← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

شرح ابْن نَاجِي التنوخي قَاسم بن عِيسَى بن نَاجِي الْمُتَوفَّى ٨٣٧ هـ على متن الرسَالَة للْإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي زيد القيرواني الْمُتَوفَّى سنة ٣٨٦ هـ أعتنى بِهِ أَحْمد فريد المزيدي الْجُزْء الأول دَار الْكتب العلمية

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ترجمة مختصرة للمصنف هو الشيخ الإمام العالم العلامة الفقيه أبو الفضل وأبو القاسم: قاسم بن عيسى بن ناجي التنوخي القيروانى: من القضاة من أهل القيروان. تعلم فيها وولي القضاء فى عدة أماكن. له كتب منها: شرح المدونة الكبرى لسحنون. وزيادات على معالم الإيمان. شرح رسالة أبو زيد القيروانى. ومشارق أنوار القلوب , وشرح التهذيب للبراذعى. - الشافى فى الفقه. - وانظر: نيل الابتهاج (ص٢٢٣). - والبستان (ص١٤٩). - معجم المؤلفين (٢/ ٦٤٦) كتبه أبو الحسن أحمد فريد المزيدى ***

стр. 3

المقدمة الحمد لله مالك يوم الدين المعبود الموصوف بالقدم والجود، الذى خلق الإنسان من طين وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وشق سمعه وبصره وأنشأه خلقاَ آخر فتبارك الله أحسن الخالقين؛ اخترعه وابتدعه، ثم وفقه لما ارتضاه وشرعه، فسبحان من رفع فى جنته درجة من سبقت له العناية بتفقهه في الدين، وبجمعه ما اقتفى من آثار السلف الصالح وبثه لسائر العالمين، أحمده على ما أسبغ من آلائه وعلم من عظيم دينه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله التي الكريم الرءوف الرحيم، المبعوث بالحنيفية السمحة ليبين للناس ما نزل إليهم من تحليل وتحريم، صلى الله وعلى آله أفضل صلاة يتبعه أفضل تسليم. وبعد: فإنه لما كثر إقرائي لرسالة الشيخ الفقيه العالم العامل الورع أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني استخرت الله في وضع تعليق يعين الناظر على ما يتعلق بما تكلم عليه الشيخ من أقوال في المسألة وتتميم لما نطق به الشيخ من ظاهر كلامه إلى غير ذلك من الفوائد فمهما عبرت ببعض شيوخنا فهو الشيخ الفقيه العالم الصالح التقي الزاهد أبو عبدالله محمد ابن الشيخ الصالح المجاور والمرحوم أبي عبد الله محمد بن عرفة الورغمي عرفه الله الخير في الدنيا والآخرة ومهما عبرت به فأكثره من تأليفه المنسوب إليه بعضه تلقيه من بعض من لقيناه وأقله سمعته منه مشافهة نسأل الله تعالى الإعانة وهو حسبنا ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 4

الكتاب الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته: الحمد لله ثمانية أحرف والجنة لها ثمانية أبواب فمن قال الحمد لله فتحت له أبواب الجنة الثمانية قاله ابن الخطيب. وابتدأ الشيخ بالحمد لأنه مفتتح كتاب الله الكريم فجعله فاتحة كلامه وأول ما جاء به القرآن في نظامه ولأنه سنة رسول الله ﷺ في كتبه ومواعظه وسنة الخلفاء الراشدين من بعده روي أن رسول الله ﷺ قال: "كل أمر ذي بال لا يبتدأ فيه بالحمد لله فهو حرام" وفي رواية: "فهو أقطع" وفي رواية: "فهو أبتر" وبذلك تعقب الشيخ الفقيه أبو محرز على أسد بن الفرات لما بادر في قراءة عقد فقال: هذا ما اشترى الأمير الأجل. فقال أبو محرز أخطأت يا أسد وبين له خطأه لما سأل عن ذلك بتركه الحمد لله حسبما هو مذكور في كتاب أبي بكر المالكي والمدارك لعياض ولولا الإطالة لذكرت القضية بكمالها وليس المراد بعين لفظ الحمد بل المطلوب إيقاع ذكر من الأذكار إذ المراد بحمدا لله الثناء على الله سبحانه. وبذلك أجيب عن مالك بن أنس ﵀ لكونه ابتدأ كتابه الموطأ بوقوت الصلاة فإنه ابتدأ ببسم الله الرحمن الرحيم وهو الجواب عن الشيخ أبي القاسم الزجاجي، ومن الشيخ أبي عمر وابن الحاجب وغيرهما. واختلف هل الحمد أعم من الشكر أم لا على ثلاثة أقوال: فقيل بذلك لأن الشكر إنما يكون في مقابلة الإنعام وقيل عكسه لأن الشكر يكون بالقول والفعل بخلاف الحمد إنما يكون بالقول خاصة وقيل ليس بينهما عموم ولا خصوص فيستعمل كل واحد منهما في موضع الآخر، والمراد بالإنسان الجنس. وقول من حمله على عيسى ﵇ بعيد وأبعد من قول من حمله على آدم ﵇ والباء في قوله بنعمته للمصاحبة أو السبية أي ابتدأه بسبب أن ينعم عليه والضمير المضاف إليه نعمة يعود على الخالق سبحانه ويجوز عوده على الإنسان لما كانت النعمة ملتبسة به ومصاحبة له. وظاهر كلام الشيخ أن لله على الكافر نعمة وهو كذلك عند أكثر العلماء في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فواضح وأما في الآخرة فلأن ما من نعمة وعذاب إلا وثم ما هو أشد منهما إلا أنه لا يقال إنهم في نعمة لأنهم في محل الانتقام والغضب

стр. 5

والعذاب الشديد لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون. ونقل الشيخ أبو بكر بن العربي عن الشيخ أبي الحسن الأشعري أنه قال لا يقال إن لله تعالى على الكافر نعمة لا دينية ولا دنيوية، وجعل التالي الخلاف لفظيا بعيد لما قدمت والله أعلم. (وصوره في الأرحام بحكمته): الضمير يعود على الإنسان وهو للجنس فلذلك جمع الأرحام باعتبار ما في الجنس من الجمع، ومعنى بحكمته أي بعلمه ومشيئته وهي وضع الشيء في محله، ألا ترى أنه وضع البصر وجعله في أعلى الجسد لتكون منفعته أعم وأتم وجعل عليه أجفانا كالأغطية تغطي وتقيه من الآفات وجعلها متحركة تنطبق وتنفتح على مقدار حاجته وجعل في أطرافها أشفارا تدع الذباب والهوام إذا نزلت عليها، وجعلها عليه زينة كالحلية لماي حلى وجعل عظم الحاجب ناتئا عليها يقيها ويدفع عنها لما كانت لطيفة في شكلها إلى غير ذلك من المصالح والمنافع والآلاء التي لا يحيط بها إلا خالقها تعالى، هذا بالنظر إلى ما في عضو من أعضائه فما ظنك بسائر جسده. (وأبرزه إلى رفقه وما يسره له من رزقه): أي أبرزه من الصلب إلى الرحم وقيل: أوجده وأخرجه من الضيق ضيق الأحشاء إلى الموضع الواسع وخلق تعالى في قلوب عباده الرفق الشفقة عليه ويسر له رزقا لينا في ثدي أمه متوسطا بين الملوحة والعذوبة باردا في الصيف حارا في الشتاء يخرج من عرقين يتغذى من أحدهما يشرب من الآخر، وتكفل برزقه مدة حياته ودفع عنه مالا يستطيع دفعه عن نفسه منة منه تعالى عليه ولطفا به. واعلم أن مذهب أهل السنة أن الله تعالى يرزق الحلال والحرام فجميع ما يتغذى به الإنسان من حلال أو حرام فهو رزقه. قال الله : (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) [هود: ٦] وقد علمت أن جميع المكلفين لا يأكلون الحلال كلهم لأنهم قد يسرقون ويغصبون يتغذون به وقد قال رسول الله ﷺ "وإن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها": وأجمع المسلمون على القول بأن الله تعالى هو الذي يرزق البهائم ما تأكله وليس لها ملك فدل ذلك على أن الغذاء يكون رزقا لمن أكله وإن لم

стр. 6

يملكه. وهذا الذي ذكرنا معناه لابن فورك. (وعلمه ما لم يكن يعلم وكان فضل الله عليه عظيم): جعل يعدد نعم الله تعالى على عباده وتنقله من طور إلى طور إلى أن يصير هذا الإنسان يعلم مصالح نفسه فيقصدها ويجتنب مضارها فيباعدها قال الله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) [النحل: ٧٨] قال القرافي: وقع في "كان" حديث الفقهاء، هل يجوز إطلاقها على وجوده أم لا؟ فمنع قوم كثي لإشعارها بانصرام الشيء وعدمه، والصحيح جوازه لأنها أعم فلا دلالة لها على خصوص الانقطاع فجاز أن تقول كان الله سبحانه ولا شيء معه ولا محظور في ذلك. (ونبهه بآثار صنعته): أي أيقظه من نوم الغفلة والجهالة بإيجاد آثار صنعته قال الله تعالى: (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [الذاريات: ٢١] وقال تعالى: (ومن ءاياته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) [الروم:٢٢] إلى غير ذلك من الآي فمن وفقه الله ونبهه وأيقظه وتأمل بأدنى فكره مضمون هذه الهيئات وأدار ذهنه على عجائب خلق الأرض والسموات وبدائع فطر الحيوان والنبات علم أن هذا الأمر العجيب والترتيب المحكم الغريب لا يستغنى عن صانع يدبره وفاعل يحكمه ويقدره. وفي كلام الشيخ حذف لا بد من تقديره كأنه قال ونبهه بآثار صنعته على وجوده ووحدانيته وغير ذلك من صفاته. (وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخيرة من خلقه): الإعذار: المبالغة في طلب المعذرة ومنه الإعذار في الحكم، قالوا: أعذر من أنذر أي بالغ في المعذرة من تقدم إليك بالإنذار وقد ورد النص بذلك في مواضع منها قوله تعالى (ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا) [طه:١٣٤]. (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [النساء:١٦٥] و (أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير) [فاطر:٣٧] إلى غير ذلك من الآي. والألسنة جمع لسان وهو يذكر ويؤنث من ذكره ذهب به مذهب الدليل والبرهان، ومن أنثه ذهب به مذهب اللغة والحجة.

стр. 7

والمرسلون: جمع مرسل وهو المأمور بتبليغ الوحي، وهو أخص من النبي والمرسلون ثلاثمائة وثلاثة عشر كلهم أعجمي إلا خمسة: محمد، واسماعيل، وصالح، وشعيب، وهو على جميع الصلاة والسلام. والخيرة بتسكين الياء وفتحها ذكر اللغتين الجوهر وغيره، قبل بالفتح المصدر وبالسكون الاسم وقيل بالعكس ذكره ابن جني. قال التادلي: ويجوز أن يكونا مصدرين وجاء أحدهما مسكن الياء رغبة في التخفيف وفي هذا تنبيه على أن العقل لا يكتفي به عن بعثة الرسل وأنه لا يحسن ولا يقبح فلا حكم إلا ما جاءت به الرسل ولا حسن ولا قبح إلا ما حسنه الشرع وقبحه، وظاهر كلا المصنف يقتضي تفضيل الأنبياء على الملائكة على جميعهم الصلاة والسلام وهو المختار عند أهل الحق على ما يأتي إن شاء الله تعالى. قال التادلي: وهذا الأخذ يتأتى إذا جعلت "من" في قوله: "من خلقه" لبيان الجنس وإن جعلت للتبعيض فلا. (فهدى من وفقه بفضله وأضل من خذله بعدله): الهدى هو البيان والإرشاد ومنه قوله تعالى: (وهديناه النجدين) [البلد:١٠] وهديناه السبيل أي بينا له طريق الخير والشر وقيل: هي المعرفة فمن سبقت له العناية الأزلية وهي التوفيق اهتدى وسلك طريق الخير ومن لم تسبق له العناية أضله الله وصرفه عن طريق الخير. فهداية المهتدين وسلوكهم طريق الخير إنما هو بفضل الله إذ ليس ذلك عوضا من شيء ولا سابقة استحقاق للعبد ولا يجب ذلك على الله تعالى بل هو فضل محض والإضلال والخذلان منه عدل إذ هو تعالى مالك لجميع الأشياء ولا حجر عليه فيها وذلك نفى الله تعالى الظلم عن نفسه فقال تعالى: (ومارك بظلام للعبيد) [فصلت:٤٦]. قال بعضهم كل وصف صالح وصالح ورد في القران مكررا مرتين أو أكثر إلا التوفيق فإنه لم يرد إلا مرةواحدة في قوله تعالى: (وما توفيقي إلا بالله) [هود:٨٨]. تنبيها على قلة المتصف به قيل له: قد ذكره في مواضع آخر في قوله تعالى: (إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) [النساء:٦٢] وقوله: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) [النساء:٣٥] قال هذا توفيق دنيوي والذي لم يتكرر التوفيق الأخروي.

стр. 8

(ويسر المؤمنين لليسرى وشر صدورهم للذكرى فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين وبقلوبهم مخلصين) يسر أي هيأ، ومنه قوله ﷺ "وكل ميسر لما خلق له" واليسرى قيل المراد بها الجنة أو الخير أو طريقهما لأن طريق الخير عاقبته يسر ويجوز أن يراد بالتيسير تهوين فعل الطاعات بأن يجعلها فيهم محبوبة لهم حتى تكون عليهم أهون الأمور وأيسرها. ومعنى شرح: فتح ووسع ومنه شرح المسائل إذا بسطها وعبر بالصدور عن القلوب كما يعبر عنها بالأفئدة وهو من التعبير عن الشيء بمحله أو بمجاوره، والذكرى مصدر ويراد به الموعظة فنور قلوبهم، ووسعها حتى قبلوا المواعظ واهتدوا بها، وتعلموا مقتضاها فكان ذلك سببا لإيمانهم بوجود الله تعلى ووحدانيته، وكتبه ورسله واليوم الآخر، فأمنوا بالله نطقا واعتقادا وعملا بما أتتهم به الرسل امتثالا وتصديقا بقول الله تعالى: (وما ءاتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر:٧] ووقفوا عند ما حد لهم. (أما بعد، أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه وحفظ ما أودعنا من شرائعه): أي ما بعد ما سبق قيل إن رسول الله صلى الله ﵇ كان يقولها في خطبه. قال جماعة: هي فصل الخطاب الذي أوتيه داود ﵇، وقيل: هو أول من قالها. وقيل: أول من قالها قس بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي وتسمى كلمة إقبال وفصل وتفصيل وفيهما معنى الشرط، والتحقيق أن الفصل والشرط إنما هو في إما خاصة دون بعد فقيل إن أما

стр. 9

حرف تفصيل نابت عن حرف الشرط وفعله. وبعد بضم الدال وأجاز الفراء أما بعد بالنصب والتنوين وأجازه هشام بفتح الدال دون تنوين، وأنكره النحاس وفي علة ضم يعد للنحويين بضعة عشر قولا وهي كلمة توضع في صدور الرسائل عند إرادة المقصد قال ثعلب: معناها خروج عما نحن فيه إلى غيره وفيها معنى التنبيه. وقول الشيخ، وإياك: خطاب للمؤدب العابد محرز وإن كان دخل معه في الضمير في أعاننا ولكن أراد أن يفرده بالذكر لأنه الذي سأله تأليف الرسالة وهكذا قال غير واحد من التونسيين وغيرهم كابن سلامة وناصر الدين. وقال أبو زيد عبدالرحمن بن الدباغ القروي صاحب معالم الإيمان الذي سأله تأليفها هو الشيخ الصالح أبو إسحاق إبراهيم السبائي وهو ضعيف ولا يقال إنهما معا سألاه وأسعهما جميعا لأن إفراد الضمير يأباه، وأيضا فإنه قوله: كما تعلمهم حروف القرآن يدل على أنه المؤدب محرز لأني لا أعلم أحدا ممن تعرض لمناقب أبي إسحاق ذكر أنه كان مؤدبا وقدم الشيخ نفسه في الدعاء تأديبا بآداب الشريعة بالكتاب والسنة، أما بالكتاب فقوله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد:١٩] (رب اغفر لي ولوالدي) [نوح:٢٨] (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [الحشر:١٠] ، وأما بالسنة فروى أو داود في سننه أنه ﷺ كان إذا دعا بدأ بنفسه وقال ﷺ "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" فإذا طلب تقديم النفس في الدنيا فطلبه في أمور الآخرة أولى وقال الشيخ ناصر الدين خلاف ذلك قال: فإن قلت لم قدم نفسه في الدعاء وكان الأولى تقديم غيره فيقول أعانك الله وإياي، إذ هو أتم في الإيثار. فالجواب لا نسلم أنه قدم نفسه فقط لجواز أن يكون الضمير في أعاننا أراد به نفسه والسائل، فإن قلت: لا فائدة إذن في قوله وإياك قلت فائدته تحقيق الغير في الدخول. والرعاية والحفظ والكلأ والمراقبة، كلها بمعنى واحد وهو القيام بالشيء والاحتفال به. والودائع: الأمانات وقيل العبادات كالوضوء والصلاة وقيل الجوارح وقيل لا يمتنع أن تكون الودائع مجموعة ما تقدم لأن الإنسان راع على جوارحه وعبادته وجميع

стр. 10

تصرفاته. وقد قال ﵇ "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته" والشرائع جمع شريعة وهي أحكام الله تعالى التي تتلقى من رسله وحفظ الشرائع الإتيان بها من جميع جهاتها من فرض وسنة وفضيلة. (فإنك سألتني أن أكتب لك جملة مختصرة من واجب أمور الديانات): السؤال والالتماس يكون من المتماثلين والدعاء من الأدنى إلى الأعلى والأمر عكسه هكذا قال بعض من شرحها وليس كذلك قال في الجمل: واللفظ المركب إن دل بالقصد الأول على طلب الفعل كان مع الاستعلاء أمرا ومع الخضوع سؤالا ومع التساوي التماسا والجملة من أجملت الشيء إذا لم تفصله ومنه أجملت الحساب إذا جمعت بعضه إلى بعض والاختصار والتعبير باللفظ القليل عن المعنى الكثير. والأمور جمع أمر، والأمر تارة يراد به الفعل والشأن وتارة يراد به القول الطالب للفعل على سبيل الاستعلاء فالذي بمعنى القول يجمع على أوامر، والذي بمعنى الفعل، والشأن يجمع على أمور فلذلك أضاف الواجب إلى الأمور لأن الأحكام الشرعية هي المتعلقة بأفعال العباد وأفعال العباد لا تخرج من نطق اللسان واعتقاد القلب وعمل الجوارح، والألسنة: جمع لسان يذكر ويؤنث ويقع على العضو المعروف. ويقع على اللفظ والكلام فمن ذكره ذهب به مذهب الدليل ومن أنثه ذهب به مذهب الحجة. والقلوب: جمع قلب والجوارح الكواسب وهي أعضاء الإنسان التي يكتسب بها الخير والشر. (وما يتصل بالواجب من ذلك من السنن ومن مؤكدها ونوافلها ورغائبها وشيء من الآداب منها): اعلم أن كل مطلوب بالشرع ليس بواجب يصح أن يطلق عليه مندوب ومسنون ومرغب فيه وفضيلة ونافلة إلا أن الفقهاء لا سيما المالكية خصوصا خصوا كل لفظ بمعنى يخصه فقالوا الفرق بين السنة والفضيلة والنافلة: أن السنة ما فعله النبي ﷺ وداوم عليه وأظهره في الجماعة ولم يدل على وجوبه كالوتر، والفضيلة والمرغب فيه ما كان دون السنة في الرتبة إما لأن النبي ﷺ لم يفعله في الجماعة كركعتي الفجر أو لم يداوم عليه كصلاة الضحى.

стр. 11

والنوافل: هي أتباع الفرائض ونحو ذلك، وقول الشيخ من مؤكدها بدل من السنن، والآداب: جمع أدب وهو فعل ما يحسن بينه وبين ربه وقصد بذلك ما ذكره في الجامع من آداب الأكل والشرب إلى غير ذلك. (وجمل من أصول الفقه إلى آخره): يصح في جمل النصب عطفا على جملة مختصرة عطفا على السنن، وأصول الفقه أراد به أمهات المسائل ويدل على أن هذا مراده. (وفنونه): أي ما يتفرع منه وما يتقنن، والفنون جمع فن وهو الفرع قال بعضهم ويحتمل أن يريد بأصول الفقه أدلته على ما هو المصطلح عليه عند بعض المتقدمين وقد ذكر شيئا من ذلك في باب جمل من الفرائض والسنن واستعمل فيه طريق القياس على المتعارف عند الأصوليين ومن جملةذلك إن قال الخمر حرام، وقال ﵇ "كل ما اسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام" فكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر وهو حرام وهذا استعمال للمقدمات والنتائج والله أعلم. فإن قيل لم طلب السائل أن يكون على مذهب مالك وهو ميت مع تمكنه من تقليد إمام حي وهو مؤلفه ابن أبي زيد وقد أجمع أهل الأصول على منع تقليد الميت كما حكاه القرافي في شرح المحصول قال نص ابن أبي الملحمة في شرح الرسالة على أنه لا يجوز تقليد العالم مع وجود الأعلم وإن كان ميتا لأن يموته أمن من رجوعه عن قوله بخلاف الحي. قال التادلي: وبصائر أهل الأبصار والأمصار اليوم على ذلك من غير تنازع ولو سد هذا الباب لقلد من لا يستحق التقليد لا سيما وقد فسدت العقول وتبدلت وكثرت البدع وانتشرت، فكان الرجوع والفزع إلى سلفنا الصالح المسلمين وأئمة الدين هو الواجب على المقلدين بل على أكثر المجتهدين واختار الشيخ مذهب مالك لأنه إمام دار هجرة رسول الله ﷺ وهو المعني في قول أكثرهم يقول رسول الله ﷺ : "ويوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل في طلب العلم فلا يجدون أعلم من عالم المدينة" وقيل إنما اختاره لأنه جمع بين الشرفين الحديث والفقه وغيره من أئمة الدين

стр. 12

إما فقيه صرف كالشافعي وأبي حنيفة ليس لهما ذكر في الصحيحين وإما محدث صرف كأحمد وداود. وقيل لأن أئتمته أخذوا عه بعد أخذه عنهم إلا القليل كابن شهاب فقيل أنه لم يأخذ عنه، وقيل لشدة اتباعه السف. وقد قال ليس لأحد رأي مع السنة وما استمر عليه عمل أئمة الهدى وقد أجمع أهل الفضل على فضل مالك رحمه الله تعالى، ولم يزل أئمة الدين المقتدى بهم المعول في التحقيق عليهم يختارون مذهبه ويرجحونه على غيره من المذاهب كله والحمد لله على تمهيده. وذكر أبو محمد عبد الله بن سلامة أن القاضي أبا بكر لسان الأمة وسيد أهل السنة ﵁ كان في مجلس إقرائه وبين يديه جمع وافر وكان يقرئ المذاهب الأربعة ويرجحها ثم يأخذ في الترجيح والاحتجاج لمذهب الإمام مالك ﵀ فقال بعض أهل المجلس: ما وجهتموه رضي الله عنكم ليس بواضح، هذه حجة ضعيفة قال: فاصفر لونه وتغير وجهه وأطرق مليا ثم قال: يا هذا أتقول في إمام دار هجرة رسول الله ﷺ حجة ضعيفة وأين الأدب مع العلم وأهله اخرج من مجلسي واحذر أن تقع عيني عليك بعد هذا اليوم. فلم يقدر أن يسكن معه العراق وانتقل إلى القيروان واستوطنها ودرس فيها مذهب مالك وألف كتابا في مناقب الشيخ أبي بكر وصدره بمسألته هذه فجزاه الله خيرا عن تخلقه وتواضعه. والمذهب والطريقة قيل هما بمنعى واحد وإنهما لفظان مترادفان وقيل مذهبه ما يفتي به وطريقته ما يفعله في خاصة نفسه فقد يحمل على نفسه أشياء لا يفتي بها غيره، وقيل مذهبه ما قاله وثبت عليه وطريقته ما قال ورجع عنه، والصواب أنه أراد بالمذهب قول مالك والطريقة قول أصحابه إذ طريقة أصحابه طريقته ولذلك تجد الشيخ كثيرا ما يذكر قول بعض أهل المذهب ويترك قول مالك وإلى هذا كان يذهب شيخنا أبو محمد عبد الله ابن الشيخ أبي محمد عبد الله الشبيبي وكان من عادته التكلم بالوعظ في أول ميعاده لكثرة من يحضر عنده من العوام، فتارة يعظ في تفسير كتاب الله وهو الأعم والأغلب منحاله وتارة يعظ في تفسيره لمسلم وتارة فيهما وفي قراء العقيدة فقرئ عليه هذا المحل سنة فذكر ما قلناه. وقال: سأعرف بمالك وأصحابه فكان كل يوم يذكر رجلا ورجلين ويعظ على نحو ما يذكر من الحكايات المنقولة في الذي يعرف به إلى أن وصل إلى الشيخ أبي يوسف الدهماني وهو آخر من ذكر الشيخ

стр. 13

صاحب معالم الإيمان نفعنا الله بجميعهم. وكان الشيخ المذكور يقرئ العلم من طلوع الشمس أو قرب طلوعها إلى أن تحضر صلاة الظهر وكان فصيحا متواضعا لا يعنف على من يستشكل أو يسأل فيخرج لينال شيئا من الطعام ويتوضأ بعد ويصلي الظهر قريبا من العصر ثم يصلي العصر ويجلس ليجود عليه من حينئذ إلى أن تصلي العشاء الآخرة وربما يقرأ عليه بعد ذلك وظهرت له كرامات متعددة والغالب أن من قرأ عليه انتفع من حسن نيته وكثرة بيانه. نسأل الله أن ييسر علي بتأليف كتاب أذكر فيه أيضا فضل الشيخ وما كان عليه. (مع ما سهل سبيل ما أشكل من ذلك إلى آخره): سهل بمعنى يسر وهون والرسوخ لغة الثبوت فيريد الثابتين في العلم والمتفقهون الفقهاء وأراد بذلك أصحاب مالك كابن القاسم وأشهب وابن وهب وغيرهم ويقال فقه بكسر القاف إذا فهم وفقه بفتحها إذا سبق غيره للفهم وفقه بضمها إذا صار له الفقه سجية ذكره ابن عطية وغيره. قال صاحب البيان: التفقه في القرآن معرفة أحكامه وحدوده ومفصله ومجمله وعامه وخاصه وناسخه ومنسخوه وذلك أكد من حفظ شواذ حروفه، فإن لم يتفقه فيه ولا عرف شيئا من معانيه فهو كمثل الحمار يحمل أسفارا. (لما رغبت إلى آخره): هذا بيان للسبب الموجب لسؤال السائل تأليف هذه الرسالة وهي الرغبة في تعليمه للولدان أو يكون بيانا لسبب سؤاله أن تكون جملة مختصرة لأنها أقرب للحفظ وأسهل للضبط. والبركة: الخير وزيادته. (فأجبتك إلى ذلك إلى آخره): المراد بهذه الجملة ترجي حصول الثواب لهما، هذا بدعائه، وهذا بتعليمه قيل ويحتمل أن تكون "أو" بمعنى الواو إذ كل واحد منهما في الحقيقة داع ومعلم فالشيخ أبو محمد داع بتأليفه مع جهة المعنى ومعلم به، والشيخ أبو محفوظ محرز داع إلى التأليف ومعلم به ولم يقطع بحصول الثواب لأن القبول مغيب وهو متوقف على العاقبة والله أعلم. (واعلم أن خير القلوب إلى آخره): يعني أن القلوب متفاضلة فأفضلها أكثرها وعيا للخير وأقربها من هذه الحالة قلب

стр. 14

لم يسبق الشر إليه إذ لا مانع فيه وقلوب الصبيان بهذه المثابة. (وأولى ما عني الناصحون به إلى آخره): الناصحون المرشدون للخير المحذرون من الشر. والرسوخ الثبوت. والتنبيه هنا الإيقاظ من سنة الغفلة والجهالة والمعالم المراد بها قواعد الدين. وخرج مسلم أن النبي ﷺ قال: "الدين النصيحة" قالها ثلاثا قيل لمن يا رسول الله قال: "لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" فهذا من النصح لعامة المسلمين. (وما عليهم أن تعتقده من الدين قلوبهم إلى آخره): قيل يحتمل أن تكون ما استفهامية التقدير أي شيء عليهم في ذلك أي: أي مشقة تلحقهم فيه مع كبير فائدته وهو الرسوخ في القلب والرياضة والتأنيس وحصول شرف الدنيا وعز الآخرة فتحصل لهم المنفعة بهذه الجملة والسيادة بعلمها، ألا ترى أن النبي ﷺ قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب" ومنهم من حمل قوله وما عليهم على النفي للوجوب وضعف لأن اللفظ لا يساعده. ومعنى قول الشيخ يطفيئ غضب الله أي النار التي أعد الله لمن خالف أمره ونهيه والمراد إطفاء الغضب عن آبائهم ومن تسبب في تعليمهم أو معلميهم أو عنهم فيما يستقبل من الزمان، وقد ورد: لولا صبيان رضع وشيوخ ركع وبهئائم رتع لصب عليكم العذاب صبا. (وقد مثلت لك إلى آخره): الانتفاع بالرسالة ظاهر لا ينكر وقيل فيها أربعة آلاف مسألة والنفع يقع بكل مسألة منها فضلا عن الكل وكل مسألة بحديث فقيها أربعة آلاف حديث وأسندها الأبهري في كتاب سماه مسالك الجلالة في إسناد أحاديث الرسالة. (وقد جاء إلى آخره): روى هذا الحديث جماعة منهم ابن وهب في المدونة. ورواه ابن أبي شبية في مصنفه ورواه ميسرة بن معبد الجهني عن النبي ﷺ وليس في حديث ميسرة التفريق في المضاجع والعجب أنهم اختلفوا مع ذلك في الوقت الذي يؤمر فيه الصبي بالصلاة،

стр. 15

فقال يحيى بن عمر يؤمر بها إذا عرف يمينه من شماله فقيل بظاهره وقيل إذا ميز الحسنات من السيئات لأن كاتب الحسنات عن يمينه وكاتب السيئات عن شماله وكلا التأويلين نقلهما التادلي. وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون يؤمر بها إذا أطاقها وإن لم يحتمل. وما روي عن مالك في المجموعة يؤمر بها إذا بلغ الحلم فمحمول على أمر المكلفين. وروى ابن وهب عن مالك في العتبية يضربون عليها لسبع، واختلف في الزمان الذي يفرق بينهم في المضاجع عنده، فقال ابن القاسم: إذا بلغ سبع سنين. وقال ابن وهب إذا بلغ عشر سنين ولا يؤمر المطيق للصوم به على المشهور وفرق بينهما بثلاثة فروق أذكرها إن شاء الله تعالى في الصوم. قال ابن رشد للصبي حال لا يفهم فيها ولا يعقل، فحاله فيها كالبهيمة فعله جبار، وحال يعقل فيها ينبه فيها الصبيان على الصلاة والزكاة. ثم اختلف في أجر الصبي لمن يكون فقيل للأب وقيل للأم وقيل بينهما قال بعضهم: ولا يمتنع أن يكون للصبي أجر أيضا، وقد قال النبي ﷺ لما سئل عن الصبي ألهذا حج قال: "نعم ولك أجر". (فكذلك ينبغي إلى آخره): العباد جمع عبد وهو يجمع على عباد وعبيد وأعبد القول ما يتلفظ به والعمل ما يتعلق بالجوارح والقلوب وهو يتناول القول بخلاف الفعل فإنه لا يتناوله هكذا أدركت بعض من لقيته يقرره فيكون على هذا عطف الشيخ العمل على القول من باب عطف العام على الخاص، والدليل على ذلك قول النبي ﷺ "وإنما الأعمال بالنيات" فهو يتناول القول بلا شك وحمل بعض الشيوخ كلام المؤلف على أن القول مغاير للعمل لأن الأصل في العطف المغايرة قال: ويقوي ذلك ما روي عن النبي ﷺ أنه قال "اللهم أني أعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول وعمل" وقد قال بعض الناس في قول النحاة فعل ولم يقولوا علم لأن الفعل يعم القول والعمل. والبلوغ يكون بالاحتلام اتفاقا، ويكون بالسن واختلف في مقداره على أربعة أقوال: فقيل: خمس عشرة سنة، قاله ابن وهب، وقيل سبع عشرة سنة وقليل ثمان عشرة

стр. 16

سنة وكلاهما لابن القاسم والآخر منهما هو المشهور قاله المازري، وقيل ستة عشر سنة ذكره ابن رشد مع الثلاثة الأول في كتاب المأذون له من المقدمات ولم يعزها. وما ذكرناه هو الذي أعرف في المذهب، وذكر التادلي عن أبي محمد صالح قولا خامسا تسع عشرة سنة ولا أعرفه، واختلف في الإنبات فقيل علامة للبلوغ وقيل لا وكلاهما في المدونة في كتاب السرقة والأول لمالك والثاني لابن القاسم. قال ابن رشد وهذا فيما يلزمه في ظاهر الحكم من طلاق وحد وفيما بينه وبين الله لا يلزمه وقول الفاكهاني ثالثها يعتبر في الجهاد خاصة لا أعرفه، وهذه العلامات يشترك فيها الذكر والأنثى وتزيد الأنثى بالحيض والحمل وظاهر كلام أهل المذهب أن تغير رائحة الجناحين ليس بعلامة وفي الذخيرة أنه معتبر. (وسأفصل لك إلى آخره) انتصب بابا على الحال وإن لم يكن مشتقا لكنه بمعنى المشتق إذ هو في معنى مفصل فهو مشتق من التفصيل وفعل ذلك لأنه أعون على الحفظ وأقرب إلى الفهم. ونستخير أي نطلب منك الخيرة وكذلك ينبغي لكل عازم على أمر أن يستخير الله في الاقدام عليه فإن في الاستخارة تسليما لأمر الله تعالى. ونستعين أي نطلب منك الإعانة. وعن ابن مسعود ﵁: سمعني رسول الله ﷺ وأنا أقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فقال: "أخبرك بتفسيرها" فقلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله فقال: "لا حول عن معصية الله إلا بمعصية الله ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله" وفي رواية أنه قال كذا أخبرني جبريل عن الله . وعن النبي ﷺ أنه قال: "أكثروا منقول لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإنه يدفع تسعة وتسعين داء أدناها اللمم". قال الفاكهاني: اللمم لفظ مشترك والظاهر اللائق بالحديث إن شاء الله تعالى أنه الطرق من الجنون يقال رجل ملموم أي به لمم لأنه من جملة الأدواء وعن مكحول ﵁ من قالها كشف الله عنه سبعين بابا من الشر أدناها الفقر. وأجاز النحويون في لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم نصبها من غير تنوين ورفعها مع

стр. 17

التنوين ونصب الأول من غيرتنوين. ورفع الثاني معه والعكس. وقول الشيخ وصلى الله على سيدنا محمد الصلاة من الله رحمة ومن الملائكة استغفار ومن الآدميين تضرع ودعاء والإجماع أن الصلاة عليه واجبة على الجملة. واختلف في الصلاة على غيره ﷺ فقال عياض في الشفاء وجدت بخط بعض شيوخ مذهب مالك أنه لا يجوز أن يصلى على أحد من الأنبياء سوى محمد ﷺ وهذا غير معروف من مذهبه. وقد قال في المبسوط ليحي بن اسحاق أكره الصلاة على غير الأنبياء وما ينبغي لنا أن نتعدى غير ما أمر به. وقال يحيى بن يحيى لست آخذا بقوله ولا بأس بالصلاة عل الأنبياء كلهم وعلى غيرهم واحتج بحديث ابن عمرو وما جاء من تعليم النبي ﷺ عليه وفيه وعلى أزواجه وعلى آله. ووجدت معلقا عن أبي عمران الفاسي روي عن ابن عباس كراهة الصلاة على غير النبي ﷺ قال وبه نقول قال ولم يكن يستعمل فيما مضى وسمي نبينا بمحمد ﷺ لكثرة خصاله المحمودة وجمهور العلماء على جواز إضافة أل إلى المضمر كما فعله الشيخ في قوله وآله وأنكره الكسائي والنحاس والزبيدي وقالوا لا تصح إضافته إلى المضمر وإنما يضاف إلى الظاهر فيقال على آل محمد، وفي حقيقة الآل مذاهب فقال الشافعي: بنو هاشم وبنو المطلب وقيل: عشيرته وأهل بيته وقيل: جميع الأمة واختاره الأزهري وغيره من المحققين والسلام التحية. باب ما تنطق به الألسنة إلى آخره الباب هو الطريق للشيء الموصل إليه وهو حقيقة في الأجسام كباب المسجد مجاز في المعاني كباب ما تنطق به الألسنة وهو خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا باب بيان ما تنطق به الألسنة وما في قوله ماتنطق بمعنى الذي ومن من قوله من واجب أمور الديانات للتبعيض لأن واجب أمورالديانات أعم من أن يكون نطقا أو اعتقادا ويجوز أن تكون لبيان الجنس فيكون مراده ما يجب اعتقادا ونطقا ومتعلقا بهما. (من ذلك الإيمان إلى آخره): الإيمان في اللغة هو التصديق مطلقا سواء كان بالقلب أو باللسان أو بهما. وفي الشرع هو التصديق بالقلب بوجود الحق وصفات كماله وجلاله وصحة الرسالة وما جاءت به الرسل من عنده مع الجزم بذلك كله. وهل يشترط الإقرار باللسان به أم لا، فقيل يشترط وهو مذهب الجمهور، فمن آمن بقلبه، ولم ينطق بلسانه

стр. 18

ومات فإنه كافر وقيل ليس بشرط قاله القاضي أبو بكر الباقلاني. وبه قال ابن رشد وهو ظاهر المدونة، لو أجمع على الإسلام بقلبه فاغتسل له أجزأه وإن لم ينو الجنابة لأنه نوى الظهر ولما كان ظاهرها كما قلنا مخالفا للجمهور نسبه ابن الحاجب للمدونة فقال: وفيه لو أجمع على الإسلام واغتسل له أجزأه وإن لم ينو الجنابة لأنه نوى الطهر وأردفها بقوله وهو مشكل. وقال بعض شيوخنا لعله يجمع بين القولين فيحمل الأول على غير العازم على النطق والثاني على العازم أو يحمل الأول على الآبي والثاني على غير الآبي. واختلف هل يكفي إيمان المقلد أم لا فجمهورهم على أنه كا غير أنه عاص بإهمال النظر المؤدي إلى العلم بالله وما يجب له، وقيده الغزالي يقيد أن يكون لذلك أهلا. قيل لا يكفي قاله القاضي أبو بكر وغيره. ومذهب أهل السنة أنه لا يشترط العمل بالجوارح خلافا للمعتزلة، والواحدة قال أبو المعالي: معناه المتوحد المتعالي عن الانقسام، وقيل معناه الذي لا مثل له. وقال القشيري الواحد: الذي لا قسيم له ولا يستثنى منه. قال الشافعي وغيره: واسم الجلالة ليس بمشتق. وقال غير واحد بل هو مشتق فإن قلت من جعل اسم الله مشتقا غير مرتجل يلزمه كون القديم مسبوقا بغيره ضرورة لأن المشتق منه سابق على المشتق فالجواب أن المشتق اللفظ لا مدلوله، أو نقول ليس المراد هنا الاشتقاق الذي هو إنشاء فرع عن أصل بل مجاوز وهو تقارب الألفاظ والمعاني صح من تعليق البسيلي ﵀. وقال صاحب الأسرار: والصحيح أنه كان مشتقا ثم صار علما جمعا بين القولين واختلف في اشتقاقه فقيل من لاه إذا علا يقال لاهت الشمس إذا علت إلى غير ذلك من الأقوال. وقول الشيخ لا إله غيره تأكيد ومبالغة في ثبوت الوحدانية ونفي إله آخر لأن صيغة النفي والإثبات أبلغفي نفي الكمية المتصلة والمنفصلة. وقد اختلف العلماء هل الأفضل للمكلف عند التلفظ بلا إله إلا الله مد الألف من لا النافية أو القصر فمنهم من اختار القصر لئلا تخترمه المنية قبل التلفظ بذكر الله تعالى ومنهم من اختار المد لما فيه من الاستغراق في نفي الألوهية، وفرق الفخر الرازي بين أن يكون أول كلمة فتقصر أو لا فتمد.

стр. 19

(ولا شبيه له إلى آخره): أي لا شبيه له في ذاته ولا نظير له في صفاته، هكذا فسره بعض الشيوخ وتردد بعضهم في ذلك هل الأمر كما تقدم أو هما لفظان مترادفان، والولد لغة يقع على الذكر والأنثى والوالد يقع على الأب الأدنى والأعلى وهو الجد لكنه حقيقة في الأدنى مجاز في الأعلى. (ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء): قال الفاكهاني: يريد أن الله تعالى يجب أن يكون قديما باقيا ويستحيل عدم ذلك عليه ولا تناقض في كلام المؤلف كما توهمه بعض الناس حيث قال أضاف الأولية والآخرية ثم نفاهما عنه كأنه قال له أولوية لا أولوية له، له آخرية لا آخرية له وليس كما توهم لما قيل إن الأول هو السابق للأشياء والآخر هو الباقي بعد فناء الخلق وليس معنى الآخر ما له انتهاء قاله الخطابي. واعلم أن كل ما له أول له آخر إلا الجنة والنار وينبغي أن يزاد على ذلك أهلهما والله أعلم. (لا يبلغ كنه صفته الواصفون) قصد الشيخ بقوله ليس لأوليته ابتداء وبقوله هنا لا يبلغ كنه إلخ إلى تفسير قوله تعالى (هو الأول والآخر والظاهر والباطن) [الحديد:٣] فمعنى قوله الظاهر بآياته الباطن عن أن تكيفه العقول والأوهام فلا يبلغ كنهه أي حقيقة صفته وصف واصف لأن كنه عظمه الله لا ينتهي إليها. قال بعض الشيوخ ويفهم من كلام المصنف أن مذهبه نفى العلم بالحقيقة واختاره جماعة من المتقدمين، وأطلق الشيخ أبو القاسم الجنيد رضي الله تعالى عنه القول بأنه لا يعرف الله إلا الله، واختاره أكثر المتأخرين وهو مذهب الأستاذ الضرير رحمه الله تعالى وكان من المحققين وأنكر الأستاذ أبو بكر هذا القول ورده وتبعه عليه الإمام أبو المعالي مع طائفة. وقال الباري تعلى يعلم والعلم يتعلق بالمعلوم على ما هو به فلو تعلق العلم به على خلاف ما هو به لكان العلم جهلا، وقد اجتمعت الأمة على وجوب معرفة الله تعالى، ولو كانت مستحيلة لما اجتمعت عليه الأمة وقد قال ﷺ "ومن عرف نفسه فقد عرف ربه" أي من عرف نفسه بالافتقار والذل والصغار ونفى عنها العز الاقتدار

стр. 20

عرف ربه موصوفا بالكمال منفردا بالعز والجلال منزها عن لحوق التغير والزوال متعاليا عن الأين والكيف والمثال. قال بعضهم: وخلاف الأئمة عندي في هذه المسألة خلاف في حال، فمن نفى العلم بالحقيقة فإنه مقر بأن الله تعلى لا يحاط بهوبأن جلالته وعظمته وكبرياءه لا يلحقها وهم ولا يقدرها فهم، وأن العقول قاصرة عاجزة عن إدراك ذلك الجلال ومن أثبت العلم بالحقيقة فإنه مقر بأنه تعالى عرفه العارفون بدلالة الآيات وتحققوا اتصافه تعلى بواجب الصفات وتيقنوا تنزيهه عن التشبيه بالمحدثات تقديسه عن الحدود والكيفيات وعلموا بأنه المستبد بابداع الكائنات فهو تعالى الملك المطاع الذي عزه لا يرام وسلطانه لا يضام. (ولا يحيط بأمره المتفكرون): يقال حاط وأحاط بمعنيين فمعنى حاطه كلأه ورعاه وأحاط به علما وهو من الواوي لظهورها في المضارع الثلاثي نحو يحوط وتنقلب ياء في المضارع الرباعي والتفكر التأمل. (يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في مائية ذاته): آيات الله تعالى عقلية وشرعية، فالعقلية أدلة مخلوقاته وعجائب مصنوعاته. وفي كل شيء له أية = تدل على أنه واحد والشرعية آيات كتابه وأدل خطابه وجملة أسراره ومعانيه، والماهية والمائية بمعنى الحقيقة وقد أخذ على الشيخ في إطلاق لفظ المائية على الباري . قال ابن رشد رد على الشيخ في قوله مائية ذات والصحيح أنه لا مائية لذاته فيقع التفكر. قال عبدالوهاب والمائية لا تكون إلا لذي الجنس والنوع وما له مثالا إلا أن يريد بالمائية ضربا في المجاز والاتساع. وقوله: (ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء" [البقرة:٢٥٥] : أي بشيء من معلوماته، دل على صحة ذلك الاستثناء والبعضية وإطلاق العلم على المعلوم كثير، وقد ورد عن الصحابة ﵃ اللهم اغفر لنا علمك فينا. وفي قضية الخضر على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام ما نقص علمي وعلمك من علم الله تعالى إلخ يريد من معلوم الله تعالى وهذا لا خفاء به. قيل المعلومات كلها خمسة أقسام: قسم لا يعلمه أحد سواه كعلمه بذاته وصفاته وقسم علمه اللوح والقلم وهو معرفة ما جرى به القلم في اللوح وقسم علمه الملائكة وقسم علمه الأنبياء والخامس علمه الأولياء

стр. 21

فسبحانه من لا يخفى عليه شيء. (وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم): الكرسي مخلوق عظيم من مخلوقاته والعرش أعظم منه والسموات والأرض في جنبه كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض وهو بالنسبة إلى العرش أيضا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، كما ثبت في الصحيح. وقيل كرسيه علمه الكرسي العلم في اللغة ومعنى وسع أنه لم يضق عن السموات والأرض لسعته فما ظنك بسعة علم خالقه ومعنى لا يؤوده حفظهما أي لا يشغله وهذه مناسبة ظاهرة لأن النفوس أبدا تجد من التعظيم والهيبة عند سماع الأشياء المحسوسة الدالة على الكبرياء ما لا تجده عند عدم ذلك والمراد بذكر الكرسي والعرش الذي هو أعظم منه استشعار النفوس عند سماع ذلك من عظمة الله وعزة اقتداره لا أنهما محلان للاستقرار، تنزه الخالق عن التحيز والافتقار إلى المحل ولهذا ختم الآية الكريمة بقوله (وهو العلي العظيم) [البقرة: ٢٥٥] اسمان من أسمائه تعالي يدلان صريحا على تنزيه الحق وتقديسه عن المكان والجهة وعلى ثبوت العلو والعظمة. (العالم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير): قال القشيري ﵀ تعالي: اعلم أن العالم من أسمائه سبحانه وتعالي ورد به نص القرآن وهو عالم وعليم وعلام وأعلم والتوقيف في أسمائه معتبر والإذن في جواز إطلاقها منكر إلا ما ورد به الكتاب والسنة وانعقد عليه إجماع الأمة ولهذا لا يسمى عارفا ولا فطنا ولا داريا ولا عاقلا وإن كان الجميع بمعنى واحد وعلمه تعالى نعت من نعوته. قال غيره والخبير بمعنى العليم، وقد يراد بالخبير المختبر والمدبر. قال الجوهري والتدبير في الأمر أن ينظر إلى ما تؤول إليه عاقبته والتدبر التفكر فيه. وقال غيره هو النظر في أدبار الأمور، وعواقبها ليوقع على الوجه الأصلح والأكمل وهذا من صفات البشر، وأما بالنسبة إلى الخالق فمعناه انبرام الأمر وتنفيذ عبر عنه بذلك تقريبا للأفهام وتصويرا لأن الله عالم بعواقب الأمور كلها من غير نظر ولا فكر يعلم ما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون. واعلم أن المدبر لم يرد في الأسماء الحسنة وورد في القرآن في قوله تعالى: (يدبر الأمر من السماء إلى الأرض) [السجدة: ٥] واختلف فيما ورد من أسمائه تعالى

стр. 22

بخبر الآحاد فمنعه الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀ وحجته قوله تعالى: (أتقولون على الله ما لا تعلمون) [الأعراف: ٢٨] وخبر الواحد لا يحصل علما وأجازه الجمهور. قالوا لأنه من باب العمل والعمل يكفي فيه خبر الواحد. والقدير مبالغة في القدرة لأن قدرته تعالى متعلقة بجميع الممكنات دليل على ظهور الأفعال المتقنة، والسميع البصير سواء وهما من أبنية المبالغة من سامع ومبصر والسماع حقيقة في إدراك المسموعات مجاز فيما عداها كإطلاق معنى العلم والإبصار حقيقة في رؤية الموجودات وقد يستعمل بمعنى العلم مجازا. وقد أثبت تعالى لنفسه السمع والبصر في غير ما موضع من القرآن الكريم ولا خلاف في ذلك بين الأئمة إلا عند البلخي ومن تابعه من معتزلة البغداديين والمراد بالعلي الكبير مكانة ورفعة وشرفا لاستحالة الجسمية والمكان عليه سبحانه. (وأنه فوق عرشه المجيد بذاته): روي المجيد بالرفع على أنه خبر مبتدأ وروي بالخفض على النعت للعرش وهذا مما انتقد على الشيخ ﵀ في قوله بذاته فإنها زيادة على النص فمن مخطئ ومن معتذر، قال الفاكهاني: وسمعت شيخنا أبا علي البجائي يقول أن هذه لفظة دست على المؤلف ﵁ فإن صح هذا فلا اعتراض على الشيخ. وقال الشيخ أبو عبدالله محمد بن محمد بن سلامة الأنصاري من متأخري التونسيين: الفقيه إذا فهم ما ذكر فليس بمنتقد أي ما ذكر اعلم أولا أن هذا الكلام وهو الإطلاق ليس من إطلاق الشيخ المؤلف ﵀ وإنما هو من إطلاق السلف الصالح والصدر الأول نص، على ذلك الإمام أبو عبدالله بن مجاهد في رسالته قال فيها ما نصه ومما أجمعوا على إطلاقه أنه تعالى فوق سمواته على عرشه دون أرضه يريد إطلاقا شرعيا ولم يرد في الشرع أنه في الأرض. فلهذا قال دون أضه وهذا مع ثبوت علمهم باستحالة الجهة عليه تعالى فليس هذا عندهم مشكلا لعلمهم بفصاحة العرب واتساعهم في العبارة، ونقل هذا الكلام بعينه الشيخ أبو محمد في مختصره وغير لفظه هنا قصدا للتقريب على المبتدئ، فإذا تقرر هذا فالناس عالة للصدر الأول، وإذا ثبت على إطلاقهم هذا فيتعين علينا تفهمه بالتمثيل والبسط إذا غلبت العجمة على القلوب حتى ظنت أن هذا الإطلاق يلزمه منه إثبات الجهة في حق المنزه عنها تعالى وتقدس، فأما لفظ الفوقية فمشترك بين الحس والمعنى

стр. 23

والقرينة تخصص المراد منهما، ويكون من باب الحقيقة والمجاز فهو حقيقة في الأجرام مجاز في المعنى وكم من مجاز يرجح على الحقيقة. وأما العرش فهو اسم لكل ما علا وارتفع والمراد به هنا مخلوق عظيم وهو سقف الجنة قال الله تعالى: (والله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) [النمل: ٢٦] ، وأما المجد فهو الشرف والرفعة. فإذا تقرر هذا فحمل الفوق على الحس معلوم بالاستحالة بالدليل اليقيني لتقديسه سبحانه على الجواهر والأجسام ومعلوم ذلك من سياق كلام المؤلف ﵀ بحيث لا يوهم على ربه أنه أراد الحس فهو تعالى فوق العرش فوقيه معنى وجلال وعظمة. ثم الفوقية المعنوية من حيث هي فوقية إما أن تكون واجبة بالذات أو مستفادة من حكم الغير لا ترجع لمعنى في الذات وإنما ذلك بحكم الله وتشريفه فهو تعالى وصف العرش بالمجد والعظم وجعله أعظم المخلوقات وعلو الله تعالى ومجده ليس كعلو غيره بل هو مخالف لكل المخلوقات مخالفة مطلقة، فمجده تعالى وعظمته وعلياؤه حكم واجب له لذاته لا يشارك فيه وسواء على هذا قلنا إن المجيد نعت للعرش أم لا فأراد المصنف رحمه الله تعالى أن يبين أن ذلك العلو والمجد والجلال الذاتي ليس إلا لله تعالى رب العالمين فكأنه يقول هو العلي المجيد بذاته ليس مستفادا من غيره. قلت وفي أجوبة عز الدين بن عبد السلام لما سئل عن قول الشيخ وأنه فوق عرشه المجيد بذاته هل يفهم منه القول بالجهة أم لا وهل يكفر معتقدها أم لا؟ فأجاب بأن ظاهر ما ذكره القول بالجهة وأن الأصح أن معتقد الجهة لا يكفر.

стр. 24

(وهو في كل مكان بعلمه): قال القاضي أبو الوليد بن رشد إنما يقال علمه محيط بكل شيء ولكنه أراد أن يبين قوله تعالى: (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) [المجادلة:٧] والمقصود أن الله تعالى عالم بكل شيء. قال الفاكهاني: روى ابن عباس ﷺ ما من عام إلا وهو مخصوص إلا أربع آيات، الأولى قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت) [آل عمران: ١٨٥] الثانية قوله تعالى: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) [هود:٦]. الثالثة: قوله تعالى: (وهو بكل شيء عليم) [الحديد:٣]. الرابعة: قوله تعالى: (وهو على كل شيء قدير) [المائدة: ١٢٠]. وكان يغلط من يقول إن القدرة لا تتعلق بالمستحيلات لأن الشيء الممكن المعدوم لا يطلق عليه شيء عندنا يريد حقيقة فما ظنك بالمستحيل.

стр. 25

(خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد): خلق يكون بمعنى أوجد ويكون بمعنى التقدير وظاهره هنا الإيجاد والإنسان هنا المراد به الجنس ويحتمل أن يراد به آدم ﵇ وضعفه بعضهم وقال هو عام في غير الأنبياء ﵈ لأجل ذكر وسوسة النفس لأنهم معصومون من ذلك والوسوسة ما يختلج في النفس واستعمالها في الغالب في غير الخير فلهذا أضيفت إلى النفس، قال الله تعالى (إن النفس لأمارة بالسوء) [يوسف: ٥٣] إلى غير ذلك. قال عز الدين في مختصر الرعاية اختلف في أخذ الحذر من الشيطان فقالت طائفة يجوز التحرز منه ليعمل على طاعة الله تعالى ويجعلها بدلا منه. وقالت طائفة أخذ الحذر مناف للتوكل إذ لا قدرة على الإغواء إلا بمشيئة الله تعالى والفرقتان غالطتان ومخالفتان للإجماع ونصوص القرآن على وجوب الحذر من الكفار الذين نراهم فالحذر من عدو يرانا ولا نراه أولى. والوريد عرق في العنق وإضافة الحبل إليه من إضافة الجنس إلى نوعه نحو قولهم لا يجوز حي الطير بلحمه وقرب الحق تعالى من الإنسان قرب إحاطة لا قرب مسافة أي أنه سبحانه لا يغيب عنه شيء من أمور عبيده. (ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين): هذا تنبيه على تعلق علمه تعالى بالخفيات والورقة قيل أي ورقة كانت في جميع أقطار الأرض وقيل المراد بها ورقة شجرة تشبه الرمان تحت ساق العرش فيها أوراق على عدد أرواح الخلائق مكتوب في كل ورقة اسم صاحبها وملك الموت ينظر إليها

стр. 26

فإذا اصفرت منها ورقة علم قرب أجل صاحبها فيوجه أعوانه فإذا سقطت قبض روحه. وفي بعض طرق هذا الأثر أن سقوطها على ظهرها علامة على حسن العاقبة وسقوطها على بطنها علامة على سوء العاقبة، والعياذ بالله، والمراد هنا بالحبة أقل قليل عبر عنه بالحبة تقريبا للأفهام. والرطب واليابس قيل على ظاهرهما. وقيل الرطب قلب المؤمن واليابس قلب الكافر. وقيل الرطب المدائن واليابس البادية. والكتاب المبين هو اللوح المحفوظ أخبر تعالى عنه أنه فيه علم كل شيء تقريبا للأفهام فإن الشيء المكتوب لا ينسى فيما يعتاده الخلائق وإلا فعلمه تعالى متعلق بجميع المعلومات على التفصيل. قال تعالى مخبرا عن موسى ﵇ قال: (علمها عند ربي في كتاب) [طه: ٥٢] ثم نفى ما يستحيل من ذلك من توقع نسيان وضلال فقال: (لا يضل ربي ولا ينسى) [طه: ٥٢]. (على العرش استوى وعلى الملك احتوى): وقال ابن عطية قالت فرقة هو بمعنى استولى وقال أبو المعالي وغيره هو بمعنى القهر والغلبة، وقال سفيان الثوري فعل فعلا في العرش سماه استوى. وقال الشعبي وغيره هذا من متشابه القرآن ولا يتعرض لمعناه. قال مالك بن أنس لرجل سأله عن هذا الاستواء فقال له مالك: الاستواء معلوم والكيفية مجهولة والسؤال عن هذا بدعة وأظنك رجل سوء أخرجوه عني. زاد غيره والإيمان به واجب فأدبر الرجل وهو يقول يا أبا عبدالله لقد سألت عنها أهل العراق وأهل الشام فما وفق أحد فيها توفيقك. قال القاضي أبو الوليد بن رشد وقول من قال: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء فقد أخطأ لأن الاستيلاء لا يكون إلا بعد المغالبة والمقاهرة. وقال غيره الاستواء هنا بمعنى الارتفاع وأبطل لكونه يشعر بالانتقال من سفل، ومعنى على الملك احتوى أي كل شيء هو مملوك لله تعالى في قهره وقبصته فيلزم من ذلك استغناؤه تعالى عن كل شيء الغنى المطلق إذ هو منتهى الحاجة وكل ما سواه فقد أحاطت به قدرته ونفذت فيه مشيئته. (له الأسماء الحسنى والصفات العلي لم يزل بجميع صفاته وأسمائه تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة): الأسماء جمع اسم وهو مأخوذ من السمو دليله الجمع والتصغير. وقالت المعتزلة

стр. 27

ومن السمة وهو باطل والحسنى أي المستحسنة والحسن ما حسنه الشرع فلا أثر للاشتقاق فلهذا يجوز عالم ولا يجوز عارف فأسماؤه تعالى توقيفية، فالاسم يطلق ويراد به المسمى ويطلق ويراد به التسمية. واختلف هل هو حقيقة في المسمى مجاز في التسمية أم لا على ثلاثة أقوال: فقيل بذلك فقال الجمهور، وقيل بالعكس قاله المعتزلة، وقيل: هو حقيقة فيهما قاله الأستاذ أبو منصور من أئمتنا ومما يدل على المراد أن الاسم يراد به المسمى قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى) [الأعلى:١]. وقوله تعالى: (ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وءابآؤكم) [يوسف: ٤٠] مما يدل على أن الاسم يراد به التسمية قوله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى) [الأعراف:١٨٠] وقوله ﷺ (إن لله تسعة وتسعين اسما) واستشكل بعض الشيوخ هذا الخلاف لأنه لو أخر الإنسان تسمية ولده شهرا مثلا فجسمه قبل التسمية موجود وإنما طرأ بعد ذلك قال وينبغي أن يحمل اختلافهم على مثل قوله تعالى: (سبح اسم ربك الأعلى) [الأعلى:١] و (فسبح باسم ربك العظيم) [الحاقة: ٥٢] هل المراد عظم هذا الاسم فلا ينطق به إلا بالتعظيم والتوقير أو عظم هذا المسمى بتنزيه الله تعالى عن الأضداد والأنداد والشركاء والأولاد والله تعالى أعلم. وقال غيره سببه الخلاف بيننا وبينهم أنا نقول بإثبات الكلام القديم وهم يقولون بنفيه وكذلك سائر الصفات فلم يثبتوا لله تعالى اسما في أزليته ولا صفات وقد شهدت قضايا العقول ودلائل الشرع المنقول بوجوب اتصاف الخالق سبحانه بصفات، الكمال باستحالة النقص وكل ما ينافي الجلال ولهذا أكد المصنف ﵀ هذا الفصل بقوله تعالى أن تكون صفاته مخلوقة وأسماؤه محدثة أي أن صفاته تعالى يجب أن تكون قديمة لاستحالة قيام الحوادث به وكذلك أسماؤه لأنها ثابتة في الأزل بكلامه القديم. (كلم موسى بكلامه الذي هو صفة ذاته لا خلق من خلقه وتجلى للجبل فصار دكا من جلاله): قال بعض الشيوخ هذا الكلام يتضمن مسائل: الأولى: الكلام على الحقيقة كله لله وإضافته لغيره مجاز لأنه إن كان

стр. 28

قديما فهو صفته وإن كان حادثا فهو فعله. الثانية: الكلام في اللغة ينطلق على ما بين حقيقة ومجاز فيستعمل مجازا في اللفظ المهمل والكتابة والإشارة ودلالة الحال، ويستعمل عند النحاة في الجملة المفيدة فيكون حقيقة عرفية خاصة، ويستعمل في اللفظ الموضوع للمعنى وعلى المعنى القائم بالنفس فقيل حقيقة في المعنى القائم بالنفس وقيل بالعكس وهو مذهب المعتزلة لأنهم ينكرون كلام النفس فالكلام عندهم لا يكون حقيقة إلا في اللفظ. الثالثة: اتفقوا على أن الله سبحانه متكلم واختلفوا في وجه كونه متكلما فأهل الحق يقولون هو متكلم بكلام قائم به ويعبرون عنه بكلام النفس، وحده بعضهم بأنه قول قائم بالنفس يعبرون عنه بالعبارات والاصطلاح عليه من العلامات، والمعتزلة يقولون حقيقة المتكلم فاعل الكلام وأنه سبحانه يتكلم بكلام يخلقه في جسم واحد. الرابعة: الله سبحانه كلم موسى ﵇ ويدل عليه قوله تعالى (وكلم الله موسى تكليما) [النساء: ١٦٤] (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) [الأعراف: ١٤٣] وقوله: (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي) [الأعراف: ١٤٤] قال بعضهم اجتمعت الأمة سنيها ومعتزلها على أن الله تعالى كلم موسى في الجملة من غير تفصيل وإنما اختلفوا في الكيفية. فقال أهل الظاهر نؤمن بالكلام ولا نقول بالكيفية مصيرا منهم إلى أن ذلك من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله تعالى واختلف الباقون، فقالت الباطنية خلق الله تعالى لموسى فهما في قلبه وسمعا في أذنيه سمع به كلاما ليس بحرف ولا صوت، وقال بعضهم اتفق أهل الحق على أنه تعالى خلق في موسى إدراكا أدرك به كلامه من غير واسطة وبه اختص سماعه له والله تعالى قادر على مثل ذلك في خلقه وأن موسى علم سماعه كلام الله تعالى إما بوحي وإما بمعجزة نصبها له على ذلك، وخلق فيه علما ضروريا بذلك. وقالت المعتزلة خلق الله لموسى فهما وصوتا في الشجرة سمعه موسى بإذنه بناء على مذهبهم في إنكار كلام النفس وأن المتكلم حقيقة فاعل الكلام ومذهبهم في ذلك باطل لأنه قد يعلم حقيقة المتكلم من لا يعلم كونه فاعلا ولأنه يلزم أن يكون كل أحد يسمع كلام الله لسماعه الكلام المخلوق لله تعالى فلا يكون بين موسى وغيره ولا بين

стр. 29

الأنبياء وغيرهم فرق ولا خصوصية ولأنه لو جاز أن يكون متكلما بكلام قائم بغيره لجاز أن يكون عالما بعلم قائم بغيره وقادرا بقدرة وإرادة قائمتين بغيره. (وأن القرآن كلام الله ليس بمخلوق فيبيد ولا صفة لمخلوق فينفد): قال بعض الشيوخ: القرآن لغة الجمع ومنه قولهم قرأت الماء في الحوض إذا جمعته. وقيل ليس بمشتق من شيء وإنما هو توقيف ويطلق تارة ويراد به الكلام القديم ويطلق تارة ويراد به العبارة عنه التي هي قراءة الخلق ويطلق على المكتوب أيضا لشهرته في الكلام القديم فلا يفهم عند الإطلاق إلا هو، فلهذا امتنع إطلاق القول بالقرآن أنه مخلوق واختلف العلماء إذا كان مقيدا مثل أن يقول كلامي بالقرآن مخلوق أو نطقي به أو ما أشبه ذلك في الصيغ التي ينتفي معها الإيهام. فذهب الإمام أبو عبدالله البخاري وعبدالله بن سعيد الكلاعي إلى جواز ذلك وهو مذهب أكثر المتأخرين وذهب الإمام مالك فلم يسمع عنه في ذلك شيء. قال بعضهم: والصحيح ما ذهب إليه الإمام البخاري ومن تابعه في ذلك لأن الحكم إذا علل بعلة فإنه ينتفي بانتفائها وأما امتناع الإمام أحمد بن حنبل ﵁ من ذلك حين امتحن على أن يقول بخلق القرآن فأبى فقيل له فقل لفظي بالقرآن مخلوق فقال ولا أقول ذلك، ولا يسمع من التلفظ بالخلق مع ذكر القرآن مع ما في ذكر اللفظ من معنى المج والطرح فاتقى ﵁ أن يوهم المتبدعة على السامعين القول بخلق القرآن ويتوصلون بذلك إلى غرضهم فامتنع من كل إطلاق يؤدي إلى ذلك حسما للذريعة وصبرا على ما أوذي في الله . ثم حدثت فرقة أخرى بعد وفاته ﵀ وقالوا: إنما امتنع من ذلك لأنه يقول بقدم الحروف فاعتقدوا ذلك ونسبوه إليه وتسموا بالحنابلة وحاشاه منهم والله تعالى حسيبهم. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "القرآن كلام الله ليس بمخلوق"

стр. 30

وقال السيد علي بن أبي طالب ﵁ بمحضر الجمهور من الصحابة ﵃ أني ما حكمت مخلوقا إنما حكمت القرآن وسمع ابن عباس ﵄ رجلا وهو يقول يا رب القرآن فنهاه عن ذلك وقال القرآن غير مربوب وإنما المربوب المخلوق فمن قال القرآن مخلوق يؤدب أشد الأدب. وروي عن مالك أن رجلا سأله عمن يقول القرآن مخلوق فأمر بقتله وقال هو كافر بالله وقال لسائل وإنما حكيته عن غيري فقال له مالك إنما سمعناه منك قيل وهذا من مالك ﵀ إنما هو على وجه الزجر والتغليظ بدليل أنه لم ينفذ قتله. (والإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره): وكل ذلك قد قدره الله ربنا ومقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه قال بعض الأئمة أجمعوا على أن قدر الله هو عين إرادته لقول العرب قدر الله كذا أي أراده، وما ذكرناه عن بعض الأئمة نقله ابن سلامة، ونقل التادلي عن ناصر الدين عن بعضهم أن القدر غير الإرادة واختلفوا في قضائه فمنهم من رده إلى الإرادة ومنهم من رده إلى الفعل والخير المراد به الطاعة والشر المراد به المعصية والحلو لذة الطاعة والمر مشقة المعصية. وقيل الحلو والخير لفظان مترادفان وكذلك الشر مع المر والإيمان بالقدر واجب لا يصح الإيمان بدونه وقد تبرأ عبدالله بن عمر ﵄ ممن أنكر القدر وقال لا يتقبل الله منهم وعنه ﷺ أنه قال: "لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا آخرهم أنا". وقال: "القدرية مجوس هذه الأمة" والقدري هو مدعي القدر لنفسه وقد روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال لقدري: أتقدر بالله أم دون الله فإن قلت بالله فأنت مؤمن وإلا ضربت عنقك. (علم كل شيء قبل كونه فجرى على قدره لا يكون من عباده قول ولا عمل إلا وقد قضاه وسبق علمه به): هذا راجع إلى ما تقدم وأن الأفعال مخلوقة لله خلافا للقدرية المثبتين مع الله خالقين كثيرين تعالى الله عن قولهم وتقدس مع أنا لا نقول بالجبر المحض بل نثبت للإنسان الكسب التهيؤ الذي أثبته له الشرع وقد نطق به القرآن العزيز في آي كثير كقوله تعالى: (إن كنتم لا تعلمون) [النحل: ٤٣] (بما كنتم تكسبون) [يونس: ٥٢] ونحو ذلك ولأن كل واحد يفرق بين حركة المرتعش وغير المرتعش فإن

стр. 31

المرتعش لا اختيار له بخلاف غيره والله أعلم. (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير): قيل: ألا مركبة من همزة الاستفهام ولام النفي والاستفهام إذا أدخل على النفي أفاد التحقيق والمعنى ألا يعلم الخالق خلقه أيصدر مخلوق من غير أن يعلمه خالقه فمن في موضع رفع على الفاعلية والمفعول محذوف ولا يصح أن تكون في موضع نصب لأنه يلزم عليه الاعتزال، واللطيف: اسم من اسمائه الحسنى وهو إما يعني ملطف فيكون من أسماء الأفعال أو بمعنى الباطن وهو الذي لا يتصور في الأوهام ولا يتخيل في الضمائر والأفهام فيكون من أسماء الأفعال أو بمعنى التنزيه. ويحتمل أن يكون بمعنى العليم أي أنه تعالى يعلم الخفيات يعلم السر وأخفى فيكون مبالغة في تعلق العلم فيكون من أسماء الصفات قاله بعضهم وأما الخبير فتقدم معناه. (يضل من يشاء فيخذله بعدله ويهدي من يشاء فيوفقه بفضله فكل ميسر بتيسيره إلى ما سبق من علمه وقدره من شقي أو سعيد): الهداية هي خلق القدر والمقدور موافقا لأمر الله تعالى والضلالة هي خلق القدرة والمقدور مخالفا لأمر الله تعالى وضابط هذا كله أنه لا خالق إلا الله سبحانه فكل مخلوق فعن قدرته حدث وعن إرادته تخصص والهدى والضلال مخلوقان من جنس الكائنات وقد صرح القرآن العزيز بهذا الإطلاق فقال: (يضل من يشاء) [النحل:٩٣] وغيرها وقال (ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا) [الكهف: ١٧] وقال: (ومن يهد الله فما له من مضل) [الزمر: ٣٧] وما ورد من قوله: (بما كنتم تعملون) [المائدة: ١٠٥] بما كنتم تصنعون إلى غير ذلك من الآي التي فيها إضافة الفعل إلى العبيد فالمراد بذلك إضافة مجازية لما لهم من الكسب. (تعالى أن يكون في ملكه ما لا يريد أو يكون لأحد عنه غنى أو يكون خالق لشيء ألا هو رب العباد ورب أعمالهم والمقدر لحركاتهم وآجالهم الباعث الرسل إليهم لإقامة الحجة عليهم): ذكر أنه اجتمع عبد الجبار الهمداني يوما مع الأستاذ أبي الحسن الأشعري فقال عبدالجبار سبحان من تنزه عن الفحشاء ففهم عنه الأستاذ أنه يريد عن خلقها فهي

стр. 32

كلمة حق أريد بها باطل. فقال الأستاذ: سبحان من لم يقع في ملكه إلا ما يشاء فالتفت عبد الجبار وعرف وفهم عنه فقال له: أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال له الأستاذ: أفيعصى ربنا قهرا؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردي أحسن إلي أم أساء؟ فقال له الأستاذ إن كان منعك ما هو لك فقد أساء وإن كان منعك ما هو له فيختص برحمته من يشاء فانصرف الحاضرون وهم يقولون والله ليس عن هذا جواب. واختلف العلماء هل يجوز إطلاق القول بأن الله سبحانه أراد الكفر والمعصية أم لا فقال عبدالله بن سعيد القلانسي لا يجوز إطلاق ذلك وإن صح في الاعتقاد لأن الإطلاق يلزم فيه الأدب مع الله تعالى ولأن ذلك يوهم أن تكون المعصية حسنة مأمورا بها كما نقول الأفعال كلها الله تعالى ولا نقول الصاحبة لله تعالى. وقال غيره يجوز ذلك وليس ما مثل به مطابقا لأن الإيهام في هذا المثال قوي والإيهام في الأول ضعيف وهو من باب لزوم الأدب فيمكن أن يمنع. قال ابن العربي قال شيخنا والصحيح جواز ذلك كله حيث لا إيهام ومنعه حيث الإيهام والرب هو المصلح للمربوب القائم بأموره الخالق لمنافعه الرافع عنه مضاره. والبتاعث اسم من أسمائه ومعناه هنا الباعث الرسل بالأمر والنهي إلى المكلفين من عباده والأمر والنهي يرجعان إلى كلامه فيكون الاسم على هذا من أسماء الصفات والرسول هو المبلغ عن الله أمره ونهيه بإذن الله تعالى ووحيه. وأشار بقوله لإقامة الحجة عليهم إلى قوله تعالى: (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل) [النساء: ١٦٥] وإلى قوله (أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير) [المائدة: ١٩] الآية. وقالت المعتزلة انبعاث الرسل ﵈ حكم واجب بالعقل بناء منهم على التحسين والتقبيح والصلاح والأصلح وهو باطل. وقالت البراهمة انبعاث الرسل محال ولا فائدة في ذلك والمعتزلة أفرطوا وتحكموا على العزيز وهو تعالى حليم لا يعجل والبراهمة فرطوا فجهلوا أمر ربهم. (ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة بمحمد نبيه ﷺ فجعله آخر المرسلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا) الختم لغة الطبع والتغطية على الشيء بحيث لا يدخله شيء الخاتم الطابع وفيه أربع لغات خاتم بفتح التاء وكسرها وخاتام وخيتام واعلم أنه يلزم من ختم النبوة ختم الرسالة ولا ينعكس، ولذلك قال الشيخ ثم ختم الرسالة والنذارة والنبوة فلو قال النبوة في صدر كلامه لم يمكنه أن يقول بعدها والرسالة والنذارة

стр. 33

والنبوة ولهذا قال الله تعالى: (ولكن رسول الله وخاتم النبين) [الأحزاب: ٤٠] قيل وإنما لم يقل والبشارة بعد قوله والنذارة لوجهين أحدهما أن النذارة تستلزم البشارة لأن من أنذرك بالعقوبة على فعل شيء فقد بشرك بالسلامة من ذلك مع الترك الثاني أن يكون مراعاة لقوله ﷺ "ذهبت النبوة وبقيت البشارة" يريد الرؤيا والله أعلم. قال القرافي: الرسالة أفضل من النبوة لأن الرسالة ثمرتها هداية الأمة والنبوة قاصرة على النبي ﷺ فنسبتها إليه كنسبة العالم إلى العابد. وكان عز الدين يذهب إلى تفضيل النبوة لشرف المتعلق لأن المخاطب بها الأنبياء والمخاطب بالرسالة الأمة وهو ضعيف لأن الرسول مندرج في خطاب التبليغ وورد في حديث أبي ذر ﵁ أن الأنبياء مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا فالمرسلون منهم ثلاثمائة وثلاثة عشر. قال أبو ذر ﵁ قلت يا رسول الله من كان أولهم قال: "آدم ﵇" قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: "نعم خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه" ثم قال: "يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث وأخنوخ وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم ونوح وأربعة من العرب هود وشعيب وصالح ونبيك يا أبا ذر وأول أنبياء بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى وأول الرسل آدم وآخرهم محمد" ﷺ وعليهم أجمعين والحديث طويل جدا خرجه أبو بكر الآجري في أربعينه. واعلم أن البشارة خاصة بالطائعين كما أن النذارة خاصة بالعاصين والدعوة عامة لجميع المكلفين والبشارة خاصة أيضا للمؤمنين قال الفاكهاني: والمعتبر في البشارة الأول خاصة بخلاف النذارة فإنها معتبرة في الجميع قال الفقهاء فيمن قال من بشرني من عبيدي بكذا فهو حر فبشره واحد بعد واحد لم يعتق غير الأول وفي النذارة يعتق جميعهم. قال وانظر إذا بشره جماعة دفعة واحدة هل يعتقون أم لا، والظاهر عتقهم والفرق بين البشارة والنذارة في هذا المعنى أن مقصود البشارة حصل بالأول بخلاف النذارة فإنه يتزايد الخوف بتزايد المنذرين. وأما إذا بشره جماعة معا فبالكل وقعت البشارة قيل وإنما وقع الاختصاص بالتسمية بالسراج المنير دون الشمس والقمر لوجهين أحدهما أن الله تعالى شبهه به فيقتصر على ذلك. الثاني أن نور الشمس والقمر لا يؤخذ منهما نور وإذا غابا غاب نورهما ونور السراج تؤخذ منه الأنوار من غير تكلف ومن غير نقص منه وإذا ذهب نور الأصل بقي نور فرعه ونوره ﵇ كذلك تؤخذ منه الأنوار من غير تكلف

стр. 34

ولا يذهب بذهابه ﵊. قيل والأشياء المنتفع بها في الدنيا بالنسبة إلى الزيادة والنقصان عند الانتفاع بها ثلاثة أقسام؛ قسم إذا انتفع به زاد وهو العلم تعليما وعملا، وقسم إذا انتفع به نقص بل يذهب وهو المال؛ وقسم إذا انتفع به لا يزيد ولا ينقص وهو السراج ونحوه من الاقتباسات ولا يبعد أن يلحق بذلك النظر في المرآة والاستظلال بالجدران. (وأنزل عليه كتابه وشرح به دينه القويم وهدى به الصراط المستقيم): الكتاب هو القرآن، قال الله تعالى (وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) [النساء:١١٣] ووصفه بالحكيم إما لأنه أحكمت آياته فلا يقع فيها نسخ بعد إحكامها أو لأنه أحكمت فيه علوم الأولين والآخرين أو لأنه أحكم على وجه لا يقع فيه اختلاف كما قال الله تعالى: (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [النساء: ٨٢] فحكيم على هذا بمعنى محكم قال الشيخ أبو اسحاق: القرآن ستة آلاف آية وستمائة وست وستون والمتحدى به منه ثلاث آيات فهو ألفا معجزة ومائتان ونيف وجعله الله تعالى معجزة باقية إلى قيام الساعة بخلاف غيره من المعجزات فإنها تنقضي بانقضاء وقتها تشريفا منه لسيدنا ومولانا محمد ﷺ ودليلا على مكانته وعلو منزلته ومعنى شرح وسع وأفهم والضمير في "به" يعود على النبي ﷺ ويحتمل أن يعود على الكتاب الحكيم والأول أظهر لأنه لو أراد الكتاب لقال فشح بالفاء. والدين لفظ مشترك والمراد به هنا الإسلام قال الله : "إن الدين عند الله الإسلام" [آل عمران:١٩] والقويم المستقيم وهدى أي أرشد والضمير في به مثل الذي قبله والصراط المراد به هنا طريق الجنة. قال الله : (وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله) [الأنعام: ١٥٣] قال القاضي أبو بكر بن الطيب ﵁ الصراط صراطان حسي ومعنوي فالمعنوي في الدنيا والحسي في القيامة فمن مشى على المعنوي هنا وفق للحسي يوم القيامة. (وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من يموت كما بدأهم يعودون): مما يجب الإيمان به أن الساعة آتية لا ريب فيها بلا امتراء والساعة هي القيامة

стр. 35

سميت بذلك إما بالنسبة إلى كمال قدرته وجلاله كأنها ساعة وإما بالنسبة إلى تسمية الكل باسم البعض. والريب هو الشك ومعنى لا ريب فيها وإن كان قد ارتيب فيها أي لا ريب فيها في علم الله تعالى وملائكته ورسله والمؤمنين أو ما حقها أن يرتاب فيها أو أنها ليست سببا للريب فيها ولا مظنة له لوضوح الدلالة عقلا ونقلا على إتيانها إلا أنه لا يعلم وقت إتيانها على الحقيقة إلا الله سبحانه لقوله: (إليه يرد علم الساعة) [فصلت: ٤٧] إلى غير ذلك لكن لها علامات وشروط ومن جملة ذلك بعثه ﷺ وظهور أمته. ومنها أشراط مؤكدة للقرب كالدجال والدخان وطلوع الشمس من المغرب ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى ابن مريم ﷺ إلى غير ذلك. واختلف في السابق فقيل أولها فساد البلاد وقيل خراب مكة ونقل حجرها إلى البحر وقيل الدجال وقال ابن وهب وابن حبيب أولها الفتن ثم الدجال ثم نزول عيسى ﵇ ثم يأجوج ومأجوج ثم طلوع الشمس من مغربها ثم كثرة الشر والأشرار ثم الدابة ثم الدخان ثم الريح ثم نار تسوق الناس إلى المحشر. وفي مسلم أولها طلوع الشمس من المغرب ويغلق عند ذلك باب التوبة على المؤمن والكافر. قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) [الأنعام: ١٥٨] ثم تقوم الساعة فينفخ في الصور فيصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم اختلف العلماء فمن قائل بعدم السموات والأرض والعرش والكرسي والجنة والنار، ثم يعيدها محتجا بقوله تعالى: "كل من عليها فان" [الرحمن: ٢٦] (كل شيء هالك إلا وجهه) [القصص: ٨٨] وقوله (كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا) [الأنبياء: ١٠٤] ومن قائل العرش والكرسي والجنة والنار لا تهلك. وقال ابن عباس مثله وزيادة القلم واللوح والأرواح قال بعض الشيوخ وأجمع أهل الحق على القول برد الجواهر بأعيانها وإنما اختلفوا في الأعراض، والجمهور على أنها تعاد بأعيانها واختلفوا هل كانت الجواهر عدمت ثم أعيدت يوم القيامة أو كانت متفرقة فجمعها الله تعالى. قال الإمام أبو المعالي ﵁ لم يقم دليل قاطع على تعيين أحد هذين الجائزين والظواهر تقتضي الإعدام بالتفريق فإذا قلنا بالإعدام فترد بأعيانها. قال الأستاذ أبو الحجاج الضرير رحمه الله تعالى في هذا المعنى:

стр. 36

ورده بعد صريح العدم = إلى الوجوه جائز في الحكم فخالق الشيء كما ميزه = بالعلم أولا فلن يعجزه كون الابتداء والإعادة = بالعلم والقدرة والإرادة وأما إذا قلنا بالتفريق لا بالإعدام فتجتمع الجواهر وتخلق فيها الصفات بأعيانها كما كانت أول مرة وكل ما هو في مادة الإمكانن فالقدرة صالحة لإيقاعه. (وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات): أي ضاعف جزاء الحسنات والتضعيف الزيادة والتكثير. قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى والتضعيف خمس مراتب أولها الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى: (ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠] الثانية بخمس عشرة في الحديث أنه ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص "صم يومين ولك ما بقي من الشهر" فالحسنة بخمس عشرة الثالثة بثلاثين في الحديث نفسه "صم يوما ولك ما بقي من الشهر" فالحسنة بثلاثين الرابعة بخمسين في الحديث أنه ﷺ قال "من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف خمسون حسنة لا أقول ألم حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف". الخامسة بسبعمائة قال الله (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة) [البقرة: ٢٦١] فهذه خمس مراتب التضعيف فيها مقدر ومرتبة سادسة غير مقدرة وهو أجر الصابرين. قال الله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [الزمر: ١٠] وذكر غيره قولا ثانيا أن أجره مقدر قال وليس المراد بالحسنة أجر العبادة فإن الصلاة مثلا مشتملة على أنواع من العبادات كالقراءة والتسبيح والخشوع وغير ذلك. وإنما المراد الصلاة بكمالها هي حسنة فمن أتى ببعض صلاة لم يدخل في هذا أيضا إجماعا فإن صلاها فذا فتضاعف له عشرا بالوعد الأصلي فإن صلاها في جماعة فبمائتين وخمسين فإن كانت في مسجد النبي ﷺ فبمائتي ألف وخمسين ألف والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.

стр. 37

ويظهر أثر هذا التضعيف مع الموازنة، الصفح هو التجاوز والعفو والنظر في التوبة في عشر مسائل: الأولى: في حقيقتها قال الإمام أبو المعالي ﵁ حقيقتها الندم على المعصية لرعاية حق الله تعالى. وقال بعضهم حقيقتها نفرة النفس عن المعصية بحيث يحصل منه الندم على المعاصي والعزم على ترك في الاستقبال والإقلاع في الحال فيرد المظالم ويتحلل من الأعراض ويسلم نفسه للقصاص إن أمكن ذلك قال ومعنى قول النبي ﷺ "الندم توبة" أي معظمها الندم كما قال النبي ﷺ "الحج عرفة". الثانية: إذا وقعت التوبة بشرائطها مكملة فهل يقطع بها أم لا فذهب الإمام أبو بكر الباقلاني إلى أنه لا يقطع بها وذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري إلى أنه يقطع بها والإجماع على قبولها قطعا من الكافر لوجود النص المتواتر قال الله ﵎: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨] بخلاف الآثار والأحاديث الواردة بالعموم فإنها تتناول المغفرة تناولا ظاهرا وليست بنص في المسلم إذا تاب كقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) [الزمر: ٥٣] الآية. وما ورد من الأحاديث كقوله ﷺ : (والتوبة تجب ما قبلها) فليس بمتواتر ولأنه إذا قطع بتوبة الكافر كان ذلك فتحا لباب الإيمان وسوقا إليه وإذا لم يقطع بتوبة المؤمن كان ذلك سدا لباب العصيان ومنعا منه وهذا والذي قبله ذكره القاضي لما قيل له إن الدلائل مع الشيخ أبي الحسن وقد ذكر الشيخ القاضي ابن عطية أن جمهور أهل السنة على قول القاضي أبي بكر قال: والدليل على ذلك دعاء كل واحد من التائبين في قبول التوبة ولو كانت مقطوعا بها لما كان معنى للدعاء في قبولها ذكره في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) [التحريم: ٨] ويرد استدلاله بأن ذلك منه على طريق الإشفاق منهم. الثالثة: هل يجب عليه تجديد الندم إذا ذكر الذنب أم لا في ذلك قولان للقاضي وإمام الحرمين والخلاف في هذه المسألة يشبه ما تقدم والله أعلم.

стр. 38

الرابعة: إذا تاب ثم عاود الذنب فذهب القاضي إلى أنها منقوضة لأن من شرطها الندم ولا يتحقق إلا بالاستمرار واختاره ابن العربي وذهب إمام الحرمين إلى أنها ماضية وهذه معصية أخرى واختاره المتأخرين ولم يذكر ابن عطية غيره مستدلا بأنها كسائر ما يحصل من العبادات إذ هي عبادة. الخامسة: هل توبة الكافر نفس إيمانه أو لا بد من الندم على الكفر؟ فأوجبه الإمام وقال غيره بل يكفيه إيمانه لأن كفره ممحق بإيمانه وإقلاعه عنه قال الله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨] السادسة: إذا لم يرد المظالم إلى أهله مع الإمكان من ذلك فصحح الإمام توبته وهو مذهب الاجمهور وقيل إنها لا تصح. السابعة: زمانها ما لم يغرغر قال الله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) [النساء: ١٨] وما لم تطلع الشمس من مغربها قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) [الأنعام: ١٥٨] قال العلماء المراد بها طلوع الشمس من مغربها. الثامنة: مذهب أهل السنة تصح التوبة من بعض الذنوب دون بعض. التاسعة: قال صاحب الحلل وغيره اختلف في توبة القاتل عمدا فقيل لا توبة له لقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) [النساء: ٩٣] الآية وهذا مذهب مالك لأنه قال لا تجوز إمامته قال وليكثر من شرب الماء البارد وقيل تقبل لقوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر) [الفرقان: ٦٨] الآية. العاشرة: اختلف هذ يشترط في توبة القاذف تكذيب نفسه أم لا؟ فقال مالك لا يشترط وقال الباجي وغيره يشترط لأنا قضينا بكذبه في الظاهر. (وغفر الصغائر باجتناب الكبائر): قال بعضهم في الذنوب كبيرة لا أكبر منها كالشرك وصغيرة لا أصغر منها كحديث النفس وبينها وسائط كل واحدة منها بالإضافة إلى ما فوقها صغيرة وبالإضافة إلى ما دونها كبيرة ومعنى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) [النساء: ٣١] الآية أن من عرض له أمران فيهما مأثم واضطر الى ارتكاب أحدهما فارتكب أصغرهما

стр. 39

وترك الآخر كمن أكره على قتل مسلم أو شرب قدح من خمر فارتكب أصغرهما كفر عنه ما ارتكب واعترض الفاكهاني تمثيله الأول وهو قوله كالشرك والأولى أن يقول وهي الشرك إذ الشرك كبيرة لا مثل لها فلا يحسن التشبيه به قال وكذلك تمثيله مسألة الإكراه فيه نظر لأنه مع الإكراه غير آثم قال عياض في الإكمال وقد اختلفت الآثار وأقوال السلف والعلماء في عدد الكبائر فقال ابن عباس كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة وسئل أهي سبع فقال هي إلى السبعين أقرب. وروي إلى سبعمائة أقرب. وقال أيضا الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو يغضب أو لعنة أو عذاب ونحوه عن الحسن وقيل هي ما أوعد الله عليه بنار أو حد في الدنيا وعدوا الإصرار على الصغائر من الكبائر فروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. واختلف في حقيقة الإصرار فقال بعضهم هو التكرار على الذنب كأن يعزم على العودة أم لا، وقال بعضهم إن تكريره من غير عزم لا يكون إصرارا وكلاهما نقله القرافي. وقال ابن مسعود ﵁ وجماعة من العلماء: الكبيرة جميع ما نهى الله عنه في أول سورة النساء إلى قوله (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) [النساء: ٣١] وقال غيره هي في قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) هي الكفر والشرك (نكفر عنكم سيئاتكم) [النساء: ٣١] أي ما سواهما وإنما عبر الشيخ عن ترك المؤاخذة بالكبائر بالصفح وعن ترك المؤاخذة بالصغائر بالغفران لما فيه من عظيم الامتنان وسعة الجود والإحسان لأن محو الكبيرة أبلغ في الدلالة على الكرم من سترها ومغفرتها. واختلف في مغفرة الصغائر باجتناب الكبائر هل ذلك مقطوع به أو مظنون وكلاهما نقله الفاكهاني ونقله ابن سلامة معبرا عنه بقوله نقله بعض شراح هذه العقيدة واعترضه بقوله لم يعز هذا النقل لأحد من أئمة الدين وليس كل ما يوجد منقولا في الأوراق يعتد به حتى يعزي الإمام من أئمة الدين فحينئذ ينظر فيه إما بإبقائه على ظاهره وإما بتأويله والله الهادي إلى سواء السبيل. قلت: ويرد بقول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) الآية اختلف العلماء في هذه المسألة فجماعة من المحدثين والفقهاء يرون أن من اجتنب الكبائر وامتثل الفرائض كفرت صغائره كالنظر وشبهه قطعا بظاهر الآية وظاهر الحديث.

стр. 40

وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة ولو قطعنا بتكفير صغائره لكانت لهم في حكم المباح الذي لا تباعة فيه وذلك نقض لعزائم الشريعة. (وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨]). أجمع أهل الحق على جواز المغفرة لعصاة الموحدين وأنه جائز واقع أما قبل دخول النار فالجواز ثابت بالنسبة إلى آحاد الأشخاص لا إلى جميعهم لانعقاد إجماع أهل السنة أنه لابد أن تدخل طائفة من الموحدين النار وأما بعد دخول النار وأخذها منهم فالعفو عنهم واقع ويخرجون بالشفاعة. وقالت المرجئة هم في الجنة يإيمانهم ولا تضرهم سيئاتهم وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مختصة بالكفار وآيات الوعد كلها عامة بالمؤمنين تقيهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة إذا كان المذنب صاحب كبيرة فهو في النار مخلد ولا بد. وقالت الخوارج إذا كان صاحب صغيرة أو كبيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له لأنهم يرون أن الذنوب كلها كبائر وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعد كلها مختصة بالمؤمن المحسن الذي لم يعص قط والمؤمن التائب وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفارا أو مؤمنين. (ومن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) [الزلزلة:٧]). قيل إن النار بجملتها سبع أطباق فأعلاها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم وفيها أبو جهل ثم الهاوية وإن في كل طبقة منها بابا فالأبواب على هذا بعضها فوق بعض ذكره ابن عطية. وإنما خصص الشيخ العقاب بالنار وإن كان العقاب يكون بغيرها أيضا لأن العقاب بها هو المعظم كقوله ﷺ "الحج عرفة" ولأن النار مشتملة على أنواع العذاب إن كان المراد بالنار الدار نفسها لا نفس النار والباء في قوله بناره يحتمل أن تكون سببية ويحتمل أن تكون للتعدية ورجحه الفاكهاني وأبعد الاحتمالات
следующие страницы →