًا أظُنُّ أنَّه قائِلٌ ما أنا حَاكِيه حتَّى رأيتُ محمَّد بن إسْحَاق النَّديم في كتاب "الفِهْرِسْت" ذَكَرَ هذا الكلام بنَصِّه وعَزَاهُ إلى أبي عبد الله بن رزَام وأَنَّه ذَكَرَهُ في كتابِه الذي رَدَّ فيه على الإِسْمَاعِيليَّة". ونُسْخَةُ "الفِهْرِسْت" التي رآها المَقْريزيّ هي نفسها نُسْخَةُ الأصْل المحفوظَة في مكتبتي شيستربيتي وشهيد علي باشا [فيما يلي ١٠٦ - ١٠٧].
والنَّديم هو أَوَّلُ من ذَكَرَ أنَّ أكثرَ الكُتُب المُصَنَّفَة في عَقَائِد الإِسْمَاعِيلية مَنْسُوبَةٌ إلى الدَّاعِي عَبْدَان وأَنَّ كُلَّ مَنْ عَمِلَ كتابًا نَحَلَهُ إِيَّاه [٦٦٧:١، ٦٧١]، ووَقَفَ على "فِهْرِسْت" يحتوي على ما صَنَّفَهُ من الكُتُب وإِنْ أَضَافَ أَنَّ ما ذَكَرَهُ من أسْمَاء هذه الكُتُب بُلْغَة هي الموجودة والمُتدَاوَلَة، أمَّا باقي ما في "الفِهْرِسْت" فقَلَّ ما رَآهُ أو عَرَّفَهُ إِنْسَانٌ أَنَّه رَآه [٦٧٢:١] وذلك لأنَّ كُتُبَ الإِسْمَاعِيلِيَّة كانت مَسْتُورَةً منذ بدايَات المَذْهَب. وانْتَقَدَ النَّدِيمُ "البَلاغَاتِ السَّبْعَة" للإِسْمَاعِيلية، وهي التي سَمَّاهَا المَقْريزيُّ "مَنَازِل الدَّعْوَة"، وقال: "قد قَرَأْتُه ورَأَيْتُ فِيهِ أَمْرًا عَظِيمًا من إباحَة المَحْظُورَات والوَضْعِ من الشَّرَائِع وأصْحَابِها"، [فيما يلي ٦٧٢:١].
стр. 64
أمَّا ما ذَكَرَهُ النَّديمُ عن الحَلَّاج، أبي مُغِيث الحُسَيْن بن مَنْصُورٍ، المَقْتُول حَرْقًا سنة ٣٠٩ هـ / ٩٢١ م، فيُعَدُّ أَهَمَّ تَرْجَمَةٍ وَصَلَت إِلَيْنَا للحَلَّاج بما تَضَمَّنَه من مَعْلُومات وما ذكره من أَسْمَاء مُؤلَّفاته وعَنَاوِينها، اعْتَمَدَ فيها على ما ذكرهُ أبو الحُسَيْن عُبَيْد الله بن أحمد بن أبي طَاهِر طَيْفُور، المتوفَّى سَنَة ٣١٣ هـ / ٩٢٥ م، في كتاب "أَخْبَار بَغْدَاد" [٦٧٥:١ - ٦٧٧] وعلى ما أَوْرَدَهُ أبو الحَسَن ثَابِتُ بن سِنَان، المتوفَّى سَنَة ٣٦٥ هـ / ٩٧٦ م، في كتاب "التَّاريخ" [٦٧٧:١ - ٦٧٨] إضَافَة - بالطَّبْع - إلى القائِمَة الكامِلَة بمُؤَلَّفَات الحَلَّاج [٦٧٨:١ - ٦٧٩] التي اعتمد عليها كُلُّ من جَاءُوا بعده.
ونَقَلَ النَّديم القائِمَة المُطَوَّلَة بمُؤلَّفات أبي النَّصْر محمد بن مَسْعُود العَيَّاشِي، أحَدٍ فُقَهَاءِ الشِّيعَة الإمَامِيَّة، المتوفَّى نحو سنة ٣٢٠ هـ / ٩٣٢ م، من كِتابٍ كَتَبَ به أبو محمد جُنَيْد بن محمد بن نُعَيْم إلى أبي الحَسَن عليّ بن محمد العَلَوي كانت في آخِره نُسْخَةُ ما صَنَّفَ العَيَّاشي، ذَكَرَها بالتَّرْتِيب الذي ذكرهُ به صَاحِبُها [٦٨٤:١ - ٦٨٧].
* * *
واكْتَسَبَت المَقَالَةُ السَّابِعَةُ من الكِتاب أهَمِّيَّةً كبيرَةً لدى الذين اهْتَمُّوا بحَرَكَة التَّرْجَمَةِ والنَّقْلِ عند المُسْلِمين وتَطَوُّر عُلُوم الفَلْسَفَة والرِّياضِيَّات والطِّب، فيُقَدِّمُ لنا فيها النَّديمُ أَفْضَلَ عَرْضٍ يُوَضِّحُ لنا كَيْفِيَّة انْتِقَالِ الثَّقَافَة اليُونَانية إلى العَرَبِ والمُسْلِمين، وأهَمَّ الإسْهَامَات التي أضَافَها المُسْلِمُون والعَرَبُ في مَجَالات العُلُوم. فَتَرْجِعُ أَهَمِّيَّةُ التَّرْجَمَات العَرَبِيَّة للأصُولِ اليُونَانِيَّة إِلى فَقْدِ أغْلَبِ أصُولها اليُونانِيَّة التي لم يَبْق منها سوى هذه التَّرْجَمَات العَرَبِيَّة أو ما أُقِيمَ عليها من تَرْجَمَات إلى لُغَاتٍ أُخْرَى مثل العِبْرِيَّة واللَّاتينِيَّة، الأمْرُ الذي يَجْعَل
стр. 65
من هذه النُّصُوص العَرَبِيَّة المُتَرْجَمَة مَصْدَرًا مُزْدَوَجًا للفِكْر العَرَبِيّ والفِكْر اليُونَانِيّ (١).
فيَبْدَأ الفَنُّ الأوَّل من هذه المَقَالَة بعَرْضٍ لبِدَايَة معرفة النَّاس بالعِلْم بالماضِي من أَحْوَالِ الدُّنْيَا وحَال سُكَّانها ومَوَاضِع أَفْلاك سَمَائها وطُرُقها ودَرَجِها وكيفية مَعْرِفَة العُلَماء بذلك ووَضْعِه في الكُتُب، نَقْلًا من كتاب "النَّهْمُطان في المَوَالِيد" لأبي سَهْل الفَضْل بن نَوْبَخْت [٢: ١٣١ - ١٣٣]، ثم حِكَايَة أخرى في المَوْضُوع نفسه نَقْلًا من كتاب "اخْتِلاف الزِّيَجات" لأبي مَعْشَر جَعْفَر بن محمد البَلْخِيّ، [٢: ١٣٥ - ١٣٧] ثم يَرْوِي خَبَرًا حَدَّثَه به الثِّقَةُ، الذي لم يُصَرِّح باسْمِه على طُول كِتابِه، وأكَّدَه بما شَاهَدَهُ هو بنَفْسِه من أنَّ أبا الفَضْل بن العَمِيد أَنْقَذَ فِي سَنَة نَيِّفٍ وأرْبَعِين وثَلاث مِائَة كُتُبًا أصِيبَت بأصْبَهَان مكتوبةً باليُونَانِيَّة ومنها شيءٌ عند شَيْخه أبي سُلَيْمان السِّجِسْتَاني!
وأَوْرَدَ بعد ذلك خَبَرًا عن نَقْلِ الدَّوَاوين إلى العَرَبِيَّة يَتَّفقُ مع ما ذكرهُ البَلاذُرِيّ، رِوَايَةً عن عليّ بن محمَّد المَدَائِني، في "فُتُوح البُلْدَان" والجَهْشَيَارِي في "الوُزَرَاء والكُتَّاب". وذكر كذلك خَبَرًا عن هَيْكَلٍ قَديمٍ كان ببَلَدِ الرُّوم كانت به من الكُتُب القَدِيمَة ما يُحْمَل على عِدَّة أحْمَال، سَمِعَهُ من أبي إِسْحَاق بن شَهْرَام يُحَدِّثُ به في مَجْلِسٍ عَام [٢: ١٤٣]، ويذكر كذلك عن أبي القاسِم عيسى بن عليّ بن عيسى، الذي رَجَّحْتُ أنَّه الشَّخص الذي ألَّفَ له النديم "الفِهْرِسْت"، خَبَرَ سَلَّام والأبْرَش من النَّقَلَة القُدَمَاءِ اللذَيْن نَقَلَا كتاب "السَّمَاعِ الطَّبِيعي" لأرِسْطَاطالِيس.
_________
(١) عبد الرحمن بدوي: أرسطو عند العرب - دراسة ونصوص غير مَنشُورَة، القاهرة - مكتبة النهضة المصرية ١٩٤٧، ١ - ٧ - ٨.
стр. 66
وواضِحٌ ممَّا وَرَدَ في هذه المَقَالَة أنَّ النَّدِيمَ اسْتَمَدَّ بَعْضَ مَعْلُومَاته فيها من مُجَالَسَة العُلَمَاء، وعلى الأخَصِّ مَجْلِس أبي القَاسِم عيسى بن عليّ، فيَذْكُر أَنَّه سَأَلَ أبا الخيَرْ الحَسَن بن سَوَّار بن الخَمَّار بحَضْرَة أبي القَاسِم عيسى بن عليّ عن أوَّلِ من تكلَّمَ في الفَلْسَفَة، فأجَابَهُ بما سَجَّلَه في كتابه [٢: ١٥٢ - ١٥٣].
واعْتَمَدَ النَّديمُ في هذه المقالة على الكثير من الكُتُبِ اليونانية المَنْقُولَة إلى العربية والتي كانت شَائِعَةً دون شَكّ في بَغْدَاد في ذلك الوَقْت، مثل: كتاب "مَرَاتِب قِرَاءَة كُتُبِ فلاطُن وأسْمَاء ما صَنَّفَه" لثَاوُن THEON ، وكتاب "الآرَاء الطَّبِيعِيَّة" لفلُوطَرْخُس PLUTARCHUS وكتاب "أخْبَار أرِسْطاطالِيس" لبَطْلَمْيوس الغَرِيب، إضَافَةً إلى "تاريخ الأطبَّاء والفَلاسِفَة" لإسْحَاق بن حُنَيْن بخَطِّه.
ووَجَد النَّديمُ تَسْمِيَة مَنْ فَسَّرَ كُتُبَ أَرِسْطاطالِيس في المَنْطِق وغيره "على ظَهْر جزءٍ بخطٍّ عَتِيق" [٢: ١٨٢].
أمَّا أبو زكريا يحيى بن عَدِيّ فذَكَرَ النَّدِيمُ أنَّه انْتَهَت إليه رِئَاسَةُ أَصْحَابه في زَمَانه، وكان يَلْتَقي به في سُوقِ الوَرَّاقين وكان كثيرَ نَسْحَ الكُتُب وكَتَبَ من كُتُبِ المتكلِّمين ما لا يُحْصَى، وذَكَرَ له أنَّه كان يَكْتُبُ في اليوم واللَّيْلَة مِائَة وَرَقَة وأقلّ، [٢: ٢٠٢] وقد نَقَلَ النَّديمُ من خَطِّه فَوَائِد في مَوَاضِع مُتَعَدِّدَة [٢: ١٧٨] وعلى الأخَصّ من "فِهْرِسْت كُتُب أرِسْطاطالِيس" [٢: ١٦٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧١].
وتَحَدَّثَ النَّديمُ في أوَّل الفَنِّ الثَّاني، الخاصّ بالمُهَنْدِسين والأرِثْمَاطِيقيين وصُنَّاع الآلات وأصْحابِ الحِيَل، عن كتاب "أصُول الهَنْدَسَة" لأُقْلِيدس وذَكَرَ أَنَّه رأى منه المَقَالَة العَاشِرَة بنَقْلِ أبي عُثْمَان الدِّمَشْقِيّ بالمَوْصِل في خِزَانَة علي بن أحمد العِمْرَانيّ [٢: ٢٠٨]، ثم حَدَّثَه نَظِيفُ القَسَّ الرُّوميّ المُتَطَبِّب أَنَّه رأى المَقَالَة العَاشِرَة رومي، وهي تَزيدُ على ما في أيْدِي النَّاس أرْبَعين شَكْلًا، والذي بأيْدي النَّاس مِائَة وتسعة أشْكال وأنَّه عَزَم على إخْرَاج ذلك إلى العَرَبي [٢: ٢٠٩] ثم أَوْرَدَ ما ذكره
стр. 67
الكِنْديُّ في رسالته في "أغْرَاض كتاب أُقْليدس" وأنَّ الذي ألَّفَه في أوَّل الأمْر رَجُلٌ يُقالُ له أبولُّونْيُوس النَّجَّار ثم قام بإصْلاحِه أُقْلِيدِس في عَهْد بعض ملوك الإسكندرانيين (البَطَالِمَة) فنُسِبَ إليه، ووَجَدَ بعد ذلك إِبِسْقِلاوُس - تِلْمِيذ أُقْلِيدِس - المقالتين الرَّابِعَة عَشْرَة والخَامِسَة عَشْرَة فَأَهْدَاهُما إلى الملك وانْضَافَتا إلى الكتاب [٢: ٢١٠]. وهو نَصٌّ مهمٌّ اقْتَبَسَهُ كذلك عن الكِنْدِيّ كلٍّ من ابن جُلْجُل وصَاعِد الأنْدَلُسِيُّ والقِفْطي.
ومن مَصَادِرِه كذلك في هذا الفَنّ ما ذَكَرَهُ بنو مُوسَى عن أَبُولُّونْيُوس وكتابه في "المَخْرُوطات".
وكان مع النَّديم فَوَائد كتبها بخَطِّه جَعْفَر بن الخَلِيفَة المُكْتَفِي أَفَادَ منها نَقْلًا عن محمد بن الجَهْم البَرْمَكِيّ أَنَّ "كِتَابَ المَدْخَل" المَنْسُوب لأبي مَعْشَر البَلْخِيّ ليس له وإنَّما هو لسَنَدِ بن عليّ [٢: ٢٣٨ - ٢٣٩].
ومن أهَمِّ مَصَادِر النَّديم في الفَنِّ الثَّالِث، الخاصّ بأخْبَار المُتَطَبِّبين القُدَمَاء والمُحْدَثين، كتابُ "تاريخ الأطِبَّاء والفَلاسِفَة" لإسْحَاق بن حُنَيْن، وهو أَوَّلُ كتابٍ في الإسلام أفْرَدَهُ مُؤلِّفٌ لتَرَاجم الأطِبَّاء والفَلاسِفَة [٢: ٢٦٧]. أمَّا ما نَقَلَه عن يحيى النَّحْوي (يُوحَنَّا فيلُوبُونُس جرَامَاتيكوس) فيَبْدُو أنَّه من خِلالِ كِتاب إسْحَاق بن حُنَيْن، فهو من مَصَادِره، وإنْ كان هذا لا يَمْنَع أن يكون النَّديمُ قد رَجَعَ مُبَاشَرَةً إلى "تاريخ" يحيى النَّحوي [٢: ٢٧١، ٢٨٦].
واطَّلَعَ النَّديمُ على "فِهْرِسْت كُتُب جالينُوس الذي عَمِلَه حُنَيْنُ بن إِسْحَاق إلى عليّ بن يحيى بن المُنَجِّم" [٢: ٢٧٧، ٢٩١]. ونَقَلَ قَائِمَة كُتُب فيلَغْريُوس على ما رآه مُثْبَتًا بخَطِّ عَمْرو بن الفَتْح في آخِر جزءٍ [٢: ٢٨٢]. أما ما صَنَّفَه محمد بن زكريّا الرَّازي فقد نَقَلَه من "فِهْرِسْت كُتُب الرَّازِي" [٣٠٧:٢ - ٣١٣]. وأشَارَ كذلك [٢: ٢٨٨ - ٢٨٩] إلى كتابٍ بخَطٍّ ثَابِت بن قُرَّة فيه ذكر الأطِبَّاء الذين خَلَفُوا بُقْرَاط.
стр. 68
أمَّا المَقَالَةُ الثَّامِنَةِ التي خَصَّصَها لكُتُب الأسْمَار والخُرَافَات فَوَاضِحٌ أَنَّ أَسْمَاء الكُتب الوَارِدَة بها تُعبِّر عن ما كان مُتَدَاوَلًا في سُوقِ الوَرَّاقين ببَغْدَاد، ولم يكن النَّديمُ بحَاجَةٍ إلى نَقْلها من أي مَصْدَر.
* * *
وتَخْتَلِفُ المادَّةُ التي تشتمل عليها المَقَالَةُ التَّاسِعَةُ، الخَاصَّة بالمَذَاهِب والاعْتِقَادَات القَدِيمَة، في طَرِيقَة عَرْضِها عن بَقِيَّة مادَّةِ الكتاب، وتَطَلَّبَت من النَّديم الرُّجُوعَ إلى مَصَادِر غير تَقْلِيدِيَّة لم يَعْتَمِد عليها إِلَّا المُؤَلِّفُون الذين اهْتَمُّوا بدِرَاسَة العَقَائِد القَدِيمَة والفِرَقِ غير الإسلامية مثل: القاضي عبد الجَبَّار والبِيرُوني. وتُقَدِّمُ لنا هذه المَقَالَةُ بالفِعْل مَادَّةً غَنِيَّةً لا تُوجَدُ في أيّ مَصْدَرٍ آخَر، فقد اعْتَمَدَ فيها النَّديمُ على المُؤَلَّفات الأصْلِيَّة للصَّابِئَة الحَرْنَانِيين، وعلى مُؤلَّفات مَاني نفسه التي عَرَضَ فيها عَقِيدَة المانَوِيَّة وَشَرائِعَهم، وكذلك على مَصَادِر لم تَصِل إلينا عن المَرْقِيونِيَّة والدَّيْصانِيَّة والمَزدَكية والخُرَّمِيَّة البَابَكِيَّة.
فاعْتَمَدَ النَّديمُ في عَرْضِه لمَذْهَب الحَرْنانِيَّة أَوَّلًا على ما نَقَلَهُ من خَطِّ أحمد بن الطَّيِّب السَّرَخْسِي رِوَايَةً عن أستاذه الكِنْدِيّ، ورُبَّما كان ذلك من رسالته في "وَصْفِ مَذَاهِب الصَّابِئِين" التي اعتمد فيها على كتاب أسْتَاذِه الكِنْدِي الذي ذكر فيه "مَذَاهِب الصَّابِئَة الحرَّانيين (الحَرْنانيين) " [٢: ٣٥٧ - ٣٦١]، وهو كتابٌ رآه المَسْعُودي ونَقَلَ منه في "مُرُوج الذهب" (١). وخَتَمَ هذا العَرْض بذكر قَوْلِ الكِنْدِيّ: إِنَّه نَظَرَ في كتابٍ يَقْرَأه هؤلاء القَوْم، وهو "مَقَالات لهِرْمِس في
_________
(١) المسعودي: مروج الذهب ٣٩٤:٢.
стр. 69
التَّوْحِيد" كتبها لابنه على غَايَة من التَّقَايَة في التَّوْحِيد، لا يجد الفَيْلَسُوفُ إِذَا أَتْعَبَ نفسه مَنْدُوحَةً عنها والقَوْل بها [٢: ٣٦٢].
ثم نَقَلَ رِوَايَةً أخرى عن مَوْقِفِ الخَلِيفَة المأمُون من الحَرْنَانِيَّة الذين الْتَقَاهُم بدِيار مُضَر وهو في طريقه لبلاد الرُّوم للغَزْو، من كتاب "الكَشْفِ عن مَذَاهِبٍ الحَرْنَانِيين" المعروفين في عَصْره بالصَّابِئَة لأبي يُوسُف إيشَع القَطِيعيّ النَّصْرَانِيّ، وهو مُؤَلِّفٌ عَاشَ في القَرْن الثَّالِث الهجري التّاسع الميلادي، لم يَذْكُرْهُ سِوى النَّديم [٢: ٣٦٢ - ٣٦٥].
أمَّا أَعْيَادُ الصَّابِئَة وأَسْمَاءُ قُرْبانَاتهم فقد نَقَلَها من خَط أبي سَعِيد وَهْب بن إبراهيم بن طازَاد الكاتب النَّصْرَاني، كاتب المُطِيع الله، وقد سَبَقَ أَنْ تَرْجَمَ له في المَقَالَة الثَّالِثَة [١: ٤٠٥] وهو نَقْلٌ مُطَوَّلٌ خَتَمَهُ بقوله: "فهذا آخر ما كَتَبْنَاه من خَطّ أبي سَعِيد وَهْب" [٢: ٣٦٦ - ٣٧٣]. ونَقَلَ مَا ذَكَرَهُ عن آلِهَة الْحَرْنَانِيين خَطّ شَخص لم يُسَمِّه [٢: ٣٧٣ - ٣٧٤]. كذلك أوْرَدَ بعض مقالاتهم وبِدَعِهم القديمة رِوَايَةٌ عن الثِّقَة الذي لم يُصَرّح النَّديمُ باسْمِه على امتداد صفحات كتابه [٣٧٤:٢].
ونَقَلَ النَّديمُ أَسْرَارَ الصَّابِئَة الخَمْسَة من جُزْءٍ وَقَعَ له نَقَلَهُ بَعْضُ النَّقَلَة من كُتُبِهِم [٣٧٥:٢ - ٣٧٧]، وذَكَرَ أنَّ "النَّاقِل لهذه الأسْرَار الخَمْسة كان عَفْطِيًّا غير فَصِيح بالعَرَبِيَّة، أو أرَادَ بنقلها على هذا النَّسيج والرَّدَاءَة الصِّدْقَ عنهم والتَّحَرِّي لألْفَاظهم فتَرَكها على حالها في بُعْدِ الائْتِلاف وتَقَطُّع الكلام" [٣٧٨:٢].
وأشَار النَّديمُ في خِتَام هذا الفَصْل إلى كِتابٍ سُرْياني فيه أَمْرُ مَذَاهبهم وصَلَوَاتهم أَمَرَ بنَقْله إلى العربية هارون بن إبراهيم بن حَمَّاد القاضي، وهو كِتَابٌ موجودٌ كثيرٌ بأيدي النَّاس في عَصْرِه ويُغْني عن كثيرٍ من الكُتُبِ المعمولة في مَعْنَاه [٢: ٣٧٨].
ويَسْتَمِدُّ الفَصْلُ الذي عَقَدَهُ النَّديمُ عن مَذَاهِب المَنَّانِيَّة أَهَمِّيَّتَه من أصَالَة المَصَادِر التي اعْتَمَدَ عليها، وكُلَّها مُؤلَّفات مَاني نفسه التي كانت قد نُقِلَت إلى
стр. 70
العربية منذ زَمَنٍ مُبَكِّر ونَقَلَ أغْلَبَها عبد الله بن المُقَفَّع، المتوفَّى سَنَة ١٤٥ هـ / ٧٦٢ م. سَوَاءً عند حديثه عن سيرة ماني التي اعْتَمَد فيها على "كتاب الشَّابُرْقان" لماني وقَوْله في صِفَة القديم وبناء العَالَم والحُرُوب التي كانت بين النُّور والظُّلْمَة، وهو نَصٌّ أَوْرَدَه كذلك محمود بن محمد الملاحِمِي في كتاب "المُعْتَمَد في أصُولِ الدِّين" ونَسَبَهُ إلى المتكلِّم أبي عيسى الوَرَّاق.
أَمَّا حَدِيثُه عن ابْتِدَاء التَّنَاسُل على مَذْهَب ماني فمُسْتَمَدٌّ من كتاب "سِفْر الجَبَابِرَة"، وحَدِيثُه عن صِفَة أَرْض النُّور وصِفَة أرْض الظُّلمة فمأخُوذٌ على الأرْجَح من كتاب "سِفْر (كَنْز) الأحْيَاء"، الذي وَصَفَ فيه ماني عالَم النُّور وعَالَم الظُّلْمَة. [٢: ٣٨٩ - ٣٩٠]. أمَّا عَرْضُه للشَّرِيعَة التي جَاءَ بها مَاني والفَرَائِض التي فَرَضَها فمأخُوذٌ من كتابَيْ "فَرَائِضِ السَّمَّاعِين" و "فَرَائِض المُجْتَبين" [٢: ٣٩٠ - ٣٩٣].
واعْتَمَدَ النَّدِيمُ في ذِكْر أَسْمَاء رُؤسَاء المتكلِّمين الذين يُظْهرون الإسلامَ ويُبْطِنُون الزَّنْدَقَة [٢: ٤٠٤ - ٤٠٥] على كتاب "الآرَاء والدِّيَانَات" للنَّوْبَخْتِي، فهي تَتَّفِقُ مع ما أوْرَدَهُ القاضي عبد الجَبَّار في كتاب "المُغْنِي في أبْوَاب التَّوْحيد والعَدْل" نَقْلًا عن النَّوْبَخْتي وعن أحمد بن الحَسَن المِسْمَعيّ المعروف بابن أخي زُرْقان.
ورُبَّما يكون ما أَوْرَدَهُ النَّديمُ عن الدَّيْصَانِيَّة والمَرْقِيُونِيَّة وكذلك مَقالات بَقِيَّة الفِرَق [٢: ٤٠٦ - ٤١٤] نَقْلًا عن كتابي "سِفْر الأسْرَار" و "سِفْر (كَنْز) الأَحْيَاء" لماني، فقد ذَكَرَ المَسْعُوديّ أنَّ ماني أفْرَدَ للدَّيْصانِيَّة بابًا في كتابه "سِفْر الأسْرَار" وأَفْرَدَ للمَوْقِيُونِيَّة بابًا في كتاب "سِفْر الأحْيَاء" [التنبيه والإشراف ١٣٥].
أمَّا أَسْمَاءُ الفِرَق التي كانت بين عيسى، ﵇، والنَّبِيّ محمد ﷺ فقد نَقَلها النَّديمُ من كتاب "الرَّدِّ على النَّصَارَى" للقَحْطَبِي [٢: ٤١٤].
ووَاضِحٌ مما ذَكَرَهُ النَّديمُ أَنَّه لَخَّصَ ما أَوْرَدَهُ عن مَذَاهِب الخُرَّمِيَّة والمَزْدَكِيَّة من كتاب "عُيُون المَسَائِل والجَوَابَات" لأبي القَاسِم البَلْخِيّ، فقد خَتَمَ هذا الفَصْل
стр. 71
بقوله: "وقد اسْتَقْصَى البَلْخِيُّ أَخْبَارَ الخُرَّمِيَّة ومَذَاهِبَهم وأَفْعَالَهم في شُرْبهم ولَذَّاتهم وعِبَادَاتهم في كتاب "عُيُون المَسَائل والجَوَابَات"، ولا حَاجَة بنا إلى ذِكْر ما قد سَبَقَنا إليه غَيْرُنا" [٤١٦:٢].
واسْتَمَدَّ النَّديمُ ما ذكره عن السَّبَبِ في بَدْءِ أَمْرِ بَابَكَ الخُرَّمِيّ وخُرُوجِه وحُرُوبِه ومَقْتَله من كتاب "أَخْبَار بَابَك" لوَاقِد بن عَمْرو التَّمِيميّ [٤١٧:٢ - ٤٢٠]، وهو كتابٌ مَفْقُودٌ، ورَغْم مَعْرِفَة النَّديم به وبمُؤَلِّفه فلم يُفْرد لهذا المُؤَلِّف مَدْخَلًا في مَقَالَة الأخْباريين والكُتَّاب.
وكان "كِتَابُ الدَّوْلَة العَبَّاسِيَّة" لإبراهيم بن العَبَّاس الصُّولِيّ مَصْدَرَ ما ذَكَرَهُ النَّديمُ عن المَذَاهِب التي حَدَثَت بخُرَاسَان في الإسلام، مثل مَذْهَب بَهَافْريد بن فَرْوَرْدِين [٤٢٠:٢ - ٤٢١]. وكان كتابُ "أَخْبَار مَا وَرَاءِ النَّهْر من خُرَاسَان" لمُؤلِّفٍ مجهولٍ لم يُحَدِّد اسْمَه هو مَصْدَر ما ذَكَرَه عن المُسْلِمِيَّة أَصْحَاب أبي مُسْلِم الخُرَاسَانيّ الذي رُبَّما كان مَصْدَرَ أبي القاسم البَلْخيّ في كتاب "مَحَاسِن خُرَاسَان" أو "عُيُون المَسَائل والجَوَابَات" الذي خَتَم به ما ذكره حَوْل هذه الفِرْقَة.
أَمَّا مَا أَوْرَدَهُ عن مَذَاهِب السُّمَّنيَّة - وهو يَعْني بذلك البُوذِيَّة - فقد نَقَلَهُ من خَطِّ رَجُلٍ من أَهْلِ خُرَاسَان أَلَّفَ "أَخْبَارَ خُرَاسَان في القديم وما آلَت إليه في الحَدِيث"، قال: "وكان هذا الجزء يُشْبِه الدُّسْتُور". وللأسَف فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ عَن مَذَاهِبهم يَنْتَهِي في نُسْخَةِ الأصْل بوَقْفَة قلمٍ ولم يَسْتَكْمل النَّقْل [٤٢٢:٢].
وتَعَرَّفَ النَّديمُ على مَذَاهِب الهِنْد من "كِتابٍ فيه مِلَلُ الهِنْد وأَدْيَانُها" كُتِبَ يوم الجُمُعَة لثلاثٍ خَلَوْن من المحرَّم سَنة تسعٍ وأَرْبَعِين ومائتين رآه بخَطِّ يَعْقُوب بن إسْحَاقَ الكِنْدِيّ، ولا يَدْري الحكاية التي فيه لمن هي [٤٢٣:٢ - ٤٢٥]، ثم أكَّدَ ما ذَكَرَهُ بما حَدَّثَه به مَنْ شَاهَد المَوَاضِع المَذْكُورَة في الكِتاب الذي بخطّ الكِنْدِيّ
стр. 72
ومنهم رَجُلٌ يُدْعى أبو دُلَف اليَنْبُرُغي وَصَفَه بأنَّه كان جَوَّالَةً وأمَدَّهُ بالكثير من المَعْلُومات ما كان يجري في أماكن عِبَادَات الهُنُود في مُكْرَان وقَنْدَهَارٍ وقِمَار والصَّنْف [٤٢٦:٢ - ٤٢٧].
أمَّا ما سَجَّلَهُ عن مَذَاهب أهْل الصِّين فهو من أَوَاخِر ما كتبه في "الفِهْرِسْت" قد حكاهُ له الرَّاهِبُ النَّجْرَانِي الوَارِدُ من بَلَدِ الصِّين في سَنَة سَبْعٍ وسبعين وثلاث مائة، وهو رَجُلٌ رَجُلٌ من أهْل نَجْرَان أَنْفَذَهُ الجاثَليق إلى بَلَدِ الصِّين سَنَة ٣٧١ هـ / ٩٨٢ م وأَنْفَذَ. معه خمسة أُنَاسٍ من النَّصَارَى ممن يَقُومُ بأمْر الدِّين، لم يعد منهم سوى هذا الرَّاهِب وآخَر بعد أنْ أمْضَيَا هناك سِتّ سَنَوات، الْتَقَى به النَّديمُ بدَار الرُّومِ وَرَاء البَيْعَة، الوَاقِعَة بالجَانِب الغَرْبي من بَغْدَاد الشَّارِعَة على نهر كرْخَايَا الذي عليه القَنْطَرَةُ المعروفة بالرُّوميين. ووَصَفَه بأنَّه رَجُلٌ شابٌّ حَسَن الهَيْئَة قليل الكلام إِلَّا أَنْ يُسْأل [٤٣٣:٢]، فسأله عن سَبَب تأخُّره في هذه البلاد وما شاهَدَه فيها وأحْوَال ملوكها، وعن مَذَاهِبهم، وأكَّدَ ما ذكره له أنَّ اسْمَ مَلِكِ الصِّين: بَغْبُور، ومَعْنَاهُ بلُغَتهم "ابن السَّمَاء" كما سَبَقَ وقاله له شَخْصٌ يُدْعَى جَيْكى الصِّينِي سَنَة سِتٍّ وخمسين وثلاث مائة [٤٣٥:٢].
وممَّن أفَادَه كذلك بأخْبَار الصِّين أبو دُلَف اليَنْبُرُغي الجَوَّالَة الذِي أَفَادَهُ من قَبْل بأخْبَار الهِنْد [٤٣٦:٢].
وبَدَأَ النَّديمُ المَقَالَة العَاشِرَة والأخِيرَة من الكِتَابِ بتَعْرِيف صِنَاعة الكيمياء وأوَّل من تكلَّم على عِلْم الصَّنْعَة، رُبَّما نَقْلًا عن محمد بن زكريَّا الرَّازي [٤٤٢:٢]. ثم تَحَدَّثَ عن هِرْمِس البابِليّ وأَوْرَدَ حِكَايَةً عن الهَرَمين المَوْجُودَيْن بمصر نَقْلًا عن كتابٍ وَقَعَ إلَيْه يحتوي على قِطْعَةٍ من "أخْبَار الأرْض وعَجَائب ما عليها وما
стр. 73
فيها من الأبْنِيَة والممالِك وأجْنَاسِ الأُمَم" مَنْسُوبٍ إلى بَعْض آل ثَوَابَة [٤٤٤:٢]، نَقَلَها عنه فيما بَعْد المَقْريزيّ في "المَوَاعِظ والاعْتِبَار".
وتَكْتَسِبُ التَّرْجَمَةُ التي أَفْرَدَها لخَالِد بن يَزِيد بن مُعَاوِيَة أَهَمِّيَّةً خاصَّةً لأَنَّ الكُتُبَ التي ذَكَرَها من تأليفه رآها بنفسه، كما رأى من شِعْرِه الذي عَمِلَه في الصِّنَاعَة نحو خمس مائة وَرَقَة.
أَمَّا أَسْمَاءُ الكُتُب التي ألَّفَها الحُكَمَاءُ والتي أَوْرَدَ قائِمةً بها فقد رأى بَعْضَها وعَرَّفَه الثِّقَةُ - الذي لم يُصَرِّح باسْمِه - أنَّه رَآها، وذكر بَعْضَها الآخر عُلَمَاءُ هذه الصَّنْعَة في كُتُبهم [فيما يلي ٤٤٩:٢ - ٤٥٠].
وأهَمُّ ما ذكره في هذه المَقالَة التَّرْجَمة المُطَوَّلة التي أَوْرَدَها لجَابِر بن حَيَّان، واعْتَمَدَ فيها على ما حَدَّثَه به بعضُ الثِّقَات [٤٥١:٢]، ورَدَّ فيها كذلك على تَشَكُّك جَمَاعَةٍ من أهْلِ العِلْم وأكابر الوَرَّاقِين في الوُجُود التَّاريخي لجَابِر بن حَيَّان، وتأكيده أنَّ الرَّجُلَ له حَقِيقَة، وأمْرُهُ أَظْهَرُ وأَشْهَرُ وتَصْنيفاتهُ أعْظَمُ وأكثرُ، واسْتَشْهد بذِكر الرَّازِي له في كُتُبه المُؤَلَّفَة في الصَّنْعَة.
أَمَّا قَائِمَةُ مؤلَّفَات جَابِرٍ فَذَكَر أَنَّ لجابِر "فِهْرِسْتًا كبيرًا يحتوي على جَميع ما أَلَّفَ في الصَّنْعَة وغيرها" و "فِهْرِسْتًا صَغِيرًا يحتوي على ما أَلَّفَ في الصَّنْعَة فقط" ثم أضَافَ أنَّه يذكر من كُتُبه جُمَلًا رآها وشَاهَدَها الثِّقَاتُ فَذَكَرُوها [٢: ٤٥٢ - ٤٥٨]. وقد أثْبَتَت الدِّراسَاتُ الحَديثَةُ أنَّ "فِهْرِسْتَ كُتُبِ جَابِرٍ" الذي نَقَلَ عنه النَّديمُ، مَوْثُوقٌ، وتَوَثَّقَ وُجُود عَدَدٍ كبير من العَنَاوِين الوَارِدَة فيه عن طَريق نُسَخ الكُتُب التي وَصَلَت إلينا ويُحيلُ بَعْضُها على بَعْض، إضافةً إلى ذلك فقد أكَّدَت نَتَائِجُ الدِّراسات الحَدِيثَة ذلك التَّتَابُع الزَّمَني الذي بَيَّنَه النَّديمُ على ضَوء "فِهْرِسْت" جَابِر نفسه، حيث تَشْتَرِك هذه الرَّسائل والأفْكار المُهَيْمنَةُ عليها في سِمَاتٍ لُغَوِيَّة وتعبيرية مُعيَّنة، بحيث - كما يقول كراوس KRAUS - لا يُمْكن
стр. 74
انْتِرَاعُ أي كتابٍ من هذا المَجْمُوع واعْتِبَاره مُزَيَّفًا دون أنْ تَتَعَرَّض أصَالَةُ المجموعة كلّها للشُّكُوك.
وأَشَارَ في تَرْجَمَة ابن وَحْشِيَّة إلى أنَّ نُسْخَة الأقْلام التي تُكْتَب بها كُتُبُ الصَّنْعَة والسِّحْر ذكرها ابن وَحْشِيَّة وقَرَأها بخَطِّه، وأضَافَ أنَّه قَرَأَ نُسْخَة هذه الأقْلام بعَيْنها في جُمْلَة أَجْزَاءٍ بخَطِّ أبي الحَسَن بن الكُوفيّ، مَصْدَر النَّديم الرَّئيس في سَائِر مَقَالات كتابه، وأنَّ هذا من أظْرَف ما رأه بخطِّ ابن الكُوفي بعد كتاب "مَسَاوئ العَوَامّ" لأبي العَنْبَس الصَّيْمَري [٤٦٠:٢ - ٤٦١].
стр. 75
نقول المتأخرين من الكتاب
من الغَرِيبِ أنْ يَظَلَّ كِتَابُ "الفِهْرِسْت" للنَّدِيم غَيْرَ مُتَدَاوَلٍ بين العُلَمَاءِ إِلَى أَنْ أَعِيدَ اكْتِشَافُه في الرُّبْعِ الأوَّلِ من القَرْنِ السَّابع الهجريّ الثَّالِث عَشْر الميلادي، الذي يُعَدُّ بِدَايَة عَصْرِ اكْتِشَاف العُلَمَاءِ العَرَبِ الحقيقي لكتاب "الفِهْرِسْت"، باسْتِثْنَاء الإضَافَات التي أدْخَلَهَا عليه الوزيرُ المَغْرِبيّ (المتوفّى سنة ٤١٨ هـ/١٠٢٧ م) ونُقُولٍ قَلِيلَةٍ عن مُؤلَّفَاتِ مُصَنِّفي الشِّيعَة نَقَلَها عنه أبو جَعْفَر محمَّد بن الحَسَن الطُّوسِيّ، المتوفَّى سَنَة ٤٦٠ هـ / ١٠٦٧ م، في كِتَابِ "فَهْرِسْت كُتُبِ الشِّيعَة".
فأَوَّلُ مَنْ نَقَلَ نُقُولًا مُطَوَّلَةً من كِتَابِ "الفِهْرِسْت" الوَرَّاقُ الشَّهِيرِ يَاقُوتُ بن عبد الله الرُّوميّ الحَمَويّ، المتوفَّى سَنَة ٦٢٦ هـ/١٢٢٩ م، في كتابه "إِرْشَادِ الأريب إلى مَعْرِفَةِ الأدِيب" المَعْرُوف بـ "مُعْجَم الأُدَبَاء"، وكانت مَعَهُ منه نُسْخَةٌ تَتَّفِقُ في مُحْتَوَياتها مع ما جَاءَ في نُسْخَة المكتبة الوَطَنِيَّة الفرنسية (ب)، وهي النُّسْخَةُ التي اشْتَمَلَت على الزِّيَادَات والإضافات التي رَبَّحْتُ أنَّها من عَمَلِ الوَزِيرِ المَغْرِبي، المتوفَّى سَنَة ٤١٨ هـ / ١٠٢٧ م، فجَميعُ قَوَائِم مُؤَلَّفَات الأدَبَاءِ والنُّحَاةَ واللُّغَوِيين الذين عَاشُوا في الحِقْبَة التي أرَّخَ لها النَّدِيمُ، نَقَلَها ياقُوتٌ من كِتَابِ "الفِهْرِسْت".
وفَعَلَ الوَزِيرُ جَمَالُ الدِّين أبو الحَسَن عليُّ بن يُوسُف القِفْطي، المتوفَّى سَنَة ٦٤٦ هـ / ١٢٢٧ م، الشَّيءَ نَفْسَه، فأَغْلَبُ المادَّة التي خَصَّصَها في كتابه "إِنْباه الرُّوَاة"، للنَّحْوِيين الذين عَاشُوا في القُرُونِ الأرْبَعَة الأولى للإِسْلام نَقَلَها كذلك من "الفِهْرِسْتِ" للنَّدِيم، وقد حَدَّدْتُ ذلك وأشَرْتُ إليه في مَوَاضِعه. وإِنْ تَمَيَّزَت نُقُولُ القِفْطَيِّ على نُقُولِ يَاقُوت بأنَّه اعْتَمَدَ فيها على نُسْخَةٍ تَتَّفِقُ مع ما جَاءَ في دُسْتُور المُؤَلِّف كما يُمَثِّله الأَصْلُ المُعْتَمَدُ في إخْراج هذه النَّشْرَة النَّقْدِيَّة. وهي بالطَّبْع النُّسْخَةُ نَفْسُها التي نَقَلَ عنها تَرَاجِمَ الفلاسفة والرِّيَاضِيِّين الذين ذَكَرَهُم في كتابه "تاريخ الحُكَمَاء"، واعْتَمَدَ فيها، فيما يَخُصُّ الفلاسفة والرِّياضِيِّين الإغْرِيق على ما أَوْرَدَهُ النَّديمُ في "الفِهْرِسْت".
следующие страницы →