← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

اختلف المذهب في حكم سجود القرآن فقيل سنة قاله الأكثر وأخذه ابن محرز من قول المدونة يسجدها من قرأها بعد العصر والصبح ما لم تصفر أو تسفر كالجنازة، فإن قلت هذه إقامة ضعيفة لأن صلاة الجنازة قد قيل فيها إنها قضية حسبما رواه ابن عيشون فقد قال إنما يقوم منها الفضيلة. قلت المعلوم من المذهب في حكمها إما السنة وإما الفريضة على الكفاية والقول بالفضيلة لم ينقله إلا ابن زرقون، وقيل أن سجود القرآن فضيلة قاله عبد الوهاب وابن الكاتب وأخذه من قول المدونة يستحب أن لا يدعها في أثناء صلاته، واختار ابن عبد السلام القول بالسنة لفعله ﵊ مداوما مظهرا، وذهب أبو حنيفة إلى الوجوب، ورده ابن يونس بقول عمر أن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. قلت: وهو ضعيف لأن الكتب هو الفرض وأبو حنيفة لم يقل بالفريضة وإنما قال واجب وهو أضعف عنده من الفرض، فالفرض عنده ما ثبت بدليل قطعي من القرآن، والواجب ما ثبت بدليل ظني من السنة فعمر ﵁ لم ينف إلا الفرض الذي هو أخص. (وسجود القرآن إحدى عشرة سجدة وهي العزائم ليس في المفصل منها شيء في المص عند قوله (ويسبحونه وله يسجدون) [الأعراف: ٢٠٦] وهو آخرها): ما ذكر الشيخ من أن سجود القرآن إحدى عشرة سجدة هو مشهور المذهب وقيل خمسة عشرة بزيادة ثانية الحج والنجم، والانشقاق آخرها، وقيل لا يسجدون و (اقرأ باسم ربك) [العلق: ١] وقيل أربع عشرة بإسقاط ثانية الحج قاله مالك. واختلف المتأخرون هل هذا اختلاف حقيقي قاله الأ كثر أو ليس بخلاف بل السجود في جميعها إلا أن السجود في الإحدى عشرة آكد قاله حماد بن إسحاق وفي غير ذلك قولان. (فمن كان في صلاته فإذا سجدها قام فقرأ من الأنفال أو من غيرها ما تيسر عليه ثم ركع وسجد إلى قوله (وزادهم نفورا) [الفرقان: ٦٠]). إنما قال الشيخ يقرأ شيئا من الأنفال أو من غيرها إذا كان في صلاة لأن الركوع لا يكون إلا عقب قراءة شرعا ولذلك من أخل بركوع فإنه يرجع قائما على الصحيح واستحب له أن يقرأ شيئا.

стр. 212

(وفي الهدهد (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) [النمل: ٢٦] إلخ): ما ذكره هو المعروف في المذهب وقيل محلها منها (وما يعلنون) [النمل: ٧٤] قاله ابن حبيب، وأبو بكر الوقار وغيرهما. (وفي حم تنزيل، (واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون) [فصلت: ٣٧]). ما ذكر أن محلها منها (تعبدون) مثله في المدونة وقيل (لا يسئمون) [فصلت: ٣٨] قاله ابن وهب وخير ابن حبيب بينهما واختار بعض شيوخ شيوخنا أنه يسجد في المحل الأخير في كل موضع مختلف فيه ليخرج من الخلاف لأن ما قرب من الشيء أعطى حكمه، وإليه ذهب بعض المتأخرين من المشارقة. (ولا تسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء): ما ذكره هو كذلك اتفاقا وكذلك يشترط سائر شروط الصلاة، كالتوجه إلى القبلة وستر العورة ما عدا الإحرام والسلام، قال خليل وفي النفس من الإحرام والسلام شيء، وقال ابن وهب يسلم منها ويقوم من كلام الشيخ أن سجود الشكر على القول به يفتقر إلى طهارة وهو كذلك على ظاهر المذهب، واختار بعض من لقيناه من القرويين عدم افتقاره إليها بل يسجد بلا طهارة لأنه إذا تركه حتى يتطهر أو يتوضأ أو يتيمم زال سؤال سجوده منه. (ويكبر لها ولا يسلم منها وفي التكبير في الرفع منها سعة وإن كبر فهو أحب إلينا): لا خلاف في المذهب أنه يكبر خفضا ورفعا إذ كان في الصلاة واختلف إن سجد في غير الصلاة فقيل يكبر خفضا ورفعا، وقيل لا يكبر والقولان لمالك وخير ابن القاسم فيها وكلها في المدونة، وقول الشيخ رابع لأنه خير في الرفع ولم يخير في الخفض ونبه على هذا ابن عبد السلام والتادلي، والمستمع لحفظ أو تعلم يسجد اتفاقا إن كان القارئ صالحا للإمامة وسجد، فإن لم يسجد القارئ ففي سجوده قولان وإن كان استماعه للثواب فإن لم يسجد القارئ لم يسجد اتفاقا، وإن سجد فقولان عكس الفرع الأول واختلف في السامع دون جلوس لاستماعه فالأكثر على عدم السجود، وقيل يسجد قال الباجي وهو قول شاذ. (ويسجدها من قرأها في الفريضة والنافلة): لا خلاف في المذهب أن قراءتها في النافلة جائزة سواء كانت سرا أو جهرا فذا

стр. 213

أو إماما، واختلف في جواز قراءتها في الفرض ففي الفذ قولان: الكراهة والجواز والأول هو المشهور، واختلف في الإمام على ثلاثة أقوال: الكراهة للمدونة والجواز مطلقا حكاه ابن زرقون عن رواية ابن وهب وقيل إن قلت الجماعة جاز وإلا كره وعلى الأول فإنه يسجد إذا قرأ، وحكى ابن الحاجب قولا بعدم السجود قال ابن هارون ولا أعرفه لغيره ونص ابن الحاجب: ففي الفرض تركه قراءتها على المشهور جهرا أو سرا فإن قرأ فقولان وإذا كانت الصلاة سرية فإنه يجهر بالآية ليعلم من خلفه، فإن لم يجهر وسجد قال ابن القاسم يتبع وقال سحنون لا يتبع لاحتمال السهو والقولان حكاهما المازري. (ويسجد من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفر الشمس): ما ذكره هو مذهب المدونة وقيل يمنع سجوده بعد صلاة العصر والصبح قاله في الموطأ، وحمله ابن عبد السلام على الكراهة وقيل إنها جائز ولو عند الاسفار والاصفرار نقله ابن عبد البر عن رواية ابن عبد الحكم، وقيل يمنعنه بعد صلاة العصر مطلقا، وبجوازه بعد صلاة الصبح ما لم يسفر نقله ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون، وظاهر كلام المازري وابن الحاجب الاتفاق على المنع حين الإسفار والاصفرار وصرح به ابن حارث وهو قصور لما تقدم، وقال اللخمي لو قيل إنه يسجد حين الإسفار لأنه وقت اختيار في الفريضة لا حين الاصفرار لانه وقت ضروري لكان حسنا. باب في صلاة السفر السفر على خمسة أقسام: واجب كسفر الحج والجهاد العينين ومندوب إليه كالسفر لهما إذا لم يتعينا، ومباح كسفره لطبل الأ رباح ولا خلاف أنه يقصر في جميعها، ومكروه كالصيد للهو على المشهور خلافا لابن عبد الحكم ونحوه لليث بن سعد، وحرام كسفره لقطع الطريق وسيأتي حكمه إن شاء الله تعالى. (ومن سافر مسافة أربعة برد وهي ثمانية وأربعون ميلا فعليه أن يقصر الصلاة): ظاهر كلام الشيخ سواء كان سفره سفر معصية أم لا وهو قول مالك من رواية زياد بن عبد الرحمن، والمشهور أن العاصي لا يقصر وفي المدونة لا يقصر من سافر للهو ويقصر على أصل ابن عبد الحكم القائل بجوازه كما تقدم، ولما ذكره اب الحاجب أنه لا يترخص المعاصي على الأصح قاله، وكذلك المكروه كصيد اللهو وظاهره أن الأصح تحريم القصد له كالعاصي، والصواب عندي أنه يستحب له أن لا يقصر فإن قصر فلا شيء عليه، وعليه تحمل المدونة ولا يبعد أن يكون هو مراد ابن

стр. 214

الحاجب وأن العطف إنما وقع في كونه لا يقصر، وذلك أعم من التحريم والكراهة. وظاهر كلام الشيخ أن القصر فرض وهو قول القاضي اسماعيل وسحنون وابن الجهم قائلا ورواه أشهب وعمر وابن رشد فهمه من رواية أشهب، ولولا الإطالة لذكرناه، وقيل القصر سنة رواه ابن خويز منداد وأبو مصعب، وقال عياض في الإكمال هو المشهور من مذهب مالك وأكثر أصحابه وأكثر العلماء من السلف والخلف، وقيل مستحب وقيل مباح وعزه عياض لعامة أصحابنا البغداديين وعزا الاستحباب للأبهري. وما ذكره الشيخ من أن المعتبر في المسافة ثمانية وأربعون ميلا هو المشهور وسمع أشهب خمسة وأربعين ميلا وروى أبو قرة اثنان وأربعون ميلا، وفي المبسوط أربعون ونقل ابن عطية عن المذهب قولين آخرين وهما ثلاثون وستة وثلاثون ذكر ذلك عند تكلمه على معنى قوله ﵎ (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) [البقرة: ١٨٤]. وروي عن مالك اعتبار مسافة يومين، وروي يوم وليلة، وفي المبسوط في البحر يوم فذكر المازري أنه رد الثالث للثاني لأن حركة البحر أسرع والثاني للأول لأن الليلة بدل اليوم الثاني، والكل للأول المشهور وهو ثمانية وأربعون ميلا لأنه السير المعتاد، وقال عياض حمل الأكثرون ذلك على الخلاف والميل ألفا ذراع قاله ابن حبيب، وقال ابن عبد البر الأصح ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع. (ولا يقصر حتى يجاوز بيوت المصر وتصير خلفه ليس بين يديه ولا بحذائه منها شيء): ظاهر كلامه سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا وهو كذلك في القول المشهور، وقيل إن كان الموضع موضع جمعة فلا يقصر حتى يجاوز ثلاثة أميال قاله مطرف وابن الماجشون، قال ابن عبد السلام: وله حظ في النظر لأن حقيقة السفر واحدة فالمسقط للجمعة وهو سبب القصر فكما أن ما دون ثلاثة أميال لا يسقط الجمعة فكذلك لا أثر له هنا، قلت وعزا الباجي والمازري هذا القول لرواية مطرف وابن الماجشون لا لقولهما وحمله ابن رشد على التفسير والأكثرون على الخلاف، وقيل باعتبار ثلاثة أميال سواء كان الموضع موضع جمعة أم لا نقله القاضي سند عن مالك وهو ظاهر كلام ابن الحاجب، فإن قلت إنما حكاه ابن الجلاب بلفظ قد قيل ولم يعزه لمالك فلعله لغيره.

стр. 215

قلت كل ما في ابن الجلاب هو لمالك حتى ينص عليه أنه لغيره ذكر هذا ابن عبد السلام عند تكلمه على قول ابن الحاجب في النكاح وزيد البخر والإفضاء، وانظر إذا فرعنا على المشهور فهل الثلاثة الأميال محسوبة من الثمانية والأربعين ميلا كما هو ظاهر كلامهم أو لا تحسب لأجل أنه لما حكم بأنه يتم فيها فكأنها وطنه لم أر في ذلك نصا، وهي أول مسألة استشكلها في صغرى فلم يجيبني عنه من سألته حينئذ قائلا لا أدري وهو الشيخ أبو محمد الشبيبي رحمه الله تعالى، واختار واحد ممن لقيته بعد أنها تحسب والصواب عندي أنها لا تحسب. (ثم لا يتم حتى يرجع إليها أو يقاربها بأقل من الميل): ما ذكر الشيخ نحوه في المدونة ولم يرتضه ابن عبد السلام قائلا إذ لا فرق بين الخروج والرجوع قال والأولى قول ابن الحاجب والقصر إليه كالقصر منه وقول المجموعة لا يزال يقصر حتى يدخل منزله يرجع إليه. (وإن نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة حتى يظعن من مكانه ذلك): قد قدمنا غير مرة أن الشيخ إذا أتى في كلامه بأو أراد أن المسألة ذات قولين، والقول بأن المعتبر إقامة أربعة أيام هو نص المدونة وهو المشهور، والقول باعتبارعشر ين صلاة هو لسحنون وابن الماجشون ولا يقال إن القولين بمعنى واحد، لأنه إذا نوى الإقامة مثلا قبل طلوع الشمس؛ فإن هذا اليوم ملغي على الأول ومعتبر على الثاني وقال ابن نافع يعتد به إلى مثل وقته، ولهذه المسألة نظائر المعتدة والعهدة الكبرى والصغرى وبيع الخيار والعقيقة والكراء والحالف لا أكلم فلانا عشرة أيام مثلا وتلومات القاضي، والصواب أن تلومات القاضي مما يرجع فيها إلى نظره، وإليه كان يذهب بعض من لقيته ممن تولى قضاء الجماعة بتونس حرسها الله تعالى. وأقام المغربي قولا من المدونة أن من دخل بلدة وهو مريض وهي ليست ببلده ونوى أن يقيم فيها أربعة أيام فأكثر وفيها تحبيس على المرضى بها فإنها يدخل معهم في ذلك قال، ونص على ذلك ابن سهل وابن العطار، وقال فضل يدخل معهم عند قدومه وإن لم ينو إقامة، وانظر ما في وصايا اللخمي فيمن أوصى لجيرانه أن من سكن قبل القسمة ولو بيوم دخل في القسمة ولا شيء لمن رحل، قلت وكان بعض من لقيته يمنع دخوله، وهو الأقرب لأن من يوقف شيئا على من ذكر فإن الغالب عليه أنه إنما يريد

стр. 216

من سكنها ناويا على التأبيد والله أعلم. (ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاها سفريتين فإن بقي قدر ما يصلي في ركعتين أو ركعة صلى الظهر حضرية والعصر سفرية): ما ذكر الشيخ أنه من سافر لقدر ثلاث ركعات أنه يصلي الظهر والعصر سفريتين هو كذلك باتفاق إذا كان ناسيا ولهما واختلف إذا تعمد تركهما والمنصوص كذلك، وألزم الشيخ أبو الحسن اللخمي القائل بأن الصلاة لا تسقط عن متعمد التأخير من أصحاب الأعذار إلا بقدر كل صلاة عدم قصر المسافر حينئذن وظاهر كلام ابن الحاجب أن الخلاف فيه بالنص ولم أقف عليه وذلك أنه لما ذكر عن اللخمي أن من أخر الصلاة عمدا حتى بقي من الوقت قدرها، فإنه مأثوم إجماعا، فذكر كلاما بعده زاد عليه، ثم قال ويلزم أن لا يقصر المسافر ولا يتم القادم إلا مع ذلك وفيه خلاف فتدبر كلامه ولولا الإطلالة لذكرناه. (ولو دخل خمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم يكن يصلي المغرب والعشاء صلى المغرب ثلاثا والعشاء حضرية): اعلم أن قوله ناسيا طردي بل وكذلك العامد وتقدم نقل ابن الحاجب الخلاف في ذلك. (ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية): اعلم أنه إذا سافر لأربع ركعات قبل الفجر فإنه يقصر العشاء وإن سافر لأقل فالرواية كذلك، وروى ابن الجلاب يتم ولو قدم لأربع قبل الفجر أتم ولأقل فإنه يقصر وخرج ابن الجلاب إتمامه. باب في صلاة الجمعة اعلم أنه يقال الجمعة بضم الميم وإسكانها وفتحها قاله الواحدي عن الفراء. والجمعة من خصائص هذه الأمة واختلف في حكمها على ثلاثة أقول: فالمعروف أنها فرض عين مطلقا، وروى ابن وهب أنها سنة، فحملها بعضهم على ظاهرها، قال ابن

стр. 217

عبد البر وهو جهل، ونقل بعض شيوخنا عن اللخمي أنه خرج أنها فرض كفاية من قول ابن نافع وابن وهب أن مصلى ظهرا وهو يلزمه سعي إدراكها لم يعد، ولم أجد له إلا قوله القول بالبطلان أحسن إلا أن يترجح بقول من قال إن الجمعة ليست بفرض. ونص ابن عبد الحكم على أن المسجون لا يخرج للجمعة، قال المازري عن بعض أشياخه منعه من الجمعة إنما هو على قول من شذ أن الجمعة فرض كفاية ورده بأن لها بدلا وتسقط بالمطر على قول وأبيح التيمم إذا كثر ثمن الماء، وكذلك الخوف على تلف مال الغرماء بخروجه يوم الجمعة، قال: والأولى أن لا يمنع منها إن أمكن خروجه لها مع عدم ضرر الغرماء. (والسعي إلى الجمعة فريضة وذلك عند جلوس الإمام على المنبر وأخذ المؤذنون في الأذان والسنة المتقدمة أن يصعدوا حينئذ على المنار فيؤذنون): كلام الشيخ ظاهر في أن الجمعة فر ضعين لأنه إذا كانت الوسيلة وهي السعي فرضا فأحرى المقصد وظاهر كلامه أن المؤذنين ثلاثة وهو قول مالك في رواية القاسم. وروى ابن عبد الحكم أنه يؤذن واحد لا أكثر ونقل ابن الحاجب قولا بمؤذنين لا أكثر ولم يحفظه أشياخنا إلا منه، وكل هذا الخلاف إنما هو في عدد من يؤذن عند جلوس الإمام على المنبر. وقال ابن العربي: كان يؤذن عند جلوسه ﷺ واحد ثم يقوم آخر ثم زاد عثمان ثالثا بالزوراء قبل جلوسه، ثم قلب الناس الأذان فهو بالمشرق كقرطبة وأما بالمغرب فثلاثة لجهل مفتيهم سمعوا أنها فجهلوا أن الإقامة منها.

стр. 218

قلت: ورده بعض شيوخنا بنقل ابن حبيب كان إذا رقي ﷺ المنبر أذن ثلاثة مرتبا على المنار فلما كثر الناس أمر عثمان بأذان الزوال بالزوراء؛ فإذا خرج أذن ثلاثة ثم نقل هشام أذان الزوراء للمنار والثلاثة بين يديه، وما قاله شيخنا ضعيف لما قد علمت من اضطراب أهل العلم في رواية ابن حبيب للاحاديث هل هي ضعيفة أم لا حسبما هو مذكور في المدارك، والاتفاق على أنه ثبت في نقل فروع المذهب. وظاهر كلام الشيخ أن السعي يجب عند سماع المؤذن الأول واختلف فيها فقهاء بجاية من المتأخرين حسبما أخبرني بذلك بعض من لقيته من التونسيين فقال جماعة منهم بذلك، وقال آخرون إنما يجب السعي عند سماع الثالث، والصواب عندي أن اختلافهم إنما هو خلاف في حال فمن كان مكانه بعيدا جدا بحيث يعلم أنه إن لم يسمع نداء المؤذن الأول فاتته الصلاة، وجب عليه حيئنذ وإن كان قريبا فلا يجب عليه حينئذ، وكذلك لو كان مكانه بعيدا جدا فإنه يجب عليه بمقدار ما إذا وصل حانت الصلاة إن كان ثم من يخضر الخطبة غيره ممن يكتفي بهم. (ويحرم حينئذ البيع وكل ما يشغل عن السعي إليها): هذا مخصوص بشراء الماء لمن انتقض وضوءه وقت النداء فلم يجد الماء إلا بثمن نص عليه أبو محمد ونقله عبد الحق في النكت وابن يونس وبه الفتوى ولم يحفظه غيره في المذهب، وهو ظاهر في أن صاحب الماء لا يجوز له بيعه وإنما الرخصة في ذلك للمشتري المذكور، وبه أفتى بعض من لقيته. واختلف إذا وقع البيع على ثلاثة أقوال: ففي المدونة يفسخ وفي المجموع عن مالك البيع ماض وليستغفر الله، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة، وقال ابن الماجشون بالأول في حق من اعتاد ذلك وبالثاني فيمن لم يعتده وهذا كله إذا كان المتبايعان، أو إحدهما ممن تلزمه الجمعة. وإذا فرعنا على مذهب المدونة وهو المشهور فإن يفسخ ما دام قائما اتفاقا فإن فات بتغير سوق فأعلى فإنه يمضي بالقيمة كسائر البيوع الفاسدة وقيل يمضي بالثمن قاله المغيرة وسحنون واختاره اللخمي، واحتج له ابن عبدوس بأن فساده في عقده فإذا فات فيمضي بالمسمى كنكاح فساده في عقده، وعلى الأول فقال ابن القاسم تعتبر القيمة حين البيع وقال أشهب بعد الصلاة، وقيل يوم الحكم نقله ابن عبد السلام عن بعض المفسرين عن أصبغ، واختلف إذا وقع ما يتكرر وقوعه كالنكاح والإجازة والصدقة فقال ابن القاسم لا يفسخ واختاره ابن بكير، وقال الأبهري والقاضي عبد

стр. 219

الوهاب وابن الجلاب يفسخ. واختلف في فسخ بيع من باع لخمس ركعات للغروب وعليه ظهر يومه وعصره فقال اسماعيل القاضي وابو عمران يفسخ وقال سحنون لا يفسخ، وصوبه ابن محرز وغيره وفرقوا بأن الجمعة لا تقضي. (وهذا الأذان الثاني أحدثه بنو أمية): أراد الثاني في الإحداث ولو قال عوض قوله ينو أمية عثمان لكن أولى لأن أقيس في الاقتداء وإن كان أمويا والله أعلم. (والجمعة تحب بالمصر والجماعة): ما ذكر الشيخ مثله عن يحيى بن عمر أجمع مالك وأصحابه أنها لا تقام إلا بالمصر، قال ابن سحنون وأسقطها سحنون عن أهل المنستير وأقامها بقلشانة ولم يجزها بسوسة وسفاقس إلا زحفا، وأنكر ابن سحنون على ابن طالب إقامتها بأولج قال اللخمي، وأخبرت أن بها عشرة مساجد، وروى مطرف وابن الماجشون إن قاربوا ثلاثين رجلا جمعوا، وفي مختصر ما ليس في المختصر إن بلغوا في الكسوف خمسين رجلا جمعوا وأجراه اللخمي هنا، وقال عبد الوهاب والباجي: المعتبر من تتقرى بهم قرية يمكن ثواؤهم. وجعله المازري المشهور وقال الباجي رد أصحابنا قول الشافعي لا تنعقد الإ بأربعين دون الإمام لحديث جابر: ما بقي حين انفضوا عنه ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم إلا اثنا عشر رجلا مقتضاه إجازتها باثنى عشر وإمام، ذكر صاحب اللمع عن بعض الأصحاب اعتبار عشرة فقط. فيتحصل في ذلك ستة أقوال. قال ابن عبد السلام: ولا يشترط حصول هذا العدد في كل جمعة كما جاء في حديث العير لأنه لم يبق مع النبي ﷺ ذلك اليوم إلا اثنا عشر رجلا، قلت: واختار غير واحد من شيوخنا أن ذلك شرط في كل جمعة، واختلف هل يعتبر في العدد من لا تجب عليهم الجمعة كالمسافرين والعبيد على قولين، وهذا الخلاف إنما هو إذا كمل بهم عدد الجمعة لا أنهم كانوا كلهم عبيدا أو مسافرين على ظاهر كلام ابن بشير وابن شاس وابن عات خلافه. (والخطبة فيها واجبة قبل الصلاة): ما ذكر أن الخطبة واجبة هو المشهور وقيل أنها سنة قاله ابن الماجشون ونحوه ما رواه أبو زيد في ثمانيته عن ابن الماجشون عن مالك أن من ترك الخطبة على أي

стр. 220

وجه تركها فجمعته صحيحة، وعلى الأول فنص ابن بشير وغيره على أنه شرط قال ابن الحاجب: والخطبة واجبة خلافا لابن الماجشون شرط على الأصح قال ابن هارون، وظاهره أن القاتلين بوجوب الخطبة اختلفوا في شرطيتها قال ولا أعرفه لغيره. قلت: ورد الشيخ خليل الخلاف لقوله واجبة لا لقوله شرط للاتفاق على الشرطية، وما ذهب إليه به أدركت بعض من لقيته يفسره، والأقرب ما فهمه ابن هارون لأن من حفظ مقدم على من لم يحفظ إذ هو ظاهر اللفظ والله أعلم على أنه لا يبعد أن يكون هو معنى ما دلت عليه رواية أبي زيد السابقة. واختلف في أقل الخطبة على قولين: فقال ابن القاسم أقل ذلك ما يسمى خطبة عند العرب، وقيل أقله حمد الله والصلاة على نبيه ﷺ وتحذير وتبشير وقرآن قاله ابن العربي واختلف إذا اقتصر على تسبيحة أو تهليلة، وقال ابن القاسم لا تجزئه، وقال ابن عبد الحكم: تجزئه ولو أسر بخطبته حتى إنه لم يسمعه أحد وأنصت لها فإنها تجزئه. نقله ابن هارون متبرئا منه بقوله قالوا قلت: واعترضه غير واحد من شيوخنا بأن ظاهر المذهب عدم الإجزاء وبأن ما ذكره لم يوجد لغيره، واختلف هل تجب الطهارة لها ام لا؟ فقال سحنون بوجوبها قائلا يعيد من خطب بغير طهارة أبدًا، واختاره ابن العربي وقال ابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب هي مستحبة. (ويتوكأ الإمام على قوس أو عصا): اختلف قول القاسم هل توكؤه على عصا بيمينه مستحب أم لا، والمشهور عنه هو الأول، وظاهر كلام الشيخ أن القوس مشروع سفرا وحضرا وهو قول مالك في رواية ابن وهب، وروى ابن زياد أن ذلك مختص بالسفر وألحق بعض الشيوخ السيف بهما، واختلف في حكمة ذلك فقيل مخافة أن يعبث بلحيته عند فكرته في الخطبة، وقيل تهيب للحاضرين وإشعار بأن لم يقبل تلك الموعظة فله العصا فإن تمادى قتل بالقوس أو السيف. (ويجلس في أولها وسطها): أما الجلوس الأول فلا خلاف أنه مشروع هنا عند الأكثر، وإنما الخلاف في العيدين ونحوهما، وقال عياض روي عن مالك قول كمذهب أبي حنيفة أنه يمنع أن يجلس الإمام على المنبر قبل الخطبة في الجمعة ذكره في الإكمال وهو قول غريب فاعلمه، والمشهور أنه ليس بشرط في صحة الصلاة حتى لو خطب ولو لم يجلس في

стр. 221

أولها فإنه يجزئه وقيل لا يجزئه. وأما الجلوس الثاني فذكر ابن حبيب عن ابن القاسم أنه واجب، وأنه إن خطب واحدة لم تجزئه وذكر عن مطرف عن مالك أنه سنة، قال ابن القصار وهو الذي يقوى في نفسي، واختلف في مقداره فقال يحيى بن يحيى قدر الفصل بين السجدتين وقيل قدر ما يقرأ (قل هو الله أحد) [الأخلاص:١] حكاه ابن عات، واختلف في وجوب القيام للخطبة فقال ابن حبيب من السنة أن يخطب قائما، ومثله لابن العربي والأكثر على أن ذلك فرض. واختلف هل يشترط حضور الجماعة للخطبة أم لا؟ فعزا ابن رشد شرطية ذلك للمدونة وعزا لغيرها عدم ذلك. وقال ابن القصار والقاضي عبد الوهاب وغيرهما لا نص وظاهر المذهب وجوبه. (وتقام الصلاة عند فراغها): هذا هو المطلوب أعنى أن الصلاة يشترط وصلها بالخطبة ويسير الفصل عفوا بخلاف كثيره والمطلوب أن يكون الذي خطب هو الإمام، فإن طرأ ما يمنع إمامته كحدث أو رعاف فإن كان الماء بعيدا فإنه يستخلف باتفاق وإن قرب فكذلك عند مالك، وقيل ينتظر قاله ابن كنانة وابن أبي حازم وحيث يستخلف ففي المدونة من حضر الخطبة أولى ولأشهب إن قدم غيره ابتدأها أحب إلي. (ويصلي الإمام ركعتين يجهر فيهما بالقراءة يقرأ في الأولى بالجمعة ونحوها وفي الثانية بـ (هل أتاك حديث الغاشية) ونحوها): ما ذكر أنه يقرأ في الأولى والثانية بما قال هو خلاف ظاهر المدونة قال فيها يستحب قراءتها بالجمعة ثم بهل أتاك، وروي عن مالك أنه يقرأ في الثانية بسبح فقط وقيل بالمنافقين فقط قيل والأمر فيهما واسع، قاله اللخمي فيتحصل في ذلك خمسة أقوال. فإن قلت قول ابن الحاجب يستحب في الأولى الجمعة وفي الثانية هل أتاك أو سبح أو المنافقين أليس أنه يقتضي التخيير، قلت قال ابن عبد السلام: هي أقوال فتكون "أو" للتفصيل. (ويجب السعي إليها على من في المصر ومن على ثلاثة أميال منه فأقل): ظاهر كلامه وإن كان المصر على ستة أميال فأكثر وهو كذلك رواه ابن أبي

стр. 222

أويس وهو متفق عليه. وظاهر كلامه أنه لا يزاد على ثلاثة أميال شيء، وهو كذلك في رواية أشهب وجعل في المدونة الزيادة اليسيرة عليها كحكمها وكان بعض من لقيته يوجه ذلك لتحقق الثلاثة الأميال، وقيل تجب على من على ستة أميال وقيل تجب على بريد وكلاهما حكاه ابن الحاجب وسلمه ابن عبد السلام. وقال ابن راشد وابن هارون ولا أعرفهما إلا في إقامة الجمعة بقرية قريبة من الأخرى تصلي فيها الجمعة، وقال الشيخ خليل لعله بنى على أحد القولين في أن لازم القول قول لأنه يلزم من الخلاف المذكور الخلاف فيما ذكره، واختلف في الموضع الذي يعتبر منه التحديد فقال من المسجد، وقال ابن عبد الحكم: من طرف البلد، والمشهور من المذهب عدم تعدد الجمعة في المصر الكبير وقال ابن عبد الحكم: ويحيى بن عمران عظم كمصر فلا بأس بها بمسجدين، وقال ابن القصار إن كان ذات جانبين كبغداد وقال اللخمي إن كثروا بعد من يصلي بأفنيته جاز. (ولا تجب على مسافر ولا على أهل منى ولا على عبد ولا امرأة ولا صبي): ما ذكر أنها لا تجب على المسافر هو كذلك باتفاق وما ذكر أنها لا تجب على أهل منى هو كذلك في المدونة وتأولها ابن يونس على غير القاطنين بها وفهمه غيره على العموم، وما ذكر من أنها لا تجب على العبد هو كذلك باتفاق عند ابن حارث، وحكى ابن شعبان فيه خلافا عن مالك، وقال مشهور قول مالك أنها لا تجب وقال أيضًا من قدر على إتيانها من عبد يلزمه ذلك ويقام لها من حانوت ربه، وروى ابن وهب إن قدر عليها عبد فهمي عليه ففهم عنه اللخمي قلنا وتعقبه المازري بأن في رواية ابن شعبان أثر حانوت زيادة، لأنه إذا حضرها صار من أهلها قائلا هذه العلة تدل على عدم وجوبها في الأصل. قلت ورده بعض شيوخنا بأن ظاهر منطوقه في الوجوب مقدم على المفهوم ولو سلم فأين رده من قوله هو مشهور قول مالك من رواية ابن وهب، وما ذكر في المرأة والصبي متفق عليه ولا معنى لذكر الصبي هنا إذ هو غير مكلف. (وإن حضرها عبد أو امرأة فليصلها وتكون النساء خلف صفوف الرجال ولا تخرج إليها الشابة): ما ذكر هو كذلك باتفاق يريد وكذلك إذا حضرها مسافر فإنها تجزئه قاله مالك، ونقل المازري عن ابن الماجشون أنها لا تجزئه لأنه غير مطالب بها والنفل لا

стр. 223

يجزئ عن الفرض ورد بالاتفاق في المرأة والعبد على الإجزاء وزعم ابن عبد السلام أن صلاة المسافر تجزئه اتفاقا وهو قصور. (وينصت للإمام في خطبته): ظاهره وإن كان بعيد بحيث لا يسمع صوت الإمام وهو كذلك حكى ابن زرقون عن ابن نافع لا بأس بكلام من لم يسمع صوت الإمام لخبر أو لحاجة، والاتفاق على أنه لا يجوز الكلام حين يجلس الإمام بين الخطبتين، واختلف هل يجوز الكلام فيما بين نزوله عن المنبر والصلاة، على قولين لمالك حكاهما ابن العربي، وخرج بعض شيوخنا عليهما التخطي حينئذ وظاهر كلام الشيخ ولو سب الإمام من لا يجوز سبه أو مدح من لا يجوز مدحه أنه ينصت له في ذلك وهو كذلك قاله مالك. وقال ابن حبيب حينئذ يجوز الكلام وصوب والإشارة جائزة قاله عيسى بن دينار، وقال الباجي مقتضى المذهب منعها واختلف في خفيف الذكر سرا في نفسه فقال ابن القاسم إنه جائز، وقال ابن عبد الحكم: إنه ممنوع وكلاهما حكاه ابن حارث، ويجوز أن يحمد العاطس في نفسه قاله مالك وقيل يسر بذلك قاله ابن حبيب. (ويستقبله الناس): يريد أن ذلك على طريق الوجوب كما هو نص المدونة واسقط اللخمي الاستقبال على من بالصف الأول، وقال الشيخ أبو عبد الله السطي وهو عندي خلاف ظاهر المدونة، واختلف إذا خرج الإمام على الناس ولم يجلس على المنبر هل يجوز الركوع أم لا؟ فقال في المدونة يجلس ولا يركع وفي المختصر جواز الركوع وأما بعد أن يجلس على المنبر فالأكثر على المنع من ذلك، وجوز أبو القاسم السيوري التحية ولو كان يخطب وزعم ابن شاس أن محمد بن الحسن رواه عن مالك. (والغسل لها واجب والتهجير حسن): لا يريد بقوله واجب أنه فرض، وإنما يريد به السنة المؤكدة وهو المعروف في المذهب، وقيل إن الغسل مستحب رواه أشهب وقيل هو سنة مؤكدة لا يجوز تركه دون عذر فأخذ اللخمي منه الوجوب ورده المازري بتأثيم تارك السنن، وقال ابن عبد السلام: أطلق عليه في المدونة الوجوب واعترضه بعض شيوخنا بأنه اغترار بلفظ التهذيب، وإنما هو في المدونة لفظ حديث. قلت: ويجاب بأن اتيان سحنون به دون ما يخالفه دليل على أنه قائل به حسبما

стр. 224

فهمه أهل المذهب عنه في قوله عن ابن مسعود القنوت في الصبح سنة ماضية، وفي قوله عن ابن قسيط الجمع ليلة المطر سنة إلى غير ذلك، وقال اللخمي يجب على من له رائحة يذهبها الغسل ويستحب لغيره فيتحصل في حكم الغسل أربعة أقوال، والمشهور من المذهب أنه عبادة وصفته، وماؤه كالجنابة، وقال ابن شعبان يجوز غسله بماء الورد وعزاه ابن العربي لأصحابنا ويشترط اتصال الغسل بالرواح، وقال ابن وهب أن اغتسل بعد الفجر أجزأه فأخذ منه غير واحد عدم اشتراطه وحمله ابن يونس على أنه وصله بالرواح وقول ابن الحاجب، وقال ابن وهب وغيره موصول يتعقب لأن المنقول عنه إنما هو ما قلناه. (وليس ذلك في أول النهار): ما ذكر هو قول مالك وقال ابن حبيب ذلك في أول النهار. (وليتطيب لها ويلبس أحسن ثيابه وأحب إلينا أن ينصرف بعد فراغها): يعني أن ذلك على طريق الاستحباب وكذلك يستحب أن يقص شاربه وظفره ويستاك وينتف إبطيه ويستحد إن احتاج قاله ابن حبيب. (ولا يتنفل في المسجد بعدها وليتنفل إن شاء قبلها ولا يفعل ذلك الإمام وليرق المنبر كما يدخل): أما الإمام فلا يتنفل إثر الجمعة في المسجد باتفاق واختلف هل يجوز ذلك لغيره أم لا؟ على ثلاثة أقوال: حكاها ابن رشد: فقيل إن ذلك جائز فيثاب إن فعل قاله في سماع أشهب وقيل إن تنفله مكروه فيثاب لتركه ولا يأثم لفعله قاله في أول صلاة المدونة، وقيل يستحب تركه وفعله فيثاب ترك أم صلى قاله في ثاني صلاة المدونة، وعلى القول الثاني فاختلف إذا صلى على جنازة إثر الجمعة فقيل إنه يجوز التنفل وهو حاجز حصين وقيل لا.

стр. 225

باب في صلاة الخوف المشهور من المذهب أن صلاة الخوف مشروعة في السفر والحضر، وقال ابن الماجشون في السفر خاصة وقال ابن المواز وأداؤها على صفتها رخصة وتوسعة وقيل سنة ذكره ابن يونس في أول كتاب الصلاة الأول فقال: خمس سنة في فريضة وهي الجمع بعرفة والجمع بمزدلفة والقصر في السفر وصلاة الخوف والجمعة، وعلى الأول فقال ابن المواز لو صلوا جميعا بإمام واحد أو بعضهم بإمام وبعضهم أفذاذا جازت

стр. 226

صلاتهم وأحب إلي أن يفعلوا كما فعل رسول الله ﷺ وشرف وكرم ومجد وعظم قال اللخمي، ومقتضى هذا جواز صلاة طائفتين بإمامين لأن المخالفة بصلاة بعضهم أشد وضعف المازري قول اللخمي فانظره. (وصلاة الخوف في السفر إذا خافوا العدو أن يتقدم الإمام بطائفة ويدع طائفة مواجهة العدو فيصلي الإمام بطائفة ركعة ثم يثبت قائما ويصلون لأنفسهم ركعة ثم يسلمون فيقفون مكان أصحابهم ثم يأتي أصحابهم فيحرمون خلف الإمام فيصلي بهم الركعة الثانية ثم يتشهد ويسلم ثم يقضون الركعة التي فاتتهم وينصرفون هكذا يفعل الإمام في صلاة الفرائض كلها إلا المغرب فإنه يصلي بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعة): يعني بقوله إذا خافوا العدو سواء خافوا على أنفسهم أو على ما لهم ويكفي في ذلك الظن، وما ذكر الشيخ من صفة هي المشهورة في المذهب وقال أشهب ينصرفون قبل الإكمال وجاه العدو فإذا سلم أتمت الثانية صلاتها، وقامت وجاه العدو ثم جاءت الأولى فقضت وعنه فإذا سلم قضوا جميعا وصوبه أبو عمر بن عبد البر، وما ذكره الشيخ من سلام الإمام هو قول مالك الذي رجع إليه وكان يقول لا يسلم بل يشير لتتم الثانية فيسلم بهم والقولان في المدونة. (وإن صلى بهم في الحضر لشدة خوف صلى في الظهر والعصر والعشاء بكل طائفة ركعتين ولكل صلاة أذان وإقامة): اختلف إذا صلى بالطائفة الأولى ركعتين فقال ابن القاسم ينتظر الثانية قائما رواه ابن الماجشون عن مالك، وروى ابن وهب ينتظرهم جالسا، وقال اللخمي لم يأت في انتظاره قائما أو جالسا سنة والأحسن الجلوس؛ لأنه أرفق به، وعلى الأول فقال ابن القاسم إن شاء سكت أو دعا، واختلف هل له أن يقرأ أم لا؟ على قولين حكاهما اللخمي وعلى الثاني فهو بالخيار إن شاء سكت أو ذكر الله تعالى، ولو جهل الإمام فصلى بكل طائفة ركعة فصلاة الأولى والثانية في الرباعية باطلة باتفاق، واختلف في غيرها فقيل إنها صحيحة قاله ابن حبيب وقيل إنها باطلة قاله سحنون وصوبه غير واحد لمخالفتهم السنة. (وإذا اشتد الخوف عن ذلك صلوا وحدانا بقدر طاقتهم مشاة أو ركبانا ماشين أو ساعين مستقبلي القبلة وغير مستقبليها):

стр. 227

لا خلاف أن الأمر كما قال، وذلك إذا خيف خروج الوقت قال ابن هارون والظاهر أنه الضروري، قلت والأقرب أنه الاختياري كالتيمم ولا يبعد أن تكون المسألة ذات قولين كالخلاف في الراعف إذا تمادى به الدم وخاف خروج الوقت فإنه يعتبر الاختياري، ونقل ابن رشد قولا باعتبار الضروري، واختلف إذا انهزم العدو بعد أن صلوا بعضها. فقال ابن عبدالحكم: يتمونها على الأرض كصلاة الأمن وقال ابن حبيب هم في سعة لأنهم مع عدوهم لم يصلوا إلى حقيقة الأمن، وقيل أن أمنوا كرة العدو فالأول وإلا فالثاني حكاه ابن شاس فذكر الثلاثة الأقوال، واختلف إذا وقع إلا من بعد أن صلوا فقال في المدونة لا إعادة بخلاف من صلى على دابته لخوف لصوص أو سباغ ثم أمن فإنه يعيد في الوقت، وقال المغيرة لا فرق بينهما ويعيد خائف العدو وخائف اللصوص والسباع والفرق بينهما على المشهور من وجهين: أحدهما: أن خوف العدو متيقن بخلاف اللصوص والسباع ولو استوى الخوف فيهما لا ستوى الحكم. الثاني: أن العدو يطلب النفس واللص يطلب المال غالبا، وحرمة النفس أقوى وضعف هذا بأن السبع يطلب النفس وقد جعلوه كاللص. باب في صلاة العيدين والتكبير أيام منى سمي العيد عيدا لكونه يعود على قوم بالسرور وعلى قوم بالحزن، وقيل لما فيه من عوائد الإحسان من الله تعالى على عباده وقيل تفاؤلا ليعود على من أدركه من الناس كما سميت القافلة في ابتداء خروجها تفاؤلا بقفولها سالمة ورجوعها. (وصلاة العيدين سنة واجبة): ما ذكر من أن صلاة العيدين سنة واجبة هو المعروف في المذهب وقال ابن بشير لا يبعد كونها فرض كفاية لأنها إظهار لأبهة الإسلام، ونقل ابن الحارث عن ابن حبيب انها واجبة على كل من عقل الصلاة من النساء والعبيد والمسافرين إلا أنه لا خطبة عليهم، وناقض بعض شيوخنا نقل ابن حارث هذا بقوله أول الباب اتفقوا على أنها لا تجب على النساء إلا على أهل القرى البعيدة عن الحواضر ولما ذكر ابن عبد السلام القول بالسنة قال: وذهب بعض الأندلسيين إلى أنها فرض كفاية وسلمه خليل وقال بعض شيوخنا لا أعرفه إلا لمن ذكر، فإن قلت ما ذكره نقله ابن رشد في

стр. 228

المقدمات عن ابن زرقون وقال صلاة العيدين سنة وقد قيل فيهما إنهما واجبتان فالسنة على الكفاية، وإليه كان يذهب شيخنا ابن زرقون والأول هو المشهور والمعروف أنهما سنتان على الأعيان، قلت ما ذكرتموه كان يذهب إليه بعض من لقيته والذي أقول به أن كلام ابن رشيد ليس فيه خلاف لما ذكر لأن قوله والمعروف أنهما سنتان على الأعيان يقتضي أن القول الآخر سنتنان على الكفاية، فيحتمل أن يكون الخلاف عنده هل هما سنتان على الأعيان أو سنتان على الكفاية؟ والله أعلم. (يخرج لها الإمام والناس ضحوة بقدر ما إذا وصل حانت الصلاة): يريد فيمن قربت داره، أما من بعدت فيخرج قبل ذلك. قال مالك في سماع أشهب ويؤتي إليها من ثلاثة أميال كالجمعة، ولو تركها أهل بلد فإنهم لا يقاتلون عليه قاله ابن العربي، قلت ولا يعارض هذا بقول أصحابنا إن ترك الأذان أهل بلد قوتلوا لأن الأذان آكد يعارضه عموم قول ابن خويز منداد ترك السنة فسق وإن تمادى عليه أهل بلد حوربوا. نقله المازري عند تكلمه على حكم الوتر قال صاحب الصحاح الضحوة إذا بزغت الشمس، ثم بعده الضحى مقصور وهو إذا أشرقت الشمس، ثم بعده الضحاء ممدود وهو إذا ارتفع النهار الأعلى، والصحراء أفضل من المسجد إلا بمكة قال ابن بشير لئلا يخرجوا عن الحرم والحرم أفضل من خارجه، واعترضه التادلي بأنه يلزم عليه أن لا تقام خارج مسجد المدينة. وقد أقامها ﷺ خارجه بالمصلى وإنما لعلة – والله أعلم- أن في صلاتها في المسجد الحرام مشاهدة البيت وهي عبادة لما خرجه الحافظ أبو عبد الله محمد أن رسول الله ﷺ قال: "ينزل كل يوم على البيت مائة وعشرون رحمة ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين" وهذه الخصوصية مفقودة في غيره من المساجد، وما ذكره التادلي من الإلزام مثله لخليل قال انظر قولهم هنا إنهم لا يخرجون من مكة، وتعليلهم ذلك بأمرين زيادة الفضل والقطع بجبهة القبلة وقد ثبت إلغاؤهما معا في المدينة واللازم أحد أمرين إما أن يخرجوا من مكة وإما أن يصلوا بمسجد المدينة. (وليس فيها أذان ولا إقامة فيصلي بهم ركعتين): الأصل في ذلك ما رواه جابر بن سمرة قال صليت مع رسول الله ﷺ العيد بلا

стр. 229

أذان ولا إقامة قال أبو عمر بن عبد البر وهذا خلاف فيه بين أئمة المسلمين وإنما أحدث فيه الأذان والإقامة بنو أمية، واختلف في أول من فعل ذلك فقيل معاوية وهو الصحيح، وقيل زياد وقيل: بنو مروان. ولما ذكر ابن عبد السلام أنه لا يؤذن لغير الفرائض باتفاق قال بإثره وحكى زياد النداء للعيدين: قلت: إن عنى بالنداء الأذان حقيقة فهو ينقض الاتفاق الذي ذكر، وإن عنى به الصلاة جامعة مثلا فهما مسألتان لا تناقض، والذي تلقيناه من شيوخنا إن مثل هذا اللفظ بدعة لعدم وروده. (يقرأ فيهما جهرا بأم القرآن (سبح اسم ربك الأعلى) و (الشمس وضحاها) ونحوهما): ما ذكر الشيخ من القراءة هو المشهور وروى على بـ (والليل إذا يغشى) و (الشمس وضحاها) ونحوهما نقله أبو محمد قال ابن حبيب بـ (ق) و (اقتربت)، واختار ابن عبد البر يقرأ بسبح والغاشية وبه قال أبو حنيفة فيتحصل في ذلك أربعة أقوال. (ويكبر في الأولى سبعا قبل القراءة يعد فيها تكبيرة الإحرام وفي الثانية خمس تكبيرات لا يعد فيها تكبيرة القيام وفي كل ركعة سجدتان ثم يتشهد ويسلم ثم يرقى المنبر ويخطب): ما ذكر هو مذهبنا فإن كبر الإمام أكثر من سبع أو خمس فإنه لا يتبع قاله أشهب ومن لم يسمع تكبيرة الإمام فإنه يتحرى ويكبر قاله ابن حبيب. قلت: ولا يتخرج أنه يتحرى من أحد القولين في التأمين لأن التكبير آكد منه. واختلف في رفع اليدين فمذهب المدونة أنه يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام خاصة، وروى مطرف وابن كنانة أنه يرفع في الجميع وفي المجموعة إن شاء رفع يديه في الأولى خاصة وإن شاء في الجميع. وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يتخرج قول بعدم الرفع في الجميع لقوله الخلاف

стр. 230

في الرفع هنا يشبه الخلاف في الرفع في صلاة الجنازة. ومن نسي التكبير حتى أكمل القراءة فإنه يتداركه ما لم يركع ويعيد القراءة إذ من سنتها أن تكون بعد التكبير، وحكى ابن الحاجب قولا بأنه لا يعيدها ونصه ويعيد القراءة على الأصح، قال بن هارون ولم أر ذلك لغيره. قلت: هذا منه ﵀ قصور إذ هو في ابن بشير قال في المدونة ويسجد بعد السلام. وقال فيمن قدم السورة على أم القرآن يعديها بعدها واختلف هل عليه سجود بعد السلام أم لا؟ على قولين، فعلى القول بنفي السجود يكون معارضا لهذه المسألة قال اللخمي يتخرج فيها القولان، وفرق غيره بينهما بأن مسألة تقديم السورة قدم قرآنا على قرآن فلا سجود عليه، وفي مسألة العيد قام قرآنا على غير قرآن فكان عليه السجود، قال خليل وانظر ما في المدونة ما الفرق بينهما وبين من زاد السورة في الثالثة والرابعة فإنه لا يسجد قال: وقد فرق بينهما بأن زيادة السورة في الثالثة والرابعة قد استحبها بعض الأشياخ فيراعي قوله. (ويجلس في أول خطبته ووسطها ثم ينصرف): أما جلوسه في وسط خطبته فبالاتفاق عليه وكذلك في أولها على المشهور، وفي كتاب أبي الفرج لا يجلس لأن جلوس الجمعة للأذان ولا أذان هنا، ويستفتح الخطبة بسبع تكبيرات متواليات واستحب مطرف وابن الماجشون تسعا في الأولى وسبعا في الثانية وكلما تمت كلما كبر ثلاثا. قالا: وبذلك استمر العمل عندنا ولم يحد مالك التكبير في أول الخطبتين ولا خلالهما لعدم وروده، واختلف هل الإقلال منه أحسن أو الإكثار؟ فقال مالك في المبسوط يستفتح الخطبة بالتكبير ثم يكبر تكبيرا كثيرا وفي الثانية أكثروا وقال المغيرة كنا نعد الإكثار منه عيا وفي تكبير الحاضرين بتكبيره قولان لمالك والمغيرة. وقول الشيخ ثم ينصرف يعني إن شاء، وله أن يقيم بمكانه وهل له أن يتنفل قبل أو بعد أم لا؟ أما الصحراء فإنه لا يتنفل فيها بالإطلاق عند الأكثر اتفاقا وقال عياض عن ابن وهب يتنفل بعدها لا قبلها، وقال ابن أبي زمنين يجوز مطلقا لغير الإمام وله يكره وأما في المسجد فثالثها يتنفل بعدها حكاه غير واحد واستحب ابن حبيب أن لا

стр. 231

يتنفل إلى الزوال فعلى هذا لا يتنفل في منزله إذا رجع. (ويستحب له أن يرجع من طريق غير الطريق التي أتى منها والناس كذلك): الأصل في ذلك فعله ﵊ حسبما رواه جابر قال ابن القصار، واختلف في تأويله فقيل لأنه كان يسأل في طريقه عن أمور الدين فيرجع من غيره ليسأله أهل الطريق الثاني، وقيل لينال أهل الطريق الثاني من النظر إليه والتبرك به والسلام عليه مثل ما نال الأولون. وقيل لتنتشر أصحابه بالمدينة ويكثروا في عين العدو وقيل لتكثير خطاه فيكثر ثوابه وقيل لتتسع الطريق بالناس، وقيل من أجل الصدقة التي كانت تفرق على الفقراء، وقال الأبهري والقاضي عبد الوهاب ذكر في ذلك معان أكثرها دعاوى فارغة وليس فيها إلا الاقتداء ذكره ابن عات. وسئل مالك عن قول الرجل لأخيه في العيد تقبل الله منها ومنك، وغفر لنا ولك، قال لا أعرفه ولا أنكره. قال ابن حبيب لم يعرفه سنة ولم ينكره على من قاله لأنه قول حسن، ورأيت من أدركنا من أصحابنا لا يبدءون به ولا ينكرونه على من قاله لهم ويردون عليه مثله قال ولا باس عندي أن يبدأ به. قلت: وكان بعض من لقيته من القرويين وهو الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله الشبيبي يفتي إلى أن مات بأن الابتداء به واجب فأحرى الرد به قائلا لما يؤول إليه الأمر من الغيبة والفتنة إن لم يفعل ذلك حسبما هو مشاهد. (وإن كان في الأضحى خرج بأضحيته إلى المصلى فذبحها أو نحرها ليعلم ذلك الناس فيذبحون بعده): المطلوب أن يخرج الإمام أضحيته للمصلى كما قال وهل ذلك مستحب أم لا؟ فقيل إن ذلك مستحب على ظاهر رواية محمد في قوله الصواب ذبح الإمام بالمصلى بعد نزوله عن المنبر ثم يذبح الناس في منازلهم، ومن شاء ذبح بالمصلى بعد ذبح الإمام وللإمام تأخير ذبحه إلى داره. وقال ابن رشد: السنة ذبحه بالمصلى فظاهره كما قيل كراهة ذبحه بمنزله قال ابن الحاجب: فإن لم يبرزها ففي الذبح قبله قولان، ولو توانى فظاهره أن الخلاف فيه ابتداء والذي يحكيه غير واحد إنما هو بعد الوقوع فيمن ذبح قبله بحيث لو ذبح الإمام

стр. 232

في المصلى كان يذبح هذا بعده. (وليذكر الله في خروجه من بيته في الفطر والأضحى جهرا حتى يأتي المصلى الإمام والناس كذلك): لا خلاف أن الأمر كما قال إذا خرج بعد طلوع الشمس، واختلف إذا خرج قبل الطلوع على ثلاثة أقوال: فقيل يكبر وقيل لا يكبر والقولان لمالك الأول منهما في المبسوط، والثاني في المجموعة، وفهم اللخمي المدونة عليه وسلمه خليل وقيل إن أسفر كبر وإلا فلا، قاله ابن حبيب وسأل سحنون ابن القاسم: هل عين مالك التكبير؟ فقال: لا وما كان مالك يحد في مثل هذا شيئا واختار ابن حبيب التكبير أيام التشريق دبر الصلوات وهو الذي نص عليه مالك في مختصر ابن عبد الحكم وصفته: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وزاد على هذا اللهم اجعلنا لك من الشاكرين وزاد أصبغ عليه الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. قال: وما زدت أو نقصت أو قلت غيره فلا حرج. (فإذا دخل الإمام للصلاة قطعوا ذلك): يريد الشيخ بقوله للصلاة أي محل الصلاة وليس مراده إذا كبر تكبيرة الإحرام قطعوا، وما ذكرناه من التأويل هو قول ابن مسلمة، ورواه أشهب عن مالك وقيل إذا وصل إلى المصلى قطعوا قاله مالك أيضًا. ونقل التادلي عن صاحب الحلل أن الناس افترقوا بالقيروان في المصلى فرقتين للذكر بمحضر أبي عمران الفاسي وأبي بكر بن عبد الرحمن؛ فإذا فرغت إحداهما من التكبير سكتت وأجابت الأخرى بمثل ذلك فسئلا عن ذلك فقالا إنه لحسن. قلت: واستمر العمل على ذلك عندنا بإفريقية بمحضر غير واحد من أكابر الشيوخ. (ويكبرون بتكبير الإ مام في خطبته وينصتون له فيما سوى ذلك): ما ذكر من أن الحاضرين يكبرون بتكبيره هو قول مالك في المبسوط، وقال المغيرة لا يكبرون، ووجه بأن ذلك مخافة أن يتصل ذلك فيمتنع الإنصات وما ذكر أنه ينصتون فيما سوى ذلك هو قول مالك في سماع ابن القاسم، وروى أشهب وغيره ليس الكلام فيهما كالجمعة.

стр. 233

(فإن كانت أيام النحر فليكبر الناس دبر الصلوات من صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الصبح في اليوم الرابع منه وهو آخر أيام منى يكبر إذا صلى الصبح ثم يقطع): حكم التكبير الاستحباب ولا أعلم فيه خلافا، وانظر هل يتخرج فيه قول بالسنية من أحد القولين أن من نسيه يكبره متى ما ذكره حسبما نقله المازري أم لا؟ وما ذكر الشيخ من أنه يقطع إذا صلى الصبح هو المشهورن وقيل يكبر ستة عشرة فيقطع إذا صلى الظهر نقله هو ﵀ عن ابن الجهم وعزاه غيره لبعض أصحاب سحنون وظاهر قوله أنه لا يكبر عقب النوافل لقوله: من صلاة الظهر إلى صلاة الصبح وهو كذلك في القول المشهور قاله الفاكهاني في شرح العمدة. وقيل: يكبر عقبها رواه الواقدي وظاهر كلامه أيضًا أن النساء يكبرن كغيرهن وهو المعروف، وفي المختصر لا يكبرن وظاهر كلامه ولا يكبر في غير دبر الصلوات وهو كذلك، وروي عن مالك أنه يكبر في دبر الصلوات وفي الطريق وفي غير ذلك، قال في المدونة ومن نسي تكبيرالعيدين رجع فكبر إن قرب وإن بعد فلا شيء عليه، وتقدم نقل المازري القول الثاني ولو ترتب على المصلي سجود السهو بعد السلام فإن التكبير يؤخر. (والتكبير دبر الصلوات الله أكبر الله أكبر وإن جمع مع التكبير تهليلا وتحميدا فحسن يقول إن شاء ذلك الله أكبر، الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وقد روي عن مالك هذا والاول وكل واسع والأيام المعلومات: أيام النحر الثلاثة والأيام المعدودات: أيام منى وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر): بقي عليه رواية ابن القاسم في المدونة بعدم التحديد قال عياض والمشهور التحديث بالثلاث. (والغسل للعيدين حسن وليس بلازم): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة ونصها: وغسل العيدين حسن وليس كوجوبه في الجمعة وظاهره الاستحباب، وحكى ابن بشير قولا بأنه سنة ومثله لابن يونس قال المسنون من الغسل خمسة: غسل الجمعة، وغسل العيدين، والإحرام والطواف والوقوف بعرفة واختار اللخمي مساواته لغسل الجمعة وغسل العيدين، لقوله ﵇ وهو في الموطأ: "إن هذا يوم جعله الله عيدا للمؤمنين فاغتسلوا له" فأمر بغسل الجمعة لشبهها بالعيد وأوجبه على ذي رائحة خبيثة أحب لشهود العيد، قال ابن حبيب

стр. 234

وأفضله بعد صلاة الصبح، وفي المختصر وسماع أشهب وابن نافع هو قبل الفجر واسع قال ابن زرقون ظاهره ولو غدا بعد الفجر وقال ابن رشد لم يشترط فيه اتصاله بالغد ولأنه مستحب غير مسنون. (ويستحب فيهما الطيب والحسن من الثياب): ما ذكره هو المذهب وقال ابن الحاجب: ومن سنتهما الغسل والطيب والتزين باللباس، واعترضه ابن هارون بأن المنصوص لمالك أن الطيب والتزين باللباس مستحب قلت: ويجاب عنه بأنه أراد ومن طريقها؛ لأن السنة قد تطلق على الطريقة التي هي أعم من الفضيلة والسنة والله أعلم. باب في صلاة الخسوف قيل أن الخسوف، والكسوف بمعنى واحد وهو ذهاب نور أحد النيرين أو بعضه وقيل بمعنيين، واختلف القائلون بذلك فقيل الكسوف في الشمس والخسوف في القمر وحكي عن بعض أهل اللغة عكسه وضعف بقوله تعالى (وخسف القمر) [القيامة: ٨] وقيل الكسوف ذهاب البعض والخسوف ذهاب الجميع. (وصلاة الخسوف سنة واجبة): ويريد بقوله واجبة أي مؤكدة وما ذكره هو كذلك باتفاق في خسوف الشمس وفي خسوف القمر عن ابن الجلاب واللخمي وقيل ذلك فضيلة، وروي عن مالك وبه قال أشهب ومثله في التلقين. (إذا خسفت الشمس خرج الإمام إلى المسجد فافتتح الصلاة بالناس بغير أذان ولا إقامة ثم قرأ قراءة طويلة سرا بنحو سورة البقرة ثم ركع ركوعا طويلا نحو ذلك ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ثم يقرأ دون قراءته أولا ثم يركع نحو قراءته الثانية ثم يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ثم يسجد سجدتين تامتين ثم يقوم فيقرأ دون قراءته التي تلبي ذلك ثم يركع نحو قراءته ثم يرفع كما ذكرنا ويقرأ دون قراءته هذه ثم يركع نحو ذلك ثم

стр. 235

يرفع كما ذكرنا ثم يسجد كما ذكرنا ثم يتشهد ويسلم): ما ذكر من أنها تصلي في المسجد مثله في المدونة وحكى ابن حبيب عن أصبغ أنه واسع أن يخرج لها إلى المصلى، وقال اللخمي إن كان المصر كبيرا ففي المسجد مخافة أن يشق الخروج على كثير منهم، وقد ينجلي الكسوف قبل وصولهم إلى المصلى وإن كان صغيرا، فذلك واسع؛ لأن الشأن في السنن أن تقام خارج المصر. وظاهر كلام الشيخ أن الجماعة لا يشترط فيها عدد محصور كالجمعة وهو كذلك وفي رواية ابن شعبان إذا كانت قرية فيها خمسون رجلا ومسجد تصلى فيه الجمعة فلا بأس أن يجمعوا صلاة الخسوف قال اللخمي فأجزاها في ذلك مجرى الجمعة، قال ابن الحاجب: ويصليها كل مصل حاضر أو مسافر وغيرهما واعترض بأن قوله غيرهما يرجع لإحداهما، وأجيب بأن المراد به البدوي من أهل العمود لأنه ليس بحاضر ولا وجبت عليه الجمعة ولا مسافر وإلا قصر الصلاة، وهذا الجواب نقله ابن هارون ولم يعزه وعزاه لشيخه رحمه الله تعالى، وقد علمت ما فيه وما ذكر الشيخ من أنه لا يؤذن لها ولا يقيم هو المذهب، ونقل ابن هارون عن بعض أصحابه أنه لو نادى مناد الصلاة جامعة لم يكن به بأس، وهو مذهب الشافعي وما ذكر من أنها تقرأ سرا المشهور، وروى الترمذي عن مالك أن قراءتها جهرا واختاره اللخمي لثبوته عنه ﵇ في مسلم والبخاري. وبالقياس على السنن التي يؤتى بها نهارا كالعيدين، وما ذكر من صفتها هو قول الأكثر واختار القاضي عبد الوهاب أن الإمام يطيل بحسب من خلفه والمشهور أنه يعيد الفاتحة في القيام الثاني والرابع، خلاف لابن مسلمة ويطيل السجود مثل الركوع، وفي المختصر لا يطيل السجود ولا الفصل بين السجدتين وهو ظاهر كلام الشيخ. (ولمن شاء أن يصلي في بيته مثل ذلك أن يفعل): يعني أن الجماعة فيها إنما هي مستحبة وقال ابن حبيب من شرطها الجماعة فمن فاتته صلاة الإمام فليس عليه أن يصليها، وأول وقتها حين تحل النافلة باتفاق واختلف في آخر وقته على أربعة أقوال: فقيل إلى الزوال، وروى ابن وهب إلى صلاة العصر وكلاهما في المدونة، وقيل إلى الاصفرار قاله غير واحد، وقيل إلى الغروب حكاه ابن الجلاب والقاضي عبد الوهاب. (وليس في صلاة خسوف القمر جماعة وليصل الناس عند ذلك أفذاذا والقراءة فيها

стр. 236

جهرا كسائر ركوع النوافل): ما ذكر أنها تصلى أفذاذا هو المشهور، وقال أشهب لا يمنعون من الجمع لها واختاره اللخمي، وبه قال الشافعي وما ذكر من أنها كسائر النوافل هو قول مالك، وقال الشافعي بل هي كصلاة كسوف الشمس للحديث: "فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة" فسوى بينهما وفعله عثمان وابن عباس، وبه قال أحمد واسحاق وداود والطبري وسائر المحدثين وبهذا القول أخذ عبد الملك بن الماجشون إلا أنه يقول تصلى أفذاذا. (وليس في إثر صلاة خسوف الشمس خطبة مرتبة ولا بأس أن يعظ الناس ويذكرهم): ما ذكره هو قول مالك قائلا يحضهم على الصدقة والعتق وقال أبو حنيفة والشافعي: يخطب لها كالجمعة والعيدين والاستسقاؤ لقوله في الحديث: خطب ناس، وقد ألف لها الشيخ أبو الطاهر محمد بن عبد الرحمن خطبتين. باب في صلاة الاستسقاء (صلاة الاستسقاء سنة تقام): ما ذكر من أنها سنة هو نص المدونة رواية ابن عبد الحكم قال اللخمي وذلك لجدب أو شرب ولو لدواب بصحراء وسفينة، وقلة النهر كقلة المطر قال أصبغ استسقى بمصر للنيل خمسة وعشرين يوما متوالية وحضرها ابن القاسم وابن وهب ورجال صالحون، قال اللخمي والاستسقاء لسعة خصب مباح ولنزول الجدب بغيرهم مندوب إليه لقوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى) [المائدة: ٢] ولقوله عليه

стр. 237

الصلاة والسلام "من استطاع منكم أن ينفع أخاه المؤمن فليفعل" ولقوله: "دعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة" ورده المازري بأنه بالدعاء لا بالصلاة، وأما إقامة الصلاة على سنتها في مثل هذا فلم يقم عليه دليل قال: وفي ذلك عندي نظر وتبعه ابن الحاجب قال وفي إقامة المخصبين لها لأجلهم نظر. (ويخرج لها الإمام كما يخرج للعيدين ضحوة): اعلم أنه اختلف في خروج أربعة، الأول: من لا يعقل الصلاة من الصبيان يمنع في المدونة خروجهم وأجازه غيره والثاني: أهل الذمة قال في المدونة ولا يمنعون من الخروج ومنعه أشهب في مدونته وصوبه بعض شيوخنا قائلا: إذ لا يتقرب إلى الله تعالى بأعدائه، وقد قال بعض الناس من أعظم العار أن يتوسل إلى الله بأعدائه، وعلى الأول، فقال ابن حبيب يخرجون وقت خروج الناس، ويعتزلون في ناحية ولا يخرجون قبل الناس ولا بعدهم لئلا يوافقوا نزول المطر فيكون ذلك فتنة لضعفة الناس. وقال عبد الوهاب يجوز انفرادهم بالخروج، الثالث: خروج المرأة الشابة فتخرج إن كانت غير حائض وروى اللخمي يكره لها ولا تمنع وأما الحائض فلا تخرج باتفاق، وكذلك من يخشى من خروجها الفتنة فإنها تمنع باتفاق قاله ابن حبيب، الرابع: البهائم قال اللخمي: على قول المدونة تمنع الحائض كما يمنع من خروج البهائم، وأجاز ذلك موسى بن نصير حين استسقى بأهل القيروان فخرج إلى المصلى، وفرق بين الولدان وأمهاتهم وأخرج البهائم على حدة قال ابن حبيب فر أيت المخزومي وغيره من علماء المدينة يستحسنون ذلك، ويقولون إنما أراد بإخراج المواشي وتفرقة الولدان من الأمهات أن يستدعي بذلك رقة قلوب الناس والاجتهاد في الدعاء. واختلف في وقت صلاة الاستسقاء على ثلاثة اقوال: فقيل تصلى ضحوة فقط نقله الباجي عن المدونة، وقيل إلى الزوال قاله ابن حبيب، وقيل تصلى في كل وقت ولو بعد الغروب والصبح قاله في سماع أشهب، وتأوله ابن رشد على الدعاء ورده ابن زرقون بأنه خلاف الظاهر وتردد سند في قول ابن حبيب هل هو تفسير لما في المدونة، أو خلاف؟ وقطع خليل بأنه تفسير لكون عبد الوهاب وابن الجلاب وغيرهم لم يذكروا غيره وقطع بعض شيوخنا بأنه خلاف كما قلناه. (فيصلى بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى والشمس وضحاها وفي كل ركع سجدتان وركعة واحدة ويتشهد ويسلم):

стр. 238

ما ذكر من كونها ركعتين جهرا هو كذلك باتفاق ودليله حديث عباد بن تميم قال "خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى يستسقى فتوجه إلى القبلة قائما يدعو وقلب رداءه ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة ثم انصرف " خرجه مالك في الموطأ والبخاري ومسلم إلا أن ظاهر هذا الحديث يقتضي أن الخطبة قبل الصلاة وهو مروي عن مالك والمشهور عنه عكسه، قال أشهب. واختلف في ذلك الناس، واختلف النقل عنه ﵇ في ذلك ونقل خليل قولا بأنه لا خطبة فيها وما ذكر من أنه يقرأ فيها بما قال عليه العمل عندنا وقال في المدونة يقرأ بسبح ونحوها. وقال اللخمي يقرأ بسورة من قصار المفصل وأجاز في المدونة التنفل قبلها وبعدها، وفي المذهب قول بعكسه وكل هذا بالمصلى وأما في المسجد فالاتفاق على الجواز. (ثم يستقبل الناس بوجهه فيجلس جلسة فإذا اطمأن الناس قام متوكئا على قوس أو عصا فخطب ثم جلس ثم قام فخطب فإذا فرغ استقبل القبل فحول رداءه يجعل على منكبه الأيمن على الأيسر وما على الأيسر على الأيمن ولا يقلب ذلك): ما ذكر من أنه يجلس جلسة هو المشهور، وقيل لا يجلس لأن الجلوس في الجمعة إنما كان للأذان وما ذكر من أنه يجلس ثانيا هو كذلك خلافا لمحمد بن مسلمة وبه قال أبو يوسف وأبو مهدي ولا يخرج لها بمنبر ولا يدعو في خطبته لأمير المؤمنين، وروي أن موسى بن نصير لما خطب لم يدع لعبد الملك بن مروان، فقيل له مالك لم تدع لأمير المؤمنين؟ فقال ليس هذا يوم ذلك، ويجعل الخطيب بدل التكبير الاستغفار لقوله تعالى فقلت: (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا) [هود: ٥٢] وانظر هل يقول المأمومون مثل قول الإمام في الاستغفار أم لا؟ والأقرب أنه يجري على الخلاف في تكبيرهم بتكبير الإمام في خطبته للعيدين والله أعلم، ثم وقفت عليه لخليل، قال ينبغي أن يسغفروا إذا استغفر كتكبيرهم في العيدين وما ذكر من تحويل الرداء إنما هو بعد الفراغ من الخطبة مثله في المدونة.

стр. 239

وفي المجموعة محله بين الخطبتين وقيل في أثناء خطبته وقال أصبغ: إذا أشرف على الفراغ منها، وصفة التحويل هو أن يحول ما يلي ظهره إلى السماء وما على الأيمن على الأيسر ولا يجعل أعلاه أسفله قاله في المدونة، وقال ابن الجلاب له قلبه فيجعل أسفله أعلاه. (وليفعل الناس مثله وهو قائم وهم قعود ثم يدعو كذلك ثم ينصرف وينصرفون): ما ذكر مثله في المدونة وقال محمد بن عبد الحكم لا يحولون واختاره اللخمي، وبه قال الليث بن سعد، ويريد الشيخ بقوله يحول الناس غير النساء لأن تحويلهن كشف في حقهن ونص عليه عبد الملك بن الماجشون، وقال ابن عيشون: من كان عليه برنس أو غفارة حوله يريد يخلع ثم يحول ثم يلبس. (ولا يكبر فيها وفلا في الخسوف غير تكبيرة الإحرام والخفض والرفع ولا أذان فيها ولا إقامة): ما ذكر هو مذهبنا وقال الشافعي يكبر كتكبير العيدين وهو قول ابن عباس وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز. باب ما يفعل بالمحتضر وفي غسل الميت وكفنه وتحنيطه وحمله ودفنه قال بعض الشيوخ: الاحتضار عبارة عن قرب الأجل ودنوه وسمي بذلك إما لحضور أجله وإما لحضور الملائكة، قال ابن العربي في القبس: الموت ليس بعدم محضر ولا فناء صرف، وإنما هو تبدل حال بحال وانتقال من دار إلى دار ومن غفلة إلى ذكر ومن نوم إلى يقظة ولو لم يكن الامر كذلك لكان الخلق عبثا. ثم قال أيضًا جبل الله الخلق على حب الدنيا وبغض الموت فمن كان ذلك منه ركونا إلى الدنيا وحبالها وإيثارا لها فله الويل الطويل، وإن كان خوفا من ذنوبه ورغبة في عمل صالح يحصله فله البشرى والمغفرة والنعيمن وإن كان حياء من الله تعالى لما ارتكب من الذنوب فالله تعالى: أحق أن يستحيا منه فعلى هذه الأحوال يتنزل قوله ﵇ مخبرا عن الله تعالى: "إذا أحب عبدي لقائي أحببت لقاءه وإذا كره عبدي لقائي كرهت لقاءه". قلت: وفي كلامه نظر لأن كل مؤمن لا يؤثر الدنيا على الآخرة أصلا نعم لخوفه من ذنوبه، يطلب طول البقاء في الدنيا لعله يحصل على نصيب وافر من طاعة ربه ليكون ذلك سببا لمغفرة ذنوبه، وأما أنه يؤثر الدنيا لذاتها على الآخرة فالذي أتحققه أنه

стр. 240

لا يوجد فيمن له مطلق عقل والله أعلم. (ويستحب استقبال القبلة بالمحتضر وإغماضه إذا قضى): ما ذكر من أن استقبال القبلة بالمختصر مستحب هو المعروف في المذهب وقيل إنه مكروه، وعلى ظاهر قول مالك من رواية ابن القاسم قال ما أعلم إلا من الأمر القديم وذكره ابن رشد من رواية علي، واختلف في تعليل الكراهة على ثلاثة أقول: فقال ابن حبيب إنما ذلك لأنهم كانوا يستعجلون به قبل نزول أسباب الموت ولا ينبغي لأهله أن يوجهوه حتى يغلب عليه ويوقن بالموت. وقال ابن بشير: إنما الكراهة لخوف التحديد فيعتقد أنه فرض أو سنة، وقال ابن رشد: إنما كرهه لأنه لم يرو أنه فعل بالنبي ﷺ ولا بأحد من أصحابه، ورده بعض شيوخنا بما في النوادر عن ابن حبيب، روي التوجه إلى القبلة عن علي بن أبي طالب وجماعة من السلف ﵃ وعلى المعروف روى ابن القاسم وابن وهب على شقه الأيمن فإن عجز فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة وخرج من المريض يصلي على ظهره كونه على ظهره وما ذكر من أن إغماضه مستحب هو نقل الأكثر، وقال ابن شعبان إغماضه سنة وفائدة إغماضه ستر شناعة منظره لو لم يغمض فإذا غمض بقي كالنائم. (ويلقن لا إله إلا الله عند الموت): يعني أن ذلك مستحب كما صرح به غيره، والأصل في ذلك ما أخرجه الترمذي ومسلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله محمد رسول الله" قال عبد الحق فيه حسن صحيح، قال المازري: في المعلم الأمر بالتلقين يحتمل أمرين: إما أن يكون لاعتراض الشيطان لإفساد عقيدة الإنسان في حالة الاحتضار، وإما أن يكون رغبة في أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله فيحصل له ما وعد به في الحديث الآخر وهو قوله: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، قلت: والصواب التعليل بهما معا، وذهب بعض من لاقيناه إلى أن معنى قول الشيخ ويلقن لا إله إلا الله أن ذلك ترجمة والمراد لا إله إلا الله محمد رسول الله لقوله ﵊ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" ومثله

стр. 241

للفاكهاني ونقله خليل عن ابنه فقط وهو قصور ولا يكثر عليه من التقلين، فإن قالها مرة ثم تكلم أعيدت عليه وإن لم يتكلم ترك والمطلوب أن لا يلقنه أعدى الناس إليه إلا من يحبه، فظاهر كلام الشيخ أن الصغير يلقن كغيره وهو ظاهر كلام غيره. وقال النووي: لا يلقن إلا من بلغ، قال التادلي: وظاهر كلام الشيخ أنه لا يلقن بعد الموت، وبه قال عز الدين وحمل قوله: "لقنوا موتاكم" على من دنا موته وهو بدعة إذ لم يصح فيه شيء. وقال النووي في فتاويه: وأما التلقين المعتاد في الشام بعد الدفن فالمختار استحبابه، وقد استحبه من أصحابنا القاضي حسين وأبو الفتح الزاهد وأبو الرافع المتيوي فيستحب أن يجلس إنسان عن رأس الميت عقب دفنه: يا فلان ابن فلانة أو يا عبد الله أو يا أمة الله اذكر العهد الذي خرجت عليه من الدنيا وهو شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق وأن النار حق وأن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور رضين بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا، وبالقرآن إماما وبالمؤمنين إخوة وبالكعبة قبلة الله ربي لا إله إلا هو عليه توكلت، وهو رب العرش العظيم. وسئل عنه أبو بكر بن الطلاع فقال هو الذي نختار ويعمل به، وقد روينا فيه حديثا عن أبي أمامة ليس بقوي السند ولكن اعتضد بشواهد وبعمل أهل الشام به قديما. (وإن قدر على أن يكون طاهرا وما عليه طاهر فهو أحسن): يريد وكذلك ما تحته، ويستحب تقريبه الطيب ولو بخورا وسمع ابن القاسم وأشهب البخور من عمل الناس. (ويستحب أن لا يقربه حائض ولا جنب): ما ذكر الشارح هو أحد القولين، وقال ابن عبد الحكم: لا بأس بإغماض الحائض والجنب، وقال اللخمي اختلف في تجنبه الحائض والجنب والمنع أحسن، ونقل التادلي قولا بالفرق بين الحائض فتغمضه لأنها لا تملك طهرها بخلاف الجنب وكل هذا الخلاف بحيث يكون غيرهما، أما مع الفقد فالاتفاق على أنهما كغيرهما للضرورة. (وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس ولم يكن ذلك عند مالك أمرًا معمولا به): قال التادلي: المراد ببعض العلماء هو ابن حبيب وكذلك حيث ما أطلقه في كتابه

стр. 242

وخرج أبو داود وابن ماجه أن النبي ﷺ قال: "اقرءوا يس عند موتاكم" قال النووي في إسناده ضعف وفيه رجلان مجهولان. قلت: وظاهر كلام الشخي أن الخلاف إنما في القراءة بسورة يس أما القراءة بغيرها فالاتفاق على أنها غير مشروعة هنا، وهو كذلك وظاهر كلام ابن الحاجب أن الخلاف عموما، وذلك أنه لما ذكر الخلاف بالاستحباب والكراهة في توجيه المحتضر قال، وكذلك قراءة شيء من القرآن عنده ونبه على هذا ابن عبد السلام. (ولا بأس بالبكاء بالدموع حينئذ وحسن التعزي والتصبر أجمل لمن استطاع وينهى عن الصراخ والنياحة): اعلم أن قول الشيخ بالدموع تأكيد وتبيين لئلا يحمل على الحزن والتنوين في قوله حينئذ عوض من الإضافة والتقدير والبكاء حين الاحتضار، وذلك قبل الموت فإذا مات نهي عنه حينئذ قاله الفاكهاني. وقال الشيخ أبو محمد عن ابن حبيب: البكاء قبل الموت وبعده مباح بلا رفع صو ت ولا كلام يكره ولا اجتماع نساء. انتهر عمر بن الخطاب نساء يبكين على ميت فقال رسول الله ﷺ : "دعهن يا ابن الخطاب فإن العين دامعة والنفوس مصابة والعهد حديث" ويكره اجتماعهن للبكاء ولو سرا ونهاهن عمر عند موت أبي بكر ﵁ أن يبكين وفرق جمعهن، وكذلك في موت خالد ونهي ﷺ عن لطم الخدود وشق الجيوب وضرب الصدور والدعاء بالويل والثبور. وقال: "ليس منا من حلق ولا من خرق ولا من دلق ولا من سلق" والحلق حلق الشعر والخرق خرق الثياب والدلق ضرب الخدود والسلق الصياح بالبكاء وقبيح القول. (وليس في غسل الميت حد ولكن ينقى): اختلف في غسل الميت فقيل سنة قاله أبو محمد وغيره وقيل إنه فرض قاله عبد الوهاب وابن محرز وابن عبد البر وزعم ابن بزيزة أن المشهور هو الأول وخير ابن

стр. 243

شاس بين غسله بالماء السخن والبارد وفي الجلاب لا بأس بالسخن، ويعني أنه خير من غيره لأنه أنقى، وكثيرا ما يسمع ذلك أعني لا بأس بإطلاقها على ما ذكر، واختلف هل الغسل للعبادة أو للنظافة؟ فالمشهور أنه للعبادة، وقال ابن شعبان هو للنظافة إذ قال يجوز غسله بماء الورد ونحوه إن لم يكن سرفا فإنه للقاء الملائكة لا للتطهيرن قال أبو محمد: هو خلاف قول أهل المذهب، واختار ابن العربي في القبس أنه عبادة ونظافة كالعدة فإنها عبادة وبراءة الرحم، وعلى الأول من أنه عبادة فلا يحتاج إلى نية وإنما يحتاج التعبد إليها إذا كان مما فعله الإنسان في نفسه ذكره الباجي وابن رشد قال ابن شعبان: ولا يغسل بماء زمزم ولا تزال به نجاسة قال أبو محمد: هو خلاف قول مالك وأصحابه. (ويغسل وترا بماء وسدر ويجعل في الآخرة كافور): قال اللخمي: لا يقتصر في غسله على الثلاث إن لم ينق فإن أنقي بأربع خمس أو بست سبع، وقال ابن حبيب يستحب الوتر وأدناه ثلاث ومثله لابن رشد وظاهر كلامهما لو أنقي بثمان أوتر وقال ابن عبد البر ذهب أكثر أصحاب مالك إلى أن أكثره ثلاث، وقال المازري: حكي عن مالك أن المعتبر الإنقاء لا العدد تعلقا برواية ابن القاسم ليس في حد معلوم فيتحصل في ذلك أربعة أقوال. وقول الشيخ بماء وسدر يعني ورق النبق ومثله في المدونة فأخذ منه اللخمي غسله بالماء المضاف كقول ابن شعبان، وأجيب بأن المراد لا يخلط الماء السدر بل يحك الميت بالسدر ويصب عليه الماء، وهذا الجواب عندي متجه وهو اختيار أشياخي والمدونة قابلة لذلك لأنه فرق بين ورود الماء على الإضافة والنجاسة وورودهما عليه، فالأول لا يضر وعكسه يضر، ومنهم من تأولها كقول ابن حبيب: الأولى بالماء وحده والثانية بغاسول والثالثة بكافور وإنما استحب في الآخرة كافور قيل لأنه قوي الرائحة مع ما فيه من منع الميت من السيلان. واختلف هل يجب الغسل على من غسل ميتا أم لا فقيل بوجوبه. وقيل بسقوطه وقيل باستحبابه وكلها لمالك قاله ابن عات. (وتستر عورته): قال الباجي ظاهر قول أصحابنا أنها تستر عورته، وقال ابن حبيب من سرته إلى ركبتيه، ونقل اللخمي قول ابن حبيب وفهم أن الأول هو قول المدونة وضعفه عياض في التنبيهات قائلا ليس في الكتاب ما يدل على ذلك بل لو قيل فيه ما يدل على قول

стр. 244

ابن حبيب لكان له وجه لأنه قال بأثره، ويقضي بيده إلى فرجه إن احتاج ولو كانت العورة هي نفس الفرج لما ذكر الفرج بلفظ آخر، قلت: وقد تقدم لنا في باب طهارة الماء والثوب أن في العورة ستة أقوال: فهي جارية هنا، قال المازري: استحب سحنون ستر صدره وصوبه بعضهم وظاهر نقله سواء أنحل جسمه المرض أم لا، وصوبه اللخمي فيه فقط وقيل يستر وجهه وصدره نقله الباجي عن أشهب، قال اللخمي: وأما غسل المرأة للمرأة فإنها تستر منها سرتها إلى ركبتها وعلى قول سحنون تستر جميع جسدها في الحمام في الغسل كذا تستره هنا ولا يطلع على المغسول غير غاسله ومن يليه. (ولا تقلم أظفاره ولا يحلق شعره): ما ذكر هو مذهبنا وللشافعي في أحد القولين جواز ذلك قياسا على استحباب ذلك للحي ووافقوا على أنه لا يختن، قال المؤلف ثم وقفت على قول النووي المشهور أنه لا يختن وقيل يختن الكبير دون الصغير ذكر ذلك عن مذهبهم. وإن كان المغسول امرأة فقال ابن القاسم يلف شعرها وعنه يفعلون به ما شاءوا وأما الضفر فلا. وقال ابن حبيب لا بأس أن يضفر واستحسنه بعض المتأخرين لحديث أم عطية "فنقضنا شعرها وضفرناه ثلاثة قرون وألقيناه خلفها): (ويعصر بطنه عصرا رفيقا): ما ذكر نحوه في المدونة فإن خرجت من فضلة غسل محلها وفي إعادة وضوئه خلاف.

стр. 245

(وإن وضئ وضوء الصلاة فحسن وليس بواجب ويقلب لجنبه في الغسل أحسن وإن أجلس فذلك واسع): لا معنى لقوله وليس بواجب بعد قوله فحسن وما ذكره هو المشهور ومثله لأشهب، وعنه في ترك وضوئه سعة والقولان حكاهما عنه المازري وعلى الأول ففي تكرره بتكرر الغسلات قولان أشهب وسحنون. (ولا بأس بغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة): اعلم أن لا بأس هنا لما هو خير من غيره لقول المدونة ويغسل أحد الزوجين صاحبه من غير ضرورة فظاهره الأمر بذلك، واختلف هل يقضى لهما بذلك أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقال ابن القاسم يقضى لهما بذلك وعكسه قاله غيره وقال سحنون يقضى للزوج دون الزوجة وظاهر كلام الشيخ ولو لم يبن بها وهو كذلك، وظاهره ولو طلقها طلاقا رجعيا لأنه يصدق عليها أنها زوجة، ألا ترى أن أحكام الزوجية باقية بينهما من الميراث وغيره وهي رواية ابن نافع عن مالك في المبسوط ومذهب المدونة عدم الغسل. واختاره اللخمي قائلا: لأن المراعى حال الحياة وقد كانت حراما لا يجوز له مسها حتى يحدث رجعة وظاهر كلامه ولو وضعت حملها منه وهو كذلك، واختلف إذا نكح أختها بعد موتها على قولين بالكراهة والجواز وفي المدونة يستر كل واحد صاحبه. وقال ابن حبيب يغسل أحدهما صاحبه والمرأة عريانة اختيارا، قال التونسي فظاهره رؤية كل واحد منهما عورة صاحبه إذ عورتهما في التحقيق كأجسادهما وتقدم إباحة ذلك في حال الحياة، وقال أبو عمر بن عبد البر أجمعوا على حرمة نظر فرج حي أو ميت غير الطفل الذي لا إرب فيه. (والمرأة تموت في السفر لا نساء معها ولا ذو محرم من الرجال فلييمم رجل وجهها وكفيها): ما ذكر من أنها تيمم هو المنصوص، وألزم اللخمي قول ابن شعبان بأن غسل الميت إنما هو للنظافة نفي تيمم الميت عموما وما ذكر من أن منتهى تيممها إلى الكوعين هو المذهب، وأخذ بعض الشيوخ منه أن مسح الذراعين في التيمم ليس بواجب قال ابن عبد السلام، وفيه نظر يعني إنما منع من مسحه كونه عورة ومسح الذراعين في التيمم مختلف فيه في المذهب إذ قد قيل فيهما بالاستحباب فناسب ترك

стр. 246

مسحهما هنا لما ذكر، قال وانظر كيف جاز للرجل والمرأة الأجنبيين لمس وجه الآخر ويديه مع أنه لا يجوز ذلك في حال الحياة، ثم سأل نفسه فقال إن قلت أحمله على أنه يجعل على يديه خرقة وحينئذ يضعها على التراب وأجاب بأنه لو كان كذلك لما اقتصر بالتيمم على الكوعين إذا، واختلف في المذهب إذا حضرت كتابية على ثلاثة أقوال: فقيل تغسلها قاله مالك وعكسه قال أشهب. وقال سحنون تغسلها وتيمم. (ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين إن لم يكن معهن رجل يغسله ولا امرأة من محارمه): وإذا وجد ذمي ففي غسله الثلاثة الأقوال وعزوها لمن ذكر. (فإن كانت امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته): ظاهر كلامه أنها تغسله مجردا وهو أحد الأقوال الثلاثة وهو ظاهر المدونة عند التونسي والباجي، وقيل تغسله من فوق ثوب قاله ابن القاسم وسحنون وتأوله اللخمي على المدونة. وقال أشهب تيممه أحب إلي وظاهر كلام الشيخ سواء كانت من محارم النسب أو الصهر وهو المنصوص وخرج بعض الشيوخ من تفرقة ابن نافع في غسل الرجل ذوات محارم النسب دون الصهر أن تكون المرأة كذلك قال ابن هارون وفيه نظر. (وإن كان مع الميتة ذو محرم منها غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها): ما ذكر مثله في المدونة، وقال أشهب ييممها أحب إلي، وقال ابن نافع يغسلها إن كانت محرمة بالنسب دون غيره، وروي أنه يصب عليها الماء ولا يباشر جسدها ولا من فوق ثوب، وقال ابن حبيب يغسلها وعليها ثوب يصب الماء بينه وبينها خوف لصوقه بجسمها وظاهره لا يباشر جسمها بيده، قال ابن رشد: ومعناه عندي ويده ملفوفة في خرقة فيما بين سرتها وركبتيها إلا أن يضطر لذلك وقيل كذلك إلا أن يده ملفوفة في كل غسلها قاله اللخمي فيتحصل في المسألة ستة أقوال. (ويستحب أن يكفن الميت في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة): قال ابن بشير: أقل الكفن ثوب يستر جميع جسد الميت ونحوه قال ابن الحاجب. ويجب تكفين الميت بساتر لجميعه قال ابن عبدالسلام: هذا مما لم يختلف فيه، قلت: وهو قصور منه لقول ابن رشد في التقييد والتقسيم ومثله لابن عبد البر: الواجب منه ستر العورة فقط وباقيه سنة، وقال عيسى بن دينار في المدونة يقضى على

стр. 247

الورثة والغرماء بثلاثة أثواب قال ابن رشدن ويقضى على الأولياء عند المشاحة بمثل ما يلبس في الجمع والأعياد إلا أن يوصي بأقل فلا يزاد ونحوه في كتاب ابن شعبان. وقال سحنون ولو أوصى بثوب فزاد بعض الورثة ثوبين ولم يرض غيره لم يضمن من زاد فقيل لأن عليهم في الثوب الواحد وصما، وقال ابن رشد لأنه أوصى بما لا قربة فيه فلا تنفذ وصيته، وقال ابن الحاجب: وخشونته ورقته على قدر حاله، قال ابن هارون فظاهره أن المعتبر ما يقتضيه حاله من اللباس في سائر الأيام لا في الجمعة والأعياد، وهو خلاف قول ابن رشد وما ذكر الشيخ من صفته المستحبة هو كذلك، وقيل أعلاه في الاستحباب خمسة وقال مالك في العتبية ليس في الكفن حد ولا على الناس فيه ضيق. كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب، والشهداء في يوم أحد ويوم بدر اثنان في ثوب ممشق وكفن عمر ابنا له في خمسة أثواب، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يزاد على السبع وهو كذلك ونص عليه اللخمي قائلا لأنه من معنى السرف. (وما جعل له من أزرة وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر): قال في المدونة ويعمم الميت، وفي الموطأ ويقمص ويؤزر ويلف في الثوب الثالث، وهذا مثل ما ذكر الشيخ ونقل غير واحد أن القميص والعمامة مباحان، وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية: لا يجعل في الكفن عمامة ولا مئزر ولا قميص، ولكن يدرج في ثلاثة أثواب درجا، وقال ابن شعبان: السنة ترك العمامة والقميص. (وقد كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا ﷺ : هذا الحديث خرجه مالك في الموطأ، وسحولية منسوبة إلى سحولي قرية باليمن ومعنى أدرج اي لف فيها لف، وسأل أبو محمد الموفق اسماعيل القاضي ما الذي صح عندكم في كفن النبي ﷺ فإن عبدالعزيز الهاشمي يقول في خمسة أثواب قميص وعمامة، وثلاثة أبواب، فقال اسماعيل القاضي: الذي صح عندنا ثلاثة أثواب سحولية وقال جعفر بن محمد عن أبيه كفن في ثوبين صحراويين وثوب حبرة. وقال ابن عبد السلام: كفن في ثوبه الذي مات فيه وحلة نجرانية وقيل في برد ورائطتين وقيل في برد أحمر، وقيل أسود، حكى ذلك ابن عات. واختلف المذهب هل يكفن الميت في الحرير أم لا؟ على ثلاثة أقوال: ثالثها يجوز للنساء دون الرجال ومنع

стр. 248

اللخمي الأزرق والأخضر والأسود وقيل يكره في الجميع قاله ابن عات، وفي كراهة المعصفر ثلاثة أقوال: الكراهة والجواز وكلاهما لمالك والجواز للنساء قاله ابن حبيب. (ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم): يعني هو خير من غيره لما سبق قوله وينبغي أن يحنط ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه، يعني أن حكم الحنوط الاستحباب وهو كذلك باتفاق، وقال في المدونة عن عطاء: أحب الحنوط إلي الكافور قيل وإنما اختاره لأنه اختص بالتجميد ومنع السيلان وسطوع الرائحة، قال القاضي عبد الوهاب: يحنط بالمسط والعنبر وسائر الطيب الذي يجوز التطيب به لأن النبي ﷺ حنط بالمسك وحنط عمر بالكافور، وأوصى علي أن يجعل في حنوطه مسك وقال هو أفضل حنوط النبي ﷺ وأول ما يبدأ به مواضع السجود لشرفها ثم سائر الجسد من مغابنه ومراقه وحواسه وبقية جسده ثم بين أكفانه، وهو الذي أراد الشيخ لما قد علمت من أن الواو لا تفيد الترتيب عند البصريين. وقال ابن حبيب: وتسد أذناه ومنخراه بقطنة فيها كافور وكذلك قال سحنون يسد دبره بخرقة فيها ذريرة يبالغ فيها برفع، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يفعل شيء من الحنوط من فوق الأكفان وهو كذلك لأنه سرف، وإذا حنط لف في أكفانه وربط عند رأسه ورجليه فإذا ألحد في قبره حل ذلك، قاله ابن حبيب وقال ابن شعبان يخاط عليه كفنه. (ولا يغسل الشهيد في المعترك ولا يصلى عليه): ما ذكر الشيخ من أن الشهي لا يغسل هو كذلك باتفاق، لأن الغسل إنما يراد للصلاة فإذا تعذرت الصلاة تبعها الغسل، وما ذكر أنه لا يصلى عليه هو المعروف وحكي الجوازعن مالك أنه يصلى عليه ولا يغسل ووهم في نسبته للإمام مالك ما ذكر، وظاهر كلام الشيخ وإن كان الشهيد في بلاد الإسلام وهو كذلك عند ابن وهب وأشهب، وهو ظاهر المدونة، وعن ابن القاسم أنه كغيره يغسل ويصلى عليه، وظاهر كلامه ولو كان الشهيد قتل نائما وهو قول سحنون وأصبغ، وقال أشهب هو كغيره لأن هذا يشبه ما فعل بعمر استغفله العلج وطعنه وقد غسل وصلي عليه. وظاهر كلام الشيخ ولو كان الشهيد جنبا وهو كذلك عند ابن الماجشون وأشهب، وقال سحنون هو كغيره وإنما يغسل الشهيد ولم يصل عليه لكماله فإن

стр. 249

قيل فلم غسل الأنبياء وصلي عليهم وهم أكمل الخلق فالجواب عن ذلك من وجوه ذكرها الشيخ خليل. أحدها: أن المزية لا تقتضي الأفضلية ألا ترى ما ورد من أنه إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط فإذا صلى أقبل بوسوسته. الثاني: أن الصحابة فهموا الخصوصية في شهيد المعترك فبقي ما عداه على الأصل، ولأن الشرع في إبقائهم على حالهم غرضا وهو البعث عليها لقوله ﷺ : "زملوهم بثيابهم فإنهم يبعثون يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك". الثالث: تشريع وأسوة. (ويدفن بثيابه): يحتمل أن يكون أراد بثيابه المعدة للباس غالبا فأما الدرع والمنطقة وآلة الحرب فإنها تنزع عنه، وهو كذلك عند ابن القاسم ويحتمل أن يريد بثيابه التي مات فيها فلا ينزع عنه الدرع وشبهه وهو قول مالك في المختصر، قال ابن القاسم وينزع الخاتم إن كان له فص ثمين وخرجه اللخمي على الخلاف الذي في المنطقة، ولو قصرت الثياب التي عليه فإنه يستر بقيته وظاهر كلام الشيخ أنه لا يزاد عليه شيء وهو قول مالك. وقال أشهب وأصبغ لا بأس بالزيادة قال اللخمي والأول أحسن لأنه يبعث يوم القيامة على هيئته. (ويصلى على قاتل نفسه ويصلي على من قتله الإمام في حد أو قود): لا خلاف في المذهب أن الأمر كما قال الشيخ لأنه مسلم وينبغي لأهل الفضل اجتناب الصلاة عليه وعلى أمثاله ليقع الردع بذلك، قال ابن القاسم ويصلى على ولد الزنا، وأما المبتدعة فاختلف فيهم: فقال ابن عبد الحكم: يصلى عليهم، وقال في المدونة: لا يصلى عليهم ولا تعاد مرضاهم ولا تشهد جنائزهم قال سحنون أدبا لهم، فإن خيف ضيعتهم غسلوا وصلى عليهم. وأما لو ارتد صبي ومات فإن كان غير مميز فارتداده كالعدم بلا خلاف وإن كان مميزا ففي المدونة لا يغسل ولا يصلى عليه ولا تؤكل ذبيحته، وقال سحنون يصلي عليه لأنه يجبر على الإسلام من غير قتل ويورث. (ولا يصلي عليه الإمام ولا يتبع الميت بمجمر): ما ذكر من أن الإمام لا يصلي على من قتل في حد أو قود هو مذهب المدونة،

стр. 250

وقال ابن نافع وابن عبدالحكم يصلي عليه وعلى الأول فقيل ردعا لأمثاله، وقيل لأنه منتقم لله فلا يكون شفيعا له بالصلاة عليه، ونص أبو عمران على أن الإمام يصلي عليه إذا مات هذا المقدم للقتل خوفا من القتل قبل إقامة الحد عليه لأنه ترك الصلاة عليه من توابع الحد وقبله خليل. (والمشي أمام الجنازة أفضل): ظاهر كلام الشيخ أن الركبان يتأخرون وهو كذلك على المشهور: وقال أشهب بالتقدم مطلقا وعكسه قاله غيره، وقال أبو مصعب يجوز المشي أمام وخلف وذلك واسع قال اللخمي وهو ظاهر قول مالك في المدونة لأنه قال لا بأس بالمشي أمامها، قلت: ووهمه بعض شيوخنا لأنه قال في المدونة المشي أمامها هو السنة، ومثله لصاحب البيان والتقريب قائلا قاله فيها عقب ذكر ما نقله عنها، وقيل بالمشي أمامها إلى المصلى ثم خلفها إلى القبر، وقيل يمشون خلفها إلا أن يكون نساء فيمشون أمامها لئلا يختلط الرجال بالنساء، وهذان القولان ذكرهما الشيخ خليل وعزا الأول لبعضهم، والثاني لنقل ابن رشد فيتحصل في المسألة ستة أقوال: وعلى الأول فإن المشي أمامها هو المطلوب فيتحصل في حكمه قولان فقيل إن ذلك سنة على ما قال شيخنا، وقيل إن ذلك فضيلة على ما قال المؤلف ﵀. ومثله لابن الجلاب، وكل هذا في حق الرجال وأما النساء فيتأخرون قولا واحدا، والنساء بالنسبة إلى الخروج على ثلاثة أقسام: يجوز للقواعد ويحرم على مخشية الفتنة وفيما بينهما الكراهة إلا في القريب جدا كالأب والابن والزوج وكره ابن حبيب خروجهن في جنازة القريب وغيره قال: وينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك فقد أمر النبي ﷺ بطرد امرأة، وقال لنساء في جنازة "أتحملنه؟ قلن: لا قال: أفتدخلنه في قبره؟ قلن: لا، قال: أفتحثين عليه التراب؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات" وكان مسروق يحثي التراب في وجوههن، ويطردهن فإن رجعن وإلا رجع وكان فعل الحسن كذلك ويقول لا تدع حقا لباطل. وقال اللخمي كانوا إذا خرجوا بالجناز غلقوا الأبواب على النساء وقال ابن عمر ليس للنساء حق في الجنازة. (ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن): يعني للقبلة ويمد يمناه تحت جسده ويعدل رأسه بالتراب ورجلاه برفق ويحل عقد كفنه فإن جعلوا رأسه مكان رجليه أو استدبروا به القبلة ووراوه لم يخرجوا من
следующие страницы →