Полный текст (890 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
مسحهما هنا لما ذكر، قال وانظر كيف جاز للرجل والمرأة الأجنبيين لمس وجه الآخر ويديه مع أنه لا يجوز ذلك في حال الحياة، ثم سأل نفسه فقال إن قلت أحمله على أنه يجعل على يديه خرقة وحينئذ يضعها على التراب وأجاب بأنه لو كان كذلك لما اقتصر بالتيمم على الكوعين إذا، واختلف في المذهب إذا حضرت كتابية على ثلاثة أقوال: فقيل تغسلها قاله مالك وعكسه قال أشهب. وقال سحنون تغسلها وتيمم.
(ولو كان الميت رجلا يمم النساء وجهه ويديه إلى المرفقين إن لم يكن معهن رجل يغسله ولا امرأة من محارمه):
وإذا وجد ذمي ففي غسله الثلاثة الأقوال وعزوها لمن ذكر.
(فإن كانت امرأة من محارمه غسلته وسترت عورته):
ظاهر كلامه أنها تغسله مجردا وهو أحد الأقوال الثلاثة وهو ظاهر المدونة عند التونسي والباجي، وقيل تغسله من فوق ثوب قاله ابن القاسم وسحنون وتأوله اللخمي على المدونة.
وقال أشهب تيممه أحب إلي وظاهر كلام الشيخ سواء كانت من محارم النسب أو الصهر وهو المنصوص وخرج بعض الشيوخ من تفرقة ابن نافع في غسل الرجل ذوات محارم النسب دون الصهر أن تكون المرأة كذلك قال ابن هارون وفيه نظر.
(وإن كان مع الميتة ذو محرم منها غسلها من فوق ثوب يستر جميع جسدها):
ما ذكر مثله في المدونة، وقال أشهب ييممها أحب إلي، وقال ابن نافع يغسلها إن كانت محرمة بالنسب دون غيره، وروي أنه يصب عليها الماء ولا يباشر جسدها ولا من فوق ثوب، وقال ابن حبيب يغسلها وعليها ثوب يصب الماء بينه وبينها خوف لصوقه بجسمها وظاهره لا يباشر جسمها بيده، قال ابن رشد: ومعناه عندي ويده ملفوفة في خرقة فيما بين سرتها وركبتيها إلا أن يضطر لذلك وقيل كذلك إلا أن يده ملفوفة في كل غسلها قاله اللخمي فيتحصل في المسألة ستة أقوال.
(ويستحب أن يكفن الميت في وتر ثلاثة أثواب أو خمسة أو سبعة):
قال ابن بشير: أقل الكفن ثوب يستر جميع جسد الميت ونحوه قال ابن الحاجب. ويجب تكفين الميت بساتر لجميعه قال ابن عبدالسلام: هذا مما لم يختلف فيه، قلت: وهو قصور منه لقول ابن رشد في التقييد والتقسيم ومثله لابن عبد البر: الواجب منه ستر العورة فقط وباقيه سنة، وقال عيسى بن دينار في المدونة يقضى على
стр. 247
الورثة والغرماء بثلاثة أثواب قال ابن رشدن ويقضى على الأولياء عند المشاحة بمثل ما يلبس في الجمع والأعياد إلا أن يوصي بأقل فلا يزاد ونحوه في كتاب ابن شعبان.
وقال سحنون ولو أوصى بثوب فزاد بعض الورثة ثوبين ولم يرض غيره لم يضمن من زاد فقيل لأن عليهم في الثوب الواحد وصما، وقال ابن رشد لأنه أوصى بما لا قربة فيه فلا تنفذ وصيته، وقال ابن الحاجب: وخشونته ورقته على قدر حاله، قال ابن هارون فظاهره أن المعتبر ما يقتضيه حاله من اللباس في سائر الأيام لا في الجمعة والأعياد، وهو خلاف قول ابن رشد وما ذكر الشيخ من صفته المستحبة هو كذلك، وقيل أعلاه في الاستحباب خمسة وقال مالك في العتبية ليس في الكفن حد ولا على الناس فيه ضيق. كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب، والشهداء في يوم أحد ويوم بدر اثنان في ثوب ممشق وكفن عمر ابنا له في خمسة أثواب، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يزاد على السبع وهو كذلك ونص عليه اللخمي قائلا لأنه من معنى السرف.
(وما جعل له من أزرة وقميص وعمامة فذلك محسوب في عدد الأثواب الوتر):
قال في المدونة ويعمم الميت، وفي الموطأ ويقمص ويؤزر ويلف في الثوب الثالث، وهذا مثل ما ذكر الشيخ ونقل غير واحد أن القميص والعمامة مباحان، وروى يحيى عن ابن القاسم في العتبية: لا يجعل في الكفن عمامة ولا مئزر ولا قميص، ولكن يدرج في ثلاثة أثواب درجا، وقال ابن شعبان: السنة ترك العمامة والقميص.
(وقد كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية أدرج فيها إدراجا ﷺ :
هذا الحديث خرجه مالك في الموطأ، وسحولية منسوبة إلى سحولي قرية باليمن ومعنى أدرج اي لف فيها لف، وسأل أبو محمد الموفق اسماعيل القاضي ما الذي صح عندكم في كفن النبي ﷺ فإن عبدالعزيز الهاشمي يقول في خمسة أثواب قميص وعمامة، وثلاثة أبواب، فقال اسماعيل القاضي: الذي صح عندنا ثلاثة أثواب سحولية وقال جعفر بن محمد عن أبيه كفن في ثوبين صحراويين وثوب حبرة.
وقال ابن عبد السلام: كفن في ثوبه الذي مات فيه وحلة نجرانية وقيل في برد ورائطتين وقيل في برد أحمر، وقيل أسود، حكى ذلك ابن عات. واختلف المذهب هل يكفن الميت في الحرير أم لا؟ على ثلاثة أقوال: ثالثها يجوز للنساء دون الرجال ومنع
стр. 248
اللخمي الأزرق والأخضر والأسود وقيل يكره في الجميع قاله ابن عات، وفي كراهة المعصفر ثلاثة أقوال: الكراهة والجواز وكلاهما لمالك والجواز للنساء قاله ابن حبيب.
(ولا بأس أن يقمص الميت ويعمم):
يعني هو خير من غيره لما سبق قوله وينبغي أن يحنط ويجعل الحنوط بين أكفانه وفي جسده ومواضع السجود منه، يعني أن حكم الحنوط الاستحباب وهو كذلك باتفاق، وقال في المدونة عن عطاء: أحب الحنوط إلي الكافور قيل وإنما اختاره لأنه اختص بالتجميد ومنع السيلان وسطوع الرائحة، قال القاضي عبد الوهاب: يحنط بالمسط والعنبر وسائر الطيب الذي يجوز التطيب به لأن النبي ﷺ حنط بالمسك وحنط عمر بالكافور، وأوصى علي أن يجعل في حنوطه مسك وقال هو أفضل حنوط النبي ﷺ وأول ما يبدأ به مواضع السجود لشرفها ثم سائر الجسد من مغابنه ومراقه وحواسه وبقية جسده ثم بين أكفانه، وهو الذي أراد الشيخ لما قد علمت من أن الواو لا تفيد الترتيب عند البصريين.
وقال ابن حبيب: وتسد أذناه ومنخراه بقطنة فيها كافور وكذلك قال سحنون يسد دبره بخرقة فيها ذريرة يبالغ فيها برفع، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يفعل شيء من الحنوط من فوق الأكفان وهو كذلك لأنه سرف، وإذا حنط لف في أكفانه وربط عند رأسه ورجليه فإذا ألحد في قبره حل ذلك، قاله ابن حبيب وقال ابن شعبان يخاط عليه كفنه.
(ولا يغسل الشهيد في المعترك ولا يصلى عليه):
ما ذكر الشيخ من أن الشهي لا يغسل هو كذلك باتفاق، لأن الغسل إنما يراد للصلاة فإذا تعذرت الصلاة تبعها الغسل، وما ذكر أنه لا يصلى عليه هو المعروف وحكي الجوازعن مالك أنه يصلى عليه ولا يغسل ووهم في نسبته للإمام مالك ما ذكر، وظاهر كلام الشيخ وإن كان الشهيد في بلاد الإسلام وهو كذلك عند ابن وهب وأشهب، وهو ظاهر المدونة، وعن ابن القاسم أنه كغيره يغسل ويصلى عليه، وظاهر كلامه ولو كان الشهيد قتل نائما وهو قول سحنون وأصبغ، وقال أشهب هو كغيره لأن هذا يشبه ما فعل بعمر استغفله العلج وطعنه وقد غسل وصلي عليه.
وظاهر كلام الشيخ ولو كان الشهيد جنبا وهو كذلك عند ابن الماجشون وأشهب، وقال سحنون هو كغيره وإنما يغسل الشهيد ولم يصل عليه لكماله فإن
стр. 249
قيل فلم غسل الأنبياء وصلي عليهم وهم أكمل الخلق فالجواب عن ذلك من وجوه ذكرها الشيخ خليل.
أحدها: أن المزية لا تقتضي الأفضلية ألا ترى ما ورد من أنه إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط فإذا صلى أقبل بوسوسته.
الثاني: أن الصحابة فهموا الخصوصية في شهيد المعترك فبقي ما عداه على الأصل، ولأن الشرع في إبقائهم على حالهم غرضا وهو البعث عليها لقوله ﷺ : "زملوهم بثيابهم فإنهم يبعثون يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك".
الثالث: تشريع وأسوة.
(ويدفن بثيابه):
يحتمل أن يكون أراد بثيابه المعدة للباس غالبا فأما الدرع والمنطقة وآلة الحرب فإنها تنزع عنه، وهو كذلك عند ابن القاسم ويحتمل أن يريد بثيابه التي مات فيها فلا ينزع عنه الدرع وشبهه وهو قول مالك في المختصر، قال ابن القاسم وينزع الخاتم إن كان له فص ثمين وخرجه اللخمي على الخلاف الذي في المنطقة، ولو قصرت الثياب التي عليه فإنه يستر بقيته وظاهر كلام الشيخ أنه لا يزاد عليه شيء وهو قول مالك. وقال أشهب وأصبغ لا بأس بالزيادة قال اللخمي والأول أحسن لأنه يبعث يوم القيامة على هيئته.
(ويصلى على قاتل نفسه ويصلي على من قتله الإمام في حد أو قود):
لا خلاف في المذهب أن الأمر كما قال الشيخ لأنه مسلم وينبغي لأهل الفضل اجتناب الصلاة عليه وعلى أمثاله ليقع الردع بذلك، قال ابن القاسم ويصلى على ولد الزنا، وأما المبتدعة فاختلف فيهم: فقال ابن عبد الحكم: يصلى عليهم، وقال في المدونة: لا يصلى عليهم ولا تعاد مرضاهم ولا تشهد جنائزهم قال سحنون أدبا لهم، فإن خيف ضيعتهم غسلوا وصلى عليهم. وأما لو ارتد صبي ومات فإن كان غير مميز فارتداده كالعدم بلا خلاف وإن كان مميزا ففي المدونة لا يغسل ولا يصلى عليه ولا تؤكل ذبيحته، وقال سحنون يصلي عليه لأنه يجبر على الإسلام من غير قتل ويورث.
(ولا يصلي عليه الإمام ولا يتبع الميت بمجمر):
ما ذكر من أن الإمام لا يصلي على من قتل في حد أو قود هو مذهب المدونة،
стр. 250
وقال ابن نافع وابن عبدالحكم يصلي عليه وعلى الأول فقيل ردعا لأمثاله، وقيل لأنه منتقم لله فلا يكون شفيعا له بالصلاة عليه، ونص أبو عمران على أن الإمام يصلي عليه إذا مات هذا المقدم للقتل خوفا من القتل قبل إقامة الحد عليه لأنه ترك الصلاة عليه من توابع الحد وقبله خليل.
(والمشي أمام الجنازة أفضل):
ظاهر كلام الشيخ أن الركبان يتأخرون وهو كذلك على المشهور: وقال أشهب بالتقدم مطلقا وعكسه قاله غيره، وقال أبو مصعب يجوز المشي أمام وخلف وذلك واسع قال اللخمي وهو ظاهر قول مالك في المدونة لأنه قال لا بأس بالمشي أمامها، قلت: ووهمه بعض شيوخنا لأنه قال في المدونة المشي أمامها هو السنة، ومثله لصاحب البيان والتقريب قائلا قاله فيها عقب ذكر ما نقله عنها، وقيل بالمشي أمامها إلى المصلى ثم خلفها إلى القبر، وقيل يمشون خلفها إلا أن يكون نساء فيمشون أمامها لئلا يختلط الرجال بالنساء، وهذان القولان ذكرهما الشيخ خليل وعزا الأول لبعضهم، والثاني لنقل ابن رشد فيتحصل في المسألة ستة أقوال: وعلى الأول فإن المشي أمامها هو المطلوب فيتحصل في حكمه قولان فقيل إن ذلك سنة على ما قال شيخنا، وقيل إن ذلك فضيلة على ما قال المؤلف ﵀.
ومثله لابن الجلاب، وكل هذا في حق الرجال وأما النساء فيتأخرون قولا واحدا، والنساء بالنسبة إلى الخروج على ثلاثة أقسام: يجوز للقواعد ويحرم على مخشية الفتنة وفيما بينهما الكراهة إلا في القريب جدا كالأب والابن والزوج وكره ابن حبيب خروجهن في جنازة القريب وغيره قال: وينبغي للإمام أن يمنعهن من ذلك فقد أمر النبي ﷺ بطرد امرأة، وقال لنساء في جنازة "أتحملنه؟ قلن: لا قال: أفتدخلنه في قبره؟ قلن: لا، قال: أفتحثين عليه التراب؟ قلن: لا، قال: فارجعن مأزورات غير مأجورات" وكان مسروق يحثي التراب في وجوههن، ويطردهن فإن رجعن وإلا رجع وكان فعل الحسن كذلك ويقول لا تدع حقا لباطل. وقال اللخمي كانوا إذا خرجوا بالجناز غلقوا الأبواب على النساء وقال ابن عمر ليس للنساء حق في الجنازة.
(ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن):
يعني للقبلة ويمد يمناه تحت جسده ويعدل رأسه بالتراب ورجلاه برفق ويحل عقد كفنه فإن جعلوا رأسه مكان رجليه أو استدبروا به القبلة ووراوه لم يخرجوا من
стр. 251
قبره نزعوا ترابه وحولوه إلى القبلة، وإن خرجوا من قبره وواروه تركوه، قال سحنون وقال ابن حبيب يخرج ما لم يخف تغيره وقال ابن القاسم وغيره ميت السفينة إن طمعوا بالبر في يوم ونحوه أخر إليه، وإلا جهز وشد كفنه عليه ووضع في البحر كوضعه في قبره ولا يثقل بشيء وحق على واجده بالبر دفنه، وقال سحنون يثقل ونقل التادلي قولاً ثالثًا وهو إن كان قريبًا من البر فلا يثقل وإلا ثقل. وقال النووي إن كان أهل السواحل كفارا ثقل قال التادلي: وهذا لا يختلف فيه عندنا، قال ابن حبيب لا بأس بالصلاة والدفن ليلا وقاله مطرف وابن أبي حازم ودفن الصديق وعائشة وفاطمة ليلا.
(وينصب عليه اللبن):
قال ابن سيده اللبنة ما يعمل من الطين بالتبن وربما عمل بدونه والجمع لبن ولبن وسمع موسى أكره الدفن في التابوت ويجعل ألواح على القبر إن وجد لبن أو أجر، وقال ابن حبيب: أفضله اللبن ثم الألواح ثم القراميد ثم القصب ثم سن التراب وهو خير من التابوت، وقال سحنون لم يكره التابوت غير ابن القاسم قال ابن عات التابوت مكروه عند أهل العلم، وقال بعض الصالحين ما جنبي الأيمن بأخص بالتراب من جنبي الأيسر وأمر أن يحثى عليه التراب دون غطاء.
(ويقول حينئذ اللهم إن صاحبنا قد نزل بك وخلف الدنيا وراء ظهره وافتقر إلى ما عندك اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به وألحقه بنبيه محمد ﷺ :
ما ذكر لا يتعين بل يدعو بما أحب قال ابن عبدوس عن أشهب يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله ﷺ اللهم تقبله بأحسن قبول وإن دعا بغيره فحسن والترك واسع.
(ويكره البناء على القبور وتجصيصها):
اعلم أن البناء على القبور على ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز وهو إذا قصد به المباهاة، وقسم مكروه وهو غذا لم يقصد به شيئا، وقسم اختلف فيه وهو إذا قصد به التمييز بالكراهة والجواز، وعزا اللخمي الأول للمدونة، والثاني لغيرها وهذه طريقة اللخمي واعترض بعض شيوخنا نقله بأن البناء إذا قصد به التمييز لا خلاف أنه جائز، وحمل قول المدونة على ما إذا لم يقصد به التمييز، ونص ابن هارون واللخمي قائلا كذلك حكاه غيره قال ابن القاسم ولا بأس بالحجر والعود يعرف الرجل بله قبر وليه ما لم يكتب عليه ولا يجعل على القبر بلاطة ويكتب عليها ونحوه.
стр. 252
قال ابن حبيب يكره النقش على القبر، وقال الحاكم في مستدركه إثر تصحيح أحاديث النهي عن البناء والكتب على القبر ليس العمل، فإن أئمة المسلمين شرقا وغربا مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذه الخلف عن السلف، وأما لو بنى بيتا أو حائطا حول القبر ليصونه فقال بعض البغداديين: ذلك جائز إلا أن يضيق على الناس في موضع مباح أو بنى في ملك رجل بغير إذنه، وقال اللخمي: يمنع بناء البيوت على القبور لأن ذلك مباهاة ولا يؤمن ما يكون فيها من الفساد ولا بأس بالحائط اليسير ليكون حاجزا لئلا يختلط على الناس موتاهم.
(ولا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يدخله قبره إلا أن يخاف أن يضيع فليواره):
ما ذكر الشيخ صحيح، قال أشهب ولا يتعمد به قبلة أحد وروى ابن حبيب لا بأس أن يقوم بأمر أمه الكافرة ويكفنها ثم يسلمها لأهل دينها ولا يصحبها إلا أن يخش ضياعها فيتقدم إلى قبرها ولا يدخلها فيه إلا أن لا يجد كافيا، وقال ابن حبيب في الأب والأخ وشبهه وزاد إن لم يخش ضاعها وأحب حضور دفنه فليتقدمه معتزلا عنه.
وعن حامله قال الشيخ أبو محمد وروى علي إذا ماتت الكتابية حملت من مسلم يلي دفنها أهل دينها بمقبرتهم، ونقل الشيخ عبد السلام بن غالب المسراتي القيرواني في وجيزه عن المذهب: تدفن بطرف مقبرة المسلمين ووهمه بعض شيوخنا بأن المذهب ما تقدم.
(واللحد أحب إلى أهل العلم من الشق وهو أن يحفر للميت تحت الجرف في حائط قبلة القبر وذلك إن كانت تربة صلبة لا تتهيل ولا تتقطع وكذلك فعل برسول الله ﷺ :
ما ذكر من أن اللحد هو أحب من الشق مثله لابن حبيب والمستحب أن لا يعمق القبر جدا بل قدر عظم الذراع فقط، نقله أبو محمد عن ابن حبيب وقبله وقال الباجي: ولعله يريد في حفر اللحد وأما نفس القبر فيكون أكثر قال ابن عات من رأى تعميقه القامة والقامتين إنما رآه في أرض الوحش أو توقع النبش.
باب في الصلاة على الجنائز والدعاء للميت
الجنائز جمع جنازة كسر الجيم وفتحها لغتان مشهورتها فقيل بمعنى واحد، وقيل بالفتح الميت وبالكسر النعش وعليه الميت وقيل عكسه، حكاه صاحب المطالع فإن لم يكن عليه ميت فهو سرير ونعش وقيل مشتق من جنزه إذا ستره.
واختلف في حكم الصلاة على الجنازة على ثلاثة أقوال: فقيل سنة قاله أصبغ
стр. 253
وقيل فرض كفاية قاله ابن عبدالحكم وأشهب وسحنون والقاضي عبد الوهاب وهو ظاهر نقل ابن الجلاب عن مالك في قوله قال مالك: صلاة الجنازة واجبة، وقال ابن زرقون في تلقين الشارقي هي مستحبة، ورواه ابن عيشون وأخذ القابسي أنها غير واجبة من قول مالك تجوز صلاة الجنازة بتيمم الفريضة ومن تشبيهه فعلها بعد صلاة العصر بسجود التلاوة قال ولم أجد لمالك فيها نصا.
وأجيب بالنسبة إلى التحريم لكونها فرض كفاية، قال بعض شيوخنا بقصور كلامه في قوله لم أجد لمالك فيها نصا فنقل ابن الجلاب عن مالك وجوبها، قال بعضهم قال ابن رشد في البيان والنداء بالجنازة في المسجد لا ينبغي ولا يجوز باتفاق، وأما على باب المسجد فكرهه مالك في العتبية واستحبه ابن وهب، وأما الأذان بها والإعلام من غير نداء فذلك جائز باتفاق، وقال أبو محمد في نوادره ولا ينادى استغفروا لها، وسمع سعيد بن جبير شخصا يقول ذلك فقال لا غفر الله لك، قال مطرف عن مالك ولم يزل شأن الناس الازدحام على نعش الرجل الصالح ولقد تكسر تحت سالم بن عبدالله نعشان وتحت عائشة ثلاثة.
قال ابن حبيب وابن وهب ولا باس أن يحمل الميت من البادية إلى الحاضرة ومن موضع إلى موضع آخر يدفن فيه، قلت وذكر ابن عبد البر أن سعد بن أبي وقاص حمل من موضعه من العقيق على عشرة أميال في المدينة وحمل على أعناق الرجال.
(والتكبير على الجنازة أربع تكبيرات):
اختلف الناس في مقدار التكبير من ثلاث إلى تسع، وانعقد الإجماع بعد ذلك على أن مقدار التكبير أربع ما عدا ابن أبي ليلى قائلا بأن التكبير خمس، وإن سها المصلي فكبر ثلاثا وسلم وذكر بالقرب فقال ابن عبد السلام: يرجع بنيته فقط ولا يكبر لما يلزم عليه من الزيادة في عد التكبير بل يقتصر على النية ويأتي بالتكبيرة التي بقيت عليه ويسلم.
قلت: الصواب عندي أنه يكبر كالفريضة وقد تقدم ما في ذلك من الكلام، واختلف المذهب إذا زاد الإمام خامسة فروى ابن القاسم يسلم المأموم ولا ينتظره، وروى ابن الماجشون ينتظره ساكتا حتى يسلم بسلامه، واعترض ابن هارون الأول بما إذا قام الإمام إلى خامسة سهوا فإنهم ينتظرونه حتى يسلموا بسلامه واعترض غيره الثاني بأنه يقول إذا سجد الإمام لسهو لا يرى المأموم فيه سجودا فإنه يتبعه فيه وإن كان
стр. 254
خلاف مذهبه.
وأجيب بأن ترك المتابعة في السجود إظهار المخالفة الممنوعة بخلاف تركها في التكبير والاتفاق على أن الصلاة مجزية مراعاة للخلاف القوي بخلاف إذا زاد على الخامسة عمدا على ظاهر قولهم قاله ابن هارون، واختلف إذا كان مسبوقا فقيل يكبر الخامسة ويعتد بها قاله أصبغ وقيل لا يعتد بها ولو كبرها قاله أشهب.
(يرفع يديه في أولاهن وإن رفع في كل تكبيرة فلا بأس):
ما ذكر الشيخ مثله في سماع أشهب قال: يرفع يديه في الأولى وهو مخير في البواقي، ورواه ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ، وقيل يرفع في الأولى خاصة واختاره أبو اسحاق التونسي كسائر الصلوات، وروى ابن وهب أنه يرفع في الأربع، وذكر ذلك ابن شعبان عن النبي ﷺ وكلا القولين في المدونة، وقيل لا يرفع أصلا قاله في الأسدية ومختصر ابن شعبان.
واختلف هل يدخل المسبوق بين التكبيرتين أم لا؟ فروى ابن القاسم أنه لا يكبر بل يقف حتى يكبر الإمام فيكبر معه، قال في المجموعة ويدعو في انتظاره تكبير الإمام، وبهذا أخذ ابن الماجشون وأصبغ، وروى أشهب أنه يكبر ويدخل معه وبه قال مطرف وابن حبيب، وقال الشيخ أبو الحسن القابسي ينظر فإن كان ما بينه وبين التكبيرة الماضية أقل مما بينه وبين التكبيرة الآتية دخل وإن كان أكثر انتظر.
قال ابن عبد السلام: وهذا استحسان وتحويم على الجمع بين القولين، واختلف هل يدعو في قضائه للتكبير أم لا على أربعة أقوال: فقال في المدونة يقضي التكبير متتا بعا وظاهره أنه لا يدعو، ونحوه رواه علي عن مالك وبه قال التونسي، قال أشهب لا يدعو لأن الدعاء لا يقضي، وقيل يدعو رواه ابن شعبان، وقيل هو بالخيار قاله ابن شعبان عن مالك وكلاهما حكاه ابن عبد البر، وقيل إن ترك له الميت دعا وإلا فلا قاله القاضي عبد الوهاب.
وقال الباجي يحتمل أن يكون تفسيرا للمدونة ويحتمل أن يكون خلافا، قلت والأقرب أنه خلاف وقول ابن عبد السلام قالوا إن وضعت له الجنازة دعا وإلا كبر نسقا قصور ولا أعرفه إلا لمن ذكر ومثله لابن الجلاب.
(وإن شاء دعا بعد الأربع ثم يسلم وإن شاء سلم بعد الرابعة مكانه):
اختلف في الدعاء بعد الرابعة على قولين: فذهب سحنون إلى أنه يدعو وذهب
стр. 255
ابن حبيب إلى أنه لا يدعو، هذا الذي أعرفه في المذهب وظاهر كلام الشيخ التخيير فيكون قولا ثالثا ولم أقف عليه لغيره، وفهم الشيخ خليل على الشيخ ما قلناه وذلك أنه لما ذكر القولين قال وخير في الرسالة.
(يقف الإمام في الرجل عند وسطه وفي المرأة عند منكبيها):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة عن ابن مسعود، وإتيان سحنون به دون أن لا يأتي بخلافه يدل على أنه قائل به ومثل هذا قوله في المدونة عن ابن قسيط: الجمع ليلة المطر سنة ماضية، وعن ابن مسعود القنوت في الفجر سنة ماضية. وقيل يقف عند وسط الرجل والمرأة رواه ابن غانم، وقال ابن شعبان يقف حيث شاء من الميت، وقال اللخمي الأحسن التيامن للصدر في الرجل والمرأة إن كان عليها قبة أو كفتها بالقطن وإلا فوسطها والمطلوب أن يجعل رأس الميت على يمين المصلي، ولو عكس لم تعد الصلاة عليه، ولو صلى عليه لغير القبلة لم تعد بعد دفنه وأما قبله فقال سحنون كذلك وقال ابن القاسم إعادتها أحسن لا واجب، وقال أشهب تعاد ما لم يخف فساده.
(والسلام من الصلاة على الجنائز تسليمة واحدة خفية للإمام والمأموم):
ما ذكر أن الإمام والمأموم يسلمان تسليمة واحدة هو نص المدونة، قال أشهب بل يسلم كل منهما تسليمتين كذا نقله ابن هارون والذي نقل غير واحد إنما هو في المأموم فقط، واستشكل ابن هارون قول المدونة في المأموم مع قولها يسلم في الفرض تسليمة أخرى على الإمام، واختلف هل يجهر الإمام بالسلام أو يسر على روايتين وأما المأموم فالمطلوب أن يسر بلا خلاف، قال ابن عبد السلام: وقول ابن الحاجب وفي الجهر بالسلام قولان إنما أراد بالخلاف الإمام فقط.
(وفي الصلاة على الميت قيراط من الأجر وقيراط في حضور دفنه وذلك في التمثيل مثل جبل أحد ثوابا):
دليل ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط من الأجر واحد ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان من الأجر".
قال الفاكهاني: يحتمل ظاهر هذا الحديث عندي أن يكون له بالصلاة قيراط
стр. 256
وشهود الدفن قيراطان فتكون ثلاثة، قال وإذا قلنا أنهما قيراطان فالأول يحصل بالفراغ من الصلاة والثاني بالفراغ من الدفن وما يتبعه من صب الماء وغير ذلك. قال غير واحد: وإنما مثل لهم بجبل أحد لقوله ﵇ "إن هذا جبل يحبنا ونحبه" وقيل مثل لهم ذلك بما يعلمون، وقيل لأن أكبر الجبال لأن أرضه متصلة بالأرض السابعة.
قال الفاكهاني: ويكون ذلك لأحد معنيين أحدهما: أنه لو كان هذا الجبل من ذهب وفضة وتصدق به لكان ثوابه مثل ثواب هذا القيراط، وقيل إنه لو جعل هذا الجبل في كفة وجعل القيراط في كفة كان يساويه، قال التادلي: وظاهر كلام المؤلف يقتضي أن القيراط في الدفن يحصل وإن لم يتبعها في الطريق وهو ظاهر المدونة في قولها وجائز أن تسبق وتنتظر.
(ويقال في الدعاء للميت غير شيء محدود وذلك كله واسع ومن مستحسن ما قيل في ذلك أن يكبر ثم يقول الحمد لله الذي أمات وأحيا إلخ):
قال ابن بشير: لا يستحب دعاء معين اتفاقا وتعقبه ابن عبد السلام بأن مالكا استحب دعاء أبي هريرة: اللهم إنه عبدك وابن عبدك إلى آخره" وبقول أبي محمد ومن مستحسن ما قيل في ذلك فإنه يدل على التعيين ونحو لابن هارون قلت على فهم الشيخين يظهر أن قول الشيخ ومن مستحسن ما قيل يناقض قوله أولا، ويقال في الدعاء على الميت غير شيء إلا أن يريد به نفي الوجوب.
وقول الشيخ خليل إن قلت قول ابن الحاجب ولا يستحب دعاء معين اتفاقا يعارضه قول الرسالة ومن مستحسن ما قيل في ذلك وقول المدونة أحب ما سمعت إلي فالجواب أن الرسالة ليس فيها تعيين دعاء مخصوص إذا قال فيها قبله، ويقال في الدعاء غير شيء وايضا فالمستحب ما ثبت بنص المستحسن ما أخذ من القواعد الكليةن وأما في المدونة فإنما رجحه ولم يعينه ولم يرد الشيخ بقوله ثم تقول الحمد لله ما وضعت له ثم من المهلة، بل يقول ذلك بأثر التكبير والمشهور من المذهب أن قراءة الفاتحة غير مشروعة.
ونقل الباجي عن أشهب أنه يقرؤها إثر الأولى فقط، قلت ويعني بذلك على طريق الاستحباب. وقال ابن الحاجب: ولا يستحب دعاء معين اتفاقا ولا قراءة الفاتحة على المشهور، واعترضه ابن هارون بأن كلامه يقتضي إباحتها على المشهور لأنه إنما نفى الاستحباب وظاهر المذهب فيها الكراهة، قال عبد الحق الميت لا ينتفع بالقراءة
стр. 257
فلا معنى للقراءة عليه، قلت: يعترض أيضًا بأن ظاهره أن القول الشاذ أنها تقرأ في كل تكبيرة وليس كذلك، وإنما قال ذلك الحسن ﵁، ونقل الشيخ خليل عن ابن رشد أنه قال: كان شيخنا القرافي يحكي عن أشهب أن قراءة الفاتحة واجبة ويقول إنه يفعله واحتج بقوله ﵇ "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
قلت: والأقرب أن يكون إنما أراد قراءتها مرة واحدة واستدلاله بالحديث يدل على ذلك لا أنها بإثر كل تكبيرة، واختلف قول مالك هل يستحب الابتداء بالحمد والتصلية أم لا؟ وظاهر كلام الشيخ أنه مستحب.
(اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك إلى آخره):
ذكر الشيخ هذا وبما بعده وسيلة للدعاء له.
(تقول هذا بإثر كل تكبيرة إلخ):
ليس العمل على ما قال الشيخ عندنا لقوله قال عبد الحق عن إسماعيل القاضي: قدر الدعاء بين كل تكبيرتين قدر الفاتحة وسورة، وقال ابن رشد: أقله اللهم اغفر له وسمع زياد إن كبر الإمام دون دعاء أعاد الصلاة.
(وإن كانت امرأة قلت اللهم إنها أمتك ثم تتمادى بذكرها على التأنيث إلخ):
وإن نوى المصلي امرأة ثم ظهر أن الميت رجل أو العكس لم تعد قاله ابن نافع قائلا: وقد يصلي على جنازة من لا يعرف أنها رجل أو امرأة في ليل أو يأتي آخر الناس فذلك واسعز
(ولا بأس أن تجمع الجنائز في صلاة واحدة ويلي الإمام الرجال إن كان فيهم نساء إلى آخره):
يعني أن المصلين بالخيار بين أن يفردوا كل جنازة بصلاة أو يصلون على جميعها صلاة واحدة وهو كذل نص عليه غير واحد كابن شاس.
(وجعل من دونهم النساء والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة):
اعلم أنه إذا اجتمعت جنائز أول ما يقدم الذكور الأحرار البالغون مما يلي الإمام الأفضل فالأفضل، فإن اجتمع أعلم وأصلح ففي تقديم أحدهما على الآخر قولان حكاهما ابن رشد، فإن وقع التساوي فالقرعة باتفاق، ثم الذكور الأحرار الصغار فإن تفاضل الصغار قدم من عرف بحفظ القرآن وشيء من أمور الدين ثم من يحافظ على الصلوات ثم الأسن منهم ثم بعد هاتين الرتبتين الخنثى البالغ ثم الصغير ثم بعد ذلك الأرقاء الذكور.
стр. 258
وروي عن ابن القاسم أنهم مقدمون على ذكور صغار الأحرار لأن العبد يؤم في الفرض بخلاف الصغير، ثم أحرار النساء ثم صغارهن ثم أرقاؤهن وهو كذلك، ونقل الباجي عن ابن حبيب عن من لقي من أصحاب مالك تقديم المرأة على الصبي، قلت: وعلى نقل أبن حبيب هل اعتمد الشيخ في قوله وجعل من دونه النساء والصبيان من وراء ذلك إلى القبلة ولا اعتراض عليه في ذلك لما تقرر لأن الرسالة لا تتقيد بالمشهور، وكونه لم ينقل ابن حبيب هذا في النوادر لا يدل على عدم وقوفه عليه.
وقول ابن العربي أخذ عليه في تقديم النساء على الصبيان وإن أردنا زوال الإشكال قلنا الواو لا تفيد الترتيب ولا يحتاج إليه لما قلناه والله أعلم، واعلم أنه يقدم الأفضل من أولياء الجنائز فإن تساووا فالقرعة. واختلف في تقديم ولي الذكر إذا كان مفضولا فقال مالك: يقدم ولي المرأة لفضله، وقال ابن الماجشون: بل يقدم ولي الذكر محتجا بأن أم كلثوم بنت سنن لم يتوارثا وجعلا معا، وحمل الغلام مما يلي الإمام، وقال الحسن لابن عزم صل لأنه أخو زيد ورده بعضهم بأن الثابت في هذا الأثر سعيد بن العاص هو الذي صلى عليهما، وكان يومئذ أمير المدينة ذكره ابن هارون واختار اللخمي أنهما إذا تشاحا قدم كل واحد منهما على وليه.
(ولا بأس أن يجعلوا صفا واحدا ويقرب إلى الإمام أفضلهم):
ظاهر كلام الشيخ التخيير من جمع الجنائز صفا من الإمام للقبلة وجعلها من المشرق إلى المغرب وهو قول مالك من رواية أشهب وغيره، وقيل المطلوب الأول فقط قاله مالك أيضًا، وقيل إن قلوا كاثنين فالمطلوب أن يكون أحدهما خلف الآخر وإن جعلا سطرا فواسع بخلاف إذا كثروا قاله ابن كنانة، وقيل حكم العشرين حكم الاثنين بخلاف ما هو أكثر قاله مطرف وابن الماجشون.
(وأما دفن الجماعة في قبر واحد فيجعل أفضلهم مما يلي القبلة):
ظاهر كلام الشيخ أن دفن الجماعة في قبر واحد جائز للضرورة وغيرها وليس كذلك، وإنما مراده إذا كان ذلك للضرورة أما لغيرها فلا، قال أصبغ وعيسى بن دينار.
ونص التهذيب في كتاب الغصب إن دفن رجل وامرأة في قبر واحد جعل الرجل للقبلة قيل أيجعل بينهما حاجز من صعيد ويدفنان في قبر من غير ضرورة؟ قال ما سمعت منه فيه شيئا.
стр. 259
(ومن دفن ولم يصل عليه وووري فإنه يصلى على قبره):
مفهومه أنه لو لم يوار أنه يخرج ويصلى عليه وهو كذلك، وما ذكر من أنه يصلى على قبره هو قول ابن القاسم وابن وهب ويحيى بن يحيى، وقيل إنه لا يصلي على قبره وأصحابه هذا القول اختلفوا على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم يدعون وينصرفون قاله مالك في المبسوط.
والثاني: أنه يخرج إلا أن يخاف تغيره قاله سحنون.
والثالث: يخرج إلا أن يطول، وقال ابن الحاجب: ثالثها يخرج ما لم يطل فظاهره يقتضي أن أحد الأقوال يخرج مطلقا وإن تغير وليس كذلك، وإنما حكاه ابن بشير وابن شاس كما تقدم ونبه على هذا ابن هارون وكذلك حكم من دفن ومعه مال له بال.
(ولا يصلى على من قد صلي عليه):
يريد إذا صلى عليه جماعة بإمام ولو صلى عليه رجل فإنه يستحب تلافي الجماعة وهو قول اللخمي، وجعل ابن رشد كون الصلاة عليه بإمام شرط إجزاء يجب التلافي ما لم يفت، ولما كان المذهب ما تقدم من أنه لا يصلي على من قد صلى عليه جماعة أجاب أصحابنا عن صلاة النبي ﷺ على قبر المسكينة بعدما صلوا عليها بوجوه:
أحدهما: أنه كان وعدها أن يصلي عليها والوعد منه ﵇ واجب.
والثاني: أنه المستحق للصلاة على الجنائز والوالي لها فإذا صلى غيره لم يسقط الفرض بذلك وبقي جواب ثالث لم اذكره لضعفه.
(ويصلى على أكثر الجسد واختلف في الصلاة على مثل اليد والرجل):
ظاهر كلامه أن أكثر الجسد لا خلاف فيه إلا أنه يتعارض في كلامه المفهومان فيما بين الأكثر ونحو اليد، وكذلك مفهوم المدونة في قولها ولا يصلى على يد ولا على رجل ولا على رأس ولا على الرأس مع الرجلين وإنما يصلى على أكثر الجسد، واختلف في المسألة على خمسة أقوال:
فقيل يصلي على ما وجد منه وإن قل، قاله ابن حبيب وابن أبي مسلمة وابن الماجشون، وقيل إن كان رأسا صلي عليه وإلا فلا قاله عبد الملك، وقيل إن بلغ النصف صلي عليه وقيل إن بلغ الثلثين مجتمعا وقيل أو مفترقا، واختلف في الصلاة على المفقود من الغريق ومأكول السبع، فقال ابن حبيب وابن أبي مسلمة يصلي عليه
стр. 260
والمشهور أنه لا يصلي عليه، وهذا الخلاف يجري على الخلاف في جواز الصلاة على الغائب والمشهور منعها، وحكى ابن القصار عن مالك جوازها وبه قال ابن وهب وغيره، واحتجوا بأن النبي ﷺ صلى على النجاشي بالمدينة وهو بأرض بالمدينة وهو بأرض الحبشة ورد بأحد أمرين إما أن ذلك خاص به ﵊، وإما أنه كشف عن بصره حتى رآه.
باب في الدعاء للطفل والصلاة عليه وغسله
(تثني على الله ﵎ وتصلي على نبيه محمد ﵊ ثم تقول اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن أمتك أنت خلقته ورزقته وأنت أمته وأنت تحييه اللهم فاجعله لوالديه سلفا وذخرا وفرطا وأجرا وثقل به موازينهم وأعظم به أجورهم ولا تحرمنا وأياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده اللهم ألحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة إبراهيم ﵊، وأبدله دارا خيرا من داره وأهلا خيرا من أهله وعافه من فتنة القبر ومن عذاب جهنم تقول ذلك في كل تكبيرة وتقول بعد الرابعة اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منه فأحيه على الإيمان ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ثم تسلم):
قال التادلي: في كلامه حذف وحشو مستغنى عنه، فالحذف تقديره سلف أولاد المؤمنين والحشو زيادة قوله صالح، فإن كفالة ابراهيم ﵇ لا تخص بصلحاء أولاد المؤمنين بل هي عامة لأولاد المؤمنين.
قلت: يرد بأنه ليس بحشو لأنه لم يقم الدليل على أنهم في كفالة إبراهيم مستوون فلعلهم متفاوتون فقد أراد الشيخ بالدعاء أخص وصف وما ذكرناه ذهب إليه بعض من لقيناه أيضًا.
قال المازري: وأجمع العلماء على أن أولاد الأنبياء في الجنة وكذلك أولاد المؤمنين عند الجمهور وأنكر بعضهم الخلاف فيه.
قلت: ولم يذكر ابن رشد غير الأول وفي النوادر لم يختلف العلماء أنهم في الجنة، واختلفوا في أولاد الكفار على أربعة أقوال: فقيل في الجنة وقيل في المشيئة وقيل في النار تبعا لآبائهم وقيل تؤجج لهم نار، فمن عصى أمره ففي النار، وقوله وعافه من فتنة القبر وعذاب جهنم هذا كالنص في أن الصغير يسأله منكر ونكير وانظر قوله في عذاب
стр. 261
جهنم هل يدل على أنهم في المشيئة أم لا، وقد تقدم أنهم في الجنة بلا خلاف.
(ولا يصلى على من لم يستهل صارخا ولا يرث ولا يورث):
اختلف المذهب في تسمية من لم يستهل صارخا فقيل لا يسمى لأن التسمية تابعة للحياة، وقيل يسمى لأنه ولد ترجى شفاعته، فإن أشكل هل هو ذكر أو أنثى سمي باسم مشترك للذكر والأنثى كحمزة، ويغسل عنه الدم لا كسغل الميت ويلف في خرقة قاله ابن حبيب والرضاع الكثير كالصراخ بلا خلاف.
واختلف في اليسير فقال مالك لا يدل على الحياة وقيل يدل عليها واستحسنه اللخمي قال لأنه لا يكون إلا لمزية حياة محققة، واختلف في الحركة الكثيرة فالأكثر على أن ذلك كالصراخ.
وقال يحيى بن عمر: لو بقي عشرين يوما أو اكثر لم يصرخ ثم مات لم يغسل ولم يصل عليه واستبعد لأن الميت يتغير في مثل هذه المدة واختلف في العطاس، فقال اللخمي لا يكون له بذلك حكم الحي لاحتمال أن يكون ريحا وقيل هو دليل على الحياة إذ لا يكون إلى من حي.
(ويكره أن يدفن السقط من الدور إلخ):
ما ذكره هو أحد القولين وقيل إنه جائز والقولان حكاهما ابن بشير، قال عبد الوهاب: ووجهه ما قاله المؤلف من الكراهة لأنه من جملة موتى المسلمين قال الفاكهاني: فيه نظر، لأن الميت عبارة عن شخص تقدمت له حياة والسقط ما تقدمت له حياة ولا تعلم منه، وحركته في بطن أمه كالعدم.
وقد أجمعنا على أنه لا يرث ولا يورث، واختلف إذا بيعت دار وجد بها فقيل إنه عيب وقيل لا وصوب ابن عبد السلام، الأول لكراهة النفوس ذلك، وأما لو وجد قبر غير سقط فالمذهب أنه عيب يوجب الخيار وتعقبه عبد الحق بأنه عيب يسير يوجب قيمته فقط ورده ابن بشير بأنه لا يمكن إزالته فهو كالكثير.
(واختلف فيها إن كانت لم تبلغ أن تشتهي والأول أحب إلينا):
قال غير واحد كابن الحاجب إذا كانت رضيعة أو فوق ذلك بيسير جاز اتفاقا أن يغسلها الأجنبي وعكسه إذا كانت مطيقة للوطء وفيما بينهما قولان.
قال ابن هارون وفيه نظر لأنه روي عن ابن القاسم أنه قال لا يغسل الرجل الصبية، وإن صغرت جدا وأجاز ذلك مالك في الصغيرة جدا، وقال أشهب إن كان
стр. 262
مثلها لا يشتهى جاز.
وقال ابن أبي زيد يختلف فيها ما لم تشته، وقال اللخمي يجوز غسلها مجردة والستر أفضل فعلى هذا يجيء فيها ثلاثة أقوال: المنع مطلقا لابن القاسم، والجواز لأشهب ما لم تشته، والتفصيل لمالك فيجوز في الصغيرة جدًا ويمنع فيمن كانت فوق ذلك، وهذه المسألة لو ذكرها الشيخ في باب ما يفعل بالمحتضر لكان أنسب للترتيب والله أعلم.
باب في الصيام
الصوم في اللغة: الإمساك مطلقا.
وفي الشرع: قال ابن رشد: الإمساك عن الطعام والشراب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية، واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير جامع لقول المدونة بمن صب في حلقه ماء وبمن جومعت نائمة وبمن أغمي عليه أكثر نهار أو أمنى أو أمذى يقظة، قلت ويعترض أيضًا بغبار الطريق إذا دخل اختيارا فإنه يفطر وبفلقة الحبة بين أسنانه تبلع فإنه لا يقضي بسببها على المشهور.
(وصوم شهر رمضان فريضة):
الدليل عل أنه فريضة الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى: (شهر
стр. 263
رمضان) إلى قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) [البقرة: ١٨٥]
وقول (كتب عليكم الصيام) [البقرة: ١٨٣]
، وأما السنة فقوله ﵊: "بني الإسلام على خمس" فذكر فيها "صوم رمضان".
وأما الإجماع فأجمع المسلمون على أنه واجب فيمن تركه غير مقر بفريضته فهو كافر بإجماع فإن أقر بوجوبه ولم يصمه قتل حدا على المشهور.
وقال ابن حبيب كفرا، وفرض رمضان في شعبان قال الخوارزمي في ليلتين خلتا منه، وفي النصف منه حولت القبلة وفيه فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر قال غيره وكان ذلك في السنة الثانية من الهجرة.
(يصام لرؤية الهلال ويفطر لرؤيته كان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين يوما):
ظاهر كلام سواء كانت الرؤية مستفيضة أو بشاهدين فقط مع الغيم أو بشاهدين مع الصحو، وهو كذلك إلا أن الأولين متفق عليهما وأما الثالث فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها العمل بذلك وهو المشهور، وقال سحنون بعكسه. وقيل إن نظر الشاهد أن الجهة التي نظر الناس إليها لم تقبل شهادتهما وإلا قبلت حكاه ابن الجلاب، ومال التونسي إلى التوفيق القولين بذلك وكل هذا الخلاف إنما هو في المصر الكبير، وأما الصغير فالاتفاق على الأول.
ونص ابن الحاجب على قبول الشاهدين في الصحو في المصر الكبير ثالثها إن نظروا إلى صوب واحد ردت وقال الشيخ خليل لم أر من صرح بالثالث، ولم يذكره ابن بشير على أنه خلاف بل قال بعد القولين، وهو خلاف في حال إن نظر الكل إلى صوب واحد ردت وإن انفرد بالنظر إلى موضع قبلت شهادتهما فلا ينبغي عده ثالثا، قلت: ذكره اللخمي إلا أن كلامه يقتضي أنه متفق عليه وعده بعض شيوخنا ثالثا، ويشترط في الشاهدين الحرية والذكورية والعدالة.
وذهب محمد بن مسلمة إلى قبول شهادة رجل وامرأتين، وقال أشهب في المبسوط تقبل شهادة رجل وامرأة ذكره خليل، وأما الشاهد الواحد فكالعدم قال سحنون ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز، ونقل ابن حارث الاتفاق على ذلك، وقال ابن ميسر إذا أخبرك عدل أن الهلال ثبت عند الإمام في بلد آخر وأنه أمر بالصوم لزم العمل بقوله قال أبو محمد كما يخبر الرجل أهله وابنته البكر فيلزم الصوم بقوله فيخرج من قوله قبول شهادة الواحد، وضعف، ولو حكم القاضي بالصوم بشهادة واحدة لم
стр. 264
يسع أحد مخالفته لأن حكمه وافق الاجتهاد قاله ابن راشد.
قال الشيخ خليل ولم يذكر ابن عطاء الله في هذا الفرع شيئا بل تردد فيه وقال سند لو حكم الحاكم بالصوم بالواحد لم يخالف قال وفيه نظر لأنه فتوى لا حكم، ونص القرافي في فروقه في الفرق الرابع والعشرين والمائتين على أنه لا يلزم المالكي الصوم في هذا، قال لأن ذلك فتوى وليس بحكم وقال: وكذلك إذا قال الحاكم ثبت عندي أن الدين يسقط الزكاة، وبنى ذلك على قاعدة وهي أن العبادات كلها لا يدخلها حكم بل الفتوى فقط، وليس للحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة باطلة أو صحيحة وإنما يدخل الحكم في مصالح الدنيا، وظاهر كلام الشيخ أن سائر البلاد يلزمهم الصوم إذا ثبتت الرؤية وهو كذلك على المشهور بالإطلاق.
وقال ابن الماجشون كذلك إن كانت الرؤية بالاستفاضة وإن كانت بالشهادة عند الحاكم لم يلزم من خرج من ولايته إلا أن يكون أمير المؤمنين.
(فإن غم الهلال فيعد ثلاثين يوما من غرة الشهر الذي قبله ثم يصام وكذلك في القطر):
ظاهر كلامه أنه لا يلتفت إلى كلام المنجمين وهو كذلك قال ابن بشير وركن بعض البغداديين إليه في الغيم، وهو باطل ومثله قول ابن الحاجب. ولا يلتفت إلى حساب المنجمين اتفاقا، وإن ركن إليه بعض البغداديين واعترض ابن هارون ذكره الاتفاق على ذلك لابن رشد حكى العمل على ذلك من مطرف ونحوه للشافعي، قلت ليس هو مطرف المالكي إنما هو مطرف بن عبد الله بن الشخير الشافعي حسبما صرح به غير واحد.
ولقد قال ابن العربي: كنت أنكر على الباجي نقله عن الشافعي لتصريح أئمتهم بلغوه حتى رأيته لابن شريح وقاله بعض التابعين فعلى هذا لا اعتراض على ابن الحاجب لأن الاتفاق عنده مقصور على المذهب بخلاف الإجماع، وقال ابن بزيزة روي عن مالك رواية شاذة رواها بعض البغداديين عنه، والعمل بذلك ويحمل على هذا قوله ﵊ "فاقدروا له" من التقدير والحساب والتنجيم قال الشيخ خليل وهذه تنقض الاتفاق المذكور قال ونفل بعضهم مثلها على الداودي.
стр. 265
(ويبيت الصيام في أوله وليس عليه البيات في بقيته):
المشهور من المذهب أن رمضان يفتقر إلى النية وذهب ابن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل إلى أنه لا يفتقر إلى النية، وعلى الأول فتكفي النية في أول ليلة منه كما قال الشيخ، وقال أبو بكر الأبهري: القياس خلافه لجواز الفطر له بخلاف رمضان ومثله من نذر كل خميس يأتي مثلا فقيه القولان أيضا، وظاهر كلام الشيخ أيضًا أنه يلزم تجديد النية لمن انقطع صومه كالحائض وهو كذلك قاله أشهب وغيره والمشهور تجديدها وقيل يجدد غير الحائض.
قال التادلي: واختلف هل يلزم تعيين السنة لرمضان أم لا كالخلاف في تعيين اليوم للصلاة قلت: هذا لا أعرفه نصا ولا إجراء لغيره نعم نعم يتخرج على الصلاة والله أعلم، قال صاحب الحلل والصواب أن يقول الشيخ ليس عليه المبيت لأن البيات إنما يستعمل في طلب غرة العدو. وقوله ويتم الصيام إلى الليل قال الباجي وجوب الإمساك إلى الليل يقتضي وجوبه إلى أول جزء منه غير أنه لا بد من إمساك جزء منه لتيقن إمساك النهار.
وقال التادلي: اختلف في إمساك آخر جزء من الليل عند الإفطار، وعند السحور قلت: والخلاف في الثاني شهير، قال عبد الوهاب وابن القصار بوجوبه، وقال اللخمي لا يجب ولا أعرفه في الأول غير ما تقدم للباجي، قال عياض في الإكمال اختلف العلماء في الإمساك بعد الغروب، فقال بعضهم يحرم كما يحرم يوم الفطر والأضحى، وقال بعضهم هو جائز وله أجر الصائم ونهيه ﵊ إنما هو تخفيف في طريق مسلم نهاهم عن الوصال رحمة بهم.
(ومن السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور):
في مسلم عن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : ""فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور" قال عياض: الروية بضم الهمزة ومعناه اللقمة الواحدة وصوابه فتحها ومعناه الأكل مرة واحدة وهو الأشبه، قال التادلي: وفيما قاله
стр. 266
نظر والأشبه ما في الرواية لما فيه من التنبيه على قلة الأكل باللقمة الواحدة بخلاف الأكل مرة واحدة فإنه قد يكون فيها الطعام الكثير والشبع المذموم.
قال الباجي: وتعجيل الفطر هو أن لا يؤخر بعد غروب الشمس على وجه التشديد والمبالغة واعتقاد أنه لا يجوز الفطر عن الغروب على حسب ما تفعله اليهود، وأما من أخره لأمر عارض أو اختيارا مع اعتقاد أن صومه قد كمل بغروب الشمس فلا يكره له ذلك رواه ابن نافع عن مالك في المجموعة. قال عياض، واختلف إذا حضرت الصلاة والطعام فذهب الشافعي إلى تقديم الطعام، وذكر نحوه ابن حبيب، وحكى ابن المنذر عن مالك أنه يبتدئ بالصلاة إلا أن يكون الطعام خفيفا، قال ابن العربي في القبس: ووقعت في بغداد نازلة في رجل حلف بطلاق امرأته وهو صائم أن لا يفطر على حار ولا با رد فأفتى أبو نصر بن الصباغ إمام الشافعية بالجانب الغربي أنه يحنث إذ لابد من الفطر على أحد هذين، وأفتى أبو إسحاق الشيرازي بالمدرسة بعدم حنثه قائلا إنه يفطر على غيرهما وهو دخول الليل لقوله ﵇: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقط أفطر الصائم" وفتوى ابن الصباغ أشهب بمذهب مالك لأنه يعتبر المقاصد، وفتوى أبي اسحاق صريح مذهب الشافعي الذي يعتبر الألفاظ.
(وإن شك في الفجر فلا يأكل):
صرح في المدونة بالكراهة قال فيها: كان مالك يكره للرجل أن يأكل إذا شك في الفجر فحملها اللخمي على بابها، وحملها أبو عمران على التحريم. قال الشيخ خليل هو مقتضى فهم البرادعي لأنه اختصرها على النهي فقال ومن شك في الفجر فلا يأكل ونحوه في الرسالة قلت والأقرب أن كلامها يحتمل الكراهة والتحريم، واختلف في المسألة على أربعة أقوال: هذان القولان والمشهور التحريم وقيل إنه مباح قاله ابن حبيب واختار اللخمي وجوب الإمساك مع الغيم واستحبابه مع الصحو، ولو شك في الغروب حرم الأكل باتفاق والفرق بينهما ظاهر وهو استصحاب الفطر والصوم، فإن أكل في شك الغروب ولم يتبين أنه أكل بعد الغروب، فقال القاضيان ابن القصار وعبد الوهاب لا كفارة عليه كأكله في شك الفجر.
وذهب بعض الأندلسيين إلى إيجاب الكفارة والفرق بينهما عنده ما تقدم، والمنصوص إذا طلع الفجر وهو آكل أو شارب وألقى أنه لا يقضي وخرج القضاء على إمساك جزء من الليل، وإذا طلع عليه الفجر وهو بجامع ففي القضاء قولان ولا كفارة
стр. 267
على المشهور، وبه قال عبد الملك بن الماجشون قائلا لأنه لم ينتهك حرمة الصوم، ويقضي لأن نزعه فرجه جماع بعد الفجر، قلت وهذا الذي قال عبد الملك يناقض قوله إن وطئ في نهار رمضان ناسيا أن الكفارة تلزمه، ولا يجاب بأن هذا الأصل إباحة الاستمتاع، ولا كذلك في المسألة المعار ض بها لا سيما والناسي معه ضرب من التفريط لأنه علل بعدم الانتهاك وذلك حاصل في الصورتين، ألا ترى إلى قوله ﵊ "رفع عن أمتي خطؤها ونسيانها وما استكرهوا عليه".
(ولا يصام يوم الشك ليحتاط به من رمضان):
يحتمل قول الشيخ الكراهة والتحريم، وفي المدونة لا ينبغي صيام يوم الشيك وذلك ظاهر في الكراهة، وصرح بالكراهة ابن الجلاب قال يكره صوم يوم الشك، وقال ابن عطاء الله الكافة مجمعون على كراهة صومه احتياطا، وقال ابن الحاجب: المنصوص النهي عن صيامه احتياطا.
قال ابن عبد السلام: لم يتبين من حكمه سوى النهي وظاهره أنه على التحريم لقوله عثمان ﵁ "من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم ﷺ " ونحوه للشيخ خليل قائلا وهو ظاهر ما نسبه اللخمي لمالك لأنه قال ومنعه مالك، وفي المدونة ولا ينبغي صيام يوم الشك وحملها أبو إسحاق على المنع، وخرج اللخمي أنه يؤمر بصيامه على الوجوب والاستحسان من مسألتين إحداهما من شك في الفجر، فاختلف هل يباح له الأكل أو يحرم أو يكره، والجامع أن كل واحد من الزمانين مشكوك فيه، والثانية الحائض يجاوز دمها عادتها، ولم يبلغ خمسة عشر يوما فقد قيل إنها تحتاط فيجب أن يكون الحكم كذلك في يوم الشك، ورد ابن بشير الأولى الموافقة لأهل البدع في صوم يوم الشك والثاني للموافقة للمنجمين. وقال ابن الحاجب: تخريجه غلط لثبوت النهي، وقال ابن عبد السلام: هو قول عثمان السابق.
(ومن صامه كذلك لم يجزه وإن وافقه من رمضان):
ما ذكر من أنه لا يجزئه هو كذلك قال أشهب في مدونته كمن صلى شاكا في الوقت ثم يتبين له الوجوب أنه يجزئه ونقل عنه ابن الحاجب ما تقدم إلى قوله ثم تبين الوجوب، وقال بإثره وفيها قولان بإثره وفيها قولان، فكلامه يوهم أنه من كلام اللخمي وليس كذلك
стр. 268
وإنما هو إخبار منه، وقال بأثره والصواب مع أشهب، قال ابن هارون يريد أن تنظيره أحسن لثبوت النهي عن صيام يوم الشك وعن الصلاة مع الشك في الوقت، بخلاف الشاك في الحدث فإنه مأمور بالوضوء إما وجوبا أو ندبا، ولهذه المسألة نظائر منها من التبست عليه الشهور فصام مع الشك شهرا تحريا عن رمضان فصادفه قال ابن القاسم في العتبية لا يحزئه كمن صلى يوم الشك.
وقال سحنون يجزئه والقولان حكاهما عياض ومنهما من سلم على الشك هل أكمل أم لا ثم تبين أنه قد أكمل ففي صحتها قولان حكاهما ابن رشد وصحح البطلان.
(ولمن شاء صومه تطوعا أن يفعل):
ظاهر كلامه سواء من شأنه أن يسرد الصوم أم لا وهو كذلك قاله مالك وعبد الملك، وعن ابن مسلمة أنه يكره بالإطلاق ونقله عن ابن عطاء الله، ونقل اللخمي عنه أنه قال إن شاء صامه وإن شاء أفطر كقول الشيخ، وله قول آخر فرق فيه بين أن يكون شأنه أن يسرد الصوم أم لا والأول يجوز والثاني يكره نقله الباجي، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: ولا خلاف أن من عليه قضاء يوم من رمضان أنه يصوم.
وكذلك يصام نذرا، وقال ابن عبد السلام: ومعنى ذلك إذا وافق أياما نذرها، ولو نذر يوم الشك من حيث هو يوم الشك سقط لأنه نذر معصية، ورد بعض شيوخنا كونه معصية بأن المشهور عدم كراهة صومه تطوعا.
(ومن أصبح فلم يأكل ولم يشرب ثم تبين له أن ذلك اليوم من رمضان لم يجزه وليمسك عن الأكل في بقية يومه ويقضيه):
إنما لم يجزه لفقد النية فقوله بعد ويقضيه تأكيد وإذا كان لا يجزئه مع كونه لم يأكل ولم يشرب فأحرى ولو فعل أحدهما وإنما أمره بالإمساك لحرمة الشهر، وتقدم قول ابن الماجشون وصاحبه أحمد بن المعدل أنه يجزئه لأن معين فلا يفتقر إلى نية، وكذلك الخلاف في عاشوراء، قال التادلي: عبادتان يجب التمادي في فسادهما كما يجب في صحيحهما وهما الصوم والنسك بخلاف الصلاة وغيرها من العبادات، والفرق أن غالب فساد الصوم بإحدى شهوتي الفرج والفم، والحج بشهوة الفرج لقلة من يملك إربه فيها أو شدة ميل النفوس إليهما لموافقتهما الطباع بخلاف الصلاة وغيرها؛ فإن غالب فسادها لترك ركن أو شرط وليس ذلك مما تميل النفوس إليه فأراد الشارع في غالب فسادها لترك ركن أو شرط وليس ذلك مما تميل النفوس إليه فأراد الشارع في الأولين الزجر فغلظ بإيجاب التمادي والقضاء مع الكفارة، وفرق ثان وهو أن الصوم
стр. 269
والنسك لا يفعلان إلا مرة فلا مشقة فيهما بخلاف الصلاة فإنها تتكرر ولو حكم التمادي لفسادها لشق ذلك.
(وإذا قدم المسافر مفطرا أو طهرت الحائض نهارا فلهما الأكل في بقية يومهما):
لا خصوصية للمسافر والحائض بل وكذلك الصبي يبلغ والمجنون والمغمى عليه يفيقان والمريض يقوى والمرضع يموت ولدها، وبالجملة كل من أبيح له الفطر مع علمه برمضان جاز له الأ: ل بقية لايوم، ولما ذكر اللخمي عن ابن حبيب أن المجنون والمغمى عليه كغيرهما، قال الذي يقتضيه المذهب لزوم الإمساك لأنه صوم يختلف فيه بالإجزاء وعدمه ولا خصوصية لقول الشيخ فلهما الأكل بقية يومهما، بل وكذلك لا يجوز للمسافر أن يطأ زوجته المسلمة إذا وجدها قد طهرت من الحيض واختلف في الكتابية إذا وجدها قد طهرت من الحيض فظاهر المذهب الجواز خلافا لابن شعبان قال الشيخ خليل، وقال بعض أصحابنا يطؤها إذا كانت كما طهرت كما لو كانت مسلمة ولا يطؤها إذا كانت طاهرا قبل قدومه، واستشكل قول ابن شعبان أنه لا يجوز وطؤها ولو وجدها بعد الطهر لأنها لو أسلمت يومئذ لجاز له وطؤها فلا أثر لكفرها، قال وكان ابن شعبان لاحظ كون فطرها للكفر لا للحيض فمنعه أن يعينها عليه، واختلف في الكافر إذا أسلم فقال مالك في الموطأ يمسك بقية يومه.
وقال أشهب في المجموعة لا يمسك واختلف إذا أفطر لعطش ونحوه فأزاله فقال سحنون في كتاب ابنه له أن يتمادى عل الأكل ويطأ وبه قال جمهور أهل العلم، وقال ابن حبيب لا يفعل فإن فعل متعمدا فلا كفارة عليه، قال التادلي: وقول الشيخ أو طهرت الحائض يريد وكذلك إذا حاضت فلها الأكل إلا أن هذه يجب عليها الفطر بقية يومها.
(ومن أفطر تطوعه عامدا أو سافر فيه فأفطر لسفره فعليه القضاء):
قال التادلي: حقه أن يقول بعد قوله عامدا حراما كما زاده ابن الحاجب في قوله ويجب في النفل بالعمد الحرام خاصة وأراد بذلك إخراج ما كان عمدا بسبب كجبر الولد ولده وجبر السيد عبده إذا تطوعا، الشيخ بغير إذنه، وما ذكر أنه يقضي في العمد هو المذهب، وهل يجب عليه الكف في بقية اليوم الذي أفسده أم لا في ذلك قولان.
حكاهما ابن الحاجب وكلام الشيخ يدل على أنه لا يجوز القدوم على ذلك ابتداء وهو كذلك.
стр. 270
قال مطرف: يحنث الحالف بالله مطلقا وبالطلاق والعتق والمشي إلى مكة إلا أن يكون لذلك الواجب كطاعة مثل أبويه إن عزما على فطره ولو بغير يمين زاد ابن رشد عنه إن كان رأفه عليه لإدامة صومه، قلت: وظاهر المذهب أن شيخه الذي تعلم عليه العلم لا يتنزل منزلة الأب وكان بعض من لقيته يفتي بأنه كالأب.
وقال الشافعي وغيره ويجوز الفطر اختيارا في التطوع، قال ابن عبد السلام: قولهم أظهر للآثار الواردة في ذلك، قلت ونحا إليه عيسى بن مسكين في قوله لصديقه لما أمره بالأكل معه وقال إني صائم ثوابك في سرور أخيك المسلم بفطرك عنده أفضل من صومك ولم يأمره بقضائه قال عياض في مداركه وقضاؤه واجب، وإنما لم يذكره لوضوحه.
قلت: وكان بعض من لقيناه يذهب إلى حمله بعدم القضاء كالمخالف وما ذكر الشيخ أنه إذا سافر فأفطر فإنه يقضي هو قول ابن حبيب، وقال مالك ليس قضاؤها بالواجب قال التادلي، ويقوم من كلام الباجي أنه إذا أفطر متأولا أنه لا يقضي لقوله كل ما يسقط الكفارة في رمضان يسقط القضاء في التطوع.
(وإن أفطر ساهيا فلا قضاء عليه بخلاف الفريضة):
يريد ويجب عليه التمادي على الصوم لأنه يعتد به واعلم أن هذه إحدى المسائل السبع التي تلزم بالشروع فيها وهي: الصلاة والصوم والاعتكاف والحج والعمرة والائتمان والطواف ونظمها بعضهم فقال ﵁.
صلاة وصوم ثم حج وعمرة ... = ... يليها طواف واعتكاف وائتمام
بعيدهم من كان للقطع عامدا ... = ... لعودهم فرض عليه وإلزام
قال الشيخ خليل بعد أن ذكر ما قلناه وانظر ما ذكر من لزوم الإعادة في الائتمام فإن الظاهر عدم لزومه ذكر الشيخ خليل ما قلناه عند تكلمه على قول ابن الحاجب، ومن قطع نافلة عمدا لزمه اعادتها بخلاف المغلوب، ومعنى قول الشيخ بخلاف الفريضة أي فإنه إذا أفطر ناسيا يقضي، وهذا هو المعروف في المذهب.
وقال عياض: مشهور مذهب مالك قضاء من أفطر في رمضان ناسيا فظاهره أن في المذهب قولا بأنه لا يقضي وهو غريب، واختلف إذا أفطر في الواجب المعين لعذر كمرض على أربعة أقوال: فقيل يقضي وقيل لا يقضي، وقيل يقضي الناسي فقط، وقال ابن الماجشون إن كان لليوم فضيلة كعاشوراء ويوم عرفة فلا يقضي وإلا قضى، ولما
стр. 271
ذكر ابن الحاجب الأربعة الأقوال قال: والمشهور لا يقضي واعترضه ابن هارون بأنه نص في المدونة على أن الناسي يقضي وهو ضعيف لما قد علمت من أن المشهور قد لا يتقيد بالمدونة لاسيما عند ابن الحاجب.
(ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره):
اعلم أن لا بأس هنا لصريح الإباحة، وقال ابن الحاجب: والسواك مباح، وبمثل عبارة الشيخ عبر في المدونة ولا خلاف أنه مباح في أول النهار، وكذلك في آخره على المشهور، وحكى البراقي عن أشهب كراهيته في آخر النهار كمذهب الشافعي، ويريد الشيخ بما لا يتحلل وأما الرطب فمكروه قاله في المدونة، ولا خلاف أنه مباح.
قال الباجي: والكراهة للجاهل والعالم لما يخاف أن يسبق شيء من طعمه إلى حلقه قد علمت أنه يسبق منه شيء إلى حلقه. وقال ابن حبيب إنما يكره للجاهل الذي لا يحسن أن يمج ما يجتمع في فيه، وأما السواك الذي يستعمل من الجوز فيكره للرجال مطلقا لأنه من زينة النساء، قال ابن حبيب إن جهل أن يمج ما يجتمع في فيه فعليه القضاء فقط. وقال الباجي الظاهر لزوم الكفارة وإنما لا يكفر في التأويل والنسيان.
(ولا تكره الحجامة إلا خشية التغرير):
يعني أن الحجامة على ثلاثة أقسام: قسم جائز باتفاق وهو إذا كان يعلم من نفسه السلامة وعكسه عكسه والقسم الثالث إذا كان يجهل حاله فهو مكروه وإلى هذا أشار ابن الحاجب كما أشار إليه الشيخ بقوله: ولا تكره له الحجامة إلا خشية التغرير والله أعلم، وهذا التفصيل هو المشهور وقيل إنها مكروهة، وإن علم من نفسه السلامة قال الباجي وهذا القول رواه ابن نافع عن مالك وقيل لا يحتجم ضعيف، ولا قوي لأنه ربما ضعف القوي ونحوه روى عيسى عن ابن القاسم، وكذلك يكره ذوق الطعام والعلك وشبههما، وأما المضمضة فجائزة للوضوء ولشدة العطش قاله مالك في المجموعة قائلا ويبلتع ريقه قال الباجي، وهذا بعد زوال طعم الماء منه ويخلص طعم ريقه.
(ومن ذرعه القيء في رمضان فلا قضاء عليه):
يريد لا يستحب له القضاء ولذلك قال ابن الحاجب: والقيء الضروري كالعدم فإن رجع منه إلى جوفه غلبة أو نسيان فروى ابن أبي أويس أنه يقضي في الغلبة وروى ابن شعبان: أنه لا يقضي إن كان ناسيا، فخرج اللخمي قول إحداهما في الآخر وأما إذا
стр. 272
رده مختارا فهو كالأكل، قال ابن الحاجب: وفي الخارج منه من الحلق يسترد قولان كالبلغم فظاهره ولو رده عامدا.
(وإن استقاء فقاء عليه القضاء):
يعني إذا طلب القيء فقاء عليه القضاء وظاهره الوجوب عليه حمل أبو يعقوب في المدونة ولفظه كلفظ الشيخ، وحمله أبو بكر الأبهري على الاستحباب وقيل يقضي في الفرض وهو في التطوع لغو رواه ابن حبيب، وقيل إن كان لغير عذر فكالأول قاله ابن الماجشون.
(وإذا خافت الحامل على ما في بطنها أفطرت ولم تطعم وقد قيل تطعم):
القول بأنها لا إطعام عليها هو المشهور، والقول بأنها تطعم رواه ابن وهب، وقيل يستحب الإطعام لها ولا يجب قاله أشهب وهذه الأقوال الثلاثة في المدونة، وقيل إن خافت على ولدها وجب عليها الإطعام وإن خافت على نفسها فقد سقط قاله ابن الماجشون وابن حبيب، وقيل لا تطعم إذا دخلت في السابع وإن كانت قبل وخافت على ولدها فلتطعم قاله أبو مصعب هكذا نقله ابن شاس وغيره، واعترض ابن هارون عبارة ابن الحاجب عن هذا القول بقوله وخامسها تجب إن كان قبل ستة أشهر فلم يقيد الإطعام بالخوف على الولد، فإن كلامه يقتضي أن بنفس دخولها في السادس يسقط الإطعام وليس كذلك لما تقدم، وأنكر أبو عمران وجود القول الثاني في المذهب قائلا إنما نقله سحنون عن موطأ ابن وهب بالتأويل وقول الشيخ أفطرت يعني وجوبا وقول الباجي إن خافت على ولدها أبيح فطرها إنما هو نفي لما يتوهم، وإلا فهو الواجب.
(وللمرضع إن خافت على ولدها ولم تجد من تستأجر له أو لم يقبل غيرها أن تفطر وتطعم):
حال المرضع لا يخلو من ثلاثة أوجه: تارة لا يضر رضاعها أو يضر ويمكن إرضاعه غيرها ولو بأجر وجب عليها الصوم، وتارة لا يمكن إرضاعه غيرها وخيف عليها وعليه فإنه يحرم صومها، وتارة يشق عليها إرضاعه فهي مخيرة وأجر المرضعة يكون من مال الصبي ثم مال الأب إن لم يكن له مال ثم من مال الأم إن لم يحجف بها، وما ذكر الشيخ من الإطعام هو نص المدونة وروى ابن عبد الحكم لا إطعام عليها.
(ويسحب للشيخ الكبير إذا أفطر أن يطعم والإطعام في هذا كله مد عن كل يوم يقضيه):
стр. 273
ما ذكره هو قول مالك في الموطأ وبه قال سحنون وهو المشهور من المذهب، وحكى ابن بشير قولا بوجوب الإطعام وقال ابن الحاجب: ولا فدية على المشهور، فظاهره نفي الوجوب والاستحباب قاله ابن عبد السلام والمنقول ما تقدم من القولين لا ما يعطيه ظاهر كلامه، قلت بل هو اختيار اللخمي، وتأوله بعضهم على المدونة نعم يعترض عليه من حيث جعله المشهور وما ذكرناه عن اللخمي كذلك نقله ابن هارون عنه، ولفظ اللخمي ولا شيء عليه من طعام ولا غيره فهو بالإنصاف محتمل لما ذكرناه من الاستحباب، وكذلك لفظ المدونة فلا فدية عليه.
(وكذلك يطعم من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر):
قال التادلي: يريد وكذلك إذا دخلت عليه رمضانات متعددة فليس عليه إلا مد واحد لكل يوم ولا يتعدد بتعدد السنين قاله ابن شاس. واعلم أنه لا يجب قضاء رمضان على الفور باتفاق عند ابن بشير، واستقرأ ابن رشد قولا بأنه على الفور من قوله في الكتاب إذا قدم أو صح شهرا ثم مات وأوصى أن يطعم عنه أن ذلك في ثلثه مبدأ على الوصايا لأنه إنما يبدأ بالواجب، واختلف إذا مرض أو سافر عند تعيين القضاء، فقيل عليه الفدية وقيل لا، والقولان كلاهما تأولا على المدونة ذكر ذلك عياض وأما إذا تمادي به المرض أو السفر من رمضان إلى رمضان فإنه لا يطعم على المشهور.
وروي عن مالك أن عليه الإطعام وقاله ابن الماجشون، واختلف في وقت الإطعام فقيل عند الأخذ في القضاء أو بعده وهو المشهور، وقيل عند تعدد الصوم قاله أشهب.
(ولا صيام على الصبيان حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية):
إنما نفى ﵀ الوجوب بقوله لا صيام على .. ، فقوة كلامه تقتضي أنهم يؤمرون به استحبابا، ولهذا ذهب أشهب قال يستحب لهم إذا أطاقوه وفي المدونة لا يؤمر الصبيان بالصيام بخلاف الصلاة، وقال ابن الماجشون ويلزمهم إذا أطاقوه قضاء ما أفطروا بعد إطاقتهم إلا ما كان من علة، وهذه المقالات الثلاثة حكاها ابن يونس وظاهره كما ترى يقتضي أن أشهب يقول ما أفرطوا فيه ألا يقضي، وهو يناقض قوله في الصغيرة إذا وطئها زوجها فصلت دون غسل إنها تعيد وظاهره أبدا وهو ضعيف لأنه قلب النفل فرضا وفرض بين الصلاة والصيام عمل مذهب المدونة بثلاثة فورق:
أحدها: السنة وذلك أن الأصل لا يؤمر الصبي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام
стр. 274
"رفع القلم عن ثلاث" فذكر "الصبي حتى يحتلم" وجاء ما جاء في الصلاة بقوله: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع" وبقي ما سواه على الأصل.
الثاني: إنما يؤمر الصبي بالصلاة لكثرة أحكامها وتفريع مسائلها فكلف قبل البلوغ ليأتي زمان البلوغ وقد أحاط بالذي يحتاج إليه، بخلاف الصوم لقلة أحكامه وكلاهما ذكره ابن يونس.
وذكر غيره فرقا ثالثا وهو كون الصلاة تكرر في كل يوم فأمر بها ليمرن عليها بخلاف الصوم وإنما ذكر الشيخ الاحتلام والحيض لأنهما الأعم الأغلب.
(وبالبلوغ لزمتهم أعمال الأبدان فريضة قال الله العظيم (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستئذنوا) [النور: ٥٩]).
اعلم أن البلوغ يكون بالاحتلام والسن اتفاقا وتزيد الأنثى بالحيض والحمل، هكذا قاله غير واحد كابن الحاجب، وفيه نظر لأن الحمل لا يكون إلا بعد سبقية الإنزال من المرأة فهو يرجع إلى الاحتلام أيضًا والله أعلم.
واختلف في الإنبات هل هو علامة للبلوغ أم لا؟ على قولين كلاهما في المدونة في كتاب السرقة، قال ابن رشد وهذا فيما يلزمه في الحكم الظاهر من طلاق أو حد وفيما بينه وبين الله تعالى لا يلزمه، واختلف في مقدار السن الذي هو علامة على البلوغ على ثلاثة أقوال، فقيل خمس عشرة سنة قاله ابن وهب وقيل سبع عشرة سنة، وقيل ثمان عشرة سنة، وكلاهما لابن القاسم والأخير منهما هو المشهور قاله المازري ويصدق في الاحتلام ما لم تقم ريبة والإنبات مثله.
وقال ابن العربي: ينظر في المرأة قال ابن الحاجب: وهو غريب أراد به بعيد وكذلك أنكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام قائلا هو كالنظر لعين العورة وكذلك ابن القطان المحدث، ومعنى هذا لخليل لعله أطلق الغرابة على هذا لإنكار ابن القطان له وإن أراد أنه لم يقله غيره، وكثيرا ما يطلق المحدثون على الحديث الغرابة لهذا المعنى ففيه نظر لأن عبد الوهاب حكاه عن بعض شيوخه في كتاب الأحكام له لأنه قال ذلك في عيب المرأة في النكاح قال خليل، ولو قيل يحبس على الثوب كما قاله في العنة ما بعد.
(ومن أصبح جنبا ولم يتطهر أو امرأة حائض طهرت قبل الفجر فلم يغتسلا إلا بعد
стр. 275
الفجر أجزأهما صوم ذلك اليوم):
اعلم أن قول الشيخ فلم يغتسلا إلا بعد الفجر وهو وصف طردي وكذلك إذا لم يغتسلا، ولا خلاف أعلمه في المذهب أن صوم الجنب صحيح، وأما الحائض فاختلف فيها على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن صومها يجزئ سواء أمكن الغسل قبل طلوع الفجر أم لا، وسواء اغتسلت أم لا، وهو المشهور.
وقيل إنما يصح صومها إذا انقطع الدم عنها يزمان يمكن الغسل فيه قبل طلوع الفجر وإلا لم ينعقد صومها.
وقيل إنما ينعقد صومها إذا اغتسلت قبل طلوع الفجر وإلا فلتقض وكلا هذين القولين لعبد الملك نقل ابن الحاجب عنه الأول.
ونقل الثاني عنه أبو عمر بن عبد البر قال في المدونة: فإن شكت هل طهرت قبل الفجر أو بعده صامت وقضت واستقرئ منها فرعان:
أحدهما: وجوب صوم الشك احتياطا ثم يقضي وهو للخمي، ورده ابن هارون بأن الشك في الحيض في زوال المانع مع تحقق السبب والشك في صوم يوم الشك وجود السبب.
الثاني: أن الحائض لا يجب عليها تجديد نية الصوم وفيه خلاف تقدم.
(ولا يجوز صيام يوم الفطر ولا يوم النحر ولا يصام اليومان اللذان بعد يوم النحر إلا المتمتع لا يجد هديا):
ما ذكر أنه يصومها المتمتع الذي لا يجد هديا هو مذهب المدونة، روي عن مالك أنه لا يصومهما متمتع ولا غيره وبه قال أبو حنيفة والشافعي لثبوت النهي عن النبي ﷺ عن صيام أيام التشريق.
(واليوم الرابع لا يصومه متطوع ويصومه من نذره أو من كان في صيام متتابع قبل ذلك):
اختلف المذهب هل يجوز قضاء رمضان في الأيام المعدودات أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل جائز قاله أشهب، وقيل عكسه قاله في المدونة ونص عليه أشهب أيضًا، وقيل يجوز القضاء في الثالث فقط، وكذلك من أفطر وهذه الأقوال منصوصة في نذرها
стр. 276
(ومن أفطر في نهار رمضان ناسيا فعليه القضاء فقط وكذلك من أفطر فيه لضرورة من مرض):
ما ذكر من وجوب القضاء هو المعروف وقال عياض مشهور مذهب مالك قضاء من أفطر في رمضان ناسيا، فظاهره أن في المذهب قولا بأنه لا يقضي وهو غر يب وقد قدمنا ذلك، وظاهر كلام الشيخ أنه لا كفارة عليه سواء كان فطره بجماع أو غيره وهو كذلك على المشهور بالإطلاق، وقال ابن الماجشون: تجب الكفارة إذا كان قطره بجماع، وبه قال الشافعي وأحمد ابن حنبل واحتجوا بحديث الأعرابي أنه أتى يضرب صدره، وينتف شعره ويقول هلكت وأهلكت، فقال له النبي ﷺ "وما ذاك"؟ قال جامعت أهلي في رمضان فأمره بالكفارة ولم يستفسره هل وقع ذلك منه سهوا أو
стр. 277
عمدا، وترك الاستفصال في محل السؤال ينزل منزلة العموم في المقال.
وأجاب أصحابنا بأن قرينة الحال من الضرب والنتف تدل على أن الجماع كان عمدا على أنه نقل عن الشافعي أيضًا إن ترك الاستفصال في محل السؤال يكسوه ثوب الإجمال ويسقط به الاستدلال وهو أصل متنازع فيه بين أرباب الأصول.
(ومن سافر سفرا تقصر فيه الصلاة فله أن يفطر وإن لم تنله ضرورة وعليه القضاء والصوم أحب إلينا):
قال ابن الحاجب: ويسوغ الفطر سفر القصر بالإجماع وظاهر كلامه سواء دخل عليه رمضان في الحضر ثم سافر أم لا وليس كذلك بل الإجماع من أهل العلم، إنما هو إذا دخل عليه رمضان وهو مسافر وأما إذا سافر بعد دخوله ففيه خلاف بينهم؛ حكاه ابن عبد البر ولقد أحسن أن رشد في قوله لا خلاف بني الأئمة أن السفر من مقتضيات الفطر على الجملة.
ويريد الشيخ إن كان السفر غير سفر معصية على الصحيح في هذا الأصل وما ذكر أن الصوم أفضل هو قول مالك، وهو المشهور، وقيل الفطر أفضل قاله ابن الماجشون، وقيل هما سواء لا مزية لأحدهما على الآخر قاله مالك في سماع أشهب وعزاه ابن عطية لجل مذهب مالك وفي عزوه نظر. وقال ابن حبيب الصوم أفضل إلا في الجهاد للتقوي على العدو، كما جاء أن الفطر أفضل للحاج يوم عرفة للتقوي على المناسك وجعله اللخمي كالتفسير للمدونة.
وظاهر كلام ابن يونس أنه لا خلاف ولا تعارض بين قولهم هنا في المشهور أن الصوم أفضل وبين قولهم القصر سنة على المشهور، لأن القصر تبرأ به الذمة كالإتمام بخلاف إذا أفطر في السفر فإن الذمة لم تزل عامرة، وتبعه على هذا غير واحد وهو جلي، وفرق ثان وهو أن الإتمام عند أبي حنيفة وجماعة من العلماء لا يجزي، وأجمع العلماء المعتبرون على إجزاء الصوم وهو أولى وهذا الفرق ذكره الفاكهاني وذكر فرقا ثالثا فانظره، ويريد الشيخ أن له الفطر إذا شرع في السفر في زمان انعقاد النية وأما لو سافر بعد طلوع الفجر فإنه لا يجوز له الفطر، وحكى ابن الحاجب قولا بأنه جائز فقال لم يجز إفطاره على الأصح ولم يحفظه ابن عبد السلام قائلا إن أكثر اعتماده في النقل عن ابن بشير والجواهر ولم يذكراه، ونظرت ما أمكنني اليوم من التآليف فلم أجد لهذا القول ذكرا ولا إشارة، ونقل ابن هارون كلام ابن عبد السلام هذا معبر عنه يقال
стр. 278
بعض أصحابنا واعترضه بأن الباجي حكاه عن ابن حبيب، وحكى عن ابن القصار أنه مكروه.
(وكل من أفطر متأولا فلا كفارة عليه):
يريد إذا كان تأويله قريبا، وأما التأويل البعيد فتجب فيه الكفارة، وقطع في المدونة بالتأويل القريب في أربع مسائل: ما ذكر الشيخ ومن أكل ناسيا فظن أن الفطر مباح له فأفطر وامرأة طهرت في رمضان ليلا فلم تغتسل حتى أصبحت فظنت أنه لا صوم لمن لم يغتسل قبل الفجر فأكلت، ومسافر قدم إلى أهله ليلا فظن أن من لم يدخل نهارا قبل أن يمسي أن صومه لا يجزئ فأفطر، ثم قال ابن القاسم ما رأيت مالكا يرى الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل إلا المفطرة على أنها تحيض، فتفطر ثم تحيض والمفطر على أنه يوم الحمى فيفطر ثم يحم، وجعل الشيخان ابن عبد السلام وابن هارون الاستثناء منقطعا وحملا قوله على أنه أراد به التأويل القريب.
وقال ابن عبد الحكم: هما من التأويل القريب، وكذا إن اختلف فيمن رأى الهلال فلم يقبل فأفطر متأولا، واختلف في المسألة الثانية هل هي من التأويل القريب أم لا، وهو إذا أكل ناسيا فيتمادى متأولا على ثلاثة أقوال: أحدها ما تقدم وقيل تجب الكفارة، وقيل إن كان فطره بجماع وجبت وإلا فلا وكلاهما لعبد الملك وبالأول منهما قول المغيرة.
(وإنما الكفارة على من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أو جماع مع القضاء):
ظاهر كلامه الحصر لقوله وإنما الكفارة وهو كذلك، وقد تقدم قول ابن الماجشون أن من جامع ناسيا أن الكفارة تلزمه، ولا خلاف أن من أفطر متع مدا أنه يؤدب إذا لم يأت تائبا وأما إن جاء تائبا فالمختار العفو وأجراه اللخمي على الخلاف في شاهد الزور وساعده غيره على هذا التخريج، وفرق بعضهم بأن شهادة الزور من أكبر الكبائر فلعظم المفسدة فيها عوقب فاعلها وإن تاب، بخلاف المفطر عامدا في رمضان قال ابن عبد السلام: وتكليف الفارق بهذا لا يحتاج إليه إنه إن صح الفرقلا إشكال وإلا فالمانع من القياس وجود الحكم منصوصا عليه على خلاف مقتضى القياس، وعبر ابن هارون عن هذا بقوله قال بعض أصحابنا قائلا فيما قاله نظر لاحتمال أن يكون ترك العقوبة في الحديث لجهل الفاعل بالحكم أو لكونه حديث عهد بالإسلام فكان من النظر استئلافه والصفح عنه.
стр. 279
(والكفارة في ذلك إطعام ستين مسكينا لكل مسكين مد بمد النبي ﷺ فذلك أحب إلينا وله أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين):
ما ذكر الشيخ من أن التخيير في الثلاثة العتق والصوم والإطعام أحسن هو قول مالك من رواية مطرف وابن الماجشون وقالا به وهو أحد الأقوال السبع، وقيل التخيير فيها على السوية رواه ابن وهب وابن أبي أويس، وبه قال أشهب. وقيل العتق ثم الصيام ثم الإطعام كالظهار قاله ابن حبيب، وقيل العتق أو الصيام للجماع والإطعام لغيره قاله أبو مصعب وضعفه ابن عبد السلام بأن الحديث الذي هو أصل هذا الباب إنما كانت الكفارة فيه بالإطعام للجماع.
وقيل: أهل اليسار يتعين في حقهم الصوم قاله يحيى بن يحيى أفتى به الأمير عبد الرحمن ذكره غير واحد كعياض في مداركه، وقيل يتعين الإطعام في الشدة والعتق في الرخاء نقله الباجي عن فتوى متأخري أصحابنا. وقيل إن الكفارة مخصوصة بالإطعام فقط ليس فيها عتق ولا صوم وتأول هذا على المدونة في قولها لا يعرف مالك غير الإطعام لا عتقا ولا صوما قال عياض ولا يحل تأويله عليه لأنه خرق للإجماع، ولم يقل به.
قال القاضي عبد الوهاب: ولم يختلف العلماء أن الثلاث كفارة وإنما اختلف هل هي على التخيير أو على الترتيب، قال ابن هارون بعد أن نقل هذا الذي قلناه، فإذا كان هذا القول في الضعف والسقوط بهذه المنزلة لمخالفة الإجماع فكيف ينبغي لابن الحاجب أن يجعله المشهور، فعليه في ذلك درك، وما ذكر الشيخ أن الكفارة تكون بمده ﵇ هو نص المدونة ولا أعلم فيه خلافا.
(وليس على من أفطر في قضاء رمضان متعمدا كفارة):
ما ذكر لا خلاف فيه وإنما اختلف هل يقضي يوما واحدا أو يومين؟ قال مالك في كتاب الظهار من المدونة يقضي يوما واحدًا، ونحوه عن ابن القاسم في العتبية رواه عنه سحنون. وقال في كتاب الحج منها أن عليه يومين واختلف إذا أفطر في قضاء القضاء، فقيل عليه يومان وقيل يوم واحد، وكلاهما لمالك حكاهما ابن يونس وحكى ابن عات أن عليه ثلاثة أيام.
(ومن أغمي عليه ليلا فأفاق بعد طلوع الفجر فعليه قضاء الصوم ولا يقضي من الصلوات إلا ما أفاق وقتها):
стр. 280
اعلم أنه إذا أغمي عليه كل النهار فإنه يقضي مطلقا على المشهور وقيل إن كان بمرض وإلا فلا قاله ابن هارون وهو ظاهر المدونة لقولها وإن أغمي نهاره كله أجزأه وإن كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزه لقيده بالمرض، وأما إذا أغمي بعد انعقاد الصوم وكان يسيرا فلا أثر له وظاهر كلام اللخمي أنه متفق عليه وليس كذلك بل حكى ابن يونس عن عبد الملك أنه يقضي في القليل والكثير، وإما إذا أغمي عليه نصف النهار أو أكثره ففي ذلك أربعة أقوال: فقيل يجزئه، وقيل لا وقيل يجزئه في النصف ولا يجزئه في الأكثر قاله مالك في المدونة، وقال أشهب بأثره هذا استحسان ولو اجتزأ به ما رغب عنه.
(وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه ويعظم من شهر رمضان ما عظم الله سبحانه):
ينبغي هنا على الوجوب وإنما خصص الشيخ ذلك برمضان وإن كان غيره كذلك، لأن المعصية تغلظ بالزمان والمكان فمن عصى الله تعالى في الحرم فهو أعظم من الجرأة ممن عصاه خارجا عنه، ومن عصاه بمكة فهو أعظم ممن عصاه خارجا عنها، ومن عصاه بمسجدها فهو أعظم ممن عصاه خارجا عنه، ومن عصاه في الكعبة فهو أعظم مما قبله. وهذا الذي قلناه كان يذهب إليه بعض من لقيناه ممن تولى قضاء الجماعة في تونس، ولقد زاد في حد الخمر عشرين سوطا لرجل أخذ وهو سكران بمقربته من جامع الزيتونة بتونس حرسها الله تعالى لحرمة الجامع، وفي هذا الأخير نظر لأن الحدود لا يزاد عليها لا يقال إنهما أمران لأنه يلزم عليه الزيادة على الحد لمن شرب الخمر بالمدينة ومكة ولا علم أحدا نص على ذلك، وظاهر كلامهم نفيها، نعم الأدب يغلظ بالزمان والمكان.
(ولا يقرب الصائم النساء بوطء ولا مباشرة ولا قبلة للذة في نهار رمضان ولا يحرم ذلك عليه في ليله ولا بأس أن يصبح جنبا من الوطء):
أما الوطء فالإجماع عليه ولو لم يذكره لكان أحسن لأن كلامه يدل عليه من باب أحرى، واعترض ابن الفخار كلام الشيخ لأن ظاهره يقتضي إباحة القبلة لغير اللذة قائلا: وقد تحدث اللذة وإن لم يقصدها والصواب منعها مطلقا، وقد كان بعض السلف بهجر منزله في نهار رمضان.
وقالت عائشة ﵂ "وأيكم أملك لإربه من رسول الله ﷺ ". وظاهر كلام الشيخ أن القبلة منهي عنها سواء كان في فرض أو تطوع لشيخ أو شاب وهو
стр. 281
كذلك في المشهور، والمراد بذلك على وجه الكراهة، وقيل إنها مباحة للشيخ وتكره للشاب رواه الخطابي عن مالك، وقيل إنها مباحة في النفل مطلقاً وتمنع في الفرض رواه ابن وهب، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها عياض في الإكمال. وقسم غير واحد القبلة والمباشرة والملاعبة على ثلاثة أقسام: فإن علم من نفسه السلامة لم تحرم وعكسه عكسه وإن شك ففي ذلك قولان: الكراهة والتحريم وقال ابن هارون والذي عني أنه إن شك في خروج المني فالظاهر التحريم وإن شك في المذي فالظاهر الكراهة، وظاهر كلام الشيخ أن الفكرة والنظر ليس منهيا عنهما وجعلهما ابن الحاجب كالقبلة ونحوها وجعل اللخمي النظر المستدام كالقبلة، وقال ابن بشير لا يختلف أنهما لا يحرمان وإنما اختلف في القبلة والمباشرة هل تحرم أم تكره أو يفرق بين الشيخ والشاب وبين الواجب وغيره.
(ومن التذ في نهار رمضان بمباشرة أو قبلة فأمذى لذلك فعليه القضاء و‘ن تعمد ذلك حتى أمنى فعليه الكفارة):
ظاهر كلام الشيخ إن التذ بقبلة فلا شئ عليه، وهو كذلك وظاهره إذا أنعظ ولم يخرج منه شئ أنه لا يقضي وهو كذلك في أحد القولين، وظاهر كلامه أنه يلزمه وإن لم يستدم وهو كذلك وظاهره إذا أنعظ، ولم يخرج منه شئ أنه لا يقضي وهو كذلك في أحد القولين، وظاهر كلامه أنه يلزمه وإن لم يستدم وهو كذلك في قول. والملاعبة والمباشرة مثل ما تقدم إلا أن الكفارة تجب في المني من غير تفصيل بين استدامة وغيرها على المشهور، وأسقط أشهب الكفارة فيه مع عدم الاستدامة نقله الباجي.
(ومن قام رمضان إيمانا واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه: وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله وتكفير الذنوب به والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام ومن شاء قام في بيته):
اختلف في قيام رمضان فقيل: فضيلة قال ابن حبيب، وقيل: سنة قاله أبو عمر بن عبد البر. ومعنى قول الشيخ إيمانا أي تصديقا ومعنى احتساباً أي خالصا لله ويريد بالمغفرة الصغائر، وأما الكبائر فلا يكفرها إلا التوبة، ويريد أيضاً فيما بين العبد
стр. 282
وربه وأما ذنوب الخلق فلا ب من التحليل لأربابها.
قال بعض من شرح كلام الشيخ، وهذا الموضوع هو أحد ما تغفر بسببه الذنوب ومثله المصلي للجمعة والمريض والحاج والمجاهد والمفطمة لولدها والكافر يسلم زاعما أن الحديث ورد بذلك، ولا شك أن ما ذكره في الكافر صحيح يل عليه قوله ﵇ " الإسلام يجب ما قبله " والمجاهد قد علمت ما جاء فيه من الحث وإليك النظر في بقيتها.
(وذلك أحسن لمن قويت نيته):
ما ذكر أن صلاة المنفرد أحسن هو المشهور، وقيل قيامه في المساجد أفضل ولا يبعد أن يكون سبب الخلاف ما تقدم من حكمه هل هو فضيلة أو سنة، وهذا الخلاف عند غير واحد إنما هو ما لم تتعطل المساجد وظاهر كلام بعضهم أن الخلاف عموما، وهذا على سبب الخلاف المتقدم، ونقل أبو عمر بن عبد البر في التمهيد عن الطحاوي أنه قال، أجمعوا على منع تعطيل المساجد منه، قال مالك وختم القرآن فيه ليس بسنة وقال ربيعة إن أمهم فيه بسورة أجزأهم وكلا المقالتين في المدونة قال اللخمي والختم أحسن.
(وإن كان السلف الصالح يقومون فيه في المساج بعشرين ركعة ثم يوترون بثلاث ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام ثم صلوا بعد ذلك ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر وكل ذلك واسع ويسلم من كل ركعتين):
ويذكر عن ابن شعبان أنه يكره تقسيط القرآن ليوافق الختم ليلة سبع وعشرين ذكره في كتاب البيوع، ونقل ذلك عنه ابن أبي يحيى عند تكلمه على هذا المحل، قال التادلي، وهذا خلاف قول مالك أنه يقام بتسع وثلاثين ركعة، وذكر اللخمي عن مالك أنه قال الذي آخذ به ما جمع عمر عليه الناس إحدى عشرة ركعة، وقال ابن حبيب رجع عمر إلى ثلاث وعشرين ركعة.
(وقالت عائشة ﵂: ما زاد رسول الله ﷺ في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر):
قال بعض الشيوخ: يريد في الأغلب وإلا فقد روي عنها أنه أوتر بخمس عشرة، وروي عن غيرها من أزواجه أنه رجع إلى تسع ثم إلى سبع وليس اختلافا كما ظنه بعضهم، وإنما هو اختلاف في حال فإنه كان ﵊ أول ما يبدأ به إذا دخل بيته بعد العشاء بتحية البيت، وإذا قام يتهجد يفتتح ورده بركعتين خفيفتين
стр. 283
لينشط وإذا خرج لصلاة الصبح ركع ركعتي الفجر، فتارة عدت جميع ما يفعله في ليله وذلك سبع عشرة ركعة.
وتارة أسقطت ركعتي الفجر لأنهما ليستا من الليل فعدت خمس عشرة وتارة أسقطت تحية المسجد فعدت ثلاث عشرة وتارة أسقطت الركعتين الخفيفتين فعدت إحدى عشرة ركعة، قلت وهذا أحسن في الفقه لأن الفقه جمع أحاديث الباب على حسب الاستطاعة على أن ما ذكر لا يتناول ما نقل الشيخ عن عائشة ﵂.
باب في الاعتكاف
стр. 284
الاعتكاف في اللغة هو اللزوم مطلقاً، وفي الاصطلاح قال ابن الحاجب: هو لزوم المسلم المميز المسجد للعبادة صائما كافا عن الجماع ومقدماته يوماً فما فوقه بالنية واعترضه ابن عبدالسلام من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن قوله المسلم كالمستغنى عنه بقوله للعبادة صائما إذا علم أن العبادة والصوم لا يصحان إلا من المسلم.
الثاني: أن قوله للعبادة فيه إجمال إذ من العبادة ما ليس للمعتكف فعله.
الثالث: أن قوله الجماع مستغنى عنه لاستلزام الكف عن مقدماته الكف عنه، قلت واعترضه أيضاً بعض شيوخنا بأنه يخرج عنه إذا اعتكف يوماً مثلا فخرج فيه لحاجة الإنسان فإن اعتكافه يجزئ وحده يدل على خلاف ذلك فكلامه غير جامع.
(والاعتكاف من نوافل الخير):
اختلف في حكم الاعتكاف على أربعة أقوال: أحدها: ما قاله الشيخ ونحوه قال القاضي عبدالوهاب هو قربة وقال ابن العربي في العارضة هو سنة ولا يقال فيه مباح وقول أصحابنا في كتبهم جائز جهل قلت ليس بجهل وإنما يذكرون ذلك لنفي ما يتوهم من كراهته، وقال ابن عبد البر في الكافي هو في رمضان سنة وفي غيره جائز، وقال ابن عبدوس روى ابن نافع ما رأيت أحدا من أصحابنا اعتكف، وقد اعتكف النبي ﷺ حتى قبض وهم أشد اتباعا فلم أزل أفكر حتى حدث بنفسي أنه لشدته لأن نهاره وليله سواء كالوصال المنهي عنه مع وصاله ﷺ ، فأخذ ابن رشد منه كراهية مالك له ولا خلاف أن الاعتكاف يصح من الصبي المميز وكذلك من المرأة والعبد إن أذن الزوج والسيد ولا خلاف أنها إذا دخلا في الاعتكاف بإذنهما لم يكن لهما قطعه عليهما، واختلف إذا لم يدخلا وبدا للزوج والسيد في إذنهما فظاهر المدونة أن لهما الرجوع، قال فيها وإن أذن لعبده أو لامرأته في الاعتكاف فليس له قطعه عليهما إذا دخلا فيه.
وبه قال ابن شعبان وحكى عياض عن مالك أنه ليس لهما رجوع ولا خلاف أن المكاتب لا يمنع من الاعتكاف اليسير ويمنع من الكثير.
(والعكوف الملازمة):
قد تقدم حد الاعتكاف فأغنى عن إعادته ولو أخر إلى ههنا لكان أحسن وفي
стр. 285
كلام الشيخ تقديم التصديق قبل التصور بحسن الجواب المشهور هنا، وبقية الأجوبة سبقت عند قوله أو لما يخرج من الذكر من مذي فانظرها.
(ولا اعتكاف إلا بصيام):
يريد لا الاعتكاف يجزئ إلا بصوم وهذا هو المشهور من المذهب، وقال ابن لبابة ليس من شرطه الصوم وهو قول الشافعي، وعلى الأول فإن كان اعتكافه تطوعا فلا يفتقر إلى صوم يخصه بل يصح إيقاعه في رمضان أو غيره بلا خوف، وإن كان منذورا فقال ابن عبد الحكم: كالأول وقيل لا بد من صوم يخصه قاله ابن الماجشون وسحنون وعزا الباجي الأول لمالك وتعقبه ابن زرقوم بعدم وجوده له، وهو ضعيف لما قد علمت من أنه من حفظ مقدم على من لم يحفظ لثقة الناقل واطلاعه على ما لم يطلع عليه الآخر ولم يحك اللخمي غير الثاني، وقيده بكون الناذر نوى أنه لا يكون إلا في صوم غير واجب ولم يعلم صحته في واجب أو جهل شرط الصوم فيه صح في واجبه، وسبب الخلاف هل الصوم ركن فناذر الاعتكاف ناذر لجميع أجزائه ومنها الصوم، وهو شرط فكما يصح له إيقاع الصلاة المفروضة المنذورة بطهارة أتى بها لغيرها فكذلك هنا.
(ولا يكون إلا متتابعاً):
يعني كما إذا قال لله تعالى علي اعتكاف عشرة أنه يلزمه تتابعها، قال ابن عبد السلام: والأقرب عندي مذهب المخالف أنه لا يلزمه ذلك لأن النذر المطلق أعم من المتتابع وغيره فلا يلزمه الآخر وكما في صيام هذا في حق الناذر، فأحرى في حق غير الناذر والله أعلم.
(ولا يكون إلا في المساجد كما قال الله سبحانه):
المشهور من المذهب أن المسجد لا بد منه في الاعتكاف، وخالف فيه ابن لبابة أيضاً فقال يصح الاعتكاف في غير المسجد، ولا يلزم ترك المباشرة إلا فيه قال ابن رشد وهو شذوذ، وعلى الأول فهل هو ركن نص عليه ابن العربي في القبس، وهو ظاهر كلام غيره، وقيل إنه شرط قاله في الذخيرة ولم يظهر لي أين تظهر ثمرة هذا الخلاف في هذا الباب، واختلف هل المستحب عجزه أو رحبته أم لا؟ فقيل بما ذكر رواه ابن عبدوس قال لم أره إلا في عجزه، وقيل المستحب في رحبته رواه ابن وهب قال لم أره إلا في رحبته، وقيل هما سواء.
следующие страницы →