Полный текст (890 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
يشترط تمكين الجبهة كلها بل بعضها كاف صرح بذلك ابن عبد السلام، فإن قلت ما نسبته لابن عبد السلام أليس أنه مأخوذ من المدونة قال فيها ومن صلى على كور العمامة كرهته ولا يعيد وأحب إلي أن يرفع عن بعض جبهته حتى يمس الأرض بذلك، قلت: ليس كذلك لأنه سجد ببعض جبهته على العمامة فهو قد مكن جميع جبهته بعضها مباشرة وبعضها بحائل.
واختلف إذا ترك السجود على الجبهة والأنف على أربعة أقوال: فقال ابن حبيب يعيد أبدا وقيل لا إعادة عليه حكاه ابن الحاجب وقيل إن سجد على الجبهة صحت صلاته وعلى الأنف يعيد أبدا قاله في المدونة وقيل إن سجد على الأنف يعيد في الوقت خاصة حكاه أبو الفرج عن ابن القاسم قال في المدونة ومن بجبهته قروح أومأ ولم يسجد على أنفه، ونص أشهب على أنه سجد عليه أجزأه وألزم الخمي على قول ابن حبيب السابق أنه يسجد عليه وجوبا.
واختلف هل قول أشهب وفاق أم لا؟ فذهب ابن يونس وشيخه عتيق إلى أنه وفاق وقال ابن القصار هو خلاف وإليه ذهب بعض شيوخ ابن يونس فإن سجد على كور عمامته ففي المدونة تكره وتصح، وقال ابن عبد الحكم: وابن حبيب إن كانت يسيرة كالطاقة وإن كانت كثيرة أعاد في الوقت إن مس بأنفه الأرض ذكره الباجي رواية لابن حبيب فحمل التونسي قول ابن حبيب على الوفاق وظاهر كلام المازري أنه خلاف.
وقال التادلي: اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: ثالثها إن عظمت أعاد أبدا فكلامه يدل على أن في المذهب قولا بالبطلان مطلقا ولا أعرفه.
(وتباشر بكفيك الأرض بسطا يديك مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك وذلك واسع غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض ولا تضم عضديك إلى جنبيك ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا):
مباشرة الأرض بالكفين مستحبة ومثله مباشرة الأرض بالوجه وفي غيرها مخير واختلف أين يضع يديه على أربعة أقوال: فقيل لا تحديد في ذلك قاله في المدونة وقيل حذو منكبيه نقله صاحب الطراز عن ابن مسلمة وقيل حذو أذنيه قاله ابن مسلم أيضًا، واختاره اللخمي وقيل حذو صدره قاله ابن شعبان، وقول الشيخ حذو أذنيك أو دون ذلك أراد بذلك الإخبار أن في المسألة قولين إلا أن قوله أو دون ذلك يحتمل
стр. 142
المنكبين أو الصدر وهو الأقرب والله أعلم، وأشار بقوله وذلك واسع إلى عدم فرضية ما ذكر على أنه يحتمل وكأنه الأقرب أن إشارته إنما هي إلى التوسعة بعدم التحديد كما قال في المدونة.
(وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الأرض):
قال ابن القصار والسجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة فيما يقوى في نفسي وظاهر كلام اللخمي وغيره أن ذلك واجب، وقول ابن العربي أجمعوا على وجوب السجود على السبعة الأعضاء قصور، وقال ابن الحاجب: أما الركبتان وأطراف القدمين فسنة فيما يظهر، وقيل واجب، فظاهره أن القول الأول لم يسبقه إليه غيره وليس كذلك بل هو كلام ابن القصار.
(وتقول إن شئت في سجودك سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءًا فاغفر لي أو غير ذلك إن شئت وتدعو في السجود إن شئت وليس لذلك وقت وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا):
حكم الدعاء في السجود الفضيلة، وقال يحيى بن يحيى وعيسى بن دينار من لم يذكر الله في ركوعه ولا في سجودة أعاد صلاته أبدا، قال عياض فتأوله القاضي التميمي لتركه الطمأنينة الواجبة، وتأوله ابن رشد لتعمده تركه حتى التكبير كتعمد ترك السنة قال في البيان إنما قالاه استحبابا لا وجوبا، والمطلوب أن يجمع في دعائه بين مصالح دينه ودنياه قال في المدونة ولا بأس بالدعاء على الظالم.
قلت: وأفتى بعض شيوخه غير ما مرة بأن يدعي على المسلم العاصي بالممات على غير الإسلام، واحتج بدعاء موسى ﵊ بذلك على فرعون، فقال ﵎ حاكيا عنه (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) [يونس: ٨٨]
والصواب عندي أنه لا يجوز وليس في الآية دليل لأنه فرق بين الكافر الميئوس منه، كفرعون وبين المسلم العاصي المقطوع له بالجنة إما أولا، وإما ثانيا. وقد قال عياض في إكماله في قوله ﵇ "لعن الله السارق" وهو حجة في لعن من لم يسم.
وكذلك ترجم عليه البخاري لأنه لعن للجنس لا المعين ولعن الجنس جائز لأن
стр. 143
الله تعالى قد أوعدهم وينفذ الوعيد على من يشاء منهم وإنما يكره، وينهى عن لعن المعين والدعاء عليه بالإبعاد من رحمة الله وهو من معنى اللعن وقد ذهب بعض المتكلمين على معاني الحدي أن اللعن جائز على أهل المعاصي، وإن كان معينا ما لم يحد لأن الحدود كفارات لأهلها، وهذا الكلام غير سديد ولا صحيح لنهيه ﵊ عن اللعن في الجملة وحمله على المعين أولى ليجمع بين الأحاديث.
واختلف إن قال يا فلان فعل الله بك كذا وكذا فقال ابن شعبان صلاته باطلة والمذهب على خلافه قال ابن العربي في القبس: اختلفت الصوفية هل الدعاء أفضل من الذكر المجرد أم العكس؟ فقيل بالأول لقوله تعالى: (ادعوني استجب لكم) [غافر: ٦٠]
ولأن الدعاء المأثور عنه ﵊ أكثر من الذكر المأثور ومنهم من قال بالثاني لقوله ﵊ حاكيا عن الله : "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
(ثم ترفع رأسك بالتكبير فتجلس فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين وتنصب اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض):
اعلم أن الرفع من السجود فرض بلا خلاف وفي الاعتدال والطمأنينة خلاف قال ابن الحاجب: والرفع منه، والاعتدال والطمأنينة كالركوع وتعقبه ابن دقيق العيد بأن ظاهره يقتضي أن فيه خلافا لقوله كالركوع وهو ممتنع لتوقف الثالثة عليه، وأجيب عنه بأنه إنما قصد إلى ثبوت أصل الطلب في الرفع من السجود كما هو في الرفع من الركوع، ولم يقصد أن الرفع من السجود مختلف فيه كما اختلف في الرفع من الركوع.
قال ابن عبد السلام: وفي هذا الجواب نظر لأنه بتقدير صحته يكون كلام المؤلف قاصرا في عدم التعرض للخلاف الذي في الاعتدال والطمأنينة في الرفع من السجود، وبالجملة فإن قصد المؤلف حقيقة التشبيه لزم الإشكال المذكور وإن قصد ما قال هذا المجيب لزم قصور كلامه من حيث إنه لم يتعرض للخلاف الذي في الاعتدال والطمأنينة.
قلت هذا كله لا يحتاج إليه وليس في كلامه ما يدل على خلاف السنة؛ لأن قوله الرفع منه هو آخر الكلام لكونه ترجمة؛ ولأنه قال أحد الفرائض السابقة الرفع منه، ثم استأنف التفريع في مسائلة فقال: والاعتدال في الطمأنينة كالركوع أي اختلف فيها كالركوع، ومثل هذا لابن هارون رحمه الله تعالى، ومن علم طريقة ابن الحاجب في هذا
стр. 144
الفصل فقد علم ما قلناه، وإن سلمنا أن الأمر كما قالوا فابن الحاجب لم يحك خلافا في الرفع من الركوع هل هو فرض ابتداء أم لا نعم حكي بعد الوقوع خلافا، وهنا فرض ذلك متعذر فهو أراد التشبيه في الحكم ابتداء، وذلك صحيح وهو الفرضية بلا خلاف.
(وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا):
أما وضعهما على الركبتين فلا خلاف أن ذلك مستحب وأما رفعهما عن الأرض فقال سحنون اختلف أصحابنا إذا لم يرفعهما، فقال بعضهم بالإجزاء وقال بعضهم بعدمه، قلت: وبه أدركت جماعة ممن لقيت يفتون، وقد أخبرت أن بعض متأخري إفريقية كان يفتي بالبطلان إذا لم يرفعهما معا وبالصحة إذا رفع واحدة.
(ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس ولكن كما ذكرت لك وتكبر في حال قيامك):
ما ذكر أنه يعتمد على يديه يريد على طريق الاستحباب وهو قول مالك وخفف تركه في المدونة، قال فيها فإن شاء اعتمد على يديه في القيام أو ترك فظاهره الإباحة وروى عن مالك يكره ترك اعتماده وما ذكر الشيخ أنه لا يرجع للجلوس هو المشهور واستحب ابن العربي أن يجلس لثبوته عنه علي السلام، وبه قال الشافعي.
قال ابن عبد السلام: وهو المختار وعلى الأول فإن رجع جالسا عمدا فلا سجود والصلاة مجزئة باتفاق مراعاة للخلاف وإن رجع ساهيا ففي السجود قولان.
(ثم تقرأ كما قرأت في الأولى أو دون ذلك وتفعل مثل ذلك سواء):
اعلم أن المذهب اختلف في قراءة الثانية فقال في المختصر لا بأس بطول قراءة ثانية الفريضة على الأولى وفي الواضحة الاستحباب وعكسه، فجعلها المازري قولين وجهل ابن العربي من لم يطل الأولى على الثانية. قلت: فقول الشيخ كما فرأت في الأولى أو دون ذلك إن أراد المسألة ذات قولين كعادته فالقول الأول من قوليه خلاف ما تقدم ولا أعرفه.
(غير أنك تقنت بعد الركوع وإن شئت قنت قبل الركوع بعد تمام القراءة):
اختلف في حكم القنوت والمشهور من المذهب أن ذلك فضيلة وقيل سنة قاله ابن سحنون وعلي بن زياد، وهو ظاهر السليمانية يسجد لسهوه وهو مذهب المدونة، قال فيها عن ابن مسعود: القنوت في الفجر سنة ماضية والأصل الحقيقة وإتيان سحنون بذلك يدل على ارتضائه له وقال يحيى بن يحيى لا يقنت وإنما قال ذلك لما في الموطأ
стр. 145
كان ابن عمر لا يقنت.
قال بعض الشيوخ: واستمر العمل بذلك في مسجد يحيى بعد موته، وإذا قلنا بأنه فضيلة فلا سجود له كسائر الفضائل فإن سجد له بطلت صلاته قاله أشهب حكاه ابن رشد ومثله للطليطي، وإذا قلنا بالسنة فنص علي بن زياد على أنه إن لم يسجد بطلت، وهو قائل بذلك في كل سنة، وقال بعض المتأخرين: من أراد أن يخرج من الخلاف فليسجد بعد السلام وبه أفتى بعض من لقيته غير ما مرة ونص ابن الحاجب على أنه لا بأس برفع يديه في دعاء القنوت.
قلت وظاهر المدونة خلافه قال فيها: ولا يرفع يديه إلا في الافتتاح شيئا خفيفا والمشهور أنه لا يكبر له قبل، وروى علي أن مالكا كبر حين قنت، واختلف ما الأفضل في محله فقيل قبل الركوع أفضل.
وقال ابن حبيب: بعده أفضل وهو ظاهر كلام الشيخ، وفي المدونة والقنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع والذي أخذ به مالك في خاصته قبل.
(والقنوت اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد):
ما ذكره مثله في المدونة عن النبي ﷺ ، وذكر القاضي عبد الوهاب في تلقينه هذا الدعاء من أوله إلى نحفد وزاد اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، ولا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.
قال ابن عبد السلام: واختار ابن شعبان الجمع بينهما مع زيادة الدعاء على الكفار والدعاء للمسلمين، ومعنى نستعينك أي نطلب منك العون، ونستغفرك: أي نطلب منك المغفرة، ونؤمن بك: أي نصدق بوجودك ونخنع أي نخضع، ونخلع: أي ربقة الكفر من أعناقنا، ونترك من يكفرك: أي لا نحب دينه ولا يعترض على هذا بإباحة نكاح الكتابية لكوننا إذا تزوجناها ملنا إليها لأن النكاح في باب المعاملات، والمراد هنا كما تقدم إنما هو بعض الدين وحكاية البهلول بن راشد المذكور في المدارك وغيرها، إنما خرج ذلك منه على طريق الورع ولولا الإطالة لذكرناها وتقديم المفعول في قوله إياك نعبد إشارة للحصر أي لا نعبد إلا إياك، وعطف السجود على الصلاة لأنه مخها ومعنى نحفد أي نخدم بسرعة وقوله نرجو رحمتك، ونخاف عذابك
стр. 146
الجد إلخ فيه الإشارة إلى أن الجمع بين الرجاء والخوف من المطلوب وهو كذلك لقوله ﵊ " لا يجتمعان في قلب عبد المؤمن إلا أعطاه الله ما يرجوه منه، وأمنه مما يخاف" إلا أنه في حال الشبوبية والكهولية يغلب الخوف، وفي حال الشيخوخية والمرض يغلب الرجاء.
قال الفاكهاني: والجد بكسر الجيم أي الحق وقيل معناه الدائم الذي لا يفنى ويروى الجد بالفتح مصدر جد والكسر أكثر وأشهر وهي روايتنا في هذا الكتاب وملحق فيه الكسر والفتح، فالكسر بمعنى لاحق وبالفتح أي يلحقه بالكافرين وهي رواية في الرسالة.
(فإذا جلست بين السجدتين نصبت رجلك اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض وثنيت اليسرى وأفضيت بأليتك إلى الأرض ولا تقعد على رجلك اليسرى وإن شئت حنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها إلى الأرض فواسع):
اختلف المذهب في الجلوسين على ثلاثة أقوال: فقيل سنتان وهو المشهور وروى أبو معصب وجوب الآخر منهما.
وقال ابن زرقون ظاهر نقل أبي عمر بن عبد البر وجوبهما معا.
وهذا كله في غير مقدار ما يوقع فيه السلام وأما مقدار ما يوقع فيه السلام ففرض باتفاق، وما ذكر الشيخ من التخيير في جنب الإبهام هو خلاف قول الباجي يكون باطن إبهامهما ما يلي الأرض لا جنبهما. قال الفاكهاني: عن الغريب كأن الشيخ أبا محمد ﵀ وهم في قوله بهما وإنما يقال إبهام كما هو المعروف قال الجوهري الإبهام الإصبع العظمى والبهم هو أولاد الضأن كما أن السخل أولاد المعز.
(ثم تشهد):
حكم التشهد السنة باتفاق على ظاهر كلام الأكثر وقال ابن بزيزة في حكم التشهدين ثلاثة أقوال: المشهور سنة وقيل فضيلة وقيل الأول سنة والثاني فرض وقبله خليل.
(والتشهد: التحيات لله الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلخ):
سمي التشهد تشهدا لتضمنه الشهادتين، وإنما اختار مالك هذا التشهد لأنه تشهد
стр. 147
عمر بن الخطاب ﵁ إذ كان يعلمه الناس على المنبر من غير نكير عليه، قلت: وليس جميعه سنة بل بعضه هو السنة قياس على السورة والله أعلم.
وأقيم من هنا الرجل إذا لقي رجلا فأخبره أن فلانا يسلم عليه ولم يأمره بذلك أنه غير كاذب لقوله المصلي ما يدل عليه، وهو قوله السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، لأن المراد بذلك المؤمنون وهذه إقامة ظاهرة إذا كان القائل لذلك يعلم أن المنقول عنه يعلم ما وقعت الإشارة إليه من كونه يفهم معنى ما هو متكلم به، وقول الشيخ فإن سلمت بعد هذا أجزأك وصف طردي وكذلك إذا قال بعضه أو تركه جملة.
(ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حق وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور):
قال عبد الوهاب: هذه الزيادة مروية عن السلف الصالح ﵃، ومعنى أشهد: أتحقق وأوقن، وذكر الجنة وما بعدها من باب عطف الخاص على العام وأراد الشيخ أن الجنة والنار موجودتان لا أنهما سيوجدان وذهبت المعتزلة إلى ما نفيناه، وذكره القبر إما لأنه الأعم الأغلب، وإما لأن قبر كل شيء بحسبه.
(اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وارحم محمدا وآل محمد وبارك في محمد وعلى آل محمد كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد):
اختلف المذهب في حكم التصلية في التشهد الذي يوقع فيه السلام على ثلاثة أقوال: فقيل سنة وهو المشهور وقيل فرض وقيل فضيلة نقل هذا الخلاف عياض عن بعض البغدادين عن المذهب، وقال ابن محرز: وقول ابن المواز بالفرضية لعله يريد في الجملة واعترض الشيخ أبو بكر بن العربي على الشيخ في قوله وارحم محمدا بقوله وهم شيخنا أبو محمد وهما قبيحا خفي عليه علم الأثر والنظر فزاد، وارحم محمدا وهي كلمة لا أصل لها إلا حديث ضعيف وردت فيه خمسة ألفاظ، وهي اللهم صل على محمد وارحم محمدا وبارك وتحنن وسلم، وهذا لا يلتفت إليه ولا يعرج عليه في العبادات فحذار أن يقوله أحد.
قلت: يرد احتمال أن يكون هذا الحديث المذكور صح عند الشيخ ولو سلمنا أنه لم يصح فيعتذر عنه بما اعتذر عياض، وذلك أنه قال: اختلف أصحابنا في الدعاء بالرحمة له ﵊ فاختار ابن عبد البر منعه وأجاز ذلك غير واحد وهو
стр. 148
مذهب الشيخ أبي محمد بن أبي زيد، وقد جاء في بعض الطرق: اللهم اغفر لمحمد وتقبل شفاعته، وهو بمعنى وارحمه والمطلوب أن يتلمس للشيخ تأويلا وإن بعد، وقد علمت اعتذاره عما يقع لأهل المذهب متقدمهم ومتأخرهم فمثل الشيخ أبي محمد لا يخاطب بالكلام الذي ذكر لعلمه وصلاحه إذ يستحي الإنسان من سماعه، ولولا هذا الذي ذكرناه لكان عدم ذكر اعتراضه خيرا من كتبه والله أعلم. واختلف في الآل فقيل قرابته وقيل أهل بيته وقيل أمته إلى غير ذلك.
(اللهم صل على ملائكتك والمقربين وعلى أنبيائك والمرسلين وعلى أهل طاعتك أجمعين):
قيل أن أكثر النسخ فيها إثبات الواو من قوله والمقربين والمرسلين وصح أقل النسخ بإسقاطها والأول أحسن لشموله جميع الملائكة، وإنما خصص المقربين والمرسلين تشريفا. والمراد بالمقربين قرب رضا لا قرب مكان، وذلك كجبريل وميكائيل وأخذ التادلي من قول الشيخ وعلى أهل طاعتك أجمعين، جواز الصلاة على غير الأنبياء والصحيح قصرها على الأنبياء قلت: كلام الشيخ إنما يدل على أن الصلاة على غير الأنبياء والصحيح قصرها على الأنبياء قلت: كلام الشيخ إنما يدل على أن الصلاة على غير الأنبياء تجوز بحكم التبع للأنبياء لا أن الصلاة بالاستقلال جائزة والله أعلم.
(اللهم اغفر لي ولوالدي ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما):
أول ما بدأ الشيخ بالدعاء له وثنى بوالديه إلخ، وذلك هو المطلوب إذ ذلك من كمال الأدب ليظهر كمال الافتقار إلى الله تعالى، والأئمة أراد بهم الجمع المركب من العلماء والأمراء والله أعلم، وأشار بقوله: ومن سبقنا بالإيمان إلى الامتثال لقوله تعالى: (والذين جاءو من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان) [الحشر: ١٠]
ومعنى عزما أي لا غنى لنا عن مغفرتك ولو قال إن شئت لكان فيه إظهار الغنى، وفي كلام الشيخ عندي دليل على أن المطلوب لمن أراد زيارة القبور أن يبدأ بوالديه ثم بمن قرأ عليه لأن للتقديم مزية، وكان بعض من مضى من العلماء يبدأ بمن تعلم عليه العلم قبل أبويه.
ويحتجا بأن معلمه قد تسبب له في حياته الباقية، وأبويه إنما تسببا له في حياته الفانية، قلت والحق عندي هو الأول وبه كان بعض من لقيته يفتي لأن الشرع دل على ذلك، ألا ترى أن نفقة الأبوين إذا كانا فقيرين تجب على الولد القادر عليها، ولم يقل أحد من أهل العلم فيما قد علمت بوجوب ذلك لمن تعلم عليه العلم.
стр. 149
(اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك ﷺ إلخ):
هذا اللفظ عام والمراد به الخصوص إذ الشفاعة العظمى مختصة به ﵊ لا يشاركه غيره فيها.
(اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا):
في كلام الشيخ إشارة إلى أن المجانسة في الدعاء حسنة.
(ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار):
اختلف في الحسنة في الدنيا فقيل المال الحلال، وقيل العلم والعبادة وقيل الزوجة الحسنة وقيل غير ذلك وأما قوله تعالى: (وفي الآخرة حسنة) [البقرة: ٢٠١]
فالجنة بإجماع قاله ابن عطية.
(وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات ومن فتنة القبر ومن فتنة المسيح الدجال ومن عذاب النار وسوء المصير):
أراد والله أعلم بفتنة المحيا ما يفتتن به الإنسان في حياته، ومن فتنة الممات حضور الشيطان له عند حضور أجله والمسيح يروى بالحاء المهملة مأخوذ من مسحه البركة، ويروى بالخاء لمسخ صورته، وقول الشيخ وسوء المصير إن أراد به سوء الخاتمة كما قيل فهو حشو لقوله والممات، وإن أراد سوء المنقلب فهو حشو لقوله من عذاب النار ويبعد أن يريد بقوله والممات ما يدرك الإنسان بعد موته لذكره فتنة القبر والنار والله أعلم.
(السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين):
إنما كرره لأن السلام المطلوب أن يكون عقبه، ومن كان مصليا وحده فحسن أن يذكر في تشهده ما ذكر الشيخ، ومن كان وراءه جماعة وهو يعلم أنه يشق عليهم ذلك فليقتصر عن إكماله، وقد قال ﷺ لمعاذ "أفتان أنت يا معاذ" لما كان يطول في صلاته.
(ثم تقول السلام عليكم تسليمة واحدة عن يمينك تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الإمام والرجل وحده):
مذهب مالك المعروف تعيين السلام عليكم قال الباجي، ووقع لابن القاسم أن
стр. 150
من أحدث في آخر صلاته أجزأته صلاته، قال ابن زرقون ويرد نقلا ومعنى أما نقلا فلان المنقول عن ابن القاسم أن من أحدث في آخر صلاته وهو في جماعة صلوا خلف إمام فأحدث إمامهم فسلموا هم لأنفسهم فسئل عن ذلك فقال تجزئهم صلاتهم أي تجزئ صلاة المأمومين فقط.
وأما معنى فلان الأئمة على قولين: منهم من يرى لفظ السلام بعينه وهو مالك ومنهم من لا يرى لفظ السلام ولكن يشترط أن ينوي بكل مناف الخروج من الصلاة.
أما ما حكاه الباجي من إطلاق كلامه فهو خلاف ما عليه الأئمة. وقبل ابن عبد السلام قول ابن زرقون هذا ويرد الثاني بأن سبقية الخلاف لا تمنع من نقل قول ثالث أو اختياره، والمطلوب أن يقول السلام عليكم غير منون فلو نكر، فقال الشيخ أبو محمد وعبد الوهاب لا يجزئ، وروي عن مالك وقال أبو القاسم بن شبون يجزئ وكل هذا الخلاف بعد الوقوع، وأما ابتداء فالمطلوب عدمه واختار بعض أصحاب الباجي ترجيحه على التعريف ولو عرف ونون فالمنصوص لمتأخري أشياخنا عدم الإجزاء ونقل غير واحد ممن شرحها كالتادلي قولا بالإجزاء جريا على اللحن، وأما إذا قال عليكم السلام ففي الصحة قولان حكاهما صاحب الحلل، ولا أعرف القول بالصحة.
وفي كلام الشيخ تناف فلم يزل أشياخنا ينبهونا عليه وهو أن قوله عن يمينك ينافي قوله تقصد بها قبالة وجهك وتتيامن برأسك قليلا، وما ذكر أن الإمام الفذ يسلمان تسليمة واحدة وهو المشهور، وروي عن مالك أنهما يسلمان تسليمتين.
(وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلا ويرد أخرى على الإمام قبالته يشير بها إليه ويرد على من كان سلم عليه عن يساره فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا):
ما ذكر هو المشهور وروي عن مالك أنه يبدأ بالسلام على من على يساره ثم على الإمام، وظاهر كلام الشيخ أن لو كان على يسار المسلم مسبوق لا يسلم عليه، وظاهر كلام ابن الحاجب أنه يسلم عليه لعموم قوله أمامه ثم يساره إن كان فيه أحد، واختلف في المسبوق إذا قضى كيف يسلم، فقيل كالمأموم وقيل كالفذ وكلاهما لمالك ﵀، وسبب الخلاف انسحاب حكم المأموم عليه ونفيه فإن شرط الرد الاتصال، قال الإمام المازري هذا يدل أن الخلاف باق ولو كان من يرد عليه حاضرا، قال وزعم بعض أشياخي الاتفاق إذا كان حاضرا أنه يسلم عليه. قاله ابن سعدون ولو كان المأموم
стр. 151
بين يدي الإمام فإنه يسلم على الإمام وهو على حاله وينوي الإمام ولا يلتفت إليه.
(ويجعل يديه في تشهده على فخذيه ويقبض أصابع يده اليمنى وببسط السبابة يشير بها وقد نصب حرفها إلى وجهه):
جعل اليد في التشهد على الفخذ مستحب، وكذلك القبض وهو شبه عاقد ثلاث وعشرين قاله ابن بشير، وقال ابن الحاجب: شبه تسعة وعشرين والمروي شبه ثلاثة وخمسين، وأما الإشارة فقال ابن رشد هي سنة من فعله ﵊، وذهب ابن العربي إلى إنكار ذلك، وعلى الأول فقيل في جميع التشهد وقيل عند التوحيد خاصة وصفة ذلك قيل يمينا وشمالا كالمذبة وقيل إلى السماء والأرض، وقيل عند التوحيد كما في القول الثاني وعند غيره كالأول، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها بعض من شرح الرسالة.
(واختلف في تحريكها فقيل يعتقد بالإشارة بها أن الله أحد ويتأول من يحركها أنا مقمعة للشيطان وأحسب تأويل ذلك أن يذكر بذلك من أمر الصلاة ما يمنعه إن شاء الله عن السهو فيها والشغل عنها):
يحتمل أن يريد بالخلاف التحريك وعدمه، ويحتمل في علة التحريك فقط، وأنكر ابن العربي العلة ليطرد بها الشيطان فلا يسهو، وقال إن الشيطان لا يطرد بتحريك الإصبع وإنما يطرد بذكر الله تعالى وإن حركتم إليه إصبعا حرك إليكم عشرا وإياكم وما وقع من ذلك في العتبية فإنها بلية.
قال التادلي: والعجب منه كيف ينكر هذا وهو مصرح به في مسلم ففيه أنها مذبة للشيطان لا يسهو أحدكم ما دام يشير بإصبعه، قال الباجي فهذا يدل على أن في تحريكها القمع للشيطان ونفي السهو، وكثير من الأشياخ يعتقد أن الإشارة والتحريك معناهما واحد وهو باطل إذ يمكن أن يشير بها ولا يحركها.
(ويبسط يده اليسرى على فخذه الأيسر ولا يحركها ولا يشير بها):
بسط اليد اليسرى مستحب وهل التحريك مرادف للإشارة أو مغاير قولان كما تقدم، ولأن ظاهر كلام الشيخ المغايرة لعطفه الإشارة على التحريك، قال النووي ولو كان مقطوع اليد اليمنى فلا ينتقل إلى اليد اليسرى لأن شأنها البسط، قال التادلي: وفيه مجال لأن اليسرى قد يقال إنما شأنها البسط من وجود اليمنى، وأما مع فقدها فلا.
(ويستحب الذكر بإثر الصلوات يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين،
стр. 152
ويكبر الله ثلاثين ويختم المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير):
الأصل فيما ذكر الشيخ أن فقراء المهاجرين أتوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم فقال: "وما ذاك" فقالوا يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا تتصدق ويعتقون ولا نعتق فقال رسول الله ﷺ "أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من صنع مثل ما صنعتم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "تسبحون وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة وتختمون المائة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير".
قال أبو محمد صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله، فقال رسول الله ﷺ "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" فقال الفقهاء لا خصوصية للفقراء في هذا الحديث لقوله، "ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء"، وقال الصوفية بل قوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء يريد بذلك أن هذا الفضل مخصوص بهم لا يلحقهم غيرهم في ذلك.
(ويستحب بإثر صلاة الصبح التمادي في الذكر والاستغفار والتسبيح والدعاء إلى طلوع الشمس أو قرب طلوعها وليس بواجب):
اعلم إن قوله وليس بواجب مستغنى عنه إذ قوله، ويستحب يدل على ذلك وإنما كان ذلك مستحبا لما روي عن النبي ﷺ أنه قال "من صلى الصبح في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس كان له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة" قال الترمذي: هذا حديث حسن. قلت: ويظهر من يقرأ القرآن في هذا الوقت يحصل له هذا الشرف لأنه من أشرف الأذكار فهذا داخل فيما قال الشيخ والله أعلم.
وروى بعض من لقيناه أنه غير داخل في قوله في الذكر لقرينة قوله والاستغفار زاعما أن ابن عبد البر نص على ذلك وهو بعيد قال في المدونة، وكان مالك يسأل بعد
стр. 153
طلوع الفجر حتى تقام الصلاة ثم لا يجيب من يسأله بعد الصلاة بل يقبل على الذكر حتى تطلع الشمس، وقال التادلي: فيقوم منها أن الاشتغال بالذكر في هذا الوقت أفضل من قراءة العلم فيه.
وقال الأشياخ: تعلم العلم فيه أولى قلت وهو الصواب وبه كان يفتي بعض من لقيناه ولا سيما في زماننا اليوم لقلة الحاملين له على الحقيقة وسمع ابن القاسم: مرة صلاة النافلة أحب إلي من مذاكرة العلم ومرة العناية بالعلم بنية أفضل، قلت: وبهذا القول أقول وقد قال رسول الله ﷺ "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية وعلم ينتفع به بعد موته" فتعليم العلم مما يبقي بعده كما قال ﵊.
(ويركع ركعتي الفجر قبل صلاة الصبح بعد الفجر يقرأ في كل ركعة بأم القرآن يسرها):
حكم ركعتي الفجر الفضيلة عند الأكثر، وقيل سنة، والوتر آكد منها ولا شك إن وقتها، كما قال الشيخ قال في المدونة: ومن تحرى الفجر في غيم فركع فإذا هو قبل الفجر أعادهما بعده، ولا يعارضها قول أضحيتها إذا تحرى من لا إمام لهم ذبح أقرب الأئمة إليهم فأخطئوا فإنهم لا يعيدون ليسر إعادة الركعتين وعسر إعادة الأضحية والله أعلم.
وقال ابن حبيب: إذا أخطأ في وقت ركعتي الفجر فإنه لا يعيدها، وبه قال ابن الماجشون وما ذكر أن القراءة تكون بأم القرآن فقط هو المشهور، وهو قول جمهور أصحاب مالك، وقيل وسورة قصيرة قاله مالك حكاه اللخمي من رواية ابن شعبان في مختصر ما ليس في المختصر، وقال أحمد بن خالد: يقرأ مع أم القرآن بالكافرون والإخلاص، وقيل (قولوا ءامنا بالله) [البقرة: ١٣٦]
(قل يا أهل الكتاب تعالوا) [آل عمران: ٦٤]
قاله ابن حبيب وخرج فيه حديثا، وخارج المذهب قولان آخران أحدهما أنه لا يقرأ فيهما جملة، خرجه الطحاوي عن قوم وذهب النخعي إلى إطالة القراة فيهما واختاره الطحاوي.
وما ذكر الشيخ أن القراءة تكون سرا هو قول كافة العلماء لقول عائشة رضي
стр. 154
الله عنها كان ﵊ يخفف حتى أقول هل قرأ فيهما بأم القرآن أم لا، وهذا القول هو المشهور في المذهب، وحكى اللخمي قولا في المذهب أنه يقرأ فيهما جهرا، والضجعة بعد ركعتي الفجر غير مشروعة على المشهور خلافا لابن حبيب وصوبه ابن عبد السلام قائلا لاسيما لمن اتصل قيامه بطلوع الفجر، وقد كان رسول الله ﷺ يفعلها، وروي عنه أنه أمر بها وخارج المذهب قول بوجوبها وهو شذوذ.
(والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطوال أو دون ذلك قليلا ولا يجهر فيها بشيء من القراءة ويقرأ في الأولى والثانية في ركعة بأم القرآن وسورة سرا):
يعني أن المذهب اختلف هل قراءة الظهر مساوية لقراءة الصبح أم لا؟ فقيل إنهما سواء قاله أشهب وابن حبيب، وقيل إن الصبح أطول قليلا قاله مالك ويحيى، وقد نبهناك على أن الشيخ إذا أتى بأو في كلامه إنما يريد بها عوض، وقيل فكأنه قال والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطول في قول أو دون ذلك في قول آخر والله أعلم.
(وفي الأخيرتين بأم القرآن وحدها سرا):
ما ذكر أنه يقرأ في الركعتين الأخريين بأم القرآن فقط هو المعروف في المذهب، وقيل يقرأ بسورة مع أم القرآن في كل ركعة كالأوليين، قاله ابن عبد الحكم. وعلى الأول فإن قرأ في كل ركعة منهما بسورة فلا سجود عليه، قال ابن الحاجب: وذكر لي بعض أصحابنا عن أشهب أنه قال في هذه المسألة عليه السجود، قلت إنما قال في هذه المسالة عليه السجود إشارة منه إلى أنه لو قرأ بذلك في ركعة فقط فإن أشهب يقول لا يسجد، فالخلاف إنما هو حيث القراءة بذلك في الركعتين، وقال ابن الحاجب: وزيادة سورة في نحو الثالثة مغتفر على الأصح وتعقبه ابن عبد السلام بأن كلامه يقتضي أن الخلاف في السجود في زيادة ركعة وليس كذلك.
(ويتشهد في الجلسة الأولى إلى قوله، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله):
ظاهر كلامه أن الدعاء فيه لا ينبغي وليس بموضع له وهو كذلك في رواية علي بن زياد، وقيل يجوز الدعاء فيه كالثاني في رواية ابن نافع وغيره عن مالك.
(ثم يقوم فلا يكبر حتى يستوي قائما هكذا يفعل الإمام والرجل وحده وأما المأموم فبعد أن يكبر الإمام يقوم المأموم أيضا فإذا استوى قائما كبر ويفعل في بقية صلاة الظهر من صفة الركوع والسجود والجلوس نحو ما تقدم ذكره في الصبح):
стр. 155
ما ذكر أن الإمام والفذ لا يكبران حتى يقع الاستواء منهما هو المعروف، واختار ابن العربي أن يكبر حال القيام ووقع في بعض نسخ تقريب، خلف عن ابن الماجشون مثله والقول الأول علل بثلاثة علل وهي العمل، وكونه لم ينتقل عن ركن ولقول عائشة ﵂ "فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر" فالقائم إلى الثلاثة كالمستفتح لصلاة جديدة.
(ويستحب له أن يتنفل بأربع ركعات يسلم من كل ركعتين):
المطلوب أن النافلة لا تكون إلا ركعتين يسلم منهما كما قال الشيخ ﵀ وهذا هو مذهبنا، واضطرب العلماء في ذلك اضطرابا شديدا، فلو صلى ركعتين وسها فإن ذكر قبل عقد الثالثة رجع وسجد بعد السلام اتفاقا وإن عقدها تمادى مطلقا وأكمل أربعا على المشهور، وقيل إن كانت نافلة نهار فكما تقدم وإن كانت نافلة ليل رجع قاله ابن مسلمة، وحيث يتمادى فهل يسجد قبل السلام أو بعده؟ فقال في المدونة يسجد قبل السلام وقيل إنه يسجد بعده، ووجه القول الأول بوجهين، وهما إما لنقص السلام وإما لنقله عن محله، وضعف الأول بأنه يلزم عليه البطلان وضعف الثاني أيضا بأن ذلك منقوض بمن صلى الظهر خمسا ساهيا فإنه يسجد بعد السلام مع أنه نقله عن محله.
ولهذا الذي ذكرناه اختار ابن عبد السلام عدم السجود مطلقا قائلا لأن أمرهم بالتمادي مع أمرهم بالسجود متناقض قلت: لا مناقضة في ذلك للاحتياط، وذلك أن التمادي مراعاة للخلاف والسجود مراعاة لمذهبنا فجمع بذلك بين المذهبين احتياطا والله أعلم، فإن قلت ما بال الشيخ أبي القاسم بن الجلاب ﵀ نسب السجود قبل السلام لابن عبد الحكم مع أنه في المدونة كما ذكرتم على أنه يقع له ذلك كثيرا، ألا ترى إلا قوله وأما المرأة فإن قامت فحسن قاله ابن عبد الحكم.
قلت: كان أهل بغداد يعتنون بكتاب ابن عبد الحكم كل الاعتناء ويرجحونه على غيره، حتى إن الأبهري شيخ ابن الجلاب شرح كتابه، فهم أهل بغداد إذا وجدوا قولا لابن عبد الحكم وغيره عزوه لابن عبد الحكم وهم في الغير في الاختيار بين أن يذكروه أم لا، كنحن بالنسبة إلى قول ابن القاسم مع غيره. قال التادلي: وتعقب على الشيخ في تحديده التنفل بأربع ركعات مع أنه في المدونة قال: إنما يوقت في هذا أهل العراق، قلت: لم أزل أسمع بعض من لقيته يقول إن ما ذكر الشيخ هو نص ابن حبيب
стр. 156
في واضحته للأحاديث فإن صح فلا اعتراض على الشيخ لأن الرسالة لا تقيد المدونة.
(ويستحب له مثل ذلك قبل صلاة العصر ويفعل في صلاة العصر كما وصفنا في الظهر سواء إلا أنه يقرأ في الركعتين الأوليين بالقصار من السور):
أكثر أهل المذهب على أن التنفل قبل العصر من الرواتب، وقال عياض في الإكمال حكى العنبري من شيوخنا العراقيين أنه لا رواتب قبل العصر جملة.
(مثل والضحى وإنا أنزلناه ونحوهما)
ظاهر قول الشيخ ونحوهما خلاف قول ابن حبيب يقرأ في العصر والمغرب من الضحى إلى آخر القرآن، ولو افتتح في العصر سورة طويلة تركها، وإن قرأ نصفها ركع، ولو افتتح قصيرة بدل طويلة فإن أتمها زاد غيرها وإن ركع بها فلا سجود عليه روى جميع ذلك ابن حبيب.
(وأما العشاء الأخيرة وهي العتمة واسم العشاء أخص بها وأولى إلخ):
كلام الشيخ يقتضي أن المغرب تسمى عشاء لوصفه العشاء بالأخيرة وقد تقدم ما في ذلك، وكذلك قدمنا أن في تسميتها بالعتمة ثلاثة أقوال: الجواز والكراهة والتحريم على ظاهر ما في كتاب ابن مزين من قال عتمة كتبت عليه سيئة.
(ويكره النوم قبلها والحديث بعدها لغير ضرورة):
وجه كراهية النوم قبلها خشية أن تفوته صلاة الجماعة أو نسيانها وقد قدمنا أن ظاهر كلامه، ولو وكل بذلك من يوقظه، ووجهه إن سلم خشية أن ينام الموكل، وحديث الوادي يدل على الجواز، ووجه كراهية الحديث بعدها إما خشية فوات صلاة الصبح جماعة وإما خشية خروج وقتها، وكل هذا ما لم تكن ضرورة فإن كان كالعروس وناظر كتب العلم فجائز كما أشار إليه الشيخ في قوله لغير ضرورة.
(والقراءة التي يسر بها في الصلوات كلها هي بتحريك اللسان بالتكلم بالقرآن وأما الجهر فأن يسمع نفسه ومن يليه إن كان وحده):
اعلم أن أدنى السر أن يحرك لسانه بالقرآن وأعلاه أن يسمع نفسه فقط فمن قرأ في قلبه فكالعدم، ولذلك يجوز للجنب أن يقرأ في قلبه. وأدنى الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه وأعلاه لا حد له وقول الشيخ بالتكلم بالقرآن أراد بالقراءة كما قال الشاعر:
يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
стр. 157
أي قراءة فلا مؤاخذة على الشيخ البتة وقد أطنبوا في الأخذ عليه.
(والمرأة دون الرجل في الجهر وهي في هيئة الصلاة مثله):
يعني تسمع نفسها فقط كالتلبية كما قال في المدونة، ووجه ذلك أن صوتها عورة ولذلك لا تؤذن اتفاقا وبيعها وشراؤها إنما أجيز للضرورة.
(غير أنها تنضم ولا تفرج فخذيها ولا عضديها وتكون منضمة منزوية في سجودها وجلوسها وأمرها كله):
ما ذكر الشيخ هو معنى ما روي عن علي بن زياد، تجلس على وركها الأيسر وفخذها اليمنى على اليسرى، ثم تضم بعضها إلى بعض قدرالطاقة ولا تفرج بخلاف الرجل، وفي المختصر جلوسها وكل شأنها في صلاتها كالرجل إلا في اللباس، قال أبو محمد يريد الانضمام، قلت والجهر ونبه عليه بعض شيوخنا، وفي المدونة جلوسها كالرجل قال الفاكهاني: وقول ولا تفرج رويناه بتفح التاء وإسكان الفاء وضم الراء وهو تفسير لقوله تنضم، وكان ترك الواو أولى، وقوله وتكون منضمة منزوية تكرار لا معنى له فيما يظهر لأن الانضمام هو الانزواء وقد تقدم قوله تنضم فأغنى عن منضمة أيضًا.
(ثم يصلي الشفع والوتر جهرا وكذلك يستحب في نوافل الليل الإجهار وفي نوافل النهار الإسرار إلخ):
الوتر بكسر الواو وفتحها لغتان مشهورتان، وحكم الشفع الفضيلة، وأما الوتر فالمشهور أنه سنة وهو المنصوص، وقال سحنون يحرج تاركه، وقال أصبغ يؤدب فأخذ اللخمي وابن زرقون منهما الوجوب واعتذر بعض شيوخ المازري عن الأول بأن تركه، علامة على استخفافه بأمور الدين، واعتذر المازري عن الثاني بأن تأديبه لاستخفافه بالسنة، كقول ابن خويز منداد تارك السنة فسق وإن تمادى عليه أهل بلد حوربوا، وقال ابن عبد السلام: تخريج اللخمي عندي حسن قوي من قول أصبغ
стр. 158
ضعيف من قول سحنون، قلت: إذا كان ضعيفا من قول سحنون فليس إذا بحسن فكلام الشيخ ابن عبد السلام متناقض فيما يظهر والله أعلم.
وقال ابن الحاجب: الوتر غير واجب على المشهور، واستدل اللخمي بقول سحنون يحرج وأصبغ يؤدب واعترض من حيث جعل فعل المحرج منصوصا، قال أبو عمر بن عبد البر ضارع مالك من قال بوجوبه من قوله تقطع الصلاة له، والمطلوب الجهر في الوتر ولا يسر إلا لضرورة كتشويش المصلين بعضهم على بعض، وقال ابن الحاجب: والسر في النافل جائز، وكذلك الوتر على الشمهور فتعقب لأنه خلاف ما سبق، وقد قال الأبياني من أسر في وتره متعمدا أعاد وأنكره عبد الحق، والشفع قبل الوتر قيل للفضيلة، وقيل للصحة، وهل يشترط تعيين ركعتين له من آخر تهجده وينويهما له أم لا يلزمه ذلك قولان ثم في شرط الاتصال بالوتر قولان.
(وإن جهر في النهار في تنفله فذلك واسع وأقل الشفع ركعتان):
ما ذكر هو أحد قولي أهل المذهب، وقيل إن ذلك مكروه، وتجوز صلاة النافلة جماعة ليلا ونهارا قاله في المدونة فأطلقه اللخمي وقيده ابن أبي زمنين وغيره برواية ابن حبيب، وقوله إن قلة الجماعة كالثلاث، وخفي محل قيامهم، إلا كره وسلك ابن بشير هذه الطريقة قائلا وكرهه ابن حبيب، وهو مقتضى المذهب، قال ومنه ما يفعل في بعض البلاد من الجمع ليلة النصف من شعبان وليلة عاشوراء، ولا يختلف المذهب في كراهته، وينبغي للأئمة أن يتقدموا في النهي عنه.
(ويستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى وفي الثانية بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون يتشهد ويسلم):
(ثم يصلي الوتر ركعة يقرأ فيها بأم القرآن وقل هو الله أحد والمعوذتين وإن زاد من الإشفاع جعل آخر ذلك الوتر):
ما ذكر الشيخ هو قول القاضي عبد الوهاب، وفي المدونة قول بعدم التحديد وكلاهما لمالك، وقال ابن العربي يقرأ فيه المتهجد من تمام حزبه وغيره بقل هو الله أحد فقط لحديث الترمذي وهو أصح من حديث قراءته بها مع المعوذتين، وانتهت
стр. 159
الغفلة بقوم يصلون التراويح فإذا انتهوا للوتر قرءوا فيه بقل هو الله أحد والمعوذتين.
(وكان النبي ﷺ يصلي من الليل اثنتى عشرة ركعة ثم يوتر بواحدة وقيل عشر ركعات ثم يوتر بواحدة):
مداومته ﷺ على ما ذكر تدل على أن قيام جميع الليل مرجوح، واختلف في ذلك قول مالك بالكراهة والجواز وحكاهما عياض في الإكمال، قال واختلفلوا هل طول القيام أفضل وإن قل السجود أم لا؟ فقيل طول القيام أفضل وقيل كثرة السجود أفضل، وقيل بالأول في نوافل الليل وبالثاني في نوافل النهار، قلت وكان بعض من لقيناه من القرويين يفتي وهو شيخنا أبو محمد الشبيبي ﵀ بأنه ينظر إلى المصلي في خاصة نفسه فالذي يجد الحلاوة فيه أكثر القيام للقراءة أحسن والعكس للعكس، وأفتى غيره ممن أدركناه من القرويين أيضًا بالعكس لأنه إذا مالت النفس لشيء لابد فيه من آفة.
ويذكر أن شيخا من الفضلاء دخل مسجدا ليبيت فيه فأحبت نفسه الصلاة وعزم عليها بعد أن خالفها مرارا فقام ليفتش المسجد فوجد رجلا ملفوفا في حصير من حصر المسجد فعلم أنها مكيدة منها، وكنت أجيبه بأن النفس لا قدرة لها على معرفة هذا وهو إنما وقع اتفاقيا فلا يضر، وبالقول الذي قبله أقول والإنسان يعلم حسن ذلك من نفسه، وأما التعليق بالحبل فنهى عنه أبو بكر، وقطع الجبل لمن فعله وبه قال حذيفة ورخص فيه آخرون.
وأما الاتكاء على العصا فلم يختلف في جوازه إلا لشيء روي عن ابن سيرين في أنه مكروه وهذا والذي قبله نقله عياض في الإكمال، واختلف المذهب في جواز النافلة مضطجعا على ثلاثة أقوال: ثالثها يجوز للمريض لعذره لا لغيره.
(وأفضل الليل آخره في القيام فيمن أخر تنفله ووتره فذلك أفضل إلا من الغالب عليه أن لا يتنبه فليقدم وتره مع ما يريد من النوافل أول الليل ثم إن شاء إذا استيقظ في آخره تنفل ما شاء مثنى مثنى):
ما ذكره الشيخ قال به جميع أهل المذهب لحديث: "ينزل ربنا إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له هل من سائل فأعطيه" والمعنى ينزل أمره ورحمته ومغفرته، وقوله ولا يعيد الوتر ما ذكره هو مشهور المذهب، وقيل إنه يعيده قاله ابن عبدالسلام: والأول
стр. 160
والجاري على قواعد المذهب من حيث إن القول بإعادته ملزوم لرفض العبادة بعد الفراغ منها، وأمر في المدونة من أراد أن يتنفل فليتربص قليلا بعد الوتر.
(ومن غلبته عيناه عن حزبه فله أن يصليه ما بينه وبين طلوع الفجر وأول الإسفار):
ظاهر كلامه أنه لو أخر حزبه عمدا أنه لا يصليه وهو كذلك عند غيره خلافا لابن الجلاب، قال بعض من لقيناه وهو عندي ظاهر التهذيب قال فيه: ومن فاته حزبه من الليل أو تركه حتى طلع الفجر فليصله ما بينه وبين طلوع الفجر إلى صلاة الصبح.
وما ذلك من عمل الناس إلا من غلبته عيناه فلا بأس به قال فظاهر قوله أو تركه ولو عمدا.
وقوله وما ذاك إلخ، أراد به التكلم ابتداء على معنى أنه لا ينبغي أن يتركه عمدا ولكن إن تركه عمدا ووقع ذلك فإنه يصليه وهو الذي أراد والله أعلم قال صاحب البيان التقريب، ونقل البراذعي هذه المسألة نقلا فاسدا لأن مالكا لم يقل فيها إذا تركه فليصله وإنما قال ذلك فيما إذا فاته غلبة، والشيخ في الرسالة لم يذكر إلا مسألة الغلبة.
(ثم يوتر ويصلي الصبح):
لا خلاف أن الأمر كما قال وذلك إذا اتسع الوقت واختلف إذا بقي لطلوع الشمس مقدار ركعتين فالأكثر أنه يصلي الصبح، وقال أصبغ يصلي الوتر ويدرك من الصبح ركعة، وقال ابن الحاجب: إن اتسع الوقت لثانية فالوتر على المنصوص، وتعقبه ابن عبد السلام بأنه خلاف المدونة لأنه قال فيها ومن لم يقدر إلا على الصبح صلاها، وترك ركعة الوتر ولا قضاء عليه للوتر قال، ويقال إن متقدمي الشيوخ كانوا إذا نقلت لهم المسألة من غير المدونة وهي موافقة لما في المدونة عدوها خطأ فكيف ينقل خلاف ما فيها ويترك ما فيها.
واختلف إذا اتسع الوقت لأربع ركعات فقيل يصلي الوتر والصبح قيل يصلي الشفع والوترويدرك من الصبح ركعة قبل طلوع الشمس، وأما إذا بقي مقدار خمس ركعات وقد كان تنفل ففي تقديم الشفع على ركعتين الفجر قولان.
стр. 161
(ولا يقضي الوتر من ذكره بعد أن صلى الصبح):
ما ذكر الشيخ هو المذهب وعلى تخريج اللخمي أنه فرض يلزم أن يقضي وكذلك سائر السنن فإنها لا تقضي قال ابن الحاجب: ولا تقضي سنة، وجاء إذا ضاق الوقت عن ركعتي الفجر تقضي بعد طلوع الشمس على المشهور فقيل مجاز، فأشار بقوله وجاء إلى أن قولهم لا تقضي سنة كالوتر مع قوله يقضي الفجر تناقض، وكان بعض من لقيناه يجيب عن ذلك بأن الفجر لما كان من صلاة النهار ناسب أن يقضي بالنهار، ولما كان الوتر من صلاة الليل ناسب أن لا يقضي بعد صلاة الصبح.
وإنما أبيحت صلاته بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح لأن ما قرب من الشيء أعطي حكمه وهذا الجواب وإن نهض في الوتر فهو لا ينهض في غيره من السنن، وقال ابن عبد السلام: قولهم لا تقضي سنة هو الأصل إذا فرع على مذهب الأصوليين وأن الأزمنة لها خصوصية في المأمور به، وأما إذا فرع على مذهب الفقهاء فقد قال ﵊ "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" فالأصل القضاء، وقد ثبت القضاء في ركعتي الفجر يوم الوادي بعد طلوع الشمس عنه عليه
стр. 162
السلام وشغله ﷺ الوفد عن الركعتين اللتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم واظب عليهما بعد ذلك الوقت وأنت تعلم أن الركعتين بعد الظهر دون ركعتي الفجر في الفضل.
وتعلم صحة النهي عن الصلاة بعد العصر ولم يمنع ذلك من قضاء النافلة وهذا ينفي المجاز الذي قيل نعم من اعتقد مذهب الأصوليين، ولم يحفظ القضاء إلا في ركعتي الفجر قصره عليه، واختلف فيمن ذكر الوتر في الصبح على أربعة أقوال: فقيل يقطع استحبابا، لأنه لو تمادى على الصبح لفاتت، وقيل يتمادى وجوبا وقيل يقطع إن كان فذا فقط، وقيل يقطع الفذ والإمام دون المأموم، وهل هذا الخلاف وإن عقد ركعة أو إن عقد ركعة تمادى قولا واحدا في ذلك قولان.
(ومن دخل المسجد على وضوء فلا يجلس حتى يصلي ركعتين إن كان وقت يجوز فيه الركوع):
تحية المسجد فضيلة واختار ابن عبد السلام أنها سنة وإن جلس قبل أن يركع فإنه يقوم ويصلي خلافا للشافعي وإن صلى الفريضة فإنها تكفي، قلت: ولا يقال الصواب لا تكفي لخصوصية أمره ﵊ بركعتين، والأصل أن العبادة الواحدة لا تقوم مقام العبادتين، لأن ذلك مع التساوي بين العبادتين، أما إذا كانت إحداهما آكد كما هنا فإنها تنوب عنهما معا بدليل الاتفاق على أن من اغتسل للجنابة ونوى النيابة عن الجمعة أنه يحصل له ثواب الغسلين معا، ويريد الشيخ ما لم يتكرر دخوله فإن تكرر فإن التحية تسقط كنظائرها، واختلف إذا خرج من المسجد بعد أن صلى التحية ثم رجع عن قرب فقيل يركع ثانيا، وقيل لا والأول نقله بعض من لقيناه، والثاني نقله الفاكهانين وكان بعض من لقيته يفتي بأنه إن خرج ليعود فإنه لا يركع وإلا ركع وظاهر كلام الشيخ أنه إن كان مارا فإنه لا يفتقر في دخوله إلى ركوع وهو كذلك.
وقال ابن الحاجب: وتحية المسجد ركعتان قبل أن يجلس، وإن كان مارا جاز الترك ولم يأخذ به مالك واعترضه ابن عبد السلام بأن كلامه يقتضي أن مالكا يقول يركع وليس كذلك، وما ذكرناه من جواز المرور وهو كذلك إلا أن يكثر فإذا أكثر ففيه تغير الحبس ويقرأ في ركعتي التحية بأم القرآن وسورة كغيرها ووقع في كتاب ابن شعبان أنه يقرأ بأم القرآن فقد كركعتي الفجر في المشهور ذكره ابن عبد السلام.
стр. 163
(ومن دخل المسجد ولم يركع للفجر أجزأه لذلك ركعتا الفجر):
المطلوب أن يقتصر على ركعتي الفجر دون زيادة فقول الشيخ أجزأه كأنه خلاف ذلك وما ذكرناه هو المشهور، وقال القابسي يصلي التحية وركعتي الفجر، وفي المذهب قول ثالث بإباحة ما خف من النوافل وصوب ابن عبد السلام قول القابسي قائلا لأن العبادة الواحدة لا تقوم مقام الاثنين، وكان صاحب القول الأول رأى أن المقصود أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين وقد حصل ثم إنه استغنى بالأوكد وهو ركعتا الفجر عما دونه وهو تحية المسجد، قال ولا يبعد أن يسلك بهما ما في المشهور من نية غسل الجنابة وغسل الجمعة.
(وإن ركع الفجر في بيته ثم أتى المسجد فاختلف فيه فقيل يركع وقيل لا يركع):
ما ذكر من القولين كلاهما لمالك قال ابن عبد السلام: والظاهر ركوعه ولا مانع يمنع والحديث "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" لا يقوى قوة "إذ أتى أحدكم إلى المسجد" وقيد أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن وغيرهما القول بالركوع بأنه يصلي ركعتين بنية التحية، وحكى ابن بشير قولا بأنه يعيدهما بنية الفجر حقيقة وضعف.
(ولا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتا الفجر إلى طلوع الشمس):
لما كان قوله قبل ومن دخل المسجد ولم يركع للفجر أجزأه لذلك ركعتا الفجر يوهم جواز صلاة التحية لقوله أجزأه كما قلنا نفاه بقوله ولا صلاة نافلة بعد الفجر والله أعلم، وقول الشيخ يحتمل الكراهة والتحريم كقول ابن الحاجب، وأوقات المنع قال ابن عبد السلام: وظاهر قوله بعد ومن أحرم في وقت منع قطع يقتضي التحريم، قلت: ليس فيه دليل لأن من تلبس بمكروه، ثم ذكر ابن رشد ثلاثة أقوال: في النافلة بعد صلاة الجمعة للمأموم أحدها أن ذلك مكروه فيثاب لتركه ولا يأثم لفعله.
وعزاه لأول صلاة المدونة فقول ابن الحاجب قطع يحتمل أن يكون على الاستحباب والله أعلم، وظاهر كلام الشيخ أن الفائتة يصليها في هذا الوقت وهو كذلك حتى عند الطلوع وعند الغروب، وقد تقدم من فاته حزبه فإنه يصليه بعد طلوع الفجر، وفي العمد خلاف وبالله التوفيق.
стр. 164
باب الإمامة وحكم الإمام والمأموم
لما كان اجتماع الناس على رجل يصلي بهم مطلوبا وذلك من توفرت فيه شروط يأتي ذكرها إن شاء الله تعالى ترجم عليه المؤلف رحمه الله تعالى بالإمامة، واعلم أن المذهب اختلف في صلاة الجماعة على أربعة أقوال: فقيل سنة مؤكدة قاله أكثر شيوخ المذهب وقيل فرض كفاية نقله ابن محرز وغيره من بعض أصحابنا، وقيل مندوب إليها مؤكدة الفضل قاله عبد الوهاب في تلقينه ومثله لابن العربي في عارضته هي مندوبة يحث عليها
وقال ابن رشد مستحبة للرجل في خاصته فرض في الجملة سنة بكل مسجد، واختلف هل تتفاضل بالكثرة أم لا؟ والمشهور أنها لا تتفاضل خلافا لابن حبيب، وحمل بعض الشيوخ المذهب على قول ابن حبيب وجعل المشهور أن الجماعة سواء بالنسبة إلى عدم الإعادة في جماعة نقله ابن عبد السلام، وأقل الجماعة اثنان باتفاق المذهب.
(ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم):
قال ابن الحاجب: وشرط الإمام أن يكون ذكرا مسلما بالغا عاقلا عالما بما لا تصح الصلاة إلا به فقها وقراءة قادرا عليها، واختلف المذهب في إعادة مأموم إمام كافر ظنه مسلما فقيل يعيد أبدا، وقيل تصح فيما جهر فيه إن أسلم، وقيل إن كان إماما وأسلم بعد ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل يقتل، وقيل ينكل ويطال سجنه ثم يرسل وقيل إن كان آمنا قتل وإلا فلا.
قلت: وهذا الخلاف فيه ضعف عندي لقول إسحاق بن راهوية أجمعوا على أن من رأيناه يصلي فإن ذلك دليل على إيمانه، واختلف في إمامة اللحان على أربعة أقوال، فقيل صحيحة وعكسه، وقيل بالأول إن كان في غير الفاتحة، وبالثاني إن كان في الفاتحة، وبهذا القول الفتوى عندنا بإفريقية وهو قول أبي بكر بن اللباد وابن شلبون، وقيل بالأول إن لم يغير المعنى، وبالثاني إن غيره كأنعمت ضما وكسرا.
قال اللخمي: والأحسن المنع إن وجد غيره فإن أم لم يعد مأمومه، وقال المازري: لا أعرف القول بالصحة ممرضا بذلك نقل اللخمي له قلت وأجابه بعض شيوخنا بأن ابن رشد حكاه عن ابن حبيب والقول الثالث الذي به الفتوى هو عندي ضعيف لأنه لا يخلو إما أن يكون اللحان ممن صار بلحنه متكلما بغير القرآن أم لا،
стр. 165
وعلى كل حال فلا فرق، وأجابني بعض من كان يفتي به بأنا نختار قسما ثالثا وهو أن يصير كالتارك وأجبته بأنه يلزم عليه الصحة مطلقا لأنه إذا قل لحنه في أم القرآن فقصارى أمره على ما ذكرتم أن يكون تاركا لبعض آية وذلك لا يضر والله تعالى أعلم.
(ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء):
ما ذكره هو المشهور وأحد الأقوال الثلاثة، وروى ابن أيمن أنها تؤم النساء وإلا كره قال عياض في الإكمال واختاره بعض شيوخنا، وقال الخمي إن عدم الرجال أمت النساء وإلا كره وصحت، وعلى المشهور فمن أمته أعاد أبدا، لو كانت امرأة على ظاهر قول ابن حبيب من صلى خلفها أعاد أبدا وبه الفتوى، قال أبو إبراهيم الأندلسي من أمت من النساء أعدن في الوقت وحيث تؤم فإنها تقف في الصف قاله ابن هارون.
قلت: وكان بعض من لقيناه يذهب إلى أنها تقف آخرهن وحدها وهن أمامها لقوله ﵇ "أخروهن حيث أخرهن الله" وكنت أجيبه بأن معنى الحديث إنما هو حيث تكون مأمومة وأما إذا أمت النساء على القول به فتصير كرجل مع رجال والله أعلم.
قال ابن بشير والخنثى كامرأة ولا خلاف أن الصبي لا يؤم في الفرض فإن أم ففي إعادة من ائتم به ثلاثة أقوال: يعيد أبدا وهو المشهور، وقيل لا يعيد نقله أبو محمد عن أبي مصعب، وقيل إن استخلف لتمامها يعيد في الوقت قال أشهب. وزعم الشيخ أبو القاسم الليبدي أن أبا محمد وهم في نقله قوله أبي مصعب فإنه ليس في كتاب أ [ي مصعب، قال اللبيدي فهم أبو محمد بإصلاحه بعد مطالعته للكتاب المذكور فاختر منه المنية، وفي إمامة الصبي في النافلة روايتان. قلت: والعمل عندنا بإفريقية استمر على جوازه في التراويح.
стр. 166
(ويقرأ مع الإمام فيما يسر فيه ولا يقرأ معه فيما يجهر فيه):
ما ذكر أنه يقرأ مع الإمام في السرية هو المشهور، وقيل لا يقرأ معه فيها قاله ابن حبيب وغيره، وعلى الأول فحكم ذلك الاستحباب عند الأكثر وقيل إن ذلك سنة؛ حكاه ابن عبد البر عن مالك، وما ذكر الشيخ أنه لا يقرأ معه في الجهرية هو كذلك، وظاهر كلامه: ولو كان لا يسمع صوت الإمام وهو كذلك على المنصوص. وأشار ابن عبد البر إلى أنه يتخرج فيه قول بأنه يقرأ من قول من قال من أصحاب مالك أنه يجوز التكلم لمن لم يسمع خطبة الإمام، وقيل إن كان الإمام يسكت بين التكبير والقراءة فإنه يقرأ حينئذ حكاه الباجي عن رواية ابن نافع.
(ومن أدرك ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة فليقض بعد سلام الإمام ما فاته على نحو ما فعل الإمام في القراءة وأما في القيام والجلوس ففعله كفعل الباني المصلي وحده):
ما ذكر أنه إذا أدرك ركعة فقد أدرك الجماعة هو كذلك بلا خلاف، وما ذكر أنه يكون بانيا في الأفعال قاضيا في الأقوال هو المشهور من المذهب وقيل يكون قاضيا مطلقا، وقيل يكون بانيا مطلقا، حكى هذه الأقوال الثلاثة اللخمي وسلم ابن بشير وغيره هذه الأقوال له، ومهما أدرك المصلي ركعتين قام بتكبير وإن أدرك واحدة أو ثلاثا قام بغير تكبير قاله في المدونة. وقيل إنه يقوم بتكبير مطلقا قاله ابن الماجشون قائلا: إنما كبر مع الإمام موافق له وبعد سلامه يبني على حكم نفسه، وإنما كان مدرك ركعة أو ثلاث يقوم بغير تكبير على المشهور؛ لأن تكبيرة القيام جلس بها.
وقال في المدونة في مدرك التشهد الآخر يقوم بتكبير، فرأى كثير من الشيوخ أنه يناقض ما في المدونة كابن رشد، وقال ابن عبد السلام: المناقضة بينة إلا أنه في المدونة لم يجعل التكبير هنا بالمتأكد مثل غيره من التكبير، قالوا لأنه لما لم يدرك من الصلاة ما يعتد به صار كمبتدئ الصلاة فلذلك أمر بتكبير، في أولها وعارضوا قولها في مدرك التشهد الآخر أنه يقوم بتكبير لقول ابن القاسم في صلاة العيدين من المدونة إن
стр. 167
من أدرك مع الإمام منها الجلوس كبر وجلس ثم يقضي بعد سلام الإمام باقي التكبير.
ووجه المعارضة أنه في المسألة المعارض بها اعتد بتكبيرة الجلوس مع الإمام وههنا يأمره بالاعتداد بها وفرق بأن صلاة العيدين الركعة الأولى مشغولة بالتكبير فاستغنى لأجل ذلك عن الإتيان بتكبير يشبه تكبيرة الإحرام، بخلاف غير صلاة العيد لأنه لو لم يأت بتكبير في أول الركعة مع أنها الركعة الأولى صار كمتبدئ الصلاة من غير تكبير وسلم ابن عبد السلام هذا الفرق.
(ومن صلى وحده فله أن يعيد في الجماعة للفضل في ذلك إلا المغرب وحدها):
اعلم أن من صلى وحده فإنه يستحب له أن يعيد في جماعة نص عليه عبد الوهاب في تلقينه وهو الذي أراد الشيخ، وإنما قال فله لنفي ما يتوهم من الوجوب ويدل على ما قلناه قوله للفضل في ذلك، وعبارة المدونة كعبارة الشيخ، ونصها: ومن صلى وحده فله إعادتها في جماعة، وكذلك قول الموطأ لا بأس أن يعيد كل ذلك نفيا لما يتوهم من الوجوب.
وهذا كله ما لم تقم الصلاة عليه وهو في المسجد فإن أقيمت عليه فقال ابن الحاجب: الظاهر لزومها أراد والله أعلم أن ثم قول غير ظاهر بعدم لزومها، فإن قلت أحمله على أنه اختار ذلك من نفسه لكونه لم يقف عليه منصوصا لغيره فهو لم يقصد بذلك ذكر الخلاف، قلت: مثل هذا الشيخ لا يليق به ذلك لأن المسألة من المدونة قال فيها: ومن سمع الإقامة وقد صلى وحده فليس بواجب عليه إعادتها إلا أن يشاء، ولو كان في المسجد لدخل مع الإمام إلا في المغرب فإنه يخرج فظاهر كلامه يقتضي اللزوم، ولم يتعرض ابن عبدالسلام إلى ما تعرضنا إليه وإنما نبه على قول كالتي لم يصليها.
قال: تشبيه المؤلف واقع في أصل الحكم لأن الحكم في حق من صلى مأخوذ من الحكم في حق من لم يصل لظهور الفارق، قال ابن هارون كلامه يدل على أن في المسألة قولا بعدم اللزوم، ويحتمل أن يريد الظاهر في النطق ويقتضي أن فيه احتمالا أيضا بعدم اللزوم مقابلا للظاهر، قال وأظن القاضي عياضا حكى في المسألة قولين وظاهر كلام الشيخ أنه لا يعيد مع الواحد وهو المعروف في المذهب.
وحكى ابن الحاجب قولا بأنه يعيد معه ونصه: ويستحب إعادة المنفرد مع اثنين فصاعدا لا مع واحد على الأصح، فكثير من الشيوخ ممن أدركناهم يمرضونه بعدم
стр. 168
وقوفهم عليه وحفظه ابن هارون لصاحب اللباب عن ظاهر المذهب.
قلت: وكان بعض من لقيناه يقول إن نقل صاحب اللباب لا يعول عليه لأنه لم يكن بذاك قال: ويكفي فيما قلناه أنه جعله ظاهر المذهب مع أن الأول هو المذهب وعزوه إياه للقابسي فقط قصور بل قال به أبو عمران وغيره، وظاهر كلام الشيخ أن من صلى بامرأته فإنه لا يعيد وهو كذلك عند أكثر القرويين، وقيل إنه يعيد قاله ابن كنانة والأزهري وابن مغيث وغيرهم، وكذلك عند أكثر القرويين اختلف إذا صلى مع صبي فقيل يعيد قاله أبو بكر بن عبد الرحمن وغيره، وقيل لا يعيد قاله بعض شيوخ عبد الحق.
واختلف بأي نية يعيد على أربعة أقوال فقيل: بنية التفويض، وقيل بنية الفرض وقيل إكمال الفرض وقيل بنية النفل واستبعد ابن عبد السلام الأول بأنها نية مترددة واستبعد الثاني بأن الذمة قد برئت بالصلاة الأولى فعمارتها ثانيا يفتقر إلى دليل ولا وجود له سوى دليل مطلق الإعادة، ولا إشعار له، واستبعد القول بنية النافلة؛ لأن الأمر بالنفل المجرد من غير أن يكمل به الفرض السابق لا معنى له.
وما ذكر الشيخ أن المغرب لا تعاد لم يرد به الحصر بل وكذلك العشاء الآخرة إذا أوتر، ومثل عبارة الشيخ عبر صاحب المدونة وذهب المغيرة إلى إعادة الجميع وفي المسألة قول ثالث حكاه اللخمي فانظره.
(ومن أدرك ركعة فأكثر من صلاة الجماعة فلا يعيدها في جماعة):
ظاهر كلام الشيخ أن المساجد الثلاثة كغيرها فمن صلى في جماعة في غيرها فإنه لا يعيد فيها جماعة، وهو كذلك خلافا لابن حبيب وهذه طريقة ابن بشير ومن تابعه كابن الحاجب وجعل غيرهم المذهب هو قول ابن حبيب، وألزم اللخمي ابن حبيب أن يعيد فيها فذا وتمسك المازري معه بقول المدونة من أتى أحد المساجد الثلاثة، وقد صلى فيها وهو يرجو جماعة في غيره فإنه يصلي فيه فذا، وذلك أفضل من جماعة في غيره، ولما ذكر ابن بشير إلزام اللخمي قال يلزمه ذلك من طريق القياس إلا أن يقال إنما ورد الأمر بإعادة الفذ في جماعة، وهذا عكسه والموضع موضع عبادة فلا يتعدى به ما ورد، ورأي بعض شيوخنا أن قول ابن بشير يلزم ابن حبيب ذلك من طريق القياس مع ما بعده تناقض، وتما تمسك به المازري لم يرتضه غير واحد من أشياخي لأنه إذا صلى في جماعة ذلك حكم مضى كما إذا صلى خلف إمام مفضول أو في جماعة صغرى فإنه لا يعيد إلا على أصل ابن حبيب القائل بأن الجماعة تتفاضل بالكثرة
стр. 169
بخلاف إذا كان ذلك ابتداء.
(ومن لم يدرك إلا التشهد أو السجود فله أن يعيد في جماعة):
ولو صلى وحده ودخل مع الإمام في الجلوس ظنا منه أنه الجلوس الأول فإنه إذا سلم الإمام سلم وانصرف، قاله في سماع ابن القاسم، وقد قال ولو ركع ركعتين قال ابن رشد: إنما أمره بالانصراف لأنه دخل بنية الفرض لا النفل، وقيل إن نوى رفضها أتمها وإن لم يرفض الأولى لم يلزمه إتمامها قاله مالك من رواية اسماعيل نقله اللخمي، وقيل ينبغي أن يجلس ولا يحرم فإن كانت ثانية أحرم وإلا انصرف، نقله أبو محمد عن مالك من رواية علي بن زياد.
(والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه ويقوم الرجلان فأكثر خلفه فإن كانت امرأة معهما قامت خلفهم فإن كان معهما رجل صلى على يمين الإمام والمرأة خلفهما ومن صلى بزوجته قامت خلفه والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام قاما خلفه إن كان الصبي يعقل لا يذهب ويدع من يقف معه):
ما ذكر الشيخ من الرتبة حكمها الاستحباب فلا تضر مخالفتها قال في المدونة وإن صلت امرأة بين صفوف الرجال أو صلى رجل بين صفوف النساء لضيق المسجد فلا بأس به، ونبه صاحب الطراز على أن قوله لضيق المسجد وصف طردي، ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم عن ابن القاسم أنها باطلة كالحنفي ومرضه بعض شيوخنا بقوله لا أعرفه.
وقال لعله وهمه نقل قول ابن زرقون عن ابن القاسم لا يأثم النساء بمن لم ينو إمامتهن كالحنفي، والخنثى يكون بين صفوف الرجال والنساء قال الشيخ القرافي الصف الأول معل بثلاث علل: سماع القراءة وإرشاد الإمام وتوقع الاستخلاف وهذه العلل موجودة في الصف الثاني والثالث مما يلي الإمام؛ فيلزم أن يكون أفضل من طرف الصف الأول.
واعلم أن المصلي بالنسبة إلى الصف الأول والبكور إلى المسجد على أربعة أقسام: رجل أتى أول الوقت وصلى في الصف الأول فهذا أشرفها وعكسه أشرها ورجل أتى آخر الوقت وصلى في الصف الأول وعكسه قيل هما على حد السواء، وقال ابن العربي عندي أن الأول منهما أفضل من الثاني، ومن صلى وبين يديه فرجة اختيارا فلا يضره، وقيل إن صلاته باطلة نقله المازري عن ابن وهب.
стр. 170
(والإمام الراتب إن صلى وحده قام مقام الجماعة):
ما ذكره هو معروف المذهب، وقال أبو عمر في الكافي يعيد المنفرد ولو كان إماما راتبا، قلت وألزم عليه بعض شيوخنا أن من صلى وحده فإنه لا يعيد معه، وأقام الشيخ أبو القاسم الغبريني ﵀ من ههنا مسألتين إحداهما: أن الإمام الراتب إذا كان وحده ليلة المطر فإنه يجمع، والثانية: إذا كان وحده أيضًا يقول سمع الله لمن حمده ولا يزيد ربنا ولك الحمد، وسلم له بعض من كان معاصرا له من أشياخنا المسألة الأولى، وخالفه في اثانية ورأى أنه يجمع بينهما والأقرب عندي هو الأول والله أعلم.
(ويكره في كل مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين):
ظاهر كلام الشيخ أن الكراهة على بابها وحمله التادلي على التحريم وعبر ابن الحاجب بالكراهة كالشيخ، وعبر ابن بشير بالمنع قائلا من غير خلاف قلت: وأخذ من قول أشهب الجواز، وذلك أنه دخل مسجدا فوجد أهله قد صلوا فقال لأصبغ تباعد عني وائتم بي وأنت تعلم أن هذا فعل عالم، وقد علمت ما فيه، قال ابن العربي في القبس وانفرد مالك من بين سائر الفقهاء بأنه لا يصلي في مسجد واحد مرتين.
وظاهر كلام الشيخ أن الكراهة باقية ولو أذن الإمام وهذا الذي شاهدت غير واحد من شيوخنا يفتون به، ونقله سند عن ظاهر المذهب قائلا لأن من أذن لرجل أن يؤذيه لا يجوز له ذلك ومثله لابن عطاء الله، وقال اللخمي أنه جائز، وظاهر كلامه أنه إذا لم يكن فيه إمام راتب أنه يجوز وهو كذلك، وأما إذا كان إماما راتبا في بعض الصلوات دون بعض فالصلوات التي هو إمام راتب فيها لا تعاد الجماعة فيها، والصلوات الأخر اختلف في كراهية الإعادة فيها واختار ابن عبد السلام الجواز، وهذا كله إذا صلى الإمام في وقته المعلوم، ولو قدم عن وقته فأتت الجماعة فإنهم يعيدون فيه جماعة وكذلك العكس.
(ومن صلى صلاة فلا يؤم فيها أحدا):
ما ذكر هو المنصوص وقال ابن بشير قد يلزم من قال إنه يعيد بنية النفل وبصحة الرفض أنه يؤم فيها، هذا إن لم يراع فيها الخلاف، وإذا فرعنا على النصوص وأم، فقيل يعيد مأمومه أبدا، قاله ابن حبيب وقيل ما لم يطل قاله سحنون، وظاهر قول المدونة وأعاد من ائتم به أنهم يعيدون جماعة.
وقال ابن حبيب أفذاذا ولم يحك ابن بشير غيره قاله وهذا لأن الصلاة الأولى
стр. 171
تجزئهم عند الشافعي وغيره وإذا أعادوها جماعة صار عند هؤلاء كمعبد في جماعة بعد أن صلى في جماعة فيراعى في الإعادة مذهب المخالف لا مذهب نفسه، وقال اللخمي إن أعاد بنية الفرض صحت على القول بالرفض، وإن أعاد بنية التفويض صحت إن بطلت الأولى، وإن أعاد بنية النفل صحت على إمامة الصبي ورده المازري بأنه ينوي الفرض، قلت ونية الفرض منه محالة عادة.
(وإذا سها الإمام وسجد لسهوه فليتبعه من لم يسه معه ممن خلفه):
اعلم أن هذه المسألة لا تخلو إما أن يكون سجود الإمام قبل السلام أو بعده، فإن كان قبل السلام وأدرك معه ركعة فإن يسجد معه على المشهور، ونقل ابن عبدوس قولا أنه لا يسجد معه فخرجه ابن رشد على أن ما أدرك مع الإمام هو أول صلاته، ولم يرتضه بعض شيوخنا بل لزومه حكم الإمام يقتضي تبعيته مطلقا ووجهه باحتمال سهو يحدث عليه فأخر تخفيفا عليه، ويرد بعدم اطراده إذ المنصوص عليه في المقيم يصلي خلف المسافر فإنه يسجد معه للنقص، ويجب بأن المسبوق يقضي ما تدقم من صلاة الإمام فلذلك يؤخر سجوده حتى يستكملها بخلاف المقيم فإنه يتيم لنفسه فيسجد لموافقة الإمام وإن كان لم يدرك معه ركعة، فقال ابن القاسم لا يسجد معه، وهو المشهور وقال ابن عبد السلام: فإن سجد بطلت صلاته هكذا قالوا قال: والظاهر لبادئ الرأي قول سحنون أنه يتبعه.
قلت: وإنما قال الظاهر ما قال لأنه لما أحرم معه انسحب عليه حكم المأمومية بحيث لو تعمد الإمام بطلان صلاته لبطلت عليه، وأظن أن أبا حفص العطار نبه على هذا وإنما تبرأ من قولهم أن من سجد بطلت صلاته؛ لأنه من أصل مذهبنا مراعاة الخلاف، ومراعاة خلاف أهل المذهب أولى وأحرى والله أعلم، ولهذا أفتى بعض المتأخرين فيها بالصحة.
وأما السجود البعدي فلا يتبعه فيه باتفاق فإن سجد معه سهوا فلا يضر وسجد بعد قضائه، وأما إن كان عامدا فسمع عيسى ابن القاسم أن صلاته مجزئة وبه كان بعض من لقيناه من القرويين يفتي مراعاة لقول سفيان أنه يسجد معه، واختار عيسى أنها باطلة، وبه الفتوى بتونس. وانظر إذا كان على الإمام سجود سهو قبل السلام فسها عنه حتى سلم وقصد إلى أن يسجد بعد فهل يسجده الذي حصلت له ركعة معه اعتبارا بأصله أو لا يسجده اعتبارا بما آل الأمر إليه؟ لم أر في ذلك نصا للمتقدمين
стр. 172
والذي ارتضاه بعض من لقيناه أنه إن كان هذا السجود مما تبطل الصلاة بتركه لو لم يسجده الإمام فإنه يسجد معه وإلا فلا.
(ولا يرفع أحد رأسه قبل الإمام ولا يفعل إلا بعد فعله ويفتح بعده ويقوم من اثنتين بعد قيامه ويسلم بعد سلامه، وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه وبعده أحسن):
إنما قال ذلك لقوله ﵇ "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله وجهه وجه حمار" فلو رفع لاعتقاده أن الإمام رفع فليرجع إليه ما لم يلحقه فيتمادى خلافا لسحنون في قوله لابد من رجوعه ليقع رفعه بعده، وظاهر كلام الشيخ أن المأموم لا يفعل الفعل كالركوع مثلا إلا بعد أن يحصله الإمام أجمع وهو كذلك في قول، وقيل إذا شرع الإمام اتبعه المأموم والقولان لمالك إلا أن في كلام الشيخ تنافيا. وهو قوله وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه إذ هو مناقض لعموم قوله ولا يفعل إلا بعد فعله، ونبه على هذا ابن عبد السلام بقوله وفي لفظ الشيخ ابن أبي زيد في رسالته اضطراب.
قلت: ويجاب بأنه بيان منه أن نهيه أولا ليس على طريق التحريم والله أعلم، والأكثر على أنه إذا أحرم مع إمامه أنه لا يجزئه، وقال ابن القاسم أنه يجزئه. وسئل سحنون عن رجلين ائتم أحدهما بالآخر نسيا قبل إكمال الصلاة من الإمام منهما، فقال إن سبق أحدهما بالسلام أعاد الصلاة وإن سلما معا جرت على اختلاف أصحابنا في المساواة في الإحرام، ولهذا الاختلاف المذكور كان المطلوب أن يخطف الإمام إحرامه وسلامه لئلا يشاركه المأموم فتبطل صلاته، قلت وهذه إحدى المسائل التي يعلم بها فقه الإمام، وثانيها تقصير الجلوس الوسط، وثالثها دخوله المحراب بعد فراغ الإقامة والله أعلم.
(وكل سهو سهاه المأموم فالإمام يحمله عنه إلا ركعة أو سجدة أو تكبيرة الإحرام والسلام أو اعتقاد نية الفريضة):
اعلم أنه بقي على الشيخ الجلوس للسلام فإن المأموم لو سلم وهو قائم فإنه لا يحمل ذلك عنه الإمام، والاعتذار عنه بأنه اكتفى بالسلام الضعيف؛ لأنهما منفكان ومثله الرفع من الركوع، والقيام للإحرام وبقي عليه أيضًا ترتيب الأداء فإنه لو سها المأموم فسجد ثم ركع فإنه لا يحمل عنه.
стр. 173
وذكره الركعة لا معنى له لأنه إذا كان لا يحمل السجدة فأحرى الركعة أجمع إذ هي سجدة وزيادة، ولا يقال إنما أراد بذلك ركوع ركعة لأن مجاز وما ذكر أنه لا يحمل عنه تكبيرة الإحرام هو كذلك في القول المشهور، قيل إنه يحملها عنه رواه ابن وهب، وعزاه ابن يونس له والأشهب بزيادة، والأفضل إعادة الصلاة احتياطا وعزاه ابن زرقون لرواية المتيطي.
وقال التادلي: الصواب حذف الاعتقاد والاقتصار على النية لأن الاعتقاد هو العزم على الشيء والتصميم عليه، والنية هي الإرادة للفعل والعزم سابق عليها لأنه يعزم أولا على أن ينوي فإذا حصل العزم عقبته النية.
(وإذا سلم الإمام فلا يثبت بعد سلامه ولينصرف إلا أن يكون في محله فذلك واسع):
لا خصوصة لقوله إلا أن يكون في محله بل وكذلك في السفر قال صاحب الحلل، ويلزم من يعلل أصل المسألة بخوف العجب أن ينصرف مطلقا، قلت: إنما يخشى العجب حيث يكون معه غيره أما إذا كان وحده فلا وكذلك في السفر لقلة المصلين خلفه لأنه مظنة للقلة؛ فالغالب نفي ذلك والله أعلم.
قال الشيخ القرافي: كره مالك وجماعة من العلماء لأئمة المساجد والجماعات الدعاء عقب الصلوات المكتوبة جهرا للحاضرين، فيجتمع لهذا الإمام التقديم وشرف كونه ينصب نفسه واسطة بين الله تعالى وبين عباده في تحصيل مصالحهم على يديه بالدعاء، فيوشك أن يعظم نفسه ويفسد قلبه ويعصي ربه في هذه الحالة أكثر مما يطيعه.
وروي أن بعض الأئمة استأذن عمر بن الخطاب ﵁ أن يدعو لقومه بدعوات بعد الصلاة فقال له لا لأني أخشى عليك أن تنتفخ حتى تصل إلى الثريا، وهذه الإشارة لما ذكرناه. قال ويجري هذا المجرى كل من نصب نفسه للدعاء لغيره. قلت واستمر العمل عندنا بإفريقية على جواز ذلك، وكان بعض من لقيته ينصره بأن الدعاء ورد الحث عليه من حيث الجملة فقال تعالى: (ادعوني استجب لكم) [غافر: ٦٠]
وقال: (قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم) [الفرقان: ٧٧]
وإذا صار شائعا ذائعا فعله كما هو عندنا فالغالب على من نصب نفسه لذلك نفي العجب والله أعلم.
стр. 174
باب جامع في الصلاة
قال التادلي: جرت عادة الشيوخ فيما تباعدت أوصافه وتباينت أطرافه وكانت معانيه لا ترتبط ومقاصده لا تنضبط بأن يرسم له باب جامع لذلك، وأول من اخترعه مالك بن أنس في موطئه إذ هو للتأليف أول سالك، قلت: ويعترض على الشيخ لكونه ذكر في الباب مسائل ليست من الصلاة كقوله: ومن أيقن بالوضوء وشك في الحدث ابتدأ الوضوء، وكقوله: وإن لم يقدر على مس الماء لضرر به أو لأنه لا يجد من يناوله إياه تيمم ويجاب بأن أكثر ما ذكره في الصلاة.
(وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها وهو القميص والخمار الحصيف ويجزئ الرجل في الصلاة ثوب واحد)
انظر لأي شيء كرر هذا الكلام مع سبقيته في باب طهارة الماء والثوب والبقعة، وقد قدمنا أن ستر العورة في الصلاة اختلف فيه على ثلاثة أقوال فقيل: فرض شرط، وقيل لا تعلق للصلاة به، وقيل سنة حسبما تقدم بسط ذلك وقد قدمنا أيضًا في المرأة
стр. 175
إذا صلت عريانة الأطراف هل تعيد أبدا أم في الوقت أم لا إعادة، أنها إذا صلت عريانة العورة فالمنصوص أنها تعيد أبدا وخرج اللخمي من قول أشهب في الرجل يعيد في الوقت أن تكون هي كذلك ورد بأن تعريها أشنع.
وأجيب عنه بأن شناعة إنما هي بالنسبة إلى عيون الناظرين أما بالنسبة إلى الصلاة فلا فرق بينها وبين الرجل والله أعلم.
(ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة أو يضم ثيابه أو يكفت شعره):
يعني على طريق الكراهة وذلك عام في الرجل والمرأة، أما تغطية الأنف بالنسبة إلى الرجل فللكبر، وأما بالنسبة إلى المرأة فلما في ذلك من التعميق في الدين، وأما تغطية الوجه فيهما فإنه يكره للتعمق في الدين والله أعلم.
وأما من جرت عادته بالتنقب ولم يقصد بذلك الكبر فإن ذلك جائز، ونص عليه ابن رشد في مرابطي الأندلس قائلا لأنه زيهم وبه عرفوا ويستحب تركه في الصلاة، قلت: وخرج بعض من لقيناه جوازه في الصلاة من قول المدونة ومن صلى محتزما أو جمع شعره، أو شمر كميه فإن كان ذلك لباسه أو كان في عمل فلا بأس به.
وكان بعض أشياخي يحصل قول المدونة أو كان في عمل إذا كان يعود إليه ثانيا أما إذا كان لا يعود إليه فإنه يكره له ذلك، وحمل بعضهم المدونة على عمومها، والأول أقرب إلى المعنى وظاهر كلام الشيخ أن التلثم جائز وهو كذلك.
وقيل إنه مكروه كالتنقيب والقولان عن مالك حكاهما صاحب الطراز.
(وكل سهو في الصلاة بزيادة فليسجد له سجدتين بعد السلام يتشهد لها ويسلم منهما):
هذا عموم أريد به الخصوص لأن من دعا مثلا في ركوعه فلا يسجد لأنه إنما تكلم بذكر، ويعني أيضًا ما لم تكثر الزيادة أما إن كثرت فهي مبطلة كمن تكلم ساهيا وأطال أو زاد في صلاته مثلها.
واختلف في الحكم السجود البعدي فقيل إنه سنة قاله عبد الوهاب وغيره، وقيل إنه واجب قاله صاحب الطراز، واعترض ابن رشد وابن هارون وخليل قول ابن الحاجب، وللسهو سجدتان.
وفي وجوبها قولان بقولهم لا خلاف في السجود البعدي أنه غير واجب، ومثله لابن عبد السلام وقواه بقولهم إذا ذكر السجود البعدي في صلاة فإنها لا تقطع بل يأتي
стр. 176
به بعدها، قلت هذا منهم قصور إذ هو قول سند كما قلناه وترد التقوية بأنه لا يلزم من كونه واجبا أن تقطع له الصلاة، إما مراعاة للخلاف وإما لكونه ضعيفا لذاته لكونه في الأصل يوقع خارج الصلاة ولا خلاف به يتشهد لهما ويسلم منهما، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يحرم للسجود البعدي وهو نقل الأكثر وقيل إنه يحرم له وقيل إن سها وطال أحرم وإلا فلا.
واختلف قول مالك هل يجهر بالسلام البعدي أو يسر على قولين.
(وكل سهو بنقص فليسجد له قبل السلام إذا تم تشهده ثم يتشهد ويسلم وقيل لا يعيد التشهد):
هذا كلام عام أريد به الخصوص أيضًا لأن من نقص فضيلة كالتأمين فإنه لا يسجد بل إن سجد بطلت صلاته، وكذلك التكبيرة الواحدة وشبهها حسبما يقوله الشيخ بعد، وما ذكر من السجود قبل السلام في النقص هو المشهور وفي المجموعة هو بالخيار إما قبل وإما بعد.
واختلف في حكم السجود القبلي على ثلاثة أقوال: فقيل سنة، وقيل واجب وقيل إن ترتب على ثلاث سنن فواجب وعن سنتين فسنة والقولان اللذان ذكر الشيخ في التشهد كلاهما عن مالك واستمر العمل عندنا على التشهد.
(ومن نقص وزاد سجد قبل السلام):
ما ذكر من أنه يسجد قبل السلام في الزيادة والنقصان هو نقل الأكثر، وقيل إنه يسجد بعد، قاله في العتبية وأخذه ابن لبابة من قول ابن القاسم يسجد مصلي النافلة خمسا سهوا بعد السلام لنقص السلام وزيادة الركعة، وروي عن مالك أنه مخير وقال عبد العزيز بن الماجشون يسجد قبل وبعد ونفسي ليه أميل وليس في ذلك مشقة إذ اجتماع الزيادة والنقصان ليس بأكثر بخلاف أحدهما.
(ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكر وإن طال ذلك مثل ما ذكر الشيخ في المدونة بزيادة ولو بعد شهر وفي غيرها ولو بعد سنة):
والمراد أبدا ووجهه أن البعدي ترغيم للشيطان فناسب أن يسجده وإن بعد وظاهر كلام الشيخ والمدونة وغيرهما ولو كان ذكره في الوقت المنهي عنه، وقيل لا يسجد في ذلك الوقت حكاه غير واحد كابن عبد السلام واعتذر ﵀ عن الظاهر المذكور بأنه قد يقال إنما المراد عدم سقوطه البتة لقرينة قوله ولو بعد شهر.
стр. 177
وقال عبد الحق عن بعض شيوخه: إن ترتب عن فرض أتى به حيث الذكر ولو كان في وقت نهي كالصلاة المنسية وإن ترتب عن نفل فلا يسجد إلا في الأوقات المباحة، وقول الشيخ فليسجد متى ما ذكر عام أريد به الخصوص كما تقدم أن من ذكره في صلاته فلا تقطع قال التادلي: وظاهر كلام الشيخ أنه إن ترتب من صلاة الجمعة فإنه لا يرجع إلى الجامع ثم نقل عن المذهب أنه يرجع وأما القبلي فإنه يرجع.
(وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبا وإن بعد ابتدأ صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن أو تكبيرتين أوالتشهدين وشبه ذلك فلا شيء عليه):
قيد التادلي قول الشيخ في السورة بكونه وقف لها قائلا إنها ثلاث سنن فعلى تفسيره يكون الذي دل عليه قول المؤلف إن ترك سنتين صحت، وإن كان أكثر بطلت والأقرب عندي أن الشيخ أراد أن السورة بجملتها لا تبطل لأن الجهر والإسرار صفة للقراءة فهي سنة تابعة، وهذا هو الفارق بينها وبين الجلوس الوسط.
ولهذا قال في المدونة: ومن ترك السورة عمدا فلا شيء عليه ومن ترك ثلاث تكبيرات بطلت صلاته، واختلف المذهب إذا لم يسجد للنقص المأمور بالسجود له على خمسة أقوال: فقيل تبطل وقيل تصح، وقيل تبطل إن كان عن نقص فعل لا قول، وقيل تبطل إن كان عن الجلوس والفاتحة، وقيل تبطل إن كان عن تكبرتين أو سمع الله لمن حمده مرتين وظاهر كلام الشيخ في قوله لا شيء عليه لا بطلان ولا سجود وهو كذلك، وفي الجلاب يسجد.
(ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة ولا سجدة ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منه وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح):
أما الركعة والسجدة فالإجماع على ذلك وبالجملة كل ركن من أركان الصلاة فمتفق عليه، وأما ترك القراءة في الصلاة كلها فالأمر كما قال الشيخ عند الأكثر.
وروى الوافدي عن مالك: أن صلاته مجزئة قال الباجي وهو شذوذ من القول وروى علي بن زياد أحب إلى أن يعيد، وظاهره الاستحباب وأما ترك القراءة من ركعتين أو ثلاث فإنه مؤثر في البطلان أيضا، وقيل لا شيء عليه إن قرأ أم القرآن في ركعة لقوله
стр. 178
عليه الصلاة والسلام "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" وأجاب ابن عبد السلام بأن الحديث يتقيد بالحال والسياق، وأن محل أم القرآن من الصلاة كالقيام فيها كما لو قيل كل صلاة لم يركع فيها لم يسجد فيها، واشتهر الخلاف هل القراءة تجب في كل ركعة أم في ركعة كما سبق أو في النصف أو في الجل.
(واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام وقيل يلغيها ويأتي بركعة وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطيا وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى):
ما ذكر من الأقوال الثلاثة كلها عن مالك، واختلف الشيوخ ما الذي اختار ابن القاسم منها فقيل إنه اختار القول الثاني بالإلغاء قاله بعضهم، وقال آخرون إنما اختار القول الثالث من أقوال الشيخ وهو الإعادة مع السجود وكلاهما تأول على قول ابن القاسم في المدونة.
وبقي في المسألة قول بالإعادة أبدا مفرع على القول بالسجود واعترض بأنه يقتضي عدم صحة الصلاة، والجبر بالسجود يقتضي صحتها فيتناقضان وأجاب ابن هارون بأن الصلاة في هذا القول غير صحيحة وإنما جبرها بالسجود مراعاة لقول من يصححها.
(ومن سها عن تكبيرة أو عن سمع الله لمن حمده مرة أو القنوت فلا سجود عليه):
ما ذكر من أنه لا سجود في التكبيرة الواحدة هو المشهور ووقع لابن القاسم أنه يسجد، وأخذ في المدونة من قولها إذا أبدل الله أكبر بسمع الله لمن حمده أو العكس على رواية أو عارض ابن الحاجب قولهم هنا بعدم السجود للتكبيرة الواحدة بقوله يسجد لترك السورة ونصه وإن كان قولا قليلا كالتكبيرة فيغتفر، وقيل يسجد لترك السورة ونصه وإن كان قولا قليلا كالتكبيرة وإن كان أكثر فثالثها يسجد بعدها وجاء في السورة يسجد وأشار إلى ما ذكرناه بقوله، وأجاب ابن عبد السلام بأن محافظة السلف على الزيادة على أم القرآن أكثر من محافظتهم على التكبيرة الواحدة، وذلك يدل على أنهم بينوا أن الزيادة على أم القرآن آكد من التكبيرة الواحدة.
قلت: والصواب عندي أنه لا معارضة بينهما كما تقدم من أن السورة إما ثلاث
стр. 179
سنن أو سنتان وصفة القراءة تابعة على أنه يمكن وهو الأقرب أن يكون إنما قصد بمعارضة ذلك لما يليه وهو أن المذهب اختلف في ترك أكثر من تكبيرة واحدة، هل يسجد قبل أو بعد أولا يسجد كما ذكر ولم يختلف أنه في السورة يسجد قبل السلام على ظاهر نقله، وهذا يفتقر إلى مزيد نظر ومحله غير هذا التصنيف وإنما قصدنا إلى تمرين المبتدئ على بعض مناقضات له لتعلق فكرته والأعمال بالنيات.
وأما من ترك القنوت فقد تقدم أن المشهور السجود عليه خلافا لابن سحنون، وعلي بن زياد ولا يقال يقوم من كلام الشيخ أن القنوت سنة لقرينة ذكره مع ما هو سنة لأن ذلك وصف طردي، ألا ترى إلى قوله في المدونة ولا يصلي في الكعبة فريضة ولا الوتر ولا ركعتي الفجر فقد ساوى بين الوتر وركعتي الفجر في أنهما لا يصليان في الكعبة، ولا أعلم أحدا من أهل المذهب أخذ منها أن الفجر سنة كالوتر.
(من انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه شيء منها فليرجع إن كان بقرب ذلك فيكبر تكبيرة يحرم بها ثم يصلي ما بقي عليه وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته):
ظاهر كلام الشيخ أنه لا يرجع بإحرام إن كان قريبا جدا لقوله ثم وهو كذلك لنقل الباجي عن ابن القاسم عن مالك أن كل من جاز له أن يبني بالقرب فليرجع بإحرام.
وزعم ابن بشير الاتفاق فيه على عدم الإحرام وتبعه ابن الحاجب، وأما إذا كان القرب متوسطا ففي الإحرام قولان حكاهما غير واحد، فيتحصل في الإحرام ثلاثة أقوال: ثالثها إن قرب جدا فلا إحرام، وحيث يرجع بإحرام وذكر قائما فهل يكبر ثم يجلس ثم يقوم أو يجلس إذ ذاك يكبر ثم يقوم أو يكبر ويتمادى ولا يرجع في ذلك ثلاثة أقوال لابن القاسم وابن شبلون وابن نافع، وهل يرجع إلى مصلاه أو إلى حيث شاء في ذلك قولان حكاهما الباجي.
قلت: وهذا لا أعرفه وظاهر المذهب يقتضي أنه يصلي بمكانه فورا فإن لم يفعل وصلى بمكان آخر وكان بعيدا بطلت صلاته والله أعلم؛ فإن ترك الإحرام ورجع بنية فقط فقيل إن صلاته باطلة قاله أبو محمد وابن شبلون وابن أخي هشام، وقال الأصيلي إنها تجزئه، قلت: وهو الأقرب عندي مراعاة للخلاف ويظهر أنه يرفع يديه على القول الأول، وذلك محتمل على القول الثاني والله أعلم.
стр. 180
وما ذكر أنه لا يبني إن بعد هو المشهور، وقال أشهب يبني كما إذا قرب وهي رواية في المبسوط، وظاهر كلام الشيخ أنه إذا خرج من المسجد أنه لا يبني ولو صلى بقرب بابه، وهو ظاهر المدونة لأن عبارتها كما صرح بها إليه وبه كان بعض من لقيناه يفتي من القرويين، ويحمل المذهب عليه وأفتى بعض من لقيناه أيضا بالصحة واعتذر عن قول ابن القاسم وغير بأن الخروج من المسجد مظنة للطول وهو بعيد والله أعلم.
والأقرب هو الأول لأن العطف يقتضيه والله أعلم، ومن حيث المعنى أن المسجد لما كان محلا للصلاة فخروجه منه يتنزل منزلة البعد، إذا بقي فيه والله أعلم.
(وكذلك من نسي السلام):
ما ذكر من أن السلام كسائر الفروض فإن أتى به صحت إن كان قريبا وإن تباعد بطلت هو كذلك، وهل الحدث يقوم مقامه أم لا؟ المعروف من المذهب أنه لا يقوم مقامه، وحكى الباجي عن ابن القاسم أن من أحدث في آخر صلاته أجزأته صلاته، وتقدم رد ابن زرقون على ذلك واختلف إذا سلم على شك ثم ظهر الكمال فقيل إنها باطلة، واختاره ابن رشد وبه الفتوى عندنا وبإفريقية وفي النوادر أنها مجزئة قياسا على من تزوج امرأة لها زوج غائب لا يدري أحي هو أو ميت ثم يتبين أنه قد مات لمثل ما تنقضي فيه عدتها قبل نكاحه إياها أن النكاح ماض.
(ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين وصلى ما شك فيه وأتى برابعة وسجد بعد سلامه):
ما ذكر الشيخ أنه يسجد بعد السلام هوالمشهور، ونقل الباجي والمازري عن ابن لبابة أنه يسجد قبل السلام قلت: وبه أقول لنص النبي ﷺ بذلك حسبما هو في مسلم ولم يزل الأشياخ حديثا وقديما يستشكلون قول الشيخ، وأتى برابعة إذ قوله وصلى ما شك فيه يغني عنه وأجاب عنه بعض من لقيناه بوجهين.
أحدهما أنه من باب عطف التفسير وهو جائز قال الله تعالى (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن) [التوبة: ٦١].
الثاني: أن قوله وصلى ما شك أراد به العموم في كل مشكوك فيه، وإن قوله وأتى برابعة يرجع إلى المسألة المفروضة.
(ومن تكلم ساهيا سجد بعد السلام):
يعني ما لم يكثر فتبطل صلاته قاله غير واحد وظاهر كلامه لو تكلم عامدا أو
следующие страницы →