إذ لا يدري ما يقتضي يقل أو يكثر نص عليه في حريم البئر من المدونة] (١). ومن الشروط اللازمة أن يشترط المرتهن على الراهن أن الأمين يبيع الرهن عند الأجل ويوفيه حقه دون مشاورة القاضي، وسواء أذن في ذلك في عقدة الرهن أو بعده، وأما إذا اشترط المرتهن على الراهن أن يبيع الرهن وكان تحت يده فإن كان ذلك في عقد الرهن فلا يجوز، وإن كان بعده جاز
القسم الثالث: وهو ما لا يبطل به الرهن، ولا يلزم الوفاء به كما إذا شرط المرتهن عدم الضمان فيما يغاب عليه، أو شرط المرتهن (٢) على الراهن ضمان الرهن الذي لا يغاب عليه. أما الصورة الأولى وهي ما إذا شرط المرتهن عدم الضمان فيما يغاب عليه فاختلف في ذلك. فقال اللخمي قال مالك، وابن القاسم: أن شرط المرتهن أنه مصدق من غير (٣) بينة لم ينفعه شرطه، وقال أشهب الضمان ساقط بالشرط. قال اللخمي وأرى أن يسقط الضمان مع الشرط لأنه شرط صحيح لافساد فيه فوجب الوفاء به، وهذا إذا كان الرهن شرط (٤) في عقد البيع، وإن كان بعد تقرر الدين في الذمة كان له شرطه على كل حال لأن تطوعه بالرهن
معروف منه، واسقاط الرهن (٥) معروف ثان فأشبه العارية إذا شرط أن لا ضمان على المستعير، فإتفق ابن القاسم وأشهب أن لا ضمان عليه لأن العارية معروف، وإسقاط الضمان معروف ثان. أ. هـ
ونقله ابن عرفة، ولفظه وفي لغو شرط المرتهن سقوط ضمانه، وأعماله نقل اللخمي عن ابن القاسم مع مالك وأشهب، وصوبه ثم قال وهذا إن (٦) كان في عقد البيع والقرض، وإن كان بعدهما اعتبر (٧) ... إلخ، ونقل في
стр. 352
التوضيح نحو هذا عن المازري (١) ونصه: وقول ابن القاسم وأشهب يحسن
إذا كان الرهن في عقد بيع أو سلف لأن الرهن [يكون له] (٢)
هناك حصة من الثمن في البيع، أو معناها في السلف، وأما لو كان الإشتراط في رهن تطوع به الراهن بعد عقد البيع والسلف من غير شرط فإنه هاهنا لا يحسن الخلاف لأن التطوع ها هنا بالرهن كالهبة، فإذا أضاف إلى هذا التطوع إسقاط الضمان فهو إحسان على (٣) إحسان فلا وجه للمنع فيه ويؤكد هذا أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه يوفى له بالشرط في العارية وما ذاك إلا لأن العارية لا عوض فيها وإنما هي هبة ومعروف ونحوه للخمي (٤) أ. هـ كلام التوضيح. وعلى قول ابن القاسم ومالك اقتصر الشيخ خليل في مختصره، ولم يذكر ما قيده به اللخمي والمازري مع أنه نقله في التوضيح، وقبله ابن عرفة [أيضاً] (٥) كما تقدم. قلت: وظاهر المدونة خلافه قال في كتاب الرهون من المدونة (٦): ومن ارتهن ما يغاب عليه
стр. 353
وشرط أن لا ضمان عليه فيه وأنه (١) مصدق لم ينفعه شرطه وضمن أن ادعى أنه ضاع (٢). قال ابن يونس: لأن ذلك خلاف السنة. قال بعض البغداديين (٣) لأنه شرط ينافي حكم أصل العقد فلم يصح أصله إذا شرط في الوديعة أن يضمن، وقال في النوادر ولو شرط فيما يغاب عليه أن لا يضمنه، وأن يقبل قوله فيه فقال ابن القاسم شرطه باطل وهو ضامن لأن ذلك خلاف السنة. وقال البرقي عن أشهب شرطه جائز وهو مصدق
وكذلك في العارية (٤).
أ. هـ.
فلم يعلل ابن القاسم بطلان الشرط إلا بأنه خلاف السنة فظاهره سواء كان الرهن في العقد أو تطوعاً كما قال الشيخ خليل، وابن الحاجب وغيرهم والله تعالى أعلم.
وأما الصورة الثانية وهو (٥) ما إذا شرط الراهن الضمان فيما لا يغاب عليه. قال في التوضيح قال في المدونة، والموازية لا يلزمه وضمانه من ربه، وقال مطرف وإن اشترط ذلك لخوف طريق ونحوه فهلكت الدابة بسبب ذلك الخوف فإنه ضامن (٦). أ. هـ
وقال ابن عرفة ولابن رشد في سماع القريتين (٧) في تضمين الصناع: لو اشترط المعير أو الراهن ضمان مالا يغاب عليه من الحيوان فشرطه باطل من غير تفصيل قاله مالك وكل أصحابه حاشا مطرف [فإنه] (٨) قال إن شرط لأمر
стр. 354
خافه من نهر، أو لص، أو شبه ذلك فشرطه لازم إن عطب فيما خافه، وقال أصبغ لا شيء عليه في الوجهين كقول مالك وأصحابه (١). أ. هـ
وقال اللخمي في كتاب الرهن قال ابن القاسم إذا شرط ضمان الحيوان فإن شرطه باطل، ويجرى فيها قول آخر أنه ضامن لأن الحيوان مختلف في ضمانه فالشرط هاهنا أخذ بأحد القولين. أ. هـ
فرع
حكم العارية
حكم العارية في الضمان حكم الرهن يضمن المستعير ما يغاب عليه، ولا يضمن ما لا يغاب عليه فإن شرط المستعير على المعير نفي الضمان فيما يغاب عليه ففي ذلك طريقان: الأولى لابن الجلاب وابن رشد وغيرهما أن شرطه باطل والضمان له لازم، وقال ابن الجلاب في كتابه العارية ومن استعار ما يغاب عليه على أنه لا ضمان عليه فالشرط باطل وهو ضامن (٢). أ. هـ
قال ابن رشد في كتاب العارية من المقدمات فإن اشترط المستعير أن لا ضمان عليه فيما يغاب عليه فشرطه باطل، وعليه الضمان قاله ابن القاسم في بعض روايات المدونة، وهو أيضاً في العتبية لأشهب وابن القاسم من رواية أصبغ عنهما في بعض الروايات من كتاب العارية وعلى ما حكى ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصائغ يشترط أن لا ضمان عليه أن شرطه جائز ولا ضمان عليه ينفعه الشرط في العارية، لأنه إذا لزم في الصانع فأحرى أن يلزم في المستعير لأن المعير إذا أعاره على أن لا ضمان عليه، فقد فعل المعروف معه من وجهين، فالأظهر إعمال الشرط وما لا لإسقاطه وجه إلا أن يكون ذلك من باب إسقاط الحق قبل وجوبه فلا يلزم على أحد القولين. أ. هـ
стр. 355
وقال في سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع ولابن القاسم وأشهب في سماع أصبغ من كتاب العارية أن الشرط غير عامل في الرهن والعارية ومثلة لابن القاسم أيضاً في بعض روايات المدونة في العارية، وفي كتاب
الرهن منها ثم قال ولا وجه لإسقاط الشرط في العارية لأنه فعل معه معروفاً من جهتين، والرهن قريب من العارية وما لإسقاطه فيهما وجه إلا أنه من باب إسقاط حق قبل وجوبه فيجرى ذلك على اختلافهم في هذا الأصل. أ. هـ
قلت: وله نحو ذلك في سماع أصبغ من كتاب العارية.
الطريقة الثانية: اللخمي والمازري، وقد تقدم في كلام اللخمي في مسألة الرهن أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه لا ضمان على المستعير إذا شرط نفي الضمان، وتقدم في كلام التوضيح عن المازري نحوه وقال اللخمي في كتاب العارية واختلف إذا شرط المستعير أنه مصدق في تلف الثياب، وما أشبهها فقال ابن القاسم، وأشهب له شرطه ولا شيء عليه وقال سحنون فيمن أعطى لرجل مالاً ليكون له ربحه، ولا ضمان عليه أنه ضامن فعلى هذا يسقط شرطه الأول أحسن لأن العارية معروف، وإسقاط الضمان معروف ثان، وليس بمنزلة ما كان أصلاً (١) لمكايسة، أو عن معاوضة كالرهان والصناع. أ. هـ
ونقل ابن عرفة كلام ابن الجلاب وابن رشد، وعبر عن كلام ابن الجلاب بقوله نقل الجلاب عن المذهب. ثم قال: وفي غير نسخة من اللخمي قال ابن القاسم وأشهب، وذكر ما تقدم ثم قال ابن عرفة قلت ما نقله عن ابن القاسم، وأشهب خلاف ما نقله (٢) غير واحد منهما، والعجب من ابن رشد وشارحي ابن الحاجب من عدم التنبيه عليه (٣). أ. هـ
стр. 356
قلت: ما تعجب منه ظاهر، وقد نبه على ذلك الشيخ خليل في توضيحه (١) فنقل كلام اللخمي والمازري في شرح التلقين، ثم قال والذي في المقدمات الضمان، ونسبه لابن القاسم، وقال في مختصره وضمن المغيب عليه إلا ببينة، وهل إن شرط [نفيه] (٢) تردد (٣). وأعجب مما تعجب منه ابن عرفة ما وقع في (٤) سماع أصبغ من كتاب العارية عن أشهب، ونقل ابن رشد أن الشرط باطل في الرهن والعارية، وقد تقدم في كلام النوادر عن أشهب أن الشرط جائز في الرهن والعارية ونقله ابن يونس أيضاً من كتاب الرهون وقبله، ونقله عنه غير واحد، ونقل ابن عرفة في الرهن عن اللخمي عن أشهب أن الشرط عامل، وقبله، وكذلك الشيخ أبو الحسن الصغير والرجراجي، ونقل الشيخ أبو الحسن كلام اللخمي في كتاب الرهون، وكلام ابن رشد في كتاب العارية، ولم ينبه على ما بينهما من الخلاف في الرهن (٥) والعارية، ونقل ابن رشد في آخر كتاب تضمين الصناع عن أشهب القولين ويفهم (٦) من كلام ابن رشد أن الأشهر عن أشهب أن الشرط ينفعه، ولعل ابن القاسم له قولان أيضاً، فالذي تحصل من هذا أن المشهور عن ابن القاسم بطلان الشرط في الرهن والعارية، وعن أشهب أن الشرط جائز فيهما، وقد صرح الرجراجي في باب الرهن بأن المشهور من المذهب أن الضمان في العارية لا يسقط عن المستعير بشرطه. وأما قول ابن رشد أنه لا وجه لإسقاط الشرط في العارية ...
إلخ فغير ظاهر لأن ابن القاسم لم يعلل ذلك إلا بكون الشرط مخالفاً لأصل السنة في العقد
فلا حاجة إلى تخريجه على اسقاط الحق قبل وجوبه، بل الظاهر أنه لم
стр. 357
يخرج (١) عليّ ذلك لأن الحق المسقط الذي هو ضمان المرتهن ترتب عليه بقبضةه للرهن فتأمله هذا حكم الصورة الأولى، وأما الصورة الثانية وهي ما إذا شرط المعير على المستعير ضمان مالا يغاب عليه فقال ابن رشد في المقدمات وفي سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع: وفي سماع أصبغ من كتاب العارية قول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل جملة من غير تفصيل حاشا مطرف فإنه قال إن كان شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق مخوف، أو نهر أو لصوص، أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه، واشترط الضمان من أجله، وقال أصبغ (٢) لا شيء عليه في الوجهين مثل قول مالك وجميع أصحابه. أ. هـ
وقال في كتاب الرهون من المدونة، وإن (٣) استعرت من رجل دابة على أنها مضمونة عليك [لم] (٤) تضمنها (٥). أ. هـ
تنبيهات
الأول: إذا شرط المعير على المستعير الضمان فيما يغاب عليه مع قيام البينة، فجعلها ابن رشد في المقدمات، وفي سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع كما إذا شرط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه وجمعهما وقال (٦) قول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل قلت: وفي عزوه بطلان الشرط لجميع أصحاب مالك نظر لأن أشهب يقول أن ضمان ما يغاب عليه من المستعير ولو قامت البينة، ولو لم يشترط المعير الضمان على
المستعير [فكيف إذا شرط ذلك المعير فتأمله] (٧).
стр. 358
الثاني: حكم الرهن كالعارية قاله ابن رشد في سماع أشهب من تضمين الصناع ونصه: إذا شرط المعير أو [الراهن] (١) على المستعير أو المرتهن الضمان فيما لا يغاب عليه من الحيوان، أو مع قيام البينة فيما يغاب عليه فقول مالك وجميع أصحابه أن الشرط باطل حاشا مطرف، وذكر نحو ما تقدم ولم يذكر مسألة الرهون (٢) في المقدمات. قلت: وفيه من البحث ما تقدم في مسألة العارية والله تعالى أعلم.
الثالث: قال ابن رشد في المقدمات في كتاب العارية: وفي سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع وينبغي إذا شرط المعير على المستعير الضمان فيما لا يغاب عليه فأبطل الشرط بالحكم على المستعير أن يلزم إجارة المثل في استعماله العارية، لأن الشرط يخرج العارية عن حكمها وسنتها إلى باب الإجارة الفاسدة، لأن رب الدابة لم يرض أن يعيره إياها إلا بشرط أن يحرزها في ضمانه فهو عوض مجهول يرد إلى معلوم
وما ذكره ابن رشد بحثاً نقله اللخمي عن أشهب، وجعله خلاف مذهب المدونة ونصه في كتاب العارية قال ابن القاسم في كتاب الرهن فيمن استعار دابة على أنه غير مصدق في تلفها شرطه باطل يريد [على] (٣) أنها تمضي على حكم العارية، ولا ضمان عليه، ولا أجر (٤)، وقال أشهب عليه أجرة المثل فيما استعملها فيه، ورأها أجارة فاسدة فعلى قوله ترد قبل الإستعمال ويجرى فيها قول ثالث أن المعير قبل الإستعمال بالخيار فإن أسقط الشرط وإلا ردت، فإن فاتت بالإستعمال لم يغرم شيئاً لأنه
لم يدخل على أجارة، وإنما هو واهب منافع، والضياع طارئ يكون أو لا يكون، والسلامة أغلب فكان حمله على المعروف أولى. وقول رابع أنها مضمونة كما شرط لأنه الواجب في أحد قولي مالك من غير شرط فقد دخلا على إلتزام أحد القولين. أ. هـ
стр. 359
ونقل الشيخ أبو الحسن في كتاب العارية (١) كلام ابن رشد، واللخمي وجعل كلام ابن رشد مخالفاً للمدونة فتأمله.
فرع
إذا شرط رب الوديعة على المودع أن يضمنها إذا ضاعت فشرطه باطل كما تقدم في كلام ابن يونس، لأنه مخالف لأصل سنة الوديعة، وصرح بذلك الشيخ خليل في مختصره.
فرع
الصناع ضامنون لما غابوا عليه عملوه بأجر أو بغير أجر إلا أن تشهد بينة بتلفه . قال في المقدمات: فإن اشترط الصانع أنه لا ضمان عليه لم ينفعه شرطه، وكان عليه الضمان هذا قول مالك في المدونة في سماع أشهب من كتاب تضمين الصناع، وينبغي على هذا القول أن يكون له الأجرة مثله لأنه إنما يرضى بالأجر المسمى بإسقاط الضمان عليه (٢)، وقال أشهب بنفعه الشرط ويسقط عنه الضمان، فعلى قوله يكون له الأجر المسمى، ونقله ابن عرفة، وأسقط عنه لفظة ينبغي فقال بعد أن ذكر القولين ابن رشد فعلى الأول له أجر مثله، وعلى الثاني المسمى (٣). أ. هـ
وقال اللخمي قال مالك: وابن القاسم في كتاب محمد: إذا اشترط الصانع أن لا ضمان عليه فشرطه ساقط ولو مكنوا من [ذلك] (٤) ما عمل أحد منهم حتى يشترط ذلك، ولابد للناس من عمل ثيابهم، وقال الشيخ أبو محمد ذكر عن أشهب أن لهم شرطهم يريد ما لم يكثر ذلك منهم، وإن كثر اشتراطهم سقط ولم يوف لهم بذلك، واختلف بعد القول بأنه شرط لا يوفي به فقيل
стр. 360
الإجارة لازمة وشرطه باطل، وقيل إن أسقط الصانع الشرط صحت الإجارة، وإن تمسك به فسخت إن لم يعمل فإن عمل كان له الأكثر من المسمى وأجرة المثل، ويجري فيها قول ثالث أن الإجارة فاسدة تفسخ مع القيام، وإن أسقط الشرط، ويكون له مع الفوات أجرة المثل قلت أو كثرت. أ. هـ
قلت: وظهر الرواية أن الشرط باطل، والإجارة لازمة، ولا يزاد على المسمى.
تنبيه
ظاهر كلام ابن الحاجب أن القول بصحة الشرط رواه أشهب عن مالك وليس كذلك وإنما هو قول أشهب، وقد نبه على ذلك ابن عرفة فقال ونقله ابن الحاجب رواية وقبول ابن عبد السلام، وعزوها ابن ساش لأشهب لا أعرفه (١)، وسبقه إلى ذلك الشيخ خليل في التوضيح (٢).
فرع
الشروط في القراض
على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يفسد به القراض كإشتراط رب المال على العامل أن يكون المال بيده، أو أن يراجعه، أو أن يجعل عليه أميناً، أو يعمل العامل بيده من خياطة أو خرز، أو غير ذلك، أو اشتراط رب المال على العامل ضمان المال فهذه الشروط كلها مفسدة للقراض فيفسخ إن وقع فإن فات بالعمل فمنها ما يرجع فيه لقراض المثل، ومنها ما يرجع فيه لأجرة المثل وهذا مبين في كتاب القراض.
الثاني: مالا يفسد به القراض، ولكنه لا يلزم كما إذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده، أو خسر، أو أخذه اللصوص أو عاشر ظالماً فقال
стр. 361
العامل لرب المال لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس مال وتسقط الخسارة ففعل ذلك وأسقط الخسارة فهو أبداً على القراض الأول وأن حاسبه وأحضره ما لم يقبضه منه (١) قاله في المدونة.
الثالث: مالا يفسد العقد، ويلزم الوفاء به كما إذا شرط أن الربح لأحدهما، أو لغيرهما كما تقدم في الباب الأول، وكما إذا شرط أحدهما على الأخر زكاة الربح فإنه جائز ويلزم، فإن وجبت الزكاة أخرجت من حصة من شرطت عليه، وإن لم تجب فإنها تكون للمشترط زيادة على حصته والله تعالى أعلم.
فرع
الشروط في الوقف
على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يفسد به الوقف كشرط النظر لنفسه، أو تخصيص البنين دون البنات (٢).
الثاني: ما لا يفسد الوقف به ولا يلزم الوفاء به كما إذا شرط الواقف عمارة ما خرب من الوقف على المستحقين للوقف فإن الشرط يبطل، ويعمر من غلته، وكما إذا شرط الواقف أن لا يبدأ بإصلاح الوقف ونفقته.
الثالث: ما لا يفسد الوقف، ويلزم الوفاء به، وهو كثير مبسوط في كتب الفقهاء (٣).
стр. 362
فرع
الشروط في الهبة
على أربعة أقسام:
الأول: ما تفسد به الهبة كشرط أن لا تحاز (١) عن الواهب.
الثاني: ما يخير الواهب في اسقاطه فتصح الهبة، أو التمسك به فتبطل.
الثالث: ما لا يفسدها، ولا يلزم الوفاء به.
والرابع: ما لا يفسدها، ويلزم الوفاء به، وأختلف فيمن وهب لرجل هبة، أو تصدق [على رجل بصدقة] (٢) على أنه لا يبيع ولا يهب على خمسة أقوال ذكرها ابن رشد في رسم إن خرجت من سماع عيسى من كتاب الصدقات والهبات:
الأول أن الهبة والصدقة لا تجوز إلا أن يشاء الواهب، أو المتصدق أن يبطل الشرط، وتمضي الصدقة والهبة فإن مات الواهب أو المتصدق، أو الموهوب [له] (٣) أو المتصدق عليه بطلت الصدقة أو الهبة، وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، ومثله قول ابن القاسم في [الرجل] (٤) الذي يتصدق على الرجل بالشيء على أنه إن باعه فهو أحق به يريد بثمن، أو بغير ثمن قال ليست هذه الصدقة بشيء، ومثله قول ابن القاسم في الذي يتصدق بعبد على أنهيخدمه يومين في كل جمعة أنها ليست بصدقة فإن مات المتصدق فالهبة على هذا القول على الرد ما لم يجيزها ويمضيها بترك الشرط.
القول الثاني: أن الواهب مخير [بين] (٥) أن يسترد هبته، أو يترك الشروط وورثته بعده ما لم ينقض أمره بموت الموهوب فيكون ميراثاً عنه، فالهبة
والصدقة
стр. 363
على هذا القول على الإجازة ما لم يردها الواهب أو ورثته بعده قبل فواتها بإنقضاء أمد الشرط وهو موت الموهوب له الذي حجر عليه الهبة والبيع طول حياته، وهو قول أصبغ بعد (١) هذا من سماعه.
والقول الثالث: أن الشرط باطل والهبة جائزة وهذا القول يأتي على ما في المدونة في الذي حبس الدار على ولده واشترط أن ما احتاجت إليه من مرمتها عليهم أن الدار تكون حبساً، ولا يلزمهم ما شرط عليهم وتكون مرمتها من غلتها (٢). وقد قال ابن المواز: إنما ذلك إذا حيز الحبس وفات بموت المحبس، وأما قبل ذلك فيرد إلا أن يسقط الذي حبسها شرطه، وتأويله بعيد في اللفظ غير صحيح في المعنى لأنه إذا جعل للمحبس حقاً في شرطه وجب أن ينزل ورثته منزلته فيه.
القول الرابع: أن الشرط عامل والهبة ماضية فتكون الصدقة بيد المتصدق عليه بمنزلة الحبس لا يبيع ولا يهب حتى يموت، فإن مات ورث عنه على سبيل الميراث، وهو قول عيسى بن دينار (٣) في هذه الرواية، وقول
مطرف في الواضحة، وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب لأن الرجل له أن يفعل في ماله ما شاء إن شاء بتله للموهوب أبداً، أو المتصدق عليه من الآن، وإن شاء أعطاه المنافع طول حياته، وجعل المرجع بعد موته له يقضي منه دينه ويرثه عنه ورثته لما له في ذلك من الغرض أن يستديم الإنتفاع بما وهبه، ويرى أثر هبته عليه.
стр. 364
القول الخامس قول سحنون يكون ذلك حبساً على الموهوب له، أو المتصدق عليه بما شرط بأن (١) لا يبيع ولا يهب فإذا مات المتصدق عليه على هذا القول رجع ذلك مرجع الأحباس على الخلاف فيه، وقول سحنون (٢) هذا معارض لقوله في نوازله في الذي يتصدق على رجل بعبد على ألا يبيعه ولا يهبه سنة، وهذه الأقوال كلها تدخل في مسألة سماع سحنون في الذي يتصدق على الرجل بالشيء على أنه أحق به أن باعه بثمن، أو بغير ثمن إلا قول سحنون هذا. أ. هـ
قلت: يعني [أن] (٣) القول بأن ذلك الشيء يكون حبساً، وهو ظاهر وكذلك مسألة نوازل سحنون أعني من وهب لرجل عبداً، أو تصدق به عليه على ألا يبيعه ولا يهبه سنة ثم هو له بعد السنة يصنع به ما شاء يجري فيها الأقوال الأربعة، ولا يجري فيها قول سحنون أنه حبس، ومثل ذلك مسألة رسم الكراء والأقضية من سماع أصبغ فيمن تصدق على رجل بعبد واشترط [عليه] (٤) أن يخدمه يومين في كل جمعة قال ابن القاسم فيها ليست بصدقة. قال ابن رشد: إنما رأى أن الشرط يفسد الصدقة لأنه لما شرط من خدمته يومين [من] (٥) كل جمعة فقد حجر عليه التصرف في صدقته
ألا يبيع بالسفر بها أو الوطء لها إن مانت أمة، والتفويت فصار كمن تصدق بصدقة وشرط على المتصدق عليه ألا يبيع ولا يهب ألا ترى أن الحبس لما كان لا يباع ولا يوهب جاز فيه هذا الشرط على ما في سماع أبي زيد، وأجاز ابن كنانة هذا الشرط في الحبس والصدقة، وقال أنه لا يفسد الصدقة بل يشدها، والمعنى عندي فيما ذهب إليه أنه رآه شريكاً معه في رقبة العبد بما استثنى لنفسه من خدمته، ولذلك أجازه في الصدقة والحبس
стр. 365
فأشار إلي أنها كالمسألة الأولى يجري فيها الأقوال الأربعة. قلت: وأظهر الأقوال [الأربعة] (١) الجاري على مذهب المدونة صحة الهبة والصدقة وبطلان الشرط لأنه شرط مخالف لمقتضى العقد لما فيه من التحجير، ألا ترى أنه لا يجوز له وطء الأمة فالظاهر بطلان الشرط، وقال في كتاب الهبة من المدونة: ومن وهب لرجل هبة على ألا يبيع ولا يهب لم يجز إلا أن يكون سفيهاً أو صغيراً فيشترط [ذلك] (٢) عليه [في ولاية] (٣) فيجوز وإن شرط ذلك عليه بعد زوال الولاية لم يجز كان [ذلك] (٤) ولد الواهب أو أجنبياً (٥). أ. هـ
فتكلم على الحكم ابتداء، ولم يبين الحكم بعد الوقوع، وقال أبو الحسن الصغير: أنظر بماذا (٦) يفسر الكتاب والأقرب أن يكون مثل ما في العتبية أنه يخير الواهب فإن بتلها وإلا نقضت (٧). أ. هـ
والقول الذي اختاره ابن رشد اختاره اللخمي أيضاً، ووجهه بما وجهه [به] (٨) ابن رشد، ولا شك أن له وجهاً من النظر ظاهراً، لكن
الأظهر عندي بطلان الشرط وصحة العقد كما تقدم. والله تعالى أعلم.
تنبيه
قال المشذالي قوله في المدونة في المسألة السابقة إلا أن يكون سفيهاً أو صغيراً قال أبو عمران: أنظر ما معناه والسفيه والصغير لا يجوز بيعها ولا هبتهما بشرط أم لا. قال أبو عمران لعله أراد ألا يباع عليه إذا احتاج إلى النفقة لأن لوليه بيع عروضه للنفقة فشرط ألا يباع ويباع غيرها إن وجد قال
стр. 366
القابسي الهبة جائزة، وهي كالحبس المعين ومن وهب هبة لسفيه أو صغير (١)، وشرط أن تكون يده مطلقة عليه، وأنه لا نظر لوصيه فيها نفذ ذلك الشرط. أ. هـ
قلت: في هذا نظر لأنه شرط لا يجوز لأن أضاعة المال لا تجوز وإطلاق يد السفيه على المال إضاعة له فتأمله، والصواب بطلان الشرط والله تعالى أعلم.
فرع
قال ابن القاسم في رسم الجواب من سماع عيسى من الكتاب المذكور: فيمن تصدق بجارية على رجل على أن يتخذها (٢) أم ولد لا يحل له وطؤها على الشرط، وإن وطأها فهي له [قلت] (٣): حملت أو لم تحمل، ولا قيمة عليه. قال ابن رشد: يعني لا يجوز له وطؤها حتى يوقف المتصدق أما أسقط شرطه أو استرد الجارية، فإن مات قبل أن يوقف على ذلك تخرج ذلك على قولين: أحدهما أن ورثته ينزلون منزلته في ذلك فيخيرون في اسقاط الشرط أو رد الجارية ما لم تفت بالوطء على مذهب ابن القاسم، وعند أصبغ إنما
تفوت بالحمل. والثاني أن الصدقة تبطل إن مات قبل أن تفوت الجارية بوطء أو حمل على اختلاف قول ابن القاسم وأصبغ، فالصدقة على القول الأول على الإجازة حتى ترد، وعلى القول الثاني على الرد حتى تجاز ويتخرج في (٤) المسألة قول ثالث، وهو أن تجوز الصدقة ويبطل الشرط [قياساً] (٥) على مسألة الحبس يعني اشتراط الترميم على المحبس عليهم. أ. هـ
ونقل اللخمي قول ابن القاسم وأصبغ ثم قال: ولو أفاتها المعطي بعتق أو تدبير لزمته قيمتها لأنها فاتت في غير ما أعطيت له. أ. هـ
стр. 367
قال ومن تصدق على [ولده] (١) الكبير بصدقة على أن (٢) لا ميراث له منه (٣) [فالصدقة باطلة إذا كان الشرط في أصل الصدقة، وإن كان بعد الصدقة وإن قرب] (٤) فالصدقة جائزة والشرط باطل على ما قاله مطرف، وابن الماجشون [وأصبغ، واختلف إذا كانت الصدقة على صغير فقال أصبغ هي بمنزلة الصدقة على الكبير، واختاره ابن حبيب. وقال] (٥) ابن الماجشون الصدقة ماضية والشرط باطل كان الشرط مع الصدقة أو بعدها. وقال مطرف إن كان الشرط مع الصدقة، أو في فورها [في اليومين] (٦) فالصدقة باطلة، وإن تباعدا ذلك فالصدقة ماضية والشرط باطل، وهذا أضعف الأقوال وبالله التوفيق. قلت: أما بطلان الشرط إذا (٧) كان [الشرط] (٨) في أصل عقدها فظاهر لأنها معاوضة مجهولة فتأمله والله تعالى أعلم.
فرع
قال اللخمي إذا قال إن مت أنت رجع العبد إلي، وإن مت أنا قبل كان لك فإنه يمضي على ما شرط، وكانت العطية قد تضمنت عمري ووصية، فإن [مات المعطي قبل ردت إلى المعطي لأنها عمرى، وإن] (٩) مات المعطي قبل كانت في ثلثه. قال ابن القاسم [في العتبية] (١٠) وسواء حيزت العطية أو لم تحز لأن الوصايا وسائر ما يخرج من الثلث لا يحتاج إلى حوز. قال أصبغ: وليس له أن يحولها عن حالها يريد أنه أوجب الوصية كالمدبر وإن قال أهبك العبد على إن مت أنا قبل رجع العبد إلي وإن مت أنا قبل كان لورثتك كان على ما شرط،
стр. 368
وقال المغيرة في كتاب المدنيين فيمن وهب أمته واشترط لنفسه كل ولد تلده فهو حلال جائز، وقد يهب الرجل الحائط ويشترط ثمرته يريد اشتراط الثمرة السنة والسنتين، ولا يجوز فيما كثر ويجوز في الولد، وإن طالت السنون لأن المقصود منها المنافع والخدمة وهي للموهوب له، والولد تبع ليس بمقصود، وقد يكون أو لا يكون. أ. هـ والله تعالى أعلم.
فرع
قال في المدونة ولا يعتصر الأبوان ما تصدقا به (١). قال المشذالي: ظاهره ولو شرطا الاعتصار. المتيطي: إذا شرط الأب في صدقة الاعتصار فقال ابن الهندي له ذلك، وحكاه الباجي أيضاً في وثائقه، وقال غيره شرطه (٢) لا يجوز ابن الهندي فإن قيل كيف يجوز له أن يشترط الاعتصار في الصدقة، وهي لا تعتصر قيل له وسنة الحبس لا يباع فإذا شرط المحبس في نفس الحبس كان له شرطه ابن رشد والاعتصار لا يكون في الصدقات إلا بشرط (٣)
فرع
إذا شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين فقال في الجواهر ناقلاً عن الطرطوشي (٤) ما نصه: فإن شرط على القاضي أن يحكم بمذهب إمام معين
стр. 369
من أئمة المسلمين ولا يحكم بغيره فالعقد صحيح، والشرط باطل كان موافقاً لمذهب المشترط أو مخالفاً له. قال وأخبرني القاضي (١) أبو الوليد قال كان الولاة عندنا بقرطبة إذا ولو القضاء رجلاً شرطوا عليه في سجله (٢) أن لا يخرج عن قول ابن القاسم ما وجده قال الأستاذ (٣)،
وهذا جهل عظيم منهم (٤). أ. هـ
ونقله (٥) الشيخ خليل في التوضيح عنه وهو خلاف ما نقله ابن فرحون في تبصرته في الباب الرابع من القسم الأول عن الطرطوشي أن العقد باطل والشرط باطل سواء قارب الشرط عقد الولاية أو تقدمه ثم وقع العقد. قال وقال أهل العراق تصح الولاية ويبطل الشرط ودليلنا أن هذا الشرط مناف لمقتضى العقد لأن العقد يقتضي أن يحكم بأي شيء هو الحق (٦) عنده وهذا الشرط قد حجر عليه (٧) فانظر ذلك.
تنبيه
قال ابن فرحون وكلام الشيخ أبو بكر الطرطوشي في القاضي المجتهد ولم يتعرض للقاضي المقلد كما في زماننا، وسيأتي الكلام على ذلك (٨). أ. هـ
قلت: لأن الشرط الذي عقده منافياً لمقتضى العقد يصير في حق المقلد من مقتضيات العقد والله تعالى أعلم.
стр. 370
فرع
قال في المدونة في كتاب العتق الثاني: ومن قال لعبده أنت حر الساعة مثلاً وعليك مائة دينار إلى أجل كذا فقال مالك وأشهب هو حر الساعة ويتبع بالمائة أحب أم كره. وقال ابن القاسم هو حر، ولا يتبع بشيء، وقاله ابن المسيب (١). أ. هـ
وقال في النوادر من كتاب ابن المواز ومن قال لعبده أنت حر وعليك ألف درهم فلم يرض العبد فذلك عليه، وإن كره العبد قاله مالك وابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وعبد الملك، وأصحابهم. قال ابن
القاسم، وذكر عن ابن المسيب (٢) أنه حر ولا شيء عليه وهو أحب إلى ابن القاسم. قال أصبغ لم أجد لهذا أصلاً وليس بشيء، ولم يختلف فيها (٣) قول مالك وأصحابه وأهل المدينة (٤). وقاله ابن شهاب وكأنه باعه من نفسه وهو كاره فذلك لازم كما يزوجه كرهاً وينزع ماله كرهاً قال محمد وكما له أن يلزمه ذلك من غير حرية فلم تزده الحرية إلا خيراً (٥). أ. هـ
قال ابن يونس ووجه قول ابن القاسم أنه لا يكون حراً متبوعاً إن هذا
стр. 371
من باب الإستسعاء (١)، وكما لو أعتقه على أنه يخدمه بعد العتق سنة أنه حر ولا شيء عليه (٢). أ. هـ
وقال في كتاب المكاتب من المدونة: وإن كاتبه على خدمة شهر جاز عند أشهب ولا يعتق حتى يخدم شهراً، وقال ابن القاسم إن عجل عتقه على خدمة شهر بعد العتق فالخدمة باطلة وهو حر، وإن أعتقه بعد الخدمة لزمت العبد الخدمة. مالك وكل خدمة اشترطها السيد بعد أداء الكتابة فهي باطلة، وإن شرطها في الكتابة فأدى العبد قبل تمامها سقطت (٣). أ. هـ
قال أبو الحسن الصغير قوله جاز عند أشهب، وكذلك يجوز عند ابن القاسم، ويسأله عما أراد هل تعجيل العتق أم لا. قال ابن يونس: قال ابن القاسم يسأله هل أراد تعجيل العتق أو تأخيره بعد الخدمة، وأشهب يرى [أن] (٤) العتق مؤخر بعد الخدمة كما هو مؤخر بعد أداء الكتابة ألا إن يشترط تعجيل العتق قبل الخدمة فلا تجوز عندهما، ويعتق مكانه، وتسقط الخدمة ثم قال وكل خدمة اشترطها السيد بعد أداء الكتابة فباطل. الشيخ لأن ما يلحقه بعد الحرية هو من بقايا الرق، فهو كمن أعتق بعض عبده فيستتم عليه، قوله فأدى العبد قبل تمامها سقطت قال ابن المواز كل ما اشترطه السيد في الكتابة من خدمة بدن أو عمل يده فأدى الكتابة وبقي (٥) ذلك العمل أو بعضه فإنه ساقط ولا يؤدي لذلك عوضاً، لأن خدمة بدنه بقية من رقه فإذا دخلت الحرية رقبته
стр. 372
سقط كل رق بقي فيه، وكذلك من بتل عتق عبده لم يجز أن يعجل عليه خدمة يشترطها لأن خدمته بقية من رقة فكما كان (١) من أعتق بعض عبده يستكمل عليه بقيته حتى لا يبقى فيه شيئاً من الرق فكذلك كل خدمة تبقى على مكاتب أو على عبد بتل (٢) سيده عتقه فهي ساقطة لأن ذلك بقية من رقه. أ. هـ
فرع
قال في النوادر: ومن قال لعبده أعتقتك على أن لا تفارقني كان حراً وشرطه باطل قال ابن القاسم وإن قال أنت حر، واحمل هذا العمود فهو حر ولا شيء عليه إلا أن يقول أنت حر على أن تخدمني سنة، ولم يعجل الحرية قبل الخدمة فذلك عليه (٣). أ. هـ
فرع (٤)
قال في كتاب العتق الثاني من المدونة: ومن أعتق أمة على أن ينكحها أو تنكح فلاناً فإمتنعت فهي حرة، ولا يلزمها النكاح إلا أن تشاء وكذلك إذا قال رجل لرجل لك علي ألف درهم على أن تعتق أمتك وتزوجينيها فأعتقها فهي حرة، ولها ألا تنكحه والألف لازمة للرجل (٥). وقد تقدم الكلام على ذلك في المسألة (٦) الخامسة عشر من الفصل الأول من الخاتمة.
فرع
قال في كتاب المدبر من المدونة ولا بأس أن تأخذ مالاً على أن تعتق مدبره ، وولاؤه لك، ولا أحب أن تبيعه ممن يعتقه (٧). أ. هـ
стр. 373
قال الشيخ أبو الحسن أنظر قوله لا أحب هل هو على بابه أم لا؟ ونقله ابن يونس بلفظ لا يجوز أن يبيع (١) قال سحنون قال ابن شهاب، وعمرو بن شعيب (٢) لا يباع إلا من نفسه قال الشيخ أبو الحسن كبيع العمر من المعمر لتخلص الرقبة له، فكذلك المدبر إذا اشترى نفسه فكأنه اشترى ما للسيد [عليه] (٣) من الخدمة لتخلص رقبته (٤).
[فرع (٥)]
قال في كتاب المكاتب من المدونة: ومن كاتب أمته على ألف درهم نجمها عليها على أن يطأها مادامت في الكتابة بطل الشرط وجازت الكتابة، وكذلك إن أعتق أمته إلى أجل على أن يطأها، أو شرط على المكاتبة إنما ولدت في كتابتها فهو عبد فالشرط باطل والعتق نافذ إلى أجله ولا تفسخ الكتابة كما لا أفسخها من عقد الغرر بما (٦) أفسخ به البيع، وكل ولد حدث للمكاتب من أمته، او للمكاتبة بعد الكتابة فهو بمنزلتها يرق برقها ويعتق بعتقها، وإن كاتبها أو أعتقها واشترط جنينها بطل الشرط وتم العتق (٧). أ. هـ
وقد تقدم الكلام على مسألة من إلتزم عدم الرجوع عن وصيته في الباب الأول.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 374
وقد (١) تم الكلام فيما حررته من مسائل الإلتزام، وانتجز الغرض الذي قصدت من بيان الأنواع والأقسام، فجاء بحمد الله كتاباً مفيداً في بابه، عظيم النفع لمن أمعن النظر فيه من طلابه، جمعت فيه فوائد عديدة وتحقيقات مفيدة وسفرت فيه عن نكت تستغرب، وتستبدع، وأوضحت فيه مشكلات ليس لها في كثير من المصنفات مورد، ولا مشرع، فنحمده على ما من به من إلهام هذا التصنيف وإتمامه على هذا الوضع والتوصيف ونسأله (٢) أن يسهل علينا تحريره، واتقانه، وأن يعصمنا فيه من الخطأ والزلل، ولا يؤاخذنا بالتصنع في القول والعمل. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 375
الخاتمة
стр. 376
وبعد فإنني أنتهي من تحقيق كتاب " تحرير الكلام في مسائل الإلتزام " للإمام الحطاب إلى النتائج الآتية
(١) أكثر الحطاب من النقول عن أمهات الكتب المعتمدة في المذهب بقصد جمع مسائل الإلتزام، والكشف عنها في مظانها من كتب السلف ثم نسبة هذه النقول إلى أصحابها كل هذا يدل دلالة واضحة على أمانة الناقل في النقل. تبقى الإشارة إلى أماكن وجود هذه الكتب، وتحديد موضع هذه المسائل منها، ليتيسر للباحث الرجوع للأصل بكل يسر وسهولة إذا أراد، وقد قمت بذلك في نطاق توثيق النص وتصحيحه.
(٢) من المسلم به أن المخطوط تكون مصادره مخطوطة، وكثرة النسخ للمخطوط وحدها - على الرغم من أهميتها - لا تكفي لتوثيق النص بشكل يطمئن إليه الباحث، وذلك لتعاقب النساخ واختلاف ظروفهم لذلك حرصت الحرص كله أثناء توثيق النص بالرجوع للأصول المنقول عنها النص نفسه، وتحقيقاً لهذه الرغبة قمت بعدة رحلات بين ليبيا وتونس وبالفعل عثرت على جل هذه المصادر إن لم نقل كلها بدار الكتب الوطنية تونس، وقد كابدت في هذه الرحلات المشاق الكثيرة، ولكنها مع ذلك كانت لذيذة وممتعة لأنها في سبيل البحث والعلم.
(٣) الحطاب أول من تعرض لفكرة الإلتزام ببحث مستقل بذاته لم يسبق لمثله جمع فيه مسائله المتفرقة في كتب الفقه بالنسبة لفروع المالكية.
стр. 377
(٤) فبنى الحطاب فكرة الإلتزام في مؤلفه هذا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعروف عنده هو الأمر الجائز شرعاً.
(٥) وضع الحطاب نظرية الإلتزام في الشريعة الإسلامية وفق مبادئ وأسس انتهى إليها الحطاب، واستخلصها منكتب الفروع يمكن ابرازها في الآتي:
أ- للإلتزام عند الحطاب أركان أربعة: الملتزم، والملتزم له، والملتزم به، والصيغة.
ب- قسم الحطاب الإلتزام إلى أقسام أربعة تنحصر في الآتي: الإلتزام المطلق، ويقصد به إلتزام غير المعلق على شيء، وثلاثة أقسام أخرى تشمل الإلتزام المعلق، وجعل معيار التفرقة بين هذه الأقسام الثلاثة راجعاً إلى نوع التعليق الذي قد يكون معلقاً على فعل الملتزم، أو على فعل الملتزم له، أو تعليقاً على غير فعل أي منهما، وقد ضرب الحطاب أمثلة مثيرة على ذلك تشمل جميع أقسام الإلتزام عنده.
(٦) انتهى الحطاب في عرض نظريته إلى تفريع لها جمع فيه مسائل حكم فيها بإسقاط اللزوم لكونها من باب إسقاط الحق قبل وجوبه، أو لكون الإلتزام فيها مخالفاً لمقتضى العقد.
(٧) الفقه الإسلامي هو النظام الكامل الشامل لكل ما تتطلبه الحياة العامة والخاصة للأفراد والجماعات في كل زمان ومكان ولإبراز سمو التشريع الإسلامي أقترح أن تدرس هذه النظرية من زاوية أخرى دراسة مقارنة بالقانون الوضعي تحت عنوان "نظرية الحطاب في الإلتزام في الشريعة الإسلامية" بحث مقارن تحقيقاً
لمبدأ أن التشريع الإسلامي لا يقتصر نفعه على الأمة الإسلامية وحدها بل عام للإنسانية جمعاء لأنه قد أسس على قواعد يعجز عن فهمها البشر، وبنيت أحكامه على العدالة والإعتدال من غير إفراط ولا تفريط.
стр. 378
وفي الختام أقول أنني قد بذلت جهداً لا أدعي أنني بلغت به درجة الكمال، فالكمال لله وحده ... فإن وفقت بتوفيق من عنده وإن كانت الأخرى فحسبي أني قد بذلت وسعي وما قصرت.
وأخيراً أدعو الله بقوله تعال:
وبقوله تعالى "ربنا لا تآخذنا إن نسينا أو أخطأنا"
"ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير"
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد السلام محمد الشريف