← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وجوب الغسل يريد تخريجه والبهيمة كالآدمي نص عليه غير واحد كابن العربي عن المذهب. وقال الشيخ أبو القاسم بن محرز ثلاث وجبات: مغيب الحشفة في قبل أو دبر من آدمي، قال بعض شيوخنا ظاهره أن وطء البهيمة دون إنزال لا أثر له إلا أن يريد لمن عليه الوجوب لا لسببه، وظاهر كلام الشيخ أن الحشفة إذا غابت موجبة الغسل وإن دخلت ملفوفة وهو كذلك ومعناه إذا كان اللف رقيقا، وأما الكثيف فلا ونص عليه ابن العربي. وكان بعض من لقيناه يخرج فيه قولان بوجوب الغسل مطلقا من أحد القولين في لمس النساء من فوق حائل كثيف. قلت ولا يتخرج فيه قول بنفي الغسل مطلقا من أحد الأقوال في مس الذكر لأن الوطء أخص في استدعاء اللذة. وقال التادلي: اختلف في المسألة على ثلاثة أقوال: ثالثها إن كان الحائل رقيقا وجب وإلا فلا وهو الأشبه بمذهبنا، وما ذكره لا أعرفه وأراد بقوله وهو الأشبه بمذهبنا أي الجاري على أصول المذهب المشهور قياسا على مس الذكر والله أعلم. وظاهر كلام الشيخ أن بعض الحشفة لغو وهو كذلك على ظاهر المدونة. ونص على هذا اللخمي ونقل صاحب الحلل عن غير اللخمي إذا غاب الثلثان منها وجب وإلا فلا، قلت: وما ذكره لا أعرفه. (ومغيب الحشفة في الفرج يوجب الغسل ويوجب الحد ويوجب الصداق ويحصن الزوجين ويحل المطلقة ثلاثا للذي طلقها ويفسد الحد ويفسد الصوم): إنما كرر كون مغيب الحشفة يوجب الغسل ليركب عليه ما بعده وإلا فقد ذكر ذلك. ومعنى يوجب الصداق أي كماله وإلا فالنصف حاصل بالعقد، واختلف إذا وطئها في دبرها هل هلا جميع الصداق كالوطء في القبل أم النصف فقط كلاهما حكاه اللخمي، قلت وأخذ بعض شيوخنا الأول من قول رجم المدونة وطؤها في دبرها جماع لأن شك فيه. واختلف إذا افتضها بإصبعه على ثلاثة أقوال قيل: لها كل المهر قاله ابن القاسم وقيل لها النصف وما شأنها قاله في سماع أصبغ وقيل إن لم يرج لها إنها لا تتزوج بعد ذلك إلا بمهر ثيب فلها جميعه، قاله اللخمي. وما ذكر أن المطلقة ثلاثا تحل بالوطء بمغيب الحشفة هو كذلك عندنا خلافا للحسن في قوله لا تحل إلا بالإنزال وقيل إن العقد كاف في الإحلال، قاله سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب. قال أبو عمران: وإلى

стр. 72

هذا القول ذبه ابن اللباد الفرضي في النكاح. قلت: وأخذه المغربي من قول أشهب في النكاح الثالث من المدونة ونصها قال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريم للأمة كان يطؤها أم لا، ذكر قول أشهب هذا فيما إذا وطئ أمة بملك ثم تزوج أختها، والمشهور أنه يشترط في التحليل الانتشار قال بعض من لقيناه وانظر هل يتخرج هذا الخلاف في وجوب الغسل أم لا، ولم أر فيه نصا وهو قصور لنقل أبي محمد عن ابن شعبان إذا أدخلت زوجة العنين ذكره في فرجها لزمها الغسل قال أبو محمد لا أعرف فيه خلافا. (وإذا رأت المرأة القصة البيضاء تطهرت وكذلك إذا رأت الجفوف تطهرت مكانها رأته بعد يوم أو يومين أو ساعة): قال ابن الحاجب: الحيض الدم الخارج بنفسه من فرج الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما من غير ولادة واعترض بأربعة أوجه: أحدها: استعمال لفظ بنفسه في غير موضعه لأنه إنما يستعمل إذا أريد تأكيد الذات كقولك جاء زيد نفسه. الثاني: أنه غير مانع لدخول نوع من دم الاستحاضة فيه وهو ما زاد على العادة أو العادة والاستظهار إذا كان أقل من خمسة عشر يوما. الثالث: أن في حده الحشو وهو قوله من غير ولادة فإن قوله بنفسه يغني عنه. وهذه الثلاثة حكاها ابن عبدالسلام ويجاب عن الثاني بأن قول مالك فلا يعترض بها هو مختلف اختلافا قويا إذ هو في المدونة. الرابع: ذكره ابن هارون بأنه يخرج عن كلامه دم الحامل فإنه فيه تفصيلا بين أول الحمل وآخره ففي أوله خمسة عشر يوما ونحوها وبعد ستة العشرين ونحوها، قلت ويجاب بأن أشهب روى عن مالك أنها كغيرها فكلامه جار على قول مالك أيضا وظاهر كلام الشيخ أن القصة والجفوف سيان وإليه ذهب الداودي وعبدالوهاب قال ابن القاسم القصة أبلغ. وقال ابن عبد الحكم: الجفوف أبلغ وهذا في حق المعتادة وأما المبتدئة فقال ابن القاسم تنتظر الجفوف. قال الباجي: هذا نزوع منه إلى قول ابن عبد الحكم، ورده المازري بأن المبتدئة لم تتقرر في حقها عادة أحدهما فإذا رأت الجفوف أولا فهي علامة، والأصل عدم القصة في حقه فلا معنى للتأخير لأمر مشكوك فيه. وإذا رأت المرأة القصة أولا

стр. 73

أخرت لأنه لا بد أن يعقبها الجفوف فكان التأخير لأمر محقق وليس كذلك المعتادة. (ثم إن عاودها دم أو رأت صفرة أو كدرة تركت الصلاة ثم إذا انقطع عنها اغتسلت وصلت ولكن ذلك كله كدم واحد في العدة والاستبراء حتى يبعد ما بين الدمين): أما الدم فلا خلاف فيه أن الأمر كما ذكر وكذلك الصفرة والكدرة في مشهور المذهب مطلقا، وقيل هما كالدم ما لم يكونا بعد اغتسال قبل تمام طهرها فإنه لا أثر لخروجها قاله ابن الماجشون قائلا: يجب منهما الوضوء فقط. قال اللخمي: وهو خلاف نص المدونة وجعله الباجي والمازري المذهب. (مثل ثمانية أيام أو عشرة فيكون حيضا مؤتنفا): اختلف في أقل الطهر على خمسة أقوال: فقيل: خمسة أيام قاله ابن الماجشون وقيل ثمانية أيام قاله سحنون وقيل عشرة أيام قاله ابن حبيب وقيل خمسة عشر يوما قاله ابن مسلمة وجعله ابن شاس وابن الحاجب المشهور. وقيل ما يراه النساء قاله مالك من رواية ابن القاسم. وأما أكثر الطهر فلا حد له اتفاقا واعلم أن الشيخ أراد بقوله مثل ثمانية أيام أو عشرة الإخبار بأن المسألة اختلف فيها على قولين فكأنه يقول مثل ثمانية أيام في قول أو عشرة في قول، وكثيرا ما يفعل ذلك ومنه وترفع يديك حذو منكبيك ودون ذلك. وقوله: وإذا نوى المسافر إقامة أربعة أيام بموضع أو ما يصلي فيه عشرين صلاة أتم الصلاة، ولا يقال إن كلامه غير مطرد في ذلك ألا ترى إلى قوله تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك لأن قرينة قوله وذلك واسع يفهم منه إرادة التخيير فقط. (ومن تمادى بها الدم بلغت خمسة عشر يوما ثم هي مستحاضة تتطهر وتصوم وتصلي ويأتيها زوجها): ظاهر كلامه سواء كانت معتادة أو مبتدئة أو حاملا وهو كذلك في أحد الأقوال عموما فأما المبتدئة ففي المدونة تمكث خمسة عشر يوما وروى علي بن زياد تطهر لعادة لداتها وروى ابن وهب وثلاثة أيام استظهارا.

стр. 74

وقال عبد الوهاب مثله ما لم تزد على خمسة عشر يوما، وقال اللخمي لو قيل تطهر لعادة أمثالها من قرابتها لكان حسنا، ومثل هذا اللفظ لا يعد قولا حسبما نص عليه صاحب اللمع فيما إذا قال المجتهد لو قال بهذا قائل لكان مذهبا فإنه لا يعد قولا. وأما المعتادة ففي المدونة خمسة عشر يوما وترجع إلى عادتها مع الاستظهار بثلاثة أيام ما لم تزد على خمسة عشر يوما، وقيل عادتها فقط قاله ابن عبد الحكم. وقيل خمسة عشر يوما واستظهار يوم أو يومين، وقيل بل تستظهر بثلاثة أيام قاله ابن نافع فهذه خمسة أقوال. واختلف على القول باعتبار العادة مع الاستظهار فقيل العادة الأكثرية وهو المشهور، وقيل الأقلية ابن حبيب وابن لبابة، وكذلك اختلف فيما بين العادة والعادة مع الاستظهار إلى خمسة عشر يوما هل هي طاهرة حقيقة أو تحتاط على قولين، وأما الحامل فالأكثر على أنها تحيض، ووقع لابن القاسم ما يقتضي أنها لا تحيض كقول ابن لبابة وذلك أنه قال فيمن اعتدت بالحيض ثم ظهر حملها لو علمته حيضا مستقيما لرجمته فأخذ منه غير واحد ما قلناه. قال ابن بشير في شرحه على ابن الجلاب إنما هو إشارة للتشكيك كقول الداودي لو أخذ فيه بالأحواط لكان حسنا وعلى الأول فقال مالك يجتهد لها وليس في ذلك حد وليس أول الحمل كآخره، وقال ابن القاسم تمكث بعد ثلاثة أشهر ونحوها خمسة عشر يوما ونحوه بعد ستة أشهر العشرين ونحوها، واختلف أصحابنا من التونسيين هل هو خلاف لقول مالك السابق أو هو تفسير له؟ وروى أشهب أن الحامل كغيرها والخلاف في الحامل أكثر من المعتادة ولولا الإطالة لذكرناه. (وإذا انقطع دم النفساء وإن كان قرب الولادة اغتسلت وصلت): قال ابن الحاجب: النفاس الدم الخارج للولادة قال ابن عبد السلام: وكان يلزم على طريقه في حد الحيض أن يقول غير زائد على ستين إلا أن يعتذر عنه بأن الخمسة عشر هناك على الأكثر على المشهور، والذي رجع إليه في النفاس أن يسأل عنه النساء فيمكن ذكر الزمان هناك ولم يكن هنا وفيه نظر، قلت وجه النظر الذي أشار إليه والله أعلم هو أن القول المرجوع إليه هناك أيضا العادة مع الاستظهار ما لم تبلغ خمسة عشر يوما، فلو كان المعتبر إنما هو القول المرجوع إليه لما قال في الحيض غير زائد على خمسة عشر يوما.

стр. 75

قال الجوهري: ويقال نفست بضم النون وفتحها في الولادة وبالفتح في الحيض فقط، وحكى الأصمعي وأبو حاتم الوجهين معا ولا خلاف أعلمه بين أهل العلم أنه إذا انقطع دم النفساء أنها تغتسل، وجملة نساء عوام إفريقية يعتقدون أنها تمكث أربعين يوميا ولو انقطع عنها الدم وهو جهل منهن فليعلمن. (وإن تمادى بها الدم جلست ستين ليلة ثم اغتسلت وكانت مستحاضة تصلي وتصوم وتوطأ): ما ذكر أنها تجلس ستين يوما هو قول مالك. قال مطرف: بذلك رأيته يفتي وقيل ما يراه النساء وإليه رجع مالك والقولان معا في المدونة، وقال ابن الماجشون: السبعون أحب إلي من الستين. قلت: وسمعت بعض من لقيته ممن يظن به حفظ المذهب ينقل غير ما مرة: أن بعض أهل المذهب حكى قولا في المذهب باعتبار أربعين ليلة. قال: وغاب عني ناقله وأكثر أهل المذهب إنما يعزون لأبي حنيفة. باب طهارة الماء والثوب والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة والمصلي يناجي ربه فعليه أن يتأهب لذلك بالوضوء أو بالطهر إن وجب عليه الطهر، ويكون ذلك بماء طاهر غير مشوب بنجاسة ولا بماء قد تغير لونه لشيء خالطه من شيئ نجس أو طاهر. انظر لأي شيء ذكر الشيخ في هذه الترجمة ما يجزئ من اللباس في الصلاة وذكر ذلك في الصلاة أمس ولذلك كرر الشيخ ذلك في جامع الصلاة. والطهارة في اللغة النظافة والنزاهة. وفي الاصطلاح قال المازري: إزالة النجس أو ما في معناه بالماء أو ما في معناه

стр. 76

واعترضه بعض شيوخنا بأن كلامه إنما يتناول التطهير، والطهارة غير التطهير لثبوتها دونه فيما لم يتنجس وفي المطهر بعد الإزالة. وأما الطهارة فهي صفة حكمية توجب لموصوفها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أول فالأولان من خبث والأخير من حدث والطهورية توجب له كونه الموصوف بحيث يصير المزال به نجاسته طاهرا قال: فهي ثلاثة حقائق. (إلا ما غيرت لونه الأرض التي هو بها من سبخة أو حماة ونحوهما): إنما جاز الوضوء بماء السبخة والحماة ونحوهما لأن ذلك ملازم للماء فألحق بالمطلق لعدم الانفكاك فلابد من معرفة المطلق. قال ابن الحاجب: المطلق الطهور وهو الباقي على أصل خلقته واعترضه بعض شيوخنا بأنه ينتقض بماء الورد وشبهه ولا يجاب بإطلاق المطلق لأنه المعرف، واختلف المذهب فميا غير لونه ورق حشيش أو شجر غالبا على ثلاثة أقوال: فقيل إنه لا يضر قاله العراقيون وقيل عكسه قاله الأبياني وقيل يكره أخذا من قول السليمانية تعاد الصلاة بوضوئه في الوقت مراعات للخلاف، قلت في هذا الأخذ نظر، لأن المكروه لا تعاد منه الصلاة في الوقت وإنما يحمل هذا القول على أنه لا يجوز ابتداء ولكن تعاد الصلاة في الوقت مراعاة للخلاف، وكذلك اختلف في الماء المغير بحبل السانية على ثلاثة أقوال: فقيل إنه طهور. قاله ابن زرقون وعكسه قاله ابن الحاج، وقيل بالأول إن كان تغيره غير فاحش قاله ابن رشد. وفي التغير بالملح ثلاثة أقوال: فقيل إنه لا أثر له قاله ابن القصار وعكسه قاله القابسي وقيل الفرق بين المعدني فالأول والمصنوع فالثاني قاله الباجي وزعم البلنسي أنه المشهور والكلام في هذا الفصل متسع جدا ومحله المدونة وابن الحاجب. (وما غير لونه بشيء طاهر حل فيه فذلك الماء طاهر غير مطهر في وضوء أو طهر أو زوال نجاسة): ما ذكره في الوضوء والطهر متفق عليه وفي النجاسة هو كذلك عند الأكثر وقيل إنها تزال بكل مائع، قال ابن الحاجب: وقيل كنحو الخل يريد كماء الورد وشبهه لا أنها تزال بالخل لأنه إدام. قال ابن عبد السلام: وهذا القول هو القياس للاتفاق على عدم اشتراط النية، قلت ما ذكره من الاتفاق نقله ابن القصار بلفظ الإجماع وحكى القرافي عن التلخيص أنها تفتقر إلى نية. قال ابن العربي: ولو جففت الشمس موضع بول لم يطهر على المشهور.

стр. 77

(وما غيرته النجاسة فليس بطاهر ولا مطهر) ظاهر كلام الشيخ: سواء كان التغير في اللون أو في الطعم أو في الريح، فأما الطعم واللون فالأكثر على أن من توضأ به يعيد أبدا، ونقل ابن زرقون عن ابن شعبان عن ابن القاسم أن من توضأ بماء تغير بموت دابة برية سائلة النفس فإنه يعيد في الوقت كذا نقله عن بعض شيوخنا وظاهر نقله وسياقه ولو تغير باللون أو الطعم وليس كذلك بل إنما نقله ابن زرقون في تغير الريح فقط، واختلف في تغير الريح على ثلاثة أقوال: فقيل إنه يؤثر. وقال ابن الماجشون: لا أثر له وقيل بالأول إن تغير شديدا أخذ من قول سحنون أن من توضأ بماء تغير بما حل فيه تغيرا شديدا يعيد أبدا، وهذه الأقوال حكاها ابن رشد وقال عياض: أجمعوا على نجاسة ما غير ريحه نجس وضعف نقله بما سبق، وقال ابن بشير في قول ابن الماجشون: ولعل قصد التغيير بالمجاورة ورده غير واحد من شيوخنا وغيرهم بنقل الباجي عن ابن الماجشون إن وقعت فيه ميتة لم يضره إن تغير ريحه فقط. (وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره): ما ذكر من أنه نجس هو قول ابن القاسم وهو ظاهر المدونة عند بعضهم في قولها يتمم ويتركه، فإن توضأ به وصلى أعاد في الوقت، فقول المدونة يتيمم يقتضي أنه نجس وإنما قال يعيد في الوقت مراعاة للخلاف وقيل إنه مكروه. قال ابن رشد وهو المشهور وتأول على المدونة أيضا لقولها يعيد في الوقت وقيل مشكوك فيه فيجمع بينه هو وبين التيمم، وهذا القول تأوله القاضي عبد الوهاب على المدونة أيضا وضعف لبعده من اللفظ وبه قال ابن الماجشون وسحنون وضعفه ابن رشد؛ لأن الشك في الحكم ليس بمذهب وإنما هو وقف غيره وإنما المشكوك ما شك في حلول النجاسة فيه. قال ابن هارون: وفيه نظر لأن الشك في الحكم قد يكون لتعارض الأدلة عند المجتهد فيرى في المسألة بالاحتياط وقيل إنه طاهر من غير كراهة نقله اللخمي عن أبي

стр. 78

مصعب واعترضه ابن بشير بعدم وجوده وإنما الموجود الطهورية مع الكراهة لأن البغداديين قالوا بالكراهة ومعولهم رواية عن أبي مصعب قال ابن هاروبن: وهو ضعيف لأنه شهادة على النفي، وأيضا فإن أبا مصعب حكى عن مالك أنه قال: الماء كله طاهر ما لم يتغير أحد أوصافه معينا كان أو غير معين وظاهره نفي الكراهة. وقال المازري: ذهب بعض من قال إن الماء طهور إلى الكراهة وهذا يدل على أن بعضهم لم يقل بالكراهة، ونقل هذا القول الإمام فخر الدين عن الحسن البصري والنخعي ومالك وداود قال: وإليه ما الغزالي في الإحياء، واختلف على القول بأنه مشكوك، فقيل يتوضأ ويتيمم لصلاة واحدة قاله ابن الماجشون ورواه ابن مسلمة وقيل بتيمم ثم يتوضأ لصلاتين قاله ابن سحنون. (وقلة الماء مع أحكام الغسل سنة والسرف منه غلو وبدعة وقد توضأ رسول الله ﷺ بمد وهو وزن رطل وثلث وتطهر بصاع وهو أربعة أمداد بمده ﷺ : قال ابن هارون: ظاهر كلام الشيخ في قوله السرف منه غلو وبدعة أن طرح الماء ممنوع، وهو خلاف المشهور من المذهب في الدجاج والأوز المخلاة أن الماء يراق بخلاف الطعام لاستجازة طرح الماء فظاهره جواز طرحه بغير سبب، قال: وقد يحمل جواز الطرح على ما حصل فيه شبهة كلاذي يشربه ما عادته استعمال النجاسة والمنع على ما كان من غيرسبب، قلت: لا معارضة بين قول الشيخ وغيره وإنما كان السرف منه بدعة فيما ذكر الشيخ لأنه إسراف في عبادة وقد جاء في الشرع التقليل من ذلك، وأما إراقة الماء لا في استعمال العبادة فذلك جائز اختيارا والله أعلم. وقوله وقد توضأ ﷺ بمد إلى آخره المشهور من المذهب أن الواجب الإسباغ فمهما حصل الإسباغ ولو بأقل من المد فإنه يجزئ، وكذلك في الغسل بأقل من الصاع وقال ابن شعبان: لا يجزئ أقل من المد والصاع لأنه لا أحد أرطب من أعضاء رسول الله ﷺ : (وطهارة البقعة للصلاة واجبة): وكذلك طهارة الثوب فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض وقيل

стр. 79

وجوب السنن المؤكدة اختلف المذهب في إزالة النجاسة على خمسة أقوال: فقيل أن ذلك واجب وليس بشرط وهذان قولان هما اللذان أرد الشيخ بقوله: فقيل إن ذلك فيهما إلخ، كذا فهمه غير واحد كابن الحاجب. والأقرب أن الشيخ إنما أراد بذينك الوجوب والسنة المؤكدة كذا فهمه وعليه حمله ابن هارون فهذه ثلاثة أقوال. والرابع: أنه واجبة مع الذكر والقدرة ساقطة مع العجز والنسيان وهو ظاهر المدونة وقيل فضيلة حكاه ابن رشد في المقدمات، وزعم الشيخ عبد الحق في تهذيب الطالب أن المشهور من المذهب القول بالسنية وهو كذلك. قال الشيخ أبو الحجاج الصنهاجي- أحد شيوخ الفاكهاني ﵏ وهذا يعني النجاسة الظاهرة، واخلتف في النجاسة الباطنة كمن شرب خمرا ولم يسكر ففي كتاب ابن المواز اعتبار ذلك لأنه أدخله في جوفه اختيارا وقال التونسي لغو. قال الفاكهاني: وانظر لم جعل المؤلف البقعة أصلا وحمل طهارة الثوب عليه ولم يشرك بينهما بواو العطف؟! فيقول طهارة البقعة والثوب وربما كان طلب الطهارة في الثوب أكد منه في البقعة بدليل أنه يصلي على حصير بطرفه الآخر نجاسة لا تماس، ولا يصلي بثوب فيه شيء من النجاسة وإن لم تماس وانظر أيضا لم يذكر طهارة البدن وهو أيضا مشترط في صحة الصلاة؟ قلت لأن كلامه دل عليه من باب أحرى فلذلك لم يذكره، والله أعلم. (وينهى عن الصلاة في معاطن الإبل ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام): قال المازري: خص ابن الكاتب النهي بالمعطن المعتاد وأما ما كان لمبيت ليلة واحدة فلا، لصلاة النبي ﷺ لبعيره في السفر. قلت: ورده بعض شيوخنا باحتمال كونه في غير معطن، وظاهر كلام الشيخ أن مرابض البقر والغنم الصلاة فيها جائزة وهو كذلك على المنصوص، وخرج بعضهم البقر على الإبل للتعليل بالنفور ورده عبد الوهاب لشدته في الإبل وخرجها بعضهم على الإبل على قول ابن القاسم الشاذ أن بول ما يؤكل لحمه وروثه نجس وهي رواية موسى بن معاوية الصمادحي حكاه ابن رشد. وقوله: ومحجة الطريق قال ابن رشد قال ابن حبيب: ويعيد العامد والجاهل أبدا والساهي في الوقت، وأما المضطر للطريق فتجوز صلاته بها، وفي المدونة أكره الصلاة بما لما يقع فيها من أرواث الدواب وأبوالها وصلاة من صلى بها تامة ولو كان بها. وقوله: وظهر بيت الله الحرام ظاهر كلام الشيخ أن الصلاة في الجوف جائزة وهو كذلك فسواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا قاله اللخمي.

стр. 80

وقيل: أما النافلة فجائزة وأما الفريضة فلا وهو المشهور فيحصل من هذا أن النفل لا خلاف في جوازه، وأما الفرض ففيه قولان وإلى هذا أشار ابن الحاجب بقوله: والمشهور جواز النفل في الكعبة لا الفرض يريد، والشاذ جواز الفرض كالنفل. وقال ابن عبد السلام: الشاذ منع النفل كالفرض واعترضه بعض شيوخنا بأن تفسيره يرد بالنقل والفهم، أما النقل فإنه لم يقل بمنع النفل إلا داود، وأما الفهم فأن ابن الحاجب إنما أراد جواز الفرض كالنفل فإن صلى الفريضة في الكعبة فقال في المدونة يعيد في الوقت وحمل على الناسي. وقال ابن حبيب: يعيد أبدا وقال أشهب: لا إعادة عليه وإن صلى فوق الكعبة فقيل يعيد أبدا وقيل لا إعادة عليه. وقيل إن أقام ساترا فكالصلاة في الجوف تعاد في الوقت وإلا فأبدا، وقيل: إن ترك بين يديه قطعة من سطحها فكالصلاة في الجوف نقله ابن شاس عن المازري عن أشهب وتبعه ابن الحاجب وابن عبد السلام ووهمهم بعض شيوخنا بأن المازري إنما عزاه لأبي حنيفة فقط. (والحمام حيث لا يوقن منه بطهارة والمزبلة والمجزرة): ظاهر كلام الشيخ إن أيقن بطهارته أن الصلاة فيه جائزة، وهو كذلك على مشهور المذهب، وقيل إن الصلاة فيه مكروهة نقله اللخمي عن القاضي عبد الوهاب المتقدم، وسمعت بعض من من لقيته من القرويين ممن تولى قضاء الجماعة بتونس يحكي أن الشيخ أبا القاسم بن زيتون لما قدم من الشرق إلى تونس سأله المنتصر أميرها عن الصلاة بالحمام فقال جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقوله تعالى (وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره) [البقرة: ١٤٤] وأما السنة فقوله ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وأجمعت الأمة على ذلك واعترضته بقول القاضي عبد الوهاب المتقدم فلا إجماع مع وجوده فلم يجيبني إلا بما لا يصلح أن يكون جوابا ويمكن أن يقال: إن المكروه من قبيل الجائز بالنسبة إلى صحة الصلاة على أن الذي ذكره في الحديث يمكن أن يكون مخصوصا وفي الترمذي ونهى عن الصلاة في سبعة فذكر منها الحمام والمسلخ، محمول على الطهارة حتى تظهر النجاسة، نص عليه القاضي ابن رشد.

стр. 81

(ومقبرة المشركين): ظاهره أن مقابر المسلمين الصلاة فيها جائزة وهو قول ابن حبيب قائلا: إن مقبرة المشركين حفرة من حفر النار وألحق بمقابر المشركين مقابر المسلمين إذا نبشت لأجل النجاسة وقيل تكره الصلاة بالمقبرة مطلقا وقيل تجوز مطلقا، وقال عبد الوهاب: تكره في الجديدة ولا تجوز في القديمة إن نبشت إلا ببساط طاهر عليها. (وكنائسهم): إنما نهى عن الصلاة في الكنائس للنجاسة والصور؛ فإن وقعت الصلاة في الكنيسة العامرة فإن تحققت نجاستها فواضح وإن لم تتحقق فاختلف في إعادة الصلاة على ثلاثة أقوال: فقيل: تعاد وقتا قاله سحنون. وقل مثله ما لم يضطر فلا يعيد وهو سماع أشهب وعزاه ابن رشد للمدونة أيضا وقيل يعيد العامد والجاهل أبدا والمضطر والناسي في الوقت قاله ابن حبيب، والصلاة في الكنيسة الدائرة من آثار أهلها جائزة باتفاق إن اضطر إلى النزول فيها وإلا كره وهو ظاهر قول ابن عمر. ونقل المازري عن ابن حبيب أن من صلى ببيت كافر أو مسلم لا يتنزه من نجاسة يعيد أبدا، وسمع ابن القاسم لا بأس بالصلاة في مساجد الأفنية يدخلها الدجاج والكلام قال ابن رشد يريد ما لم يكثر دخولها. (وأقل ما يصلي فيه الرجل من اللباس في الصلاة ثوب ساتر من درع أو رداء والدرع القميص): اعلم أن ستر العورة عن أعين الناظرين لا خلاف في وجوبه لقوله ﷺ : "لعن الله الناظر والمنظور إليه"، وأما سترها في الخلو فالمعروف أن ذلك مستحب ولم يحك المازري غيره، وقيل إن ذلك واجب حكاه ابن شاس واختاره ابن عبد السلام لقوله ﷺ : "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم فاستحيوا منهم وأكرموهم". وإذا فرعنا على القول الأول فقيل إنها تجب في الصلاة وقيل لا، وقال ابن بشير لا خلاف أن ذلك واجب وإنما الخلاف في الشرطية وعدمها، وانتقد على اللخمي حكاية الخلاف بالوجوب والسنية.

стр. 82

قال ابن هارون وهو منه تعسف؛ لأن من حفظ مقدم على من لم يحفظ وقد حكى ما ذكره اللخمي أبو القاسم بن محرز وابن رشد والباجي وغيرهم. واختلف في عورة الرجل على ستة أقوال: فقيل سوأتاه خاصة قال أصبغ وقيل سوأتاه وفخذاه قاله ابن الجلاب. وقيل في السرة إلى الركبة قاله جمهور أصحابنا نقله الباجي وقيل: من السرة حتى الركبة قاله بعض أصحاب مالك، وقيل السوأتان مثقلها وإلى سرته وركبتيه مخففها قاله الباجي، وقيل الفخذ عورة وليس كالعورة نفسها قاله أبو محمد في باب الفطرة وأخذ الأبهري من المدونة من كتاب الأيمان والنذور أن ستر جميع الجسد في الصلاة واجب. (ويكره أن يصلي الرجل بثوب ليس على أكتافه منه شيء فإن فعل لم يعد): لا معنى لقوله فإن فعل لم يعد مع قوله ويكره ويمكن على "يعد" أن يكون إنما ذكره لئلا يفهم منه أن تكون الكراهة للتحريم واختلف الشيوخ في تأويل الكراهة فقيل لأنه يصف. وقيل لأنه من زي الأعاجم وضعف بأنه ﷺ صلى في جبة شامية ضيقة الأكمام وهي من زي الأعاجم، وما ذكره الشيخ من أنه لا يعيد هو المشهور مطلقا وقال أشهب: من صلى بسراويل فإنه يعيد قال ابن حارث والإزار مثله قلت إن كان نصا فمسلم وإلا فمشكل لأن السراويل تصف العورة. (وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الحصيف السابغ الذي يستر ظهور قدميها وخمار تتقنع به وتباشر بكفيها الأرض في السجود مثل الرجل): اعلم أن المرأة كلها عورة حتى دلاليها وقصتها قاله الباجي ما عدا الوجه والكفين وقيل وقدميها حكاه ابن عبد البر، فإن صلت عريانة الصدر أو الشعر أو القدمين أعادة في الوقت وقيل إنها لا تعيد مطلقا وقيل تعيد أبدا، وإلى هذه الأقوال الثلاثة أشار ابن الحاجب بقوله ورأس الحرة وصدرها وأطرافها كالفخذ للأمة على تفسير ابن عبد السلام، وأما إن صلت عريان اختيارا فالمنصوص تعيد أبدًا، وخرج اللخمي من قول أشهب في الرجل يعيد في الوقت أن تكون هي في ذلك مثله ورده بعض شيوخنا بأن تعريها أشنع، قلت ويجاب بأن الشناعة إنما بالنسبة إلى أعين الناظرين وأما في الصلاة فلا فرق بينها وبين الرجل والله أعلم. ونقل ابن هارون عن

стр. 83

أشهب أنها تصلي في الوقت ولا أعرف له نصا بل بالتخريج كما تقدم وفي المدونة، ومن تؤمر بالصلاة كالبالغة في الستر وروى اللخمي بنت إحدى عشرة سنة كالبالغة وبنت ثمان أخف إن صلت بغير قناع أعادت في الوقت وكذلك الصبي يصلي عريانا فإن صليا بغير وضوء أعادا أبدا قاله أشهب. وقال سحنون يعيدان فيما قرب كاليومين والثلاثة، قلت وقول أشهب بعيد لأنه قلب النفل فرضا للاتفاق على أن من لم يبلغ إنما يؤمر بالصلاة تمرينا فكيف يعيدها بعد بلوغه على ظاهر قوله يعيد أبدا أرأيت إن كان لا يصلي أيقول يعيد أبدا فتأمله. باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار الاستنجاء: غسل موض الخبث بالماء، والاستجمار: إزالة ما على المخرجين من الأذى بكل جامد طاهر منق ليس بمطعوم ولا بذي حرمة ولا بذي سرف ولا يتعلق به حق، لذي حق وسمي ذلك استجمارا من الجمار وهي الحجارة الصغار وقيل من الاستجمار بالبخور والحجر يطيب المحل مثل ما يطيب البخور، وقد يطلق الاستنجاء على الاستجمار أيضا. (وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء لا في سنن الوضوء ولا في فرائضه وهو من باب إيجاب زوال النجاسة أو بالاستجمار لئلا يصلي بها في جسده ويجزئ فعله بغير نية وكذلك غسل الثوب النجس): الضمير المجرور بحرف الجر وهو قوله به عائد على الماء لانجرار ذكره في الباب السابق ولو لم يجر له ذكر فللعلم به، ويقوم من كلام الشيخ أن من حلف ليتوضأ فغسل أعضاء الوضوء ولم يستنج أنه لا يحنث وهو واضح بناء على اعتبار الألفاظ، وأما على اعتبار المقاصد فأكثر العوام أو كلهم يعتقدون أن الاستنجاء من الوضوء فيجب أن يسألوا عن قصدهم. وقوله يجزئ فعله بغير نية وكذلك غسل الثوب النجس قال ابن القصار: الإجماع على أن النجاسة لا تفتقر إلى نية، قلت وحكى القرافي عن التلخيص أنها تفتقر إلى النية، ورأى ابن عبد السلام أن قولهم تفتقر إلى نية يدل على أنها معقولة المعنى وقولهم لا تزال إلا بالماء المطلق عند أكثر العلماء يدل على أنها عبادة فهو تناقض، وما ذكر صحيح لا شك فيه وأوردته في كثير من دروس أشياخي فلم يقع عليه جواب إلا

стр. 84

بما لا يصلح. (وصفة الاستنجاء أن يبدأ بعد غسل يديه فيغسل مخرج البول ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده ثم يحكها بالأرض ويغسلها ثم يستنجي بالماء يواصل صبه): ما ذكر الشيخ من أنه يغسل يديه جميعا هو خلاف قول ابن الحاجب ويغسل اليسرى ثم محل البول ثم الآخر قال ابن عبد السلام: وهو أولى من قول الشيخ أبي محمد إذا لا موجب لغسل اليمنى لأن حكم الغسل إنما هو لتقليل الرائحة وذلك يحصل ببلها دون غسلها، وما ذكر الشيخ أنه يستنجي عند قضاء الحاجة صحيح إن كان يعلم فاعل ذلك أن مزاجه يقطع البول وإن لم يعلم فاعل ذلك أن مزاجه لا يقطع البول فلا بد من التربص حتى يتحقق قطعه، ومهما علقت رائحته بيده وعسر زوالها فذلك معفو عنه. (ويسترخى قليلا): إنما ذكر الشيخ ذلك ليكون أقرب لزوال النجاسة التي في غضون المحل وذلك أن المحل ذو غضون تنقبض عند مس الماء على ما تعلق به من الأذى فإذا استرخى تمكن من الإنقاء، وقيل ليتمكن بذلك من تقطير البول وغيره والوجهان حكاهما أبو عمران الحوراني، قلت: ولم أزل أسمع من غير واحد أن الشيخ لم يسبقه أحد إلى التنبيه على الاسترخاء. (وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين): يريد ولا له ذلك لوجهين اثنين وهما: التعمق في الدين وخشية الضرر في جسده

стр. 85

قال التادلي: والصواب إفراد المخرجين إذ مخرج البول من الرجل لا يمكن غسل داخله. (ولا يستنجي من ريح): ظاهر كلامه النهي عن ذلك وهو كذلك وخرج بعض من لقيناه قولا بأنه يستحب الاستنجاء منه من قول مالك يستحب غسل يديه من نتف إبطيه وكنت أرد عليه بوجهين: أحدهما: أن هذا التخريج فاسد الوضع لقوله ﷺ : "ليس منا من استنجى من ريح" قيل معناه ليس بهدينا ولا متبع لسنتنا. الثاني: أن الجاعل يده تحت إبطيه لا يضطر إلى ذلك إلا عند زوال ما هنالك من الشعر، ولا يتكرر ذلك وخروج الريح أمر يتكرر لم يكن له جواب عن الأول ولأن هذا الحديث لم ينقله أهل الصحيح. (ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج آخرهن نقيا أجزأه): ظاهر كلامه أن من استجمر بدون الثلاثة وأنقى أنه لا يجزئه وبه قال ابن شعبان والمشهور الإجزاء، وعلى الأول ففي كون حجر ذي ثلاث شعب قولان، وفي إمرار كل حجر من الثلاثة على جميع المحل أول لكل جهة واحدة والثالث للوسط قولان وظاهر كلام الشيخ أن غير الحجر كالمدر لا يجزئ وهو قول موجود في المذهب، وتمسك قائله بقول النبي ﷺ : "أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار" فرأى أن هذه رخصة لا يقاس عليها غيرها والمشهور أنه كالحجر وظاهر كلامه الأحجار تجزئ وإن كان الماء موجودا، وهو كذلك خلاف لابن حبيب القائل أنها تجزئ إلا عند عدم الماء ولا شك أن الاستجمار يكفي في المعتاد كالبول، وكذلك رأى أبو عمر بن عبد البر حكم غير المعتاد من السبيلين. وقال صاحب الطراز: جوز القاضي عبد الوهاب الاستجمار من القيح والدم وشبهه ويحتمل المنع، ونص القرافي على أنه لا يجزئ المرأة الاستجمار من البول

стр. 86

لتعدية محله لجهة المقعدة وكذلك الحصى، واختلف في المذي هل يكفي فيه الاستجمار أم لا؟ والمشهور لا يكفي. (والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء): يعني أن الاقتصار على الماء أحسن في الإجزاء من الاقتصار على الأحجار لأن الماء يزيل الأثر والعين، وليس مراده التكلم على أن الجمع بين الماء والأحجار أولى من الاقتصار على أحدهما لأنه سبق له ذلك قبل في قوله: وصفة الاستنجاء أن يبدأ إلى آخره ومن لم يخرج منه بول ولا غائط وتوضأ لحدث أو نوم أو لغير ذلك مما يوجب الوضوء فلابد من غسل يديه قبل دخولهما في الإناء. اختلف العلماء في غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء على ثلاثة أقوال: فقيل سنة وهو المشهور وهو الذي أراد الشيخ بقوله فلا بد، وقيل إن ذلك مستحب حكاه ابن رشد وحكى ابن حارث عن ابن غافق التونسي أن من أدخل يديه في ماء قبل غسلهما وهما طاهرتان فقد أفسد الماء وهو يدل على الوجوب. وقال ابن عبد السلام: اتفق المذهب فيما علمت أن غسل اليدين سنة ولذلك تأول ما ذكره الشيخ ابن الجلاب من الاستحباب بأنه عبارة العراقيين الذين يطلقون على السنة الاستحباب، قلت ويرد نقله بما تقدم من الخلاف وما ذكره من التأويل خلال ما ذكره أبو الطاهر بن بشير في شرحه على ابن الجلاب. قال: حكي عن مالك الاستحباب وذكر القاضي عبد الوهاب أن ذلك سن واختلف هل غسلهما عبادة أو للنظافة؟ على قولين لابن القاسم وأشهب قال المازري: وأجرى عليهما الأصحاب إذا أحدث قرب غسلهما، قلت وهو قصور لاختلاف قول مالك في ذلك وأخذ ابن القاسم بالغسل وأشهب بعدمه نص على ذلك أبو الوليد الباجي ونبه عليه بعض شيوخنا، ونقل ابن رزقو عن مالك أنه يغسلهما مفترقتين وعن ابن القاسم مجتمعتين، قلت الجاري على أصل ابن القاسم أن غسلهما عبادة أن يغسلهما مفترقتين فهو تناقض منه وشاع في المذكرات أن أشهب يقول بقول مالك يغسلهما مفترقتين وأنه ناقض أصله ولم يقف المازري على النص السابق بل أجرى ذلك على ما سبق هل غسلهما للعبادة أو للنظافة؟ (ومن سنة الوضوء غسل اليدين قبل دخولهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين وباقيه فريضة): لما قال فلا بد من غسل يديه خاف أن يتوهم عنه أنه أراد الفريضة فنبه بما قاله

стр. 87

وما ذكر أن المضمضة والاستنشاق سنتنان هو المعروف من المذهب، وذكر الشيخ أبو الطاهر بن بشير في شرحه على ابن الجلاب قولا بأنهما فضيلتان ثم وقفت على مثله وفي عد الاستثنار سنة مستقلة خلاف. قال التادلي: ومعنى قوله وباقيه فريضة أي باقي أفعال الهيئة، قال ولا يعترض برد اليدين لأنه زائد على الإيعاب الواجب قلت: أراد بقوله أفعال الهيئة أي ما يفعل من الأعضاء على طريق الاستقلال فالرد تبع لأن المسح قد حصل وكذلك وتجديد الماء للأذنين والترتيب فليسا بعضوين، فكأنه يقول وباقي الأعضاء فريضة واختلف في الترتيب على أربعة أقوال: فقيل سنة وهو المشهور وقيل فضيلة وقبل واجب وقيل فرض مع الذكرة والقدرة ساقط مع العجز والنسيان وكل هذا فيما بين الفرائض أنفسها، وأما فيما بين السنن والفرائض فإن ذلك مستحب وقيل سنة وأما تقديم الميامن قبل المياسر فلا خلاف أن ذلك فضيلة. (فمن قام إلى وضوء من نوم أو غيره فقد قال بعض العلماء يبدأ فيسمي الله ولم يره بعضهم من الأمر المعروف): اختلف في حكم التسمية على ثلاثة أقوال: فقيل فضيلة وهو المشهور وبه قال ابن حبيب، وقيل منكر وهو الذي أراد الشيخ بقوله ولم يره بعضهم من الأمر المعروف يعني بل ذلك من الأمر المنكر، وقيل إن ذلك مباح وكل هذه الأقوال عن مالك. ويظهر من كلام الشيخ أنه لم يقف على القولين اللذين ذكرا عن مالك لكونه عزا كل قول من قوليه لبعض وذلك يدل على التبري والله أعلم، وهذا المحل هو أحد الأمكنة التي التسمية فيها مطلوبة. وكذلك الغسل والتيمم وذبح النسك وقراءة والقرآن والأكل والشرب والجماع قال القرافي: بعد ذكر ما قلنا وتارة تكره التسمية كعند الأذان والحج والعمرة والأذكار والدعاء وتارة تحرم التسمية وذلك عند فعل المحرمات. (وكون الإناء على يمينه أمكن له في تناوله): صرح ابن رشد أن كون الإناء على اليمين فضيلة والمراد إذا كان واسعا، وأما الضيق فكونه على اليسار أمكن له قاله عياض عن اختيار أهل العلم، قلت وكان بعض من لقيناه يحمل على الشيخ أنه لم يرد الفضيلة وإنما جعله من باب الإمكان. ومن الفضائل أن يبدأ بمقدم رأسه وأن يبدأ باليمين والسواك وتكرار المغسول ثلاثا في قول

стр. 88

الشيخ عبدالسلام بن غالب المسراتي في وجيزه وأن لا يتكلم حالة الوضوء. (ويبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما في الإناء ثلاثا فإن كان قد بال أن تغوط غسل ذلك منه ثم توضأ): لم يزل أشياخنا بأجمعهم ينبهون على أن غسل اليدين الذي هو سنة إنما هو بعد الاستنجاء لا قبله نص عليه المتيوي، وهو واضح لأن الاستنجاء ليس من الوضوء بوجه كما تقدم، فإذا عرفت هذا فقول الشيخ فإن كان قد بال أو تغوط غسل ذلك منه جملة اعتراضية والله أعلم. (ثم يدخل يده في الإناء فيمضمض فاه ثلاثا من غرفة واحدة إن شاء أو من ثلاث غرفات): حقيقة المضمضة غسل باطن الفم بنية، وما ذكر أنه بالخيار بين أن يمضمض ثلاثا من غرفة واحدة أو يفعل ذلك من ثلاث غرفات. وذكر بعد ذلك أن له جمع المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة وهو كذلك. واختلف أيهما أولى فقيل يفعل المضمضة والاستنشاق بغرفة ثم يفعلهما من غرفة ثانية ثم يفعلهما من غرفة ثالثة، وقيل الأولى لكل واحدة ثلاثا، وكلا القولين حكاه الباجي عن الأصحاب فيما فهم من قول مالك في الموطأ. وقال ابن الحاجب: الاستنشاق بغرفة ثلاثا كالمضمضة أو كلاهما بغرفة قال ابن عبد السلام: في صحة اختيار الصورة الثانية نظر والمعروف جوازها، وأما اختيارها فليس بصحيح وإنما صرحوا باختيار النهاية والله أعلم. (وإن استاك بإصبعه فحسن): حكم السواك مندوب إليه بمعنى الفضيلة واختار بعض شيوخنا أنه سنة لدلالة الأحاديث على مثابرته ﷺ والأمر به وإظهاره، وقال أحمد بن حنبل وغيره إنه فرض وقال الفخر في معالمه الإجماع على أنه مندوب إليه واعترضه ابن هارون بما سبق لأحمد بن حنبل مع غيره، وروى ابن العربي يكون بقضيب الشجر وأفضله الأراك وكرهه بعضهم بذي صبغ لأجل التشبه بالنساء وضعفه ابن العربي بجواز الاكتحال وفيه التشبيه بهن، ورده بعض شيوخنا لكراهة مالك الاكتحال لذلك أيضا وفي إجزاء المضمضة بغسول قولان لابن العربي وغيره، وفي سماع ابن القاسم من لم يجد سواكا فإصبعه يكفي قال ابن عبد السلام: وظاهر كلام الشيخ أبي محمد أن الإصبع كغيره ولو

стр. 89

قيل إنه عنده الأصل ما بعد قلت قيد كلامه التادلي بأنه أراد مع فقد غيره وكلام الشيخ قابل للتقييد فحمله على ما قال التادلي أولى من حمله على العموم. وفي الإصبع عشر لغات تحريك الباء بثلاث حركات مع فتح الهمزة وبالثلاثة مع ضمها وبالثلاثة مع كسرها والعاشرة أصبوع والعوام عندما بإفريقية يقولون صبع وهو لم ينقل عن أهل اللغة. (ثم يستنشق بأنفه الماء ويستنثره ثلاثا يجعل يده على أنفه كامتخاطه ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن): قال عياض في الإكمال والحكمة في تقديم المضمضمة والاستنشاق على الوجه اختبار رائحة الماء وطعمه لكونه مشاهدا بالعين فجعل هذا أول الوضوء لئلا يبتدئ بما لا يجوز، وقال ابن الحاجب: الاستنشاق أن يجذب الماء بأنفه ويستنثره بنفسه وإصبعه واعترضه ابن عبد السلام بأن حقيقته إنما هي في جذبه خاصة ولذلك ما عد غير واحد الاستنثار سنة أخرى قلت كلامه عندي معترض من وجهين: أحدهما: إن قوله ولذلك ما عد غير واحد الاستثنار سنة أخرى ينافي ما ذكره في حقيقته إلا أن تحمل ما من قوله ما عد زائدة الثاني: إن حكم الاستنثار مختلف فيه وقد علمت أن مثل هذا لا يعترض به وإنما يعترض بمسألة متفق عليها، واختلف إذا ترك المضمضة والاستنشاق وصلى على أربعة أقوال: فقيل يعيد في الوقت ساهيا كان أو عامدا وهو اختيار اللخمي وقيل لا إعادة مطلقا حكاه غير واحد. وقيل يعيد العامد في الوقت والناسي لا يعيد. قال ابن القاسم في سماع يحيى وقيل يعيد العامد في الوقت أبدا خرجه ابن رشد على من ترك سنة عامدا وزعم الاتفاق على أن الناسي لا يعيد مطلقا قلت ويرد تخريجه بأن سنة الصلاة أقوى لأنها المقصود والوضوء وسيلة. (ثم يأخذ الماء إن شاء بيديه جميعا إلى آخره): ظاهر كلام الشيخ أن نقل الماء باليد شرط وهو ظاهر كلام ابن حبيب وعزاه ابن رشد لابن الماجشون وسحنون، وقيل إنه لا يشترط بل إنما المطلوب إيقاع الماء على سطح الوجه كيفما أمكن ولو بميزاب وهذا القول هو المشهور، وأخذ من قول ابن القاسم من مسألة خائض النهر ولم يحفظ ابن عبد السلام غير الثاني. واختلف إذ ألقى رأسه إلى رش ماء ومسحه بيده، فقال ابن عبد السلام:

стр. 90

المنصوص أنه لا يكفيه وغلط فيه بعض المتأخرين، قلت واعترضه بعض شيوخنا بقول ابن رشد يجزئ عند ابن القاسم وأجمعوا على إجزاء انغماس الجنب في الماء ودلكه فيه وناقل الإجماع المذكور ابن رشد، وانظر هل هو مما يرجح المشهور أم لا وظاهر كلام المصنف أن التدلك واجب وهو المشهور. وقيل لا يجب وقيل يجب لإيصال الماء إلى العضو لا لذاته. قال ابن عبدالسلام: وأضرب ابن الحاجب عن الثالث ورأى أنه يرجع إلى الثاني وعده غيره ثالثا، وظاهر كلام الشيخ أنه لا يأخذ شيئا من شعر الرأس وهو كذلك لأنه أراد منابت الشعر المعتاد وهو أحد نقلي شيوخنا وهما جاريان على اختلاف الأصوليين فيما لا يتم الواجب إلا به هل هو واجب أم لا؟ ومنه اختلاف أهل المذهب هل يجب إمساك جزء من الليل أم لا بالنسبة على الصوم، واختلف المذهب في ما بين العذار والأذن هل يجب غسله أم لا؟ على أربعة أقوال والمشهور وجوبه وقيل لا يجب وقيل يجب فيمن لا شعر له وقيل سنة، قاله عبد الوهاب واعترضه ابن هارون بأنه ﷺ كان يغسله وهو عندي ضعيف لأن فعله أعم من كونه واجبا أو سنة وقد علمت أن الوجه مأخوذ من المواجهة وما بين العذار إلى الأذن لا يواجه. (ويمر يديه إلى آخره): ما ذكره أنه يمر يديه على ما غار من ظاهر أجفانه صحيح وكذلك يجب عليه أن يمد يديه على ظاهر شفتيه ونص عليه اللخمي.

стр. 91

(وليس عليه تخليلها في الوضوء في قول مالك): قال المغربي: ظاهر كلام الشيخ أنه يستحب له التخليل لأنه إنما نفى الوجوب وهو خلاف ظاهر المدونة قال فيها ويمر يديه عليها من غير تخليل فظاهرها كراهة التخليل، قلت الأقرب أن الشيخ إنما أراد كراهة ذلك لأن الاستحباب لم يقل به مالك فيما قد علمت وإنما هو قول ابن حبيب حسبما يأتي إن شاء الله. واختلف في تخليلها في الوضوء على ثلاثة أقوال: فقيل: إن ذلك مكروه وهو ظاهر المدونة والعتبية وبه قال ربيعة. وقيل مستحب قاله ابن حبيب في واضحته، وقيل تخليلها واجب قال مالك في روايتي ابن وهب وابن نافع وبه قال ابن عبد الحكم، وكل هذا الخلا في اللحية الكثيفة وأما الخفيفة التي لا تستر البشرة فإنه يجب إيصال الماء إليها وإذا قلنا بوجوب التخليل فقيل إلى داخل الشعر فقط رواه ابن وهب وبه قال بعض شيوخ المازري. وقيل لابد من وصوله إلى البشرة نقله المازري عن الحذاق وقول الشيخ في قول مالك إشارة لعدم ارتضائه لذلك كقول ابن الحاجب، والمذهب وظاهر كلام الشيخ أنه يخلل في الغسل وبه الفتوى عندنا لعدم المشقة بخلاف الوضوء لتكرره. (ويجري عليها يديه إلى آخره) ظاهر كلام الشيخ ولو طالت، وهو كذلك وعزه ابن رشد لمعلوم المذهب وقيل لا يجب فيما طال منها، قاله مالك في رواية ابن القاسم وبه قال الأبهري. واختلف هل يجب غسل محل اللحية إذا سقطت أم لا؟ على قولين ومن هذا المعنى إذا حلق رأسه أو قلم أظفاره فقال في المدونة هو لغو وقال عبدالعزيز وابن الماجشون يعيد المسح واختار اللخمي أن وضوءه ينتقض، حكاه عياض وابن يونس عن عبدالعزيز أيضًا، وأسقط البرادعي من المدونة تقليم الأظفار ونقله ابن يونس عنها وكذلك سلم ابن عبد السلام وغيره قول ابن الحاجب، وفيها لو حلق رأسه وقلم أظفاره لم يعد ونص

стр. 92

اللخمي على أن من قطعت بضعة من لحمه فإنه يغسلها أو يمسحها إن عجز ورأى بعض الشيوخ أن قول المدونة في حلق الرأس خلافه. (ثم يغسل يده اليمنى إلى آخره): انظر لأي شيء خير في غسل يديه مرتين أو ثلاثا ولم يخير في الوجه والرجلين والبداءة بالميامن قبل المياسر لا خلاف أنها مستحبة لأنهما كالعضو الواحد، ولذلك لما استدل مالك على من قال بوجوب الترتيب بقوله وقد قال علي وابن مسعود: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا ولم يرتضه كل من لقيناه لأنه لم يمس المحل إذ لم يقل أحد بوجود ذلك إذ هما كالعضو الواحد. (ويخلل أصابع يديه إلى آخره): واختلف في تخليل أصابع اليدين على ثلاثة أقوال: فقيل إن ذلك واجب قاله مالك وابن حبيب وقيل مستحب قاله ابن شعبان، وقيل إن ذلك منكر قاله مالك أيضًا. قال ابن الحارث عن ابن وهب رجع ابن مالك من إنكاره إلى وجوبه لما أخبرت بحديث ابن لهيعة، قال: "كان رسول الله ﷺ يخلل أصابعه في الوضوء". قلت: رجوع مالك إلى الوجوب لتخليله ﷺ فيه نظر، إذ تخليله أعم عن الوجوب والندب، ورجوع مالك إلى ما قال ابن وهب إشارة إلى مكانته في الحديث وهو كذلك وقد قرأ ﵁ على أربعمائة عالم ومع ذلك كان يقول لولا مالك والليث لضللت. واختلف في إجالة الخاتم على ثلاثة أقوال: فقيل يجال وقيل لا يجال وقيل بالأول في الضيق وقال ابن عبد الحكم: ينزع فقيل إنه خلاف قول مالك وأصحابه، وقال ابن بشير يحتمل الوجوب والاستحباب، قلت: وكان بعض من لقيناه يقول كل هذا الخلاف إنما هو إذا لم يقصد بلباسه المعصية. وأما لو قصد ذلك فالاتفاق على النزع وما ذكره لا أعرفه وأصول المذهب تدل على الخلاف عموما، ألا ترى أن المسافر العاصي اختلف فيه هل يجوز له أن يقصر أم لا؟ وهل يمسح على خفيه أم لا؟ وهل يباح له أكل الميتة أم لا؟. (ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله وقد قيل إليهما حد الغسل فليس بواجب ادخالهما فيها وادخالهما فيه أحوط لزوال تكلف التحديد): القول الأول بدخول المرفقين وجوبا هو المشهور والقول بعدم ادخالهما رواه

стр. 93

ابن نافع من مالك وهو قول أبي الفرج أيضًا. وقول الشيخ: وإدخالهما فيه أحوط أراد به قولا ثالثا بالاستحباب ومثله للقاضي عبد الوهاب وغيره، ولو نبت ذراع في ذراع لوجب غسلهما ولو نبت في العضو ولم يمتد إلى الذراع الأصلية لم يجب، وإن امتد إليه وجب غسلهما نقله عبد الحميد الصائغ عن بعض الأئمة. قال عبدالحميد: وفيه نظر، وذكر في السليمانية أن من خلقت كفه بمنكبه بلا عضد ولا ساعد أنه غسل ذلك الكف وأن من خلق بلا يدين ولا رجلين ولا ذكر ولا دبر ويتغوط ويبول من سرته أنه يغسل مكان الأذى ويفعل من فرائض الوضوء وسنته ما يتعلق بوجهه ورأسه خاصة. وقيل فيها في امرأة خلقت من سرتها إلى أسفل خلقة امرأة وإلى فوق خلقه امرأتين تغسل محل الأذى وتغسل الوجهين فرضا وسنة وتمسح الرأسين وتغسل الأيدي الأربع والرجلين قبل أفتوطأ هذه المرأة؟ قال: نعم وتعقبه عياض أنهما أختان، قلت ومنع بعض شيوخنا قوله إنهما أختان لوحدة منفعة الوطء لاتحاد محله. (ثم يأخذ الماء بيده اليمنى إلى آخره): ما ذكره الشيخ من الصفة هو المشهور في المذهب وقيل يبدأ من ناصيته ذاهبا إلى مقدم رأسه ثم إلى قفاه ثم إلى ناصيته حكاه الباجي عن أحمد بن داود من أصحابنا قلت: وحكاه أبو عمران الفاسي من رواية علي قال ما نصه: رأيت بخط ابن التبان أن علي بن زياد روى عن مالك ما تأول بعض الناس في أن معنى بدأ من مقدم رأسه أنه بدأ من الناصية، قال وما رأيته لغيره ولو كانت الرواية صحيحة لنقلها ابن عبدوس ولقد أرانا الشيخ أبو علي حسان صفتين ذكر أن أبا محمد بن الحجاج وصفهما له، إحداهما ما في رواية علي والأخرى أن يبدأ بمقدم رأسه. قلت: وصفة ابن الجلاب ثالثة، وخارج المذهب قول بأنه يبدأ من المؤخر مقبلا إلى المقدم ثم يرجع إلى المؤخر، قال ابن عبد السلام: المشهور أنه يبدأ من المقدم وقيل من وسط رأسه وقيل من مؤخره. قلت: ظاهره أنه في المذهب ولا أعرفه والبداءة من مقدم الرأس فضيلة وقيل سنة حكاه ابن رشد وظاهر كلام الشيخ أنه لا يأخذ شيئا من الوجه، والكلام فيه مثل ما تقدم في الوجه ومنتهى الرأس الجمجمة. وقال ابن شعبان

стр. 94

آخر شعر القفا المعتاد وقال اللخمي ليس بحسن. (وكيفما مسح أجزأه إلى آخره): ظاهر كلام الشيخ أنه إن ترك بعضه وإن قل فلا يجزئه وهو كذلك عند مالك وقال محمد بن مسلمة يجزئ ثلثاه، وقال أبو الفرج الثلث. وقال أشهب إن مسح الناصية أجزأه وعنه إن لم يعم رأسه أجزأه. قال ابن عبد السلام: وانظر هل أراد بقوله هذا مثل قول الشافعي في ثلاث شعرات في قول أو بعض شعره في قول لكن قوله إن لم يعمم رأسه ظاهر في أنه لا بد من جزء معتبر، قلت: وكان بعض من لقيته يحكي عن ابن عطية أن هذا الخلاف إنما هو إذا وقع المسح من مقدم الرأس. وأما إذا وقع من غير ذلك فلا يجزئه اتفاقا ويمرضه أن الاتفاق على البداءة بمقدم الرأس وليست بفرض وإذا كان كذلك فلا فرق في الحقيقة بين البداءة بمقدم الرأس وغيره ويرد بأن قول ابن عطية كل هذا الخلاف إلى آخره يقتضي أنه وقف لهم على النص بذلك فتكون البداءة بمقدم الرأس التي ليست بفرض اتفاقا إنما هي حيث التكملة أما حيث الاقتصار على البعض فلا. قال ابن عبدالسلام: كل هذا الخلاف إنما هو بعد الوقوع وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض الأندلسيين أن الخلاف فيه ابتداء ولم أقف عليه. (ولو أدخل يديه في الإناء إلى آخره): يريد وكذلك لو نصبهما على الماء ومسح لأجزأه، واختلف إذا جف بلل اليدين قبل استيعابه فقيل يجدد رواه ابن حبيب في المرأة وسمعه أشهب فيها وفي الرجل، وقيل إنه لا يجدد قاله إسماعيل القاضي وهو ظاهر قول ابن القاسم إن مسحها بإصبع واحدة أجزأه وقيد عبد الحق قول ابن القاسم هذا فقال يريد ويستأنف وأطلقه اللخمي كما قلنا واختلف في غسل رأسه في الوضوء فقال ابن شعبان يجزئه. قال ابن سابق وأباه غيره وكرهه آخرون فقول ابن شعبان يجزئه إنما هو بعد الوقوع والنزول وليس في المذهب نص بجوازه ابتداء. وقال ابن الحاجب: وغسله ثالثها يكره قال ابن عبدالسلام: فظاهر هذا النقل فيه قولا بالجواز ابتداء، وفي وجوده في المذهب عندي نظر فهو قد أشار إلى أن المنقول في المذهب كما صرحنا به والله أعلم.

стр. 95

(ثم يفرغ الماء على سبابتيه وإبهاميه إلى آخره): قال ابن الحاجب: ظاهرهما بإبهاميه وباطنهما بإصبعيه، قال ابن عبد السلام: لو قال بسبابتيه بدلا من قوله بإصبعيه لكان أحسن كما أشار إليه ابن أبي زيد لأن المسح بالبسابتين أمكن منه بغيرهما، قلت إنما أراد ابن الحاجب بالإصبعين السبابتين نعم لو صرح به لكان أولى. واختلف المذهب في تجديد الماء للأذنين على ثلاثة أقوال: فقيل مستحب قاله مالك وقيل سنة على ظاهر قول ابن الحاجب فتركه كتركهما. وقال محمد بن مسلمة إن شاء جدد وإن شاء لم يجدد، وقال ابن عبد السلام: تجديد الماء لهما فيه قولان منصوصان قلت لا أعرف من نص على أنه لا يجدد، وأما مسح الأذنين ففيه طريقان: منهم من يعمم الخلاف ويذكر على المشهور أن مسحهما نفل وعن ابن مسلمة والأبهري أن ذلك فرض. قال عبد الوهاب داخلهما سنة وفي فرض الظاهر قولان وفي كون الظاهر ما يلي الرأس أو ما يواجهه قولان ذهب إلى الأول ابن سابق وغيره، وذهب إلى الثاني بعضهم والطريق الأخرى سلكها ابن الحاجب، وفي وجوب ظاهرهما قولان وظاهرهما ما يلي الرأس وقيل ما يواجه، وإذا تأملت كلامه تجد فيه التناقض لأن أول كلامه يقتضي أن الباطن لا خلاف أنه سنة وتفسيره الظاهر بأنه مما يلي الوجه يقتضي أن فيه قولا بالوجوب والله أعلم، وفي المدونة: والأذنان من الرأس فحملها اللخمي على ظاهرها من الوجوب وهو ظاهر كلام ابن الحاجب وقال ابن يونس يريد في الصفة لا في الحكم. (ولا تمسح على الوقاية إلخ): يريد وكذلك الرجل لا يمسح على العمامة وهذا مع الاختيار وأما مع الاضطرار فجائز. قال ابن حنبل يجوز ذلك اختيارا ووافقه على ذلك جماعة من أصحابه بالإطلاق وفرق بعض أصحابه بين أن يكون لها حنائك أم لا، فإن كان لعذر فجائز كالخف واحتج أحمد ابن حنبل بأنه ﷺ مسح على العمامة وحمله بعض أصحابنا على احتمال أن يكون لعذر، وقول أحمد بن حنبل ﵁ أقرب وهو الذي يميل إليه بعض أصحابنا لأن الأصل عدم الأعذار وكونه ﷺ دوام على غيره لا يدل على قول أهل المذهب لأن مداومته تدل على أن فعله لذلك مرة واحدة يؤذن بالإباحة.

стр. 96

(ثم يغسل رجليه إلخ): ما ذكر الشيخ أن الرجلين يغسلان هو مذهبنا ومذهب العلماء المفسرين، وما ذكر من غسلهما ثلاثا مثله في الجلاب وهو ظاهر قول ابن الحاجب في الفضائل، وأن يكون المغسول ثلاثا أفضل فظاهره مدخول الرجلين في ذلك والمنصوص لغير من ذكرنا لا تحديد في ذلك، وحمل غير واحد ما ذكرناه على الخلاف والصواب عندي أنهما يرجعان إلى قول واحد وأن معنى قول الشيخ ومن ذكر معه إذا كانتا نقيتين، ومعنى قول غيرهما إذا كانتا وسختين لقول الإمام المازري في شرح الجوزقي إذا كانتا نقيتين فكسائر الأعضاء يطلب فيهما التكرار وإلا فلا تحديد إجماعا. (وإن شاء .. إلخ): اختلف في تخليل أصابع الرجلين على خمسة أقوال: الوجوب والندب والإنكار والرابع الإباحة وهو الذي ذكره الشيخ ولم أره لغيره والخامس تخليل ما بين الإبهام والذي يليه خاصة وبه كان شيخنا أبو محمد عبد الله الشبيبي يفتي إلى أن مات، ووجهه أنه لا جرح فيه لانفراجه بخلاف بقية الأصابع لأن تخليلها من باب الحرج المسقوط عن هذه الأمة، ويقول شيخنا هذا أقول والقول بالندب ذهب إليه ابن حبيب فهو قائل بالوجوب في اليدين والفرق بينهما من ثلاث أوجه: إحداهما: ما أشرنا إليه من انفراج أصابع اليدين بخلاف الرجلين. الثاني: أن اليدين لم يختلف في أن فرضهما المسح أو الغسل أو التخيير. الثالث: أن الرجلين يسقط فرض غسلهما بالمسح على الخفين ويسقطان في التيمم واليدين بخلاف ذلك لأنهما لا بد من غسلهما في الوضوء ومسحهما في التيمم. (فإنه جاء الأثر إلخ): قال ابن الصلاح: الفقهاء يطلقون الأثر على ما جاء عن الصحابي، والخبر على ما جاء عن النبي ﷺ ، فقول الشيخ معترض على هذا ونبه عليه بعض من شرح كلام الشيخ وهو عندي بمنجاة منه لأن هذا الإطلاق إنما هو عرف المتأخرين، وأما المتقدمون فلا فرق عندهم في ذلك بين الأثر وبين الخبر، ألا ترى إلى قوله في المدونة: وقدا ختلفت الآثار في التوقيت فقد أطلق على ما جاء عن النبي ﷺ وأيضا فإن المحدثين يطلقون الأثر عليهما فلعل الشيخ سلك طريقهم في ذلك والأمر خفيف، قال عياض

стр. 97

والويل كلمة تقال لمن وقع في الهلاك وقيل لمن يستحق الهلاك وقيل الهلاك نفسه وقيل مشقة العذاب وقيل الحزن وقيل واد في جهنم. (وليس عليه تحديد غسل أعضائه ثلاثا ثلاثا بأمر لا يجزئ دونه إلخ): اعلم أنه لا خلاف أن الغرفة الأولى إذا أسبغ بها واختلف في الثانية والثالثة على خمسة أقوال: فقيل فضيلتان وقيل سنتان وقيل الأولى سنة والثانية فضيلة وهذه الأقوال الثلاثة حكاها عياض عن شيوخه. وقيل عكس الثالث نقله شيخنا أبو محمد عبدالله الشبيبي وغيره من متأخري القرويين وبه قال بعض متأخري التونسيين أيضًا. وكان بعض من لقيناه يوجهه بأن فيه الحرص على تحصيل الفضيلة لكون السنة متأخرة فالغالب عدم تركها بخلاف القول الذي قبله، فإذا حصلت السنة بالغرفة الثانية فقد يتهاون بالفضيلة، وحكى الإسفراييني عن مالك وجوب الغرفة الثانية ولا يقتصر على الغرفة الواحدة. قال المازري: للحض على الفضلة والعامة لا تكاد تستوعبه بالواحدة ولذلك روى ابن زياد إلا من العالم قال وهذه هي التي غرت الإسفرايني في نقله عن مالك وجوب الغرفة الثانية، وأما الرابعة فقال ابن بشير لا تجوز بإجماع قال ابن الحاجب: تكره الزيادة وقال ابن عبدالسلام: وربما فهم من أبحاثهم التحريم. قلت وظاهر كلامه أنه حمل الكراهة على بابها والصواب حملها على ما قال ابن بشير المراد بذلك التحريم. وقال ابن الجلاب: والفرض في تطهير الأعضاء مرة مرة والفضل في تكرير مغسولها ثلاثا ثلاثا، وفي كلامه ﵀ مناقشة لفظية وهي أن كلامه يوهم أن الرابعة فضيلة لقوله والفضل إلخ فهو أمر زائد على الفرض ولم يرد ذلك. واختلف إذا شك هل هي ثالثة أو رابعة فقيل إنه يفعلها كركعات الصلاة. وقيل لا لترجيح السلامة من ممنوع على تحصيل الفضيلة، قلت وهذا هو الحق عندي وبه أدركت كل من لقيته يفتي، وخرج المازري على هذين القولين صوم عرفة لمن شك في كونه عاشرا. قال ابن بشير في شرحه على ابن الجلاب قيل له ما تختار من القولين حفظك الله؟ قال الصوم قيل له بناء على استصحاب الحال؟ قال نعم.

стр. 98

(وقد قال رسول الله ﷺ "من توضأ" إلخ):

стр. 99

المراد بقوله: "فأحسن الوضوء" تحصيله بفرائضه وسننه وفضائله ورفع الطرف وهو النظر إلى السماء لأنها قبلة الدعاء ولأنها أعظم المخلوقات المرئية لنا في الدنيا فيشغل بصره بها ويعرض بقلبه عن كون الدنيا فيكون ذلك أدعى لحضور قلبه لا لغير ذلك والمراد بتفتيح أبواب الجنة الحقيقة. وقيل المراد به الطاعات قلت وهو عندي تقريبي والأصل الحقيقة ولا مانع يمنع من ذلك والقولان حكاهما غير واحد كالتادلي، وظاهر الحديث أن هذا الشرف العظيم يحصل بفعل مرة واحدة وهو اللائق بفضل مولانا ولا معارضة بين هذا الحديث وبين قوله ﷺ "إن في الجنة بابا يقال له باب الريان لا يدخل منه إلا الصائمون فإذا دخل آخرهم أغلق" لأن التخيير لا يستلزم الدخول منه قال التادلي: بعد أن ذكر الحديث أنه معارض، وفرق آخر وهو أن المتوضئ المحسن يوفق حتى يكون من أهل الصوم قلت والأقرب هو الأول وقد رأيت كثيرًا ممن يحسن الوضوء جدا لا يصوم غير الفرض إلى مماته وكذلك العكس ويعرف الإنسان هذا من نفسه. (وقد استحب بعض العلماء إلى آخره): سمعت من بعض من لقيته يذكر أن الشيخ أراد بقوله بعض العلماء ابن حبيب وكذلك مهما ذكره وما ذكره نص عليه التادلي في باب ما يفعل بالمحتضر وفي نفسي منه شيء فتأمله.

стр. 100

(ويجب عليه أن يعمل إلى آخره): لا شك أن الشيخ جرى على الترتيب الوجودي في هذا الباب وهو حسن في التأليف وما عدا هذا المحل فإن محله إما عند غسل اليدين وإما عند غسل الوجه على الخلاف المعلوم في محل النية لأن كلامه راجع إليها. وما ذكر الشيخ من أن النية في الوضوء فرض هو المشهور. وحكى المازري قولان أنه لا يفتقر إليه وخرجه في الغسل. قال ابن هارون: ويحتمل أن يفرق بأن الوضوء قد يتلمح فيه معنى النظافة لاختصاصه بالأعضاء التي لا تخلق من وسخ ودون ذلك يناسب عدم الافتقار إلى النية بخلاف أعضاء الغسل، وأما التيمم فاتفق المذهب على النية فيه، وقال الأوزعي لا يفتقر إليها، وقال ابن الحاجب: والإجماع على وجوب النية في محض العبادة، قال ابن عبد السلام: كالصلاة والتيمم ويعترض تمثيله بما تقدم إذ عادة ابن الحاجب إذا قال بإجماع أراد به سائر أهل العلم بخلاف الاتفاق، واختلف إذا تقدمت النية على الوضوء بالزمان اليسير على قولين، قال البلنسي: والصحيح البطلان. باب في الغسل قد تقدم أنه يقال بفتح الغين وضمها وفرائضه النية على المنصوص، واستيعاب جميع البدن بالغسل إجماعا وبالدلك على المشهور والموالاة كالوضوء، وسنته أربع: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء والمضمضة والاستنشاق ومسح الصماخين وفي تخليل اللحية روايتان: فقيل فرض وقيل لا. وفضائله خمسة: التسمية والسواك والبداءة باليمين قبل الشمال وبالأعلى قبل الأسفل وتقديم الوضوء قبله. (أما الطهر فهو من الجنابة ومن الحيضة والنفاس سواه): قال عياض عن الأزهري معنى الجنابة: البعد فإن من أجنب فقد قصي عن مواضع القرب، وقال الشافعي معناه المخالطة من قولهم أجنب الرجل إذا خالط امرأته وهو ضد الأول لانه القرب يريد الشيخ بقوله سواء في الصفة ويلحق بذلك سائر الاغتسالات الشرعية، ولم يرد بذلك التكلم على الحكم لأن ذلك سبق له بزيادة دم الاستحاضة.

стр. 101

(فإن اقتصر إلى آخره): قال ابن عبد السلام: لا خلاف فيما قد علمت في المذهب أنه لا فضل في الوضوء بعد الغسل وإنما اختلف في سقوط الوضوء تقديرا أو يقدر الآتي بالغسل آتيا بالوضوء معه حكما، قلت: ما زعم من الاتفاق يرد بنقل الباجي عن مالك: إن أخر غسل رجليه من وضوء أعاد وضوءه بعد غسله وبقول التهذيب: ويؤمر الجنب بالوضوء قبل غسله فإن أخره بعده أجزأه ونبه على هذه بعض شيوخنا وما ذكره من الخلاف لا أعرف صورته فتدبره، لا يقال: إن صورته إذا لم يأت بالوضوء فهل يثاب عليه أم لا؟ للاتفاق على أن تقديمه مطلوب فلو كان يثاب عليه بتقديمه لاندراجه في الغسل لما كان لقولهم المطلوب تقديمه فائدة ويحتمل أن يكون أراد بالخلاف في التسمية فقط. (وأفضل له أن يتوضأ بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى ثم يتوضأ وضوء الصلاة إلى آخره): ما ذكر أن تقديم الوضوء فضيلة هو كذلك تشريفا لها ومعنى قوله: بعد أن يبدأ بغسل ما بفرجه أو جسده من الأذى يعني به على طريق الاستحباب، ويريد ثم يغسل ذكره ثم يتوضأ. فلو غسله بنية الجنابة ولم يغسل محل الأذى فإنه يجزئه، وقال ابن الجلاب: غسل النجاسة سنة إلا أن تكون في أعضاء الوضوء فيجب إزالتها لارتفاع الحدث لا لذاتها. وروى بعض من لقيناه أن قوله في أعضاء الوضوء وصف طردي، بل وكذلك أعضاء الغسل للعلة التي ذكرها ولو غسل المحل بنية الجنابة والنجاسة فإنه يجزئه. قال بعض الشيوخ قال المازري وهو متعقب: متى اعتقد المتطهر عدم فرض زوال النجاسة قلت إنما هو متعقب على أحد القولين فيمن جمع بين الجمعة والجنابة في غسل واحد، هل التنافي في النية حاصل لأنه لا يمكن اجتماع نفل وفرض في نية واحدة أو لا تنافي؟ لأن النفل جزء الفرض على أن تسليمه إذا اعتقد فرضيتها فيه نظر لأن غسل النجاسة لا يفتقر إلى نية والجنابة تفتقر فكان التنافي حاصل، وقد حكى عن أحد قولي المذهب إذا نوى رفع الحدث والتبرد أنه لا يجزئه وظاهر كلام الشيخ أنه يغسل أعضاء وضوئه ثلاثا ثلاثا، وهو ظاهر كلام غيره أيضًا. وقال عياض لم يأت في تكراره شيء، وقال بعض الشيوخ لا فضيلة فيه واختلف

стр. 102

هل المطلوب تقديم غسل الرجلين أم لا؟ فقيل بذلك وقيل المطلوب تأخيرهما، وقيل إن كان الموضع نقيا قدمهما وإن كان وسخا أخرهما وقيل مخير وهو الذي ذكر الشيخ ﵀. (فيخلل بهما أصول شعر رأسه إلى آخره): اعلم أن للتخليل فائدتين فقهية وطبية، هما سرعة إيصال الماء إلى البشرة وتأنيس رأسه بالماء فلا يتأذى لانقباضه على المسام إذا مس بالماء، وما ذكر أنه يخلل رأسه هو المنصوص، وخرج القاضي عبدالوهاب قولا بعدم التخليل من الاختلاف في تخليل اللحية ورده الباجي بأن بشرة الرأس ممسوحة في الوضوء مغسولة في الغسل، فاختلف بذلك حكم شعرها وبشرة الوجه مغسولة فيهما فاتحد حكم شعرها. وقال ابن الحاجب: الأشهر وجوب تخليل اللحية والرأس وغيرهما وسلمه ابن عبدالسلام، وقال ابن هارون: اعتمد في ذلك على نقل أبي الطاهر بن بشير والذي يحكيه غيرهما أن الخلاف في الرأس إنما هو بالتخريج كما تقدم. وقول الشيخ غاسلا له يحتمل أن يعم بكل غرفة غرفة وهو ظاهر كلام أهل المذهب وبه الفتوى. وقال الباجي: يحتمل أن يكون لما ورد في الطهارة من التكرار أو لأن الغرفة الواحدة لا تكفي في الرأس، وقال غيره الثلاث غرفات مستحبة والتكرار غير مشروع في الغسل فيحتمل أن تكون اثنتين لشقي الرأس والثالثة لأعلاه ويدل على هذا قوله في الحديث: أخذ بكفه فبدأ بشق رأسه الأيمن ثم الأيسر ثم أخذ بكفيه فأفرغ على رأسه. وكلاهما نقله ابن هارون، قلت: والصواب الجزم بهذا الاحتمال جريا على الاستجمار في أحد القولين. (وليس عليها حل عقاصها إلى آخره): يريد إذا كان رخوا بحيث يدخل الماء وسطه وإلا كان غسلها باطلا وهذا يكفي عند قيد المسألة بما إذا كانت خيوط عليه يسيرة وأما إذا كانت كثيرة فلا. قال عبد الوهاب: ومن له شعر معقوص من الرجال فليس عليه حله، قال صاحب الحلل يريد من له عادة في العقص كالأعراب وأهل الرفق والرقص في الأعراس فإنهم يعقصون شعورهم بالعقاص كالنساء، وأما من لم تكن له عادة بذلك وعرض له العقص لعلة ما فلا رخصة له في ترك نقضه.

стр. 103

قال التادلي: جعل عقص الفساق رخصة مسقطة لحل عقاصهم بخلاف من عرضت له علة لا رخصة له في ذلك، وحاشا أن يحمل كلام عبد الوهاب على هذا الترخص المضحك، وقد نص البلنسي في شرح الرسالة على أنه لا يجوز للرجال أن يضفروا رءوسهم، قلت: كلام التادلي يحتمل وجهين: إما أن يحمل كلام القاضي عبد الوهاب على عكس ما فسره به صاحب الحلل وإما أن يحمل على العموم وهو الأقرب عندي على الشرط الذي ذكرناه أولا وهو إذا كان الضفر رخوا، وأما إن صح ما قال البلنسي فلا يضر في صحة الصلاة. (ويتدلك بيديه بإثر صب الماء حتى يعم جسده): المشهور من المذهب أن التدلك فرض، وقيل لا يجب، رواه مروان الظاهري، وقيل واجب لغيره قاله أبو الفرج، وقد تقدم أن ابن الحاجب لم ينقل الثالث وكأنه رأى أنه راجع إلى الثاني والمعنى يقتضيه؛ لأنه إذا لم يتحقق إيصال الماء إلى العضو إلا به فلا بد منه، وإذا حقق سقط عند من يقول بأنه ساقط وما عجز عنه من التدلك ساقط اتفاقا وأفاض عليه الماء وفي وجوب ما أمكنه بنيابة أو خرقة ثالثها إن كثر لسحنون وابن حبيب وابن القصار وظاهر كلام الشيخ أنه لا يشترط المقارنة وهو كذلك عنده خلافا لأبي الحسن القابسي. (وما شك أن يكون الماء أخذه من جسده عاوده بالماء ودلكه بيده حتى يوعب جميع جسده فيتابع عمق سرته): قال التادلي: ظاهره أن الظن يبني عليه وفي الصحيح لم يخلل بيديه أصول شعره حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته أفاض عليها الماء. وقال ابن اللتبية في أحكامه فيه دليل على الاكتفاء بغلبة الظن، وقال تقي الدين: لا دليل فيه لأنه أفاض على رأسه الماء بعد ذلك ثلاثا وفيما قاله نظر وإذا ثبت العمل بالظن ثبت في سائر الجسد إذ لا قائل بالفرق. (وتحت حلقه ويخلل شعر لحيته إلى آخره):

стр. 104

الصواب أن يقول وتحت ذقنه والأليتان بفتح الهمزة وسكون اللام المقعدتان والرفغان باطنا الفخذين وقيل ما بين القبل والدبر. ويحذر أن يمس ذكره إلى آخره: قال التادلي: ظاهر كلامه كقول اشهب إن مس الذكر بباطن الكف خاصة هو الناقض للوضوء لا بزيادة باطن الأصابع، وما ذكر الشيخ أنه إذا مس ذكره بعد تكلمة غسله أنه يعيد الوضوء هو كذلك باتفاق ويريد بنية وهو المشهور من المذهب على الإطلاق. وحكى المازري قولان بأنه إذا كان بالقرب لا يفتقر إلى نية وهو بعيد. وما ذكر الشيخ أنه يفقر إلى نية في أثناء الوضوء إذا مسه في أثناء غسله خالفه فيه صاحبه أبو الحسن القابسي. رأى أنه لا يفتقر إلى نية، وفي المدونة: من مس ذكره في غسله من جنابته أعاد وضوءه إذا فرغ من غسله إلا أن يمر بيديه على مواضع الوضوء في غسله فيجزئه. قال ابن الحاجب: وظاهرها للقابسي يعني لكونه لم يذكر النية ولو كانت شرطا لذكرها. ولابن عبدالسلام اعتراض عليه لم أذكره لطوله وضعفه ومعنى قوله على ما ينبغي من ذلك يعني من الترتيب والموالاة وعدد المرات قال التادلي. باب فيمن لم يجد الماء وصفة التيمم التيمم في اللغة هو القصد قال الله تعالى: "فتيمموا صعيدا طيبا" [النساء: ٤٣]

стр. 105

أي اقصدوا وقال تعالى: (ولا ءامين البيت الحرام) [المائدة: ٢] أي قاصدين، وفي الاصطلاح: طهارة ترابية تستعمل عند عدم الماء أو عند عدم القدرة على استعماله. وحكمه الوجوب من حيث الجملة بإجماع. وأما حكمته فقال بعض الشيوخ لما علم الله تعالى من النفس الكسل والميل إلى ترك الطاعة وترك العمل الذي فيه صلاحها شرع لها التيمم عند عدم الماء حتى لا تصعب عليها الصلاة عند وجوده، وقيل تكون طهارته دائرة بين الماء والتراب الذي منها أصل خلقته وقوام بنيته. وقيل لما كان أصل حياته الماء ومصيره بعد موته إلى التراب شرع له التيمم ليستشعر بعدم الماء موته وبالتراب إقباره فيذهب عنه الكسل. قلت: ليس المراد أنها أقوال متباينة فإن من علل بالأول مثلا نفى ما بعده بل كل من ظهرت له حكمة تكلم بها والمراد الجميع وغير ذلك مما لم يظهر لنا والله أعلم. (التيمم يجب لعدم الماء في السفر إذا يئس أن يجده في الوقت): ما ذكر الشيخ أنه واجب على المسافر العادم الماء هو كذلك باتفاق إلا أنه اختلف هل المراد به كل مسافر سواء كان سفرا تقصر فيه الصلاة أم لا؟ وإليه ذهب القاضي عبد الوهاب، أو إنما المراد به إذا كان سفرا تقصر فيه الصلاة؟ وأما إذا كان دون مسافة القصر فيختلف فيه كالحضر وفي ذلك قولان وظاهر كلام الشيخ سواء كان سفر معصية كالمحارب والعاق لوالديه، وهو كذلك في أحد القولين، قال ابن الحاجب: ولا يترخص بالعصيان على الأصح والقول بعدم الترخص هو قول القاضي عبد الوهاب، واختار ابن عبد السلام أنه يترخص له قائلا: كل رخصة يظهر أثرها في السفر والحضر كالتيمم والمسح على الخفين فلا يمنع العصيان منها بخلاف الرخصة التي يظهر أثرها في السفر خاصة كالقصر والفطر ومعنى هذا لابن رشد. قال التادلي: وظاهر كلام الشيخ أن حكم التيمم للمسافر عزيمة واجبة وفي مختصر ابن جماعة أنه رخصة، والحق عندي أنه عزيمة في حق العادم الماء رخصة في حق الواجد له العاجز عن استعماله. والقول بالرخصة مطلقا لا يستقيم في حق العاجز فإن الرخصة تقتضي إمكان الفعل المرخص فيه وتركه كالفطر في السفر بخلاف عادم الماء لا سبيل له إلى تركه التيمم. قال وقول من قال إن الرخصة قد تنتهي إلى الوجوب غير مسلم فإنها إذا انتهت إليه صارت عزيمة، وزال عنها حكم الرخصة. (وقد يجب مع وجوده إذا لم يقدر على مسه إلخ): عدم القدرة على استعماله إن كان يخاف منه الموت فالاتفاق على التيمم وإن

стр. 106

كان يخشى زيادة مرض أو تأخير برء أو تجديد مرض فالمشهور كذلك وقيل لا يتيمم ويستعمل الماء قاله مالك، وقلت والأقرب هو الأول لقول الله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج) [الحج: ٧٨] و (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) [البقرة: ٢٨٦]. ولقد أحسن أشهب ﵁ في قوله لما سئل عن مريض: لو تكلف الصوم والصلاة قائما لقدر لكن بشقة وتعب، فأجاب بأن قال: فليفطر وليصل جالسا ودين الله يسر والمشهور أن الجنب كغيره فمهما تعذر غسله تيمم، وقال عياض في الإكمال قال أحمد بن ابراهيم المصري عرف بابن الطبري من أصحاب ابن وهب: من خاف على نفسه المشقة من الغسل أجزأه الوضوء لحديث ابن عمرو بن العاص ﵄، واختلف في الحضري إذا خاف خروج الوقت إن هو استعمل الماء والمشهور التيمم، وعليه إن خاف فوات الجمعة على ثلاثة أقوال: فقيل يتيمم لها، نقله ابن القصار وأبو بكر الأبهري عن بعض أصحابنا واختار ابن القصار أنه لا يتيمم لها. ونقله ابن هارون عن أشهب فقط قائلا عنه: ولو أحدث فيها وخشي فوات وقت الصلاة لذهابه للوضوء، ونقل القرافي عن بعضهم أنه يتيمم ويصلي ثم يتوضأ ويعيد. وحكاه غير واحد بلفظ لو قيل يتيمم ويدرك الجمعة ثم يتوضأ ويعيد احتياطا ما بعد وبهذا القول كان شيخنا أبو محمد عبدالله الشبيبي يفتي إلى أن مات. قلت وأشهب ﵀ ناقض أصله وذلك أنه قال فيمن ذكر صلاة منسية وهو في الجمعة إن خاف فواتها تمادى وإن لم يخف قطع وقضى فجعل وقتها لا يمتد فتأمله. (وكذلك مسافر يقرب منه الماء ويمنعه منه خوف لصوص أو سباع): إذا خاف من سباع فلا خلاف أنه يتيمم؛ لأنه يخاف على نفسه وكذلك اللصوص إذا كان يخاف منهم على ماله خاصة فقيل يتيمم وقيل لا، واستبعده ابن بشير. قلت: الجاري على أصل المذهب أنه إن كان يحتاج إليه فإنه يتيمم مطلقا وإن كان لا يحتاج إليه فإن كان بحيث يجب عليه بذله في الشراء لقلته فإنه لا يتيمم وإلا تيمم فالقولان ينبغي أن يكونا خلافا في حال والله أعلم. وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يفصل في المال بين القليل والكثير وهو الذي أراد المؤلف، فظاهره أن القولين الذين ذكرهما ابن الحاجب في قوله أو على ماله على الأصح إنما هو في اليسير دون الكثير والحق ما قلناه والله أعلم.

стр. 107

واختلف في المقدار الذي يبذل في شراء الماء إن كان لا يضطر إليه فقيل يرجع فيه إلى العرف وهو الذي رجع إليه مالك ذكره اللخمي، قال: أما الرخيص فيشتريه وإن زيد في ثمنه مثله وروى أشهب ما لا يلزم شراؤه بالثمن المعروف وهو بعيد، وقال ابن الجلاب لا حد لمقدار ثمن الماء في الغلاء فيحتمل أن يحد بالثلث. (وإذا أيقن المسافر بوجود الماء إلخ): في كلامه ﵀ مخالفة للمذهب وذلك أن ظاهر كلامه في الراجي لا يؤخر بل يتيمم وسط الوقت وليس كذلك بل حكمه كالموقن، ولقد قال ابن هارون لا أعلم من قال في الراجي: إنه يتيمم وسط الوقت غير ابن الحاجب ويمكن أن يريد بقوله وكذلك إن خاف هو راجع إلى القسم الأول لا إلى ما يليه وما ذكر من التفصيل هو المشهور، وروي عن مالك آخره في الجميع وروى ابن عبد الحكم المسافر مطلقا يتيمم أوله وفي المجموعة الراجي آخره وغيره وسطه وقيل الجميع آخره إلا اليائس أوله، والمراد بالوقت الذي ذكره الشيخ هو الاختياري نقله أبو محمد في مختصره عن ابن عبدوس وظهر لي أنه يتخرج قول باعتبار الضروري من قول ابن رشد: من تمادى به الرعاف فإنه يعتبر الضروري وكان من لقيته ممن تولى قضاء الجماعة بتونس لا يرتضي مني هذا التخريج حين ذكر له في درسه ويقول: النجاسة أشد بدليل أن من صلى بنجاسة مضطرا فإنه يعيدها في الوقت ومن تيمم وصلى ثم وجد الماء فلا إعادة عليه جملة، فإن قدم ذو التأخير ثم وجد الماء أعاد في الوقت وقيل أبدا قاله ابن عبدوس وغيره، وقيل إن ظن إدراكه ففي الوقت وإن أيقن فأبدا قاله ابن حبيب، وإن قدم ذو التوسط ففي إعادته في الوقت المختار خلاف ولا يعيد بعده اتفاقًا. (ومن تيمم من هؤلاء ثم أصاب الماء في الوقت إلخ): ما ذكر الشيخ أنه يعيد هو كذلك إلا أن كلامه يحتمل أبدًا، وفي الوقت والأقرب من كلامه الإعادة في الوقت بقرينة قوله ثم أصاب الماء في الوقت، وقال ابن الحاجب: يعيد في الوقت ويحتمل أبدًا، قلت: والأقرب أنه لا إعادة مطلقا بالنسبة إلى المريض لأنه إذا لم يجد من يناوله إياه إنما ترك الاستعداد للماء قبل دخول الوقت وهو مندوب إليه على ظاهر المذهب، وذلك لا يضر فلا إعادة مطلقا. وأما الخائف وما بعده فالأقرب فيه الإعادة في الوقت كمن صلى بالنجاسة أو عريانا، إلا أن يقال إن النجاسة آكد كما تقدم، ومثل ما ذكر الشيخ المطلع على الماء بقربه والإعادة في هذا

стр. 108

واضحة لأن معه ضربا من التفريط ولو وجد الماء بعد التيمم وقبل الدخول في الصلاة؛ فإن التيمم يبطل إن اتسع الوقت وإن ضاق. فقال عبد الوهاب: لا يبطل وخرجه اللخمي على التيمم حينئذ، وقال المازري: هذا آكد لحصوله بموجبه وأما إن وجده في الصلاة فالمنصوص لا يبطل، وخرج اللخمي قولا بالقطع من العريان يجد ثوبا وهو في الصلاة ومن ذكر صلاة من صلاة ومن نوي الإتمام ومن إذا قدم وال في الجمعة ورده بعض شيوخنا بأن مسألة التعدي لا بدل لها، ومسألة ذاكر صلاة في صلاة سبقية العلم بالصلاة المنسية فكان معه ضرب من التفريط وفي مسألة ناوي الإتمام هو قد تسبب في ذلك ومسألة قدوم الوالي بأن العزل يتقرر بالنزول. قال ابن عبد السلام: خرج القطع من ذاكر الصلاة في الصلاة ورده بما تقدم قلت: كلامه يوهم أنه لم يخرج إلا منها فقط وليس كذلك.

стр. 109

(ولا يصلي صلاتين بتيمم واحد من هؤلاء إلا مريض لا يقدر على مس الماء لضرر بجسمه مقيم وقد قيل يتيمم لكل صلاة، وقد روى عن مالك فيمن ذكر صلاة أن يصليها بتيمم واحد): القول الأول: ومن الثلاثة التي ذكر الشيخ عزاه في النوادر لبعض أصحابنا وهو اختيار التونسي، قال ابن الحاجب أبو إسحاق: يجوز للمريض قال ابن عبد السلام: هو ابن شعبان، قلت إنما فسره به ولم يفسره بالتونسي لنص ابن شاس بذلك وتعقبه بعض شيوخنا بأن الزاهي إنما فيه من جمع بين صلاتين بتيمم، قلت حكاه ابن يونس عن أبي محمد بن أبي زيد قائلا: أخبرت به عن ابن شعبان لعدم وجوب الطلب عليه، والقول الثاني من أقوال الشيخ هو المشهور ومرضه الشيخ بوجهين وهما تقدمة الشيخ القول عليه، وقوله وقد قيل ولم يقل وقيل، والقول الثالث: رواه أبو الفرج عن مالك وعزاه ابن يونس لقوله أيضًا، وعزاه ابن الحاجب لقوله فلا يعترض عليه إذ هو قوله بلا شك. ونصه أبو الفرج في الفوائت وأخذ بعض من لقيناه من رواية أبي الفرج أن من عليه صلوات كثيرة أن يقيم لها إقامة واحدة وأجبته بيسر الإقامة لأنها قولية وعسر التيمم لأنه فعلي، فإذا قلنا بالمشهور وجمع بين صلاتين بتيمم واحد فأما الأولى فصحيحة باتفاق. واختلف في الثانية على أربعة أقوال: فقيل يعيدها وقتا، وقيل أبدا، وقيل إن كانتا مشتركتين أعادها وقتا وإلا أعادها أبدا وقيل يعيدها ما لم يطل كاليومين والثلاثة قاله سحنون ذكر جميع الأربعة ابن يونس. قال ابن عبد السلام: وانظر في الفائتين إذا كانتا غير مشتركين الوقت هل تكونان كالمشتركين أم لا؟ والمذهب جواز النفل بتيمم الفريضة بعدها متصلا أو ما هو في حكم المتصل وقال التونسي ما لم يطل تنفله جدا وقال الشافعي، يتنفل إلى دخول وقت الفريضة الثانية وارتضاه ابن عبد السلام للتبعية وعدمها. (والتيمم بالصعيد الطاهر وهو ما ظهر على وجه الأرض منها من تراب أو رمل أو حجارة أو سبخة): لم يرد الشيخ بقوله من تراب إلخ الحصر بل يتيمم على غير ذلك كالشب والنورة والزرنيخ وشبه ذلك كالكحل والكبريت والزاج اللخمي يمنع بالجير والآجر والجص بعد حرقه والياقوت والزبرجد والرخام، والذهب، والفضة، فإن فقد سوى ما منع وضاق الوقت يتيمم به، نص على ذلك جميع البغداديين وقيل لا يتيمم على الشب

стр. 110

ولا على ما بعد نقله أبو بكر الوقار وقيل بالأول وإن لم يجد غيره وضاق الوقت وكذلك يتيمم على الثلج عند مالك من رواية ابن القاسم. وروى أشهب أنه لا يتيمم عليه وقيل إن عدم الصعيد فالأول وإلا فالثاني ورابعها يعيد في الوقت بالصعيد. (واختلف في الملح على أربعة أقوال): ثالثها الفرق بين المعدني والمصنوع، ورابعها للسليمانية إن لم يجد غيره وضاق الوقت يتيمم وإلا فلا، نقله ابن يونس، واختلف في التيمم على الزرع والخشب على قولين، وأخذ الجواز من قول يحيى بن سعيد في المدونة، ما حال بينك وبين الأرض فهو منها، وظاهر كلام الشيخ أنه يتيمم على غير التراب وإن كان التراب موجودا وهو المشهور. وقال ابن شعبان: لا يتيمم إلا على التراب خاصة سواء كان منبتا أم لا، وقال ابن حبيب يتيمم على غير التراب مع فقده، وأخذه ابن الحاجب من قول المدونة، ويتيمم على الجبل والحصباء من لم يجد ترابا وأنكر هذا الأخذ بعض المشارقة قائلا إنما وقع هذا الشرط في المدونة من كلام السائل لا من كلام ابن القاسم فيحتمل أن يكون مقصودا ويحتمل أن الجواز عموما وقبله ابن عبد السلام، وظاهر كلام الشيخ أنه يتيمم على التراب المنقول وهو كذلك خلافا لابن بكير، قال ابن عبد السلام: وظاهر كلام الشيخ أنه يتيمم وهذا إذا عمل في وعاء وأما لو جعلت على وجه الأرض فاسم الصعيد باق عليه. (ويضرب بيديه الأرض وإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا ثم يمسح بهما وجهه كله مسحا ثم يضرب بيديه الأرض فيمسح يمناه بيسراه يجعل أصابع يده اليسري على أطراف أصابع يده اليمني ثم يمر أصابعه على ظاهر يده وذراعه وقد حنى عليه أصابعه، حتي يبلغ المرفقين ثم يجعل كفه على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع من يده اليمني ثم يجري باطن بهمه على ظهر بهم يده اليمني ثم يمسح اليسرى باليمنى هكذا فإذا بلغ الكوع مسح كفه اليمني بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه ولو مسح اليمني باليسرى واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه): اعلم أن المشهور استحباب صفته، وقال ابن عبد الحكم: لا تسحب وما ذكر الشيخ من الصفة هول تأويله على المدونة، وقيل تأويله عليها أنه لا ينتقل إلى يده
следующие страницы →