Полный текст (890 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
فقيل: يفسخ أبدا وعكسه وقيل: يفسخ قبل البناء لا بعده قاله في المدونة وهو المشهور وعليه الشيخ وكلها لمالك، ولم يقف ابن عبد السلام على القول بعدم الفسخ لمالك لقوله ذكره غير واحد ولم ينسبه وأجابه خليل بأن عبد الوهاب في الإشراف نقله، وكذلك نقله ابن الجلاب أيضا.
وظاهر كلام الشيخ أن فسخه قبل البناء على طريق الوجوب، وهو كذلك عند جميع المغاربة الذي هو منهم، وذهب العراقيون إلى أن ذلك على طريق الاستحباب، وكلاهما تأويل على المدونة ولو دعا الزوج إلى البناء والنفقة فأنفق ثم عثر على الفساد، وفسخ فقيل يرجع بها عليها كمن اشترى من رجل داره على أن ينفق على البائع حياته، وقال عبد الله بن الوليد: لا يرجع بها عليها لأن الفسخ قبل البناء غير واجب إذ أجازه جماعة من العلماء إذا عجل ربع دينار، ورده بعض شيوخنا بأن الفرض الحكم بفسخه، ومراعاة الخلاف مع الحكم بنقضه لا يصح، ويجاب بأنه إنما قصد مراعاة الخلاف.
وأجرى غير واحد ممن لقيته ذلك الخلاف في الحمل إذا نقش بعد النفقة عليه، وذكر في المدونة من الأشياء التي فسادها في الصداق الجنين في بطن أمه ثم قال وما هلك بيد الزوجة ضمنته قبل قبضه وتكون مصيبتها من الزوج وما قبضت ثم تغير في يدها في بدن أو سوق فقد فات وترد القيمة فيما له قيمة والمثل فيما له مثل وأقام عياض من مسألة الجنين أن يبيع التفرقة بقيمة حوالة الأسواق.
(وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى):
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي كل نكاح أجمع على فساده فإنه يفسخ أبدا وكل نكاح اختلف فيه، فإن كان فساده لعقده فسخ قبل البناء وفي فسخه بعده خلاف كنكاح المريض والمحرم ومثله نقل ابن شاس.
وقال ابن الحاجب: وما اختلف فيه فإن كان بنص أو سنة أو لحق الورثة فكذلك يعني يفسخ أبداً اتفاقا فإن لم يكن كذلك، فإن كان لخلل في عقده ففي فسخه بعد الدخول قولان، واعترضه بعض شيوخنا من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن نكاح المريض مختلف فيه كما سبق.
الثاني: أن قوله وإن كان لنص أو سنة خلاف إطلاق الشيوخ وظاهر الروايات الحكم في المختلف فيه مطلقا.
стр. 422
الثالث: أن وجود فيه بالقرآن أو السنة ينفي القول بجوازه. (وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا ولا يحصن به الزوجان):
اعلم أن النكاح المختلف في صحته وفساده بين أهل العلم والمذهب قائل بفساده فإنه يعتبر عقدة في التحريم كما يعتبر العقد الصحيح المتفق عليه احتياطا فتحرم به على الآباء والأبناء وتحرم أمهات النساء، وكذلك يعتبر وطؤه من باب أحرى فتحرم الربيبة.
ثم اعلم أنه اختلف المذهب هل يراعي كل خلاف أولا يراعى إلا الخلاف المشهور، وعلى الثاني فقيل هو ما كثر قائله وقيل ما قوي دليله.
قال ابن عبد السلام: والذي ينبغي أن يعقد من ذلك، وهو الذي تدل عليه مسائل المذهب أن الإمام رحمه الله تعالى – يعني به مالكا- إنما يراعي من الخلاف ما قوي دليله فإذا تحقق فليس بمراعاة الخلاف البتة وإنما هو إعطاء كل واحد من الدليلين ما يقتضيه من الحكم مع وجود المعارض والله أعلم.
وقد أجاز رحمه الله تعالى الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وأكثرهم على خلافه وأباح بيع ما ليس فيه حق توفيه من غير الطعام قبل قبضه وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب إلى غير ذلك من المسائل ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور وهذا مما يدل على أن المراعي عنده إنما هو الدليل لا كثرة القاتل والله أعلم.
وأما كل نكاح مجمع على فساده فإن كان مما يدرأ الحد فيه فإن وطأه معتبرا ولا يعتبر العقد على المشهور، وقيل: ويعتبر قاله ابن القاسم في المدونة.
وقال ابن عبد السلام وهو قول ابن الماجشون، واعترضه بعض شيوخنا بأنه خلاف ما نقل الباجي عنه في قوله ما حرم بالكتاب أو بالسنة كخامسة أو معتدة أو المرأة على أختها أو خالتها لغو وإن كان مما لا يدرأ حده فعكس ما قبله لا يعتبر عقده باتفاق وفي الوطء قولان وهما كالخلاف في الزنى هل يحرم الحلال أم لا؟
(وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة وسبعا بالرضاع والصهر فقال تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣]
فهؤلاء من القرابة):
стр. 423
قال ابن الحاجب: والقرابة هي السبع في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣]
، وهي أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا، قال الشيخ ابن عبد السلام: اعلم أن كل من له عليك ولادة بمباشرة أو بدرجة فأكثر فهو أصلك وكل ما لك عليه ولادة بمباشرة أو بدرجة فهو فصلك فيدخل في الأول الأم باعتبار ولدها وأمها وإن علت، وكذلك الأب باعتبار ابنه وأبيه وإن علا فهذا مراد المؤلف بأصوله وفصوله، وقد علمت من هذا أن أول أصوله هو من باشره بالولادة وذلك هو الأب والأم وفصولهما هو الأخ والأخت من أي جهة كانا وأولادهما.
وهذا معنى قول المؤلف وفصول أول أصوله وهم بنو أبيه وبنو أمه وإن سفلوا؛ لأنهم أولاد أبيه ثم قوله وأول فصل من كل أصل وإن علا يعني أول فصل خاصة من كل أصل ماعدا الأصل الأول لأن الأصل الذي يلي الأصل الأول هو الجد الاقرب والجدة القربى، وإن الأول عم أو خال أو عمة أو خالة وابنة الجدة الموصوفة وابنها كذلك وهم أول الفصول والتحريم مقصور عليهم، وأما أولادهم، فهم حلال لأنهم إما أولاد عم أو أولاد عمة أو أولاد خال أو أولاد خالة وأولاد أولادهم، ورأي بعض شيوخنا أن عبارة ابن الحاجب فيها طول فقال هي فرعه وأصله وأقرب فرعه وأبعد أقربه.
واختلف المذهب في تحريم المخلوقة من مائة على وجه الزنى والمشهور أنها تحرم عليه وبه قال أبو حنيفة.
وقال ابن الماجشون: لا تحرم عليه قال سحنون هو خطأ صراح وبقول ابن الماجشون قال الشافعي قال ابن عبد السلام وهو الأقرب لأنها لو كانت بنتا لحصلت لها أحكام البنت من الميراث وولاية الإجبار ووجوب النفقة وجواز الخلوة بها وحمل الجناية عنها إلى غير ذلك، واللازم باطل انظر تمامه ولولا الإطالة لذكرناه.
(واللاتي من الرضاع والصهر قوله تعالي: ﴿وأمهتكم التي أرضعنكم وأخوتكم من الرضعة وأمهت نسائكم وربئبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣]
، وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢]
وحرم النبي ﵇ بالرضاع ما يحرم من النسب):
стр. 424
ظاهر كلام الشيخ أن أمهات النساء يحرمن سواء دخل بالبنت أم لا وسواء طلق البنت أو ماتت وهو كذلك باتفاق المذهب، وحكي عن على بن أبي طالب ﵁، وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وجابر وإحدى الروايتين عن ابن عباس أنها لا تحرم إلا بدخول البنت وحكي عن زيد أنه إن طلق البنت لم تحرم وفي الموت تحرم، ومذهبنا أن الربيبة تحرم على من دخل بأمها وإن لم تكن في حجره، وحكي عن علي أنه طلق البنت لم تحرم وركن إليه ابن عبد السلام بقوله هو ظاهر الآية لأنها مقيدة بوصفين:
أحدهما: كون الأم مدخولا بها.
والثاني: كون البنت في حجره والحكم المعلل بعلة مركبة لا يثبت إلا بعد حصول جميع أجزائها ويقوي اعتبار هذا القيد ما وقع في الصحيح وقد عرض على رسول الله ﷺ نكاح ربيبته بنت أم سلمة، فقال: "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثوبية" فانظر كيف ذكر هذا الوصف كما هو مذكور في الآية، ولو كان ملغي لما تكرر ذكره في الكتاب والسنة والله أعلم.
والمشهور أن أمة الابن لا تحرم على الأب حتى يطأها الابن أو يتلذذ بها، وقال الشافعي تحرم عليه ومثله لابن حبيب حسبما نذكره إن شاء الله تعالى بعد، وسبب الخلاف هل يصدق عليها بالملك أنها حليلة أم لا يصدق عليها إلا بعد الاستمتاع.
(ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها فمن نكح امرأة حرمت بالعقد دون أن تمس على أبائه وأبنائه وحرمت عليه أمهاتها ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم):
ما ذكر الشيخ صحيح وقاس عليه أصحابنا وغيرهما وضابطه ما قاله بعض المتقدمين كل امرأتين يمنع نكاحهما لو كانت إحداهما ذكرا وانتقض عليه بصورتين وهما الجمع بين المرأة وأم زوجها والمرأة مع ابنة زوجها فإنه جائز فزيد في الحد المذكور من القرابة فيتخرج بذلك الصورتان فإنهما أجنبيتان وقيل ضابطه كل امرأتين بينهما من القرابة والرضاع ما يمنع نكاحهما أن لو كانت إحداهما ذكرا فإن جمع بينهما في عقد فسخ فيهما ولا مهر إن لم بين ولمن بنى منهما مهرها.
قال الشيخ أبو الطاهر: هذا مع عدم العلم بالتحريم وأما مع العلم به ففي كونه كمحض زنا في هذا الأصل قولان ويجري عليهما نفي الصداق وثبوته، وأما إذا كان
стр. 425
تزويجهما في عقدين فإن علمت الأولى منهما فسخ نكاح الثانية وثبتت الأولى في غير الأم وابنتها باتفاق وأما فيهما ففيه كلام يطول جلبه وإن جهلت الأولى فسخ فيهما وإن ادعى الزوج تعيينهما فقال محمد بن المواز: يصدق ويفارق الأخرى وعارضها اللخمي بقول: نكاح المدونة لا تصدق المرأة إذا تزوجها رجلان جهل أولهما.
وفرق ابن بشير بينهما بوجهين أحدهما: أن عدم تصديق الزوجة للتهمة، الثاني: أن الزوج قادر على فسخ النكاح وابتدائه ورده بعض شيوخنا بأنه أيضا يتهم لاحتمال خوف عدم إصابته من يريد نكاحها منهما بعد الفسخ وأنها قادرة على الفسخ لعدم تعيينها.
(أو يتلذذ منها بنكاح أو ملك يمين أو بشبهه من نكاح أو ملك):
ظاهر كلام الشيخ سواء كانت لذة بقبلة أو نظرة أو مباشرة وهو كذلك فأما النظرة فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها ما تقدم وهو المشهور وقال ابن القصار نظره إلى وجهها أو غيره من جسدها لا يحرمها.
وعزاه ابن رشد لابن شعبان قال: وروى ابن وهب إيجابه الكراهة وذكر ابن بشير قولين في غير النظر للوجه قال، وأما النظر له فهو لغو باتفاق وخصص ابن الحاجب الخلاف بباطن الجسد فقال والمشهور أن اللذة بالمباشرة والقبلة، والنظر لباطن الجسد كالوطء في تحريم البنت.
قال ابن عبد السلام: وهو خلاف ظاهر الروايات قال ابن حبيب ومن تلذذ بأمته بتقبيل أو تجريد أو ملاعبة أو مغامزة أو نظر إلى شيء من محاسنها نظر شهوة حرم على أبيه وأبنه التلذذ بشيء منها ورواه أيضا محمد عن مالك، وزاد وكذلك إن نظر إلى ساقها ومعصمها تلذذ وأما القبلة والمباشرة فقد تقدم كلام ابن الحاجب فيهما، وأنه حكي الخلاف فيهما كالنظر.
قال ابن عبد السلام: ولا أعرف القول الشاذ في المذهب نعم هو قول الشافعي والحسن.
قلت: ومثله لبعض شيوخنا وأجابهما شيخنا أو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى بأن ابن عبد البر ذكره في الكافي رواية عن مالك.
قال ابن حبيب: لا يحل مسيس جارية ملكها أبوه وابنه الذي بلغ مبلغ من يتلذذ بالجواري خيفة أن يكون قد مسها. قال ابن عبد السلام: وفيما قاله نظر وينبغي
стр. 426
أن يكون المنع على الاحتياط لا على اللزوم.
(ولا يحرم بالزنا حلال):
اختلف المذهب في وطء الزنا هل ينشر الحرمة أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل إنه لا ينشر الحرمة كما قال الشيخ قاله مالك في الموطأ وبه قال جميع أصحابه وهذا القول مذكور في المدونة، وزعم ابن عبد السلام أنه المشهور وقيل إنه ينشر الحرمة كالصحيح قاله في سماع أبي زيد ورواه ابن حبيب في واضحته قائلاً: رجع مالك عما في الموطأ إلى التحريم وأفتى به إلى أن مات وقيل: إنه ينشر الكراهة رواه ابن المواز وهذان القولان مؤولان معا على المدونة فتأولها اللخمي وابن رشد في البيان على الكراهة وتأولها غيرهما على التحريم.
قال عياض: والأكثرون على الكراهة قال في الأمهات في موضع لا أحب وفي آخر لا ينبغي وفي آخر أكرهه وفي آخر فليفارقها، وقال في التهذيب: ومن زنى بأم زوجته أو ابنتها حرمت عليه زوجته.
قالت: وتعقب غير واحد اختصاره لما ذكر وأما إذا كان الوطء مستندا إلى شبهة كمن وطئ أجنبية يظنها زوجته فإنه ينشر الحرمة في المشهور.
وعن سحنون لا أثر له قال ابن عبد السلام: وهذا الخلاف إنما هو على القول بأن الزنا لا يحرم وأما على أنه يحرم فلا شك أن وطء الاشتباه يحرم وعلى الأول لو حاول أن يلتذ بزوجته فوضع يده على ابنتها فالتذ فالجمهور على الفراق، وقيل: لا أثر له قاله ابن القاسم وبه قال سعيد ابن أخي هشام، وأبو القاسم بن شبلون وأبو محمد بن أبي زيد في أحد قوليه وهو مقتضى قول سحنون واختاره الشيخ أبو القاسم بن محرز وألف فيها تأليفا، واعتمد المازري عليه في تأليفه المسمي بكشف الغطا عن لمس الخطا، وعلى الأول فذلك محمول على وجوب الفراق والإجبار عليه عند الأكثر ورأى القابسي وأبو عمر أن ذلك على وجه الاستحباب لا على الإجبار وهو مذهب أبي الطيب عبد المنعم فإنه أمر بالفراق وتوقف في الإجبار وذهب بعض فقهاء صقلية إلى أن لمس الإبنة ينشر الحرمة وإن لم يلتذ إذا كان أصل لمسه لقصد اللذة.
قال المازري: وهو ضعيف لا يتخرج على الأصل ولا ينبني على التحقيق.
قلت: بل له أصل وهو نقض الطهارة به وإن كانت الطهارة أيسر.
стр. 427
(وحرم الله سبحانه وطء الكوافر ممن ليس من أهل الكتاب بملك أو نكاح)
стр. 428
ما ذكر هو المعروف من المذهب ونقل اللخمي عن ابن القصار عن بعض أصحابه على القول بأن لهم كتابا تجوز مناكحتهم واختلف في الصابئة والسامرية فعلى أن الصابئين من النصارى والسامرية من اليهود ويجوز وعلى نفيه نفيه.
(ويحل وطء الكتابيات بالملك ويحل وطء حرائرهن بالنكاح ولا يحل وطء امهاتهن بالنكاح لحر ولا لعبد):
ما ذكره متفق عليه في المذهب، وقال أبو عمر لا يجوز محتجا بقوله تعالى:
стр. 429
(ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن) [البقرة: ٢٢١]
ولا أعظم شركا من قولها أن ربها عيسى وتمسك الجمهور بقوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) [المائدة: ٥]
إلى قوله: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب) [المائدة:٥].
وفي المدونة يجوز للمسلم نكاح الحرة الكتابية وإنما كرهه مالك ولم يحرمه لما تتغذى به من خمر وخنزير وتغذي به ولدها وهو يقبل ويضاجع.
قال ابن عبد السلام: فنسبة ابن القاسم الكراهة لمالك تدل على أن ذلك عنده ليس بمكروه.
قلت: ولم يرتضه بعض من لاقيناه وقيل في علة الكراهة: خشية أن تموت حاملا، والجنين في بطنها ابن مسلم فتدفن به في مقابر الكفار وهي حفرة من حفر النار.
وقيل: لأنه يوجب مودة لقوله تعالى: (وجعل بينكم مودة ورحمة) [الروم:٢١]
مع قوله تعالى (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الأخر يوادون من حاد الله ورسوله) [المجادلة:٢٢]
إلى آخره وكلاهما حكاه المتيطي قال في المدونة: وليس له منعها من التغذي بالخمر والخنزير ولا من الذهاب إلى الكنيسة وقال إبراهيم في كتاب طلاق السنة عن محمد بن المواز: وله منعها من ذلك إلا من الذهاب للكنيسة لفريضتها ولا يمنعها صومها ولا يطؤها وهي صائمة لأن صومها من دينها وليس شرب الخمر وأكل الخنزير منه، وروي عن مالك غير هذا، وأظنه وهما وما أخبرتك به هو أحب إلى، وقاله ابن وهب قال: لأنها كما رضيت أن يملكها مسلم كان له منعها من ذلك.
(ولا تتزوج المرأة عبدها ولا عبد ولدها ولا الرجل أمته):
قال في المدونة: ولا مكاتبها وهو عبدها ما دام في حال الأداء ولا بأس أن يرى شعرها إن كان وغدا وكذلك عبدها وإن كان لغيرها فيه شركة فلا، ونقل اللخمي عن ابن عبد الحكم أنه لا يراها وإن كان وغدا ولا يخلو معها في بيت، وكذلك اختلف في عبد زوجها وعبد الأجنبي هل يدخل عليها ويرى شعرها أم لا؟ واختلف أيضا في العبد الخصي، قال ابن القاسم والوغد الذي لا منظر له ولا خطب.
(ولا أمة ولده وله أن يتزوج أمة والده أمه وله أن يتزوج بنت امرأة أبيه من رجل غيره وتتزوج المرأة ابن زوجة أبيها من رجل غيره):
стр. 430
ما ذكر أنه أمة ولده هو المشهور من المذهب وأجازه ابن عبد الحكم على كراهة في ذلك وإن وقع لم يفسخ.
قال ابن رشد: وهو ينحو إلى ما روي عن مالك في عبد سرق من مال ابن سيده أنه تقطع يده وأجاز في العتبية أنه يتزوج الرجل أمة زوجته، وعن ابن كنانة كراهته وهذا في جارية ملكتها ولم تكن من صداقها، وأما جارية الصداق فيجوز له ذلك فيها بعد الدخول ومنع منه في العتبية قبل الدخول.
وقال ابن رشد: إنه يجري على الخلاف في حده أن لو زنى بها حينئذ وضعفه ابن عبد السلام للشبهة فلا يلزم من نفي الحد تزويجها يريد لقوله ﷺ " ادرءوا الحدود بالشبهات"
(ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات):
يريد أن الزيادة على أربع زوجات حرام بإجماع من أهل السنة، وحكي عن بعض المبتدعة جواز ذلك.
قال ابن عبد السلام: فمن الأئمة من نسب إليهم من غير حصر، ومنهم من بلغ به إلى التسع خاصة، ولا حجة لهم في قوله: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء) [النساء:٣]
الآية، لأن المعنى في لسان العرب فانكحوا ما طاب لكم من النساء اثنتين اثنتين وثلاثا ثلاثا وأربعا أربعا هذا هو موضوع هذه الألفاظ في اللسان فالآية حجة للجمهور لا عليهم ولا حجة لهم أيضا في أنه ﷺ توفي عن تسع لأن ذلك من خصائصه بالدلائل الدالة عليه وهو حديث غيلان الثقفي.
وأما تزويج الاثنين فما دون فمباح في حق العبد والحر، وأما الثالثة والرابعة فيباحان في حق الحر باتفاق وكذلك في حق العبد على المشهور وقيل: إنهما في حقه ممنوعان نقله أبو محمد عن رواية ابن وهب، قال ابن عبد البر: وهو القياس على تشطير حده وطلاقه وعزا واحد كابن الحاجب هذا القول لابن وهب لان لروايته.
وفي النوادر: روى أشهب في نكاحه، أربعا وقال إنا نقول ذلك وما أدري ما هو؟ قال بعض شيوخنا: وهذا يقتضي الوقف والتقليد فلعله يريد ما أدري ما سبق لي من دليل ترجيح دخوله في عموم قوله تعالى: (فانكحوا) [النساء:٣]
على قياسه على تنصيف وحده.
(وللعبد نكاح أربع إماء مسلمات وللحر ذلك إن خشي العنت ولم يجد للحرائر
стр. 431
طولا):
ما ذكر من أن العبد له تزويج الأمة المسلمة هو كذلك باتفاق لأن الأمة من نسائه وشرط في الحر ثلاثة شروط شرط في المنكوحة وهي كونها مسلمة وشرطان في الناكح وهما أن يخشى العنت ولم يجد للحرائر طولا وهو كذلك في مشهور المذهب.
وقيل: بإلغاء الشرطين الأخيرين وهو أحد قولي مالك وابن القاسم، قال الباجي في شرح الموطأ: العنت الزنا.
وقال أصبغ: قال ربيعة وهو من أوعية العلم: هو الهوى واختلف في الطول على خمسة أقوال، فقيل: قدر ما يتزوج به الحرة قاله في المدونة وقيل: ويشتري به أمة نقله ابن الحاجب وسلمة ابن عبد السلام، وقال بعض شيوخنا لا أعرفه لكن هو مقتضى علة رقاق الولد واشترط ابن حبيب أن يكون قادرا على النفقة مع ذلك، وقيل: الطول وجود الحرة في عصمته لا الأمة، وقيل: الأمة وقيل: قدر ما يتوصل به إلى دفع العنت وعلى الأول فنقل ابن الحاجب أنه يشترط في الحرة أن تكون مسلمة قال ابن عبد السلام وهو خلاف المدونة بل خلاف الاتفاق على ما حكى بعضهم.
قلت: ما ذكر ابن الحاجب مثله لابن العربي في الأحكام فلا غرابة فيه وحيث يباح له تزويج الأمة ففي جواز الزيادة عليها لأربع قولان حكاهما ابن بشير.
(وليعد بين نسائه):
стр. 432
هامش
стр. 433
هامش
стр. 434
يريد فيما يرجع إلى ذاته وماله لا أنه ليس عليه المساواة في الجماع ما لم يقصد توفير نفسه لينشط للأخرى، قال ابن رشد في رسم الأقضية، الثاني من سماع أشهب وابن نافع يقضي على الرجل أن يسكن كل واحدة بيتا ويقضي عليه أن يدور عليهن في بيوتهن ومثله للخمي وقال ابن شعبان في زاهيه من حق كل واحدة انفرادها بمنزل منفرد بمرحاض وليس عليه إبعاد الدارين.
وسمع ابن القاسم لا بأس أن يكسو إحداهما الخز ويحليها دون الأخرى إن لم يكن مليا، قال ابن رشد وهذا في مذهب مالك وأصحابه أنه إن أقام لكل واحدة ما يجب لها بقدر حالها فلا حرج عليه أن يوسع على من يشاء منهن وبما شاء.
وقال ابن نافع: يجب عليه أن يعدل بينهن في ماله بعد إقامته لكل واحدة ما يجب لها والأول أظهر وما نقله عن ابن نافع عزاه المتيطي رواية، وظاهر كلام الشيخ أنه لو كانت من نسائه أمة فإنه يقسم لها في المبيت كالحرة وهو كذلك في المشهور.
وقال ابن الماجشون: ورجع مالك إلى أنها ليست كالحرة، وبه أقول وعليه قال ابن شاس لو أعتقت في أثناء زمنها أتم لها كالحرة ولا يدخل على ضرتها في زمنها غلا لحاجة، وقيل إلا لضرورة وسمع أشهب وابن نافع سمعت أن معاذ بن جبل كانت له امرأتان فكان لا يشرب الماء في بيت إحداهما في يوم الأخرى.
قال ابن رشد: وروي أنهما توفيتا معا في وباء الشام ودفنتا في حفرة وأسهم بينهما أيتهما تقدم في القبر وذلك على وجه التحري في العدل دون وجوبه، واختلف في جميع الحرتين في فراش واحد من غير وطء فمنعه مالك وكرهه ابن الماجشون وفي الإماء ثلاثة أقوال: المنع والكراهة وكلاهما لمالك وقال ابن الماجشون يجوز ذلك
стр. 435
بخلاف الحرتين.
(وعليه النفقة والسكنى بقدر وجده):
اعلم أنه تجب عليه النفقة والسكنى بقدر حاله من حالها، واختلف هل يجب عليه ثياب تخرج فيها والملحفة فقال اللخمي ظاهر المذهب أنها لا تفرض عليه، وقال في المبسوط تفرض على الغني دون الفقير ولا تفرض لها فاكهة خضراء ولا يابسة ولا جبن ولا زيتون ولا عسل ولا سمن وهذا الفصل متسع جدا واختصاره أنه يرجع فيه إلى العوائد.
واختلف إذا عجز عن نفقة مثلها وقدر على ما دونها مما يكفي من هو دونها فقيل: تطلق عليه، قاله فضل وغيره وقيل لا تطلق عليه، قاله ابن وهب وغيره وعلى الثاني فاختلف إذا عجز عما سوى ما يقيم رمقها فالمشهور تطلق عليه، وقال محمد: لا تطلق عليه.
قال اللخمي: وقول محمد فيما لا تعيش إلا به حرج تصبح وتمسي جائعة وعليه ما يسد جوعها وإلا فرق بينهما وإن كان من خشن الطعام والإدام معه لم تطلق عليه إلا أن تكون من أهل الشرف وممن لا تألف مثل ذلك ولا اتساع لها وإن جاعت لم تلزم به، وكذلك الكسوة إن كان لباس مثل ذلك معرة عليها طلقت عليه وإلا فلا، ولا يلزمه أن يضحى عنها اتفاقا وكذلك عن ابن نافع لا يلزمه أن يخرج عنها زكاة الفطر، والأكثر على خلافه فيها، وعلى الزوج من الزينة ما يزيل الشعث عنها كالمشط والمكحلة والنضوخ وحناء رأسها.
قال ابن المواز: واختلف في أجرة القابلة فقيل عليها وقيل عليه وقيل إن كانت المنفعة لها فعليها وإن كانت للولد فعلى الأب والثلاثة حكاها المتيطي ﵀ وأما الإخدام ففي أجوبة ابن رشد الإخدام واجب للزوجة كنفقتها تطلق بالعجز عنه قاله ابن الماجشون.
وقيل: يجب كالنفقة ولا تطلق بالعجز عنه وهو مذهب ابن القاسم، وقال ابن حبيب: لا تجب إلا أن يكون الزوج موسرا والزوجة من ذوات القدر والإنفاق على أنها تطلق عليه في عجز النفقة بعد التلوم على المشهور وقيل لا يفتقر إلى تلوم وعلى الأول فقيل يوم ونحوه وقيل يؤخر أياما وقيل ثلاثة أيام وقيل ونحوها وقيل شهر وقبل غير ذلك والحق أنه يرجع إلى اجتهاد القاضي.
стр. 436
(ولا قسم في المبيت لأمته ولا لأم ولده):
يعني وإنما له أن يطأ أمته وأم ولده ويقيم عندهما ما شاء ما لم يقصد الضرر فيمنع وقال ابن الحاجب: ويجب القسم للزوجات دون المستولدات إلا أن الأولى العدل وكف الأذى واعترضه ابن عبد السلام بأن لفظ المدونة يدل على أن كف الأذى واجب قال فيها: وليس لأم ولد مع الحرة قسم وجائر أن يقيم عند أم ولده ما يشاء ما لم يضار.
وقلت: روده بعض شيوخنا بوجهين:
أحدهما: أن المحكوم عليه بالأولوية مجموع العدل وكف الأذى لا مجرد كف الأذى فقط.
الثاني: أن الأذى غير الضرر وأخف منه فلا تنافي بين كون ترك الأذى، وكون كف الضرر واجبا ودليل كون غيره وأخف منه قوله تعالى (لن يضروكم إلا أذى) [آل عمران: ١١١]
قال اللخمي: المذهب أن لا مقال للحرة في إقامته عند الأمة وفيه نظر إلا أن يثبت فيه إجماع.
(ولا نفقة للزوجة حتى يدخل بها أو يدعى إلى الدخول وهي ممن يوطأ مثلها):
ظاهر كلامه وإن كانت يتيمة وهو كذلك وقال ابن عبد الحكم: تجب من حين عقد النكاح عليها مطلقا وقاله سحنون في اليتيمة وحكاه المتيطي رواية ولم يحفظ قول ابن عبد الحكم، وذكر الشيخ أنه يشترط في المرأة أن تكون ممن تطيق الوطء وسكت عن الزوج واختلف فيه فقيل كالمرأة وقيل يشترط البلوغ وهو المشهور، ويشترط أن لا يكون أحدهما مريضا فإن كان فلا يخلو من ثلاثة أوجه فإن كان بلغ بصاحبه به السياق فالدعوة حينئذ لغو وإن كان لا يمنع الوطء فمعتبر باتفاق فيهما وفيما بينهما قولان حكاهما اللخمي.
قال عياض: ظاهر مسائل المدونة أن لأبي البكر دعاء الزوج للبناء الموجب للنفقة وإن لم تطلبه وابنته، وهو المذهب عند بعض شيوخنا، وقاله أبو المطرف والشعبي كجبره على النكاح وبيعه ما لها وقال المارودي: ليس له ذلك إلا بالذي دعاها أو توكيلها إياه ومثله لابن عات.
قلت: واختار بعض شيوخنا إن كانت نفقتها على أبيها فالأول وإن كان في مالها فالثاني.
стр. 437
(ونكاح التفويض جائز وهو أن يعقداه ولا يذكران صداقا):
في كلامه تقديم التصديق على التصور ومثله في المدونة وابن الحاجب وقد قدمنا غير ما مرة أنه مجتنب وأكثر ما يجيب به عنه بعض شيوخنا بشعور التصديق بذكر الحكم كما هنا وما ذكر أنه جائز هو كذلك باتفاق قاله الباجي والأصل في ذلك قوله تعالى (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء) [البقرة: ٢٣٦]
وخرج أو داود عن عقبة بن عامر أن رسول الله ﷺ قال لرجل: " أترضى أن أزوجك فلانة" قال: نعم، وقال للمرأة: " أترضين أن أزوجك فلانا" قالت: نعم، فزوج أحدهما صاحبه فدخل الرجل بها ولم يفرض صداقا ولم يعطها شيئا وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله ﷺ زوجني فلانه ولم يفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا وإني أشهدكم أني أعطيتها سهمي بخيبر فأخذت سهمه فباعته بمائة الف دينار.
واعلم أن نكاح التفويض أصل وقيست عليه هبة الثواب قال في شفعة المدونة: وإنما جازت هبة الثواب على غير عوض مسمي لأنه على وجه التفويض في النكاح وسمعت بعض من لقيته من القرويين ينقل غير ما مرة أن بعض أهل المذهب جعل نكاح التفويض فرعا وقاسه على هبة الثواب قائلاً: غاب عني موضعه.
قلت: وهو ضعيف للاستدلال المذكور فلا يحتاج إلى قياس وإذا طلق الزوج في نكاح التفويض فلا شيء لها من الصداق اتفاقا وكذلك لا شيء لها في الموت على المشهور وترثه لأنها زوجته ومثله ذكر الشيخ بعد وحكى عبد الحميد الصائغ قولا بلزوم الصداق كالمدخول بها قال ابن بشير وهو قول شاذ.
(ثم لا يدخل بها حتى يفرض لها فإن فرض لها صداق المثل لزمها وإن كان أقل فهي مخيرة فإن كرهت فرق بينهما إلا أن يرضيها أو يفرض لها صداق مثلها فيلزمها):
ما ذكر من أنه لا يدخل حتى يفرض لها معناه إن منعته من الدخول وما ذكر من أن فرضه قبل البناء مستحب وعليه حمل قول المدونة ليس للزوج البناء حتى يفرض وفي المقدمات إنما يجب تسمية الصداق عند الدخول، قال خليل: فظاهره أن التقدير قبل البناء واجب وما ذكر من أنه إذا فرض لها صداق المثل يلزمها هو المذهب وخرج بعض من لقيته من القرويين قولا أنه لا يلزمها إلا أن ترضى من قول مطرف في الهبات إنما يهب الناس ليعاوضوا أكثر، وكنت أجيب بأن النكاح مبني على المكارمة فلا يتخرج والله اعلم.
стр. 438
وما ذكر من أن الخيار لها إذا فرض من صداق المثل معناه إذا كانت رشيدة وأما البكر ذات الأب فالنظر في ذلك للأب باتفاق قاله أبو حفص العطار، وأما التي لا أب لها ولا وصي فقال ابن القاسم: لا يعتبر رضاها، وقال غيره: يعتبر رضاها والقولان في المدونة وطرح سحنون قول الغير على أنه قد قال به في العتبية ورواه زياد عن مالك، وحمل الأشياخ المسألة على من لم يعلم حالها بسفه ولا رشد، قال ابن الحاجب: وفي رضى السفيهة غير المولى عليها بدونه قولان وتعقبه ابن عبد السلام بما سبق من حمل الأشياخ المسألة على ما ذكر وأما التي عليها وصي فالمشهور يعتبر رضاها معا إن كان نظرا.
وقيل: ذلك موقوف على رضى الوصي فقط قاله في الواضحة واختاره غير واحد إذ النظر له في المال خاصة ومهر المثل ما يرغب به مثله في مثلها ويعتبر الدين والجمال والحسب، والزمان والبلاد.
قال في المدونة: وينظر فقد يزوج فقير لقرابته وأجنبي لماله فليس صداقهما سواء وصداق المثل يعتبر يوم العقد وقيل يوم الحكم إن لم يبن أو يوم الدخول إن بني والقولان حكاهما عياض.
(وإذا ارد أحد الزوجين انفسخ النكاح بطلاق وقد قيل بغير طلاق):
القول بالردة طلقة ويريد بائنة هو مذهب المدونة وهو المشهور والقول بأنه فسخ قاله مالك وابن الماجشون وبقي عليها قول ثالث بأنه يلزمه طلقة رجعية فيكون أحق بها إذا رجع إلى الإسلام في العدة، قاله ابن الماجشون أيضا وسحنون والمغيرة وهو مذهب المدونة في كتاب أمهات الأولاد في بعض الروايات والرابع وهو إن رجع إلى الإسلام فلا شيء عليه حكاه ابن يونس ونصه، قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإن ارتد الزوج ثم عاود الإسلام في عدتها فهو أحق بها في الطلاق كله كما لو أسلمت ثم أسلم في عدتها، ولو لم يسلم حتى انقضت عدتها لزمه فيها طلقة.
стр. 439
وظاهر كلام الشيخ: ولو علم رغبة الزوجة في فراق زوجها وهو ظاهر المذهب وذكر ابن عادت أن ابن زرب وقف عن الجواب فيها فقال له بعض من حضره من أهل بجاية: نزلت ببجاية وأفتي فيها الفقيه الحوفي بأن ارتدادها لا يكون طلاقا وظاهر كلامه أيضا ولو ارتد إلى دين زوجته، وهو كذلك عند ابن القاسم في المدونة.
وقال أصبغ: لا يحال بينهما وأخذ ابن عبد السلام من قول أصبغ قول ابن المواز أن المرأة تدخل على زوجها في السجن إذا سجن في حق غيرها، واختار ابن رشد خلاف قول سحنون.
قلت: ووجه الإقامة أن المطلوب التضييق عليه ليراجع الإسلام كما أن المطلوب ذلك في المحبوس لأداء ما عليه فلما لم يعتبره أصبغ في المرتد لزم اطراده من باب أحرى. والله أعلم.
والفتوي عندنا بإفريقية بقول سحنون: ولو ادعى الزوج على زوجته ارتداد فأنكرته فرق الحاكم بينهما لإقراره بما يوجب الفرقة وهي الردة قاله سحنون في كتاب ابنه نقله ابن يونس.
(وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما):
ظاهر كلامه وإن كان نكاحهما بالأولى ولا صداق، وهو كذلك ما لم يكن ثم مانع من الاستدامة من نسب أو رضاع وكذلك إن تزوجها في العدة ووقع إسلامهما قبل انقضائها، فإن النكاح يفسخ قاله ابن القاسم وأشهب ومثله إذا تزوجها بنكاح متعة وأسلما قبل انقضاء الأجل نص على ذلك أشهب وجعله غير واحد المذهب، وقال عبد الحق الإشبيلي: أجمعوا على أن الزوجين إذا أسلما في حالة واحدة أن لهما البقاء على النكاح الأول، إلا أن يكون بينهما نسب، أو رضاع يوجب التحريم.
قلت: ورأى بعض شيوخنا أن ما ذكره ينقض بما تقدم.
واختلف في أنكحتهم فقيل: إنها فاسدة والإسلام هو الذي يصحح بعضها وقيل: إنها صحيحة وإنما الفاسد منها بعضها والمشهور أنها على الفساد ولأجل هذا الاختلاف اختلف التونسيون هل تجوز شهادة الشهود المعينين للشهادة بين الناس لليهود في أنكحتهم بولي ومهر شرعي أو تمنع؟ على فريقين وألف كل واحد منهما على صاحبه ورجح ابن عبد السلام المنع، وسبب الخلاف الخلاف في أنكحتهم هل هي على الصحة، أو على الفساد؟ وهل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ في ذلك
стр. 440
قولان في المذهب ثالثها مخاطبون بالنواهي دون الأوامر ورابعها مخاطبون بغير الجهاد، وأما الجهاد فلا وكلاهما لأرباب الأصول.
قال ابن عبد السلام: وفي هذا الإجراء نظر من وجوه يطول ذكرها منها: أن ما عقدوه على الصفة التي توافق شرعنا لا معنى لدخول الخلاف فيه على هذا التقدير ولكن الخلاف فيه أيضا قال في المدونة: وطلاق المشرك ليس بطلاق ونقل غير واحد عن المغيرة إلزامهم ذلك، وذلك يجري على الأصل المذكور.
(وإن أسلم أحدهما فذلك فسخ بغير طلاق):
ما ذكر هو قول مالك وأصحابه، وقال ابن القاسم: وإن أسلمت قبل إسلامه ولم يسلم مكانه فلا رجعة وهي طلقة بائنة ورد بعض الشيوخ الأول بأن طلاق الكافر لغو.
(فإن أسلمت هي كان أحق بها إن أسلم في العدة):
يعني إذا أسلمت الزوجة بعد البناء وسواء كانت مجوسية أو كتابية فإن ينتظر في العدة وهو كذلك باتفاق قاله ابن حارث زاد في الموازنة للسنة وفي موضع آخر: ولو كان عبداً، وسمع أصبغ ابن القاسم يقول إسلامه رجعة دون إحداث رجعة، وأطلق الشيخ على الانتظار عدة، ومثله للبراذعي وابن يونس وغيرهما.
قال ابن عبد السلام: إطلاق ابن الحاجب لفظ العدة مجاز إنما هو استبراء على المشهور، واعترضه بعض شيوخنا بأن كلامه يوهم أنه مختص بهذا الإطلاق وليس كذلك بل أطلقه البراذعي ومن ذكر معه.
وظاهر كلام الشيخ لو لم بين بها لبانت وهو كذلك باتفاق عند بعضهم وقيل: إنما ذلك مع الطول وفي القرب قولان منصوصان وهذه طريقة اللخمي وأشار الباجي إلى أن الخلاف في القرب وإنما هو مخرج.
(وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها):
ما ذكر هو كذلك باتفاق ولكن مع الكراهة في الاستدامة كما يكره للمسلم نكاح الكتابية ابتداء هكذا نبه عليه بعضهم وقبله ابن عبد السلام، ورده شيخنا أو مهدي عيسي الغبريني بأنهما ليسا سواء لسبقية النكاح في الكافر بخلاف المسلم والجملة إنما يمنع من يرى أن الدوام كالإنشاء.
(فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها كانا زوجين وإن تأخر ذلك فقد بانت منه):
стр. 441
ما ذكر من أن المجوسية إن أسلمت مكانها ثبت عليها وإلا فلا هو قول ابن القاسم، وقيل: يعرض ... عليها الإسلام ثلاثة أيام فإن لم تسلم فرق بينهما حكاه غير واحد، وقيل إن أسلمت في العدة بقيت زوجة قاله أشهب في أحد قوليه.
وفي المدونة: يعرض عليها الإسلام فإن أبت وقعت الفرقة بينهما وإن أسلمت بقيت زوجة ما لم يبعد ما بين إسلامهما.
قلت: كم الطول؟ قال: لا أدري الشهودر وأكثر منه قليل، وفي بعض الروايات ورأى الشهرين.
وفي النوادر عن الموازية إن لم توقف فحتى يمضي مثل الشهر عند ابن القاسم، فقال أبو إبراهيم هذا خلاف رواية الشهر والشهرين، وتأول الشيخ أبو بكر بن اللباد قول المدونة على أنه غفل عنهما.
وكلام ابن أبي زمنين يقتضي أنه باق على ظاهره، وإذا سبق إسلام الزوج سقطت نفقتها باتفاق وأما إذا سبق إسلامها فإن كانت حاملا فالنفقة باتفاق عليه، وإن لم تكن حاملا فسمع أصبغ: هي عليه لأنه أحق بها ما دامت في العدة كالمطلقة واحدة، قال أصبغ وبه أفتيت لما أرسل السلطان إلى فاستفتاني في ذلك، وسمع عيسى لا تلزمه لأن أمرها فسخ لا طلاق والسنة لا نفقة في الفسخ.
قال ابن رشد: وهو الصواب عند أهل النظر لما ذكر لأن النفقة إنما وجبت للمتعة فقد سقطت متعته مهما بإسلامها فإن وجبت للعصمة سقطت أيضا لارتفاعها بالفسخ وكونه أحق بها إن أسلم في عدتها أم لا يحمله القياس وأما السكنى فالاتفاق على ثبوتها ويوجد في بعض نسخ ابن بشير الخلاف فيها كالنفقة قال ابن عبد السلام: وليس بشيء.
(وإذا أسلم مشرك وعنده أكثر من أربع فليختر أربعا ويفارق باقيهن):
ظاهرة أوائل كن أو أواخر وهو كذلك في منصوص المذهب وقال أبو حنيفة يتعين الأول وخرجه اللخمي في المذهب، وقال: يلزم على قول أشهب من تزوج امرأة في شركه ولم يبن بها ثم أسلمت حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمها وأن من تزوج أما وابنتها في حال شركه أو أختين أو أكثر من أربع ثم أسلم أنه يلزمه العقد الأول، ويفسخ الثاني، واختلف هل له الخيار إذا كان محرما أو مريضا أو كانت المخير فيها أمة وهو واجد للطول أم لا فقيل بذلك لكونه كرجعة.
стр. 442
وقيل: يمنع كابتداء نكاح وهذا الخلاف أشار إليه عبد الحميد الصائغ إلى إجرائه هل الفرقة فسخ أو طلاق، ولو اختار أربعا فإذا هن أخوات فله تمام الأربع ما لم يتزوجن قاله ابن الماجشون، قال ابن عبد الحكم: له ذلك، وإن دخل بهن أزواجهن، وقال اللخمي: أما لو كانت الفرقة بطلاق وبانت فلا تمام له، وإذا اختار أربعا وفارق البواقي فلمن بني بها من البواقي مهرها.
واختلف فيمن لم يبن بها على ثلاثة أقوال: فظاهر المذهب لا شيء لهن لأنه فسخ قبل الدخول، وقال ابن المواز لكل واحدة خمس صداقها لأنه لو فارق الجميع لزمه صداقان وهو خمس اثنان من عشرة، وقال ابن حبيب لكل واحدة نصف صداقها لأنه في الاختيار كالمطلق.
(ومن لاعن زوجته لم تحل له أبداً):
اختلف الفرقة بين المتلاعبين هل هي بطلاق أم لا؟ فالأكثر على أنها بغير طلاق واستحب عيسى بن دينار أن يوقع الطلاق بأثر اللعان، وقال ابن شعبان عن ابن مسلمة أنه طلاق البتة تحل له بعد زوج إن أكذب نفسه وكان ينحو إليه أشهب.
وقال عبد الملك في الثمانية واعلم أن بنفس حلف الزوج تقع الحرمة بينهما وإن لم تلتعن الزوجة وهو مقتضى قول سحنون وأصبغ والموطأ، والمشهور أن الفرقة لا تكون إلا بتمام حلفهما معا، وهو ظاهر قول الشيخ لأن اللعان في علة لا تقع إلا من الزوجين معا فهو كقوله بعد وإن افترقا باللعان لم يتناكحا أبداً فلا تعارض في كلامه والله اعلم.
(وكذلك الذي يتزوج المرأة في عدتها ويطؤها في عدتها):
ما ذكره هو المشهور وقال ابن نافع لا تحرم عليه بحال واحتج للمشهور بأنه حكم عمر بن الخطاب ﵁ بمحضر الصحابة ﵃، ولم ينكروا عليه فهو اجتماع سكوتي وقد علمت ما فيه، وظاهر كلام الشيخ لو عقد في العدة ودخل بعدها أنها لا تحرم عليه وهي إحدى الروايتين وكلاهما لمالك في المدونة قاله ابن عبد السلام.
قلت: وفيه نظر وذلك أنه لما ذكر في كتابه العدة وطلاق السنة أن مالكا قال: تحرم عليه للأبد وأن المغيرة وغيره قالوا: لا تحرم عليه قال بإثره قال ابن القاسم: وكان مالك يفسخ هذا النكاح وما هو بالحرام البين أراد به وما تأبيد التحريم بحرام بين
стр. 443
فالتأييد حاصل في قوليه معا فأين القول الأول له فيها أنها لا تحرم عليه للأبد نعم هو قول له في غير المدونة وظاهر كلامه ولو كانت العدة من طلاق رجعي لأنه يصدق عليه أنه نكاح في عدة وهو كذلك عند غير ابن القاسم في المدونة.
وقال ابن القاسم: لا تحرم عليه كالمتزوج في العدة ألا ترى أن أحكام الزوجية بينهما فاقية من الميراث وغيره، وقال ابن رشد: ويحتمل أن يتخرج قول ثالث وهو إن راجعها زوجها لم يكن هذا متزوجا في العدة من قول ابن بشير في النصرانية تسلم تحت النصراني، فتتزوج في العدة أنه إن لم يسلم زوجها حتى انقضت العدة كان نكاحها فيها تزويجها في العدة، وإن أسلم لم يكن نكاحها فيها.
قلت: وإنما قال يحتمل لأنه يفرق بينهما لأن إسلامه كشف دوام عصمته دون طلاق قاله بعض شيوخنا وظاهر كلامه أن القبلة والمباشرة لا تحرم بهما، وهو نحو ما في كتاب ابن المواز يؤمر بالتحريم ولا يقضى عليه واستحسنه أشهب لأنه لم يوجب لبسا في لحوق النسب. وفي المدونة هما كالوطء فتحرم، نص على ذلك في كتاب العدة في آخر فصل المفقود فاعلم ذلك.
واختلف إذا وطئها في الاستبراء على أربعة أقوال: فقيل تحرم وقيل لا ووقع لابن القاسم أنها تحرم إن كانت حاملا ولا تحرم في غيره قال ابن رشد ولو عكس لكان أصوب لأن فيه إذا وطئ غير الحامل اختلاط الأنساب.
(ولا نكاح لعبد ولا أمة إلا بإذن السيد):
ما ذكر هو كذلك باتفاق لأن تزويج العبد يعيبه ولذلك لو طلب العبد من سيده أن يزوجه وامتنع من ذلك فإنه لا يجبر قال ابن عبد السلام: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يقصد الضرر، فإن قصده أمر بالتزويج أو البيع، وقد اختلف المذهب هل يجب على الولد أن يزوج أباه إذا طلبه أم لا؟ وسبب الخلاف هل يلحق النكاح بالأقوات أم لا؟ وللشافعية في المسألة تفصيل ونص بعض المتأخرين منهم على الوجوب حتى قال في الحيوان البهيمي يجب إرسال الذكور على الإناث زمان الضراب وللسيد أن يجبره على النكاح إذا أباه منه ما لم يقصد الضرر ولا يختلف فيه كما اختلف في الوصي هل يجير محجوره أم لا؟ لأن المحجور هناك إذا أكره على النكاح وطلق أتلف مال نفسه وإذا طلق العبد هنا أتلف مال سيده الذي أجبره لأن مال العبد لسيدة قاله ابن عبد السلام أيضا.
стр. 444
قلت: وفيه عندي نظر بدليل أن السيد لا يزكي مال العبد ولو كان مالكا له لزكاه كما إذا كان له مال وديعة وقد علمت أن مال العبد يتبعه في العتق ولو كان غير مالك له لما تبعه فبان بهذا أن السيد لا يملكه إلا بعد الانتزاع نعم إن مالك العبد غير كامل لقدره السيد على الانتزاع، ولذلك لا زكاة عليه فيه، ولو تزوج بغي إذن سيده فله فسخه بطلقة وقال الأبهري: القياس دون طلاق على الأول فلا يطلق إلا واحدة وقيل بالبتات طلقتين وبالأول قال أكثر الرواة وبالثاني قال مالك والقولان في المدونة.
(ولا تعقد امرأة ولا عبد ولا من على غير دين الإسلام نكاح امرأة):
ظاهرة كلامه يقتضي أن من ذكر يعقد على الذكور وهو كذلك قاله في الواضحة والعتبية وغيرهما لأن الولاية إنما تشترط في المرأة خاصة.
قال المتيطي: وهو المشهور المعمول له وقيل إن المرأة لا تعقد مطلقا وأخذ ذلك من المدونة من قولها ولا تعقد المرأة النكاح على أحد من الناس فظاهرها العموم قاله غير واحد كابن سعدون، وعبد الوهاب وعبد الحميد ومثله في الموازية وتأويلها ابن رشد على أن المراد من النساء لنص سماع عيسى لا بأس أن يوكل الرجل نصرانيا أو عبدا أو امرأة على عقد نكاحه.
ومثل هذا التأويل لأبي محمد بن أبي محمد عبد الحق.
قلت: والأقرب عندي هو الأول ويؤيده قول اللبيدي وقع في وصايا المدونة لا تعقد على أنثى ولا ذكر، وما ذكر الشيخ في العبد وهو كذلك، وقال ابن عبد السالم ولا أعلم الآن في ذلك خلاف على أن ظاهر كلام أصبغ يدل على وجود الخلاف فيه لقوله لاميراث في النكاح الذي تولي العبد عقدته وإن فسخ بطلقة لضعف الاختلاف.
قلت: فيما قاله نظر لأنه يحتمل الخلاف أن يكون خارج المذهب لأن باب الميراث لا يقتصر في مراعاة الخلاف فيه على المذهبين فقط والله أعلم.
ودل كلام الشيخ من باب أحرى أن الصبي والمعتوه لا يعقدان وهو كذلك، وقال ابن البشير قال اللخمي: يعقد الصبي المميز قلت ورده بعض شيوخنا بأن اللخمي إنما حكاه فيمن أنيت، وقد قيل إنه علامة على البلوغ، وظاهر كلام الشيخ في الكافر أنه لا يعقد سواء كان كفره كفر جزيه أم لا؟ وهو كذلك باتفاق في غير كفر الجزية وباختلاف في كفر الجزية والقول بأنه لا يمنع الولاية حكاه ابن بطال عن أصبغ وإلى هذا أشار ابن الحاجب بقوله: والمشهور أن كفر الجزية من الولي يسلب الولاية عن
стр. 445
المسلمة كغيره.
وتعقبه ابن عبد السلام قائلاً: لم أر أحداً من الحفاظ وغيرهم إلا وهو ينكر وجود هذا القول الشاذ ونسب المؤلف فيه إلى الوهم وقال ابن هارون: بقيت زمانا أبحث عليه فلم أقف عليه حتى أخبرني بعض فضلاء أصحابنا أنه في ابن بطال فنظرته فوجدته نقله عن أصبغ.
قلت: وكذلك نقل ابن رشد انه وقف عليه لابن بطال عن اصبغ بعد أن كان لا يحفظ إلا ما أخبره به شيخه الفقيه القاضي أبو عبد الله ابن الشيخ أبي عبد الله الزواوي أنهم وجدوا في بجاية كتابا لبعض الأندلسيين، وفيه أن الكافر من أهل الجزية تكون له الولاية أو قال البنت المسلمة لا تتزوج بغير أمره ورضاه.
وحاصل هذا الباب أنه يشترط في الولي العقل والبلوغ والحرية والذكورية والاسلام واختلف في المسلم الفاسق هل نصح ولايته أم لا؟ فأجاز ابن القصار نكاحه وكره عبد الوهاب مع وجود عدل فإن عقد جاز وكلاهما نقله اللخمي، وقال ابن شاس وابن الحاجب، والمشهور أن الفسق لا يسلب إلا الكمال فظاهر كلامهما أن الشاذ يسلب الأجزاء، قال بعض شيوخنا ولا أعرفه ومثله لخليل.
(ولا يجوز أن يتزوج الرجل امرأة ليحلها لمن طلقها ثلاثا ولا يحلها ذلك).
стр. 446
ظاهر كلام الشيخ: ولو لم يشترط عليه التحليل فإنه لا يحلها إذا نواه وهو كذلك في المشهور، وحكاه عبد الحميد الصائغ في تعليقه عن مالك قال: وذهب غير واحد من أصحابنا إلي أنه يحلها وهو مأجور ولو اشترط تحليلها ما حلت اتفاقا.
قال ابن حبيب: ويجب على المحلل أن يعلم الأول أن قصده التحليل بإنكاحها.
وقال ابن عبد البر في كافيه: علم الأول وجهله في ذلك سواء، وقيل: إن علم الأول قصد الثاني إجلاله فينبغي له تركها، وقيل إن علم أحد الثلاثة بالتحليل فسخ النكاح وهو شذوذ.
وكذا نقل المتيطي هذا القول ظاهره أنه في المذهب ولم يعزه ابن عبد البر في الاستذكار إلا للنخعي والحسن البصري، ولو زوجها من غيره ليس له طلاقها بعد وطئه حلت له قاله بعض الشيوخ مستدلا بما رواه ابن نافع: لا بأس أن يتزوج الرجل المرأة تعجبه ليصيبها وقد أضمر في قلبه فراقها بعد شهر.
ولو تزوجها من حلف ليتزوجن على امرأته فقيل: يحلها وإن لم يشبه أن تكون من نسائه أم لا ففيه خلاف وكذلك في إبرائه من يمينه حكاه ابن رشد.
(ولا يجوز نكاح المحرم لنفسه ولا يعقد نكاحا لغيره):
ما ذكر هو مذهبنا، وقال أبو حنيفة وغيره: يجوز للمحرم أن ينكح وبين الفريقين احتجاج يطول ذكره.
قال ابن الجلاب: وله رجعة امرأته في العدة، ومثله في المدونة والموطأ قال ابن عبد البر: وهو متفق عليه بين فقهاء الأمصار، ونقل الباجي عن احمد بن حنبل منعها.
قال ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريجه في المذهب على القول بأنها قبل الارتجاع محرمة الوطء، وأن الإشهاد في الرجعة واجب، ورده بعض شيوخنا بأن حرمة الإحرام أشد لعدم القدرة على عدم رفعها وبالاتفاق على ثبوت الإرث بينهما في المسألة المخرج منها.
قال ابن الجلاب: وله شراء الجواري وقال ابن عبد السلام: ولا يبعد منعه على القول بأنها فراش بنفس عقد البيع، وإن لم يقر سيدها بوطئها كما ذهب إليه بعض شيوخ المذهب فيمن تراد للفراش منهن.
ورده بعض شيوخنا بأن مظنة وقوع الوطء في الزوجة أقوى لحقها فيه وهو
стр. 447
مظنة الطلب مظنة الإباحة وبأن النكاح خاص بالوطء وإليه أشار ابن الجلاب في قوله لأنه لا ينكح إلا من يحل له وطؤها فإن وقع نكاح المحرم أو إنكاحه فإنه يفسخ أبداً، وفي فسخه بطلاق روايتان، وكذلك الروايتان في تأبيد التحريم والمشهور عدم التأبيد قاله ابن عبد البر.
(ولا يجوز نكاح المريض ويفسخ):
يريد المرض والمخوف وهو الذي يحجر فيه عن ماله قال ابن بشير، وقال اللخمي: ما ظاهرة إذا أشرف على الموت أنه لا يجوز بلا خلاف، وكذلك ألحق بغير المخوف ما يكون مخوفا إلا أنه يتطاول كالسل والجذام في أوله وظاهر كلام الشيخ، ولو احتاج المريض إلى زوجة تقوم به وسواء كانت ترثه أم لا، واختلف في المسألة على أربعة أقوال فالمشهور ما قال الشيخ.
ونقل اللخمي عن مطرف جوازه وكذلك عزاه ابن المنذر والمتيطي وحكاه ابن الحاجب عن مالك، وحكى ابن المنذر أيضاً عن مالك أنه يجوز إن لم يكن مضارا وكانت له حاجة لمن يقوم به أو في الإصابة، وإن لم تكن له حاجة إلى شيء من ذلك فهو مضار.
وقيل: إن كانت لا ترثه فإنه جائز كما إذا كانت أمة أو كتابية بناء على أنه لحق الورثة وأجيب بجواز الإسلام والعتق.
وقوله: ويفسخ إنما قال يفسخ لئلا يقال يراعى فيه الخلاف بعد الوقوع كما يوجد في كثير من الأنكحة الفاسدة.
وظاهر كلام الشيخ: ولو صح المريض فإنه يفسخ بناء على فساده في عقده وهو كذلك قاله في سماع أشهب وبه قال سحنون وأصبغ وأشهب، ورواه ابن وهب أيضاً، وقيل لا يفسخ وهو اختيار ابن القاسم وبه قال ابن رشد بناء على أنه لحق الورثة وكلاهما في المدونة قال فيها: قال مالك وإن صحا ثبت النكاح دخلا أو لم يدخلا وكان يقول لا يثبت وإن صحا ثم عرضها عليه فقال امحها وأرى إذا صحا ثبت النكاح ومنهم من علل فساده بأنه في صداقه إذ لا تدري ما يخرج لها من الثلث كله أو بعضه ورد بأنه لو كان كذلك لمضى بالبناء كغيره ورد بأن غيره إذا وجب فيه صداق المثل بالدخول زال الغرر لتعلق صداق المثل بالذمة بخلاف ما هنا.
قال ابن عبد السلام: وهو ضعيف لأن إخراج الصداق من الثلث معلل بفساد
стр. 448
النكاح فلو جعل الإخراج من الثلث علة الفساد للزم الدور.
قلت: وهذه المسألة إحدى ممحوات المدونة الأربع وثانيها في الضحايا وثالثها في الإيمان والنذور ورابعها في السرقة وأمره بالمحو مبالغة في طرحه لظهور الصواب في القول المرجوع إليه، ووقعت المسامحة في بقائه مكتوبا لأنه يصح أن يذهب إليه المجتهد يوماً ما وهذا هو الموجب لتعدد الأقوال التي يرجع المجتهد عنها ونبه على هذا ابن عبد السلام.
(وإن بنى بها فلها الصداق في الثلث مبدأ ولا ميراث لها):
ظاهر كلام الشيخ أن لها المسمى وإن كان أكثر من صداق المثل وهو قول ابن عبد الملك قائلاً: لأنه بالتسمية أصابها وكذلك رواه ابن نافع وأشهب قال سحنون: وهو خير من قول ابن القاسم من قول لها صداق المثل ولا يعجبني وفي ثاني نكاح المدونة إن دخل بها فمهرها في ثلثه وزاد في الأيمان بالطلاق وإن زاد على مهر مثلها سقط ما زاده، ففسرها أبو عمران بالأقل منهما فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال ثالثها: لها الأقل من صداق المثل والمسمى وما ذكر الشيخ أنه في الثلث وهو المشهور واحد الأقوال الثلاثة وقيل يكون من رأس ماله نقله القابسي عن المغيرة، وقيل أما ربع دينار فمن رأس المال قاله القابسي.
قال عبد الحق: وهو الذي حفظت من شيوخنا وهو حسن إذ لا يستباح بضع بأقل منه وكالسيد يفسخ نكاح عبده بعد بنائه يترك لزوجته ربع دينار، وقال أبو عمران: لا أدري من أين نقل القابسي عن المغيرة ما ذكر والذي رأيته في كتاب المغيرة أنه من الثلث قال خليل: ولا يلزم القابسي ما ذكره أبو عمران لاحتمال أن ينقل عنه بواسطة دون كتاب ونقل عبد الحق عن ابن حبيب أنه يدخل فيما لم يعلم به.
(ولو طلق المريض امرأته لزمه ذلك وكان لها الميراث منه إن مات في مرضه ذلك):
تكلم ﵀ على الوجه المشكل وهو إذا طلقها ثلاثا وأخرى إذا طلقها أقل من ذلك أنها ترثه وعمدة أهل المذهب في إرثها قضاء عثمان لامرأة عبد الرحمن بن عوف وهو المروي عن عمر وعائشة ﵄ قال ابن عبد البر: لا أعلم لهم مخالفا من الصحابة إلا عبد الله بن الزبير وجمهور علماء المسلمين على ما روي عن الصحابة وقالت طائفة منهم بقول ابن الزبير.
قال ابن عبد السلام: وهو القياس لأن الزوجية أمر نسبي لا تعقل إلا بين اثنين
стр. 449
فلو صحت من جانب المرأة لصحت من جانب الزوج فوجب إذا ورثته أن يرثها وأجمعوا على أنه لا يرثها فوجب أن لا ترثه إلى غير ذلك من اللوازم المنتفية، وظاهر كلام الشيخ: ولو كان الطلاق بخلع أو تخييرا وتمليكا وهو كذلك قاله في إرخاء الستور من المدونة قائلاً: لأن طلق في الصحة طلاقا رجعيا ثم مرض في العدة ولم يرتجعها، وخرجت من العدة ومات بعد فإنها لا ترثه وقيل: إنها ترثه حكاه ابن عبد البر في الكافي، واختلف إذا كان أوقع الطلاق في الصحة والحنث وقع منه في المرض ففي الأيمان بالطلاق من المدونة أنها ترثه.
وروي زياد بن جعفر أنها لا ترثه حكاه الباجي وعزا الأول لمشهور قول أصحابنا. قال ابن عبد السلام: وما رواه زياد هو الصحيح عندي لانتفاء التهمة فيه من كل الوجوه ألا ترى أن اليمين وقعت في الصحة من الزوج والحنث وقع في المرض واختلف إذا طلق أمة أو ذمية فعتقت الأمة وأسلمت الذمية بعد العدة وقبل موته ففي إرثهما قولان لمحمد وابن الماجشون وعزاهما الباجي لابن القاسم وسحنون.
قال في المدونة: ومن ارتد في مرضه فقتل على ردته لم ترثه ورثته المسلمون ولا زوجته إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث، وظاهره وإن كان معروفا بالبغض لمن يرثه قال اللخمي: وإن راجع الإسلام بالقرب ثم مات في مرضه فإنها لا ترثه على قول ابن القاسم لأن ردته طلاق وترثه على قول عبد الملك أن إسلامه يوجب بقاءها زوجة دون طلاق.
قلت: قال بعض شيوخنا: الأظهر أن ترثه زوجته على قول ابن القاسم، أيضاً لأنه مطلق في المرض ورافع تهمة قتله والفرض نفيه لإسلامه.
وأجابه شيخنا أبو مهدي أيده الله بأنه إنما علل في الكتاب بأن نفس الردة تزيل التهمة لا أن قتله هو الموجب لرفع التهمة وإنما ذكر القتل في التصوير لا في التعليل واضطراب المذهب فيما إذا عاجله الموت على أربعة أقوال: فقيل: إنه لا يورث قاله في المدونة وعكسه نقله ابن شعبان وقيل بالأول إن لم يتهم قاله في المدونة وقيل إن ورثه بعيد ومن يعلم أن بينه وبينه عداوة حسن إرثه والثلاثة الأقوال حكاه اللخمي واختار الرابع.
(ومن طلق امرأته ثلاثا لم تحل له بملك ولا نكاح حتى تنكح زوجا غيره).
стр. 450
أتى ﵀ بلفظ الآية في قوله تعالى (حتى تنكح زوجاً غيره) [البقرة: ٢٣٠]
، واختلف هل المراد بالنكاح العقد مع الوطء أم العقد كاف فالمعروف هو الأول وصرح به الشيخ في باب ما يجب منه الوضوء والغسل وذهب سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ﵄ إلى أن العقد كاف، وحكاه أبو عمران الفاسي عن أبي الحسن اللباد الفرضي البغدادي وأخذ الشيخ أبو الحسن المغربي مثله من قول أشهب في المدونة في النكاح الثالث.
وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريم للأمة كان يطؤها أم لا حكى قول أشهب هذا فيما إذا وطئ أمة بملك ثم تزوج أختها ويرد بأن قول أشهب في باب ما يحرم به الشيء ومسألتنا في باب ما يباح به الشيء وما يباح به الشيء أشد يدل عليه ما في باب الأيمان في قولهم يحنث بالأقل ولا يبرأ إلا بالجميع ونص على هذا المعني أبو محمد بن أبي زيد ﵀ مستدلا على قاعدة البر والحنث بالفرق بين المبتوتة فإنها لا تحل إلا بالوطء وبين ما نكح الآباء والأبناء فإن العقد فيه كاف ويكفي إيلاج الحشفة أو مثلها من مقطوعها.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق في المحلل بين أن يكون مسلما أو ذميا لذمية، وهي رواية ابن شعبان وقاله علي بن زياد وأشهب.
والمشهور من المذهب أن وطء الذمي لا يحلها وليحيي بن يحيي الفرق بين
стр. 451
طلاق الذمي إياها فلا تحل لأن طلاقه ليس بطلاق وبين موته عنها فتحل ذكره المتيطي ﵀.
قال اللخمي: والصواب ما روى ابن شعبان لعموم قوله تعالى (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) [البقرة: ٢٣٠].
ورده بعض شيوخنا بنفي العموم للفعل والنكره في غير نفي قال: ويجاب بأنهما في سياقه كقوله تعالى (إذا تداينتم بدين) [البقرة: ٢٨٢]
قال مالك: هذا يجمع الدين كله واستشكل ويجاب بابه في سياق الشرط، ويشترط في الوطء الذي نحل به الانتشار في القول المشهور، وقيل: لا يشترط ذكره في الموازية قال بعض من لقيناه وانظر هل يتخرج هذا الخلاف في الغسل، ورجع الثاني وذكر أنه لم يقف على نص في ذلك وهو قصور لقول ابن شعبان إن أدخلت زوجة العنين ذكره في فرجها لزمها الغسل قال أبو محمد لا أعرف خلافه.
(وطلاق الثلاث في كلمة واحدة بدعة ويلزم إن وقع):
ما ذكر الشيخ من طلاق الثلاثة في كلمة واحدة بدعة هو مذهبنا، وقيل خارج المذهب، إنه من طلاق السنة متمسكا قائله بحديث اللعان ونصه: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها؛ فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره، وما ذكر الشيخ من أنه يلزمه هو المغروف وكذلك قال ابن رافع رأسه ومحمد بن مخلد من أئمة قرطبة ونص ابن مغيث، قال محمد بن ناصر ومحمد بن عبد السلام وهو فقيه عصره وابن زنباع وغيرهم بأنه تلزمه طلقة واحدة في ذلك أخذاه من مسائل متعددة من المدونة من ذلك قولها إذا تصدق الرجل بجميع ماله يلزمه منه الثلث.
وقد اختلف شيوخ القرويين في القائل الأيمان تلزمني، فقال أبو محمد ثلاثا، وقال أبو عمران وأبو بكر بن عبد الرحمن تلزمه طلقة واحدة إذا لم تكن له نية ونقل الشيخ أبو الحسن المغربي في كتاب الحج عن ابن سيرين أنه قال: ما ذبحت قط ديكا بيدي ولو وجدت من يرد المطلقة ثلاثا لذبحته بيدي، وهذا منه مبالغة وتغليظ في الزجر عن ذلك.
وكذلك سمعت بعض من لقيته من القرويين يذكر أن الإمام المازري قال: نصرهم ابن مغيث لا أغاثه الله على أن في دعائه عليه نظرا لأنه رحمة الله لم يذكر ما ذكره بالتشهي بل بما ظهر له من الاجتهاد فهو مأجور سواء أصاب أو أخطأ.
стр. 452
ويرد أخذه من مسألة المدونة في باب الأيمان أشد، وبيانه أنا لو أخرجنا عنه جميع ماله لأصابه الحرج والضيق الشديد ولا سيما إن كان ذا مال طائل وعيال كثير ولا صنعة له ووجود مثل زوجته وأحسن منها موجود في كل زمان بلا تكلف وكذلك مسألة الأيمان تلزمه يحتمل أن يكون الشيخان رأيا فيها أن القائل ذلك إنما يتناول لفظه لزوم الطلاق ظاهر إلا نصا فأشبه ما إذا قال: أنت طالق فإنه تلزمه طلقة واحدة لا ثلاث بخلاف مسألتنا فإنه صرح فيها بالطلاق ثلاثا والله أعلم.
وخرج أبو داود عن ابن عمر عن أنمر قال قال رسول الله ﷺ : أبغض الحلال إلى الله الطلاق" وصرفه الخطابي لسوء العشرة لا للطلاق لإباحة الله له وفعله رسول الله ﷺ ومحمل كونه أبغض فيكون أحل من الطلاق كقول مالك إلغاء البياض أحله وقبله المتيطي.
وحمله اللخمي على المرجوحية وقسمه إلى أربعة أقسام فقال: إذا كان الزوجان كل واحد منهما يقول بحق صاحبه استحب البقاء وكره الطلاق لحديث " أبعض الحلال إلى الله الطلاق" وإن كانت غير مؤدية حقه كان مباحا.
قلت: وذكر ابن رشد أنه مندوب إليه وإن كانت غير صينية في نفسها استحب الفراق إلا أن تتعلق بها نفسه.
قلت: وذكر ابن رشد أنه مباح قال وإن فسد ما بينهما، ولا يكاد يسلم دينه معها وجب الفراق.
قلت: وزاد ابن بشير حرمته أصلاً وهو إذا خيف من وقوعه ارتكاب كبيرة مثل أن يكون لأحدهما بالآخر علاقة إن فارقها خاف ارتكاب الزنا وهو عندي من حيث الجملة مكروه كما قال ابن عطية لأنه تبديل ينشأ في الإسلام، قال وروى أبو موسى الأشعري أن رسول الله ﷺ قال: " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة فإن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات". وروى أنس أن النبي ﷺ قال " ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق".
(وطلاق السنة مباح وهو أن يطلقها في طهر لم يقربها فيه طلقة ثم لا يتبعها طلاقا حتى تنقضي العدة):
стр. 453
ذكر الشيخ ﵀ لطلاق السنة أربعة قيود:
الأول: أن يطلقها في ظهر احترازاً من طلاقها في الحيض فإنه ممنوع للإجماع واختلف في علة المنع فقيل: لأنها لا تعتد بتلك الحيضة فيكون تطويلا عليها في العدة، وقيل: تعتد وعليهما الخلاف في طلاق غير المدخول بها وهي حائض وكذلك الحامل وسيأتيان، قال في المدونة: ولا تطلق التي رأت القصة البيضاء حتى تغتسل بالماء وإن كانت مسافرة فتيممت فلا بأس أن يطلقها بعد التيمم لجواز صلاتها به.
واعترض بأن النهي عن الطلاق في الحيض إنما هو لتطويل العدة وبنفس رؤيتها القصة البيضاء قد ارتفع عنها الحيض فليس فيه تطويل، ولذلك قال ابن عبد السلام: الظاهر للقول الثاني أنه يجوز أن يطلقها برؤية القصة ولو قلنا بالتعبد لانتفاء الحيض وتعذره.
القيد الثاني: كونه لم يطأ فيه، قال في المدونة: ويكره أن يطلقها في طهر جامع فيه. واختلف في علة الكراهة على ثلاثة أقوال: فقيل للبس العدة عليها بماذا تكون لأنها لا تدري بماذا تعتد هل تعتد بالإقراء أو بوضع الحمل قاله أبو محمد بن أبي زيد والقاضي عبد الوهاب، وقيل لتكون مستبرأة فتكون على يقين من نفي الحمل إن أتت بولد، وقيل خوف الندم إن خرجت حاملا فإن طلقها في طهر جامع فيه لزمه واعتدت به ولا يؤمر برجعتها قاله في المدونة، وقال ابن كنانة لا تعتد به.
وقال ابن عبد السلام: أظن أني وقفت على قول في المذهب أنه يجبر على الرجعة ولا اتحققه الآن فإن صح وجوده فوجهه ظاهر.
قلت: قال بعض شيوخنا لا أعرفه إلا من قول عياض ذهب بعض الناس إلى جبره على الرجعة كمن طلق في الحيض، وقال خليل حكاه بعض المغاربة.
القيد الثالث: أن تكون الطلقة واحدة احترازاً من طلاقها اثنتين أو ثلاثا وقد تقدم اختلاف العلماء في طلاق الثلاث في كلمة واحدة هل هو من طلاق السنة أم لا؟
الرابع: لا يتبعها طلاقا وهو معروف المذهب وقال في المدونة عن ابن مسعود: إن أراد أن يطلقها ثلاثا فيطلقها في كل طهر طلقة قال غير واحد: وبه أخذ أشهب ما لم يرتجعها إلا أن يطأها.
وبقي ثلاثة شروط أخر وهي كونه لم يتقدم له طلاق في حيض وكون المطلقة ممن تحيض، وكون الطلقة خلت عن عوض والستة الأول حكم جميعها عبد الوهاب في
стр. 454
تلقينه وزاد ابن العربي السابع قال في أحكام القرآن له وهي سبعة شروط ذكرها علماؤنا مستقرأة من حديث ابن عمر ﵁.
قلت: وما زاده مختلف فيه في المذهب فقد قيل: إن الخلع ليس كالطلاق لأنه برضاها، ورأى بعض المتأخرين أن هذا القول هو الجاري على المشهور بأن النهي معلل.
(وله الرجعة في التي تحيض ما لم تدخل في الحيضة الثالثة في الحرة أو الثانية في الأمة):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة قال فيها: وليرتجع الحامل ما بقي في بطنها ولد وغير الحامل ما لم تر أول قطرة من الحيضة الثالثة في الحرة أو الثانية في الأمة واختصره أبو محمد وغيره على أنه من كلام ابن القاسم واختصره ابن أبي زمنين.
قال غيره: وغير الحامل، ما لم تر أول قطرة وهو أشهب، وزاد في المدونة عن أشهب أيضا أحب إلى أن لا تنكح حتى تستمر الحيضة لأنها ربما رأت الدم ساعة أو يوما ثم ينقطع عنها فيعلم أن ذلك ليس يحيض، فإذا رأت المرأة هذا في الحيضة الثالثة فلترجع إلى بيتها والعدة باقية ولزوجها عليها الرجعة حتى تعود إليها حيضتها صحيحة مستقيمة.
وأخذ غير واحد من قول ابن القاسم أن الدفعة الواحدة حيض من قول أشهب أن اليوم ليس بحيض في العدة والاستبراء وعلى اختصار أبي محمد وغيره فاختلف الشيوخ هل قول أشهب وفاق لابن القاسم أو خلاف وإلى أنه خلاف ذهب سحنون وابن رشد، قال المتيطي ﵀: وهو الصحيح، لأن أقل الحيض لا حد له عند ابن القاسم، وقد يكون يوما أو ساعة.
قلت: إذا كان قبله طهر تام فلا معنى لاستحباب تربصها، وإنما يلزمها التربص على النكاح على قول ابن الماجشون الذي يقول: أقل الحيض خمسة أيام.
وعلى قول ابن مسلمة الذي يقول أقله ثلاثة أيام لاحتمال أن ينقطع عنها قبل ذلك ونحوه في رواية ابن وهب، قال ابن عبد السلام – بعد أن ذكر هذا الإلزام لبعضهم – وقد لا يلزم ألا ترى أن مالكا وابن القاسم يقولان: إن الدفعة وما اشبهها ليست بحيض في هذا الباب مع أنها تبين برؤية أول الدم الثالث أن لا يبعد أن يسلك ابن الماجشون وابن مسلمة هذه الطريقة.
قال عبد الحق في النكت: وإذا نكحت ثم قالت انقطع الدم عني صدقت وفسخ
стр. 455
النكاح ولا يمين عليها في إرادة فسخ النكاح لأن هذا أمر لا يعلم إلا من جهتها وقول أشهب: إنها إذا لم تستمر الحيضة ترجع إلى بيتها ولزوجها رجعتها يبين ما قلناه لأنه لم يتهمها في رجعة الزوج ووجوب النفقة والسكني فكذلك لا تتهم فيما وصفنا.
ثم قال: وأما لو قالت هذه المرأة قد انقضت عدتي بهذا اللفظ ثم تزوجت فبعد ذلك قالت: ظننت أن الحيضة تستمر فلهذا قلت قد انقضت عدتي، وقد انقطع عني فههنا تتهم في فسخ النكاح ولا يقبل ذلك منها والله أعلم.
(فإن كانت ممن لم تحض أو ممن يئست من المحيض طلقها متى شاء وكذلك الحامل).
أراد بقوله أو ممن قد يئست من لم تر الحيض في عمرها وليس مراده من جاوز سنها الخمسين أو السبعين سنة كما قال في غير هذا الموضع، وتلحق المستحاضة لغير المميزة بما ذكر لأن عدتها بالأشهر، واختلف في المميزة على قولين وسبب الخلاف هل عدتها بالأقراء وبالسنة كما سنبينه في موضعه إن شاء الله وما ذكر الشيخ من أن الحامل يطلقها متى شاء هو قول ابن شعبان وعزاه عبد الحق لأبي عمران وصوبه ونقل عن ابن القصار أنها لا تطلق في الحيض وهو جار على التعبد ولو طلقها في دم بين توأمين فهو كدم حيضتها.
(وترتجع الحامل ما لم تضع والمعتدة بالشهور ما لم تنقض عدتها والأقراء هي الأطهار):
ظاهر كلام الشيخ أنه إذا خرج بعض الولد أن له الرجعة قبل وضع باقيه وهو ظاهر كلام المدونة في كتاب العدة وطلاق السنة ونصها: وترتجع الحامل ما لم تضع آخر ولد في بطنها وهو مخالف لظاهر كتاب إرخاء الستور ونصها: وترتجع الحامل ما بقي في بطنها ولد فظاهره إذا خرج بعضه لا ترتجع ونقل أبو الحسن المغربي عن ابن
стр. 456
وهب ما يقتضي أنه إذا خرج ثلثاه لا رجعة له.
واختلف هل يجب الإشهاد في الرجعة أم لا فالمشهور أنه مستحب وقال ابن بكير إنه واجب ورواه أبو بكر القاضي وبه قال أبو بكر بن العلاء وأخذ بعض شيوخنا من المدونة من قولها فيمن منعت نفسها وقد ارتجعت حتى يشهد فقد أصابت قائلاً: إذ لا يمنع ذو حق من حقه لأمر غير واجب.
قال ابن عبد السلام: وأشار غير واحد إلى عدم الخلاف في المسألة وإن الاستحباب في ذلك هو اقتران الإشهاد بالارتجاع وأن الإيجاب إنما يرجع إلى التوثق لأنه شرط في الارتجاع كما ذهب إليه الشافعي وفي كتاب العدة من المدونة قال مالك: بأس أن يدخل عليها ويأكل معها إذا كان ممن يتحفظ بها ثم رجع فقال: لا يفعل.
قال عياض: فظاهره منع التلذذ على كل حال وإنما الخلاف في غيره وإليه ذهب وابن محرز وغيره، وقال اللخمي: الباب كله واحد وإن قوله اختلف في جميع ذلك، وخرج الخلاف في التلذذ بها وهو بعيد والرجعة تكون بالقول كراجعتك وبالفعل كالوطء واختلف هل يفتقر إلى نية أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل باشتراطها قاله أشهب وعكسه وهو ظاهر قول ابن وهب وقيل: يشترط في الفعل دون القول قاله في المدونة وهو المشهور وعليه فلو وطئها ولم ينو رجعتها واسترسل على ذلك وطلقها ثلاثا بعد خروجها من العدة فقال أبو محمد: لا يلزمه لأنها أجنبية، وقال أبو عمران: يلزمه مراعاة لقول ابن وهب والليث والوطء لا يفتقر إلى نية.
قلت: وهو الصواب أخذا بالاحتياط وبه أفتى غير واحد من شيوخي كشيخنا أبي مهدي عيسي أيده الله تعالى.
(وينهى أن يطلق في الحيض فإن طلق لزمه ويجبر على الرجعة ما لم ينقض العدة):
ما ذكر الشيخ أنه ينهي أن يطلق في الحيض صحيح ولا أعلم فيه خلافا وما ذكر أنه يلزمه هو نقل الأكثر باتفاق وشذ بعض التابعين في قوله بعدم اللزوم إذا طلق في الحيض قال خليل: وبذلك قال بعض البغداديين وما في الصحيح يرده وما ذكر من أنه يجبر على الرجعة صحيح ويعني بالتهديد ثم بالسجن ثم بالسوط ويكون ذلك قريبا في موضع واحد فإن أبي ألزمه الحاكم الرجعة قاله ابن القاسم وأشهب في نقل ابن المواز وسمع أصبغ بن
стр. 457
القاسم من أبي الارتجاع من طلاق الحيض قضى عليه السلطان بها، وأشهد على القضية بذلك فكانت رجعة تكون بها امرأة أبداً حتى إذا خرجت من العدة توارثا.
قال ابن رشد: فظاهر هذا السماع إجباره بالإشهاد بما ذكر دون السجن والضرب خلاف ما تقدم لابن المواز.
قلت: قوله في السماع فإن أبي أعم من الضرب وغيره فالأولى تفسيره به ليكون وفاقاً وهو أولي من حمله على الخلاف مع الاحتمال المذكور، وذكر ابن رشد أن الباجي حكى في وثائقه قولين في سجنه فلعل مستنده السماع المذكور، واستشكل ابن عبد السلام كونه يضرب ويسجن بقوله إذا كان حصول الرجعة من القاضي بالحكم عليه ممكنا فلا معنى لضربه وسجنه إلا أن يقال من شرطها إلزام القاضي له ذلك تحقيق إباية المطلق ولا يتحقق إلا بذلك وفيه نظر.
واختلف هل للزوج أن يطأ بارتجاع الحاكم إذا لم ينوها الزوج أم لا؟ فقال أبو عمران ذلك له قائلا: كما كان له أن يطأ في نكاح الهزل وقال بعض البغداديين: لا يطأ وصوب ابن رشد الأول قائلاً: كالسيد يجبر عبده على النكاح، قال الشيخ اللخمي: إن أخطأ الحاكم فطلق لإعسار ونحوه في الحيض لم يتم بخلاف طلاق الزوج لنفسه؛ لأن القاضي فيه كالوكيل على صفة لأنه لو أجيز فعله لجبر الزوج على الرجعة ثم يطلق إذا طهرت فتلزمه طلقتان.
(والتي لم يدخل بها يطلقها متى شاء):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وذهب أشهب إلى كراهة طلاقها في الحيض، ونقل عبد الوهاب عن مالك منعه وسبب الخلاف هل النهي معلل بتطويل العدة أو متعبد به.
(الواحدة تبينها والثلاث تحرمها إلا بعد زوج):
ظاهر كلام الشيخ: وإن كانت مطلقة بسبب الإعسار بالنفقة وهو كذلك على ظاهر المدونة ونصها، وإن أيسر الزوج في العدة ارتجع إن شاء فمفهومه أن الطلاق قبل البناء لا رجعة فيه لما قد علمت أن المطلقة قبل البناء لا عدة عليها، وقال أبو إبراهيم: انظر في كتاب ابن الجلاب فإنه سواء قبل الدخول وبعده ونقل أبو عمر بن عبد البر في الكافي كذلك رواه عن مالك وقال: لا أدري ما هذا.
قلت: ما نقله أبو عمر بن عبد البر صحيح، وكذلك نقله غيره عنه كالمتيطي
стр. 458
وما نقله عن ابن الجلاب قال بعض شيوخنا هو وهم وإنما فيه مثل ما في المدونة قال الشيخ خليل: ولعل ما في الكافي محمول على ما إذا دخل بها وتصادقا على نفي الوطء وإلا فلا يصح إذ لا عدة على غير مدخول بها لنص القرآن.
(ومن قال لزوجته أنت طالق فهي واحدة حتى ينوي أكثر من ذلك):
ظاهر كلام الشيخ أنه يقبل قوله بغير يمين وهي رواية المدنيين وقيل: لابد من يمينه قاله ابن القاسم ويجعله ابن بشير المشهور قائلا: وهما جاريان على يمين التهمة، وإذا نوى بقوله: أنت طالق واحدة الثلاث فإنه تلزمه الثلاث بلا خلاف لأنه طلق بنية صحبها قول ويكون أراد إيقاع الثلاث مرة واحدة في كلمة واحدة، وكذلك لو قال: أنت طالق واحدة ونوى به الثلاث، وهو أبين في التقدير من المسألة الأولى.
وفي المدونة ولو قال لها: أنت طالق تطليقة ونوى اثنتين أو ثلاثا فهو ما نوى وإن لم ينو شيء فهي واحدة وهذه أشد إشكالا من المسألة الأولى لأنه يبعد ذلك التقدير المتقدم في قوله تطليقة ولذلك قال بعض من تكلم عليه يختلف هل هو طلاق باللفظ أو بالنية.
قال ابن عبد السلام: يعني أن اللفظ لا يطابق هذه النية لا لغة ولا شرعا فيجب أن يكون بالنية وحدها وقد تقدم أن المشهور عدم اشتراط اللفظ الموضوع للطلاق وأنه يلزم بقوله واسقني الماء إذا أراد الطلاق أو لم يعد من الطلاق بالنية ولو قال: أنت طالق الطلاق فهي طلقتان إلا أن يريد به واحدة، نقله ابن عات عن ابن سحنون، وهي أول مسألة في الأيمان بالطلاق من المدونة من طلق زوجته فقيل له ما صنعت فقال هي طالق وقال: إنما أردت إخباره بالتطليقة التي طلقتها قبل قوله واختلف هل بيمين أم لا؟
فقال أبو القاسم بن محرز: يحلف إن تقدمت له فيها طلقة وعزاه ابن يونس لبعض شيوخنا بعد أن قيد المدونة باليمين مطلقا، وقال عياض: إنما ذلك إذا أراد رجعتها وحيث يجب حلفه قال عبد الحق: إن أبي فلا رجعة له وعليه نفقتها في عدتها لإقراره إلا أن يقر أنها الثلاث أو يوقعها، وقال ابن شاس: إن لم تكن له نية في لزومه طلقة أو طلقتان قولان للمتأخرين وفي كتاب ابن المواز من أشهد رجلا أن امرأته طالق ثم آخر كذلك وقال: إنما أردت واحدة دين وحلف اختلف هل اليمين في هذه أبين من الأولى أم لا؟ لأن كثرة الشهود مما يقصده الناس قولان للأكثر وعياض.
стр. 459
(الخلع طلقة لا رجعة فيها وإن لم يسم طلاقا إذا أعطته شيء فخلعها به من نفسه):
قال في المدونة: والمختلعة هي التي تختلع من كل الذي لها والمفتدية التي تعطيه بعض الذي لها والمبارئة هي التي تبارئ زوجها قبل الدخول تقول له خذ الذي لك وتاركني، وروى محمد بن يحيى: والمبارئة هي التي لا تأخذ ولا تعطي والمختلعة هي التي تعطي ما أعطاها وزيادة عليه، والمفتدية هي التي تعطي بعض ما أعطاها وكذلك المصالحة، ونقل ابن عبد السلام عن بعضهم المفتدية هي التي تترك كل ما أعطاها.
وقال أبو عمر بن عبد البر: الخلع والصلح والمفتدية سواء وهي أسماء مختلفة ومعانيها متفقة ومنهم من قال: الخلع أخذ الكل والصلح أخذ البعض والفدية أخذ الأكثر والأقل، وما ذكر الشيخ أن الخلع طلقة بائنة هو المذهب وقال الشافعي في أحد قوليه إنه يفسخ إذا لم يذكر طلاقا، وإعطاء الأجنبي مالا كإعطاء الزوجة ولذلك يتحيل به في إسقاط موجبات الطلاق الرجعي والخلع قال في المدونة: وإذا أخذ منها شيء وانقلبت وقالا ذلك بذلك ولم يسميا طلاقا فهو طلاق الخلع وإن سميا طلاقا لزم ما سميا. وأخذ منها بعض من لقيناه من القرويين أن الحفر والدفن والواقع بين أهل البادية في زماننا تلزم فيه طلقة واحدة ما لم يكن عرف بأكثر.
وصورة ذلك أن يحفر أحدها حفرة ويردمها الآخر إشارة منهما إلى المتاركة وعدم المطالبة بشيء، وقال شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى: هذه إقامة ضعيفة وإن كنت أقول بموجبها لأن هذا فعل صحبه قول وهو قول وقالا ذلك بذلك، وفي الفرع المقيس فعل خاصة فهو أضعف فلا يلزم ما قيل والله أعلم.
قلت: وفيما قاله نظر لأن القضاء بهما ملزوم للقول غالبا، واختلف في جواز الغرر في الخلع على أربعة أقوال: الجواز قاله الغير في المدونة على ظاهر قولة لأنه يرسل من يده بالغرر ولا يأخذ والغير هو ابن نافع والكراهة لأصبغ وهو أحد قولي ابن القاسم.
والمنع والجواز في الغرر الذي يقدر على إزالته وعدم الجواز فيما لا يقدر على إزالته واختلف إذا وقع لفظ الخلع على غير عوض على ثلاثة أقوال طلقة رجعية طلقة بائنة ثلاثا.
(ومن قال لزوجته أنت طالق البتة فهي ثلاث دخل بها أو لم يدخل):
ما ذكر الشيخ هو مذهذب المدونة وقيل ينوي إن لم يكن دخل بها نقله الباجي
стр. 460
عن مالك وابن زرقون عن ابن الماجشون قال الباجي: وسبب الخلاف هل تتبعض البته أم لا؟ وجعل ابن بشير المشهور وما في المدونة وجعل ابن الحاجب القول الثاني هو المشهور فيها وفي سائر الكنايات الظاهرة، قال الشيخ خليل ومثله لابن غلاب وحكم بتلة مثل بتة قاله ابن شاس.
(وإن قال: أنت برية أو خلية أو حرام أو حبلك على غاربك فهي ثلاث في التي دخل بها وينوي في التي لم يدخل بها):
ما ذكر الشيخ مثله في المدونة إلا في قوله: حبلك على غاربك فإن ظاهرها يقتضي أنه لا ينوي مطلقا قاله اللخمي، وفي كتاب محمد وغيره أنه ينوي قبل الدخول أو يحلف ويقوم منها في حبلك على غاربك أنه إذا قال لها: أنت أطلق من الأرنب في فحص كذا أنه يلزمه الثلاث.
وبه أفتى ابن عات لما نزلت بقرطبة، وأفتى ابن القطان بطلقة رجعية إلا أن ينوي الثلاث مستدلا بقول المدونة إذا قال: أنت طالق لا رجعة لي عليك أنها رجعية إلا أن ينوي الثلاث وذكر القولين ابن حمديس واختار الأول، واختلف إذا قال: أنت على حرام على سبعة أقوال، فقيل ينوي مطلقا نقله أبو عمر في الكافي عن مالك وجماعة من أصحابه، وعكسه قاله عبد الملك وقيل كما قال الشيخ وهو قول مالك وابن القاسم
следующие страницы →