Полный текст (890 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ورده بعد صريح العدم = إلى الوجوه جائز في الحكم
فخالق الشيء كما ميزه = بالعلم أولا فلن يعجزه
كون الابتداء والإعادة = بالعلم والقدرة والإرادة
وأما إذا قلنا بالتفريق لا بالإعدام فتجتمع الجواهر وتخلق فيها الصفات بأعيانها كما كانت أول مرة وكل ما هو في مادة الإمكانن فالقدرة صالحة لإيقاعه.
(وأن الله سبحانه ضاعف لعباده المؤمنين الحسنات وصفح لهم بالتوبة عن كبائر السيئات):
أي ضاعف جزاء الحسنات والتضعيف الزيادة والتكثير. قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى والتضعيف خمس مراتب أولها الحسنة بعشر أمثالها قال الله تعالى: (ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) [الأنعام: ١٦٠]
الثانية بخمس عشرة في الحديث أنه ﷺ قال لعبد الله بن عمرو بن العاص "صم يومين ولك ما بقي من الشهر" فالحسنة بخمس عشرة الثالثة بثلاثين في الحديث نفسه "صم يوما ولك ما بقي من الشهر" فالحسنة بثلاثين الرابعة بخمسين في الحديث أنه ﷺ قال "من قرأ القرآن فأعربه فله بكل حرف خمسون حسنة لا أقول ألم حرف ولكن الألف حرف واللام حرف والميم حرف".
الخامسة بسبعمائة قال الله (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبة مائة حبة) [البقرة: ٢٦١]
فهذه خمس مراتب التضعيف فيها مقدر ومرتبة سادسة غير مقدرة وهو أجر الصابرين. قال الله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) [الزمر: ١٠]
وذكر غيره قولا ثانيا أن أجره مقدر قال وليس المراد بالحسنة أجر العبادة فإن الصلاة مثلا مشتملة على أنواع من العبادات كالقراءة والتسبيح والخشوع وغير ذلك. وإنما المراد الصلاة بكمالها هي حسنة فمن أتى ببعض صلاة لم يدخل في هذا أيضا إجماعا فإن صلاها فذا فتضاعف له عشرا بالوعد الأصلي فإن صلاها في جماعة فبمائتين وخمسين فإن كانت في مسجد النبي ﷺ فبمائتي ألف وخمسين ألف والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم.
стр. 37
ويظهر أثر هذا التضعيف مع الموازنة، الصفح هو التجاوز والعفو والنظر في التوبة في عشر مسائل:
الأولى: في حقيقتها قال الإمام أبو المعالي ﵁ حقيقتها الندم على المعصية لرعاية حق الله تعالى. وقال بعضهم حقيقتها نفرة النفس عن المعصية بحيث يحصل منه الندم على المعاصي والعزم على ترك في الاستقبال والإقلاع في الحال فيرد المظالم ويتحلل من الأعراض ويسلم نفسه للقصاص إن أمكن ذلك قال ومعنى قول النبي ﷺ "الندم توبة" أي معظمها الندم كما قال النبي ﷺ "الحج عرفة".
الثانية: إذا وقعت التوبة بشرائطها مكملة فهل يقطع بها أم لا فذهب الإمام أبو بكر الباقلاني إلى أنه لا يقطع بها وذهب الشيخ أبو الحسن الأشعري إلى أنه يقطع بها والإجماع على قبولها قطعا من الكافر لوجود النص المتواتر قال الله ﵎: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]
بخلاف الآثار والأحاديث الواردة بالعموم فإنها تتناول المغفرة تناولا ظاهرا وليست بنص في المسلم إذا تاب كقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين اسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) [الزمر: ٥٣]
الآية.
وما ورد من الأحاديث كقوله ﷺ : (والتوبة تجب ما قبلها) فليس بمتواتر ولأنه إذا قطع بتوبة الكافر كان ذلك فتحا لباب الإيمان وسوقا إليه وإذا لم يقطع بتوبة المؤمن كان ذلك سدا لباب العصيان ومنعا منه وهذا والذي قبله ذكره القاضي لما قيل له إن الدلائل مع الشيخ أبي الحسن وقد ذكر الشيخ القاضي ابن عطية أن جمهور أهل السنة على قول القاضي أبي بكر قال: والدليل على ذلك دعاء كل واحد من التائبين في قبول التوبة ولو كانت مقطوعا بها لما كان معنى للدعاء في قبولها ذكره في تفسير قوله تعالى: (يا أيها الذين ءامنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) [التحريم: ٨]
ويرد استدلاله بأن ذلك منه على طريق الإشفاق منهم.
الثالثة: هل يجب عليه تجديد الندم إذا ذكر الذنب أم لا في ذلك قولان للقاضي وإمام الحرمين والخلاف في هذه المسألة يشبه ما تقدم والله أعلم.
стр. 38
الرابعة: إذا تاب ثم عاود الذنب فذهب القاضي إلى أنها منقوضة لأن من شرطها الندم ولا يتحقق إلا بالاستمرار واختاره ابن العربي وذهب إمام الحرمين إلى أنها ماضية وهذه معصية أخرى واختاره المتأخرين ولم يذكر ابن عطية غيره مستدلا بأنها كسائر ما يحصل من العبادات إذ هي عبادة.
الخامسة: هل توبة الكافر نفس إيمانه أو لا بد من الندم على الكفر؟ فأوجبه الإمام وقال غيره بل يكفيه إيمانه لأن كفره ممحق بإيمانه وإقلاعه عنه قال الله تعالى: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: ٣٨]
السادسة: إذا لم يرد المظالم إلى أهله مع الإمكان من ذلك فصحح الإمام توبته وهو مذهب الاجمهور وقيل إنها لا تصح.
السابعة: زمانها ما لم يغرغر قال الله تعالى (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن) [النساء: ١٨]
وما لم تطلع الشمس من مغربها قال الله تعالى: (يوم يأتي بعض ءايات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا) [الأنعام: ١٥٨]
قال العلماء المراد بها طلوع الشمس من مغربها.
الثامنة: مذهب أهل السنة تصح التوبة من بعض الذنوب دون بعض.
التاسعة: قال صاحب الحلل وغيره اختلف في توبة القاتل عمدا فقيل لا توبة له لقوله تعالى: (ومن يقتل مؤمنا متعمدا) [النساء: ٩٣]
الآية وهذا مذهب مالك لأنه قال لا تجوز إمامته قال وليكثر من شرب الماء البارد وقيل تقبل لقوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر) [الفرقان: ٦٨]
الآية.
العاشرة: اختلف هذ يشترط في توبة القاذف تكذيب نفسه أم لا؟ فقال مالك لا يشترط وقال الباجي وغيره يشترط لأنا قضينا بكذبه في الظاهر.
(وغفر الصغائر باجتناب الكبائر):
قال بعضهم في الذنوب كبيرة لا أكبر منها كالشرك وصغيرة لا أصغر منها كحديث النفس وبينها وسائط كل واحدة منها بالإضافة إلى ما فوقها صغيرة وبالإضافة إلى ما دونها كبيرة ومعنى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) [النساء: ٣١]
الآية أن من عرض له أمران فيهما مأثم واضطر الى ارتكاب أحدهما فارتكب أصغرهما
стр. 39
وترك الآخر كمن أكره على قتل مسلم أو شرب قدح من خمر فارتكب أصغرهما كفر عنه ما ارتكب واعترض الفاكهاني تمثيله الأول وهو قوله كالشرك والأولى أن يقول وهي الشرك إذ الشرك كبيرة لا مثل لها فلا يحسن التشبيه به قال وكذلك تمثيله مسألة الإكراه فيه نظر لأنه مع الإكراه غير آثم قال عياض في الإكمال وقد اختلفت الآثار وأقوال السلف والعلماء في عدد الكبائر فقال ابن عباس كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة وسئل أهي سبع فقال هي إلى السبعين أقرب. وروي إلى سبعمائة أقرب. وقال أيضا الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو يغضب أو لعنة أو عذاب ونحوه عن الحسن وقيل هي ما أوعد الله عليه بنار أو حد في الدنيا وعدوا الإصرار على الصغائر من الكبائر فروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار. واختلف في حقيقة الإصرار فقال بعضهم هو التكرار على الذنب كأن يعزم على العودة أم لا، وقال بعضهم إن تكريره من غير عزم لا يكون إصرارا وكلاهما نقله القرافي.
وقال ابن مسعود ﵁ وجماعة من العلماء: الكبيرة جميع ما نهى الله عنه في أول سورة النساء إلى قوله (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) [النساء: ٣١]
وقال غيره هي في قوله تعالى (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) هي الكفر والشرك (نكفر عنكم سيئاتكم) [النساء: ٣١]
أي ما سواهما وإنما عبر الشيخ عن ترك المؤاخذة بالكبائر بالصفح وعن ترك المؤاخذة بالصغائر بالغفران لما فيه من عظيم الامتنان وسعة الجود والإحسان لأن محو الكبيرة أبلغ في الدلالة على الكرم من سترها ومغفرتها.
واختلف في مغفرة الصغائر باجتناب الكبائر هل ذلك مقطوع به أو مظنون وكلاهما نقله الفاكهاني ونقله ابن سلامة معبرا عنه بقوله نقله بعض شراح هذه العقيدة واعترضه بقوله لم يعز هذا النقل لأحد من أئمة الدين وليس كل ما يوجد منقولا في الأوراق يعتد به حتى يعزي الإمام من أئمة الدين فحينئذ ينظر فيه إما بإبقائه على ظاهره وإما بتأويله والله الهادي إلى سواء السبيل.
قلت: ويرد بقول ابن عطية عند تفسير قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه) الآية اختلف العلماء في هذه المسألة فجماعة من المحدثين والفقهاء يرون أن من اجتنب الكبائر وامتثل الفرائض كفرت صغائره كالنظر وشبهه قطعا بظاهر الآية وظاهر الحديث.
стр. 40
وأما الأصوليون فقالوا: لا يجب على القطع تكفير الصغائر باجتناب الكبائر وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة ولو قطعنا بتكفير صغائره لكانت لهم في حكم المباح الذي لا تباعة فيه وذلك نقض لعزائم الشريعة.
(وجعل من لم يتب من الكبائر صائرا إلى مشيئته: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) [النساء: ٤٨]).
أجمع أهل الحق على جواز المغفرة لعصاة الموحدين وأنه جائز واقع أما قبل دخول النار فالجواز ثابت بالنسبة إلى آحاد الأشخاص لا إلى جميعهم لانعقاد إجماع أهل السنة أنه لابد أن تدخل طائفة من الموحدين النار وأما بعد دخول النار وأخذها منهم فالعفو عنهم واقع ويخرجون بالشفاعة.
وقالت المرجئة هم في الجنة يإيمانهم ولا تضرهم سيئاتهم وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعيد كلها مختصة بالكفار وآيات الوعد كلها عامة بالمؤمنين تقيهم وعاصيهم. وقالت المعتزلة إذا كان المذنب صاحب كبيرة فهو في النار مخلد ولا بد.
وقالت الخوارج إذا كان صاحب صغيرة أو كبيرة فهو في النار مخلد ولا إيمان له لأنهم يرون أن الذنوب كلها كبائر وبنوا هذه المقالة على أن جعلوا آيات الوعد كلها مختصة بالمؤمن المحسن الذي لم يعص قط والمؤمن التائب وجعلوا آيات الوعيد عامة في العصاة كفارا أو مؤمنين.
(ومن عاقبه بناره أخرجه منها بإيمانه فأدخله به جنته (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره) [الزلزلة:٧]).
قيل إن النار بجملتها سبع أطباق فأعلاها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم وفيها أبو جهل ثم الهاوية وإن في كل طبقة منها بابا فالأبواب على هذا بعضها فوق بعض ذكره ابن عطية. وإنما خصص الشيخ العقاب بالنار وإن كان العقاب يكون بغيرها أيضا لأن العقاب بها هو المعظم كقوله ﷺ "الحج عرفة" ولأن النار مشتملة على أنواع العذاب إن كان المراد بالنار الدار نفسها لا نفس النار والباء في قوله بناره يحتمل أن تكون سببية ويحتمل أن تكون للتعدية ورجحه الفاكهاني وأبعد الاحتمالات
стр. 41
أن تكون للاستعانة إذ هي على الله تعالى محال إذ هو المعين للكل والمستغني عنهم.
وقد تقدم قول من قال من دخل النار فلا يخرج منها، واختلف في الذرة فقيل النملة الصغيرة الحمراء وقيل البيضاء وقيل ما يرى من الهباء في شعاع الشمس وقيل غير ذلك. قال الفاكهاني: ولا أعلم للأقوال هنا مستندا ومعنى يره أي جزاءه في الآخرة.
وقال ابن لبابة في خطبه الحمد لله الذي وعد وفا وإذا توعد تجاوز وعفا.
قال عز الدين كلامه يوهم الفرق بين وعد الله تعالى ووعيده وهو لا يجوز على الله تعالى فإن الوعد والوعيد خبران فإذا أخبر الله تعالى عن ثواب أحد أو عقابه ولم يعذبه أو يثبه كان كذبا والله متعال عن ذلك.
وقال عز الدين أيضا في مختصر الرعاية: الخلائق على ثلاثة أقسام؛ قسم ركب فيه العقل دون الشهوات والملل والكراهة وهم الملائكة فلا ثواب لهم لعدم مجاهدتهم أنفسهم، وقسم ركب فيه الشهوات فقد دون العقل وهم البهائم فلا يعاقبون ولا يثابون، وقسم ركب فيه العقل والشهوة كبني آدم فكلفوا لأجل عقولهم وأثيبوا لأجل طاعتهم ومخالفة أهوائهم وعوقبوا على معاصيهم وحسنات الكفار يخفف عنهم بسببها العذاب.
فقد ورد أن حتما يخفف عنه لكرمه ومعروفه وورد ذلك في حق غيره كأبي طالب هكذا قال بعض من شرحها والحق أن التخفيف عن أبي طالب إنما هو بالشفاعة قال عياض في الإكمال وأما الكافر فإنه يكافأ على حسناته في الدنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجازي بها وذهب بعض الناس إلى أنه يخفف عنه من العذاب بقدرها.
(ويخرج منها بشفاعة محمد نبيه ﷺ من شفع له من أهل الكبائر من أمته):
أجمع السلف والخلف من أهل السنة والحق على قبول الشفاعة من نبينا محمد ﷺ ومن سائر الرسل والملائكة والمؤمنين مطلقا وأجلها وأعظمها شفاعة نبينا ﷺ لأنها أعظم الشفاعات وأتمها، وأنكرها بعض المعتزلة، قال بعض أئمتنا وحقيق لمن أنكرها أن لا ينالها وتمسك بظاهر قوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) [المدثر: ٤٨]
قوله تعالى: (فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم) [الشعراء: ١٠٠، ١٠١]
قيل لهم هذا المراد به الكافرون ولهذا قال تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى) [الأنبياء: ٢٨]
فإن قالوا الفاسق ليس بمرتضى قلنا لهم مرتضى على توحيده وإيمانه
стр. 42
وطاعته والشفاعة على ستة أقسام الأولى لأهل الموقف وهي خاصة بنبينا محمد ﷺ والثانية شفاعة لقوم يدخلون الجنة بغير حساب وهي خاصة به أيضا، والثالثة الشفاعة في قوم استوجبوا النار فيشفع فيهم النبي ﷺ ، ومن شاء الله من خواص عباده، والرابعة الشفاعة فمن دخل النار من المؤمنين فقد جاء في مجموع الاحاديث إخراجهم من النار بشفاعته ﷺ وبشفاعة غيره من النبيين والملائكة والمؤمنين، والخامسة الشفاعة في زيادة الدرجات، والسادسة شفاعته ﷺ لعمه أبي طالب.
قال بعض التونسيين وفي تسمية هذه السادسة شفاعة نظر قلت لا نظر فيها لأنه نقله من غمرات العذاب إلى ضحضاح كما قال في الحديث.
قال الفاكهاني: ولا تنافي في قول المصنف أخرجه منها بإيمانه مع كونه يخرج بشفاعة نبينا محمد ﷺ لأن الإيمان سبب للشفاعة لتوقفها عليه وسبب السبب سبب ولأن الشيء يضاف إلى الكل تارة وإلى البعض أخرى فيضاف الإخراج تارة إلى مجموع الإيمان والشفاعة وتارة إلى أحدهما.
(وإن الله تعالى قد خلق الجنة فأعدها دار خلود لأوليائه وأكرمهم فيها بالنظر إلى وجهه الكريم وهي التي أهبط منها آدم نبيه وخليفته إلى أرضه بما سبق في سابق علمه):
стр. 43
ما ذكره الشيخ من أن الجنة قد خلقت هو مذهب أهل السنة لقوله تعالى: (أعدت للمتقين) [آل عمران: ١٣٣]
ولقوله (ولقد رءاه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى) [النجم: ١٣ - ١٥]. ولقوله ﷺ في الصحيحين: "عرضت علي الجنة فتناول منها عنقودا" الحديث وفيهما: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة" واتفق سلف الأمة ومن تبعهم من الخلف على إجراء هذه الآي على ظاهرها من غير تأويل لها. وأجمعوا على أن تأويلها من غير ضرورة إلحاد في الدين.
وقالت المعتزلة بتأويل هذه الآية والأحاديث وزعموا أنه لا فائدة في خلقها وجعلوا ذلك موجبا لتأويلها وقال إمام الحرمين وهذا انسلاخ عن إجماع المؤمنين وأفعال الله تعالى لا تحمل على الأغراض وهو تعالى يفعل ما يشاء. قال بعضهم ويقال لهم لم قلتم إنه لا فائدة في خلقها بل له فوائد منها الحث بها والحض والترغيب في الطاعات الموصلة إليها، ومنها أن أرواح السعداء تتنعم بها في البرزخ وأرواح الشهداء ترزق منها إلى غير ذلك فإن عارضونا بقوله تعالى: (كل شيء هلك إلا وجهه) [القصص: ٨٨]
فلو خلقت لهلكت لكنها لم تخلق فلم تهلك.
قيل لهم ذلك عموم مخصوص والجنة أحد المستثنيات التي خصها الدليل قال الله: (ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله) [الزمر: ٦٨]
قال ابن عباس الموجودات المحدثة التي لا تفنى سبعة: اللوح والقلم والعرش والكرسي والجنة والنار والأرواح ومن هذه السبعة ما وافقت على بقائه المعتزلة كالعرش والكرسي واللوح والأرواح وما ذكره من النظر إلى وجه الله الكريم فقد أجمع عليه السلف ومن تبعهم من الخلف وذهب المعتزلة ومن تبعهم إلى استحالة رؤية الله ثم اختلفوا في رؤية نفسه فأحال ذلك بعضهم بناء منهم على أن الرؤية إنما تكون بالحاسة وبنية مخصوصة واتصال الأشعة بالمرئ ومنهم من جوز رؤيته لنفسه ورؤيته تلك بغير حاسة ولا إدراك.
وقد أجمع السلف ومن تبعهم على أن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم في الآخرة في دار السلام. وأما رؤيته تعالى في عرصات القيامة ففي السنة ما يقتضي وقوعها للمؤمنين وجوزها بعض المتأخرين للكافرين في العرصات وذلك باطل لقوله تعالى: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) [المطففين: ١٥]
وتمسك بظاهر قوله تعالى:
стр. 44
(ولو ترى إذ وقفوا على ربهم) [الأنعام: ٣٠]
وأجيب بأن المراد بين يدي ربهم للحساب والتوبيخ وكذلك لا حجة لهم في قوله تعالى: (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا) [الملك: ٢٧]
والاحتمال عود الضمير على النبي ﷺ أو على الحشر أو غير ذلك.
والمراد بالوجه الذات عند الجمهور وذهب أبو الحسن الأشعري إلى أن الوجه صفة لله تعالى معلومة من الشرع يجب الإيمان بها مع نفي الجارحة المستحيلة وكل ما ينافي الجلال فهو مستحيل، وما ذكر الشيخ من أنها الجنة التي أهبط منها آدم ﵇ فهو مذهب أهل السنة خلافا لمن زعم أن التي أهبط منها آدم جنة في الأرض بأرض عدن وليست بالجنة التي أعدها الله لأوليائه وأنبيائه في الآخرة محتجا على ذلك بأنه تعالى وصف الجنة بالخلد والقرار والإقامة والسلام والجزاء ولا حزن فيها ولا نصب ولا لغو ولا تأثيم ولا كذب ولا حسد ومن دخلها لم يخرج منها لقوله تعالى: (وما هم منها بمخرجين) [الحجر: ٤٨]
وهذه الصفات منتفية عن جنة آدم ﵇ لأنه أخرج منها وكذب فيها إبليس لعنه الله وأثم وتكبر وحسد وإلى هذا القول ذهب منذر بن سعيد البلوطي حكاه ابن عطية وهي نكتة اعتزالية.
قال بعضهم كان قد رحل إلى المشرق وخالط بعض المعتزلة فدس له ذلك وهو مسبوق بالإجماع ومحجوج به وأيضا فإن صفات الجنة ليست ذاتية لها وإنما هي بفعل الله فجاز وصفها بذلك في وقت دون وقت ويكون وصفها بذلك موقوفا على شرط فلا توصف بها قبل الشرط.
وخلق النار فأعدها دار خلود لمن كفر به وألحد في آياته وكتبه ورسله وجعلهم محجوبين عن رؤيته):
وخلق النار فأعدها إلخ هذا خلاف للمعتزلة في خلق النار كقول في خلق الجنة وتقدم الكلام على الرؤية ولو أخرها إلى هنا لكان أولى.
(وإن الله ﵎ يجئ يوم القيامة والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقوبتها وثوابها):
معنى تبارك تنزه وتزايد خيره وكثر ومعنى تعالى تعاظم عن صفات المخلوقين وإسناد المجئ إلى الله تعالى المراد به التمثيل لظهور آيات قهره وسلطانه وقيل التقدير
стр. 45
جاء أمره وسلطانه وهو من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه ومنه حديث النزول ينزل ربنا أي أمره ونهيه على ما تقرر عند أهل السنة فمن تأول فقال: إنه تعالى فعل فعلا سماه مجيئا فكأنه قال وجارء فعل ربك وهذا كالأول ومعنى صفا صفا ينزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفا بعد صف محدقين بالجن والإنس ونب صفا على الحال وقد وهم بعض النحاة حيث جعله من باب التوكيد اللفظي.
وأشار بعض الشيوخ إلى أن الشيخ اشتمل كلامه على الحقيقة والمجاز لأن مجئ الله سبحانه مغاير لمجئ الملائكة في الحقيقة والبحث فيه كالبحث في قوله تعالى: (إن الله وملائكته يصلون على النبي) [الأحزاب: ٥٦]
والعرض قيل الحساب اليسير وفي الحديث: "أتظنون أنه حساب إنما هو عرض ومن نوقش الحساب عذب" والمحاسبة لأهل اليسار وقد قال تعالى: (فأما من أوتي كتابه بيمينه، فسوف يحاسب حسابا يسيرا) [الانشقاق: ٧، ٨].
وروي أن في يوم القيامة ثلاث عرصات فأما العرصتان فاعتذر واحتجاج وتوبيخ، وأما الثالثة ففيها نشر الكتب فيأخذ الفائز كتابه بمينيه والهالك بشماله. قال الفاكهاني: انظر هل تعرض الأمم كلها مؤمنهم وكافرهم حتى السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب حسبما جاء في الحديث الصحيح حتى أبو لهب وأبو جهل وغيرهما من المشركين والمنافقين أو لا يعرض إلا من يحاسب هذا لم أر فيه نقلا، فمن وجده فليضفه إلى هذا الموضع راجيا ثواب الله الجزيل وبالله التوفيق.
(وتوضع الموازين لوزن أعمال العباد فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون):
أجمع أهل الحق على وجود ميزان حسي له كفتان ولسان فتوزن فيه صحائف أعمال العباد ليظهر الرابح والخاسر، واختلف هل هو ميزان واحد أو لكل أمة ميزان أو لكل أحد ميزان على ثلاثة أقوال، والصحيح أنه واحد وحمل قوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه) [المؤمنون: ١٠٢]
على الموزونات أو على أنه أتى بلفظ الجمع تعظيما لشأنه وتفخيما لأمره وتحذيرا من اكتساب السيئات وتحريضا على اكتساب الطاعات ولو لم يسمع من القرآن إلا هذه الآية لكان للعاقل فيها كفاية لاشتمالها على الوعيد التام لأهل الذنوب والوعد الجميل لأهل الطاعات.
وأنكرت المعتزلة الميزان وقالوا المراد به معادلة الأعمال بالحق فهو وزن معنوي
стр. 46
لتعذر وزن الأعمال حقيقة، قيل لهم توزن صحائف الأعمال فإن قالوا هذا مجاز وليس مجازكم بأولى من مجازنا قيل لهم هذا أولى لأنه استعمال الحقيقة وضم مجاز إليها وما ذكرتموه ترك للحقيقة فكان قولنا أولى، ويؤيد ذلك أنه لما سئل ﷺ عن ذلك فقال: "توزن صحائف الأعمال" والحمل على ما نص ﵇ أولى من الحمل على غيره.
وقد أجمع السلف الصالح على ذلك وليست المسألة عقلية إنما مأخذها الخبر فالرجوع في ذلك إليه. واختلف هل توزن للكافر أعمال أم لا والأكثر على ذلك لقوله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون) [المؤمنون: ١٠٢، ١٠٣]
فهذا الوزن يعم أهل الإيمان والكفران. وقال بعضهم الكافر لا يوزن له لقوله تعالى: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا) [الكهف: ١٠٥]
وجوابه لا نقيم لهم وزنا نافعا جمعا بين الآيتين.
واعلم أنه إذا وقع الوزن فيما بين العباد من المظالم والحقوق ونفدت حسنات الظالم من قبل أن يفرغ ما عليه فإنه يؤخذ من سيئات المظلوم وتطرح على الظالم، نص على ذلك في مسلم ولا معارضة بين هذا وبين قوله تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) [الأنعام: ١٦٤]
فإن المراد بالآية شخصان لا حق لواحد منهما عند الآخر وأما ها فبذنبه أخذ وبكسبه عوقب. ومعنى ذلك إذا مات وهو قادر على القضاء وأما إذا مات وهو عاجز عنه فإنه لا يطرح عليه من سيئاته شيء نص على ذلك الشيخ عز الدين بن عبدالسلام، فإن لم يكن للمظلوم سيئة كالأنبياء ﵈ ولا للظالم حسنة كالكافر فإنه يعطي المظلوم من الثواب بقدر ما يستحقه على الظالم ويزاد في عقوبة الظالم بقدر ما كان يأخذ من المظلوم أن لو كان ثم ما يأخذ.
واختلف العلماء إذا كان المظلوم ذميا والظالم مسلما فقال بعضهم يسقط حقه كالحربي وقال آخرون صار حقا للنبي ﷺ يطلب به لقوله ﷺ : "من آذى ذميا كنت خصيمه يوم القيامة".
(ويؤتون صحائفهم بأعمالهم فمن أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه وراء ظهره فأولئك يصلون سعيرا):
стр. 47
قال الفاكهاني ﵀: انظر على من يعود الضمير من يؤتون هل هو راجع لكل الأمم فلا يدخل الإنسان أحد الدارين حتى يؤتى صحيفته أو يكون ذلك في بعض الناس دون بعض، لأنه قد جاء أن قوما يقومون من قبورهم إلى قصورهم والصحف هي الكتب التي كتبت الملائكة فيها أعمالهم عند الأكثر.
وفي الخبر عن أنس بن مالك ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: الكتب كلها تحت العرش فإذا كان في الموقف بعث الله ريحا فتطيرها بالأيمان والشمائل أول خط فيها (اقرأ كتباك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) [الإسراء: ١٤]
، وقيل هي صحف يكبتها العبد في قبره كان في الدنيا كاتبا أو لم يكن ذكره الغزالي في كتاب كشف علوم الآخرة له، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: يا رسول الله ما أول ما يلقى الميت في قبره؟ فقال "يا ابن عباس لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد إلا أنت فأول ما ينادي به ملك اسمه رومان يجوس خلال المقابر فيقول له يا عبد الله اكتب عملك فيقول ليس معي قرطاس ولا دواة ولا قلم فيقول له هيهات هيهات فكفنك قرطاسك ومدادك ريقك وقلمك اصعبك فيقطع له قطعة من كفنه ثم يجعل العبد يكتب وإن كان غير كاتب في الدنيا ويتذكر حينئذ حسناته وسيئاته كيوم واحد ثم يطوي ذلك الملك تلك الرقعة ويعلقها في عنقه" ثم تلا ﷺ (وكل انسان ألزمناه طائره في عنقه) [الإسراء: ١٣]
أي عمله الحديث بطوله.
واعلم أن المؤمن الطائع يأخذ كتابه بيمينه بإجماع وأما العاصي فالأكثر على أنه يأخذه بيمينه ووقف بعضهم في ذلك وقال الله أعلم. وقال الأستاذ أبو الحجاج الضرير في هذا المعنى.
والمذنب الفاسق ذو الإيمان = من آخذي الكتاب بالأيمان
وقيل إن حكمه موقوف = ولم يرد في أمره توقيف
وأما الكافر فقيل تغل يمناه إلى عنقه ويجعل شماله خلف ظهره فيأخذ بها كتابه جزاء على نبذه كتاب الله وراء ظهره وقيل تغل يداه وراء ظهره وقيل بل يثقب صدره فتدخل شماله منها فيأخذ بها كتابه من وراء ظهره والعياذ بالله من سخطه.
стр. 48
(وأن الصراط حق يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليهم من نار جهنم وقوم أوبقتهم فيها أعمالهم):
الإيمان بالصراط واجب عند أهل السنة وهو جسر ممدود على متن جهنم أرق من الشعر وأحد من السيف يرده الأولون والآخرون كذا فسره النبي ﷺ .
وقال الإمام شهاب الدين القرافي في كتاب الانتقاد في الاعتقاد: لم يصح في الصراط أنه أرق من الشعر وأحد من السيف شيء والصحيح أنه عريض وفيه طريقان يمني ويسرى، فأهل السعادة يسلك يهم ذات اليمين وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم وجهنم بين الخلائق وبين الجنة والجسر على متنها منصوب فلا يدخل أحد الجنة حتى يعبر على جهنم وهو معنى قوله على أحد الأقوال (وإن منكم إلا واردها) [مريم: ٧١]
قلت في قوله لم يصح في الصراط أنه أرق من الشعر وأحد من السيف شيء نظر ففي مسلم عن أبي سعيد الخدري أنه أرق من الشعر وأحد من السيف، ووجه النظر يظهر بما ذكره الإمام الغزالي قال ما نصه: وأما الصراط فهو جسر يضرب على ظهراني جهنم يمر عليه جميع الناس وقد وردت به الأحاديث الصحيحة واستفاضت وهو محمول على ظاهره وفي رواية أنه أرق من الشعر وأحد من السيف.
وقال البيهقي لم أجده في الرواية الصحيحة وإنما يروي عن بعض الصحابة وأشار بذلك إلى ما في مسلم عن أبي سعيد الخدري: بلغني أنه أرق من الشعر وأحد من السيف. قال بعضهم ولو ثبت ذلك لوجب تأويله لتوافق الحديث الآخر في قيام الملائكة على جنبيه وكون الكلاليب والحسك فيه وإعطاء المار فيه من النور قدر موضع قدميه وما هو في دقة الشعر لا يحتمل ذلك فيمكن تأويله بأن مراده أرق من الشعر بأن ذلك يضرب مثلا للخفي الغامض، ووجه غموضه أن يسر الجواز عليه وعسره على قدر الطاعة والمعاصي، وأما تمثيله بحد السيف فلإسراع الملائكة فيه إلى امتثال أمر الله تعالى في إجازة الناس عليه.
واختلف المعتزلة في اثبات الصراط ونفيه وأكثرهم على نفيه وأجازه الجبائي مرة ونفاه أخرى، ومنهم من قال العقل يجوزه ولا يقطع به ومن نفاه تأول ما ورد من الصراط أن المراد به المعنوي لأنه لا يمكن المشي على صفة ما ذكر وهذا من جهلهم أمر ربهم ووقوفهم على معتادهم. وقل سئل النبي ﷺ كيف يمشي الكافر على وجهه؟
стр. 49
قال "إن الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه" وقال الشيخ أبو الحجاج الضرير ﵀ في هذا المعنى:
والرب لا يعجزه أمشاؤهم = عليه إذا لم يعيه إنشاؤهم
تبا لقوم ألحدوا في أمره= ما قدروا الإله حق قدره
(والإيمان بحوض رسول الله ﷺ ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ويذاد عنه من بدل وغير):
قد خرج أحاديث الحوض أهل الصحة البخاري ومسلم وغيرهما وأجمع عليه السلف الصالح وأطبقوا على الابتهال إلى الله تعالى أن يسقيهم منه، أسأل الله البر الرحيم أن يسقينا منه ويجعلنا من الواردين عليه بفضله ورحمته. وذكر الشيخ أبو القاسم السهيلي في الروض الأنف عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله ﷺ "إن الله سبحانه أعطاني نهرا يقال له الكوثر لا يشاء أحد من أمتي أن يسمع خريره إلا سمعه" قلت وكيف يا رسول الله قال: "أدخلي إصبعيك في أذنيك وشدي" قالت ففعلت قال "هذا الذي تسمعين هو خرير الكوثر وجريه".
واختلف هل لكل نبي حوض أم هو حوض خاص بنبينا محمد ﷺ ؟ واحتج من قال بالعموم بما خرجه أبو عيسى الترمذي قال: قال رسول الله ﷺ "إن لكل نبي حوضا وإنهم يتبهون أيهم أكثر واردا وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردا" قال أبو عيسى هذا الحديث حسن غريب والله أعلم بصحته.
اختلف أيضا هل هو قبل الصراط أو بعده؟ واستدل كل واحد من الفريقين بظواهر لا تفيد قطعا، وتوقف القاضي أبو الوليد الباجي في ذلك وقال لا أدري، وقال غيره لم يرد في ذلك خبر ولا له فائدة في النظر. قال الفاكهاني: والقصد بذلك مجرد الإيمان به على ما وردت به الأخبار ولا اعتبار بترتيبها والله أعلم.
(وإن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقصها فيكون فيها النقص وبها الزيادة):
قال الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابي الفقيه الأديب الشافعي
стр. 50
المحقق رحمه الله تعالى في كتابه معالم السنن: ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما ابن مزين فقال: الإسلام الكلمة والإيمان العمل واحتج بالآية أعني قوله تعالى: (قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) [الحجرات: ١٤]
الآية. وذهب غيره إلى أن الإيمان والإسلام شيء واحد واحتج بقوله تعالى: (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) [الذاريات: ٣٥، ٣٦]. قال الخطابي وقد تكلم في هذا الباب رجلان من أكابر أهل العلم وصار كل واحد منهما إلى قول من هذين القولين، ورد الآخر منهما على المتقدم وصنف فيه كتابا يبلغ عدد أوراقه المائتين، قال الخطابي ﵀ والصحيح في ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق وذلك أن مسلم قد يكون مؤمنا مسلما في بعض الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمن، فإذا حملت الأمر على هذا استقام لك معنى الآية واعتدل القول فيها ولم يختلف شيء منه وأصل الإيمان التصديق.
وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون المرء صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر.
وما ذكر الشيخ من أن الإيمان يطلق على عمل الجوارح صحيح، دليله قوله تعالى:" وما كان الله ليضيع إيمانكم) [البقرة: ١٤٣]
أجمعوا على أن المراد به صلاتكم، وما ذكر أن يزيد بزيادة الأعمال وينقص بنقص الأعمال هو مذهب السلف ﵃ والمحدثين وجماعة المتكلمين. وروي عن مالك وقيل عكسه. قال جماعة من المتكلمين لأنه متى قبل الزيادة والنقصان، كان شكا وكفرا وقيل يزيد لا ينقص مراعاة للإطلاق الشرعي في ذلك وهو قوله تعالى: (فزادهم إيمانا) [آل عمران: ١٧٣]
ولم يرد نقصهم في الشرع وهو قول مالك أيضا، وظاهر كلام بعضهم أنه المشهور عنه وأراد الأولون كما صرحوا به أن المراد بالزيادة والنقصان باعتبار زيادة ثمرات الإيمان وهي الأعمال ونقصانها لا نفس التصديق وهذا إذا تأملت تجده في المعنى موافقا لعكسه والله أعلم.
قال بعضهم إن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النفر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بخلاف غيرهم كالمؤلفة قلوبهم ومن قاربهم وهذا مما لم يمكن إنكاره ولا يشك أحد في أن نفس تصديق أبي بكر ﵁ لا يساويه تصديق آحاد الناس.
стр. 51
ولهذا قال البخاري في صحيحه: قال ابن أبي مليكة إني أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله ﷺ كلهم يخاف النفاق على نفسه وما منهم أحد يقول أنه على إيمان جبريل وميكائيل ﵉، واعلم أن قول الشيخ باللسان وبالقلب تأكيد أن القول لا يكون إلا باللسان والإخلاص لا يكون إلا بالقلب ونظيره قوله تعالى: (ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم) [الأنعام: ٣٨]
، وقوله تعالى: (يقولون بألسنتهم من ليس في قلوبهم) [الفتح: ١١]
وأما قوله وعمل بالجوارح فتأسيس، لأن العمل قد يكون بالقلب يقال عمل قلبي وعمل بدني وقد يكون بهما معا كالوضوء والصلاة وغير ذلك من العبادات البدنية المفتقرة إلى النية، وخصص بعض المتأخرين من أهل الخلاف الأعمال بما لا يكون قولا وأخرج القول من ذلك وأبعده بعض الشيوخ. قال النووي في شرح البخاري: اختلف السلف ﵃ هل يجوز أن يقال أنا مؤمن إن شاء الله تعالى أم لا؟ فذهبت طائفة إلى تقييده بالمشيئة وحكي عن أكثر المتكلمين وذهبت طائفة أخرى إلى الإطلاق من غير تقييد، وذهب الأوزاعي إلى التخيير.
وفيها قول رابع بالفرق بين الحال والمآل فيجوز التقييد في الحال فإن المؤمن مشفق من التقصير لا أنه شاك في الحق. وقال عياض في مداركه قد فشا اختلاف بعد الثلاثمائة هل يقال أنا مؤمن عند الله أم لا؟ وجرى بين ابن التبان وابن أبي زيد والمسيسي وأبدى ان أبي ميسرة وغيرهم في ذلك وجوها ومطالبات، والصحيح ما ذهب إليه ابن أبي زيد أنه إن كانت سريرته مثل علانيته فهو مؤمن عند الله تعالى.
وأما ابن التبان وغيره فأطلق القول بأنا مؤمن. قال النووي: للشافعية خلاف كبير في الكافر هل يقال هو كافر إن شاء الله أم لا؟ فمنهم من قال بالإطلاق من غير تقييد ومنهم من قال كالمسلم.
(ولا يكمل قول الإيمان إلا بالعمل ولا قول ولا عمل إلا بنية ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة):
هذا كالتصريح بأن التصديق من غير قول لا يكون إيمانا وهو كذلك عند الجمهور خلافا للقاضي أبي بكر بن الطيب، وقد تقدم ذلك. وقول الشيخ بنية من قوله ولا قول ولا عمل إلا بنية أي خالصة لله تعالى، والإجماع على أن الإخلاص في العبادات فرض والإخلاص هو إفراد المعبود بالعبادة وقيل تصفية العمل وقيل هو سر جعله الله في قلب من أحب من عباده وقيل هو سر بين العبد وبين ربه لا يطلع عليه
стр. 52
ملك فيكتبه ولا شيطان فيفسده.
وقيل الإخلاص هو ما استوى فيه السر والعلانية فهذا هو الإخلاص، وهذه الألفاظ يقرب بعضها من بعض. وقيل الإخلاص هو أن يكون العمل لله تعالى ويعتقد ذلك في قلبه إلى تمامه ويكتمه بعد فراغه منه فيخلص العمل بهذه الثلاثة شروط فإذا ابتدأ العمل، لغير الله فسد باتفاق. وإذا ابتدأه لله بقلبه وأحب أن يحمد عليه فلا يضره ذلك لقوله تعالى: (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) [آل عمران: ١٨٨]
فدليل الخطاب إذا أحبوا الحمد بما فعلوا فلا بأس به وإن ابتدأ العمل لله وتمادى على ذلك إلى أثناء العمل. فاطلع عليه فيه فأحب بقلبه أن يحمد على ذلك الفعل ومر عليه ولم يرفعه من قلبه فما بعد ذلك يبطل باتفاق. وما قبل ذلك فقيل يبطل وقيل يصح والمشهور البطلان وأما إن أبى ذلك بقلبه ودفعه فلا يبطل عليه باتفاق.
واختلف في النية مع الإخلاص هل هما بمعنى واحد أو هما شيئان؟ والنية هي القصد، والإخلاص هو إفراد المعبود بالعبودية، فمن نظر إلى أن النية لا تصح إلا بالإخلاص قال هما بمعنى واحد ومن نظر إلى أن النية من الكافر والمرائي تصح قال هما شيئان. فالنية روح العمل والإخلاص روح النية قال الله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) [البينة: ٥]
وقال ﷺ "إنما الأعمال بالنيات".
وقال بعضهم: مراده بالنيات الإيمان فكأنه قال ولا نطق باللسان ولا عمل بالجوارح إلا بشرط الإيمان بالقلب. وضعفه بعض التونسيين بأنه يلزم منه أن يسمى التصديق بالقلب من غير نطق إيمانا لأن الشرط يغاير المشروط وقد تقدم أن مذهب الجمهور خلافه.
واعلم أن العبادة المحضة تفتقر إلى النية بإجماع وذلك كالصلاة وعكس ذلك رد الودائع والمغصوبات وشبهه، واختلف فيما فيه شائبتان كالطهارة وقول الشيخ ولا قول وعمل ونية إلا بموافقة السنة مجمع عليه قال رسول الله ﷺ : "وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة" قالوا: وما الواحدة يا رسول الله؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي". وعنه ﷺ أنه قال: "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار" وعنه ﷺ أنه قال "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ".
стр. 53
وقال الحسن عمل قليل في سنة خير من عمل كثيل في بدعة. وقال بعضهم: أبواب الخير كلها مسدودة إلا لمن قصدها من باب محمد ﷺ .
(وأنه لا يكفر أحد بذنب من أهل القبلة):
قال صاحب الحلل: أهل القبلة عبارة عن أهل الصلاة، وقيل هو اسم لكل مؤمن بالله تعالى ورسوله ﷺ صلى أو لم يصل، وما ذكر الشيخ هو قول جماعة أهل السنة سلفا وخلفا. وقالت المعتزلة من مات غير تائب فهو مخلد في النار ولا يطلق عليه اسم كافر ولا مؤمن إنما يسمى فاسقا. وقالت المرجئة: لا يدخل النار من كان في قلبه الإيمان وهذا منهم بناء على التحسين والتقبيح العقليين وهو باطل من وجوه منها: أنه لو سلم ذلك فالعقل لا يوجب إحباط خدمة العبد لسيده مائة سنة بزلة واحدة في الشاهد فكذلك في الغائب. ومنها أن الذنب لو كان الإصرار عليه محبطا للطاعة لوجب أن لا تصح معه طاعة كالخروج عن الملة وذلك خلاف الإجماع، لأن شارب الخمر مثلا تصح صلاته وصومه وحجه ويترحم عليه، ومنها أن الإيمان في اللغة التصديق ومحله القلب وفسقه لا يزيل تصديقه، ومنها أنه لو كان الذنب موجبا للكفر لما نصبت على المعاصي الزواجر والحدود بل كان الواجب القتل كالردة ولا قائل بذلك، وهذا الأخير للفاكهاني وما سبق لغيره.
(وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون):
الشهداء جمع شاهد وشهيد المراد بالشهيد هنا قتيل الكفار. واختلف في أسباب تسميته شهيدا فقيل: إنه مشهود له بالجنة فهو فعيل بمعنى مفعول، وقيل لأن الملائكة تشهده وقيل غير ذلك. ودليل ما ذكر الشيخ قول الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) [آل عمران: ١٦٩]
الآية.
واختلف العلماء ﵃ في معنى الحياة المسندة إليهم بعد الإجماع على تزويج نسائهم وإرثهم وتنفيذ وصاياهم، فقيل هي حياة غير مكيفة ولا معقولة للبشر فيجب الإيمان بها بظاهر الشرع ويكف عن كيفيتها إذ لا طريق للعلم بها إلا من الخبر فيجوز أن يجمع الله تعالى جملة من أجزاء الشهيد فيحييها فتتنعم بالأكل والشرب أو على ما أراد الله تعالى من ذلك.
وقيل حياة مجازية بأن فضلهم الله تعالى بدوام حالهم التي كانوا عليه من الرزق وإجراء الثواب عليهم كالأحياء بخلاف أرواح سائل المؤمنين، فلما أشبهوا الأحياء في
стр. 54
ذلك وصفوا بالحياة، قال بعضهم أجمعوا على أن أرواحهم لا تعود إلى أجسادهم على ما كانت عليه في الدنيا إلا إذا كان يوم القيامة، وأجمعوا أن لهم مزية وزيادة على غيرهم من المؤمنين لأنهم خصوا بالرزق والفرح وغير ذلك.
واختلف العلماء هل يتنعمون حالة كونهم في الجنة أم لا فقيل بذلك وهو مذهب الجمهور.
وقيل الشهداء يأكلون من الجنة وليسوا فيها وإنما يدخلون الجنة يوم القيامة، وأنكر هذا القول أبو عمر بن عبد البر ورده الشيخ أبو القاسم السهيلي بما خرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، أن رسول الله ﷺ قال "الشهداء بنهر أو على نهر يقال له بارق عند باب الجنة في قبة خضراء يأتيهم رزقهم فيها بكرة وعشية".
قيل: وقد يمكن الجمع في ذلك بأن تكون أحوالهم مختلفة أو للجميع في أوقات مختلفة والله أعلم.
(وأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين):
واختلف في الروح والنفس هل هما لفظان مترادفان أو بمعنيين اختلافا شديدا واختلف في الروح فقيل إنه عرض وهو اسم للحياة القائمة بالجسم، واختاره الأستاذ أبو إسحاق، واختار أبو المعالي أنه جسم لطيف، وبه قال ابن فورك وهو ظاهر كلام الشيخ أبي الحسن، واحتجوا بحجج يطول ذكرها وهي مبسوطة في محلها وأهل السعادة المراد بهم أهل الجنة نسأل الله العظيم رب العرش الكريم ألا يحرمنا إياها، وأهل الشقاوة أهل النار نسأل الله أن يسلمنا منها والدليل على ما ذكر الشيخ ما في الصحيح أنه ﷺ قال: "إذا مات أحدكم عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل
стр. 55
الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله".
(وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويسألون ويثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة):
الافتتان هو الاخبار والواو في قوله ويسألون واو الحال فتكون بمعنى إذ لأن السؤال هو بعينه الاختبار، ولا غرابة في سؤالهم مرة واحدة للجم الغفير في أقاليم مختلفة فيخيل لكل واحد منهم أن المخاطب هو دون من سواه أو يكون الله يحجب سمعه من مخاطبة الموتى لهما.
وخالف الملحدة فأنكروا فتنة القبر واحتجاجهم بالعيان مضادة لبلوغ الأخبار في ذلك مبلغ التواتر. وظاهر كلام الشيخ أن الصبي يفتن في قبره وهو كذلك قاله القرطبي في تذكرته قائلا: ويكمل لهم العقل ليعرفوا بذلك منزلتهم وسعادتهم ويلهمون الجواب عما يسألون عنه. وقد جاء أن القبر ينضم عليهم كم ينضم على الكبار. قال الفاكهاني: انظر هل يسأل المجانين والبله وأهل الفترة أم لا.
وأما الملائكة فالظاهر عدم سؤالهم وظاهر كلام الشيخ أيضا أن الكافر لا يسأل وهو كذلك نص عليه الشيخ أبو عمر بن عبد البر قائلا الأخبار دلت على ذلك بخلاف المنافق فإنه يسأل لكونه حقن دمه وماله ودخل في حزب المؤمنين فيسأل ليتميز، وأما الكافر فهو متميز بظاهره عنهم والاخبار تدل على أن الفتنة مرة واحدة وعن بعضهم أن المؤمن يفتن سبعا، والمنافق أربعين صباحا.
قال القرطبي: جاء في حديث البخاري ومسلم سؤال الملكين وكذلك في حديث الترمذي وجاء في حديث أبي داود سؤال ملك واحد، وفي حديثه الآخر سؤال ملكين ولا تعارض في ذلك والحمد لله بل كل ذلك صحيح المعنى بالنسبة إلى الأشخاص قرب شخص يأتيانه جميعا ويسألانه جميعا في حالة واحدة ليكون ذلك السؤال عليه أهون والفتنة في حقه أعظم وأشد، وذلك بحسب ما اقترف من الآثام. وآخر يأتيانه قبل انصراف الناس عنه وآخر يأتيانه كل واحد منهما على الانفراد فيكون ذلك أخف عليه في السؤال وأقل في المراجعة والعتاب لما عمله من صالح الأعمال. وقد يحتمل في حديث أبي داود وجها آخر وهو أن الملكين يأتيان جميعا ويكون السائل أحدهما وإن تشاركا في الإتيان ويكون الراوي اقتصر على الملك السائل وترك غيره لأنه لم يقبل في الحديث لا يأتيه إلى قبره إلا ملك واحد، فلو قال هذا صريحا لكان الجواب عنه ما
стр. 56
قدمناه من أحوال الناس والله أعلم. وقد يكون من الناس من يوقي فتنتهما ولا يأتيه واحد منهما والقول الثابت هو لا إله إلا الله في الحياة الدنيا عند الموت وفي الآخرة عند سؤال الملكين، والقبر أول منزل من منازل الآخرة.
(وإن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم ولا يسقط شيء من ذلك عن علم ربهم): الحفظة جمع حافظة ككاتب وكتبة وسموا حفظة لحفظهم ما يصدر من الإنسان من قول وعمل وعلمهم به.
واختلف هل هما اثنان بالليل واثنان بالنهار أو هما اثنان لا يفارقان الشخص والأكثر هو الأول بدليل قوله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار" الحديث. وقال الآخر يحتمل أن يكون المتعاقبون غير الحفظة، وعلى الأول فالملائكة الذين يأتون اليوم غدا وهلم جرا مادام حيا. واستدل قائل هذا بقول الملكين أراحنا الله منه فبئس القرين ولا يقولان ذلك لمن يكونان معه يوما واحدا أو بعض يوم لأن ذلك خلاف لسان العرب.
وقال ابن السكيت: القرين الصاحب وقال الجوهري: قرينة الرجل صاحبته واعلم أن لسانك قلم الحفظة، وريقك مدادهم كذا جاء في الحديث، وظاهر كلام الشيخ أن المباح يكتب ولا يسقط وهو كذلك قاله بعض الشيوخ مستدلا بقوله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) [ق:١٨]
، فقول نكرة جاءت في سياق النفي فعمت. وقيل إنه لا يكتب وظاهر كلامه أن الحفظة على الكافر كالمؤمن، والصحيح خصوصهم بالمؤمن قال عياض في الإكمال.
واختلف فيما يتعلق بالقلب فقيل يكتبونه وأن الله تعالى يجعل لهم عليه علامة وقيل لا يكتبونه لأنهم لا يطلعون عليه. وفي كتب ما عزم عليم مصمما ولم يفعله، قولان للباقلاني والأكثر واعلم أن على الإنسان ملائكة غير الحفظة قال الله تعالى: "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) [الرعد: ١١]
فهؤلاء غير الكاتبين بلا خلاف. وقال الهروي في التفصيل ما نصه.
وروي عن عثمان بن عفان ﵁ أنه سأل رسول الله ﷺ : كم من ملك على الإنسان؟ فذكر عشرين ملكا فقال: "ملك عن يمينه على حسناته وهو أمين
стр. 57
على الذي على يساره فإذا عملت حسنة كتبت عشر أو إذا عملت سيئة قال الذي على الشمال للذي على اليمين اكتب فيقول لا لعله يستغفر الله ويتوب فإذا لم يتب قال نعم اكتب أراحنا الله منه فبئس القرين، ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه لقوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وملكان من بين يديك ومن خلفك لقول الله : (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وملك قائم على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على النبي ﷺ وملك قائم على فيك لا يدع الحية أن تدخله وملكان على عينيك فؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي تنزل ملائكة الليل على ملائكة النهار لأن ملائكة الليل غير ملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي وإبليس بالنهار وأولاده بالليل".
(وإن ملك الموت يقبض الأرواح بإذن ربه):
ما ذكره الشيخ هو قول مجاهد وقتادة وغيرهما وقيل ملك الموت يدعو الأرواح فتجيبه، ثم يأمر أعوانه يقبضها وعلى الأول فنص قتادة وغيره على أن له أعوانا وأطلق القول بذلك.
стр. 58
وقال الغزالي في كشف أمور الآخرة: إن الميت إذا حان أجله نزل عليه أربعة من الملائكة ملك يجذب نفسه من قدمه اليمنى وملك يجذبها من قدمه اليسرى وملك يجذبها من يده اليمنى وملك يجذبها من يده اليسرى ثم يطعنه ملك الموت بحربة فيقبض نفسه. ومن الناس من يقبض وهو قائم يصلي أو نائم أو سائر في بعض أشغاله أو منعكف على لهو وهي ميتة البغتة فيقبض نفسه مرة واحدة، ومن الناس من إذا بلغت نفسه الحلقوم كشف له عن أهله السابقين من الموتى وحيئنذ يكون له خوار يسمعه كل شيء إلا الإنس لو سمعه لهلك وصعق.
وظاهر كلام الشيخ أنه يقبض روح غير الآدمي من الحيوانات وهو كذلك وقال بعض المبتدعة أعوانه تتولى قبض أرواح الحيوانات، ونص الشيخ أبو الحسن على أن الموت صفة وجودية وهي ضد الحياة، قال الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني: الموت راجع إلى عدم الحياة وبينهما احتجاج يطول ذكره وهو مبسوط في كتبه.
(وإن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ وآمنوا به ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم):
اختلف في مقدار القرن على أحد عشر قولا فقيل عشر سنين، وقيل عشرون وقيل ثلاثون وقيل أربعون وقيل خمسون وقيل ستون وقيل سبعون وقيل ثمانون وقيل مائة وقيل مائة وعشرون، وقيل من عشرة إلى مائة وعشرين، وقال الجوهري القرن من الناس أهل زمان واحد وأنشد:
إذا ذهب القرن الذي أنت فيهم = وخلفت في قرن فأنت غريب
والمقصود بهذا اعتبار تفاوت القرن في الفضل، وفسر الشيخ القرن بمن رأى رسول الله ﷺ وآمن به ثم من رآهم ثم من رأى من رآهم وبهذا فسره أكثر العلماء.
وقال المغيرة: أفضل القرون الصحابة ثم أبناؤهم ثم أبناء أبنائهم واختلف فيما بعد ذلك من القرون فقيل إنها سواء لا مزية لأحدها على الآخر قاله ابن رشد. وقال المغيرة وغيره لا يزال التفاوت كذلك إلى قيام الساعة ويدل عليه قوله ﷺ "ما من يوم إلا الذي بعده شر منه" وروي في كل عام ترذلون وإنما يسرع بخياركم.
(وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون الهادون المهديون أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ﵃:
اختلف في الصحابي من هو فقيل هو اسم لمن رأى النبي ﷺ واتبعه فيصدق
стр. 59
الاسم على من رآه ولو مرة واحدة بشرط الاتباع، وإلى هذا ذهب البخاري وأحمد بن حنبل والقاضي أبو بكر، وقال الآخرون لا يسمى صحابيا من كان صغيرا في زمانه ﷺ وقال ابن المسيب ولا من كا كبيرا ورآه مرة أو مرتين أو شهرا وإنما لمن كثرت صحبته كالسنة ونحوها.
وقال أبو عمر بن عبد البر يصدق الاسم على من ولد في حياته وإن لم يره وأبعده بعضهم، واختلف في التفضل بين الصحابة، فمنهم من وقف قال مالك أدركت جماعة من أهل بلدنا لا يفضلون من الصحابة أحدا على أحد ويقولون الكل فضلاء وأكثر الناس على القول بالتفضيل، وعليه فأفضل الصحابة أهل الحديبية قال الله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) [الفتح: ١٨]
قيل نزلت في أهل الحديبية وأهل بدر. خرج مسلم عن النبي ﷺ أنه قال اطلع الله على أهل بدر فقال "يا أهل بدر اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" وأهل بدر أفضلهم العشرة وأفضل العشرة الخلفاء الأربع ثم هم في الفضل على ترتيبهم في الخلاف وقيل بالوقف عن التفضيل فيما بين عثمان وعلي رضي الله عن جميعهم والقولان لمالك ورجع إلى تفضيل عثمان.
واختلف في التفضيل بين عائشة وفاطمة ﵄ فتوقف الأشعري في ذلك واحتج لتفضيل فاطمة ﵂ بقوله ﷺ "أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو تكوني سيدة نساء هذه الأمة". واحتج لتفضيل عائشة ﵂ بكونها مع النبي ﷺ في الجنة وفاطمة مع علي وشتان ما بين المنزلتين. واعترض بأن بقية أزواجه يكن معه في الجنة ولا قائل بتفضيلهن على فاطمة. وقال النووي في شرح البخاري أفضل نساء النبي ﷺ عائشة وخديجة واختلف في أيتهما أفضل.
وظاهر كلام أبي المعالي ﵁ أن التفضيل بينهما ظني وليس بقطعي ولفظه. ولم يقم عندنا دليل قاطع بتفضيل بعض الأئمة على بعض إذ العقل لا يشهد على ذلك والأخبار الواردة في فضائلهم متعارضة ولكن الغالب على الظن أن أبا بكر رضي الله عن أفضل الصحابة بعد النبي ﷺ ثم عمر بعده، وتعارضت الظنون بين عثمان
стр. 60
وعلي ﵄. وانعقد إجماع المسلمين على أن نبينا محمد ﷺ أفضل الأنبياء والمرسلين وأحب الخلق إلى رب العالمين ﷺ والصحيح المعروف أن الأنبياء أفضل من الملائكة.
(وأن لا يذكر أحد من صحابة رسول الله ﷺ إلا بأحسن ذكر):
دليل ذلك قول النبي ﷺ : "الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي فمن أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم من آذاهم فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله تعالى ومن أذى الله يوشك أن يأخذه".
وقال: "لا تسبوا أصحابي فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه"، وقال ﷺ "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" وقال ﷺ "من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا".
وقال أبو أيوب السختياني من أحب أبا بكر فقد أقام الدين ومن أحب عمر فقد أوضح السبيل ومن أحب عثمان فقد استضاء بنور الله ومن أحب عليا فقد استمسك بالعروة الوثقى، ومن أحسن الثناء على أصحاب محمد ﷺ فقد برئ من النفاق ومن انتقص أحدا منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف الصالح وأخاف ألا يصعد له عمل إلى السماء حتى يحبهم جميعا ويكون قلبه لهم سليما.
(والإمساك: عما شجر بينهم وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب):
الإمساك الكف والسكوت وشجر معناه وقع واختلط ويريد ماوقع بين علي ومعاوية رضي الله الله عنهما. وقال عمر بن عبدالعزيز ﵁: تلك دماء لم يخضب الله فيها أيدينا فلا نخضب بها ألسنتنا.
وروي أن أهل البصرة أرسلوا إلى عبدالله بن عمر ﵄ يسألونه عن أمر علي ومعاوية فقال ﵁ (تلك أمة قد خلت) [البقرة: ١٣٤]
الآية. وقال
стр. 61
بعض العلماء: ضابط هذا أنهم عدول وأعيان اختارهم الله لصحبة النبي ﷺ ولنصرة دينه وأثنى عليهم في كتابه، فكل ما وقع بينهم في ذلك فليس عن هوى ولا لتحصيل دنيا وإنما هو عن اجتهاد ورأي. وقول الشيخ وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج لا يعارضه ما تقدم من وجوب الكف لان هذا خاص بالعلماء الذين يميزون بين الصحيح والسقيم ويفرقون بين الغث والسمين وما تقدم لعوام الناس.
(والطاعة لأئمة المسلمين من ولاة أمورهم وعلمائهم):
الإمام هو القائم بأمور المسملين والولي هو النائب، والإمامة أعم من الخلافة إذ كل إمام خليفة ولا ينعكس. قال الغزالي: وشرائط الإمام بعد الإسلام والتكليف خمسة: الذكورية والورع والعلم والكفاية ونسبة قريش وكونه واحدا وغير متغلب. واختلف إذا انعقدت الإمامة لاثنين في وقت واحد في بلدين فقيل إنها للذي عقدت له في بلد الإمام الميت. وقيل يقرع بينهما وقيل إن كان العقد لكل واحد منهما دفعها عن نفسه للآخر.
وقيل إن كان العقد لهما في وقت واحد فسد كزوجين عقد لهما على امرأة واحدة. وزاد صاحب العروة وأن يكون من أفضل القوم في عصره عند الأشعري والقاضي، والصحيح أنه لا يشترط. وتنعقد الإمامة ببيعة أهل الحل والعقد، وقيل تنعقد بواحد إذا كان أهلا لما ذكر، وقيل لابد من اثنين وقيل لابد من أربعة، وقيل خمسة وقيل لابد من بيعة جميع العلماء وحضورهم عند البيعة واتفاقهم على واحد، وشرط أصحابنا اشتهار العقد كالنكاح والأصلي فيما ذكر الشيخ قوله تعالى (يا أيها الذين ءامنوا أطعيوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [النساء: ٥٩]
وعنه ﷺ "من أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاه فقد عصاني فطاعتهم واجبة) إذ بهم تقام الأحكام وتصلح الأحوال وتحفظ الفروج والأموال.
واعلم أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
قيل كان الخليفة يقول أطيعوني ما عدلت فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم. وعن أبي حازم عن مسلمة بن عبد الملك أنه قال لهم: ألستم أمرتم بطاعتي في قوله تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)؟ فقالوا له أو ليس يرغب عنكم
стр. 62
إذا خالفتم لقوله تعالى: (فإن تنزاعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) [النساء: ٥٩].
(واتباع السلف الصالح واقتفاء آثارهم إلخ):
السلف الصالح وصف لازم يختص عند الإطلاق بالصحابة ولا يشاركهم غيرهم فيه قاله صاحب الحلل والاقتفاء والاتباع معناهما واحد. واعلم أن العبد الصالح يطلق على النبي والولي قال الله تعالى في اسماعيل وادريس وذا الكفل (كل من الصابرين) [الأنبياء: ٨٥]. وقال تعالى في صفة يحيى (نبيا من الصالحين) [الصافات: ١١٢]
وقال تعالى: (فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين) [النساء: ٦٩]
والاستغفار طلب المغفرة وأصلها من الغفر وهو الستر فمعنى غفر الله ذنوبك أي سترها.
(وترك المراء والجدال في الدين وترك كل ما أحدثه المحدثون إلخ):
اعلم أن المراء والجدال لفظان مترادفان وقال الجوهري: المراء هو الجدال وأراد الشيخ كراهية مناظرة أهل الأهواء والمبتدعة ومجادلتهم والندب إلى ترك مكالمتهم وإلا فالمناظرة حسنة، قال عبد الوهاب في المناظرة خمس فوائد: إيضاح الحق وإبطال الشهبة ورد المخطئ إلى الصواب والضال إلى الرشاد والزائغ إلى صحة الاعتقاد مع الذهاب إلى التعليم وطلب التحقيق.
وللمناظرة أحكام وآداب، فمن أحكامها أن يقصد بها وجه الله تعالى وإظهار قول الحق وأن يجتنب فيها الرياء والسمعة والمباهاة واللجاج وغير ذلك مما ينافي تقوي الله تعالى، ومن آدابها أن يكون الكلام مناوبة لا مناهبة وأن يعتدل في رفع صوته ويتحرز من التعنت والتعصب والمداهنة والله الهادي إلى سواء السبيل.
قال القرافي ﵀: الأصحاب ﵃ فيما علمت متفقون على إنكار البدع والحق أنها على خمسة أقسام:
الأول: أنها بدعة واجبة إجماعا وهو تدين قواعد الواجب كتدوين القرآن والشرائع إذ خيف عليها الضياع، فإن تبليغها لمن بعد واجب إجماعا وإهمالها حرام إجماعا.
والثاني: بدعة محرمة إجماعا وهي ما تناولته أدلة التحريم وقواعده كالمكوس وتقديم الجهلاء على العلماء وتولية المناصب الشرعية بالتوارث لمن لا يصلح لها وفي
стр. 63
مثل هذا القسم الذي ذكرنا أنشد الشيخ أبو حيان رحمه الله تعالى ورضي الله عنه:
بلينا بقوم صدروا في المجالس = لا قراء علم ضل عنهم مراشده
لقد آخر التصدير عن مستحقه = وقدم غمر خامد الذهن جامده
وسوف يلاقي من سعى في جلوسهم = من الله عقبى ما أكنت عقائده
علا عقله فيهم هواه وما درى = بأن هوى الإنسان للنار قائده
الثالث: بدعة مندوب إليها كصلاة التراويح وإقامة صون الأئمة والقضاة والولاة بالمراكب والملابس هو خلاف ما كانت عليه الأئمة والصحابة، فإن التعظيم كان في الصدر الأل بالدين فلما اختل النظام وصار الناس لا يعظمون إلى بالصون صار مندوبا حفظان لنظام الخلق.
الرابع: بدعة مكروهة وهي ما تناولته قواعد الكراهة كتخصيص الأيام الفاضلة بنوع من العبادات ومنه الزيادة على القرب المندوبة كالتسبيح ثلاثا وثلاثين والتحميد والتكبير والتهليل فيفعل أكثر من ذلك ما حده الشرع فهو مكروه لما فيه من الاستظهار على ما وقته الشرع وقلة الأدب معه، فإن شأن العظماء إذا حدوا حدا يوقف عنده ويعد الخروج عنه قلة أدب.
الخامس: بدعة مباحة وهي ما تناولته قواعد الإباحة كاتخاذ المناخل لإصلاح الأقوات واللباس الحسن والمسكن الحسن ونحوه فالحق في البدعة إذا عرضت أن تعرض على قواعد الشرع فأي القواعد اقتضتها ألحقت بها.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
باب ما يجب منه الوضو والغسل
اعلم أنه يقال الوضوء بفتح الواو وضمها فقيل الفتح للماء والضم للفعل وقيل بالعكس، وقيل لفظان مترادفان. قال ابن دقيق العيد: وإذا قلنا إن الفتح اسم للماء فهل هو اسم لمطلق الماء أو له بعد كونه معدا للوضوء أو بعد كونه مستعملا في العبادة فيه نظر ثم رجح الثالث لأنه الحقيقة. وخرج عليه مسألة فقهية من قول جابر في الحديث: "فصب عليه من وضوئه" ظاهره الماء المستعمل. واختار الشيخ عبارة موجبات الوضوء وعبر غيره بنواقض الوضوء وجمع القاضي أبو محمد عبدالوهاب بينهما في تلقينه. وكذلك يقال الغسل بالفتح والضم فالمعنى على ما تقدم، وأما الغسل بالكسر
стр. 64
فهو اسم للذي يغسل به الرأس من طفل وغيره.
(الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين من بول أو غائط أو ريح):
قال غير واحد ينقض الوضوء باتفاق كل خارج معتاد من المخرج المعتاد على سبيل الصحة والاعتياد، واختلف إذا خرج ما ليس بمعتاد من المخرج المعتاد كالدود فأوجب منه الوضوء ابن عبد الحكم اعتبارا بالمخرج، قيل إنه لا أثر له قاله في المدونة وهو المشهور، وقيل إن خرجت معه بلة توضأ وإلا فلا، قاله ابن نافع وبه كان بعض من لقيته من القرويين يفتي، واختلف إذا تكرر خروج البول مثلا والمشهور سقوطه.
قال المازري: روي عن مالك أنه يجب منه الوضوء وعبر عنه ابن الحاجب بقوله. وقال المازري: وإن تكرر وشق. واعترضه ابن عبد السلام بأنه رواه فقط ومراد الشيخ بقوله أو ريح إذا كان من الدبر وأما إذا كان من القبل فكالعدم على ظاهر المذهب. وذهب بعض الشافعية إلى نقض الوضوء به ويتخرج مثله من قول ابن عبد الحكم السابق، لأنه إنما يعتبر المخرج مع زيادة اعتبار الصور النادرة ولا خلاف في المذهب فيما علمت أن الوضوء لا يجب إلا بعد دخول الوقت.
وقال التادلي: قد يقال إن ظاهر كلام الشيخ يقتضي إيجاب الوضوء ايجابا موسعا عند وجود الخارج لأنه علق الوجوب بالخارج وهو أحد قولي ناصر الدين، قلت هذا تكلف لا يحتاج إليه وهذا القول ليس بمذهبي، قالوا والوضوء مما خص الله به هذه الأمة إكراما لها واعتذروا عن قوله ﷺ : "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" بأنه لم يصح وإن صح فالخصوصية للأنبياء لا للأمة ولأن فضيلته في الدار الآخرة إنما هي لهذه الأمة للغرة والتحجيل لهم في المحشر دون سائر الأمم.
(أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإتعاظ عند الملاعبة أو التذكار):
ما ذكر الشيخ أنه يغسل كل الذكر هو قول أكثر الإفريقيين وهو ظاهر رواية
стр. 65
علي في المدونة وقيل يقتصر على محل الأذى خاصة قاله اللخمي مع جميع البغداديين وعلى الأول فقال بعضهم يفتقر إلى نية ورآه عبادة. وقال أبو محمد: لا يفتقر إليها.
واختلف إذا اقتصر على محل الأذى وصلى فقال الأبياني يعيد أبدا، وقال يحيى بن عمر: لا إعادة عليه، وقيل يعيد في الوقت قاله أبو محمد بن أبي زيد نقله القفصي في أسئلة عنه وبه قال بعض من لقيته من القرويين يفتي وظاهر كلام الشيخ أن الإنعاظ لا أثر له وإن كان كاملا وهو كذلك عند مالك. وقال ابن شعبان: الإنعاظ البين ينقض الوضوء واختاره اللخمي إن كانت عادته خروج المذي عقبه أو اختلفت عادته وإن كان الأمر على خلاف ذلك فلا، وفي كلام الشيخ تقديم التصديق على التصور وقد علمت أنه مجتنب.
وقال ابن هارون لا يلزم ذكر التصور لأنا نحكم على الملائكة بالوجود ولا نعرف صورهم سلمنا لكن لا فرق بين أن يكون قبل الحكم أو بعده يليه، قلت يرد الأول بأنا لم نكلف ذلك فلذلك لم يضرنا جهلنا بصفة الملائكة ويرد الثاني بأن إطباقهم على أن المطلوب تقديم التصور قبل التصديق يدل على ضعفه والله أعلم، نعم الجواب الحقيقي أحد أمرين، أحدهما أن المطلوب مطلق الشعور لا تحصيل كل الماهية وذلك يحصل بالإخبار بالحكم الثاني أن المشترط عندهم إنما هو التصور في نفس المتكلم على الحكم لا السامع والأول هو الذي عرج عليه غير واحد ممن أدركتهم والثاني هو اختيار أبي علي ناصر الدين الجائي رحمه الله تعالى.
(وأما الودي فهو ماء أبيض خاثر يخرج بإثر البول يجب منه ما يجب من البول):
ما ذكر أنه يخرج بإثر البول يريد في الأعم الأغلب ونبه عليه القاضي أبو محمد عبد الوهاب.
(وأما المني فهو الماء الدافق يخرج عن اللذة الكبرى رائحه كرائحة الطلع وماء المرأة رقيق أصفر يجب منه الطهر فيجب من هذا طهر جميع الجسد كما يجب من طهر الحيضة):
يريد كونه يخرج عند اللذة الكبرى بالجماع في الأعم الأغلب وإلا فقد يخرج بمجرد النظرة والفكرة وما ذكر أن رائحته كرائحة الطلع يعني به طلع فحل النخل يسقط منه غبار رائحته كرائحة المني ولا رائحة لطلع إناثها تشبهه قاله التادلي، ويعرف في حال يبسه بجعل نقطة من ماء عليه فإن نشفها بسرعة فهو مني قاله صاحب الحلل وإنما شبهه الشيخ بطلع النخل لوجهين، إما لأن النخل خلقت من طين آدم على نبينا
стр. 66
وعليه الصلاة والسلام ولذلك قال ﷺ : "أكرموا عماتكم النخل" وإما لأن أطوارالإنسان سبعة كأطوار حمل النخل.
(وأما دم الاستحاضة فيجب منه الوضوء ويستحب لها ولسلس البول أن يتوضأ لكل صلاة):
اعلم أن دم الاستحاضة وسائر الأسلاس على ثلاثة أقسام: تارة تكون ملازمته أكثر من مفارقته فهذا يستحب منه الوضوء وعكسه المشهور يجب وأسقطه البغداديون، وتارة تستوى ملازمته مفارقته ففي الوضوء قولان متساويان، وتارة يلازم دائما فهذا لا يجب ولا يسحب إذ لا فائدة فيه. والقسمان الأولان هما اللذان أراد الشيخ بقوله يجب ويستحب أي يجب حيث تكون مفارقته أكثر ويستحب حيث تكون الملازمة أكثر فلا تناقض في كلامه وهذا أحسن ما قيل في الاعتذار عن الشيخ.
وأجيب بأجوبة أخر لم أذكرها لطولها وعدم الحاجة إليها. وقال الشيخ ابن عبدالسلام: القياس في دم الاستحاضة سقوط الوضوء منه مطلقا لأن الأصل في الدم ليس هو من نواقض الوضوء فلا مبالاة بقلته ولا بكثرته كبعض ما قيل في المني الخارج لغير اللذة، وحيث يستحب من السلس الوضوء فقال سحنون: لا يستحب غسل فرجه لأن النجاسة أخف من الحدث.
وقال صاحب الطراز: بل يستحب كهو واختلف هل يلزم صاحبه أن يعد خرقة عند صلاته أم لا؟ على قولين للأبياني وسحنون وكلاهما نقله القرافي ومن كثر عليه المذي بطول عزبة أو تذكر، فقال ابن الحاجب: المشهور الوضوء في مقابل التداوي قولان وأفتى الشيخ أبو الحسن اللخمي بتيمم من جرت عادته إن توضأ أحدث وإن تيمم فلا.
(ويجب الوضوء من زوال العقل بنوم مستثقل أو إغماء أو سكر أو تخبط جنون):
أخبر الشيخ أن زوال العقل موجب للوضوء، بين أن زواله بأربعة أشياء كما ذكر إلا أن قوله زوال العقل فيه مسامحة والأولى أن يقول استتار العقل إذ العقل لا يزيله النوم ولا الإغماء ولا السكر، وإنما يستره خاصة ولهذا سميت الخمر خمرا لأنها تغطي العقل وكذلك المجنون الذي يصيبه الجن ثم يعوده إلى حاله بخلاف المطبق الذي لا يفيق
стр. 67
أصلا فإنه قد زال عقله لا محالة، ولذلك اتفق على عدم خطابه مطلقا قاله الفاكهاني. وظاهر كلام الشيخ أن النوم سبب للحدث لكونه اشترط فيه الثقل وهو المشهور، وقيل إنه حدث قاله ابن القاسم في كتاب ابن القصار. ورواه أبو الفرج عن مالك كذا عزاه ابن بشير.
وأشار ابن الحاجب إلى أنه يؤخذ من المدونة وذلك أنه لما ذكر أنه سبب وتكلم في أقسامه كما سنقوله بعد إن شاء الله تعالى قال وفيها إذا قمتم يعني من النوم. واعلم أن اللخمي اعتبر النوم فقسمه على أربعة أقسام طويل ثقيل ينقض مقابله لا ينقض طويل خفيف يستحب مقابله قولان وذكر غيره في القسم الثالث قولين.
قال ابن عبد السلام: فيحتمل أن يكونا بالوجوب والاستحباب، ويحتمل أن يكون بالوجوب والسقوط، واعتبر الشيخ عبد الحميد الصائغ حالات النائم فقال ما معناه لا يخلو ذلك من أربعة أوجه، تارة يكون على هيئة يتيسر فيها الطول والحدث كالساجد ينقض مقابله كالقائم والمحتبي لا ينقض وتارة يتيسر فيها الطول دون الحدث والعكس كالجالس مستندا والراكع ففي النقض بذلك قولان، وظاهر كلام الشيخ أن الجنون والإغماء حدثان لكونه لم يشترط فيهما الثقل، كما اشترطه في النوم وهو كذلك قاله مالك وابن القاسم. ونقل اللخمي عن عبد الوهاب أنهما سببان وخرج على القولين من جن قائما أو قاعدا بحضرة قوم ولم يحسوا أنه خرج منه شيء واعترض كلامه من وجهين أحدهما لابن بشير أن عبد الوهاب أطلق عليهما أنهما سببان إلا أنه أوجب منهما الوضوء دون تفصيل. والثاني: لبعض شيوخنا أنه لا يلزم من عدم إحساسهم عدم خروجه قال ويلزمه في النوم.
(ويجب الوضوء من الملامسة للذة والمباشرة بالجسد للذة والقبلة للذة):
اعلم أن الملامسة على أربعة أقسام تارة يقصد ويجد فالوضوء باتفاق وعكسه لا وضوء باتفاق، وتارة يقصد ولا يجد فروى أشهب لا أثر له وروى عيسى عن ابن القاسم ينقض وهو ظاهر المدونة، وكلاهما حكاه ابن رشد. وجعل اللخمي المنصوص النقض وخرج من الرفض عدمه وضعفه ابن عبد السلام بأنه انضم هنا إلى النية فعل وهو اللمس فليسا سواء وتارة يجد ولا يقصد فالوضوء باتفاق عند ابن الحاجب.
وقال الرجراجي في النقض قولان قائمان من المدونة وهذا الخلاف إذا كان اللمس مباشرة، وأما إن كان من فوق حائل فروى ابن القاسم كالمباشرة، وروى
стр. 68
علي بن زياد إن كان خفيفا فحمله ابن رشد على التفسير، وحمله اللخمي على الخلاف قائلا رواية علي أحسن إن كان باليد وإن كان ضمها إليه فالكثيف كالخفيف، وذكر الشيخ المباشرة بالجسد بعد الملامسة حشو ويريد إذا كان مما يلتذ بلمسها عادة، وأما الصغيرة فلمسها لا أثر له لأن لمسها لا يوجب لذة وكذلك المحرم لقيام المانع العادي وظاهر كلام الشيخ ولو كان الملموس ظفرا أو شعرا وهو كذلك نص عليه ابن الجلاب.
وقيل أنهما لا يلحقان بما عداهما من الجسد لأن اللذة ليست بلمسهما وإنما هي بالنظر ولا أثر له، نقله ابن عبدالسلام عن بعض الشيوخ. وظاهر كلام الشيخ سواء كانت القبلة على الفم أم لا لأنه يعتبر قصد اللذة وهو كذلك في أحد القولين والمشهور أن القبلة في الفم تنقض مطلقا للزوم اللذة غالبا ما لم تكن قرينة صارفة عن قصد اللذة كقبلة الوداع.
(ومن مس الذكر)
اختلف في مس الذكر على ثمانية أقوال: فقيل ينقض بباطن الكف خاصة رواه أشهب وهو ظاهر كلام الشيخ في باب الغسل حيث قال: ويحذر أن يمس ذكره في تدلك بباطن كفه وقيل مثله مع زيادة باطن الأصابع قاله ابن القاسم في المدونة ونصها.
قال مالك: ولا ينتقض الوضوء من مس شيء من البدن إلا من مس الذكر وحده بباطن الكف.
قال ابن القاسم: وبباطن الأصابع مثله فحمله ابن رشد على التفسيرن ومقتضى كلام اللخمي أنه خلاف، وقيل مثله مع زيادة باطن الذراع قاله أبو بكر الوقار، وقيل إن التذ توضأ وإلا فلا قاله العراقيون. وقيل إن تعمد توضأ وإن لم يلتذ وإن نسي فلا شيء عليه رواه ابن وهب.
وقيل إن مس الكمرة توضأ وإلا فلا حكاه الشارقي عن ابن نافع. وقيل إن الوضوء منه حسن وليس بسنة.
стр. 69
وقيل: إن الوضوء منه ساقط وكلاهما عن مالك.
واختلف إذا مسه من فوق حائل على ثلاثة أقوال ثالثها إن كان خفيفا انتقض وإلا فلا. وإذا فرعنا على ما في المدونة فهل ينتقض الوضوء بحرف اليد والأصابع، في ذلك قولان حكاهما ابن العربي وفي النقض بإصبع زائدة قولان.
(واختلف في مس المرأة فرجها في إيجاب الوضوء):
اختلف قول مالك في مس المرأة فرجها على أربع مقالات: فقيل لا ينقض. رواه ابن القاسم وأشهب وهو مذهب المدونة. وقيل ينقض رواه علي بن زياد وقيل إن ألطفت توضأت وإلا فلا، رواه ابن أبي أويس. وقيل إن الوضوء منه مستحب حكاه ابن رشد عن مالك، فمن الشيوخ من راد القولين الأولين إلى الثالث ومنهم من قال إنها أقوال متباينة.
وأما الدبر فالمنصوص أنه لا أثر له هوخرجه حمديس على مس فرج المرأة، ورد بوجهين أحدهما عدم صحة القياس فإن الدبر لا يسمى فرجا وهذا لابن بشير. الثاني: عدم وجود اللذة في مس الدبر قاله عبد الحق ومثله لابن بشير أيضا.
وفي ابن عبد السلا ما يرد على ابن بشير، وذلك أنه قال لابن عبد البر ميل إلى مذهب الشافعي لقوله ﵇: "من أفضى بيده إلى فرجه فليتوضأ". والدبر فرج لقوله ﷺ في مريد قضاء الحاجة: "لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها بفرجه".
وكذلك تفريق عبد الحق ضعفه ابن سابق بأن حمديسًا لم يعلل باللذة بل بمجرد اللمس، قلت وهو الصواب وقول ابن بشير كلهم يحومون على اللذة بعيد.
(ويجب الظهر مما ذكرنا من خروج الماء الدافق للذة في نوم أو يقظة من رجل أو امرأة):
قال صاحب الطراز خروج ماء المرأة ليس يشترط في جنابتها لأن عادته ينعكس إلى الرحم ليخرج منه الولد فإذا أحست بنزوله وجب عليها الغسل وإن لم يبرز. وظاهر كلام الشيخ أن وجود المني في مسألة النوم موجب الغسل وإن لم يتذكر الموطن وهو كذلك عندنا. وشذ بعض المتقدمين فرأى اعتبار تذكر الموطن وظاهر كلام الشيخ سواء
стр. 70
كانت معتادة أو غير معتادة وهو كذلك عند سحنون وابن شعبان. وقيل لا يجب في اللذة غر المعتادة وختلف إذا أمنى لغير لذة كمن ضرب فأمنى، ففي وجوب الغسل قولان لابن شعبان وابن سحنون والأخير منهما جعله ابن بشير هو المشهور. وسبب اختلافهم في هذين الفرعين اختلافهم في الصور النادرة هل تراعي أم لا؟ وإذا فرعنا على عدم وجوب الغسل فهل يجب الوضوء أم لا؟ فيه اختلاف والجاري على أصول المذهب أنه لا يجب لأنه ليس بمعتاد في نواقض لوضوء فأشبه الحصى.
(وانقطاع دم الحيضة أو الاستحاضة أو النفاس):
أما انقطاع دم الحيض والنفاس فالإجماع على وجوب الغسل كما قال الشيخ وأما دم الاستحاضة فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: فقيل لا أثر له وقيل تتطهر استحبابا وكلاهما قاله مالك ورجع إلى الأخير والقولان في المدونة. وقيل إنها تغتسل وجوبا على ظاهر نقل الباجي، قال مالك مرة تغتسل ومرة ليس ذلك عليها، وقال ابن القاسم ذلك واسع فإذا عرفت هذا فاعلم أنه لا اعتراض على الشيخ في قوله إن الغسل واجب.
قال ابن عبد السلام: ظاهر كلام الشيخ أبي محمد الوجوب واستشكله غير واحد، قلت ورده بعض شيوخنا بأنه إن كانت مخالفة المدونة فالمشهور لا يتقيد به وإن كان لعدم وجود فقصور لما سبق، وظاهر كلام الشيخ أنها إذا ولدت ولدا جافا أنه لا يجب الغسل عليها وهو أحد القولين في نقل ابن بشير وحكاهما ابن الحاجب روايتين.
وفي العتبية من سماع أشهب من ولدت بغير دم اغتسلت ثانيا ولم يجزها الأول قال اللخمي: هذا استحسان لأن الغسل للدم لا للولادة ولو اغتسلت لخروج الولد دون الدم اغتسلت ثانيا ولم يجزها الأول، وقال ابن رشد معنى سماع اشهب دون دم كثير إذ خروج الولد بلا دم معه ولا بعده محال عادة، قلت: وكان بعض من أدركناه يحكي عمن يثق بقوله إنه شاهد خروج الولد من زوجته بلا دم البتة ولم يعقبه بعده دم.
(أو بمغيب الحشفة في الفرج وإن لم ينزل):
قال أبو محمد صالح يعني في محل الافتضاض، وأما في محل البول فلا أثر له وأبعده التادلي قائلا لأن غاية أمره أن يكون كالدبر وهو يوجب الغسل، قلت يريد في مشهور المذهب. وحكى ابن رشد رواية عن مالك لا غسل من الوطء في الدبر وخرجها على القول بمنع الوطء فيه ورده بعض شيوخنا بأن اتفاق الأكثر على المنع من الوطء، وعلى
стр. 71
وجوب الغسل يريد تخريجه والبهيمة كالآدمي نص عليه غير واحد كابن العربي عن المذهب.
وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز ثلاث وجبات: مغيب الحشفة في قبل أو دبر من آدمي، قال بعض شيوخنا ظاهره أن وطء البهيمة دون إنزال لا أثر له إلا أن يريد لمن عليه الوجوب لا لسببه، وظاهر كلام الشيخ أن الحشفة إذا غابت موجبة الغسل وإن دخلت ملفوفة وهو كذلك ومعناه إذا كان اللف رقيقا، وأما الكثيف فلا ونص عليه ابن العربي. وكان بعض من لقيناه يخرج فيه قولان بوجوب الغسل مطلقا من أحد القولين في لمس النساء من فوق حائل كثيف. قلت ولا يتخرج فيه قول بنفي الغسل مطلقا من أحد الأقوال في مس الذكر لأن الوطء أخص في استدعاء اللذة.
وقال التادلي: اختلف في المسألة على ثلاثة أقوال: ثالثها إن كان الحائل رقيقا وجب وإلا فلا وهو الأشبه بمذهبنا، وما ذكره لا أعرفه وأراد بقوله وهو الأشبه بمذهبنا أي الجاري على أصول المذهب المشهور قياسا على مس الذكر والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ أن بعض الحشفة لغو وهو كذلك على ظاهر المدونة. ونص على هذا اللخمي ونقل صاحب الحلل عن غير اللخمي إذا غاب الثلثان منها وجب وإلا فلا، قلت: وما ذكره لا أعرفه.
(ومغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل ويوجب الحد ويوجب الصداق ويحصن الزوجين ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها ويفسد الحد ويفسد الصوم):
إنما كرر كون مغيب الحشفة يوجب الغسل ليركب عليه ما بعده وإلا فقد ذكر ذلك. ومعنى يوجب الصداق أي كماله وإلا فالنصف حاصل بالعقد، واختلف إذا وطئها في دبرها هل هلا جميع الصداق كالوطء في القبل أم النصف فقط كلاهما حكاه اللخمي، قلت وأخذ بعض شيوخنا الأول من قول رجم المدونة وطؤها في دبرها جماع لأن شك فيه.
واختلف إذا افتضها بإصبعه على ثلاثة أقوال قيل: لها كل المهر قاله ابن القاسم وقيل لها النصف وما شأنها قاله في سماع أصبغ وقيل إن لم يرج لها إنها لا تتزوج بعد ذلك إلا بمهر ثيب فلها جميعه، قاله اللخمي. وما ذكر أن المطلقة ثلاثا تحل بالوطء بمغيب الحشفة هو كذلك عندنا خلافا للحسن في قوله لا تحل إلا بالإنزال وقيل إن العقد كاف في الإحلال، قاله سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب. قال أبو عمران: وإلى
стр. 72
هذا القول ذبه ابن اللباد الفرضي في النكاح.
قلت: وأخذه المغربي من قول أشهب في النكاح الثالث من المدونة ونصها قال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريم للأمة كان يطؤها أم لا، ذكر قول أشهب هذا فيما إذا وطئ أمة بملك ثم تزوج أختها، والمشهور أنه يشترط في التحليل الانتشار قال بعض من لقيناه وانظر هل يتخرج هذا الخلاف في وجوب الغسل أم لا، ولم أر فيه نصا وهو قصور لنقل أبي محمد عن ابن شعبان إذا أدخلت زوجة العنين ذكره في فرجها لزمها الغسل قال أبو محمد لا أعرف فيه خلافا.
(وإذا رأت المرأة القصة البيضاء تطهرت وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة):
قال ابن الحاجب: الحيض الدم الخارج بنفسه من فرج الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما من غير ولادة واعترض بأربعة أوجه:
أحدها: استعمال لفظ بنفسه في غير موضعه لأنه إنما يستعمل إذا أريد تأكيد الذات كقولك جاء زيد نفسه.
الثاني: أنه غير مانع لدخول نوع من دم الاستحاضة فيه وهو ما زاد على العادة أو العادة والاستظهار إذا كان أقل من خمسة عشر يوما.
الثالث: أن في حده الحشو وهو قوله من غير ولادة فإن قوله بنفسه يغني عنه. وهذه الثلاثة حكاها ابن عبدالسلام ويجاب عن الثاني بأن قول مالك فلا يعترض بها هو مختلف اختلافا قويا إذ هو في المدونة.
الرابع: ذكره ابن هارون بأنه يخرج عن كلامه دم الحامل فإنه فيه تفصيلا بين أول الحمل وآخره ففي أوله خمسة عشر يوما ونحوها وبعد ستة العشرين ونحوها، قلت ويجاب بأن أشهب روى عن مالك أنها كغيرها فكلامه جار على قول مالك أيضا وظاهر كلام الشيخ أن القصة والجفوف سيان وإليه ذهب الداودي وعبدالوهاب قال ابن القاسم القصة أبلغ.
وقال ابن عبد الحكم: الجفوف أبلغ وهذا في حق المعتادة وأما المبتدئة فقال ابن القاسم تنتظر الجفوف. قال الباجي: هذا نزوع منه إلى قول ابن عبد الحكم، ورده المازري بأن المبتدئة لم تتقرر في حقها عادة أحدهما فإذا رأت الجفوف أولا فهي علامة، والأصل عدم القصة في حقه فلا معنى للتأخير لأمر مشكوك فيه. وإذا رأت المرأة القصة أولا
стр. 73
أخرت لأنه لا بد أن يعقبها الجفوف فكان التأخير لأمر محقق وليس كذلك المعتادة.
(ثم إن عاودها دم أو رأت صفرة أو كدرة تركت الصلاة ثم إذا انقطع عنها اغتسلت وصلت ولكن ذلك كله كدم واحد في العدة والاستبراء حتى يبعد ما بين الدمين):
أما الدم فلا خلاف فيه أن الأمر كما ذكر وكذلك الصفرة والكدرة في مشهور المذهب مطلقا، وقيل هما كالدم ما لم يكونا بعد اغتسال قبل تمام طهرها فإنه لا أثر لخروجها قاله ابن الماجشون قائلا: يجب منهما الوضوء فقط. قال اللخمي: وهو خلاف نص المدونة وجعله الباجي والمازري المذهب.
(مثل ثمانية أيام أو عشرة فيكون حيضا مؤتنفا):
اختلف في أقل الطهر على خمسة أقوال: فقيل: خمسة أيام قاله ابن الماجشون وقيل ثمانية أيام قاله سحنون وقيل عشرة أيام قاله ابن حبيب وقيل خمسة عشر يوما قاله ابن مسلمة وجعله ابن شاس وابن الحاجب المشهور. وقيل ما يراه النساء قاله مالك من رواية ابن القاسم. وأما أكثر الطهر فلا حد له اتفاقا واعلم أن الشيخ أراد بقوله مثل ثمانية أيام أو عشرة الإخبار بأن المسألة اختلف فيها على قولين فكأنه يقول مثل ثمانية أيام في قول أو عشرة في قول، وكثيرا ما يفعل ذلك ومنه وترفع يديك حذو منكبيك ودون ذلك.
وقوله: وإذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة، ولا يقال إن كلامه غير مطرد في ذلك ألا ترى إلى قوله تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك لأن قرينة قوله وذلك واسع يفهم منه إرادة التخيير فقط.
(ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما ثم هي مستحاضة تتطهر وتصوم وتصلي ويأتيها زوجها):
ظاهر كلامه سواء كانت معتادة أو مبتدئة أو حاملا وهو كذلك في أحد الأقوال عموما فأما المبتدئة ففي المدونة تمكث خمسة عشر يوما وروى علي بن زياد تطهر لعادة لداتها وروى ابن وهب وثلاثة أيام استظهارا.
стр. 74
وقال عبد الوهاب مثله ما لم تزد على خمسة عشر يوما، وقال اللخمي لو قيل تطهر لعادة أمثالها من قرابتها لكان حسنا، ومثل هذا اللفظ لا يعد قولا حسبما نص عليه صاحب اللمع فيما إذا قال المجتهد لو قال بهذا قائل لكان مذهبا فإنه لا يعد قولا. وأما المعتادة ففي المدونة خمسة عشر يوما وترجع إلى عادتها مع الاستظهار بثلاثة أيام ما لم تزد على خمسة عشر يوما، وقيل عادتها فقط قاله ابن عبد الحكم. وقيل خمسة عشر يوما واستظهار يوم أو يومين، وقيل بل تستظهر بثلاثة أيام قاله ابن نافع فهذه خمسة أقوال.
واختلف على القول باعتبار العادة مع الاستظهار فقيل العادة الأكثرية وهو المشهور، وقيل الأقلية ابن حبيب وابن لبابة، وكذلك اختلف فيما بين العادة والعادة مع الاستظهار إلى خمسة عشر يوما هل هي طاهرة حقيقة أو تحتاط على قولين، وأما الحامل فالأكثر على أنها تحيض، ووقع لابن القاسم ما يقتضي أنها لا تحيض كقول ابن لبابة وذلك أنه قال فيمن اعتدت بالحيض ثم ظهر حملها لو علمته حيضا مستقيما لرجمته فأخذ منه غير واحد ما قلناه.
قال ابن بشير في شرحه على ابن الجلاب إنما هو إشارة للتشكيك كقول الداودي لو أخذ فيه بالأحواط لكان حسنا وعلى الأول فقال مالك يجتهد لها وليس في ذلك حد وليس أول الحمل كآخره، وقال ابن القاسم تمكث بعد ثلاثة أشهر ونحوها خمسة عشر يوما ونحوه بعد ستة أشهر العشرين ونحوها، واختلف أصحابنا من التونسيين هل هو خلاف لقول مالك السابق أو هو تفسير له؟ وروى أشهب أن الحامل كغيرها والخلاف في الحامل أكثر من المعتادة ولولا الإطالة لذكرناه.
(وإذا انقطع دم النفساء وإن كان قرب الولادة اغتسلت وصلت):
قال ابن الحاجب: النفاس الدم الخارج للولادة قال ابن عبد السلام: وكان يلزم على طريقه في حد الحيض أن يقول غير زائد على ستين إلا أن يعتذر عنه بأن الخمسة عشر هناك على الأكثر على المشهور، والذي رجع إليه في النفاس أن يسأل عنه النساء فيمكن ذكر الزمان هناك ولم يكن هنا وفيه نظر، قلت وجه النظر الذي أشار إليه والله أعلم هو أن القول المرجوع إليه هناك أيضا العادة مع الاستظهار ما لم تبلغ خمسة عشر يوما، فلو كان المعتبر إنما هو القول المرجوع إليه لما قال في الحيض غير زائد على خمسة عشر يوما.
стр. 75
قال الجوهري: ويقال نفست بضم النون وفتحها في الولادة وبالفتح في الحيض فقط، وحكى الأصمعي وأبو حاتم الوجهين معا ولا خلاف أعلمه بين أهل العلم أنه إذا انقطع دم النفساء أنها تغتسل، وجملة نساء عوام إفريقية يعتقدون أنها تمكث أربعين يوميا ولو انقطع عنها الدم وهو جهل منهن فليعلمن.
(وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة ثم اغتسلت وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ):
ما ذكر أنها تجلس ستين يوما هو قول مالك. قال مطرف: بذلك رأيته يفتي وقيل ما يراه النساء وإليه رجع مالك والقولان معا في المدونة، وقال ابن الماجشون: السبعون أحب إلي من الستين. قلت: وسمعت بعض من لقيته ممن يظن به حفظ المذهب ينقل غير ما مرة: أن بعض أهل المذهب حكى قولا في المذهب باعتبار أربعين ليلة. قال: وغاب عني ناقله وأكثر أهل المذهب إنما يعزون لأبي حنيفة.
باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة
والمصلي يناجي ربه فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء أو بالطهر إن وجب عليه الطهر، ويكون ذلك بماء طاهر غير مشوب بنجاسة ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيئ نجس أو طاهر. انظر لأي شيء ذكر الشيخ في هذه الترجمة ما يجزئ من اللباس في الصلاة وذكر ذلك في الصلاة أمس ولذلك كرر الشيخ ذلك في جامع الصلاة. والطهارة في اللغة النظافة والنزاهة.
وفي الاصطلاح قال المازري: إزالة النجس أو ما في معناه بالماء أو ما في معناه
следующие страницы →