Полный текст (890 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
كان يخشى زيادة مرض أو تأخير برء أو تجديد مرض فالمشهور كذلك وقيل لا يتيمم ويستعمل الماء قاله مالك، وقلت والأقرب هو الأول لقول الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: ٧٨]
و (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦].
ولقد أحسن أشهب ﵁ في قوله لما سئل عن مريض: لو تكلف الصوم والصلاة قائما لقدر لكن بشقة وتعب، فأجاب بأن قال: فليفطر وليصل جالسا ودين الله يسر والمشهور أن الجنب كغيره فمهما تعذر غسله تيمم، وقال عياض في الإكمال قال أحمد بن ابراهيم المصري عرف بابن الطبري من أصحاب ابن وهب: من خاف على نفسه المشقة من الغسل أجزأه الوضوء لحديث ابن عمرو بن العاص ﵄، واختلف في الحضري إذا خاف خروج الوقت إن هو استعمل الماء والمشهور التيمم، وعليه إن خاف فوات الجمعة على ثلاثة أقوال: فقيل يتيمم لها، نقله ابن القصار وأبو بكر الأبهري عن بعض أصحابنا واختار ابن القصار أنه لا يتيمم لها.
ونقله ابن هارون عن أشهب فقط قائلا عنه: ولو أحدث فيها وخشي فوات وقت الصلاة لذهابه للوضوء، ونقل القرافي عن بعضهم أنه يتيمم ويصلي ثم يتوضأ ويعيد. وحكاه غير واحد بلفظ لو قيل يتيمم ويدرك الجمعة ثم يتوضأ ويعيد احتياطا ما بعد وبهذا القول كان شيخنا أبو محمد عبدالله الشبيبي يفتي إلى أن مات. قلت وأشهب ﵀ ناقض أصله وذلك أنه قال فيمن ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة إن خاف فواتها تمادى وإن لم يخف قطع وقضى فجعل وقتها لا يمتد فتأمله.
(وكذلك مسافر يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع):
إذا خاف من سباع فلا خلاف أنه يتيمم؛ لأنه يخاف على نفسه وكذلك اللصوص إذا كان يخاف منهم على ماله خاصة فقيل يتيمم وقيل لا، واستبعده ابن بشير. قلت: الجاري على أصل المذهب أنه إن كان يحتاج إليه فإنه يتيمم مطلقا وإن كان لا يحتاج إليه فإن كان بحيث يجب عليه بذله في الشراء لقلته فإنه لا يتيمم وإلا تيمم فالقولان ينبغي أن يكونا خلافا في حال والله أعلم.
وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يفصل في المال بين القليل والكثير وهو الذي أراد المؤلف، فظاهره أن القولين الذين ذكرهما ابن الحاجب في قوله أو على ماله على الأصح إنما هو في اليسير دون الكثير والحق ما قلناه والله أعلم.
стр. 107
واختلف في المقدار الذي يبذل في شراء الماء إن كان لا يضطر إليه فقيل يرجع فيه إلى العرف وهو الذي رجع إليه مالك ذكره اللخمي، قال: أما الرخيص فيشتريه وإن زيد في ثمنه مثله وروى أشهب ما لا يلزم شراؤه بالثمن المعروف وهو بعيد، وقال ابن الجلاب لا حد لمقدار ثمن الماء في الغلاء فيحتمل أن يحد بالثلث.
(وإذا أيقن المسافر بوجود الماء إلخ):
في كلامه ﵀ مخالفة للمذهب وذلك أن ظاهر كلامه في الراجي لا يؤخر بل يتيمم وسط الوقت وليس كذلك بل حكمه كالموقن، ولقد قال ابن هارون لا أعلم من قال في الراجي: إنه يتيمم وسط الوقت غير ابن الحاجب ويمكن أن يريد بقوله وكذلك إن خاف هو راجع إلى القسم الأول لا إلى ما يليه وما ذكر من التفصيل هو المشهور، وروي عن مالك آخره في الجميع وروى ابن عبد الحكم المسافر مطلقا يتيمم أوله وفي المجموعة الراجي آخره وغيره وسطه وقيل الجميع آخره إلا اليائس أوله، والمراد بالوقت الذي ذكره الشيخ هو الاختياري نقله أبو محمد في مختصره عن ابن عبدوس وظهر لي أنه يتخرج قول باعتبار الضروري من قول ابن رشد: من تمادى به الرعاف فإنه يعتبر الضروري وكان من لقيته ممن تولى قضاء الجماعة بتونس لا يرتضي مني هذا التخريج حين ذكر له في درسه ويقول: النجاسة أشد بدليل أن من صلى بنجاسة مضطرا فإنه يعيدها في الوقت ومن تيمم وصلى ثم وجد الماء فلا إعادة عليه جملة، فإن قدم ذو التأخير ثم وجد الماء أعاد في الوقت وقيل أبدا قاله ابن عبدوس وغيره، وقيل إن ظن إدراكه ففي الوقت وإن أيقن فأبدا قاله ابن حبيب، وإن قدم ذو التوسط ففي إعادته في الوقت المختار خلاف ولا يعيد بعده اتفاقًا.
(ومن تيمم من هؤلاء ثم أصاب الماء في الوقت إلخ):
ما ذكر الشيخ أنه يعيد هو كذلك إلا أن كلامه يحتمل أبدًا، وفي الوقت والأقرب من كلامه الإعادة في الوقت بقرينة قوله ثم أصاب الماء في الوقت، وقال ابن الحاجب: يعيد في الوقت ويحتمل أبدًا، قلت: والأقرب أنه لا إعادة مطلقا بالنسبة إلى المريض لأنه إذا لم يجد من يناوله إياه إنما ترك الاستعداد للماء قبل دخول الوقت وهو مندوب إليه على ظاهر المذهب، وذلك لا يضر فلا إعادة مطلقا. وأما الخائف وما بعده فالأقرب فيه الإعادة في الوقت كمن صلى بالنجاسة أو عريانا، إلا أن يقال إن النجاسة آكد كما تقدم، ومثل ما ذكر الشيخ المطلع على الماء بقربه والإعادة في هذا
стр. 108
واضحة لأن معه ضربا من التفريط ولو وجد الماء بعد التيمم وقبل الدخول في الصلاة؛ فإن التيمم يبطل إن اتسع الوقت وإن ضاق.
فقال عبد الوهاب: لا يبطل وخرجه اللخمي على التيمم حينئذ، وقال المازري: هذا آكد لحصوله بموجبه وأما إن وجده في الصلاة فالمنصوص لا يبطل، وخرج اللخمي قولا بالقطع من العريان يجد ثوبا وهو في الصلاة ومن ذكر صلاة من صلاة ومن نوي الإتمام ومن إذا قدم وال في الجمعة ورده بعض شيوخنا بأن مسألة التعدي لا بدل لها، ومسألة ذاكر صلاة في صلاة سبقية العلم بالصلاة المنسية فكان معه ضرب من التفريط وفي مسألة ناوي الإتمام هو قد تسبب في ذلك ومسألة قدوم الوالي بأن العزل يتقرر بالنزول.
قال ابن عبد السلام: خرج القطع من ذاكر الصلاة في الصلاة ورده بما تقدم قلت: كلامه يوهم أنه لم يخرج إلا منها فقط وليس كذلك.
стр. 109
(ولا يصلي صلاتين بتيمم واحد من هؤلاء إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم وقد قيل يتيمم لكل صلاة، وقد روى عن مالك فيمن ذكر صلاة أن يصليها بتيمم واحد):
القول الأول: ومن الثلاثة التي ذكر الشيخ عزاه في النوادر لبعض أصحابنا وهو اختيار التونسي، قال ابن الحاجب أبو إسحاق: يجوز للمريض قال ابن عبد السلام: هو ابن شعبان، قلت إنما فسره به ولم يفسره بالتونسي لنص ابن شاس بذلك وتعقبه بعض شيوخنا بأن الزاهي إنما فيه من جمع بين صلاتين بتيمم، قلت حكاه ابن يونس عن أبي محمد بن أبي زيد قائلا: أخبرت به عن ابن شعبان لعدم وجوب الطلب عليه، والقول الثاني من أقوال الشيخ هو المشهور ومرضه الشيخ بوجهين وهما تقدمة الشيخ القول عليه، وقوله وقد قيل ولم يقل وقيل، والقول الثالث: رواه أبو الفرج عن مالك وعزاه ابن يونس لقوله أيضًا، وعزاه ابن الحاجب لقوله فلا يعترض عليه إذ هو قوله بلا شك.
ونصه أبو الفرج في الفوائت وأخذ بعض من لقيناه من رواية أبي الفرج أن من عليه صلوات كثيرة أن يقيم لها إقامة واحدة وأجبته بيسر الإقامة لأنها قولية وعسر التيمم لأنه فعلي، فإذا قلنا بالمشهور وجمع بين صلاتين بتيمم واحد فأما الأولى فصحيحة باتفاق. واختلف في الثانية على أربعة أقوال: فقيل يعيدها وقتا، وقيل أبدا، وقيل إن كانتا مشتركتين أعادها وقتا وإلا أعادها أبدا وقيل يعيدها ما لم يطل كاليومين والثلاثة قاله سحنون ذكر جميع الأربعة ابن يونس.
قال ابن عبد السلام: وانظر في الفائتين إذا كانتا غير مشتركين الوقت هل تكونان كالمشتركين أم لا؟ والمذهب جواز النفل بتيمم الفريضة بعدها متصلا أو ما هو في حكم المتصل وقال التونسي ما لم يطل تنفله جدا وقال الشافعي، يتنفل إلى دخول وقت الفريضة الثانية وارتضاه ابن عبد السلام للتبعية وعدمها.
(والتيمم بالصعيد الطاهر وهو ما ظهر على وجه الأرض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة):
لم يرد الشيخ بقوله من تراب إلخ الحصر بل يتيمم على غير ذلك كالشب والنورة والزرنيخ وشبه ذلك كالكحل والكبريت والزاج اللخمي يمنع بالجير والآجر والجص بعد حرقه والياقوت والزبرجد والرخام، والذهب، والفضة، فإن فقد سوى ما منع وضاق الوقت يتيمم به، نص على ذلك جميع البغداديين وقيل لا يتيمم على الشب
стр. 110
ولا على ما بعد نقله أبو بكر الوقار وقيل بالأول وإن لم يجد غيره وضاق الوقت وكذلك يتيمم على الثلج عند مالك من رواية ابن القاسم. وروى أشهب أنه لا يتيمم عليه وقيل إن عدم الصعيد فالأول وإلا فالثاني ورابعها يعيد في الوقت بالصعيد.
(واختلف في الملح على أربعة أقوال):
ثالثها الفرق بين المعدني والمصنوع، ورابعها للسليمانية إن لم يجد غيره وضاق الوقت يتيمم وإلا فلا، نقله ابن يونس، واختلف في التيمم على الزرع والخشب على قولين، وأخذ الجواز من قول يحيى بن سعيد في المدونة، ما حال بينك وبين الأرض فهو منها، وظاهر كلام الشيخ أنه يتيمم على غير التراب وإن كان التراب موجودا وهو المشهور.
وقال ابن شعبان: لا يتيمم إلا على التراب خاصة سواء كان منبتا أم لا، وقال ابن حبيب يتيمم على غير التراب مع فقده، وأخذه ابن الحاجب من قول المدونة، ويتيمم على الجبل والحصباء من لم يجد ترابا وأنكر هذا الأخذ بعض المشارقة قائلا إنما وقع هذا الشرط في المدونة من كلام السائل لا من كلام ابن القاسم فيحتمل أن يكون مقصودا ويحتمل أن الجواز عموما وقبله ابن عبد السلام، وظاهر كلام الشيخ أنه يتيمم على التراب المنقول وهو كذلك خلافا لابن بكير، قال ابن عبد السلام: وظاهر كلام الشيخ أنه يتيمم وهذا إذا عمل في وعاء وأما لو جعلت على وجه الأرض فاسم الصعيد باق عليه.
(ويضرب بيديه الأرض وإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا ثم يمسح بهما وجهه كله مسحا ثم يضرب بيديه الأرض فيمسح يمناه بيسراه يجعل أصابع يده اليسري على أطراف أصابع يده اليمني ثم يمر أصابعه على ظاهر يده وذراعه وقد حنى عليه أصابعه، حتي يبلغ المرفقين ثم يجعل كفه على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع من يده اليمني ثم يجري باطن بهمه على ظهر بهم يده اليمني ثم يمسح اليسرى باليمنى هكذا فإذا بلغ الكوع مسح كفه اليمني بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه ولو مسح اليمني باليسرى واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه):
اعلم أن المشهور استحباب صفته، وقال ابن عبد الحكم: لا تسحب وما ذكر الشيخ من الصفة هول تأويله على المدونة، وقيل تأويله عليها أنه لا ينتقل إلى يده
стр. 111
اليسرى حتى يكملها وصوب إذ الانتقال إلى الثانية قبل كمال الأولى مفوت فضيلة الترتيب الذي بين الميامن والمياسر. فإن قلت إنما اغتفر هذا عند القائل بالصفة الأولى وهو الشيخ أبو محمد حفظا على النقل وهو أشد في الطلب، قلت النقل لم يشترطه الشيخ ألا ترى إلى قوله يتيمم على الحجر، وما ذكر الشيخ من إمرار الإبهام مثله لابن الطلاع وظاهر الروايات مسح ظاهر إبهام اليمني مع ظاهر أصابعها، ونبه على هذا بعض شيوخنا.
قال ابن عبدالحكم: وينزع الخاتم، وقال ابن شعبان يخلل أصابعه، قال اللخمي على قول ابن مسلمة ترك القليل من العضو عفو يصح دون نزع أو تخليل، وقال أبو محمد في قول ابن شعبان لا أعرفه لغيره.
قلت: وعادة الشيخ إذا قال مثل هذا أراد أن المذهب على خلافه كمن قال يا فلان فعل الله بك كذا، فقال ابن شعبان تبطل صلاته قال الشيخ لا أعرفه، وقول ابن بكير من التذ بالفكرة في القلب انتقض وضوؤه، وقال أيضا لا أعرفه ففهم عنه أهل المذهب ما قلناه، فإذا عرفت هذا فقول ابن الحاجب. قالوا ويخلل أصابعه متعقبا لانفراد ابن شعبان به وأشار إليه ابن رشد وصرح به خليل رحمه الله تعالى، وما ذكر الشيخ أنه ينتهي إلى المرفقين هو المعروف عند مالك وعنه إلى الكوعين، وعنه كذلك إلا أنه يستحب إلى المرفقين حكاه عنه أبو الجهم وأبو الفرج وقيل إلى المنكبين ينتهي مطلقا قاله ابن مسلمة وقيل الجنب إلى المنكبين. والمحدث الحدث الأصغر إلى الكوعين حكاه ابن رشد عن ابن لبابة فتحصل في ذلك خمسة أقوال.
واختلف إذا اقتصر على ضربة واحدة أو إلى الكوعين على أربعة أقوال، فقيل يعيد في الوقت، وقيل أبدًا، وقيل لا إعادة عليه، وقيل لا يعيد في الأولى ويعيد في الثانية في الوقت وهو المشهور.
(وإذا لم يجد الجنب أو الحائض الماء للطهر تيمما وصليا فإذا وجدا الماء تطهرا ولم يعيدا ما صليا):
أما ذكر الشيخ أن الجنب والحائض إذا لم يجدا الماء تيمما هو المشهور بل هو مذهبنا وعن ابن مسعود الجنب ليس من أهل التيمم فلا يصلي، ويعزي لعمر بن الخطاب ﵁ وما ذكر أنهما يغتسلان إذا وجدا الماء هو المنصوص. وخرج القاضي عبد الوهاب عدم الغسل على القول بأنه يرفع الحدث، ورده المازري بأن من
стр. 112
قال يرفع الحدث إنما أراد أنه يصلي به ما شاء إلى وجود الماء أما أنه لا يغتسل فلا، وقال ابن الحاجب: وصفته أنه ينوي استباحة الصلاة محدثا أو جنبا لا رفع الحدث فإنه لا يرفعه على المشهور وعليهما وجوب الغسل لما يستقبل.
قال ابن عبد السلام: هو مشكل لأنه لا يعلم خلاف بين فقهاء الأمصار في وجوب الغسل إذا وجد الماء من قال منهم بأنه يرفع الحدث، ومن لم يقل إلا ما حكي عن بعض التابعين فجعله هذا الفرع ثمرة للخلاف لا يصح، واعتذرنا بأن ضمير التثنية عائد على المحدث والجنب من قوله وعليهما في المعنى والغسل عليهما قال وهو بعيد من حيث أن الغسل إذا أطلق في الاصطلاح إنما المراد به الطهارة الكبرى لا الصغرى.
قلت هذا تكلف لا يحتاج إليه إذ ما سلكه ابن الحاجب هي طريقة القاضي عبد الوهاب فليس عليه في ذلك درك والله أعلم، وما ذكر أنهما لا يعيدان ما صليا هو كذلك في المدونة وقيدت بما إذا لم تكن في بدنه نجاسة.
وقال أبو بكر ابن اللباد: وكذلك إذا كانت الجنابة من وطء لأن فرجه تنجس من بلة فرج المرأة.
ولا يطأ الرجل امرأته التي انقطع عنها دم حيض أو نفاس بالتطهر بالتيمم حتى يجد من الماء ما تتطهر به المرأة ثم ما يتطهران به جميعا وفي باب جامع الصلاة شيء من مسائل التيمم):
ما ذكر الشيخ أنه لا يطؤها بالتيمم هو المشهورن وقال ابن شعبان ذلك جائز. قال ابن بكير يكره له أن يطأها قبل الاغتسال، واختلف هل يجب على الزوج شراء الماء لزوجته؟ على قولين: الأول حكاه عبد الحق في النكت قياسا على النفقة، قلت: الأقرب إن كانت جنابتهما منه وجب عليه وإلا فلا يغلب على ظني أني وجدته منصوصا قول الشيخ حتى يجدا كالنص في أنه يجب عليه إذا أراد وطأها ولا يجب عليه إذا لم يرده والله أعلم.
стр. 113
باب في المسح على الخفين
مثل هذا الترتيب أعني تأخير هذا الباب عن باب التيمم سلك ابن الحاجب فأورد ابن هارون سؤالا وهو إن قلت لأي شيء أخر هذا الباب عن باب التيمم مع أن كل واحد منهما بدل عن طهارة الماء؟ وأجاب بأن التيمم ثبت بالقرآن ومسح الخفين ثبت بالسنة، والقرآن مقدم قلت وما ذكره صحيح ولذلك اختير في البقر الذبح لكونه بالقرآن لقوله تعالى: (تذبحوا بقرة) [البقرة: ٦٧]
ونحرها إنما جاء بالسنة من فعله ﷺ ورجع اسم العشاء على اسم العتمة لقول الله (ومن بعد صلاة العشاء) [النور: ٥٨].
(وله أن يمسح على الخفين في الحضر والسفر ما لم ينزعهما):
ظاهر كلام الشيخ أن مسح الخفين رخصة وهو كذلك في قول وقيل سنة وقيل فرض وكلها حكاها ابن الطلاع قائلا: والأحسن أن نفس المسح فرض والانتقال إليه رخصة، قلت: كلامه يوهم أن ما اختاره رابع في المسألة وليس كذلك بل من قال بالسنة والرخصة إنما أراد ذلك والله أعلم، وكذلك من قال بالفرضية إنما يريد إذا أراد أن يمسح أن ينوي الفرضية لأن ذلك فرض بالإطلاق والله أعلم. وما ذكر أنه يمسح المسافر والمقيم هو إحدى الروايات عن مالك.
وروي المسافر خاصة وكلاهما في المدونة، وروي عنه لا يمسح مطلقا قال وفي المجموعة أقوال اليوم مقالة ما قلتها قط في ملأ قط من الناس. أقام رسول الله ﷺ بالمدينة عشر سنين وأبو بكر وعمر وعثمان في خلافتهم فذلك خمس وثلاثون سنة فلم يرهم أحد يمسحون وإنما هي الأحاديث، وكتاب الله أحق أن يتبع ويعمل به. قال ابن وهب
стр. 114
فرأيته يكره المسح في الحضر والسفر وقال ابن العربي في القبس لا ينكره إلا الرافضة والإجماع على جوازه، قال التادلي وقد قال بعض من نبذ مذهبهم:
أشكو إلى الله ما لقيت = من شؤم قوم بهم بليت
لا أبغض الصالحين دهري = ولا تشيعت ما حييت
أمسح خفي ببطن كفي = ولو على جيفة وطيت
قال الفاكهاني: وإنما قدم المصنف رحمه الله تعالى الحضر اهتماما به لما صح عنده أنه الذي رجع إليه مالك فكأنه اقتدى بقوله تعالى: (يوصي بها أو دين) [النساء: ١٢]
: فقدم تعالى الوصية على الدين وهو آكد لما ذكرنا من الاهتمام بأمرها إذ كانت الوصية شرعية أعني أنها لم تكن معهودة في الجاهلية بخلاف الدين فإن أمره معلوم عند كل واحد، وظاهر كلام الشيخ أنه يمسح عليهما وإن طال جدا وهو كذلك على المشهور.
وقال ابن نافع: حده للمقيم من الجمعة إلى الجمعة فأطلقه الأكثر وحمله ابن يونس على الندب كغسل الجمعة، وفي كتاب السي: ر للمسافر ثلاثة أيام وللمقيم يوم وليلة واختاره ابن عبدالسلام لموافقته حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وإن كانت تلك الرسالة منكرة عند شيوخ المذهب. وروى أشهب للمسافر ثلاثة أيام وسكت عن المقيم فيحتمل أن يقول بما في كتاب السير ويحتمل أن يقول بعدم المسح للمقيم قاله ابن عبد السلام.
(وذلك إذا أدخل فيهما رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة فهذا الذي إذا أحدث وتوضأ مسح عليهما وإلا فلا):
ظاهر كلام الشيخ أنه إذا غسل رجله اليمنى وأدخلها في الخف ثم غسل
стр. 115
الرجل اليسرى وأدخلها في الخف أنه لا يمسح وهو كذلك خلافا المطرف وسبب الخلاف على أحد الطريقين هل كل عضو يطهر بانفراده أم لا.
وظاهر كلام الشيخ أنه يمسح عليهما إذ لبسهما عقب الغسل من الجنابة لأنه إذا كان يمسح عقب الوضوء فأحرى عقب الغسل لأنه وضوء وزيادة وهو المشهور. وحكى صاحب الطراز عن بعض المتأخرين أنه لا يمسح وهو قول غري بعيد وظاهر كلام الشيخ أنه لا يمسح إذا لبسهما عقب طهارة التيمم وهو كذلك خلافا الأصبغ ويشترط في الخف أن يكون ساترا لمحل الوضوء صحيحا، فإن كان غير ساتر فلا يمسح. وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه يمسح ويغسل ما ظهر، وضعفه الباجي بأن هذا القول معروف للأوزاعي لا لمالك وهو كثير الرواية عنه فأشار إلى احتمال وهمه، ومثله قال المازري ورده ابن عبد السلام بأنه أحد الرجال الثبت الذي لم ينسبه أحد إلى الوهم، وأجابه بعض شيوخنا بأن الذهبي والمزي ذكرا فيه عن بعضهم أنه مدلس ولم يفضلاه ومقتضى كلام الثلاثة الباجي والمازري وابن عبد السلام انفراده بالرواية.
ونص ابن رشد ومفهومه عدم الانفراد بالرواية والاقتصار على مسحه دون غسل ما بقي قال وروى علي وأبو مصعب والوليد أنه يمسح، وزاد الأوزاعي غسل ما
стр. 116
بقي قال: ورووا لا يمسح على الخف المخرق إذا كان خرقه كثيرا وذلك أن يظهر جل القدم، وقال العراقيون ما يتعذر مداومة المشي فيه.
(وصفة المسح أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع ويده اليسرى من تحت ذلك ثم يذهب بيديه إلى حد الكعبين وكذلك يفعل باليسرى ويجعل يده اليسرى من فوقها واليمنى من أسفلها):
ما ذكره الشيخ من الصفةة خالفه فيها صاحبه الشيخ أبو القاسم ابن شبلون وقال اليسرى كاليمنى على ظاهر المدونة، وحكى عنه ابن بشير تأويلا على المدونة أيضا أنه يمسح الرجلين مرة واحدة ويده اليمني من فوقها واليسرى من أسفلها، ولا يعترض عليه بترك بعض المسح؛ لأن المسح مبني على التخفيف وقيل يبدأ من الكعبين حكاه الشيخ بعده.
وقال ابن عبد الحكم: يده اليمنى على ظاهر أطراف أصابع اليمنى واليسرى على مؤخر خفه من عقبه يمر بها إلى آخر أصابعه واليمنى إلى عقبه فلو مسح أعلاه بها أو أسفله فقال أشهب يجزئه، وقال نافع لا يجزئه وصوب وقال في المدونة لا يجزئه مسح أعلاهما دون أسفلهما ولا أسفلهما دون أعلاهما إلا أنه إن اقتصر على الأعلى أعاد في الوقت لأن عروة كان لا يمسح أسفلهما.
قلت: في قول المدونة مناقشة وفائدة، أما المناقشة فإن في كلامه التنافي لأن قوله لا يجزئه ظاهر في التكلم بعد الوقوع فيعيد أبدا، وقوله بعد يعيد في الوقت في الاقتصار على الأعلى ينافيه فهو أراد ولا يجوز، ففي كلامه التسامح، والفائدة أن مالكا يعلم من هذا أن مذهبه أنه يرعى القائل الواحد إذا قوي دليله لما علم أن المسح مبني على التخفيف يدل عليه قول أشهب السابق، وقد علمت أن اشتهار الخلاف هل يراعي كل خلاف أو لا يراعي إلا الخلاف القوي، وهل القوي ما كثر قائله أو ما قوي دليله ومن غسل خفه فالمنصوص يجزئ مع الكراهة.
قال ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريج الخلاف في غسل يراعي أصله فيجزئ لأن مسحه بدل من الغسل ولا كذلك الرأس لأن المسح فيه أصلي والله أعلم والمذهب أنه لا يتتبع الغضون.
(ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو ورث دابة حتى يزيله بمسح أو غسل وقيل يبدأ في مسح أسفله من الكعبين إلى أطراف الأصابع لئلا يصل إلى عقب خفه شيء من
стр. 117
رطوبة ما سمح من خفيه من القشب):
حمل القاضي عبد الوهاب قوله بمسح أو غسل على التخيير، وحمله صاحب الحلل على ضرب من اللف والأقرب هو الأول إذا كان كل منهما كافيا، وإن لم يكف المسح تعين الغسل على طريق الوجوب ابتداء حسبما قدمنا عن المدونة، وعليه حمله القاضي عبد الوهاب وحمله الفاكهاني على الاستحباب لقول المدونة يعيد في الوقت وهو بعيد بل إنما قاله للخلاف على أن الشيخ يحتمل أن يكون إنما أشار بكلامه إلى قول مالك في الخف إذا أصابه روث الدواب هل يكفي فيه المسح أم لا والله أعلم.
(وإن كان في أسفله طين فلا يمسح عليه حتى يزيله):
هذا عندي تكرار لا شك فيه ولا ريب والله أعلم.
باب أوقات الصلاة وأسمائها
стр. 118
قال المازري: الوقت حركة الأفلاك ورده بعض شيوخنا بأنه صالح لغة لا عرفا قال وهو كون الشمس أو نظيرها بدائرة أفق معين أو بدرجة علم قدر بعدها منه والصلاة أداء وقضاء. قال ابن الحاجب: فوقت الأداء ما قيد الفعل به أولا والقضاء ما بعده وأراد بقوله أولا الخطاب، الأول على رأي الأصوليين أن القضاء بأمر جديد هكذا كان يفهمه بعضهم وانظر بقية كلام ابن عبد السلام فيه، وقال بعض شيوخنا وقت الأداء ابتداء تعلق وجوبها باعتبار المكلف والقضاء انقضاؤه، والأداء اختياري وهو المذكور غير المنهي عن تأخير فعلها عنه وإليه وضروري وهو المذكور المنهي عنه وإليه فلا تنافي بين الأداء والعصيان، قال وعلى تفسير المازري بأنه وقت مطابقة امتثال الأمر يتنافيان.
ويكون وقت الضرورة لغير ذي عذر قضاء، وهو قد رضي قول ابن القصار أنه وقت أداء وتنافيهما عزاه التونسي للمخالف ونفيه لنا والاختياري فضيلة أن نرجح فعلها فيه على اختياري آخر وإلا فتوسعة، والوجوب يتعلق بكل الوقت وقيل بما يسع الفعل منه مجهولا بعينه الواقع خرجه الباجي على المذهب في خصال الكفارة وهل يشترط في جواز التأخير العزم على الأداء قاله القاضي عبد الوهاب وغيره أو لا يشترط قاله الباجي وغيره في ذلك قولان.
стр. 119
(أما صلاة الصبح فهي الصلاة الوسطى عند أهل المدينة وهي صلاة الفجر فأول وقتها انصداع الفجر المعترض بالضياء في أقصى المشرق ذاهبا من القبلة إلى د بر القبلة حتى يرتفع فيعم الأفق):
ما ذكر الشيخ أن لها ثلاثة أسماء الصبح والفجر والوسطى صحيح أما الصبح فلوجوبها حينئذ والصبح والصباح أول النهار وقيل مأخوذ من الحمرة التي فيه كصباحة الوجه مأخوذة من الحمرة التي فيه وأما الفجر فلوجوبها عند ظهوره، والوسطى لأن الظهر والعصر مشتركتان والمغرب والعشاء كذلك الصبح مستقل بنفسه فكانت وسطى بهذا الاعتبار؛ ولأن المغرب والعشاء صلاتا الليل والظهر والعصر صلاتا النهار وهي وقتها مستقل لا من الليل ولا من النهار وبقي عليه أنها تسمى صلاة الغذاة لأنها تجب غدوة أول النهار وما ذكر الشيخ من أنها تسمى الوسطى فهو إشارة إلى معنى قوله تعالى: "حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) [البقرة: ٢٣٨]
وهذا هو المشهور من المذهب.
وقال ابن حبيب هي العصر واختاره ابن عبد السلام وابن العربي وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واضطرب العلماء في الصلاة الوسطى على أربعة عشر قولا وقول الشيخ عند أهل المدينة يحتمل أن يكون مرتضيا لذلك وهو الأقرب، ويحتمل أن يكون متبرئا من ذلك لخصوصية نسبة هذه المسألة لهم دون غيرهم لا يقال إنما ذكر هذه المسألة للاختلاف فيها فهو إنما ذكر ذلك ارتضاء واحتجاجا على المخالف فيها لأنه
стр. 120
لم يطرد ألا ترى إلى قوله والصناع ضامنون لما غابوا عليه، ولم يقل عند أهل المدينة أو ما أشبه ذلك ليحتج به على من نفى الضمان مطلقا وهو الشافعي أو بقيد أن يعمله بغير أجر وهو أبو حنيفة كقول القاضي عبد الوهاب أجمع على ضمانهم الصحابة وكقول مالك في المدونة قضى الخلفاء بتضمينهم.
(وآخر الوقت الإسفار البين الذي إذا سلم منها بدا حاجب الشمس وما بين هذين وقت واسع):
واختلف في آخر وقت الصبح فقيل طلوع الشمس رواه ابن وهب وبه قال الأكثر وأخذه الباجي من قول مالك من رجا وجود الماء قبل طلوع الشمس فلا يتيمم وقيل الإسفار الأعلى، رواه ابن القاسم، وبه قال الأكثر وأخذ الباجي من رواية ابن نافع صلاتها أول الوقت فذا أحب إلي منها جماعة في الإسفار.
قال ابن الحاجب في تفسيره ابن أبي زيد الإسفار يرجع بهما إلى وفاق قلت: وقيل إن الخلاف حقيقة وإن الإسفار المراد به ما تبين به الأشياء قاله ابن العربي ونقله عبد الحق عن بعض المتأخرين.
(وأفضل ذلك أوله):
ظاهره للفذ والجماعة صيفا وشتاء وهو كذلك، وقال ابن حبيب: يؤخرها الأئمة في الصيف إلى الإسفار لقصر الليل وغلبة النوم نقله عنه أبو محمد ونقل اللخمي عنه تؤخر إلى نصف الوقت، قال ابن رشد في أجوبته المذهب أن أول الوقت أفضل إلا في مساجد الجماعة فتأخيرها عنه شيئا قليلا أفضل.
(ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء وأخذ الظل في الزيادة):
سميت الظهر من ظهور زوال الشمس بعد وقوفها ومن الارتفاع لبلوغها غاية ارتفاعها والظهور الارتفاع، وقيل سميت بذلك لأن وقتها أظهر الأوقات وتسمى أيضا الهجيرة وقد جاء في الحديث اسمها بذلك مأخوذ من الهاجرة وهي شدة الحر، وتسمى الأولى لأنها أول صلاة صلاها جبريل ﵇ بالنبي ﷺ ، ولذلك ابتدأ غير واحد بها ولا خلاف أن أول وقتها زوال الشمس كما قال الشيخ ﵀ قال في المدونة: وما دام الظل في نقصان فهو غداة وأقام المغربي منها ما في سماع عيسى من كتاب الأيمان بالطلاق فيمن حلف لغريمه لأقضينك حقك غدوة أن له أن يقضيه حقه ما بينه وبين الزوال ولا حنث عليه.
стр. 121
ورده بعض من لقيناه بافتراق المأخذين، وذلك أن ما ههنا نظر فيه إلى اللغة، وما في العتبية نظر فيه إلى العرف ولو كان العرف على خلاف ذلك عمل عليه.
(يستحب أن تؤخر في الصيف إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس):
لا مفهوم لقوله في الصيف بل وكذلك في الشتاء قال في التهذيب، قال مالك أحب إلي أن تصلي الظهر في الصيف والشتاء والفيء ذراع كما قال عمر وظاهر كلام الشيخ في هذا القول أن حكم الفذ مساو لحكم الجماعة يدل عليه ما يقوله بعد، وكذلك هو ظاهر التهذيب وبه قال عبد الوهاب وغيره.
(وقيل إنما يستحب ذلك في المساجد ليدرك الناس الصلاة وأما الرجل في خاصته فأول الوقت أفضل له):
هذا القول لابن حبيب حكاه أبو عمر بن عبد البر عن ابن عبد الحكم، وبه قال البغداديون واختاره اللخمي قائلا وكذلك حكم الجماعة إذا لم ينتظروا غيرهم.
(وقيل أما في شدة الحر فأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده لقول النبي ﷺ "أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" وآخر الوقت أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار):
ظاهر كلام الشيخ أنه أراد بهذا القول أن في شدة الحر يبرد بها، وفي غير ذلك تصلى الفيء ذراع وبقي في المسألة قول رابع وهو أنه لا مزية لأول الوقت على آخره حكاه غير واحد، وأما الجمعة فنقل ابن حبيب عن مالك أن من سنة الجمعة تقديمها عند الزوال وبعد ذلك بيسير.
وفي الموطأ أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يصلي بهم الجمعة ثم ينصرفون فيقيلون قائلة الضحى يريد يستدركون ذلك والحكم ما تقدم سواء قلنا إنها أصل أو بدل عن الظهر للسنة كما تقدم.
(وأول وقت العصر آخر وقت الظهر)
стр. 122
يعني أن وقت آخر الظهر تشاركها فيها العصر فإذا زاد الظل أدنى زيادة على القامة الثانية فيختص الوقت بالعصر وهو قول مالك في المجموعة واختاره عبد الوهاب، وروى أشهب الاشتراك فيما قبل القامة فيما قبل القامة فيما يسع إحداهما واختاره التونسي. وقيل إن الظهر تشارك العصر في القامة الثانية بمقدار أربع ركعات قاله أشهب في مدونته نقله اللخمي عنه، وحكاه ابن بشير ولم يسم قائله وقال ابن حبيب لا اشتراك ونحوه حكى اللخمي عن عبد الملك وابن المواز وصوب ابن العربي قول ابن حبيب قالا تالله ما بينهما اشتراك وقد زلت في ذلك أقدام العلماء. وقال أبو محمد منكر القول ابن حبيب وليس بقول مالك وقيل بينهما فاصل يسير حكاه ابن رشد.
(وآخر الوقت أن يصير ظل كل شيء مثليه بعد ظل نصف النهار):
هذا أحد قولي مالك من رواية ابن عبد الحكم وبه قال ابن المواز وابن حبيب.
(وقيل إذا استقبلت الشمس بوجهك وأنت قائم غير منكس رأسك ولا مطأطئ له فإن نظرت إلى الشمس فقد دخل الوقت وإن لم ترها ببصرك فلم يدخل الوقت وإن نزلت عن بصرك فقد تمكن دخول الوقت):
أنكر ابن الفخار على الشيخ قوله هذا لأن الشمس تكون مرتفعة في الصيف ومنخفضة في الشتاء، قلت: وهذا الاعتراض لا يرد إلا على صاحب القول لا على الشيخ ولا يقال إن الاعتراض وارد على الشيخ أيضا لأن من نقل قولا ولم يمرضه دليل على أنه ارتضاه لأن تقدمة القول الأول عليه دليل على ضعفه عند الشيخ والله أعلم.
(والذي وصف مالك أن الوقت فيها ما لم تصفر الشمس):
هذا القول مروي عن مالك كما قال من رواية ابن القاسم إلا أن في كلام الشيخ عندي قصورا لأن كلامه يقتضي أن القول الأول باعتبار القامتين ليس هو عن مالك وليس كذلك بل هو عنه من رواية ابن عبد الحكم نص عليه في المختصر، وقال إسحاق بن راهويه وداود آخر وقتها أن يدرك المصلي منها ركعة وحجتها قول النبي ﷺ "من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر".
(ووقت المغرب وهي صلاة الشاهد يعني الحاضر يعني أن المسافر لا يقصرها
стр. 123
ويصليها كصلاة الحاضر فوقتها غروب الشمس فإذا توارت بالحجاب وجبت الصلاة لا تؤخر وليس لها إلا وقت واحد لا تؤخر عنه):
ما ذكر الشيخ أن لها اسمين المغرب وصلاة الشاهد، أما المغرب فلكونها تصلى عند الغروب وأما صلاة الشاهد فلما ذكر وهو أن المسافر يشهدها كما يشهدها الحاضر، ونقض الفاكهاني عليه بالصبح، وقال إنما تسمى بالشاهد لأن نجما يطلع عند الغروب يسمى بذلك فسميت المغرب به والذي علل به أولى مما قال الشيخ قال وقد رأيت للتونسي ما يدل على ذلك، قال الذي جاء في الحديث من أن الشاهد النجم أولى بالصواب. مما قال مالك ﵀ ولا يقال لها لعشاء فقد جاء في الحديث النهي عن ذلك، وقد قال في المدونة ونومه قدر ما بين العشاءين طويل فظاهره أنه يقال لها العشاء.
قال ابن هارون إلا أن يقال أنه من باب التغليب كالأبوين وفيه نظر لأنه مجاز والأصل عدمه وما ذكر أن وقتها غروب الشمس وقع الإجماع عليه والمراد غروب قرص الشمس دون شعاعها وأثرها وقد صرح به القاضي عبد الوهاب، وقد نقل ابن هارون عن بعضهم من حال بينه وبينها جبال من ناحية المغرب فيعتبر ابتداء الظلام من المشرق وما ذكر أن وقتها لا يمتد هو قول الأكثر، وقيل إن وقتها يمتد إلى مغيب الشفق أخذه ابن عبد البر وابن رشد واللخمي والمازري من قول الموطأ إذا غاب الشفق خرج وقت المغرب، ودخل وقت العشاء.
وأخذه بعض الشيوخ من المدونة من موضعين من قولها لا بأس أن يمر المسافر الميل ونحوه، ومن قولها إذا طمع من خرج من قرية إلى قرية وهو مسافر في المساء قبل
стр. 124
مغيب الشفق فإنه يؤخر المغرب إليه ورده المغربي بأنه قد تقرر أن للمسافر خصوصيات ليست للحاضر، قلت: ويرد بأن المنصوص في المذهب على أن المسافر يتيمم للظهر مثلا إذا خاف دخول الوقت من القامة الثانية فلو كانت المغرب لا يمتد وقتها لأمر بالتيمم لها حينئذ، والله أعلم. وإذا قلنا بعدم الامتداد فالمعتبر قدر الوضوء والأذان والإقامة وليس الثياب.
(ووقت صلاة العتمة وهي صلاة العشاء وهذا الاسم أولى بها غيبوبة الشفق والشفق الحمرة الباقية في المغرب من بقايا شعاع الشمس)
стр. 125
اختلف في تسميتها العتمة على ثلاثة أقوال: أحدها ما ذكر الشيخ ولا أعرفه لغيره وقيل يكره تسميتها بالعتمة وهو في سماع ابن القاسم، قال أكره تسميتها بالعتمة وأستحب تعليم الأهل والولد تسمية العشاء وأرجو سعة تكليم من لا يفهمها إلا بالعتمة وقيل يحرم تسميتها بالعتمة وهو ظاهر نقل ابن رشد عن كتاب ابن مزين من قال عتمة كتبت عليه سيئة.
(والشفق الحمرة إلى آخره):
ما ذكره الشيخ هو نقل الأكثر وقال ابن شعبان أكثر أجوبة مالك الحمرة فأخذ اللخمي وابن العربي منه أن أقل أجوبته البياض ورده المازري باحتمال إرادة رواية ابن القاسم أرجو أنه الحمرة والبياض أبين وهذا تردد وليس بجزم، قال عياض والقول بالبياض عندي أبين للخروج من خلاف أهل اللسان والفقه واحتج بعض الشيوخ للمشهور بوجهين أحدهما أن الغوارب ثلاثة أنوار: الشمس والشفقان والطوالع ثلاثة الفجران والشمس.
والحكم يتعلق بالوسط من الطوالع وكذلك يتعلق بالوسط من الغوارب الثاني أنه روي عن الخليل بن أحمد ﵁ أنه قال ارتقبت البياض أربعين صباحا فوجدته يبقى إلى آخر الليل وفي مختصر ما ليس في المختصر عنه إلى نصف الليل فلو رتب الحكم عليه للزم تأخير العشاء إلى نصف الليل أو آخره وما ذكر أن وقتها المختار ثلث الليل هو المشهور. وقال ابن حبيب النصف وبه قال ابن المواز بالأول قال الشافعي وبالثاني قال أبو حنيفة.
(والمبادرة بها أولى ولا بأس أن يؤخرها أهل المساجد قليلا لاجتماع الناس):
يعني أن المنفرد أول الوقت أفضل له وأما الجماعة فتأخيرها قليلا أحسن وما
стр. 126
ذكر من أن التأخير قليلا للجماعة هو قول مالك وهو أحد الأقوال الخمسة وقيل عنه إنها تؤخر إلى ثلث الليل وكلاهما حكاه ابن عبد البر، وقيل تقديمها أفضل وهي رواية العراقيين على أنه يمكن رد هذا القول لما قال الشيخ، وقال ابن حبيب تؤخر شيئا قليلا في الشتاء وفوقه في رمضان، وقال اللخمي تأخيرها أفضل إن تأخروا وتقديمها أفضل إن تقدموا وعزاه ابن عبد السلام لأكثر نصوص أهل المذهب وفيما قاله نظر.
(ويكره النوم قبلها والحديث لغير شغل بعدها):
ما ذكر من أن النوم قبلها مكروه هو سماع ابن القاسم قيل فبعد الصبح قال ما أعلمه حراما وظاهر كلام الشيخ أنه يكره ولو وكل من يوقظه وحديث الوادي يدل على جوازه، ويقوم من كلام الشيخ أنه يكره للرجل الخروج قبل دخول الوقت من منزله إلى مكان يحدث فيه مثلا على أميال دون ما إذا كان شك هل فيه ماء أم لا، وانظر إذا كان يتحقق أنه ليس فيه ماء هل يجب حمل الماء أو يستحب فقط لأن الطهارة لا تجب ولا بعد دخول الوقت فذلك استعداد الماء لها وشاهدت في حال صغرى فتوى شيخنا أبي محمد عبد الله الشبيبي رحمه الله تعالى بالأمر بذلك ولا أدري هل ذلك منه على طريق الوجوب أو على طريق الندب ونفسي أميل إلى الوجوب.
باب الأذان والإقامة
стр. 127
الأذان في اللغة الإعلام ومنه قوله تعالى: (فأذن مؤذن بينهم) [الأعراف: ٤٤]
ومنه قول الشاعر:
أذنت ببينها أسماء = ليت شعري متى يكون اللقاء
وحقيقته في الاصطلاح الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة المؤداة في الوقت وثمرته قصد الاجتماع لها وأن الدار دار إيمان وإظهار لشعائر الإسلام، واختلف هل يؤذن للفوائت أم لا على ثلاثة أقوال: فقيل لا يؤذن لها قاله أشهب وهو نقل الأكثر، وعلي العمل، وقيل يؤذن لأول الفوائت حكاه الأبهري رواية عن المذهب، واختار إن رجي اجتماع الناس لها أذن لها وإلا فلا وهذان القولان حكاهما عياض في الإكمال، وقول ابن عبد السلام: المذهب أنه لا يؤذن للفوائت والنظر يقتضي أنه مندوب إليه لحديث الوادي قصور لما تقدم وأما غير الفرائض، فلا يؤذن لها قال ابن عبد السلام: اتفاقًا.
وحكى زياد النداء للعيدين قلت: إن عنى بالنداء الأذان حقيقة فهو ينقض الاتفاق الذي ذكر وإن عنى به "الصلاة جامعة" مثلا فهما مسألتان فلا تناقض والذي تلقيناه عن شيوخنا أن مثل هذا اللفظ بدعة.
(الأذان واجب في المساجد والجماعات الراتبة):
أراد الفريضة وذهب بعض البغداديين إلى أنه سنة وفي الموطأ إنما يجب الأذان في مساجد الجماعات واختلف تأويل الشيوخ في معناه بالفرضية والسنية فحمله أبو محمد على الفرضية وحمله عبد الوهاب على السنية وكلا التأويلين ذكره ابن بشير، وحمل الفاكهاني قول الشيخ على السنة وهو بعيد لما ذكرنا من تأويله على الموطأ فتفسير قوله بقوله أولى والله أعلم.
والمراد بالفرض هنا فرض كفاية ولم يذهب أحد إلى أنه فرض عين، وقال ابن الحاجب: الأذان سنة وقيل فرض، وفي الموطأ إنما يجب الأذان في مساجد الجماعات وقيل فرض كفاية على كل بلد يقاتلون عليه لا يقال ظاهر يقتضي أن القول الثاني فرض عين ليكون مغايرا لما بعده لأن المغايرة حاصلة على غير هذا الوجه وذلك أن كلامه يدل على أنه أراد بقوله، وقيل فرض أي فرض كفاية على كل مسجد يدل عليه قول
стр. 128
الموطأ وما بعد كما صرح به فرض كفاية على كل بلد فاعمله والله أعلم وبهذا التفسير فسره ابن هارون ﵀.
(وأما الرجل في خاصة نفسه فإن أذن فحسن ولا بد له من الإقامة):
ما ذكر الشيخ أن المنفرد إن أذن فحسن مثله الجماعة الذين لا يدعون أحدا بأذانهم وهذا قول مالك ووقع له لا يؤذنون فحمله اللخمي والمازري على الخلاف ورده ابن بشير بحمل نهيه على نفي تأكده فليسوا كالأئمة في مساجد الجماعات، وإن أذنوا فهو ذكر والذكر لا ينهي عنه من أراده ولا سيما إذا كان من جنس المشروع، واستحب مالك وبن حبيب للفذ المسافر ولو بفلاة الأذان لما ورد فيه حكاه ابن عبد البر وقول ابن الحاجب وابن بشير استحبه المتأخرون للمسافر، وإن انفرد لحديث أبي سعيد وحديث ابن المسيب قصور ونبه علي بعض شيوخنا.
وحكى ابن عبد البر عن رواية أشهب إن تركه مسافر عمدًا أعاد صلاته فهذا يقتضي أنه فرض لكونه وحده فأشبه إذا تركه أهل مصر عمدا أن صلاتهم باطلة حسبما رواه الطبري عن مالك وتحمل رواية أشهب على الإعادة في الوقت. وقال ابن عبد السلام: وقع في ترك الأذان والإقامة الإعادة في الوقت.
(ولابد له من الإقامة):
قال التادلي: ظاهر كلامه يقتضي الوجوب كقول ابن كنانة أن من تركها عمدا بطلت صلاته، وإنما أراد الشيخ والله أعلم أن الإقامة في حقه سنة وعليه حمله عبد الوهاب، قلت: ما ذكر لابن كنانة نحوه، نقله ابن يونس عنه وعن عبد الملك وابن زياد نافع ووجهه بما يقتضي البطلان. وقال في المدونة ويستغفر الله العامد ووجهه غير واحد ممن أدركتهم أن تركه الإقامة عمدا مشعر بأنه فعل ذنبا ولم يشعر به فالاستغفار إنما هو لغير الإقامة وهذا وإن كان بعيدا فللضرورة يحسن والله أعلم.
وحكم الإقامة السنة في مشهور المذهب ومنصوصه، وقال مالك في المبسوط من دخل مسجدا فوجد أهله قد صلوا فأحب إلي إن يقيم قال اللخمي فجعلها فضيلة وقبله بعضهم، ويرد بالتبعية لأهل المسجد فلهذا جعلها مستحبة، وقال ابن هارون فيما قاله نظر لاحتمال أن يريد بقوله أحب إلى السنة. كقول ابن الحاجب يستحب لمن استيقظ من نومه غسل يديه والإقامة يطلب بها كل مصل فرض عين سواء كانت حاضرة أو فائتة، قال في المدونة وعلى من ذكر صلوات إقامة لكل صلاة قلت وخرج
стр. 129
بعض من لقيناه من رواية أبي الفرج يتيمم للفوائت تيممًا واحدًا وإقامة واحدة أن من عليه صلوات كثيرة أن يقيم لها إقامة واحدة وأجبته بيسر الإقامة لكونها قولية بخلاف التيمم لأنه فعلي والله أعلم.
(وأما المرأة فإن أقامت فحسن وإلا حرج):
ما ذكر من الإقامة للمرأة حسن هو نص المدونة، وفي ابن الجلاب عن ابن عبد الحكم روى في الطراز عدم استحسانها إذ لم يرو عن أزواج النبي ﷺ أنهن كن يقمن وأما الأذان لها فيمنع اتفاقا لأن صوتها عورة ولذا قيل:
والأذن تعشق قبل العين أحيانا
وإنما أجيز بيعها وشراؤها للضرورة واعترض أبو محمد صالح قول المدونة وليس عل المرأة أذان من حيث أنه إنما نفي الوجوب بقول علي فكلامه يدل على أن ذلك جائز وليس كذلك.
قال الفاكهاني: والحرج بفتح الحاء والراء وفيه لغة أخرى بكسر الحاء وإسكان الراء وهو التضييق.
(ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل):
ما ذكره هو قول ابن وهب وسحنون وهو المشهور وقيل يؤذن لها إذا خرج وقت العشاء المختار، وقيل إذا صليت العشاء قاله أبو بكر الوقار، فمنهم من أطلقه ومنهم من قيده بما قبله يليه، وقال صاحب الطراز يؤذن لها آخر الليل دون تحديد وإليه أشار في الموطأ، ونقل ابن هارون عن ابن عبدالحكم يؤذن لها عند الثلث الآخر من الليل فتحصل في وقت نداء الصبح خمسة أقوال، وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا ينادى لها إلا بعد دخول وقتها كغيرها. وظاهر كلام الشيخ أن الجمعة كغيرها وهو كذلك.
ونقل القرافي عن ابن حبيب أنه يؤذن لها قبل الزوال والاتفاق على أنها لا تصلى إلا بعد الزوال ومرض بعض شيوخنا نقله عن ابن حبيب بقوله لا أعرفه بل نقل أبو محمد عنه يؤذن للصبح وحدها قبل دخول الوقت، وقال ابن حارث اتفقوا على منعه قبل الوقت إلا الصبح.
(والأذان: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة فتكرر
стр. 130
التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح فإن كنت في نداء الصبح زدت ههنا الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، لا تقل ذلك في غير الصبح الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله مرة واحدة).
اختلف المذهب هل يرفع المؤذن صوته بالتكبير ابتداء أم لا والمشهور الرفع وذكر بعضهم أن مذهب مالك ليس إلا الإخفاء وهي إحدى المسائل التي خالف فيها الأندلسيون مذهب مالك، وكلام الشيخ يحتمل القولين وذلك أن قوله ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة يحتمل عوده على التكبير، ويحتمل عوده على التشهدين وكذلك اختلف الشيوخ في معنى المدونة فحملها اللخمي على القول الأول، وحملها أبو عمران على القول الثاني.
واحتج بما في رواية ابن وهب وسماع أشهب عن مالك أنه يخفض صوته بالتكبير والتشهد وظاهر كلام الشيخ أن الترجيع لا بد منه ولو كثر المؤذنون، وهو كذلك عن مالك إذا كثروا فيرجع الأول خاصة وما ذكر من تكرير الصلاة خير من النوم هو نص المدونة، وقل مرة واحدة قاله ابن وهب في أحد قوليه وظاهر كلام الشيخ أنه يقول الصلاة خير من النوم ولو لم يكن ثم واحد وهو كذلك.
وروى ابن شعبان: من تنحى في ضيعته عن الناس أرجو أن يكون من تركها في سعة حكاه اللخمي عنه قلت: والأقرب هو الأول إذ يلزمه ذلك الأذان أجمع إذا قلنا إن أصل مشروعيتها عن النبي ﷺ لا عن عمر.
وشروط المؤذن الإسلام والذكورية والعقل فلا يعتد بأذان كافر ولا مجنون ولا امرأة قاله غير واحد كابن الحاجب.
قال الفاكهاني: ويكون أذانه إسلاما له قلت إذا كان كذلك فلم لا يجزئ لكونه مسلما، وقد قال في المدونة إذا أجمع على الإسلام بقلبه واغتسل أجزأه.
واختلف في جواز أذانه إسلاما له قلت إذا كان كذلك فلم لا يجزئ لكونه مسلما، وقد قال في المدونة إذا أجمع على الإسلام بقلبه واغتسل أجزأه.
واختلف في جواز أذان الصبي على أربعة أقوال: فقيل: لا يؤذن قاله في التهذيب، ونصه، لا يؤذن إلا من احتلم زاد في المدونة لأن المؤذن إمام ولا يكون من لم يحتلم إماما، قال ابن أبي زمنين لأن الناس يقتدون به في أوقات الصلاة؛ ولذلك كانوا يختارون للأذان أهل الصلاح والمعرفة، وقيل يؤذن رواه أبو الفرج وقيل كذلك إن لم يوجد غيره رواه أشهب، وقيل إن كان ضابطا تابعا لبالغ فإنه يؤذن وإلا فلا، قاله
стр. 131
اللخمي.
واختلف في أذان الجنب خارج المسجد، فقال ابن القاسم لا يؤذن وحمله اللخمي على الكراهة وقال سحنون وابن نافع بل يؤذن، قلت: وبه كان شيخنا أبو محمد الشبيبي رحمه الله تعالى يفتي إلى أن مات وهو الأقرب عندي لأنه ذكر كما لا يمنع من الأذكار اتفاقا غير القرآن فكذلك الأذان والله أعلم.
وحكاية المؤذن مستحبة وأطلق ابن زرقون عليها الوجوب وهو غريب وفروع الحكاية كثيرة ولولا الإطالة لذكرتها.
(والإقامة وتر: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله مرة واحدة):
قال المازري: اختلف إذا شفع الإقامة غلط فقال بعض أصحابنا يجزئ والمشهور لا يجزئ، قلت: وعن ابن يونس الأول لأصبغ ولهذه المسألة نظائر منها من غسل رأسه في وضوئه بدلا من مسحه ومن قطع جميع الرأس في الذبح ومن بجبهته قروح فكان فرضه الإيماء وسجد على أنفه وليست مثلها أي المسألة من وجبت عليها شاة فأخرج عنها بعير وإن كان فيها خلاف لعدم المجانسة والله أعلم.
ولو أراد أن يؤذن فأقام فإنه لا يجزئ باتفاق وإذا قطعت الصلاة لذكر نجاسة فإنه يعيد الإقامة قاله في المدونة فمنهم من أطلقها ومنهم من قيدها بما إذا بعد أما مع القرب فلا، وأما إذا أقيمت لمعين فلم يمكن فهل تعاد أم لا؟ اختلف في ذلك على قولين لابن العربي وغيره ولا بأس أن يقيم خارج المسجد للإسماع، وروى علي بن زياد وإن كان على المنار أو على ظهر المسجد وإن كان يخص رجلا بالإسماع فداخل المسجد أحب إلي.
باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وما يتصل بها من النوافل والسنن
لما فرغ ﵀ من الأذان والإقامة لم يبق إلا التكلم على كيفية الصلاة، واعلم أن لها شروطا وفرائض وسننا وفضائل، فالشروط طهارة الخبث والحدث وستر العورة
стр. 132
واستقبال القبلة، وترك الكلام وترك الأفعال الكثيرة، وقال ابن عبد السلام: عد الأخيرين في الشروط فيه نظر لأن ما هو مطلوب الترك إنما يعد من الموانع.
قال ابن الحاجب: والفرائض تكبيرة الإحرام والفاتحة والقيام لها والركوع والرفع والسجود والرفع والاعتدال والطمأنينة على الأصح والجلوس للتسليم، والسنن سورة مع الفاتحة في الأوليين والقيام لها والجهر والإسرار والتكبير، وسمع الله لمن حمده، والجلوس الأول وتشهده والزائد على قدر الاعتدال والتسليم من الثاني وتشهده والصلاة على سيدنا محمد ﷺ على الأصح والفضائل ما سواها. قلت: وقوله سورة مع الفاتحة في الأوليين فيه مسامحة لأن كلامه يقتضي أنها ليست بسنة حيث لا أخيرتين كالصبح ولهذا بينه بعد قوله والصبح والجمعة.
(والإحرام في الصلاة أن تقول الله أكبر لا يجزئ غير هذه الكلمة)
معنى الإحرام في الصلاة الدخول في حرمها لأنه إذا أحرم حرم عليه كل ما هو
стр. 133
مباح له قبل التلبس بها ومعنى الله أكبر عند بعضهم الله أكبر من كل شيء، قال عياض وأباه آخرون قائلين إنما المراد الكبير قال تعالى: (هو أهون عليه) [الروم: ٢٧]
أي هين، قال المازري في شرحه: حكى بعض أصحابنا البغداديين أن تكبيرة الإحرام ركن لا شرط، وقال أبو حنيفة: شرط وقال في تعلقة الجوزقي حكى الشيخ عبد الحميد الصائغ قولين في كون الإحرام والسلام من نفس الصلاة أم لا؟ فظاهره أن الخلاف مذهبي واتفق أهل المذهب على أن غير الله أكبر لا يجزئ ولو كان اللفظ مجانسا كما إذا قال الله أكبر، ويقوم منه أن من أبدل سمع الله لمن حمده بربنا ولك الحمد في ثلاث ركعات فأكثر فإن صلاته باطلة.
ووجه الإقامة هنا أنهم أطبقوا أن المجانسة لا اعتبار بها في قولهم لا يجزئ الله أكبر فيلزم اطراده وبهذا كان شيخنا أبو محمد الشبيبي ﵀ يفتي ويوجه فتواه بأن المستحب لا يقوم مقام السنة، وكان بعض شيوخنا يفتي بالصحة ويحتج بأن المحل لم
стр. 134
يخل من ذكر مجانس، وقد قال ابن بشير كل سنة في الوضوء لم يعر موضعها عن فعل فإنها إذا تركت لا تعاد كمن ترك غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء والاستثنار ورد اليدين في مسح الرأس ولا خلاف أن الأخرس تكفيه النية.
واختلف في العاجز لعجمته على ثلاثة أقوال: فقال الأبهري: يدخل بنية وقال أبو الفرج: يدخل بالحرف الذي دخل به الإسلام وقيل: يترجم عنه بلغته قاله بعض شيوخ القاضي عبد الوهاب قال في المدونة: وينتظر الإمام به قدر تسوية الصفوف، ونقل ابن عبد السلام عن ابن عبد البر أنه مخير في الانتظار والإحرام عند قد قامت الصلاة ووهمه بعض شيوخنا بأنه إنما حكاه عن أحمد بن حنبل لا غير.
(وترفع يديك حذو منكبيك أو دون ذلك):
اختلف في حكم رفع اليدين على ثلاثة أقوال: فقيل: فضيل وهو نقل الأكثر وقيل: سنة حكاه ابن يونس وروى ابن القاسم عن مالك أنه لا يرفع حكاه ابن شعبان وفي ثاني حج المدونة تضعيفه. واختلف في منتهى الرفع فروى أشهب حذو صدره وقيل إلى المنكبين وهوالمشهور والمدونة محتملة لهما في قولها يرفع شيئا قليلا وقطع ابن رشد بأن الأول وهو ظاهرها وهذان القولان هما اللذان أراد الشيخ بقوله وترفع يديك حذو منكبيك أو دون ذلك، وقال عياض: جمع بعض مشايخنا بين روايات الحديث وقول مالك يجعلهما مقابلة أعلى صدره وكفاه حذو منكبيه، وأطراف أصابعه حذو أذنيه.
قلت: قال بعض من لقيناه وفي هذا القول مسامحة؛ لأن اليد لا تطول لذلك وإنما المراد على طريق المقاربة، ولذلك عده غير واحد خلافا كابن الحاجب وليس كما قال والعيان والحس يشهدان بحقيقته وظاهر كلام الشيخ أن الرفع مما يختص بتكبيرة الإحرام، وهو كذلك في مشهور المذهب وروى ابن عبد الحكم يرفع في رفع الركوع أيضًا.
وقال ابن وهب: وعند الركوع وعنه إذا قام من اثنين وروى ابن خويز منداد يرفع في كل خفض ورفع حكاه ابن عبد البر في المحصول لحاصل خمسة أقوال: وحكمة الرفع إما لنبذ الدنيا وراءه ظهره وإما لإتيان المنافقين بأصنامهم، وإما علم على التكبير ليرى ذلك من قرب ومن بعد وإما لإتمام القيام إلى غير ذلك، وفي صفة رفعه قولان أحدهما أنه يبسط يديه ويجعل ظهورهما مما يلي السماء وبطونهما مما يلي الأرض وهذه صفة الراهب. والثاني: أنه يرفعهما منبسطتين فيجعل بطون أصابعهما مما يلي السماء
стр. 135
وهذه صفة النابذ للدنيا وراء ظهره، واستحب بعض الشيوخ هذه الصفة لأنه يمكن بها الجمع بين الأحاديث الواردة في منتهى الرفع.
(ثم تقرأ):
مثل هذا اللفظ في المدونة وفيه مسامحة من حيث أن ثم تقتضي المهلة ولقد أحسن ابن الحاجب في قوله الفاتحة إثر التكبير ولا يتربص إلا أن قوله ولا يتربص كالمستغني، عنه والجواب عن الشيخ أنه إنما قصد بذلك مقتضى العطف باتفاق وهذا معلوم من مذهبه في تكلمه على صفة الصلاة، واختلف المذهب في قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" بني التكبير والفاتحة على ثلاثة أقوال: فقيل يكراهة ذلك وهو المشهور ونص عليه في المدونة، وقيل إنه جائز رواه ابن شعبان عن مالك أنه كان يقوله مع سماع ابن القاسم لا بأس بقوله إذا كبر: "سبحانك اللهم وبحمدك" وقيل إنه مستحب حكاه ابن رشد عن رواية النسائي.
وخرج اللخمي عليه: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد" وصوبه، لثبوته عن النبي ﷺ .
(فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن لا تستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها):
اختلف في حكم الجهر على ثلاثة أقوال: فقيل سنة وهو المنصوص وروي عن مالك أنه لا سجود في تركه، وقال ابن القاسم تبطل الصلاة بتركه عمدا فأخذ الباجي من الرواية الفضيلة، ومن قول ابن القاسم الفرضية قلت ورد باحتمال كون البطلان لترك السنة عمدا، ومذهبنا تعيين أم القرآن لاي قوم غيرها مقامها وقال أبو حنيفة لا تتعين ومن تركها في ركعة أو في أكثر فيأتي الكلام عليه حيث يتكلم الشيخ عليه إن شاء الله تعالى.
وما ذكر الشيخ أن البطلان مسألة غير مشروعة هو قول مالك وهو المشهور عنه وقيل إنها مستحبة قاله ابن مسملة وقيل إنها واجبة قاله ابن نافع، وقيل إنها مباحة قاله مالك في المبسوط الأربعة حكاها ابن عات، وهذا بالنسبة إلى الفرض، وأما النفل فقال ابن رشد في ذلك روايتان يقرؤها ولا يقرؤها، وقال عياض من رواية ابن نافع لا تترك بحال قلت: وقول المدونة يقتضي الإباحة ونصها وله أن يتعوذ ويبسمل في النافلة
стр. 136
قال الفاكهاني: وفي ظني أن في قراءة سورة الوتر خلافا هل يفصل بينهما ببسملة أم لا وأظنه في النوادر.
(فإذا قلت (ولا الضالين) [الفاتحة: ٧]
فقيل آمين إن كنت وحدك أو خلف إمام وتخفيها):
اعلم أن حكم التأمين الاستحباب وقال ابن عبد السلام: الأقرب أن يبعد في السنن.
قلت وقول التادلي هو سنة للمأموم وفضيلة للإمام والفذ لا أعرفه وقصور منه في حفظه المذهب إذ المذهب الاستحباب مطلقا، وبعد كتبي ما ذكر وقفت على ما قال لابن رشد في المقدمات وقبله خليل ولغات أربع: المد، والقصر مع تخفيف الميم، والوجهان مع شدها ولا خلاف أن الفذ يقولها، وكذلك المأموم إذا كان يقرأ أو يسمع صوت الإمام في الجهر، وأما إن كان بعيدا بحيث لا يسمع فقيل يتحرى فراغ الإمام، ويؤمن قاله ابن عبدوس ولقمان.
وقيل لا يتحرى وقيل هو بالخيار قاله في سماع ابن نافع وصوب ابن رشد الثاني بقوله: المصلي ممنوع من الكلام والتأمين كلام أبيح له في موضعه فإذا تحراه قد يضعه في غير موضعه، ورأى بعض شيوخنا أن قوله والتامين كلام أبيح له يقتضي أن التأمين عنده مباح فناقضه بقوله في المقدمات لا فرق بينه وبين سائر المستحبات إلا أنه آكد فضلا، قلت لم يرد الشيخ ما صرح به عنه وإنما أراد التأمين مشروع عند قول الإمام (ولا الضالين) [الفاتحة:٧]
فإذا تحراه المأموم البعيد فقد يضعه في غير محله، ففي كلامه مسامحة فقط، ولم يرد ما قال والله أعلم، وظاهر كلام الشيخ أنه يقولها خفية ولو كانت الصلاة جهرية وهو كذلك، وقيل يجهر الإمام في الجهر ليقتدي به وقيل فيه أنه مخير.
(ولا يقولها الإمام فيما جهر فيه، ويقولها فيما أسر فيه وفي قو له إياها في الجهر اختلاف):
تحصيل ما ذكر أنه إذا أسر يؤمن اتفاقا وفي الجهر خلاف على أن في كلامه ﵀ قلقا والقول بالتأمين رواه المدنيون عن مالك، والقول بعدمه رواه المصريون عنه. وفي المسألة قول ثالث بالتخيير قاله ابن بكير.
(ثم تقرأ سورة من طوال المفصل وإن كانت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس
стр. 137
اختلف في حكم السورة على ثلاثة أقوال: فقيل سنة وهو المنصوص، وقيل فضيلة أخذه اللخمي من قول مالك وأشهب لا يسجد لتركها سهوا، ورده ابن بشير باحتمال قصر السجود على ما ورد ولم يرد فيها وأجابه ابن هارون، بأن أصل مذهب مالك أن السجود لا يقتصر فيه على ما ورد قال ولا نعلم فيه خلافا، ولو لزم ذلك لزم ترك السجود في جل مسائل السهو.
وقيل إنها فرض أخذه اللخمي أيضا من قول عيسى بن دينار: من تركها عمدا بطلت صلاته.
ورده المازري باحتمال أن يكون البطلان لترك السنة عمدا وليست بكمالها سنة، وإنما مطلق الزيادة على أم القرآن هو السنة وتكميلها فضيلة، وما ذكرناه من حكمها إنما هو بالنسبة إلى الفرض، وأما قراءتها في النفل فقال ابن رشد هي مستحبة لسماع ابن القاسم لا سجود لتركها في الوتر، ونقل الشيخ في نوادره عن رواية ابن عبد الحكم أنه لا بأس في النفل بأم القرآن فقط.
ونقل ابن عبد السلام من كتاب ابن شعبان يقرأ في تحية المسجد بأم القرآن فقط وهو المشهور في ركعتي الفجر ولا يقرأ ببعض سورة قاله في المختصر.
وروى الواقدي: لا بأس بمثل آية الدين وقال عياض: المشهور كمالها وظاهر كلام الشيخ كقول ابن حبيب يقرا في الصبح والظهر من البقرة إلى عبس، وقال الفاكهاني: إنما أراد الشيخ بقوله أطول ما يقارب طوال المفصل لا أنه يقرأ البقرة ونحوها لأنه لا يبقى معه التغليس في الغالب.
قال التادلي: واختلف إذا افتتح سورة طويلة ثم بدا له عنها فقيل يلزمه تمامها وقيل لا وقيل إن نذرها لزمه وإلا فلا قلت: وما ذكره لا أعرفه نصا والذي تلقيته عن غير واحد من الشيوخ إجراء ذلك على من افتتح نافلة قائما ثم شاء الجلوس.
стр. 138
(فإذا تمت السورة كبرت في انحطاطك إلى الركوع فتمكن يديك من ركبتيك وتسوي ظهرك مستويا ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه وتجافي بضبعيك عن جنبيك وتعتقد الخضوع بذلك في ركوع وسجودك)
стр. 139
الركوع في اللغة الانحناء وفي الشرع ما قال الشيخ، ووضع اليدين على الركبتين مستحب فإن لم يضعهما عليهما فصلاته مجزئة نقله ابن يونس عن مالك في المجموعة ولم يحك غيره وظاهر المدونة وجوب ذلك ونصها: وإذا مكن يديه من ركبتيه في الركوع وإن لم يسبح وأمكن جبهته وأنفه من الأرض في السجود فقد تم ذلك إذا تمكن مطمئنا. قال ابن عبد السلام: وانظر إن نكس رأسه إلى الأرض هل يجزئه عند من يوجب الطمأنينة أم لا؟ قلت الصواب أنه يجزئه لأن الطمأنينة تحصل مع ذلك وانحناؤه لا يضر لأنه أتى بالمطلوب وزيادة ومجافاة الضبعين مستحبة اتفاقا.
(ولا تدع في ركوعك وقل إن شئت سبحان ربي العظيم وبحمده وليس في ذلك توقيت قول ولا حد في الليث):
стр. 140
اعلم أن هذا أحد الأمكنة التي يكره الدعاء فيها وثانيها بعد الإحرام وثالثها بعد الجلوس، وقبل التشهد وهذه ذكرها عبد الحق في نكته، وزاد ابن الطلاع وبعد سلام الإمام وقبل سلام المأموم وزاد غيرهما وبعد التشهد الأول.
(ثم ترفع رأسك وأنت قائل سمع الله لمن حمده، ثم تقول اللهم ربنا ولك الحمد إلى آخره):
اختلف المذهب في الرفع من الركوع فقيل فرض وهو نقل الأكثر وقيل سنة حكاه ابن رشد وأ جرى عليهما قول مالك في عقد الركعة هل هو الركوع، أو رفع الرأس منه وحكم سمع الله لمن حمده السنة اتفاقا، وهل مجموعة في الصلاة سنة واحدة أو كل تسميعة سنة يجري عندي على الخلاف في التكبير حسبما حكاه ابن رشد وحكم ربنا ولك الحمد الفضيلة باتفاق، وما ذكر الشيخ أن الفذ يجمع بينهما هو كذلك باتفاق، وكذلك حكم الإمام في القول الشاذ والمشهور يقول سمع الله لمن حمده فقط.
وما ذكر أن المأموم يقول ربنا ولك الحمد فقط هو المشهور، وقال عيسى إنه يجمع بينهما كالفذ ومثله لابن نافع حكاه الباجي عنهما ومثله نقل المازري وغلطهما عياض في الإكمال فانظره، وروى ابن القاسم ولك الحمد بإثبات الواو كما قال الشيخ وروى ابن وهب لك بإسقاط الواو وما ذكر من إثبات اللهم هو نص المدونة وغيرها وقيل بإسقاطها قاله ابن حارث ومثله في المعلم والإكمال وغيرهما.
(وتستوي قائتما مطمئنا مترسلا):
المطلوب كمال الرفع كما قال الشيخ واختلف إذا رفع ولم يعتدل فقال ابن القاسم يجزئه ويستغفر الله وقال أشهب لا يجزئه وهو قول ابن القصار وابن الجلاب وابن عبد البر، وبه أفتى كل من قرأت عليه وقيل إن قارب الاعتدال أجزأه وإلا فلا قاله القاضي عبد الوهاب وغيره.
واختلف في الطمأنينة فقيل فرض سنة ومعنى قول الشيخ مترسلا أي ساكنا قاله في مختصر العين.
(ثم تهوي ساجدا لا تجلس ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض):
حقيقة السجود ما ذكر الشيخ وهو تمكين الجبهة والأنف من الأرض، ولا
стр. 141
يشترط تمكين الجبهة كلها بل بعضها كاف صرح بذلك ابن عبد السلام، فإن قلت ما نسبته لابن عبد السلام أليس أنه مأخوذ من المدونة قال فيها ومن صلى على كور العمامة كرهته ولا يعيد وأحب إلي أن يرفع عن بعض جبهته حتى يمس الأرض بذلك، قلت: ليس كذلك لأنه سجد ببعض جبهته على العمامة فهو قد مكن جميع جبهته بعضها مباشرة وبعضها بحائل.
واختلف إذا ترك السجود على الجبهة والأنف على أربعة أقوال: فقال ابن حبيب يعيد أبدا وقيل لا إعادة عليه حكاه ابن الحاجب وقيل إن سجد على الجبهة صحت صلاته وعلى الأنف يعيد أبدا قاله في المدونة وقيل إن سجد على الأنف يعيد في الوقت خاصة حكاه أبو الفرج عن ابن القاسم قال في المدونة ومن بجبهته قروح أومأ ولم يسجد على أنفه، ونص أشهب على أنه سجد عليه أجزأه وألزم الخمي على قول ابن حبيب السابق أنه يسجد عليه وجوبا.
واختلف هل قول أشهب وفاق أم لا؟ فذهب ابن يونس وشيخه عتيق إلى أنه وفاق وقال ابن القصار هو خلاف وإليه ذهب بعض شيوخ ابن يونس فإن سجد على كور عمامته ففي المدونة تكره وتصح، وقال ابن عبد الحكم: وابن حبيب إن كانت يسيرة كالطاقة وإن كانت كثيرة أعاد في الوقت إن مس بأنفه الأرض ذكره الباجي رواية لابن حبيب فحمل التونسي قول ابن حبيب على الوفاق وظاهر كلام المازري أنه خلاف.
وقال التادلي: اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: ثالثها إن عظمت أعاد أبدا فكلامه يدل على أن في المذهب قولا بالبطلان مطلقا ولا أعرفه.
(وتباشر بكفيك الأرض بسطا يديك مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك وذلك واسع غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض ولا تضم عضديك إلى جنبيك ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا):
مباشرة الأرض بالكفين مستحبة ومثله مباشرة الأرض بالوجه وفي غيرها مخير واختلف أين يضع يديه على أربعة أقوال: فقيل لا تحديد في ذلك قاله في المدونة وقيل حذو منكبيه نقله صاحب الطراز عن ابن مسلمة وقيل حذو أذنيه قاله ابن مسلم أيضًا، واختاره اللخمي وقيل حذو صدره قاله ابن شعبان، وقول الشيخ حذو أذنيك أو دون ذلك أراد بذلك الإخبار أن في المسألة قولين إلا أن قوله أو دون ذلك يحتمل
стр. 142
المنكبين أو الصدر وهو الأقرب والله أعلم، وأشار بقوله وذلك واسع إلى عدم فرضية ما ذكر على أنه يحتمل وكأنه الأقرب أن إشارته إنما هي إلى التوسعة بعدم التحديد كما قال في المدونة.
(وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الأرض):
قال ابن القصار والسجود على الركبتين وأطراف القدمين سنة فيما يقوى في نفسي وظاهر كلام اللخمي وغيره أن ذلك واجب، وقول ابن العربي أجمعوا على وجوب السجود على السبعة الأعضاء قصور، وقال ابن الحاجب: أما الركبتان وأطراف القدمين فسنة فيما يظهر، وقيل واجب، فظاهره أن القول الأول لم يسبقه إليه غيره وليس كذلك بل هو كلام ابن القصار.
(وتقول إن شئت في سجودك سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءًا فاغفر لي أو غير ذلك إن شئت وتدعو في السجود إن شئت وليس لذلك وقت وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا):
حكم الدعاء في السجود الفضيلة، وقال يحيى بن يحيى وعيسى بن دينار من لم يذكر الله في ركوعه ولا في سجودة أعاد صلاته أبدا، قال عياض فتأوله القاضي التميمي لتركه الطمأنينة الواجبة، وتأوله ابن رشد لتعمده تركه حتى التكبير كتعمد ترك السنة قال في البيان إنما قالاه استحبابا لا وجوبا، والمطلوب أن يجمع في دعائه بين مصالح دينه ودنياه قال في المدونة ولا بأس بالدعاء على الظالم.
قلت: وأفتى بعض شيوخه غير ما مرة بأن يدعي على المسلم العاصي بالممات على غير الإسلام، واحتج بدعاء موسى ﵊ بذلك على فرعون، فقال ﵎ حاكيا عنه (ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم) [يونس: ٨٨]
والصواب عندي أنه لا يجوز وليس في الآية دليل لأنه فرق بين الكافر الميئوس منه، كفرعون وبين المسلم العاصي المقطوع له بالجنة إما أولا، وإما ثانيا. وقد قال عياض في إكماله في قوله ﵇ "لعن الله السارق" وهو حجة في لعن من لم يسم.
وكذلك ترجم عليه البخاري لأنه لعن للجنس لا المعين ولعن الجنس جائز لأن
стр. 143
الله تعالى قد أوعدهم وينفذ الوعيد على من يشاء منهم وإنما يكره، وينهى عن لعن المعين والدعاء عليه بالإبعاد من رحمة الله وهو من معنى اللعن وقد ذهب بعض المتكلمين على معاني الحدي أن اللعن جائز على أهل المعاصي، وإن كان معينا ما لم يحد لأن الحدود كفارات لأهلها، وهذا الكلام غير سديد ولا صحيح لنهيه ﵊ عن اللعن في الجملة وحمله على المعين أولى ليجمع بين الأحاديث.
واختلف إن قال يا فلان فعل الله بك كذا وكذا فقال ابن شعبان صلاته باطلة والمذهب على خلافه قال ابن العربي في القبس: اختلفت الصوفية هل الدعاء أفضل من الذكر المجرد أم العكس؟ فقيل بالأول لقوله تعالى: (ادعوني استجب لكم) [غافر: ٦٠]
ولأن الدعاء المأثور عنه ﵊ أكثر من الذكر المأثور ومنهم من قال بالثاني لقوله ﵊ حاكيا عن الله : "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين".
(ثم ترفع رأسك بالتكبير فتجلس فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين وتنصب اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض):
اعلم أن الرفع من السجود فرض بلا خلاف وفي الاعتدال والطمأنينة خلاف قال ابن الحاجب: والرفع منه، والاعتدال والطمأنينة كالركوع وتعقبه ابن دقيق العيد بأن ظاهره يقتضي أن فيه خلافا لقوله كالركوع وهو ممتنع لتوقف الثالثة عليه، وأجيب عنه بأنه إنما قصد إلى ثبوت أصل الطلب في الرفع من السجود كما هو في الرفع من الركوع، ولم يقصد أن الرفع من السجود مختلف فيه كما اختلف في الرفع من الركوع.
قال ابن عبد السلام: وفي هذا الجواب نظر لأنه بتقدير صحته يكون كلام المؤلف قاصرا في عدم التعرض للخلاف الذي في الاعتدال والطمأنينة في الرفع من السجود، وبالجملة فإن قصد المؤلف حقيقة التشبيه لزم الإشكال المذكور وإن قصد ما قال هذا المجيب لزم قصور كلامه من حيث إنه لم يتعرض للخلاف الذي في الاعتدال والطمأنينة.
قلت هذا كله لا يحتاج إليه وليس في كلامه ما يدل على خلاف السنة؛ لأن قوله الرفع منه هو آخر الكلام لكونه ترجمة؛ ولأنه قال أحد الفرائض السابقة الرفع منه، ثم استأنف التفريع في مسائلة فقال: والاعتدال في الطمأنينة كالركوع أي اختلف فيها كالركوع، ومثل هذا لابن هارون رحمه الله تعالى، ومن علم طريقة ابن الحاجب في هذا
стр. 144
الفصل فقد علم ما قلناه، وإن سلمنا أن الأمر كما قالوا فابن الحاجب لم يحك خلافا في الرفع من الركوع هل هو فرض ابتداء أم لا نعم حكي بعد الوقوع خلافا، وهنا فرض ذلك متعذر فهو أراد التشبيه في الحكم ابتداء، وذلك صحيح وهو الفرضية بلا خلاف.
(وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا):
أما وضعهما على الركبتين فلا خلاف أن ذلك مستحب وأما رفعهما عن الأرض فقال سحنون اختلف أصحابنا إذا لم يرفعهما، فقال بعضهم بالإجزاء وقال بعضهم بعدمه، قلت: وبه أدركت جماعة ممن لقيت يفتون، وقد أخبرت أن بعض متأخري إفريقية كان يفتي بالبطلان إذا لم يرفعهما معا وبالصحة إذا رفع واحدة.
(ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك لا ترجع جالسا لتقوم من جلوس ولكن كما ذكرت لك وتكبر في حال قيامك):
ما ذكر أنه يعتمد على يديه يريد على طريق الاستحباب وهو قول مالك وخفف تركه في المدونة، قال فيها فإن شاء اعتمد على يديه في القيام أو ترك فظاهره الإباحة وروى عن مالك يكره ترك اعتماده وما ذكر الشيخ أنه لا يرجع للجلوس هو المشهور واستحب ابن العربي أن يجلس لثبوته عنه علي السلام، وبه قال الشافعي.
قال ابن عبد السلام: وهو المختار وعلى الأول فإن رجع جالسا عمدا فلا سجود والصلاة مجزئة باتفاق مراعاة للخلاف وإن رجع ساهيا ففي السجود قولان.
(ثم تقرأ كما قرأت في الأولى أو دون ذلك وتفعل مثل ذلك سواء):
اعلم أن المذهب اختلف في قراءة الثانية فقال في المختصر لا بأس بطول قراءة ثانية الفريضة على الأولى وفي الواضحة الاستحباب وعكسه، فجعلها المازري قولين وجهل ابن العربي من لم يطل الأولى على الثانية. قلت: فقول الشيخ كما فرأت في الأولى أو دون ذلك إن أراد المسألة ذات قولين كعادته فالقول الأول من قوليه خلاف ما تقدم ولا أعرفه.
(غير أنك تقنت بعد الركوع وإن شئت قنت قبل الركوع بعد تمام القراءة):
اختلف في حكم القنوت والمشهور من المذهب أن ذلك فضيلة وقيل سنة قاله ابن سحنون وعلي بن زياد، وهو ظاهر السليمانية يسجد لسهوه وهو مذهب المدونة، قال فيها عن ابن مسعود: القنوت في الفجر سنة ماضية والأصل الحقيقة وإتيان سحنون بذلك يدل على ارتضائه له وقال يحيى بن يحيى لا يقنت وإنما قال ذلك لما في الموطأ
стр. 145
كان ابن عمر لا يقنت.
قال بعض الشيوخ: واستمر العمل بذلك في مسجد يحيى بعد موته، وإذا قلنا بأنه فضيلة فلا سجود له كسائر الفضائل فإن سجد له بطلت صلاته قاله أشهب حكاه ابن رشد ومثله للطليطي، وإذا قلنا بالسنة فنص علي بن زياد على أنه إن لم يسجد بطلت، وهو قائل بذلك في كل سنة، وقال بعض المتأخرين: من أراد أن يخرج من الخلاف فليسجد بعد السلام وبه أفتى بعض من لقيته غير ما مرة ونص ابن الحاجب على أنه لا بأس برفع يديه في دعاء القنوت.
قلت وظاهر المدونة خلافه قال فيها: ولا يرفع يديه إلا في الافتتاح شيئا خفيفا والمشهور أنه لا يكبر له قبل، وروى علي أن مالكا كبر حين قنت، واختلف ما الأفضل في محله فقيل قبل الركوع أفضل.
وقال ابن حبيب: بعده أفضل وهو ظاهر كلام الشيخ، وفي المدونة والقنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع والذي أخذ به مالك في خاصته قبل.
(والقنوت اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد):
ما ذكره مثله في المدونة عن النبي ﷺ ، وذكر القاضي عبد الوهاب في تلقينه هذا الدعاء من أوله إلى نحفد وزاد اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، ولا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت.
قال ابن عبد السلام: واختار ابن شعبان الجمع بينهما مع زيادة الدعاء على الكفار والدعاء للمسلمين، ومعنى نستعينك أي نطلب منك العون، ونستغفرك: أي نطلب منك المغفرة، ونؤمن بك: أي نصدق بوجودك ونخنع أي نخضع، ونخلع: أي ربقة الكفر من أعناقنا، ونترك من يكفرك: أي لا نحب دينه ولا يعترض على هذا بإباحة نكاح الكتابية لكوننا إذا تزوجناها ملنا إليها لأن النكاح في باب المعاملات، والمراد هنا كما تقدم إنما هو بعض الدين وحكاية البهلول بن راشد المذكور في المدارك وغيرها، إنما خرج ذلك منه على طريق الورع ولولا الإطالة لذكرناها وتقديم المفعول في قوله إياك نعبد إشارة للحصر أي لا نعبد إلا إياك، وعطف السجود على الصلاة لأنه مخها ومعنى نحفد أي نخدم بسرعة وقوله نرجو رحمتك، ونخاف عذابك
следующие страницы →