← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المدونة، وقيل: إنه لا يسهم له رواه ابن نافع وهذا القول حكاه ابن حارث وعزى الأول لأشهب وسحنون، وكذلك ذكر الباجي في الفرس المريض قولين منصوصين وعزى الأولى بالإسهام له لمالك وعكسه لأشهب وابن نافع. (ويسهم للفرس سهمان وسهم لراكبه): ما ذكر أنه يسهم للرجل سهم واحد لا أعلم فيه خلافًا وما ذكر أنه يسهم للفرس سهمان هو كذلك باتفاق في نقل ابن رشد وقيل: إن يسهم لها سم واحد ذكره ابن العربي قال في عارضته حديث ابن عمر يرد على أبي حنيفة، ومن اغتر من علمائنا فقال: لا تفضل البهيمة على الآدمي، وقال في القبس يسهم لكل فرس سهم واحد عند أكثر العلماء، وقيل: سهمان والأول أصح. وقال ابن عبد السلام: القول بسهم واحد للفرس عزاه بعض المؤلفين لابن وهب واختلف هل يسهم للفرس الثاني أم لا، والمشهور أنه لا يسهم له وقيل: إنه يسهم له قاله ابن وهب وابن حبيب وابن الجهم ولا خلاف أن الثالث لا يسهم له، وظاهر كلام الشيخ أن الخيل إذا كانت في السفن يسهم لها وهو نص المدونة، وقال اللخمي: القياس عدم الإسهام لها لأنها لم تعد للبحر ولم تبلغ محل قتالها، والحمير والبغال والبعير راكبها كراجل قال ابن العربي وكذلك الفيل. واختلف في البراذين على ثلاثة أقوال: ففي الموطأ هي كالخيل وقال ابن حبيب أن أشبهتها في الكر والفر فهي كهي وإلا فلا، وفي المدونة هي كالخيل إن أجازها الإمام، وما ذكرناه أن الأقوال ثلاثة صرح به بعض شيوخنا والأقرب عندي أنها ترجع لقول ابن حبيب والله أعلم، ولذلك لم يذكر ابن بشير غيره، والبراذين هي الخيل والعظام قال ابن حبيب، وفي الموطأ: هجين الخيل منها قال ابن حبيب وهو ما أبوه عربي وأمه من البراذين. (ولا يسهم لعبد ولا امرأة ولا لصبي إن الصبي الذي لم يحتلم القتال ويجيزه الإمام ويقاتل فيسهم له): ما ذكر أنه لا يسهم لعبد هو المعروف وقيل إنه يسهم له وقيل إن كان الجيش بحيث لو انفرد عن العبيد لم يقدر على الغنيمة أسهم لهم وإلا فلا، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن بشير نصًا، وهي منصوصة في الذمي، أيضًا حكاهما المازري قائلاً: وأشار بعض الشيوخ إلى تخريجها في العبد وما ذكره في المرأة هو كذلك عن ابن رشد باتفاق وقال الباجي هو قول جمهور أصحابنا. وقال ابن حبيب: إن قاتلت قتال الرجال أسهم لها وإلا فلا، ونقله عنه أيضًا أبو

стр. 387

محمد واللخمي وصوبه واختار أن يسهم لها إن كانت ذات شدة ونصب للحرب ولو لم تقاتل، واختلف في مقدار ما يسهم للخنثى فقيل ربع سهم وقيل نصف سهم قاله ابن عبد الحكم نقله الشعبي عن بعض أهل العلم، واختلف في الإسهام للصبي على أربعة أقوال: فقيل لا يسهم له وإن قاتل قاله في المدونة وقيل: يسهم له إن راهق وبلغ مبلغ القتال رواه محمد وقيل: إن قاتل أسهم له وإلا فلا قاله محمد وقيل: إن أنبت وبلغ خمس عشرة سنة أسهم له ولو لم يقاتل قاله ابن حبيب، ولما ذكر اللخمي هذه الأقوال الأربعة قال وأرى أن يسهم له إن قوي على القتال وحضر الصف وأخذ أهبة الحرب وإن لم يقاتل قلت: وقول الشيخ سادس فتأمله. (ولا يسهم للأجير إلا أن يقاتل): ما ذكره هو نص المدونة قال فيها: إذا قاتل الأجير أسهم له وإلا فلا قال المازري: وهو أحد الأقوال الثلاثة وقال محمد: يسهم له إن حضر القتال، وقيل: لا يسهم لا واختلف في التاجر على ثلاثة أقوال: يسهم له إن شهد القتال وقيل: إن قاتل: وقال ابن القصار إن خرج للجهاد وائتجر أسهم له وإن لم يحضر القتال، وإلا فلا إن يشهد القتال. (ومن أسهم من العدو على شيء في يديه من أموال المسلمين فهو له حلال): ما ذكر الشيخ أنه يطيب له ما أسلم عليه من أموال المسلمين هو له حلال صحيح ويدخل في كلامه الرقيق وهو كذلك، وقال الشافعي يردها إلى أربابها وهو ضعيف لأنه يؤدي إلى سد الباب مع شبهتهم في الملك، وظاهر كلام الشيخ ولو أسلم على أحرار المسلمين أنهم ينزعون من يده وهو المشهور، وقال ابن شعبان في زاهيه يطيب لهم تملكهم هكذا نقل ابن بشير عنه، واعترضه بعض شيوخنا بأنه لم يجده في الزاهي ولا حكاه المازري ولا التونسي وعزى ابن عبد السلام قول ابن شعبان له ولأحمد بن خالد، وقال بعض شيوخي قول ابن شعبان هو ظاهر عموم قوله ﷺ " من أسلم على شيء في يديه فهو له" إلا أنه يصح أن يحمل على أن المراد ما يصح تملكه بدليل أنه لو أسهم على خنزير أو خمر لما كان له، وعلى الأول فظاهر الروايات أنه يؤخذ منه مجانا بغير عوض قال أبو إبراهيم الأندلسي: أنه يعوض واختلف إذا أسلم على ذمي في يديه فقال ابن القاسم يبقي رقا وقال أشهب: هو كأحرار المسلمين ولو أسلم على أم ولد مسلم فإنها تفدي من مال ربها فإن لم يكن له مال اتبع بذلك. (ومن اشتري شيئًا منها من العدو لم يأخذه ربه إلا بالثمن)

стр. 388

لا شك أن الأمر كما قال وهو يجوز شراؤها ابتداء أم لا؟ فقيل: إن ذلك مكروه قاله ابن عبد القاسم في المدونة وقيل: إنه مستحب قاله ابن المواز واختاره القاضي إسماعيل وضعف بأن فيه إغراء للحربيين بأخذ أموال المسلمين ورجح بعض الشيوخ الأول قائلاً لاسيما إذا انضم لذلك. رخص في المبيع كما هو الغالب فيكون تحصيل ذلك إلى أربابها أولى من بقائه بيد الكفار ومن عاوض في دار الحرب على مال مسلم أو ذمي فلمالكه أخذه بالثمن اتفاقًا قاله ابن بشير، فإن كانت معاوضة بمكيل أو موزون فلربه أن يأخذه بمثل ذلك في دار الحرب إن كان الوصول إليها ممكنا كمن أسلف ذلك فليس له إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز وإن لم يكن الوصول إليها ممكنا كمن سلف ذلك فليس له إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز وإن لم يكن الوصول إليها ممكنا فعليه ههنا قيمة ذلك بدار الحرب، واختلف المذهب فيما فدى من أيدي اللصوص هل يأخذه ربه مجانا أو لا؟ فقيل يأخذه مجانا، وقيل بل بالثمن الذي فداه به. قال ابن عبد السلام: وهو الذي كان يميل إليه بعض من يرضي من شيوخنا لكثرة النهب في بلادنا فيعمد بعض من له وجاهة عند الأعراب أو من يعتقدون فيه إجابة الدعوة إليهم فيفتك من أيديهم بعض ما ينتهبون بأقل من قيمته فلو أخذه مالكه من يده من فداه بغير شيء كان سدا لهذا الباب مع شدة حاجة الناس إليه، قلت: وبه كان شيخنا أبو محمد الشبيبي ﵀ يفتي ويوجهه بما تقدم قائلاً: إلا أن يكون ربها يقدر على أن يخلصها بلا شيء ولا يبعد أن يكون هو مراد من ذهب إلى القول الثاني،

стр. 389

قال ابن هارون والقولان إذا قصد به الفادي لربه وأما لو افتداه لنفسه وقصد بذلك تملكه فلا يختلف إن لربه أخذه مجانا كالاستحقاق، وقال ابن عبد السلام: وكثيراً ما يسأل عنه بعض من هو منتصب لتخليص ما في أيدي المنتهبين هل يجوز له أخذ الأجرة على ذلك أم لا، ولاشك أنه إن دفع الفداء من عنده فلا تجوز له الأجرة لأنه سلف وإجارة وإن كان الدافع غيره ففي إجازة ذلك مجال للنظر. (وما وقع في المقاسم منها فربه أحق به بالثمن وما لم يقع في المقاسم منها فربه أحق به بلا ثمن): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة وغيرها ووجهه خفة الضرر إذا كان قبل القسمة لكبر الجيش غالبًا وكثرة الضرر إذا كان بعد القسم، ولابن القاسم لا يكون به أحق به مطلقًا سواء كان قبل القسم أو بعده، وقيل إنه يفوت بنفس القسم رواه أبو القاسم الجوهري، وحكاه عنه ابن زرقون وعلى الأول إذا كان قبل القسم لا يخلو إما أن يعلم ربه بعينه أم لا، فإن علم بعينه دفع له إن كان حاضرا بلا شيء باتفاق قاله ابن حارث وإن كان غائبًا وقف له قال سحنون ولو كان بالصين. قال ابن بشير: ووقع في بيعه أو بعثه لربه في الروايات إشارة إلى خلاف فيه وليس كذلك بل ينظر الإمام لربه بالأصلح وإن لم يعلم ربه بعينه، وإنما علم أن ذلك من أموال المسلمين فقط فقيل أنه يقسم على حكم الغنيمة وهو المشهور، وقيل إنه يوقف قال ابن المواز والقاضي عبد الوهاب وغيرهما لأن ظاهر كلام ابن المواز أنه يوقف إذا رجي العلم بصاحبه. وظاهر كلام القاضي عبد الوهاب وقفه مطلقًا، وقال البرقي وغيره إذا غنموا أحمال متاع مكتوب عليها هذا لفلان وعرف البلد الذي اشتري منه ككتان مصر وشبهه لم يجز قسمه، ووقع حتى يبعث إلى ذلك البلد فيكشف عنه فإن وجد من يعرف ذلك وإلا قسم قالا ولو عرف ذلك واحد من العسكر لم يقسم. وروى ابن وهب عن مالك إذا عرف صاحبه ولم يستطيع تسليمه إليه أنه يقسم ولو باع الإمام ما عرفه ربه جهلا أو عمدًا فقيل: يأخذه ربه مجانا قاله ابن القاسم وقيل بالثمن قاله سحنون محتجا بأنه قضاء مختلف فيه وهو قول الأوزاعي وهذان القولان حكاهما الشيخ أبو محمد. (ولا نفل إلا من الخمس على الاجتهاد من الإمام ولا يكون ذلك قبل الغنيمة والسلب من النفل): ما ذكر أن النفل من الخمس هو المعروف من المذهب، وبه قال أكثر علماء

стр. 390

الحجاز وذهب علماء الشام وبعض علماء العراق إلى أنه يكون من جملة الغنيمة، وقيل إن النفل إنما يكون من خمس الخمس حكاه عياض في الإكمال عن منذر بن سعيد عن مالك، ولا يجوز للإمام إذا فرغ القتال أن يقول من قتل قتيلا فله سلبه، واختلف هل يجوز ذلك قبل القتال أم لا، فمنعه مالك ووقعت له الكراهة أيضًا قال ابن عبد السلام: ومال بعض شيوخ المذهب إلى الجواز ولم يصرح به، وبه قال جماعة من أهل العلم وعلى الأول فاختلف إذا وقع فقيل: ينفذ لأنه حكم بما اختلف فيه أهل المذهب وإليه ذهب سحنون وابنه وهو ظاهر كلام أصبغ، وقيل إنه لا ينفذ لضعف الخلاف قاله ابن حبيب قائلاً تعرف قيمة ما سمي الإمام، ويدفع ذلك من الخمس. قال ابن الحاجب في إمضائه قولان، فظاهره أن القول الثاني يبطل ولا يعطي شيئًا وليس كذلك ونبه عليه ابن عبد السلام قال ابن سحنون: واختلف فيمن جاء برأس فدعا أنه قتل صاحبه على قولين فقيل: يقبل منه فيكون سلبه له وقيل لا، وأما إن جاء بسلب وزعم أنه قتل صاحبه لم يستحقه إلا ببينة، والفرق أن الرأس في الأغلب لا يكون إلا بيد من قتله لأنه علم أن الإمام ينفله سلبه فصارت يده تشهد له بخلاف السلب قال ابن الحاجب: والمشهور لا يكون فيما ليس بمعتاد من سوار وتاج وكذلك العين على المشهور. (والرباط فيه فضل كبير وذلك بكثرة خوف أهل ذلك الثغر وكثرة تحرزهم من عدوهم): قال الشيخ أبو محمد في كتاب ابن سحنون وغيره قال مالك: ليس من سكن بأهله في الإسكندرية وطرابلس ونحوهما من السواحل بمرابطين وإنما المرابط من خرج من منزله فرابط في نحر العدو وحيث الخوف، قال الباجي وعندي أن اختيار استيطان ثغر للرباط فقط ولولا ذلك لأمكنه المقام بغيره له حكم المرابط، وقد قال مالك فيمن جعل شيئاً في سبيل الله لا يجعل في غيرها لأن الخوف الذي بها قد ذهب، وقلت: ونقل بعض من لقيناه الاتفاق على أنه من خرج من بلد إلى بلد بأهله بنية الرباط يكون مرابطا، وإنما الخلاف السابق إذا كان مقيما بنية الرباط ولم يكن أصل سكناه في ذلك المنزل لذلك. وذكر ابن زرقون أن سبب خط القيروان بمحلها رعي كون بينها وبين البحر أقل من مسافة القصر ليكون حرسا وارتضي نقله غير واحد من أشياخي قال الباجي: وإذا ارتفع الخوف من الثغر لقوة الإسلام به أو لبعده من العدو زال حكم الرباط عنه، وقال مالك فيمن جعل شيئًا في السبيل لا تجعل في جدة لأن الخوف الذي كان بها ذهب قال أبو محمد عن ابن

стр. 391

حبيب روي أنه إذا نزل العدو بموضع مرة فهو رباطي أربعين سنة، وروى ابن وهب: الرباط أحدب إلى من الغزو على غير وجهه وهو على وجهه أحب إلى من الرباط قال ابن رشد: إلا إذا خيف على موضع الرباط قال الباجي لا يبلغ الرباط درجة الجهاد وروى ابن وهب لم يبلغني أن أحدا ممن يقتدي به من صحابي ويغره خرج من المدينة إلى الرباط إلا واحدًا أو اثنين وهي أحب المساكين إلا من خرج له ثم رجع إليها قال ابن حبيب، وروي عنه ﷺ أنه قال: " تمام الرباط أربعين ليلة". (ولا يغزي بغير إذن الأبوين إلا أن يفجأ العدو ومدينة قوم ويغيرون عليهم ففرض عليهم دفعهم ولا يستأذن الأبوان في مثل هذا): ظاهر كلامه ولو كانا مشركين وهو كذلك قال سحنون قائلاً: إلا أن يعلم أن منعهما كراهية إعانة المسلمين قال وبر الجد والجدة واجب وليس كالأبوين وأحب أن يسترضيهما ليأذنا له فإن أبيا فله أن يخرج. قلت: في كلامه تناف فتأمله ونص ابن المواز في ذلك، لا يغزي إلا بإذن أجداده فأخذ منه القاضي عياض أن بر الجد مساو لبر الأب، ومن قولهم لا يقتص منه لابن ابنه واختلف في تغليظ الدية عليه وفي قطعه إذا سرق من مال ابن ابنه وقال الطرطوشي بره دون بر الأب، واحتج بقول المدونة ويحبس للولد من سوى الأبوين من الأجداد والأقارب قال ابن عبد السلام: في باب التفليس: وهو أحسن لأن مقصوده أن لكل واحد من الجد والأب حظا من البر على الولد إلا أن حظ الجد دون حظ الأب، وذلك حاصلا قطعا من قول مالك يحلف الجد ولا يحلف الاب ويشتر كان معًا في البر في غير هذا من المسائل التي ذكرها عياض وإنما يتم احتجاج عياض على من يدعي أن الجد لا حظ له من البر، وهذا لم يذهب إليه أحد وقبله خليل، قال ابن المواز فإن خرج دون إذن أبويه خوف فساد جهازه رجع حتى يأذنا له قال مالك: إن أبيا فلا يكابرهما ولا يأكل جهازه وليدفعه أو ثمنه إن خاف فساده إلا أن يكون مليا فيلفعل به ما يشاء حتى يمكنه الغزو فإن مات رجع ميراثا ولو جعله على يد غيره إلا أن يوصي به فيخرج من ثلثه ويشهد بإنفاذه على كل حال فيكون من رأس ماله، وسمع ابن القاسم: للمدين العديم الغزو دون إذن غريمه قاله سحنون ولو كان مليا بدينه ويحل قبل قدومه، فله الخروج إن وكل من يقضي عنه، والعبد ولو كان مكاتبًا لا يغزو إلا بإذن سيده ونقل العتبي عن سحنون قال: أرادت غزوا في البحر فنهاني عنه ابن القاسم قال ابن رشد لأنه علم منهم أنهم كانوا لا يغزون على الصواب، ولا يحافظون فيه على الصلاة في أوقاتها قلت أو لرجحان العلم على الجهاد وقد ذكر عياض في مداركه أن ابن القاسم.

стр. 392

قال لبعض أصحاب سحنون: وقل له: يعطي الخيل لمن يقتل عليها فالعلم أولي به. باب في الأيمان والنذور قال ابن العربي اليمين ربط العقد بالامتناع والترك أو الإقدام على فعل بمعني معظم حقيقة أو اعتقادًا واعترضه بعض شيوخنا بأن قوله بالامتناع يغني عن قوله والترك فهو حشو وبأنه يخرج عنهما الغموس واللغو والتعليق وقول ابن عبد السلام لا يحتاج إلى تعريف بحد ولا رسم لاشتراك الخاصة والعامة في معرفته ضعيف. قال بعض شيوخنا: وأما النذر الأعم الجائز فهو إيجاب امرئ على نفسه لله أمرًا الحديث: " من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه" وإطلاق الفقهاء على المحرم نذرا والأخص المأمور بطاعته التزام طاعة بنية قربة قال: وقول بعضهم هو التزام طاعة غير مطرد وقول ابن شاس هو التزام وإيجاب واضح تضعيفه.

стр. 393

(ومن كان حالفا فليحلف بالله ليصمت): قال التادلي: وظاهر كلامه أن اليمين بالله مباحة لأن الأمر أقل مراتبه الإباحة. قلت: بل ظاهره أنه مرجوح لقوله: "ومن " وبه قال بعض الشيوخ لسماع أشهب وابن نافع كان عيسى ﵇ يقول لبني إسرائيل كان موسي ينهاكم أن لا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين. وقال ابن رشد: قول عيسى بخلاف شرعنا لأنه صدر منه ﷺ كثيرًا وأمره الله به فلا وجه لكراهته لأنه تعظيم لله تعالى يحتمل أن يكون كراهية عيسى ﵇ خوف الكثرة فيؤول إلى الحلف بالكذب أو التقصير في الكفارة ولا خلاف أن اليمين بما دل على ذاته العلية جائز، وأما الحلف في جوازه بصفاته الحقيقية كعلمه وقدرته وجلاله ففيه طريقتان الأكثر على أن ذلك جائز باتفاق، وقال اللخمي: اختلف في جواه بصفاته كعزته وقدرته فالمشهور جوازه وروى محمد وابن حبيب لا يعجبني بلعمر الله وأكرهه بأمانة الله وضعفه بعض شيوخنا لقول ابن رشد في الكفارة: في لعمر الله نظر لأن العمر على الله محال وباشتراك أمانة الله قال: فإذا كره اليمين بهما فلا يلزم ذلك في غيرهما وأما الحلف بما هو مخلوق فقيل: ممنوع قاله اللخمي ونحوه قال ابن بشير: إنه حرام وقيل: مكروه قاله ابن رشد وحملهما ابن الحاجب على الخلاف قال: واليمين بغير ذلك مكروه، وقيل حرام وصرح الفاكهاني بأن المشهور الكراهة ولم يعزها. وقال ابن عبد السلام: ويحتمل أن ترجع الكراهة للتحريم وأما الحلف بما عبد كاللات فإن اعتقد تعظيمها فكفر وإلا فحرام يلزمه أن يتوب وقال ابن بشير وإلا فعاص ويستحب أن يستغفر واعترضه التادلي بأن قوله فعاص ينافي استحبابه. (ويؤدب من حلف بطلاق أو عتاق ويلزمه): قال التادلي: ظاهر كلامه أن اليمين بالطلاق والعتاق حرام لأنه أثبت فيهما الأدب ولا يلزم الأدب إلا في ارتكاب المحظور ونص مطرف وابن الماجشون على ذلك إذا تعدد الحلف بهما وهي جرحة في الشهادة والأمانة، قال ابن القاسم ويضرب من لا امرأة له ومن ليس عنده ما يعتق أكثر لإضافته إلى النهي الكذب. قلت: يرد قوله بأن التأديب لا يلزم إلا في ارتكاب المحظور بأن تأديبه قد يكون باستخفافه بالسنة كقول ابن خويزمنداد: إن من استدام ترك السنة فسق وإن تمادي عليه أهل بلد حوربوا بأحد القولين إنه يجب تغيير المنكر فيما طريقته الندب، وبهذين

стр. 394

رد على اللخمي في أخذه من قول أصبغ يؤدب تارك الوتر أنه واجب الأول للمازري والثاني لابن بشير. (ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله أو بشيء من أسماء الله وصفاته): ما ذكر هو المشهور وقال ابن عبد البر، وروى العدول الثقاة عن ابن القاسم أنه أفتى لابنه عبد الصمد وكان حلف بالمشي إلى مكة بكفارة يمين، وقال أفتيتك بقول الليث فإن عدت لم أفتك إلا بقول مالك ولم يذكر أن ذلك كان منه على وجه اللجاج والغضب. وقال بعض شيوخنا عن أبي عمر بن عبد البر: فتوى ابن القاسم هذه بذلك قولة بعيدة لأنه أفتى له بغير مذهب إمامه، ونقل ابن بشير عن الشيوخ أنهم وقفوا على قوله لابن القاسم أن ما في هذا القبيل على سبيل اللجاج والغضب يكفي فيه كفارة يمين وهو أحد أقوال الشافعي، قال: وكان من لقيناه من الشيوخ يميل إلى هذا المذهب ويعدونه من نذر المعصية فلا يلزمه الوفاء به. قال ابن عبد السلام: فظاهره أنهم أسقطوا عنه الكفارة فإن كان مراده هذا هو قول خارج المذهب تحصل في المذهب ثلاثة أقوال في نادر اللجاج. قلت: ويتخرج على القول بالكفارة صحة الاستثناء كاليمين بالله تعالى ولا خصوصية لقول الشيخ ولا ثنيا ولا كفارة إلا في اليمين بالله بل وكذلك النذر الذي لا مخرج له، وذكره الشيخ بعد وظاهر كلام الشيخ أن الثنيا لا ينعقد في الطلاق المعلق كما إذا قال: أنت طالق إذا دخلت الدار إن شاء الله ولو رده إلى الفعل وهو كذلك عند ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: إن رده إلى الفعل فلا شيء عليه وصوبه ابن رشد؛ لأنه جار على مذهب أهل السنة. (ومن استثنى فلا كفارة عليه إذا قصد الاستثناء وقال: إن شاء الله ووصلها بيمينه قبل أن يصمت وإلا لم ينفعه ذلك): ظاهر كلام الشيخ أن الاستثناء يدفع الكفارة فقط وليس هو حل لليمين وهو قول ابن القاسم وأحد الأقوال الثلاثة، وقيل إنه حل لليمين من أصله قاله ابن الماجشون وقيلك لا حل له ولا رفع حكاه خليل. قال الفاكهاني: ولم يظهر لي الآن أين تظهر فائدة الخلاف؟ وقال ابن عبد السلام: لا يكاد يظهر لهذا الخلاف في اليمين بالله فائدة إلا بالتكلف، فلذلك أضربنا عنها. قلت: ورده بعض شيوخنا بأنها تظهر بلا تكلف فيما إذا حلف بالله تعالى أن لا

стр. 395

يطأ زوجته إن شاء الله فاختلف مالك والغير هل يكون موليا أم لا، والقولان في المدونة وخلافهما مبني على ذلك. وقال الشيخ أبو القاسم السلمي تظهر فائدته أيضًا فيما إذا حلف واستثنى ثم حلف أنه ما حلف فعلي أنه حل لا يحنث، وعلى أنه رفع للكفارة يحنث وقبله غير واحد من أشياخي وذكر الشيخ ثلاثة قيود: الأول: أن يقصد بذلك الاستثناء احترازًا من أن يجري ذلك على لسانه أو يأتي به تبركا كقوله تعالى: (ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا (٢٣) إلا أن يشاء الله) [الكهف: ٢٣، ٢٤]. والقيد الثاني: أن ينطق بالاستثناء احترازا من أن ينوي ذلك فقط لا يفيد. ورأى اللخمي أن ذلك يفيد إذا انعقدت اليمين بالنية عند من يرى ذلك، ورده بعض شيوخنا بأن العقد أيسر من الاستثناء لأنه كابتداء حكم والاستثناء كنسخه ونحوه لابن محرز. القيد الثالث: أن يكون ذلك متصلاً بيمينه ويريد ما لم يضطر كتنفسه لسعال. وقال عياض أثر نقله عن الشافعي سكتة التنفس والسعال لغو وكذلك التفكر وهي كالوصال تأوله بعضهم عن مالك قال: والذي يمكن أن يوافق عليه مالك أن مثل هذا لا يقطع كلامه إذا كان عازما على الاستثناء ناويا له وإليه أشار ابن القصار. قلت: وقال بعض شيوخنا ظاهر قول أهل المذهب أن سكتة التذكر مانعة من التعول عليه مطلقًا. وظاهر كلام الشيخ إذا طرأت له نية الاستثناء بعد تمام يمينه ووصله به أنه ينفعه وهو كذلك، وقال ابن المواز: من شرط الاستثناء أن يكون منويا قبل تمام الحلف ولو بحرف ونحوه للقاضي إسماعيل. (والأيمان بالله أربعة فيمينان يكفران وهو أن يحلف بالله إن فعلت أو يحلف ليفعلن ويمينان لا يكفران أحدهما لغو اليمين وهو أن يحلف على شيء يظنه كذلك في يقينه ثم يتبين له خلافه فلا كفارة عليه ولا إثم والآخر الحالف متعمدًا للكذب أو شاكا فهو آثم ولا تكفر ذلك الكفارة وليتب من ذلك إلى الله سبحانه): ما فسر الشيخ به لغو اليمين هو المشهور وقيل لغو اليمين ما سبق إليه اللسان

стр. 396

من غير عقد قاله القاضي إسماعيل والأبهري واللخمي وبه قال الشافعي. قال ابن عبد السلام: وهو الأقرب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمن) [المائدة: ٨٩] وبقوله جل وعلا: (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) [البقرة: ٢٢٥] وعن عائشة ﵂ أنها قالت: نزلت في قول الرجل لا والله وبلي والله. وقد تقرر في علم الحديث أن قول الصحابي نزلت هذه الآية بسبب كذا يجري مجرى المسند ولما ذكر ابن الحاجب القولين كما سبق قال: وعن عائشة القولان. قال ابن رشد: إن كان ذلك مرويا عنها حمل لفظه على ظاهره وإلا حمل على أن فيه إضمارًا أو عن الأشياخ في تفسير قول عائشة ﵂ القولان، وقال ابن عبد السلام: لم يوجد لها إلا كقول مالك بعد البحث عنه وأجاب خليل بأن ابن بشير حكاهما عنها نصًا وكذلك ابن بطال حكي عنها في باب الأيمان ما حكاه المصنف. قلت: وحكي ابن يونس عنها القولين نصًا أيضًا وقول الشيخ يظنه في يقينه لم يرتضه ابن عبد السلام وكذلك قول المدونة لغو اليمين أن يحلف بالله على أمر يوقنه ثم يثبين له خلافه. قال: عبارة المؤلف في قوله وهو اليمين عن ما يعتقده فيتبين خلافه خير من عبارة من عبر عن هذا المعني باليقين أو من جمع بينه وبين الظن فقال يظنه في يقينه فإن الاعتقاد قد يتبدل أو يظهر خلاف المعتقد فيكون جهلاً، وأما اليقين فلا يتبدل وألحق باليمين بالله في اللغو النذر الذي لا مخرج له والحلف بالمشي إلى مكة والصدقة وما أشبه ذلك على القول بأن كفارته كاليمين بالله تعالى وما ذكر الشيخ في الغموس كذلك يقوله أكثر المذهب وسكتوا عن الظن، وقاله ابن الحاجب. قلت: والظاهر أن الظن كذلك، قال ابن عبد السلام: وهو قد سبق بذلك، وقال الشيخ أبو محمد في ثاني ترجمة من كتاب النذور من النوادر عن ابن المواز بعد أن حكى كلامًا في الغموس عن ابن حبيب. قال: وقال ابن المواز: وكذلك الحلف على شك أو على ظن فإن صادف ذلك كما حلف فلا شيء عليه وقد خاطر فعطفه الظن على الشك دليل على أنه أراد به الحقيقية العرفية. وقول الشيخ فهو آثم ظاهره وإن وافق ما حلف عليه وهو خلاف ما تقدم لمحمد وظاهر المدونة كقول محمد ونصها في التهذيب ومن قال: والله ما لقيت فلانا أمس وهو لا يدري ألقيه أم لا؟ ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف بر وإن كان على خلاف

стр. 397

ذلك أثم، وكان كمتعمد الكذب وهي أعظم من أن تكفر، وحملها غير واحد على أنه وافق البر في الظاهر لأن أثم جرأته بالإقدام على الحلف شاكا يسقط عنه، وأقام بعض من لقيناه من قولهم هنا بإسقاط الكفارة في الغموس من أن إثمها أعظم من أن تكفر سقوط قضاء الصلاة إذا تركت عمدًا، ويرد بأنه تخريج في محل النص قال ﷺ : "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فإن ذلك وقت لها فإذا وجب القضاء فيما نسيه فأحرى العامد والله أعلم. (والكفارة إطعام عشرة مساكين من المسلمين الأحرار مدًا لكل مسكين بمد النبي ﷺ وأحب إلينا أن لو زاد على المد مثل ثلث مد أو نصف مد وذلك بقدر ما يكون وسط عيشهم في غلاء أو رخص ومن أخرج مدا على كل أجزأه): ما ذكر الشيخ من اشتراط المسكنة في أخذ الكفارة هو بنص التنزيل وأما اشتراط الإسلام فذلك بالقياس على الزكاة، وأما اعتبار الحرية فلأن العبد غني بسيده ومن فيه عقد حرية كأم الولد كأن كان السيد فقيرا أو لا يمكنه بيعها لكن السيد قادر على أن يعتقهم إن عجز عن نفقتهم فهم كالأغنياء، وأما اعتبار المد فقال ابن القاسم: حيثما أخرج مدًا أجزأه كما هو ظاهر كلام الشيخ. وقال مالك بعد أن ذكر المد في المدينة: فأما سائر الأمصار فإن لهم عيشا غير عيشنا، وأفتى أشهب بمد وثلث بمصر وأفتى ابن وهب بمد ونصف وكلاهما ليس بخلاف لمالك والخلاف بينهما في قدر المزيد خلاف في حال قاله ابن عبد السلام. وحمل بعض الشيوخ قول ابن القاسم على أنه خلاف لقول مالك وعليه حمله اللخمي لقوله قول مالك أبين منه، وخرج اللخمي من الخلاف في الجنس هل المعتبر قوت المكفر أو قوت أهل البلد خلافًا في المقدار هل يعتبر قدر قوته أو قوت أهل البلد واختلف إذا غدى أو عشى فالمعروف الإجزاء، وقال الشافعي: لا يجزئ. قال ابن عبد السلام: وهو ظاهر قول يحيي لا أعرف فيها غداء ولا عشاء. قلت: ما ذكره عن يحيى نقلته لبعض من لقيته من أشياخي ممن يظن به حفظ المذهب من غير مطالعة في كتب غير ما مرة فلم يقبله قائلاً: لا أعرف من نقله. قال غيره: ولا غرابة فيه وهو في المبسوط عنه وزاد بل مدا نبويا وعلى المعروف فهل يجزئ إذا غدى أو عشي قفارا من غير إدام أم لا؟ فقال ابن مزيز يجزئ وقال ابن

стр. 398

حبيب لا يجزئ وكلاهما نقله اللخمي. وقال ابن عبد السلام: وقول المدونة كقول ابن حبيب بأن الإدام شرط، وقال ابن هارون: مذهب المدونة الإجزاء إلا أن الأفضل عنده أن يكون مأدوما بزيت وشبهه والأمر كما قال ابن عبد السلام: ولولا الإطالة لذكرنا لفظها فانظره. (وإن كساهم كساهم للرجل قميص وللمرأة قيمص وخمار): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة بزيادة وذلك أقل ما يجزئ في الصلاة، فأخذ الأبهري منه أن ستر جميع البدن في الصلاة واجب وتأوله بعضهم على أنه أراد بأقل ما يجزئ على سبيل الأفضل والكمال وقبله ابن هارون. واختلف هل يشترط وسط كسوة الأهل أم لا؟ على قولين والقول باشتراط ذلك ذهب إليه اللخمي قائلاً كالإطعام واحتج بالعطف. قال ابن هارون: وجوابه أن العطف إنما يقتضي التشريك في الإعراب وفي صلاحية كل واحد منهما للكفارة لا فيما سوى ذلك من المتعلقات والمجرورات ألا ترى أنك تقول: جاء زيد ضاحكا وعمرو فيقتضي العطف التشريك في الإعراب والمجيء لا في الضحك، وقال ابن بشير: لو قيل: إنه من باب رد المطلق إلى المقيد لكان له وجه. قال: ويمكن أن يكون لم يراع ذلك لأن المقصود من الكسوة ستر الفقير فيكفي فيه ما يحصل به ذلك. وقال ابن رشد: القول بمراعاة الوسط لم أقف عليه ذكر ذلك تعقيبًا على ابن الحاجب في نقله له قال: ولعل قائله قاسه على الإطعام وفيه بعد. قلت: ويجاب بنقل ابن بشير إياه عن اللخمي كما سبق وإن كان ليس في التبصرة. واختلف في كسوة الصغير على أربعة أقوال: فقيل يعطى الصغير كسوة كبير والصغيرة كسوة كبيرة قاله ابن القاسم، وقال أشهب: تكسي الصغيرة التى لم تبلغ الصلاة الدرع دون الخمار وظاهره الدرع الذي يصلح للباسها قال: فإذا بلغت الصلاة أعطيت الدرع والخمار، وروى ابن المواز عن ابن القاسم أنه لم يعجبه كسوة الأصاغر وكان يقول: من أمر بالصلاة فله الكسوة قميصا وقيل: يعطي صغار الإناث ما يعطى كبار الرجال قميصًا كبيرًا. (وأعتق رقبة مؤمنة): يريد سالمة من العيوب فإن أعتق رقبة وبها عيب فلا يخلو ذلك من ثلاثة أقسام: قسم لا يجوز بلا خلاف وهو ما يمنع من الكسب ويشينه وعكسه عكسه، والقسم الثالث ما يشين ولا يمنع من الكسب كالأعراج، قال في المدونة: كرهه مرة وأجازه مرة

стр. 399

وآخر قوليه لا يجزئ إلا خفيفة. قال أصبغ: ومن أعتق منفوسا فإنه يجزئ ولو أصابه بعد كبره خرس أو صمم أو جنون قائلاً هذا شيء يحدث بعد ذلك، وكذلك في البيع لا يرد به قال ابن محرز: وأما الشيخ الزمن فلا يجزئ، والفرق أن الصغير يقدر على الكسب في المال بخلاف الكبير، ويجزئ ولد الزنا باتفاق نص عليه ابن رشد رحمه الله تعالى، وفي إجزاء المريض في غير النزع قولان حكاهما اللخمي. (فإن لم يجد ذلك ولا إطعامًا فليصم ثلاثة أيام يتابعهن فإن فرقهن أجزأه): قال ابن يونس عن رواية ابن المواز: لا يصوم حتى لا يجد إلا قوته أو كونه في بلد لا يعطف عليه فيه وعزاه اللخمي لمحمد لا لروايته قال: وهذا حرج ومقتضى الدين التوسعة فوق هذا وقال الباجي: المعتبر في ذلك أن يفضل عن قوت يومه ما يحصل به أقل ما يجزئ من الثلاثة. قلت: وقال بعض شيوخنا الأقرب عجزه عما يباع في فلسه. قال ابن عبد السلام: لا يبعد إلزام من قدر على بعض غير المعتق فعليه ذلك، وينتظر مالك تكميله والفرق بينه وبين من وجد من الماء ما يكفيه لبعض طهارته ظاهر، ويريد أنه لا يغنيه شيئًا فهو كالعدم وهذا ينبني عليه، وضعفه بعض شيوخنا بأنه يلزم على قوله أن ينتظر إذا عجز عن الكل وهو خلاف الإجماع لأن البعض كالكل في عدم بعض أجزاءه، واختلف فيمن له مال غائب فقيل: يتسلف ولا يجزئ الصوم قاله ابن القاسم، وقيل: إن قرب مجيئه انتظر أو تسلف فإن صام أجزأه وإن وجد من يسلفه. (وله أن يكفر قبل الحنث أو بعده وبعد الحنث أحب إلينا): ما ذكر الشيخ هو مذهب المدونة وهو أحد الأقوال الخمسة وقيل: إن ذلك ممنوع قاله مالك أيضًا، وقيل: إن كان على حنث جاز وإن كان على بر فلا قاله ابن القاسم، وقيل: يجوز تقديمها في اليمين بالله تعالى وما في معناه ولا يجوز في غير ذلك وهذه الأقوال الأربعة حكاها غير واحد كابن بشير، وقال ابن عبد البر في الكافي: قيل: يجوز تقديمها بغير الصوم، وأما بالصوم فلا، وفي التهذيب: وإن كفر معسر بالصوم قبل حنثه ثم أيسر بعد حنثه فلا شيء عليه يجيء سادسًا والله أعلم لتفصيله فانصره لأن عمل البدن لا يقدم، واستشكل اللخمي الفرق بين البر والحنث لاشتراكهما في عدم وجوب الكفارة. ورده بعض شيوخنا بأن استصحاب حال ذات الحنث توجب الكفارة وذات البر تنفيها والاستصحاب معتبر شرعًا وسبب الخلاف ما في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو

стр. 400

خير" وفي بعض الطرق تقديم الحنث واعترضه غير واحد بأن التقديم والتأخير في ذلك سواء لأن الواو لا تقتضي رتبة وإنما سبب الخلاف هل الحنث هو شرط في وجوب الكفارة فتجوز قبله لوجود السبب في الكفارة وهو اليمين أو ركن فلا تجوز؟ قال ابن هارون وفيه نظر لأن المشروط لا يوجد بدون الشرط كما أن الماهية لا توجد بدون ركنها. (ومن نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ولا شيء عليه): احتوى كلام الشيخ على المندوب والواجب والحرام ونفي المباح والمكروه تأتي إشارته أيضًا إلى ذلك. (ومن نذر صدقة مال غيره أو عتق عبد غيره لم يلزمه شيء): يريد إلا أن يعلقه كما إذا قال إن اشتريت عبد فلان فإنه يلزمه. (ومن قال: إن فعلت كذا فعلي نذر كذا لشيء يذكره من فعل البر من صلاة أو صوم أو حج أو عمرة أو صدقة شيء سماه فذلك يلزمه إن حنث كما يلزمه لو نذره مجردا بغير يمين إلى آخره): ما ذكره هو المشهور وتقدم فتوي ابن القاسم لابنه عبد الصمد في المشي إلى مكة بكفارة يمين قائلاً: أفتيتك بمذهب الليث بن سعد وإن عدت أفتيتك بمذهب مالك، وظاهر كلام الشيخ ولو كان على وجه اللجاج والغضب وتقدم ما نقله ابن بشير في ذلك فانظره، وظاهر كلامه ولو نذر شيئًا لا يبلغه عمره وهو كذلك على ظاهر المدونة قال فيها: من كثر نذر مشيه بما لم يبلغه عمره فليمش ما قدر عليه من الزمان ويتقرب إلى الله بما يقدر عليه من الخير وقال التونسي: تقربه بذلك ندب لأن نذر ما لا يقدر عليه ساقط. (ومن نذر معصية من قتل نفس أو شرب خمر أو شبهه أو ما ليس بطاعة ولا معصية فلا شيء عليه وليستغفر الله): ظاهر كلام الشيخ أن نذر المباح والمكروه حرام لأن قوله وليستغفر الله ظاهر في أنه راجع للجميع وقول من تأول عن الشيخ أن الاستغفار يرجع إلى المعصية فقط بعيد والتأويلان ذكرهما التادلي ولكن ما قلناه منهما هو الأقرب وعليه حمله الفاكهاني

стр. 401

إلا أنه ذكر المباح فقط فالمكروه أحرى ولا مانع يمنع منه. أما بالنسبة إلى المعني فهو قد عكس الشريعة لكونه أفرغ المباح والمكروه في قالب الطاعة، وأما بالنسبة إلى المنقول فهو ظاهر الموطأ وفي المقدمات نذر المكروه مكروه ونذر المباح مباح. (وإن حلف بالله ليفعلن معصية فليكفر يمينه ولا يفعل ذلك إن تجرأ ففعله أثم ولا كفارة عليه ليمينه): قال الشيخ خليل: ما ذكر الشيخ من أنه إذا فعل المعصية بر في يمينه مثل في الجلاب، وذكر ابن الحاجب نحوه في الطلاق فقال وإن كان محرما مثل إن لم أقتل زيدًا تنجز إلا أن يتحقق قبل التنجيز على المشهور وقال: قول ابن عبد السلام: إن نجز أو فعل المعصية فقال أهل المذهب تلزمه كفاره يمين خلاف ما تقدم، فإن قلت: هل يصح حمله على الشاذ من نقل ابن الحاجب قيل قد أنكر هو وجوده. نعم قد يتخرج ما قاله على أحد القولين في أن المعدوم شرعًا كالمعدوم حسا كما قيل فيمن حلف ليطأنها فوطئها حائضا. قلت: ما نقله عن الشيخ ابن عبد السلام وهم لا شك فيه، ولفظ ابن عبد السلام في النسخة التي رأيتها عندنا بتونس: لو تجرأ وفعل تلك المعصية لم يلزمه عد أهل المذهب أن يكفر كفارة اليمين بالله تعالى. (ومن قال علي عهد الله وميثاقه في يمين فحنث فعليه كفارتان): ما ذكر الشيخ من أن الكفارة تلزمه في قوله على عهد الله وميثاقه هو كذلك باتفاق قاله ابن حارث قائلاً اختلفوا إذا قال وعهد الله فذكر عن المدونة اللزوم وعن الدمياطية عدمه، وإن قال عهد الله فلا كفارة عليه. واختلف إذا قال أعاهد الله وأجري عليه أبايع الله واختلف في حاشا الله ومعاذ الله، واختلف المذهب إذا كرر الحلف بالصفات على ثلاثة أقوال: فقيل بالتعدد وعكسه، وقيل إن كانت الصفة المذكورة ثانيًا هي الأولى في المعنى لم تتعدد وإلا تعددت. (وليس على من أكد اليمين فكررها في شيء واحد غير كفارة واحدة): ظاهر كلام الشيخ ولو قصد بالثانية غير الأولى وهو كذلك على المشهور، وقيل إنها تتعدد إذا قصد ذلك ولا خلاف أنه إذا قصد الكفارة أنها تلزمه، ولو نوى باليمين الثانية تأكيد الأولى أو لم ينو شيئًا لم تتعدد اتفاقًا، ولم يرتض ابن عبد السلام هذا الاتفاق لاختلافهم فيمن قال: والله والله أو والله والله قائلاً: الأقرب عندي تعدد الكفارة فيما إذا قصد التكرار إذ لا فرق بين أن يقصد إلى تعددى الكفارة أو على ما هو مستلزم لتعددها والمذهب أن تكرار الطلاق يحمل على التأسيس ما لم ينو به التأكيد فيقبل، وفرق بين البابين بأن المحلوف به هنا شيء واحد فيستحيل التعدد عليه فوجب

стр. 402

اتحاد الكفارة إلا أن يقصد تعددها كما سبق في باب الالتزام يمكن تعدده فوجب الرجوع فيه إلى الأصل. وتبرأ ابن عبد السلام من هذا الفرق بقوله: قالوا: وفي العتبية عن مالك فيمن حلف بالله لأفعلن كذا فقيل له: إنك ستحنث فقال: لا والله لا أحنث، أن عليه كفارتين إن حنث وقال ابن القاسم في المبسوط ليس إلا كفارة واحدة واختلف المذهب إذا قال: على أربعة أيمان لا أفعل كذا ففعله هل تتعدد الكفارة أم لا؟ (ومن قال: أشركت بالله أو هو يهودي أو نصراني إن فعل كذا فلا يلزمه غير الاستغفار): ما ذكرنا هو مذهبنا وقال أبو حنيفة والثوري: من قال هو يهودي أو نصراني أو كافر بالله وأشركت بالله أو برئت من الله أو الإسلام فهو يمين وعليه الكفارة إن حنث. (ومن حرم على نفسه شيئًا مما أحل الله فلا شيء عليه إلا في زوجته فإنها تحرم عليه إلا بعد زوج): ما ذكر أنه يلزمه في زوجته الثلاث هو المشهور من المذهب وقيل: تلزمه واحدة رجعية وقيل بائنة وقيل ثلاثة في المدخول بها ولا ينوي وينوي في غير ذلك من الأقوال حسبما أذكره في موضعه إن شاء الله تعالى، واختلف المذهب إذا قال أشد ما أخذه أحد على أحد فقيل: يلزمه كفاره يمين بالله تعالى فقط قاله ابن وهب وقيل: يلزمه جميع الأيمان قاله ابن القاسم في رواية عيسى عنه وفي كتاب ابن المواز أيضًا، ومثله لمالك في المبسوط، وزاد عليه عشرة نذور. وقال ابن عبد السلام: - بعد أن ذكر ما قلناه-: ولا نعلم أحدًا من المتقدمين والمتأخرين بعد البحث عن أقوالهم أوجب في أشد ما أخذه أحد على أحد كفارة ظهار ولا صوم سنة ذكر ذلك تمريضًا، الظاهر قول ابن الحاجب ففي كفارة اليمين أو جميع الأيمان قولان، وأجاب خليل بأن في المفيد عن بعضهم إلزام كفارة ظهار، واختلف إذا قال: الأيمان تلزمه فقيل لا يلزمه فيها إلا الاستغفار قاله الأبهري وابن عبد البر وعنه تلزمه كفارة يمين وكلاهما نقله ابن هشام. وقيل: إن عليه ثلاثة كفارات قاله الطرطوشي وابن العربي والسهيلي والمشهور من المذهب أنه يلزمه جميع الأيمان فإذا عرفت هذا فقول ابن بشير وابن الحاجب يلزمه جميع الأيمان اتفاقًا قصور، وعلى المشهور اختلف ما الذي يلزمه من الطلاق، على ثلاثة أقوال: فالأكثر على لزوم الثلاث وقيل طلقة واحدة بائنة، وهو المشهور أو طلقه رجعية اهـ. قاله الأشبيلي وأحد بن عبد الملك.

стр. 403

وقيل: بل طلقة رجعية قاله غير واحد، وأما إذا قال الأيمان تلزمه، وامرأته طالق فقال المغربي تلزمه طلقة واحدة وأخذه من ظاهر المدونة وإذا قال: أنت علي حرام كأمي أنه يلزمه الظهار لأنه جعل للحرام مخرجًا. ورده بعض شيوخنا بوجهين: أحدهما: أن العطف يقتضي المغايرة بخلاف عدم العطف بالنسق فيه وإرادة البيان ظاهر. الثاني: أن الطلاق هو أحد أفراد الأيمان تلزمه فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا أو واحدة. (ومن جعل ماله صدقة أو هديًا أجزأه ثلثه): ما ذكر الشيخ هو المشهور وعن سحنون يلزمه ما لا يجحف به، وروي عن ابن وهب أنه قال يفتي الناذر في ذلك بإخراج ثلث ماله إن كان مليا على قول مالك وإن كان قليل الدراهم أفتاه بإخراج ربع عشره على قول ربيعة، وإن كان عديما أفتاه بكفارة يمين وقاله ابن حبيب. وحكي ابن رشد عن ابن وهب أنه يلزمه إخراج جميع ماله، وقيل: يلزمه في الحلف به كفارة يمين نقله أبو عمران عن ابن وضاح عن أبي زيد عن ابن وهب وقيل: يلزمه كفارة يمين أو زكاة ماله قاله ابن وهب أيضًا، وأما الحلف بصدقة ما يفيده أبدًا أو ما يكسبه فهو لغو اتفاقًا. واختلف إذا كان محصورا بأجل أو ببلد فقيل كذلك وقيل: يلزمه والقولان حكاهما ابن رشد واختلف إذا التزام صدقة معين وهو كل ماله فقيل: يلزمه وهو المشهور وقيل: ثلثه فقط وقيل ما لا يجحف به. (ومن حلف بنحر ولده فإن ذكر مقام إبراهيم أهدى هديا يذبح بمكة وتجزئه شاة، وإن لم يذكر المقام فلا شيء عليه): ما ذكر الشيخ من التفصيل بين أن يذكر مقام إبراهيم ﵊ يريد أو ما في معناه كمكة ومنى فعليه هدي وبين أن لا يذكره فلا شيء عليه وهو المشهور من المذهب وهو أحد الأقوال الأربعة وقيل: لا شيء عليه مطلقًا وهذا والذي قبله لمالك وقيل: إن عليه كفارة يمين مطلقًا وتردد الشيوخ في نسبة هذا القول لمالك فقطع بذلك صاحب التقريب وخالفه غيره، وقيل: يلزمه أن يحج بابنه وينحر هديا قاله الليث بن سعد، قال ابن عبد السلام، ونقله بعضهم عن مالك وعلى الأول فاختلف المذهب إذا نذر نحر جماعة من ولده فقيل يتعدد اليمين قاله ابن القاسم.

стр. 404

وقيل: هدى واحد كاف ولا خصوصية للولد في هذا وإنما ذكره الشيخ لأنها القضية الواقعة في قصة إبراهيم ﵇، ولو نذر نحر أجنبي فالمشهور لا شيء عليه مطلقًا وقيل عليه هدي، وجعل الباجي المسألة قريبة من الأولى فنقل في المدونة إن لم يذكر مقامًا ولا هديًا روايتين: لا شيء عليه وكفارة يمين، وما ذكر الشيخ من أن الشاة تجزئه هو كذلك في المدونة عن على وعطاء ﵄، وهو مقتضى قول المدونة، ومن نذر ذبح نفسه فليذبح كبشا ونقل أبو محمد عن رواية حبيب الهدي بدنة فإن لم يجدها فبقرة فإن لم يجدها فشاة فإن لم يجدها صام عشرة أيام، وقال مالك: أحب إلى في ابنه هدي بدنتين. (ومن حلف بالمشي إلى مكة فحنث فعليه المشي من موضع حلفه فليمش إن شاء في حج أو عمرة فإن عجز عن المشي ركب ثم يرجع ثانية إن قدر فيمشي أماكن وركوبه فإن علم أنه لا يقدر قعد وأهدي، وقال عطاء: لا يرجع ثانية وإن قدر ويجزئه الهدي وإنما يستحب له التقصير في هذا استبقاء للشعث في الحج):

стр. 405

ظاهر كلامه أنه يلزمه المشي وإن لم تكن له نية وهو قول أشهب خلافًا لما في المدونة، ولو نوي المشي إلى مكة فإنه يلزمه وتقدم ما أفتي به ابن القاسم لابنه عبد الصمد وظاهر نقل ابن عمر سواء كان على وجه اللجاج والغضب أم لا، وألزم أهل المذهب ههنا المشي إلى مكة لأنها قربة كالمشي إلى المساجد والجنائز والعيدين وعورض ذلك بقول مالك أن الركوب في الحج أفضل من المشي وأجابوا بأن التزام المرجوح لا يسقط بوجود ما هو أرجح عليه كما لو نذر الحاج صوم يوم عرفة. قال ابن عبد السلام: وفي النفس من هذا الفرق شيء ما ذكر الشيخ من أنه يلزمه من حيث حلف فهو كذلك باتفاق إذ نواه وكذلك إن كان غير معلق، واختلف في المعلق على ثلاثة أقوال: فقيل يلزمه من حيث حلف قاله في المدونة وغيرها، وقيل مثله إن كان على حنث وإن كان على بر فمن حيث حنث قاله الشيخ أبو إسحاق التونسي، وقيل: من حيث حنث في البر والحنث ذكره بعض الشيوخ نصًا، وبعضهم تخريجًا، وما ذكر الشيخ أنه مخير في الحج والعمرة معناه إذا لم تكن له نية في أحدهما وهو المشهور. وقال اللخمي: إن هذا التخيير إنما يحسن في حق من هو ساكن بالمدينة أو ما قرب من مكة وهو الذين جرت عادتهم أن يأتوا مكة لكل واحد من النسكين وأما من بعد من مكة كأهل المغرب فأكثرهم لا يعرف العمرة فضلا عن أن ينويها حين النذر ومن يعرفها منهم لا يقصد إليها بسفر وإنما يسافر بسبب الحج. (ومن نذر مشيا إلى المدينة أو إلى بيت المقدس أتاهما راكبًا إن نوى الصلاة في مسجديهما وإلا فلا شيء عليه، وأما غير هذه الثلاثة مساجد فلا يأتيها ماشيا ولا راكبًا

стр. 406

لصلاة نذرها وليصل بموضعه ومن نذر رباطًا بموضع من الثغور فذلك عليه أن يأتيه): اعلم رحمك الله أن مسجد المدينة أفضل ثم مكة ثم بيت المقدس على المشهور من المذهب وقيل: إن مسجد مكة أفضل من المدينة، حكاه عياض عن ابن حبيب وابن وهب ووقف الباجي في ذلك، وأكثر العلماء خارج المذهب قالوا بالقول الثاني وهو الذي اختاره ابن عبد السلام فإذا عرفت هذا فاعلم أنه اختلف المذهب إذا كان الناذر ساكنا بأحد المساجد الثلاث ونوى الصلاة بأحد المسجدين الباقين على ثلاثة أقوال، فقيل: يلزمه مطلقًا، وعكسه، وقيل: يلزمه إلا أن يكون الثاني مفضولاً وهو المشهور وهذا الأقوال الثلاثة حكاها ابن الحاجب وقال ابن هارون: القول بأنه لا يلزمه مطلقًا لم أره لغيره فتأمله وأما قول الأول فقال أبو الطاهر: وهو ظاهر المذهب. وأما الثالث فحكاه اللخمي وكذلك مرض ابن عبد السلام نقله له فقال: لا أعلم الآن من ذهب إليه ولا أذكره إلا من إشارة المؤلف، ونص ابن الحاجب فلو كان في أحدهما والتزم الآخر لزمه على الأصح والمشهور إلا أن يكون الثاني مفضولا ففهم عنه من ذكر أن مقابل الأصح مقابله لاستغنائه بذكر المقابل عن مقابله وقال بعض شيوخنا: بل مقابله إنما هو ما صح به لعدوله عن قوله وثالثها وظاهر كلام الشيخ أيضًا أن مسجد قباء لا يلحق بالمساجد الثلاثة وهو كذلك. وحكى عياض عن ابن أبي مسلمة أنه يلحق بها وظاهر كلام الشيخ أيضًا أن غير المساجد الثلاثة لا يلزم الذهاب إليها، وإن كان الموضع قريبًا وهو كذلك في أحد القولين، وعلى الثاني فاختلف هل يلزم مع ذلك المشي أم لا؟ في ذلك قولان وبالله التوفيق.

стр. 407

شرح ابْن نَاجِي التنوخي قَاسم بن عِيسَى بن نَاجِي الْمُتَوفَّى ٨٣٧ هـ على متن الرسَالَة للْإِمَام أبي مُحَمَّد عبد الله بن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي زيد القيرواني الْمُتَوفَّى سنة ٣٨٦ هـ أعتنى بِهِ أَحْمد فريد المزيدي الْجُزْء الثاني دَار الْكتب العلمية

стр. 408

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب في النكاح والطلاق والرجعة والظهار والإيلاء واللعان والخلع والرضاع قال ابن بشير: النكاح عقد على البضع بعوض واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير مانع لدخول بعض صور الزنا وإن أراد صحيحه فيعترض أيضا بدخول نكاح المعتمد وما عقد بغير ولي وكثير من صور فاسدة، وقال ابن عبد السلام: ترك ابن الحاجب تعريفه اكتفاء بذكر أركانه: الصيغة والولي والزوج والزوجة والصداق إذ لا معنى للحد إلا ذكر مجموع الأجزاء. واعترضه شيخنا بأن ما ذكره أركانه الحسية لامتناع حملها عليه لا المعنوية وحده الجامع المانع عقد على مجرد متعة التلذذ بآدمية غير موجب قيمتها ببينة قبله غير والكافي بعد أن يسلم له عدم اعتبار الهيئة الاجتماعية في التعقل الثانية لا الأولى، وقال: عالم عاقدها حرمتها إن حرمها الكتاب على المشهور أو الإجماع على الآخر وهو مندوب إليه من حيث الجملة. قال اللخمي: وهذا لمن لا أرب له إن رجى نسله وإلا فمباح كالعقيم والشيخ الفاني والخصي والمجبوب وذو أرب كالأول إن قدر على العفة وإلا وجب وإن لم يعفه صوم أو تسر وإلا فهو أولى منها والمرأة مثله، إلا في التسري لا متناعه عليها وصيغته كل لفظ يدل على التأبيد مدة الحياة كأنكحت وزوجت وبعت. واختلف هل ينعقد بلفظ الهبة أم لا؟ فقيل: ينعقد قاله القاضيان ابن القصار، وعبد الوهاب وقيل: عكسه وقيل: وإن ذكر الصداق فالأول وإلا فالثاني قاله ابن القاسم، وهذا والذي قبله كلاهما لمالك ونص على ذلك ابن عبد البر قال ابن القصار ولفظ الصدقة كالهبة، وقيل: إنها لغو قاله ابن رشد والإحلال والإباحة لا ينعقد بهما عند ابن القصار خلافا لبعض أصحابه قيل وزعم ابن عبد البر والإجماع على الأول. (ولا نكاح إلا بولي وصداق وشاهدين عدلين): مذهبنا أن الولي شرط في العقد وقال أبو حنيفة للمرأة أن تعقد النكاح على نفسها قياسا على بيعها وشرائها ووافق على أن وجود الولي أكمل واحتج أهل المذهب بما خرجه الدارقطني من حديث أبي هريرة وصححه قال: قال رسول الله ﷺ " لا تزوج

стр. 409

المرأة المرأة ولا المرأة نفسها" فإن الزانية هي التي تزوج نفسها، وما ذكره أصحابنا لا يرد به على أبي حنيفة لما تقدم من مذهبه أنه يقدم القياس على خبر الآحاد ونقل بعض أئمة الشافعية عن مالك مثل قول أبي حنيفة في الدنية. قال ابن عبد السلام: وهو غلط لا شك فيه وأما الصداق فهو أحد أركان النكاح كما سبق لابن الحاجب ورده بعض شيوخنا بدليل صحة نكاح التفويض قال: والأظهر أنه غير ركن في صحيح النكاح وإسقاطه غير مناف له، وأما الشهادة فهي شرط في جواز الدخول لا في صحة العقد. وقال الشافعي وأبو حنيفة: هي شرط في العقد قال عياض وهو ظاهر رواية أشهب: فإذا عرفت هذا فاعلم أن ما ذكره الشيخ من قوله ولا نكاح إلى آخره هو لفظ الحديث الوارد عن النبي ﷺ فإذا حملنا لفظ نكاح من قوله: " ولا نكاح إلا بولي" على العقد لزم التخصيص لخروج نكاح التفويض ولو حملناه على الوطء لم يلزم ذلك ونبه على هذا ابن عبد السلام وهو بين. (فإن لم يشهدا في العقد فلا يبن بها حتى يشهدا): فإن وقع الدخول ولم يقع الإشهاد فإنه يفسخ بطلقة لأن العقد وقع صحيحا بدليل لو وقع الإشهاد قبل الدخول لصح النكاح خلاف ظاهر رواية أشهب كما سبق وتكون هذه الطلقة بائنة؛ لأنها من طلاق القاضي والأصل فيما يوقعه القاضي من الطلاق أن يكون بائنا ثم إن وقع وجهالة فلا حد اتفاقا وعكسه عكسه. واختلف إذا وجد أحد الوصفين والشاهد الواحد فشو قاله ابن الماجشون وغيره. وقال ابن الحاجب: والإشهاد شرط في جواز الدخول لا في صحة العقد فإن دخل قبله فسخ بطلقة بائنة، وقيل: ويحدان إن ثبت الوطء ما لم يكن فاشيا وعن ابن القاسم ما لم يجهلا فظاهر كلامه أن المذهب سقوط الحد في جميع الصور وأن من أهل المذهب من اعتبر الفشو في سقوط الحد وأن ابن القاسم اعتبر الجهالة. قال ابن عبد السلام: وهذا شيء لا يقوله أحد من أهل المذهب؛ لأن الحد ساقط مع انتفاء الفشو والجهالة.

стр. 410

(وأقل الصداق ربع دينار): اعلم أن أقل الصداق ربع دينار أو ثلاثة دراهم ما قيمته أحدهما في مشهور المذهب وقيل: تعتبر القيمة للدراهم فقط نقله المتيطي عن ابن شعبان ونقله اللخمي بلفظ (قيل) قائلاً: هو كقول ابن القاسم في نصاب السرقة. وقال ابن وهب في الواضحة: يجوز بأدنى من درهمين وما تراضى عليه الأهلون هكذا نقله المتيطي، ونقل اللخمي عنه: يجوز بالدرهم والنعل والسوط واعتمد إنما قطعت في ربع دينار نكالاً لخيانتها والنكاح مباح جائز فلا يقاس أحدهما على الآخر ونحو هذا الاعتراض لابن الفخار على ابن العطار فتأمله قال المتيطي وغيره: ويشترط الخلوص في الذهب والفضة، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن تخريج الخلاف في اشتراط الخلوص من الزكاة وقبله خليل، وأما أكثره فلا حد فيه. قال ابن عبد البرد بلا خلاف لقوله تعالى: (وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئاً) [النساء:٢٠] قال ابن الجلاب: ولا أحب الإغراق في كثرته ونقله عياض في الإكمال عن عمر بن الخطاب ﵁ مستدلاً بفعله ﷺ فإن قلت: قول عمر يناقض فعله؛ لأنه أصدق أم كلثوم بنت علي أربعين ألفا ولا سيما إن أصدقتهم كانت على النقد. قلت: لا مناقضة بينهما لأن الإغراق معتبر بالأشخاص فمن كان وافر المال جدا حتى لا تكون الأربعون ألفا في حقه كالعدم فليس بإغراق والله أعلم فمن نكح بأقل الصداق فإن كان قبل الدخول فالزواج بالخيار بين أن يتمه أو يفسخ النكاح، وقيل: لا بد من تحتم الفسخ قاله بعض الرواة وكلا القولين في المدونة، وفسر المتيطي بعض الرواة بابن الماجشون، وعلى الأول لو اختار الفسخ ففي لزوم نصف المسمى قولان، وأما إذا طلق ففي المدونة لها نصف الدرهمين، وحكي ابن بشير قولا بانه لا شيء لها ولم يحكه اللخمي إلا بالتخريج على قول الغير وتعقبه بعض شيوخنا بقول ابن كنانة: إذا طلق وهو مختار فيلزم بخلاف إذا فسخه الحاكم وأما إذا وقع الدخول فإنه يتمه جبراً وفي رواية الدباغ عن الغير أنه يفسخ ويكون لها صداق مثلها كمن تزوج بغير صداق. (وللأب إنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت وإن شاء شاروها): أما إن لم تبلغ البكر فالاتفاق على أنه يجبرها على النكاح وإذا بلغت فكذلك

стр. 411

على المشهور ومال الشيخ أبو الحسن اللخمي إلى عدم جبرها لحديث مسلم " البكر يستأذنها أبوها" ونحوه لابن الهندي، وأفتى به الشيخ أبو القاسم السيوري فيما ذكر بعض من جمع فتاوى جماعة من الإفريقيين. قال في المدونة: ولا يجبر أحد أحدا على النكاح إلا الأب في ابنته البكر وظاهرها ولو كانت البكر مرشدة، وهو كذلك في اختيار ابن عبد البر قال المتيطي وغيره: المشهور ولا يجبرها، وعليه فإذنها لابد أن يكون نطقا قاله ابن الهندي وابن القطان والباجي وهو المشهور، وقيل: صماتها كاف قاله ابن لبانة، وقيل مثله إن كان صداقها عينا وإن كان عرضا طولبت بالكلام قاله غير واحد، وظاهرها ولو كانت معنسة وهو أحد قولي مالك من رواية محمد بن المواز وروى ابن وهب عنه لا يجبرها. ونقله أبو إبراهيم عن مالك قائلاً: ومثله رواية عبد الرحيم في كتاب الكفالة، واختلف في حد التعنيس فقيل: الأربعون سنة وقال ابن وهب ثلاثون سنة وقيل: خمس وثلاثون سنة وقيل: خمس وأربعون وقيل: من الخمسين إلى الستين وقيل: ثلاثة وثلاثون وقيل: خمسون فيتحصل فيها سبعة أقوال، وكل هذا في ذات الأب، وأما إن كانت مهملة فقيل لا يبلغ بها الثلاثين ولابن الماجشون يبلغ بها ذلك. وقال أصبغ: أربعون وقيل: من الخمسين إلى الستين، ولما ذكر ابن عبد السلام هذه الأقوال قال: وأنت تعلم أن وجود دليل شرعي على مثل هذا التحديث متعذر وحيث يجبر الأب ابنته فهل يستحب له أن يستأذنها أم لا؟ اختلف في ذلك على قولين حكاهما اللخمي وتعقبه ابن بشير بأن ظاهر المذهب استحبابه اتفاقا، ورده بعض شيوخنا بنقل الباجي روى عيسى عن ابن القاسم إنكاره ومثله لخليل قائلاً: في كلام اللخمي نظر من وجه آخر وذلك أنه نسب القول بعدم الاستحباب للمدونة وهو لا يؤخذ منها لأن الذي فيها ليس المشهور لازمة وذلك لا ينافي الاستحباب، والاستحباب أولى وهو الذي اقتصر عليه ابن الجلاب للخروج من الخلاف ولتطييب قلبها ولأنها قد يكون بها عيب فتظهره حينئذ. (وأما غير الأب في البكر وصي أو غيره فلا يزوجها حتى تبلغ وتأذن وإذنها صماتها):

стр. 412

يريد إلا أن ينص الأب للوصي على الإجبار فيتنزل منزلته وقيل: والولي والوصي سيان وقيل: لا ولاية لوصي وهو كالأجنبي حكاه ابن بشير ولو لم يسم قائله وعزاه ابن عات لحكاية ابن مغيث عن منذر بن سعيد محتجا بقوله تعالى حكاية عن زكريا ﵇ (فهب لى من لدنك وليا (٥) يرثنى) [مريم: ٥ - ٦] ، والوصي ليس بوارث فدل على أنه غير ولي وفيه أقوال لولا الإطالة لذكرناها، وكذلك اختلف في مقدم القاضي فقيل: إن ولي النسب مقدم عليه؛ لأنه مقدم على القاضي والمقدم مقدم قاله ابن حبيب، وقيل: إن المقدم غير واحد قال: لأن القاضي أنزله منزلة الأب. وأما غير الوصي كالأخ فهل له أن يزوج اليتيمة قبل البلوغ أم لا؟ اختلف في ذلك على خمسة أقوال، فقيل: لا يزوجها كما قال المؤلف وهو المعروف في المذهب، وقيل: إنه يجبرها على النكاح وعزاه المازرى لقولة شاذة. وقيل بالأول إن لم تطق المسيس وبالثاني أن أطاقته حكاه ابن حارث عن رواية وخيف عليها الحاجة. قال ابن بشير: اتفق المتأخرون عليه إن خيف فسادها. قال ابن عبد السلام: وعليه العمل ببلدنا اليوم مع زيادة بلوغ سنها عشر سنين مع مشورة القاضي، وقيل: تزوج ولها الخيار إذا بلغت نقله ابن الحاجب وتعقبه ابن عبد السلام ابن نافع قائلا: اتفقوا على منعه قبل إطاقتها المسيس وقيل: يجبرها إن كانت مميزة بأن غيره إنما حكاه بعد الوقوع. وإذا فرعنا على القول بالمنع فإنها تخير وقوي نقل غيره بأن نقل أهل المذهب يقتضيه لأن الخيار عندهم مناف لعقده النكاح وأجابه خليل ﵀ بتصريح ابن شاس بأن ذلك ابتداء وبقربه من إحدى روايتي ابن الجلاب أن

стр. 413

النكاح جائز، ولها الخيار إذا بلغت في فسخه وإمضائه وما ذكر الشيخ أن إذنها صماتها صحيح قال في المدونة: إن قال وليها إني زوجتك من فلان فسكتت فذلك منها رضا قال غيره: إذا كانت تعلم أن السكوت رضا، فقيل وفاق قاله حمديس، وقيل خلاف قاله سحنون وابن حارث واختلف رأي أبي عمران فقال مرة بالأول ومرة بالثاني ومرة بالوقوف حكى هذه الأقوال الثلاثة عنه المتيطي. قال شريح في المدونة: فإن معصت وجهها لم تنكح وفسر ذلك بلطم وجهها قاله أبو إبراهيم والأقرب تفسير غيره أي غطت وجهها، وأقيم منها أن بكاءها يدل على عدم رضاها وهذه الإقامة لأبي إبراهيم ومثله في ابن الجلاب، وقيل: إنه رضا كالضحك لنقل ابن مغيث نزلت، واختلف فيها وحكم بإمضاء النكاح، وقلت: ووجهه أن بكاءها لكونها تذكرت إياها على ما جرت به العادة. (ولا يزوج الثيب أب ولا غيره إلا برضاها وتأذن بالقول): ظاهر كلام الشيخ سواء كانت سفيهة أو رشيدة وهو كذلك في الرشيدة باتفاق وفي السفيهة على المشهور، وقيل الأب يجبرها حكاها المتيطي عن بعض القرويين لنقل ابن المواز عن أشهب: لا إذن لسفيهة في نفسها ولا مالها كالبكر وظاهر كلام الشيخ ولو كانت الثيوبة من زنا لا تجبر وهو كذلك عند ابن عبد الحكم ذكره ابن حارث وغيره وهو مذهب ابن الجلاب. وقيل: إنها تجبر على النكاح قاله في المدونة وقيل: إن تكرار الزنا منها حتى زال جلباب الحياء عن وجهها لم تجبر وإلا تجبر وإلا جبرت قاله القاضي عبد الوهاب لمناظرة وقعت بينه وبين مخالفه في عله الإجبار هل هي البكارة أو الحياء واختار اللخمي الأول أنها لا تجبر ويكون إذنها كبكر فيجمع عليها حكم الثيب وحكم البكر. وعزاه ابن رشد للشيخ أبي محمد وعزاه أبو إبراهيم لمحمد بن وضاح فيتحصل في المسألة أربعة أقوال وجعل بعض الشيوخ قول القاضي عبد الوهاب تفسيرا للمديونه وهو الأقرب؛ لأنه إنما قصد المناظرة عن المذهب. قال ابن رشد: والوطء بالغصب كوطء الزنا ولم يرتضه بعض شيوخنا قائلا: المغتصبة أقرب إلى الجبر. قلت: وهذا التضعيف إنما يتمشى أن لو قصد التخريج ولكنه ذكر الخلاف فيها بالنص.

стр. 414

فقال في مقدماته: اختلف فيها إذا زنت أو غصبت فقيل: حكمها حكم البكر عموما وقيل: حكم الثيب، وقيل: مثلها في أنها لا تزوج إلا برضاها وحكم البكر في أن إذنها صماتها. وظاهر كلام الشيخ إن ثيبت قبل البلوغ أنها لا تجبر وهو أحد الأقوال الثلاثة وقيل: إنها تجبر وقيل: إن أراد أن يزوجها قبل البلوغ فله الجبر وإلا فلا. (ولا تنكح امرأة بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها كالرجل من عشيرتها أو السلطان): قال في التهذيب: وقول عمر لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان فذو الرأي من أهلها كالرجل من العشيرة أو العم والمولى. وقال عنه ابن نافع: هو الرجل من العصبة ونقل أبو إبراهيم عن عبد الملك هو الرجل من البطن وقال اللخمي: اختلف في معنى ذي الرأي فقيل: هو الرجل الصالح والفاضل، وقيل: هو الوجيه الذي له رأي ومن يرجع إليه في الأمور فيتحصل فيه ابن نافع قائلا: اتفقوا على منعه قبل إطاقتها المسيس وقيل: يجبرها إن كانت مميزة والفاضل، وقيل: هو الوجيه الذي له رأي ومن يرجع إليه في الأمور فيتحصل فيه قولان وفي كيفية كونه من أهلها ثلاثة أقوال وقول عمر الى الترتيب عند اللخمي وعلى التخيير عند الباجي ولا يكون الحاكم وليا في النكاح حتى يثبت عنده أربعة عشرة فصلا، وهي كونها صحيحة بالغة غير مولي عليها ولا محرمة على الزوج وأنها حرة وأنها بكر أو ثيب وإن لا ولي لها أو عضله لها أو غيبته عنها وخلوها من الزوج والعدة ورضاها بالزوج والصداق وأنه كفؤ لها في الحال والمال وأن المهر مهر مثلها في غير المالكة أمر نفسها، وإن كانت غير بالغ فيثبت فقرها وأنها بنت عشرة أعوام فأكثر أنظر وثائق الغرناطي. (وقد اختلف في الدنية تولي أجنبيا): اختلف في ولاية الإسلام مع ولاية النسب على ثلاثة أقوال حكاها غير واحد فقيل: لها مدخل ويصح ذلك إن وقع مع وجود ولي النسب حكاه القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى، وقيل: إن الدنية وغيرها سواء لا يزوجها إلا ولي أو سلطان، رواه أشهب وقيل بالأول في الدنية وبالثاني في غيرها قاله مالك في المدونة ونصها: قيل لمالك في رجال من الموالي يأخذون صبيان الأعراب تصيبهم السنة فيكفلونهم ويربونهم حتى يكبروا فتكون فيهم الجارية فيريد أن يزوجها فقال: ذلك جائز، ومن أنظر لها منه وأما كل امرأة لها بال وغنى وقدر فتلك لا يزوجها إلا وليها أو السلطان.

стр. 415

قال ابن رشد: يريد بغير رضاها؛ لأنه جعله بحضانتها كوكيل على إنكاحها لا يفتقر إلى رضاها، وقال ابن حبيب في روايته عن مالك: إذا مات أبوها أو غاب أولياؤها فإنه يزوجها وإلا فلا وقول أبي إبراهيم، وعلى هذا حمل الشيوخ المسألة على أنها غير ذات أب خلاف ما تقدم لابن رشد، وظاهر المدونة، والحاصر لا يزوج إلا الدنية فقط قال المتيطي: وظاهر قول ابن العطار أنه ولي مطلقا وأقيم منها أن الحاضن يبيع ربع المحضون، وهذه الإقامة لأبي عبد الرحمن وغيره ونحوه لابن لماجشون في الواضحة وهو أحد الأقوال الأربعة، وقيل: إنه لا يبيع أخذه من كتاب القسم من المدونة فيمن كنف أخا له صغيرا قال: لا يجوز بيعه عليه ولا قسمه وهو قول أصبغ في الثمانية وقيل بالأول في اليسير، وبالثاني في الكثير قاله في العتبية، وقاله أصبغ أيضا، وبه مضي عمل الموثقين وقيل بالأول إن كانت البلدة لا سلطان فيها، وبالثاني إن كان فيها قاله ابن الهندي، وكلاهما ذكره المتيطي قائلا: وعلى الثالث، واختلف في مقدار اليسير على ثلاثة أقول فقال بعض الاندلسيين عشرة دنانير ونحوها. وقال ابن العطار عشرون ونحوها وقال محمد ثلاثون. قلت: ويقوم منها أن له أن يرشدها، وأباه شيخنا أبو مهدي عيسي الغبريني أيده الله تعالى قائلا: هو اشد وما قلناه أولى؛ لأن التسلط على ذاتها أشد فهو أحروي والله أعلم. فإن قلت: ما بال البراذعي اختصرها سؤالا وجوابا كما هو في الأم؟ قلت: لأنها فيها الخلوة بالأجنبية، وفي إجازة المدونة: أكره للأعرابي أن يؤاجر غير ذي محرم منه حرة أو أمة وظاهر المدونة أنه لا حد لمقدار زمان الحضانة وإنمايرجع في ذلك إلى العرف وإلى هذا ذهب بعض الشيوخ وقال بعض الموثقين: إنها محدودة بعشر سنين. وقال أبو محمد صالح: أقلها أربعة أعوام وظاهرها أيضا أن الولاية للحاضن ولو طلقت أو ماتت وهو كذلك عند ابن عتاب، وقيل: لا تعود قاله ابن العطار في وثائقه، وقيل: إن كان خيرا فاضلا عادت وإلا فلا قاله ابن الطلاع في وثائقه وقيل: إن عادت إلى كفالته عادت نقله ابن فتحون. (والابن أولى من الأب والأب أولى من الأخ ومن قرب من العصبة أحق): ما ذكر الشيخ من أن الابن مقدم على الأب هو المشهور، وقيل: إن الأب أولى منه حكاه من رواية المدنيين قائلاً: ذلك في بعض الكتب قال ابن عبد السلام:

стр. 416

واختار بعض أشياخ أن لا ولاية للابن في هذا الباب إلا أن يكون من عشيرة أمه وهو القياس ويريد الشيخ أن ابن الابن كالابن نص على ذلك في المدونة ومعنى قوله " ومن قرب من العصبة أحق" يعني به أن الأخ وابنه مقدمان على الجد وهو كذلك لأن الأخ يتقرب ببنوة الأب والجد يتقرب بأبوته. وقال المغيرة: الجد أولى منهما واختلف هل الأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب أو هما سواء؟ قولان والأول منهما رواه ابن القاسم في كتاب حبيب واختاره، والثاني رواه على عن مالك في المدونة وأجراهما اللخمي في ابنيهما والعمين وابنيهما. وقال ابن الحاجب: وفي تقديم الشقيق من الأخ والعم وابنه على الآخر روايتان لابن القاسم والمدونة فظاهره أن الخلاف في الجميع بالنص وليس كذلك بل كما قدمناه ونبه عليه ابن عبد السلام. (وإن زوجها البعيد مضى ذلك): ظاهر كلام الشيخ أنه لا يجوز ابتداء وهو كذلك قال في المدونة: وإن زوجها الأبعد برضاها وهي ثيب وولدها حاضر فأنكر ولدها وسائر الأولياء ولم يرد النكاح، وروى البغداديون جوازه ابتداء وتأول على المدونة نقله عياض وفي المدونة روي على إن كانا أخوين جاز ولا ينبغي إن كانا أخا وعما وابنه، وفيها روى أكثر الرواة ينظر السلطان بعضهم للأقرب رده ما لم يطل وتلد الأولاد، وقال ابن حبيب في الواضحة: ما لم يبن بها. وقال المغيرة يفسخ على كل حال؛ فيتحصل في المسألة سبعة أقوال وكل هذا في ذات المنصب والقدر وأما الدنية فيمضي فيها باتفاق قاله اللخمي. قلت: وأشار إليه في المدونة بقوله: وهو في ذات المنصب والقدر ويريد بالمنصب عمل يدها وبالقدر مالها وجمالها قاله البلوطي، وهذا في غير المجبرة، وأما المجبرة كالأب في ابنته البكر وكالسيد في أمته فالمشهور تحتم الفسخ وروى عبد الوهاب عن مالك أنه يمضي بإجازة السيد، وخرجه اللخمي في الأب ولم يحفظ ابن عبد السلام التخريج المذكور قائلاً: الفرق على هذا القول بين الحرة والأمة أن الغالب في حال الأمة صلاحية كل أحد لها وأنه كفؤ لها فلم يبق إلا إلحاق عيب النكاح، وذلك بيد السيد ومن حقه فإذا رضيه لزمه ومضى النكاح فكلامه ﵀ هذا يرد به تخريج اللخمي.

стр. 417

(وللوصي أن يزوج الطفل في ولايته): ما ذكر الشيخ مثله في المدونة ونقل ابن زرقون عن سحنون أنه لا يزوجه وقيل بالأول إن كانت ذات شرف أو مال أو بنت عم قاله المغيرة وروى ابن المواز لا يعجبني أن يزوجه فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، وخرج اللخمي الخلاف في الأب وبعده بعض شيوخنا يريد لأن الأب محمول على النظر بخلاف الوصي فإنه محمول على غير النظر على أحد القولين ويجاب بأن المانع علل بكونه إذا بلغ طلق لكونه مكرها فلا فرق على هذا بين الأب وغيره. قال ابن رشد: ولم أر في الحاكم خلافا، وينبغي أن يجوز له ذلك بلا خلاف لأن الحاكم لا يفعل ذلك إلا بعد أن يثبت عنده أن في ذلك مصلحة قلت: ويرد بما قلناه والله أعلم. واختلف في جبر السفيه فقال ابن القاسم: يجبره وقال عبد الملك: لا يجبره وأخذه عبد الحق من كتاب إرخاء الستور من المدونة وذلك أنه قال في العبد يزوجه سيده بغير إذنه والسفيه لا يزوجه إلا بإذنه، وقال عياض: في إرخاء الستور لعبد الملك لابن القاسم وأخذ الأول من النكاح من قولها والولي في يتيمه. قال ابن عبد السلام: والصحيح عدم جبره وللزومه الطلاق إذا طلق فإذا جبره على ما لا يجب فيلزمه الصداق أو نصفه من غير منفعة تعود عليه وهذا سوء نظر في حقه والله أعلم. (ولا يزوج الصغيرة إلا أن يأمره الأب بإنكاحها وليس ذوو الأرحام من الأولياء والأولياء من العصبة): إنما كان له تزويج الذكر دون الأنثى قالوا لأن الذكر قادر على أن يحل عن نفسه بعد البلوغ بالطلاق بخلاف الأنثى. قلت: وهو ضعف لأن حاله التزويج ليس له فيها منفعة في الحال وما هذا شأنه لا ينبغي لناظر فعله ولا سيما إن كان الابن فقيرا فليس بمصلحة تعمير ذمته بالصداق بخلاف تعمير ذمته بالديوان في المعاملات المالية؛ لأن المنفعة بأعواض الديون حاصلة في الحال. (ولا يخطب أحد على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه وذلك إذا ركنا وتقاربا):

стр. 418

ظاهر كلام الشيخ أن الركون كاف وإن لم يقدر وهو كذلك عند ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وغيرهم، وقيل: لا يكفي الركون حتى يسمى الصداق لاحتمال عدم الموافقة عند تقديره قاله ابن نافع وهو ظاهر قول مالك في الموطأ على واحد كالبالجي، وحكاه أبو عمر بن عبد البر على معنى آخر فقال ابن القاسم معني النهي في ذلك في رجلين صالحين، وأما عن ركنت لرجل سوء فينبغي للولي أن يحضها كل واحد فذلك في المتقاربين فأما فاسق وصالح فلا قاله ابن القاسم حسبما نقله عنه على رجل صالح الذي يعلمها الخير ويعينها عليه، وهذا إنما فيه الحض على مخالطة أهل الخير ومجانبة أهل الشر فإن وقع العقد بعد الركون للأول فقيل يفسخ مطلقا وعكسه. وقيل: يفسخ قبل الدخول لا بعده وهو المشهور، وكلها لمالك ومفهوم كلام الشيخ إذا لم يقع تراكن أنه جائز وهو كذلك باتفاق، وإذا أمر رجل رجلاً أن يخطب له فأراد أن يخطب لنفسه فله ذلك ويعلمها بالباعث له أولا وفعله عمر حسبما نقله ابن عبد البر عن ابن وهب ولولا الإطالة لذكرنا ذلك وفي سماع ابن أبي أويس أكره لك، وما سمعت فيه رخصة وتأوله بعض شيوخنا على ما إذا خص نفسه، وأما السوم على سوم الأخ فذكره الشيخ أيضا في البيوع فلنؤخر الكلام على ما يتعلق به إلى ذلك المكان. (ولا يجوز نكاح الشغار وهو البضع بالبضع): اعلم أن في كلام الشيخ تقديم التصديق قبل التصور وقد علمت ما فيه، ولا خلاف أن نكاح الشغار لا يجوز ابتداء واختلف إذا وقع صريحه على ثلاثة أقوال: فقيل: يفسخ أبدا وهو المشهور وقيل: يمضي بالدخول رواه على بن زياد، وقيل: إنه يمضي العقد حكاه ابن بشير في آخر الفصل عن مالك بعد أن قال في أوله: لا خلاف فقد تناقض كلامه ﵀ ونبه عليه بعض شيوخنا وهذا القول الأخير أخذه الشيخ أبو القاسم السيوري وابن شبلون من المدونة من قولها فيه الإرث والطلاق ورده ابن سعدون بأن قوله بالإرث في إنما هو تفوت موضع الفسخ بالموت وألزمه بعض شيوخنا القول به منصوص أنه يفسخ قبل البناء ونقل وبعض المتأخرين فيه خلافا منصوصا، وهو باطل في كل نكاح فاسد وخرجه بعض شيوخنا من أحد قوليه فيما اختلف فيه أنه يمضي ولا يرد وأن نزوله كحكم حاكم به وعلى المشهور أنه يفسخ أبدا وإن

стр. 419

وقع الدخول فقال في المدونة لها صداق المثل، وأما في وجه الشغار فقال أيضا في المدونة يفرض لها صداق مثلها ولا يلتفت إلى ما سميا. قال سحنون: إلا أن يكون ما سميا أكثر فلا ينقص من التسمية فحمل بعض الشيخ قول سحنون على التفسير واحتج بتنظير ابن القاسم بالتي بعدها وبأن ابن لبابة ذكر من قول ابن القاسم ولم يذكر فيه اسم سحنون يكون معنى قوله ولا يلتفت إلى ما سميا إن كان أقل من المثل فيكون لها الأكثر وحمله بعض الشيوخ على الخلاف، واحتج بأن هذه الزيادة لم تقع في الأسدية وبأن في مختصر ابن أبي زيد لها صداق المثل كان أقل من التسمية أو أكثر وأما وجه الشغار فإنه يفسخ قبل الدخول ويمضي بعده وأخرى فيه بعض الشيوخ قولا بالفسخ بعد البناء من الصداق الفاسد وقبله خليل. وقال ابن أبي حازم: لا يفسخ قبل البناء وظاهر ما حكاه المتيطي عنه جواز الإقدام عليه لأنه قال: وقال ابن أبي حازم في المدونة: لا بأس وأما المركب منهما فيجري كل من الصريح والوجه على أصله السابق. (ولا نكاح بغير صداق): لا خلاف أنه لا يجوز ابتداء فإن وقع فقيل يفسخ أبدا، وقيل قبل الدخول فقط والقولان في المدونة نصها قال ابن القاسم ومن نكح بغير صداق فإن كان على إسقاطه فسخ قبل البناء وثبت بعده ولها صداق المثل، وهذا الذي استحسن وقد بلغني ذلك عن مالك، وقيل: يفسخ ذلك وإن دخلا. قال ابن القاسم: وإن لم يذكر الصداق ولا شرطا فذلك تفويض جائز وبالقول الثاني قول أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ إلا أن أشهب قال: لها ثلاثة دراهم فقط إذا وقع الدخول وقال ابن وهب وأصبغ: لها صداق المثل. (ولا نكاح المتعة وهو النكاح إلى أجل): لا خلاف في المذهب أن نكاح المتعة لا يجوز ويفسخ أبدا وفي كونه بطلاق أو دونه قولان وهل لها بالدخول المسمى أو صداق المثل؟ قولان قال اللخمي: والأحسن المسمي لأن فساده في عقده وصوبه ابن رشد بأن شروط النكاح من الولي وغيره حصلت ولكن وقع التوافق على انحلاله بعد شهر مثلا وقيل: بل هو بغير ولي وبغير صداق وبغير شهود قاله أبو عمر بن عبد البر في التمهيد، وقال القاضي وهو ظاهر أحاديث مسلم: وأما نكاح النهارية فقال مالك: لا خير فيه قال ابن القاسم يفسخ قبل

стр. 420

البناء ويمضي بعده بصداق المثل. وقال عيسى يفسخ مطلقا نقله ابن رشد وعليه يكون لها المسمى إذا وقع الدخول، ولو تزوج المسافر ليفارق إذا سافر وفهمت ذلك المرأة ففي جوازه ومنعه قولان ذكرهما اللخمي، وأما نكاح الخيار فإن كان في المجلس فإنه جائز لأنه كالمراودة على النكاح وهو أخف من الصرف فيه، وأما بعد الافتراق فما قرب منه فجائز أيضا قال اللخمي: وهو في هذا الموضع أوسع من الصرف، وقد قال ابن القاسم في كتاب محمد: إن شرطا مشورة فلأن الشيء القليل وهو حاضر في البلد فأتيا به من فوره جاز. قلت: وحمل ابن رشد سماع أصبغ مثله على أنهما لم يفترقا من المجلس، وأما إذا كان الخيار ليوم أو يومين فمنعه في المدونة قائلا: لأنهما لو ماتا لم يتوارثا وخرج اللخمي جوازه من الصرف على القول به وضعف تعليلها قائلا: لأن المانع عنده خوف الموت ومراعاته في اليومين والثلاثة نادر والنادر لا حكم له، وأيضا فإن النكاح غير منعقد حتى يمضي فلا يضر عدم الميراث ويجوز على تعليلها إذا كان الزوج عبداً وكانت هي أمة لأنه لا ميراث فيه ولو كان منعقدا ونص في المدونة على أن الخيار للزوجين والولي لا يجوز كما إذا كان لأحدهم. وقال ابن رشد: وهو جائز لانحلاله وحيث يمنع فلا خلاف أنه يفسخ قبل البناء وفي فسخه بعد البناء قولان لمالك والذي رجع إليه عدم الفسخ والقولان في المدونة ورجح بعض الشيوخ الفسخ لأن فسادة في عقده قال في المدونة: ولها المسمى دون صداق المثل، قال عياض في الأسدية: لها صداق المثل، قال الفاكهاني: فقول شيخنا جمال الدين الصنهاجي ظاهر المدونة فيها وفي التي بعدها تليها صداق المثل هو ظاهر. وكذلك القولان فيها في إن لم يأت بالصداق وإلى أجل كذا بالنسبة إلى الفسخ بعد البناء وقال أشهب: هو نكاح جائز ابتداء. (ولا النكاح في العدة ولا ما جر إلى غرر في عقد أو صداق ولا بما لا يجوز بيعه): لا خلاف أن عقد النكاح في العدة لا يجوز بل التصريح بالخطبة حرام إجتماعا وعكسه التعريض فإنه جائز ويأتي الكلام على ذلك حيث تكلم عليه الشيخ إن شاء الله. (وما فسد من النكاح لصداقة فسخ قبل البناء فإن دخل بها مضى وكان فيه صداق المثل): اختلف المذهب فيها فسد لصداقه كمن نكح على عبد آبق على ثلاثة أقوال:

стр. 421

فقيل: يفسخ أبدا وعكسه وقيل: يفسخ قبل البناء لا بعده قاله في المدونة وهو المشهور وعليه الشيخ وكلها لمالك، ولم يقف ابن عبد السلام على القول بعدم الفسخ لمالك لقوله ذكره غير واحد ولم ينسبه وأجابه خليل بأن عبد الوهاب في الإشراف نقله، وكذلك نقله ابن الجلاب أيضا. وظاهر كلام الشيخ أن فسخه قبل البناء على طريق الوجوب، وهو كذلك عند جميع المغاربة الذي هو منهم، وذهب العراقيون إلى أن ذلك على طريق الاستحباب، وكلاهما تأويل على المدونة ولو دعا الزوج إلى البناء والنفقة فأنفق ثم عثر على الفساد، وفسخ فقيل يرجع بها عليها كمن اشترى من رجل داره على أن ينفق على البائع حياته، وقال عبد الله بن الوليد: لا يرجع بها عليها لأن الفسخ قبل البناء غير واجب إذ أجازه جماعة من العلماء إذا عجل ربع دينار، ورده بعض شيوخنا بأن الفرض الحكم بفسخه، ومراعاة الخلاف مع الحكم بنقضه لا يصح، ويجاب بأنه إنما قصد مراعاة الخلاف. وأجرى غير واحد ممن لقيته ذلك الخلاف في الحمل إذا نقش بعد النفقة عليه، وذكر في المدونة من الأشياء التي فسادها في الصداق الجنين في بطن أمه ثم قال وما هلك بيد الزوجة ضمنته قبل قبضه وتكون مصيبتها من الزوج وما قبضت ثم تغير في يدها في بدن أو سوق فقد فات وترد القيمة فيما له قيمة والمثل فيما له مثل وأقام عياض من مسألة الجنين أن يبيع التفرقة بقيمة حوالة الأسواق. (وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى): قال الشيخ أبو الحسن اللخمي كل نكاح أجمع على فساده فإنه يفسخ أبدا وكل نكاح اختلف فيه، فإن كان فساده لعقده فسخ قبل البناء وفي فسخه بعده خلاف كنكاح المريض والمحرم ومثله نقل ابن شاس. وقال ابن الحاجب: وما اختلف فيه فإن كان بنص أو سنة أو لحق الورثة فكذلك يعني يفسخ أبداً اتفاقا فإن لم يكن كذلك، فإن كان لخلل في عقده ففي فسخه بعد الدخول قولان، واعترضه بعض شيوخنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أن نكاح المريض مختلف فيه كما سبق. الثاني: أن قوله وإن كان لنص أو سنة خلاف إطلاق الشيوخ وظاهر الروايات الحكم في المختلف فيه مطلقا.

стр. 422

الثالث: أن وجود فيه بالقرآن أو السنة ينفي القول بجوازه. (وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثا ولا يحصن به الزوجان): اعلم أن النكاح المختلف في صحته وفساده بين أهل العلم والمذهب قائل بفساده فإنه يعتبر عقدة في التحريم كما يعتبر العقد الصحيح المتفق عليه احتياطا فتحرم به على الآباء والأبناء وتحرم أمهات النساء، وكذلك يعتبر وطؤه من باب أحرى فتحرم الربيبة. ثم اعلم أنه اختلف المذهب هل يراعي كل خلاف أولا يراعى إلا الخلاف المشهور، وعلى الثاني فقيل هو ما كثر قائله وقيل ما قوي دليله. قال ابن عبد السلام: والذي ينبغي أن يعقد من ذلك، وهو الذي تدل عليه مسائل المذهب أن الإمام رحمه الله تعالى – يعني به مالكا- إنما يراعي من الخلاف ما قوي دليله فإذا تحقق فليس بمراعاة الخلاف البتة وإنما هو إعطاء كل واحد من الدليلين ما يقتضيه من الحكم مع وجود المعارض والله أعلم. وقد أجاز رحمه الله تعالى الصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وأكثرهم على خلافه وأباح بيع ما ليس فيه حق توفيه من غير الطعام قبل قبضه وأجاز أكل الصيد إذا أكل منه الكلب إلى غير ذلك من المسائل ولم يراع في ذلك خلاف الجمهور وهذا مما يدل على أن المراعي عنده إنما هو الدليل لا كثرة القاتل والله أعلم. وأما كل نكاح مجمع على فساده فإن كان مما يدرأ الحد فيه فإن وطأه معتبرا ولا يعتبر العقد على المشهور، وقيل: ويعتبر قاله ابن القاسم في المدونة. وقال ابن عبد السلام وهو قول ابن الماجشون، واعترضه بعض شيوخنا بأنه خلاف ما نقل الباجي عنه في قوله ما حرم بالكتاب أو بالسنة كخامسة أو معتدة أو المرأة على أختها أو خالتها لغو وإن كان مما لا يدرأ حده فعكس ما قبله لا يعتبر عقده باتفاق وفي الوطء قولان وهما كالخلاف في الزنى هل يحرم الحلال أم لا؟ (وحرم الله سبحانه من النساء سبعا بالقرابة وسبعا بالرضاع والصهر فقال تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: ٢٣] فهؤلاء من القرابة):

стр. 423

قال ابن الحاجب: والقرابة هي السبع في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] ، وهي أصوله وفصوله وفصول أول أصوله وأول فصل من كل أصل وإن علا، قال الشيخ ابن عبد السلام: اعلم أن كل من له عليك ولادة بمباشرة أو بدرجة فأكثر فهو أصلك وكل ما لك عليه ولادة بمباشرة أو بدرجة فهو فصلك فيدخل في الأول الأم باعتبار ولدها وأمها وإن علت، وكذلك الأب باعتبار ابنه وأبيه وإن علا فهذا مراد المؤلف بأصوله وفصوله، وقد علمت من هذا أن أول أصوله هو من باشره بالولادة وذلك هو الأب والأم وفصولهما هو الأخ والأخت من أي جهة كانا وأولادهما. وهذا معنى قول المؤلف وفصول أول أصوله وهم بنو أبيه وبنو أمه وإن سفلوا؛ لأنهم أولاد أبيه ثم قوله وأول فصل من كل أصل وإن علا يعني أول فصل خاصة من كل أصل ماعدا الأصل الأول لأن الأصل الذي يلي الأصل الأول هو الجد الاقرب والجدة القربى، وإن الأول عم أو خال أو عمة أو خالة وابنة الجدة الموصوفة وابنها كذلك وهم أول الفصول والتحريم مقصور عليهم، وأما أولادهم، فهم حلال لأنهم إما أولاد عم أو أولاد عمة أو أولاد خال أو أولاد خالة وأولاد أولادهم، ورأي بعض شيوخنا أن عبارة ابن الحاجب فيها طول فقال هي فرعه وأصله وأقرب فرعه وأبعد أقربه. واختلف المذهب في تحريم المخلوقة من مائة على وجه الزنى والمشهور أنها تحرم عليه وبه قال أبو حنيفة. وقال ابن الماجشون: لا تحرم عليه قال سحنون هو خطأ صراح وبقول ابن الماجشون قال الشافعي قال ابن عبد السلام وهو الأقرب لأنها لو كانت بنتا لحصلت لها أحكام البنت من الميراث وولاية الإجبار ووجوب النفقة وجواز الخلوة بها وحمل الجناية عنها إلى غير ذلك، واللازم باطل انظر تمامه ولولا الإطالة لذكرناه. (واللاتي من الرضاع والصهر قوله تعالي: ﴿وأمهتكم التي أرضعنكم وأخوتكم من الرضعة وأمهت نسائكم وربئبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلئل أبنائكم الذين من أصلبكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءاباؤكم من النساء﴾ [النساء: ٢٢] وحرم النبي ﵇ بالرضاع ما يحرم من النسب):

стр. 424

ظاهر كلام الشيخ أن أمهات النساء يحرمن سواء دخل بالبنت أم لا وسواء طلق البنت أو ماتت وهو كذلك باتفاق المذهب، وحكي عن على بن أبي طالب ﵁، وزيد بن ثابت وابن عمر وابن الزبير وجابر وإحدى الروايتين عن ابن عباس أنها لا تحرم إلا بدخول البنت وحكي عن زيد أنه إن طلق البنت لم تحرم وفي الموت تحرم، ومذهبنا أن الربيبة تحرم على من دخل بأمها وإن لم تكن في حجره، وحكي عن علي أنه طلق البنت لم تحرم وركن إليه ابن عبد السلام بقوله هو ظاهر الآية لأنها مقيدة بوصفين: أحدهما: كون الأم مدخولا بها. والثاني: كون البنت في حجره والحكم المعلل بعلة مركبة لا يثبت إلا بعد حصول جميع أجزائها ويقوي اعتبار هذا القيد ما وقع في الصحيح وقد عرض على رسول الله ﷺ نكاح ربيبته بنت أم سلمة، فقال: "لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأباها ثوبية" فانظر كيف ذكر هذا الوصف كما هو مذكور في الآية، ولو كان ملغي لما تكرر ذكره في الكتاب والسنة والله أعلم. والمشهور أن أمة الابن لا تحرم على الأب حتى يطأها الابن أو يتلذذ بها، وقال الشافعي تحرم عليه ومثله لابن حبيب حسبما نذكره إن شاء الله تعالى بعد، وسبب الخلاف هل يصدق عليها بالملك أنها حليلة أم لا يصدق عليها إلا بعد الاستمتاع. (ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها فمن نكح امرأة حرمت بالعقد دون أن تمس على أبائه وأبنائه وحرمت عليه أمهاتها ولا تحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم): ما ذكر الشيخ صحيح وقاس عليه أصحابنا وغيرهما وضابطه ما قاله بعض المتقدمين كل امرأتين يمنع نكاحهما لو كانت إحداهما ذكرا وانتقض عليه بصورتين وهما الجمع بين المرأة وأم زوجها والمرأة مع ابنة زوجها فإنه جائز فزيد في الحد المذكور من القرابة فيتخرج بذلك الصورتان فإنهما أجنبيتان وقيل ضابطه كل امرأتين بينهما من القرابة والرضاع ما يمنع نكاحهما أن لو كانت إحداهما ذكرا فإن جمع بينهما في عقد فسخ فيهما ولا مهر إن لم بين ولمن بنى منهما مهرها. قال الشيخ أبو الطاهر: هذا مع عدم العلم بالتحريم وأما مع العلم به ففي كونه كمحض زنا في هذا الأصل قولان ويجري عليهما نفي الصداق وثبوته، وأما إذا كان

стр. 425

تزويجهما في عقدين فإن علمت الأولى منهما فسخ نكاح الثانية وثبتت الأولى في غير الأم وابنتها باتفاق وأما فيهما ففيه كلام يطول جلبه وإن جهلت الأولى فسخ فيهما وإن ادعى الزوج تعيينهما فقال محمد بن المواز: يصدق ويفارق الأخرى وعارضها اللخمي بقول: نكاح المدونة لا تصدق المرأة إذا تزوجها رجلان جهل أولهما. وفرق ابن بشير بينهما بوجهين أحدهما: أن عدم تصديق الزوجة للتهمة، الثاني: أن الزوج قادر على فسخ النكاح وابتدائه ورده بعض شيوخنا بأنه أيضا يتهم لاحتمال خوف عدم إصابته من يريد نكاحها منهما بعد الفسخ وأنها قادرة على الفسخ لعدم تعيينها. (أو يتلذذ منها بنكاح أو ملك يمين أو بشبهه من نكاح أو ملك): ظاهر كلام الشيخ سواء كانت لذة بقبلة أو نظرة أو مباشرة وهو كذلك فأما النظرة فاختلف فيها على ثلاثة أقوال: أحدها ما تقدم وهو المشهور وقال ابن القصار نظره إلى وجهها أو غيره من جسدها لا يحرمها. وعزاه ابن رشد لابن شعبان قال: وروى ابن وهب إيجابه الكراهة وذكر ابن بشير قولين في غير النظر للوجه قال، وأما النظر له فهو لغو باتفاق وخصص ابن الحاجب الخلاف بباطن الجسد فقال والمشهور أن اللذة بالمباشرة والقبلة، والنظر لباطن الجسد كالوطء في تحريم البنت. قال ابن عبد السلام: وهو خلاف ظاهر الروايات قال ابن حبيب ومن تلذذ بأمته بتقبيل أو تجريد أو ملاعبة أو مغامزة أو نظر إلى شيء من محاسنها نظر شهوة حرم على أبيه وأبنه التلذذ بشيء منها ورواه أيضا محمد عن مالك، وزاد وكذلك إن نظر إلى ساقها ومعصمها تلذذ وأما القبلة والمباشرة فقد تقدم كلام ابن الحاجب فيهما، وأنه حكي الخلاف فيهما كالنظر. قال ابن عبد السلام: ولا أعرف القول الشاذ في المذهب نعم هو قول الشافعي والحسن. قلت: ومثله لبعض شيوخنا وأجابهما شيخنا أو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى بأن ابن عبد البر ذكره في الكافي رواية عن مالك. قال ابن حبيب: لا يحل مسيس جارية ملكها أبوه وابنه الذي بلغ مبلغ من يتلذذ بالجواري خيفة أن يكون قد مسها. قال ابن عبد السلام: وفيما قاله نظر وينبغي
следующие страницы →