Полный текст (890 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
عدتها لأن الماء ماؤه وفي العتبية عن ابن القاسم إن كانت حاملا فله أن يزوجها ما لم تثقل فتصير كالمريضة فلا يجوز نقله ابن يونس وهو وفاق للمدونة والله أعلم.
(والمعتقة تحت العبد لها الخيار أن تقيم معه أو تفارقه):
يعني ويحال بينهما إلى أن تختار نص على ذلك في الأيمان بالطلاق من المدونة وفيها أيضا عتق بعضها لغو فأخذ منه بعض شيوخنا أن تدبيرها وكتابتها وإيلادها بوطء السيد إياها في غيبة زوجها بعد حيضة من وطئها كذلك قائلاً: أخذا حرويا وإنما كان للأمة إذا أعتقت أن تختار لنقص زوجها بعد حريتها قال اللخمي: وقيل لأنها كانت مجبورة في النكاح فعليه يكون لها الخيار تحت الحر، وعزاه ابن بشير لأبي حنيفة قيل ولم يعني اللخمي قائله واختياره طلقة بائنة.
وروى ابن نافع: ولم يرتض له الرجعة إذا عتق في عدتها، وعزاه اللخمي لرواية ابن شعبان قائلاً: هو القياس كمن طلق عليه لغيبته فقدم في العدة قاله محمد، قلت: هو قول شاذ وليس بالمشهور وفي الكافي عن بعض أصحاب مالك أنها رجعية وليس بشيء قال بعض شيوخنا فظاهره وإن لم يعتق وفي المبسوط عن ابن القاسم تطلق اثنين لأن ذلك جميع طلاق العبد، وفي المدونة: لها أن تقضي بالثلاث على حديث زيد في أحد قولي مالك وأشار بعضهم إلى أنه وهم لما علم من قاعدة المذهب أن الطلاق معتبر بالرجال ووجهه غير واحد بأن جهة لما انتقل إليها الطلاق، أنتقل إليها العدد والموقع له حر فوجب اعتباره، ويسقط خيارها برضاها إما بقول وإما بتمكينها منه ما لم تكن جاهلة بالعتق فتخير اتفاقًا ولو كانت جاهلة بالحكم ففي المدونة لا تعذر، وفي مختصر ابن عبد الحكم تعذر وحسنه بعض الشيوخ لاشتهاره في الزمان الأول وأما اليوم فلا.
(ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه):
ما ذكر الشيخ مجمع عليه للتنافر ولا يخلو حينئذ من أن يكون قبل الدخول أو بعده فإن كان قبل الدخول فلا صداق لها على المشهور، وقال ابن الجلاب: لها نصفه لأن الفرقة جائت من قبله وأبعده ابن عبد السلام؛ لأن هذه الفرقة فسخ ولا صداق في الفسخ وأما بعده فهو كمالها، وكذلك عكس المسألة إذا اشترت المرأة زوجها فإن النكاح يفسخ ومن أجل أن النكاح والملك لا يجتمعان استثقل مالك تزويج العبد ابنة سيده وأجازه ابن القاسم، واختلف في علة قول مالك فقيل ما ذكرنا وقيل لأن النكاح معرض للفسخ لاحتمال أن يموت أبوها فترث بعضها وقيل لأنه ليس من مكارم
стр. 492
الأخلاق، وربما عرض للابنة فتنة لأن الطباع مجبولة على الأنفة من هذا وكراهيته، وهذا الأخير اختيار ابن محرز، ونقل الأول عن المذكورين وضعفه.
وفي المدونة: إن اشترت زوجها وهي غير مأذون لها فرده السيد فهما على نكاحهما قال سحنون إلا أن يري أنها وسيدها اعتزيا فسخ نكاحها بالبيع فلا يفسخ وتبقي له زوجه وهو تفسير لاخلاف وأقيم منها أن الرجل إذا حلف لزوجته لا تخرج فخرجت قصدا للنكاية له فإنه لا يحنث وهو قول أشهب خلافاً لابن القاسم ورده المغربي بأن زوج الأمة ليس له تسبب بخلاف الزوج في مسألة اليمين فإنه تسبب في الحنث لجعل ما بيده وسلم رحمه الله تعالى إقامة بعض المتأخرين منها أو من ارتد في موضعه وعلم أنه قد الفرار بماله من الورثة فإنهم يرثونه ويعاقب بنقيض مقصوده.
(وطلاق العبد طلقتان):
ما ذكر هو المذهب وهو نص كتاب النكاح الأول من المدونة وكتاب العدة وطلاق السنة منها واستشكل ابن عبد السلام كون طلاقه طلقتين قائلاً: مقتضي القاعدة طلقة واحدة فإن موجب نقصه عن الثلاث عندهم تشطير طلاقه برقة فكان كقول الحر: أنت طالق شطر الطلاق فيلزمه بمطابقة لفظة طلقة ونصف طلقة فتكمل عليه فيلزمه طلقتان الباقي له طلقة واحدة، فكذلك العبد لأن رقة الموجب لتشطير طلاقه كلفظ الحر الموجب له.
(وعدة الأمة حيضتان وكفارة العبد كالحر بخلاف معاني الحدود والطلاق):
قال شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني ﵀ صوابه عدتها طهران لا حيضتان، وفي كلامه مسامحة.
(وكل ما وصل إلى جوفي الرضيع في الحولين من اللبن فإنه يحرم وإن مصة واحدة):
стр. 493
ظاهر كلام الشيخ وإن كانت المرضعة صغيرة لا يوطأ مثلها وهو كذلك على ظاهر المدونة في قولها إذا درت بكر لا زوج لها فأرضعت صبيا فهي له أم وذهب ابن الجلاب إلى أنه لا يؤثر ومثله للكافي، والاتفاق على اعتبار إرضاع من توطأ، وقال ابن الحاجب: وفي لبن من نقصت عن سن المحيض قولان فقبله ابن عبد السلام وتعقبه ابن هارون بأنه إنما ذكر الأشياخ الخلاف فيمن لم تبلغ حد الوطء ولم يذكر الشيخ خليل تعقب ابن هارون بل قال تبع في ذلك ابن بشير، وابن شاس ثم ذكر قولي المدونة وابن الجلاب وأن اللخمي حملهما على الخلاف وهو مقتضي قول ابن الحاج ومن ذكر معه قال ولا يبعد أن يحمل ما في المدونة على ما إذا كانت في سن من توطأ فيكون ما فيها وفاقًا لابن الجلاب. وظاهر كلامه ولو كانت المرضعة كبيرة لا توطأ وهو كذلك.
стр. 494
ونقل ابن عبد السلام عن ابن رشد أن لبن الكبيرة التي لا توطأ من كبر لغو، وتعقبه بعض شيوخنا بأن ابن رشد لم يذكره بل قال في مقدماته تقع الحرمة بلبن البكر والعجوز التي لا تلد وظاهره ولو كانت صاحبة اللبن ميتة وهو نص المدونة، وقال ابن رشد: كان يجري لنا في المذكرات قول بأنه لغو وعزاه ابن شاس لنقل ابن شعبان قال ابن عبد السلام: ولا يقال هذا الصواب لأن قوله تعالى: (وأمهاتكم التى أرضعنكم) [النساء: ٢٣]
يخرج الميتة لكونها لا توصف بكونها أرضعت لأنا نقول إنما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وأيضًا فإنه منقوض بما لو حلب غيرها من ثديها وأوجر به صبيا أو أرضع منها الصبي وهي نائمة، واختلف إذا كان المرضع ذكرا على ثلاثة أقوال: فقيل إن إرضاعه معتبر قال ابن اللبان الفرضي، قال أبو الحسن اللخمي وبه قال شيخنا وهو أبين وفي المدونة لا أثر له وهو المشهور.
وقال ابن شعبان: وروى أهل البصرة عن الشافعية ومالك أنه يكره، واختلف إذا كان اللبن مغلو بغيره كطعام مزج بلبن فقيل إنه معتبر قاله مطرف وابن الماجشون وأشهب ولم يعزه ابن عبد السلام إلا لأشهب قائلاً: وعليه فانظر إذا كان اللبن مغلوبًا ينبغي أن يقدر في الواصل إلى بطن الصبي مقدار مصة خالصة لا أقل من ذلك وفي المدونة أنه لا يحرم وأخذ أبو عمران الفارسي منها أنه يشتري من الأسواق ولا يسأل عن حليه ما فيها إذا كان الغالب الحلال.
(ولا يحرم ما أرضع بعد الحولين إلا ما قرب منهما كالشهر ونحوه وقيل والشهرين):
القول باعتبار الشهرين هو نص التهذيب، والقول الأول من قولي الشيخ عزاه المتيطي لابن حبيب وابن القصار، وروى أبو الوليد اعتبار ثلاثة أشهر، وقيل باعتبار شهر فقط رواه ابن الماجشون، وفي المختصر لمالك الأيام اليسيرة وله في الحاوي اعتبار نقضان الشهر وبه قال سحنون، ونقل ابن رشد قولا باعتبار يومين، ونقل الباجي عن ظاهر الموطأ ورواية ابن عبد الحكم أن المراعي الحولان فقط فيتحصل في مقدار الزمان المعتبر ثمانية أقوال، ثم اعلم أن زيادة الشهر والشهرين على المشهور إنما هو تمام الحولين لقوله تعالي (حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) [البقرة: ٢٣٣]
فدل على أن ثم حولين غير كاملين بما يدور عليهما الزمان فزاد الشهرين لذلك وللاحتياط من مذهب غير الذي يقول إن الرضاع للكبير فاحتاط بالشهرين فما رضع
стр. 495
بعد ذلك ولو بيوم فإنه لا يحرم لأنه إنما زيد الشهران احتياطًا قاله الشيخ أبو حفص العطار ﵀.
(ولو فصل قبل الحولين فصالا استغني فيه بالطعام لم يحرم ما أرضع بعد ذلك):
ما ذكر مثله في ابن الجلاب ونحوه في المدونة، وقيل إن إرضاعه مؤثر قاله ابن حبيب ومطرف وابن الماجشون، وقال بعض الشيوخ: إن كان الرضاع مصة أو مصتين لم يحرم وإن أعيد إلى الرضاع وأسقط الطعام حرم، وقبله ابن عبد السلام وظاهره أنه ثلاث للجمع بين القولين، قال ولم يتعرضوا في هذا القسم إلى تحديد اليسير فيما رأيت كما تعرضوا لذلك في القسم الأول والكلام في هذا متقارب.
(ويحرم بالوجور والسعوط ومن أرضع صبيا فبنات تلك المرأة وبنات فحلها ما تقدم أو تأخر إخوة له، ولأخيه نكاح بناتها):
أما الوجور فلا خلاف أنه يحرم والقطرة كافيه رواه ابن حبيب وهو ما صب في وسط الفم وقيل ما صب في وسط الحلق وظاهر كلام الشيخ أن السعوط يحرم وإن لم يتحقق وصوله إلى الجوف وهو كذلك، وقيل إن وصلت إليه حرم وإلا فلا.
وهذا قول ابن القاسم في المدونة والأول هو قول مالك في كتاب ابن حبيب وصوبه بعض المتأخرين لأنه منفذ واسع يصل منه قدر المصة وتأول اللخمي ﵀ قول ابن القاسم على الوقف قليلاً كأنه يقول إنما تقع الحرمة إذا وصل ولا يدري هل وصل أم لا لأنه ليس بكبير فيختبر بوصوله، ورده ابن بشير بأنه ليس يشك وإنما أحال الأمر فيه على تحقق الوصول وعدمه، واختلف في الحقنة على أربعة أقوال: فقيل إنها تحرم مطلقا قاله ابن الماجشون وابن حبيب وعكسه حكاه ابن المنذر عن بعض المصريين عن مالك ومثله لابن الجلاب وحكاه المتيطي عن مالك في كتاب ابن شعبان، وقيل إن وصل إلى جوفه حتى يكون غذاء له حرم وإلا فلا قاله في المدونة، وقيل بالتأثير بشرط إن لم يطعم ويسبق إلا بالحقنة عاش نقله غير واحد كاللخمي عن محمد، وجعله بعض الشيوخ تفسيرًا للمدونة وبالله تعالى التوفيق.
باب في العدة والنفقة والاستبراء
قال بعض شيوخنا: العدة: مدة منع النكاح لفسخه أو موت الزوج أو طلاقه
стр. 496
والنفقة: ما به قوام معتاد حال الأدمي دون سرف فتدخل الكسوة وهو مقتضى قول ابن زرب: ومن التزم نفقة إنسان ثم قال: أردت النفقة دون الكسوة فإنها تجب عليه محتجا بقوله تعالي (وإن كن أولت حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) [الطلاق: ٦].
والاستبراء: مدة براءة الرحم لا لرفع عصمة أو طلاق.
(وعدة الحرة المطلقة ثلاثة قروء كانت مسلمة أو كتابية والأمة ومن فيها بقية رق قرآن كان الزواج في جميعهن حرا أو عبدًا):
ظاهر كلامه وإن كان طلقها مقطوع الأنثيين قائم الذكر إنها تعتد وهو كذلك قاله ابن شعبان في زاهيه وقيل إنها لا عدة عليها، قاله ابن حبيب، وصوبه اللخمي وألزم القائل الأول ولم يعزه أن الصبي القادر على الوطء أن العدة على زوجته، وكذلك قال ابن حبيب إذا ذهبت البيضة اليسرى لا عدة عليها، وقال ابن دينار الولد يلحق بالخصي كيفما كان قيل فعليه تجب العدة كيفما كان.
وفي النكاح الأول من المدونة قيل لمالك من كان مجبوب الذكر قائم الخصيتين قال إن كان يولد لمثله فعليها العدة ويسأل عن ذلك فإن كان يحمل لمثله لزمه الولد وإلا فلا فإن قلت ما بال البراذعي ﵀ اختصرها سؤالا وجوابًا وعادته لا يفعل ذلك إلا لمعنى من المعاني كقول ابن الحاجب وفيها فما هو هذا المعنى.
قلت: قال بعض شيوخنا لثلاثة أوجه:
أحدهما: عدم استقبال جوابه لقوله ويسأل عن ذلك فإنه ليس بقطع في المسألة.
الثاني: كون السائل أجمل لفظه في المسئول عنه.
الثالث: اعتبار جوابه باعتبار الإنزال حسبما دل عليه آخر استبرائها وكلها على طريق التأنيس وإلا فكل ما قال شيخنا يمكن تمريضه بما لا يخفى عليك، قال في المدونة: وإن دخل بها وهي لا يجامع مثلها لصغر فلا عدة عليها ولا سكنى لها وليس لها إلا نصف الصداق.
(والأقراء: هي الأطهار التي بين الدمين):
ما ذكر الشيخ من أن الأقراء هي الأطهار هو المنصوص وخرج اللخمي إنها الحيض من إطلاقها في المذهب على ذلك ومثله نقل المتيطي عن ابن سعدون، وروى ابن وهب لا تحل مطلقة إلا بانقطاع دم الحيضة الثالثة كقول أهل العراق قال بعضهم فعليه الإقراء هي الحيض ورد ابن بشير ما قال اللخمي بأن لفظ الحيض إنما جاء في
стр. 497
موضع الطهر مسامحة لا حقيقة.
(فإن كانت ممن لم تخض أو ممن قد يئست من المحيض فثلاثة أشهر في الحرة والأمة):
يعني بالتي لم تحض إذا كان يجامع مثلها وأما إذا كانت لا يجامع مثلها لكونها صغيرة جداً فلا عدة عليها قاله عبد الوهاب، وقال ابن لبابة: الصغيرة إذا كانت في سن من لا تحيض، ويؤمن منها الحمل لا عدة عليها نقله ابن رشد في المقدمات قائلاً هو شذوذ، وقال اللخمي: رواية ابن عبد الحكم في الأمة التي لا تحمل غالبا وهي تطيق الوطء كبنت تسع وعشر لا يجب استبراؤها خلاف رواية ابن القاسم فيها بوجوب الاستبراء، وظاهر ترجيح هذه الرواية لقوله قياسا على الحرة قال بعض شيوخنا فظاهره أن الحرة متفق عليها.
ونقل ابن يونس عن ابن حبيب وجماعة من التابعين مثل رواية ابن عبد الحكم، قال ابن هارون: هي أشبه لقولهم في الصغير الذي لا يولد لمثله لا تعتد زوجته ولو أطاق الوطء، وعلى المشهور فإن كانت حرة فثلاثة أشهر باتفاق وإن كانت أمة فقال في المدونة: كذلك وأصحابه غير أشهب فإنه قال بالثاني وقيل شهر ونصف وعزاه ابن العربي لابن الماجشون وذكر ابن بشير الثلاثة، واختلف قول مالك هل يلغي اليوم الذي وقع فيه الطلاق، أو يحتسب به إلى مثل وقته، ولهذه المسألة نظائر تقدمت في القصر.
(عدة الحرة المستحاضة أو الأمة في الطلاق سنة):
ظاهر كلام الشيخ سواء كانت مميزة أم لا وهو كذلك في غير المميزة باتفاق قال ابن حارث، وأما المميزة فقيل كذلك قاله أصبغ نقله أو عمر وحكاه ابن يونس رواية وقيل إن عدتها بالإقراء وهو نص المدونة في الطهارة والعدة والاستبراء وهو المشهور، وظاهر المدونة أن مجموع السنة عدة وهو كذلك عند ابن عبد الحكم قاله اللخمي، قال ابن العربي في الأحكام هو مشهور قول علمائنا، وفي المدونة عدتها ثلاثة أشهر بعد تسعة للاستبراء قال الشافعي وغيره عدتها ثلاثة أشهر قال اللخمي وهو أحسن.
قال ابن العربي قاله جماعة من القرويين وهو الصحيح عندي ولو تأخر حيض المرضعة فعليها أن تنتظر الحيض أبداً ما دامت ترضع باتفاق واختلف إذا تأخر لمرض فروى ابن القاسم، عن مالك أنه قال: عدتها منه تسعة أشهر ثم ثلاثة وبهذا أخذ ابن
стр. 498
القاسم، وعبد الله بن عبد الحكم وابن وهب وأصبغ، وقال أشهب: بل عدتها بالإقراء وإن تبادت وهي بمنزلة التي ترضع وليس الرضاع بمانع للحيض من المرض.
(وعدة الحامل في وفاة أو طلاق وضع حملها كانت أمة أو حرة أو كتابية):
ما ذكر من أن عدة الحامل وضع حملها بالنسبة إلى المطلقة وهو كذلك باتفاق، وما ذكر أن المتوفى عنها زوجها هو المشهور وقيل أقصي الأجلين حكاه غير واحد وقد قدمنا أن ظاهر كلام الشيخ ولو خرج بعض الولد وبقي بقيته في البطن فإن له الرجعة، ولا تتزوج حينئذ ونقل ابن العربي عن ابن وهب ما يقتضي إذا خرج ثلثاه أنها خرجت من العدة وتتزوج حينئذ ولا خلاف أن العلقة كافية كالكامل واختلف في الدم المجتمع إذا ألقته هل ذلك لرحمها أم لا ففي استبراء المدونة أنه كذلك.
ونقل أبو محمد في نوادره عن أشهب أنه لغو قال بعض شيوخنا وهو ظاهر قول ابن الجلاب والتلقين وغيرهما ونص ابن الجلاب إذا وضعت الحامل علقة أو مضغة أو جنينا ميتا خلقة أو لم يتم حلت قال فاقتصاره على العلقة والمضغة يدل على أن ما دونهما كالعدم ولتعلم أن عياضًا في الإكمال عكس العزو في المسألة فعزوا ما لابن القاسم لأشهب وما لأشهب لابن القاسم ولم يزل جميع أشياخي ينبهون على ذلك كما نبه عليه ابن عبد السلام فأعلمه قيل ويعرف بأن يصب عليه ماء سخن فلا يذوب.
(والمطلقة التي لم يدخل بها لا عدة عليها):
ما ذكر هو كذلك، وظاهر كلامه ولو كان المطلق مريضًا وهو المعروف في المذهب، وحكي أبو عبيد فيها عن مالك أن عليها العدة، وقال ابن عبد السلام ويلزمه مذهب الحسن البصري أن لها الصداق كاملاً وهو بعيد ولعل الحسن رأى أن تكملة الصداق عقوبة له بدليل الجمهور أن لها الميراث فقد غلبوا حكم الموت على حكم الطلاق وهذا إن لم يثبت له بها خلوة، وقال اللخمي: في كتاب إرخاء الستور: وإن ثبت له بها خلوة، فالعدة ثابتة إن كانت خلوة الاهتداء بلا خلاف تصادقا على نفي المسيس أم لا وكذلك في خلوة الزيارة إذا تصادقا على المسيس.
واختلف في ذلك على ثلاثة أقوال فيما إذا اتفقا على نفي المسيس أو ادعى هو الوطء وأنكرت هي فقيل عليها العدة وإلى هذا ذهب مالك وابن القاسم وقيل لا عدة عليها قاله مطرف وابن الماجشون وأري أنها تستحب إن اتفقا على نفي المسيس فإن تزوجت لم يفسخ وإن ادعي الزوج الوطء فقط وجبت العدة وإن أنكرت فإن تزوجت
стр. 499
فسخ إلا أن تكون بكرا أو تراضيا فإن النساء ينظرن إليها فإن وجدت بكرا لا عدة عليها وإذا وافقت الزوجة على عدم الإصابة عمل على ذلك في إسقاط النفقة والسكنى وكمال المهر إن كانت رشيدة باتفاق وإن كانت سفيهة ففيها اختلاف ففي والواضحة أنه يعمل على قولها ونحوه لعبده الملك في الثمانية، وهو المشهور لأنه لا يعرف إلا من قولها.
وقال مطرف: لا يقبل قولها لإسقاط ما وجب لها وقاله سحنون فيها وفي الأمة ومال ابن عبد السلام ومرض ما علل به المشهور بأن المحجور لا يقبل قوله في إتلاف الأموال مع أن ذلك لا يعلم غالباً إلا من جهته، وأجرى بعض من لقيناه من القرويين عليهما هل يفتقر إلى توكيل السفيهة في طلب حقوقها من زوجها أو لا يفتقر إلى ذلك وجرى العمل على التوكيل.
(وعدة الحرة من الوفاة أربعة أشهر وعشر كانت صغيرة أو كبيرة دخل بها أو لم يدخل مسلمة كانت أو كتابية):
ما ذكر في المسألة هو كذلك باتفاق في المذهب وما ذكره في الكتابية هو المشهور وقيل إن عدتها ثلاثة حيض والقولان لمالك، وهما على الخلاف في الكفار هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا مع أن كل الاستبراء ثلاث حيض وخرج ابن رشد على أنهم غير مخاطبين وأن الاستبراء بواحدة والزائد تعبد إنما يلزمها حيضة واحدة، وكل هذا إذا دخل بها وأما إن لم يدخل بها فقال ابن الجلاب: يخرج على روايتين إحداهما لا شيء عليهما للعلم ببراءة رحمها والرواية الأخرى يلزمه أربعة أشهر وعشر على أنها تعبد.
قلت: لم يحرر رحمه الله تعالى العبارة، لأن ما علل به الرواية الأولى ينتقض عليه بالمسألة وإنما يصح تخريجها على أن الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة وهو الذي
стр. 500
أراد الشيخ رحمه الله تعالى، والله أعلم.
(وفي الأمة ومن فيها بقية رق شهران وخمس ليال):
ما ذكر هو المشهور بالإطلاق وقيل لا عدة على الأمة الصغيرة قبل البناء وإن أطاقت الوطء نقله غير واحد عن مالك من رواية ابن أبي زيد وابن العطار، وقيل هو قول شاذ.
(ما لم ترتب الكبيرة ذات الحيض بتأخيره عن وقته فتقعد حتى تذهب الريبة):
يعني أن زوال الريبة يكون بأحد أمرين إما بحيضة وإما بمضي تسعة أشهر قاله مالك وأكثر أصحابه، ونقل ابن رشد عن ابن الماجشون وسحنون أن تأخير الحيض، لا أثر له، وأما إن ارتابت بحبس بطن فقيل لا تحل أبداً إلا بوضعه إذا كانت تحيض، نقله اللخمي عن رواية أشهب وعزاه ابن العربي في الأحكام لأشهب ومالك قال وهو الصحيح لأنه إذا جاز أن تبقى خمسة أعوام جاز أن تبقى أكثر، وقيل يكفيها مضي مدة أقصى الحمل وهو المشهور وعليه فاختلف في قدره على ستة أقوال، فقيل مايراه النساء وقيل أربع سنين، وقيل خمس سنين، وقيل سبع، وقيل ست وكلها لمالك رحمه الله تعالى، وقيل يكفيها تسعة أشهر حكاه الجوهري في إجماعه عن محمد بن عبد الحكم.
قال ابن عبد السلام: ولا أعلم له موافقًا كما لا أعلم له وجهًا لأن العيان اقتضى خلافه بما لا شكل فيه ولعله لم يصح عنه قلت قال بعض شيوخنا تقرب منه رواية المدونة في أمهات الأولاد من أقر بوطء أمته فجاءت بولد لما يشبه أن يكون حملا لذلك الوطء لحق به ونحوه في أوائل العدة والقول بخمس سنين هو المشهور قاله غير واحد والقول بأربع سنين وهو اختيار ابن القصار وصرح عبد الوهاب بأنه المشهور، وقال ابن الهندي لم يقض العمل إلا بها وقال المتيطي القضاء هو بالخمس.
(وأما التي لا تحيض لصغر أو كبر وقد بنى بها فلا تنكح في الوفاة إلا بعد ثلاثة أشهر):
قال المتيوي يعني به الأمة.
(والإحداد أن لا تقرب المعتدة من الوفاة شيئا من الزينة بحلي أو كحل أو غيره):
قال ابن محرز: ومثله لابن الحاجب هو ترك الزينة المعتادة واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير جامع لأنه مقتضى جواز لبس الخاتم مثلا لمن عليها ثياب رثة لأن العادة تقتضي أن لا تلبس الخاتم إلا من عليها زي يقتضيه قال فالحد الجامع المانع هو
стр. 501
أن يقال الإحداد ترك ما هو زينة ولو مع غيره.
وسمع أشهب وابن نافع أن من توفي زوجها وقد امتشطت أنتقض مشطها قال لا رأيت ول كانت مختضبة في سائر جسدها لوجب غسله كما يجب عليها نزع الزينة وكما يجب على الرجل إن أحرم وهو متطيب غسل طيبه، قلت وتعقبه بعض شيوخنا بوجهين:
أحدهما: أن تفسيره بما ذكر يقتضي منعها من الامتشاط بغير طيب، وهو خلاف قول المدونة تمتشط بالسدر وشبهه مما لم يختمر في رأسها.
والثاني: قوله لوجب كما يجب على الرجل إن أحرم وهو متطيب غسل طيبه هو خلاف قول الشيخ عبد الحق في تهذيبه.
قال بعض شيوخنا: إذا لزمتها العدة وعليها طيب فليس عليها غسل بخلاف من يحرم وعليه طيب، قال عبد الحق: يحتمل أن يفرق بينهما بأن المحرم أدخل الإحرام على نفسه فلو شاء نزع الطيب عنه قبل أن يحرم وبأن فيما دخل على المرأة من وفاة زوجها والاهتمام به شغلا لها عن الطيب.
(وتجتنب الصباغ كله إلا السواد):
ما ذكر من أن لباس السواد جائز هو قول عروة في المدونة وذكر قبله فيها عن مالك لا تلبس من الثياب المصبوغة ولا من الحلي شيئا فظاهره العموم ونبه على هذا بعض شيوخنا، وفسر اللخمي المذهب بجوازه وعزاه الباجي لرواية محمد، وقال القاضي عبد الوهاب كل لون يتزين به النساء تمنع منه الحاد، قال اللخمي وهذا أحسن ورأي أن تمنع الثياب الحسنة وإن كانت بيضاء وكذلك رفيع السواد ولا تمنع الأخضر والأزرق والوردي وتمنع النفيس من الحرير وإن لم تجد إلا مصبوغا باعته أو غيرته بسواد، وقد يستخف بقاؤه بحاله إن كان في تغييره فساد.
قلت: ظاهر كلامه أنه حمل قول القاضي على الخلاف لقوله وهذا أحسن والأقرب أنه تفسير ويحمل على أن كل أحد تكلم على عرفه. فالسواد في الزمان الأول كان ليس من الزينة المعتادة فلهذا أجازه من تقدم ذكره بخلاف الأبيض ولو كان عرفهم على العكس لا نعكس الحكم والله أعلم.
стр. 502
(وتجتنب الطيب كله):
يعني مذكره ومؤنثه كما صرح به ابن الحاجب فالمؤنث كالكافور والمذكر كالياسمين.
(ولا تختضب بحناء ولا تقرب دهنا مطيبا ولا تمتشط بما يختمر في رأسها):
قال في المدونة: ولا تكتحل إلا من ضرورة فلا بأس به وإن كان فيه طيب ودين الله يسر فظاهرها إنها إذا اكتحلت لضرورة لا يلزمها إزالته بالنهار قال بعض شيوخنا ولا يخفى عليك ما فيه، وقيل إنه يجب مسحه بالنهار قاله مالك في رواية محمد، ولمالك في المختصر لا تكتحل بإثمد فيه طيب وإن اشتكت عينها وقيد بعدم اضطرارها لذلك. واختلف في دخولها الحمام فقيل لا تدخله أصلاً وظاهر قول قائله ولو من ضرورة وقال أشهب: لا تدخل إلا من ضرورة وأجازه ابن لبابة.
(وعلى الأمة والحرة الصغيرة والكبيرة الإحداد):
ما ذكر في الأمة والكبيرة متفق عليه وما ذكر في الصغيرة هو المشهور وفي الكافي قيل لا إحداد على الصغيرة وعلى الأول فإن امتشطت فواضح وإلا فأهلها يجنبونها ذلك.
(واختلف في الكتابية وليس على المطلقة إحداد):
القول بأن الإحداد على الكتابية هو قول ابن القاسم، والقول بنفيه هو قول ابن نافع وكلاهما في المدونة وعزا أبو عمر بن عبد البر قول ابن نافع له ولأشهب وروايته واختلف في وجوبه على امرأة المفقود في عدة وفاته فلابن القاسم في المدونة واجب، وقال سحنون وابن الماجشون أنه لا يجب حكاه ابن رشد.
(وتجبر الحرة الكتابية على العدة من المسلم في الوفاة والطلاق):
هذا مما يضعف قول ابن نافع السابق لأن الإحداد هو من توابع العدة والله أعلم، وظاهر كلام الشيخ سواء بنى بها أم لا، وقد تقدم ما في ذلك وإنما جبرت لحق الزوج لأن العدة للزوج بها تعلق وله فيها حق، وما هذا شأنه يغلب فيه حكم الإسلام، وقال بعضهم إنما جبرت لأنها مخاطبة بفروع الشريعة وهو بعيد إذ لو كان كما قال لكان فيها خلاف وإن دخل بها ولا أعرفه.
(وعدة أم للولد من وفاة سيدها حيضة وكذلك إذا أعتقها فإن قعدت عن الحيض
стр. 503
فثلاثة أشهر):
ما ذكر الشيخ من أن عدة أم للولد حيضة هو نص المدونة زاد فيها ولو مات عنها وهي في أولها أو غاب فحاضت بعده حيضة ومات في غيبته لزمتها حيضة بعد وفاته لأنها لها عدة بخلاف الاستبراء قال ابن القاسم لقوة الخلاف فيها قال بعض العلماء عليها عدة أربعة أشهر وعشر وقال بعضهم ثلاث حيض. قال مالك ولا أحب لها المواعدة فيها ولا تبيت إلا في بيتها ولا إحداد عليها، ونقل ابن رشد عن المذهب في ثالث مسألة من رسم عيسى في طلاق السنة لها المبيت في الحيضة في غير بيتها من عتق أو وفاة قال بعض شيوخنا فقف على ما زعم عن المذهب في نقله هو خلاف نص المدونة.
(واستبراء الأمة في انتقال الملك حيضة انتقل الملك ببيع أو هبة أو سبي أو غير ذلك ومن هي في حيازته قد حاضت عنده ثم أنه اشتراها فلا استبراء عليها إن لم تكن تخرج):
ما ذكر من الاستبراء بحيضة هو المنصوص وأخذ ابن عبد السلام أن الاستبراء قرء واحد من المدونة في الأمة المتواضعة في ضمان بائعها حتى تدخل في أول الدم وضعفه بعض شيوخنا بأنه بأول الدم فقط لا به مع طهر قبله لقوله إن ابتاعها في دمها فلا استبراء وضعف شاذ قول ابن الحاجب وهو حيضة على المشهور بقوله لا أعرفه منصوصًا لغيره.
ومثله لخليل وقال إنما خرجه المازري على قول أشهب أن المشتراة في أول دمها لا تكتفي بذلك، وقبله ابن عبد السلام فإن قيل فقدمت ذات الحيض على الدم لا لمرض ولا لرضاع فروى ابن القاسم وابن غانم ثلاثة أشهر، وروى ابن وهب وأشهب تسعة أشهر، وهكذا نقل ابن رشد، وقال اللخمي: نقل ابن القاسم وابن وهب تسعة وابن أبي حازم وأشهب ثلاثة، وقال أشهب وينظرها النساء.
قال بعض شيوخنا: والصواب عن ابن القاسم نقل ابن رشد عن المدونة فإن ارتابت بحبس بطن فتسعة اتفاقًا واستشكل بأنه إن زالت ريبتها قبلها حلت وإن بقيت لم تحل فالتسعة لغو.
وأجاب ابن شاس بأن التسعة مع بقاء الريبة دون زيادة تحلها وإنما لغوها إن ذهبت أو زادت وقبلوه وأما إن تأخر الحيض لمرض أو رضاع فثلاثة أشهر، قال ابن رشد لا أعلم فيه خلافًا وقد يدخله الخلاف بالمعنى وجعلها ابن الحاجب كالأولى
стр. 504
وسلمه ابن عبد السلام، وقال بعض شيوخنا لم أقف على ما قال ومثله لخليل قيل ويحتمل أن يرجع للقول الأخير فقط من القولين السابقين في المسألة السابقة.
قلت: ولولا الإطالة في كلام ابن الحاجب لذكرنا لفظه.
(واستبراء الصغيرة في البيع إن كانت توطأ ثلاثة أشهر):
ما ذكر من أن الصغيرة التي توطأ عليها الاستبراء هو المشهور وتقدمت رواية ابن عبد الحكم بأنه لا استبراء عليها وما ذكر أن مقداره ثلاثة أشهر هو المشهور أيضا، وقيل شهر وقيل شهر ونصف وقيل شهران وكلها في البيان لابن رشد.
(واليائسة من المحيض ثلاثة أشهر والتي لا توطأ فلا استبراء فيها):
واعلم أن اليائسة فيها الأربعة السابقة وأما المستحاضة ففي المدونة ثلاثة أشهر وفي الموازية تسعة، وأما الحامل فمنتهاه وضع حملها والمرتابة بحبس البطن منتهى أقصى أمد الحمل باتفاق وقد تقدم ما فيه من الخلاف.
(ومن ابتاع حاملا من غيره أو ملكها بغير البيع فلا يقربها ولا يتلذذ منها بشيء حتى تضع):
ما ذكر هو المشهور وقال ابن حبيب لا يحرم من الحامل من زنا والمسبية إلا في الوطء نقله ابن الحاجب ﵀ وقال ابن عبد السلام ما ذكر عن ابن حبيب في الزنا لا أعرفه له لكن قال سحنون فيمن اشتري أمه بالبراءة من حمل ظاهر لا بأس أن ينال منها ما ينال من الحائض إذا كان من غير السيد، وقال ابن يونس لعله رخص في هذا للشيخ لأنه يملك نفسه كما أرخص له النبي ﷺ في القبلة في الصوم وأما الشاب فلا وأجابه خليل بأنه نقله غير واحد عنه كالمازري وابن شاس وابن راشد، قال عبد الحق عن أصبغ من زنت زوجته وهي غير بينة الحمل لم يطأها إلا بعد ثلاث حيض فإن وطئها فلا شيء عليه قاله محمد، واختلف إذا اغتصبت وهي بينة الحمل، فقيل إن وطأها جائز قاله أشهب، وقيل إنه مكروه قاله اصبغ ورواه، وقيل يستحب تركه قاله ابن حبيب.
(والسكنى لكل مطلقة مدخول بها):
يريد إلا أن تكون صغيرة دخل بها وهي لا يجامع مثلها فلا سكني لها إذ لا عدة عليها في الطلاق.
(ولا نفقة إلا للتي طلقت دون الثلاثة وللحامل كانت مطلقة واحدة أو ثلاثًا):
стр. 505
يريد إذا كان الطلاق رجعيا، وإما إن كان الطلاق بائنًا فلا نفقة لها حسبما يقوله الشيخ الآن وظاهر كلام الشيخ أن ظهور الحمل كاف في وجوب النفقة فإن لم يتحرك قيل وهو الذى وقع لمالك في غير ما كتاب وفي الموازية يعتبر ظهور الحمل وتحريكه وقيل تجب لها الآن ولا تدفع لها حتى تضع لاحتمال أن يكون ريحا فينفش وهي رواية المبسوط وكتاب ابن شعبان والقول الثاني يرجع للأول وسمعت بعض من لقيته يقول إنه قول ثالث ونظير هذه المسألة هل يلاعن بظهور الحمل أم لا.
واختلف إذا أنفق على الحمل ثم أنفش على أربعة أقوال: فقيل يرجع عليها وعسكه وقيل إن حكم بذلك حاكم رجع وإلا فلا وهذه الأقوال الثلاثة حكاها غير واحد، وقيل عكس الثالث إن كان بحكم فلا رجوع لأنه حكم مضى وإلا رجع حكاه ابن حارث، قال ابن رشد ولهذه المسألة نظائر منها مسألة كتاب النفقة من المدونة الذي يثيب على الصدقة وهو يظن أن الثواب يلزمه ومنها مسألة كتاب الصلح فيها في الذي يصالح عن دم الخطأ وهو يظن أن الدية تلزمه.
(ولا نفقة للمختلعة إلا في الحمل ولا نفقة للملاعنة وإن كانت حاملا ولا نفقة لكل معتدة من وفاة):
واختلف هل لها السكني أم لا فقال القاضي إسماعيل: لا سكني لها واختاره ابن رشد وابن عبد السلام والمشهور أن لها السكني، واختلف هل للناشزة نفقة أم لا على ستة أقوال: فقيل لها ذلك قاله في كتاب محمد وسماع عيسى، وعكسه قال عبد الوهاب في الإشراف وقيل إن كانت حاملا وجبت لها النفقة لأجل الولد وإلا فلا قاله ابن الجلاب، وقيل إن خرجت من المسكن فلا نفقة لها وإن لم تخرج فلها قاله أبو بكر الوقار وقيل إن عجز عن ضربها على نشوزها فلا نفقة لها، وإلا وجبت لها قال أبو الحسن القابسي، وقيل لها النفقة إن فعل ذلك بغضا فيها كالعبد الآبق، وإن ادعت أنه طلقها فلا نفقة لها نقله ابن يونس عن سحنون وفي المدونة فيمن غلبت زوجها فخرجت من منزله في العدة من طلاق بائن وسكنت غيره لا كراء لها عليه فيما سكنت فأقام منها ابن الناشزة لا نفقة لها.
ورده أبو عمران بأن بقاءها في المنزل حق لله تعالي وبقاءها مع الزوج حق له ولابن رشد فرق آخر بينهما وهو أن السكني متعينة لها في مسكن الطلاق لا في ذمته فليس لها أن توجب في ذمته ما لم يكن واجبا عليه، وصوب بعض شيوخنا هذا الفرق
стр. 506
قائلاً: هو أبين من فرق أبي عمران وأقام منها أبو إبراهيم أن المرأة إذا كان لها ولد وانتقلت به إلى بلد آخر مختفية ثم جاءت به بعد مدة تطالب بما أنفقت عليه أنه لا شيء لها، وعبر المغربي عن الإقامة المذكورة بقوله أقاموا منها.
(ولها السكنى إن كانت الدار للميت أو قد نقد كراءها):
ما ذكر الشيخ أن لها السكنى هو المشهور، وروى ابن خويز منداد سقوط السكنى في الوفاة وقاله ابن القصار محتجا بأن ملك الزوج للدار قد زال بموته واختاره ابن عبد السلام، وقال اللخمي: إن قام الغرماء والمسكن في ملك الزوج بيع واستثنى مدة العدة كانت عدة طلاق أو وفاة وإن كانت بكراء ونقده فهي أحق به بذلك الكراء بقدر العدة وبيع الباقي للغرماء وإن كان لم ينقده والعدة من الطلاق فللمكري أخذ مسكنه وإن أسلمه فتكون الزوجة أحق به ويحاص المكري مع الغرماء فيما سواه، وإن كانت لوفاة لم يكن المكري أحق ولا الزوجة وبيع للغرماء والمكري أحدهم، وإن يكن عليه غرماء بيع له وليس له أخذه.
قلت: وأخذ بعض شيوخنا من بيع دار الميت واستثناء سكنى العدة مع احتمال الريبة جواز بيع الدار واستثناء سكناها خمس سنين وأجاز المغيرة استثناء عشر سنين وأخذه بعضهم من قول المدونة فيمن استعار أرضًا من رجل على أن يبنيها ويسكنها عشر سنين ويكون البناء لصاحب الأرض ذلك جائز إذا وصف البناء وأجاز سحنون استثناء ثلاث سنين وابن حبيب استثناء سنتين إلى غير ذلك من الأقوال وقال ابن عبد السلام في قول أهل المذهب بتقديم حق المعتدة على الغرماء نظر لأنه يوجب كون حقها بعد الموت وانقطاع الزوجية أقوى منه في الحياة مع بقاء العصمة فيكون التابع أقوى من متبوعه وهذا خلف لأن سكنى العدة إنما وجب تبعًا لسكني الحياة.
وقال ابن عات خروج بعضهم من بيعها للغرماء أن من خلف حاملا وعليه دين وله عقار أنه يباع للغرماء وخالف فيه ابن أيمن وقال لا يباع حتى تضع الحمل. قلت: قال بعض شيوخنا قد يفرق بأن الحمل مانع لوجوب الأعذار في الدين للولد الحمل والمعتدة المبهمة لمانع مشكوك فيه، وقد علمت أن العادة أن الشك في المانع لغو بخلاف تحققه، واختلف أيضًا إذا أوصى بوصية وثم حمل نقل يعطي للموصي له الوصية أو حتى تضع واختلف أيضًا في المرأة إذا كانت حاملا وطلبت ثمنها عاجلا.
(ولا تخرج من بيتها في وفاة أو طلاق حتى تتم العدة إلا أن يخرجها رب الدار ولم
стр. 507
يقبل من الكراء ما يشبه فلتخرج وتقيم بالموضع الذي تنتقل إليه حتى تنقضي العدة):
قال في المدونة: إن انهدم المسكن فدعت إلى مسكن غير ما دعا إليه الزوج فذلك لها فيما لا يضر به لكثرة كراء ولو أسقطت الكراء سكنت حيث شاءت أراد بقوله أو سكنى أحد أمرين إما مسكن سوء غير مأمون وإما بحيث لا يعلم أنها معتدة وهذا التقييد الأخير قيد به ابن شاس قولها ولو اسقطت الكراء سكنت حيث شاءت، فقال يريد حيث يعلم أنها معتدة بحيث لا يخفى عليه خبرها.
وقال ابن عبد السلام: لا يبعد أن يكون القول قوله كما كان ذلك قبل الطلاق ورده بعض شيوخنا بأنه قبل الطلاق ومقارن معها في السكني فعليه حكمه وفي المدونة لا تخرج امرأة الأمير لوال غيره قبل تمام العدة واضطرب أهل المذهب إذا مات إمام المسجد وهو في الدار المحبسة عليه فقيل كذلك قال ابن عات وعليه جرى عمل أهل قرطبة وقيل تخرج منها إن أخرجتها جماعة المسجد.
قاله ابن العطار واقتصر أكثر الشيوخ عليه كعبد الحق والباجي وابن رشد وابن زرقون وغيرهم وفرقوا بينها وبين مسألة الأمير بثلاثة فروق.
أحدها لابن رشد أن امرأة الأمير لها حق في بيت المال، وهذه الدار لبيت المال. والثاني: أن أصل أجرة الإمام مكروهة، وكلا الفرقين ذكره ابن عات وعزا الأول لمن ذكر، والثاني لابن المناصف، قلت ورد بعض شيوخنا الثاني بمنع كونها إجازة مكروهة في الإمامة بل هي إعانة وإلا افتقرت إلى ضرب الأجل ولا قائل به.
الثالث: أن سكنى الإمام على وجه الإجارة فإذا مات انتقضت الإجازة بخلاف الإمارة وإلى هذا ذهب عبد الحق والباجي وغيرهما وفهمه خليل على أنه مغاير لما قبله، كما قلنا قال وإنما يقصد الناس في زماننا في أئمة المساجد الإجارة فيقوى قول ابن العطار.
وفي المدونة: وتنتوي البدوية حيث انتوى أهلها لا حيث انتوى أهل الزوج وأراد بقوله تنتوي أي تترحل وتبعد من النوى وهو البعد، قال عياض: وأخذ بعضهم منه أنه إنما كان لها ذلك إذا كان رحيلهم عن بعد وإن كان عن قرب بقيت لتمام عدتها قلت: وأخذ منها بعض شيوخنا أن المرأة إذا ماتت وأراد زوجها دفنها في مقبرته وأراد أهلها دفنها في مقبرتهم أن القول قول أهلها، وقال الفاكهاني: لم أر لأصحابنا فيها نصا فمن رأى ذلك فليضمه إلى هذا الموضع راجيا ثواب الله الجزيل ذكر ذلك عند قول الشيخ واختلف في كفن الزوجة.
стр. 508
(والمرأة ترضع ولدها في العصمة إلا أن يكون مثلها لا ترضع وللمطلقة رضاع ولدها على أبيه ولها أن تأخذ أجر رضاعها إن شاءت):
يريد بقوله إلا أن يكون مثلها لا ترضع لأحد أمور ثلاثة: إما لشرفها، وإما لمرضها وإما لانقطاعه لبنها، قال اللخمي ولذات الشرف رضاعه بأجر قال الشيخ خليل، وأفتى بعض مشايخ شيخي بأن الشريفة إذا تواضعت الرضاع لا أجر لها لإسقاطها حقها ولا كبير مؤنة عليها في لبنها وإن مات أبوه وله مال استؤجر له من مال أبيه والأم أحق به إن قبل غيرها وإن لم يقبل غيرها لزمها بالأجر، وإن لم يكن له مال وكان لها لبن فالمشهور يلزمها إرضاعه وقيل لا يلزمها وهو من فقراء المسلمين، قاله ابن الجلاب ونقله ابن يونس عن القاضي عبد الوهاب قائلاً: ولها أن تأخذ أجر رضاعها إن شاءت وإن لم يكن لها لبن فقيل يجب عليها في مالها واختار التونسي أنه لا يجب عليها وبه قال اللخمي وهو قول القاضي عبد الوهاب قائلاً: واختلف المذهب إذا وجد من يرضعه بدون أجره المثل فقيل إن حقها ساقط إلا بما وجد خاصة. رواه ابن وهب، وقيل لها أجر المثل ولا يلتفت إلى ما وجد.
والمدونة محتملة للقولين معا ونصها والأم أحق بما يرضع به غيرها فيحتمل أن يكون في واجد الأب ولمن كان أقل من أجرة المثل وعليه اختصر أبو محمد والبراذعي ويحتمل أن يكون أراد رضاع المثل وعليه حمل ابن يونس وغيره كلام المدونة، ثم اختلف الشيوخ فحكى ابن بشير عن بعض المتأخرين إنما هو الخلاف إذا قالت المرضعة أو رضعه عندي وإن قالت أنا أرضعه عند الأم فلا قول للأم بلا خلاف ومنهم من رد القولين لذلك ومنهم من أبقاهما على إطلاقها فاعلم أنها ثلاثة طرق واختلف إذا وجد من يرضعه مجانا وهو موسر، ففي المدونة لا مقال له.
وروى ابن وهب له متكلم وحمله ابن رشد على أن الأب وجد من يرضعه عند الأم وحيث وجب على الأم إرضاعه بأجر فهو أجر المثل نص عليه ابن الكاتب وغيره وفي طرز ابن عات إن اختلف في الأجرة فحكى ابن فتحون عن أبي الوليد بن مقبل أنه سأل عن ذلك فقال على الزوج الموسر ديناران في الشهر وعلى المتوسط دينار وأربعة درهم وعلى العامل بيده دينار، وظاهر كلام بعض شيوخنا أنه خلاف والحق أنه وفاق
стр. 509
أنه إنما تكلم على عرفه لأن ما ذكره دعوى لم يقم عليها دليل شرعي والله أعلم، وإن لم ترض الأم بأجرة مثلها فللأب أخذه إلا أن لا يقبل غيرها فتجبر على إرضاعه بأجر مثلها.
قال اللخمي وابن عادت ولا سكنى للمرضع مدة إرضاعها لأن مسكنه حجر أمه قلت وذكر ابن عبد السلام قولاً أن لها ذلك على الأب.
(والحضانة للأم بعد الطلاق إلى احتلام الذكر ونكاح الأنثى ودخولها)
ظاهر كلام الشيخ ولو كانت الأم كافرة وهو نص المدونة خلافا لابن وهب وعن ابن القاسم مثله واختاره اللخمي وظاهر كلامه أيضًا وإن كانت الأم سفيهة أن لها الحضانة وهو كذلك في أحد القولين وحكاهما المتيطي ووقعت بباجة في أيام الأمير أبي بكر فأفتى فيها ابن عبد السلام بأن لا حضانة لها، وأفتى ابن هارون بأن لها الحضانة فأمر الأمير أن يعمل بقول ابن هارون بأن الحضانة لها، واختاره بعض شيوخنا لكونه ظاهر رواية المدونة وغيرها ولا خصوصية للأم في هذه المسألة بل لكل حاضنة وإن كان بالحاضن جذام أو برص، فإن كان خفيفا فمغتفر وإن كان فاحشا فمانع من الحضانة.
واختلف في أم الولد إذا أعتقت والمشهور أن لها الحضانة خلافا لابن وهب ولو أعتق ولد الأمة فإن الحضانة لها قاله في المدونة قال اللخمي وفيه نظر لأن الغالب في الأمة أنها تكون مقهورة على عمل سادتها والحرة إذا تزوجت سقطت حضانتها بما تعلق بها من حقوق الزوج فكيف بهذه وفرق الشيخ المغربي بينهما وبين ما استدل به بأن الحرة إذا تزوجت أحدثت بعد الطلاق ما يخل بالحضانة والأمة لم تحدث بعد الطلاق ما يخل بها وكونها مقهورة على عمل ساداتها فعليه دخل الزوج وفرق ابن عبد السلام بينهما بأنهما رأوا في المذهب كون المرأة إذا تزوجت حصل بين زوجها الثاني وبين مطلقها بغض وعداوة والشنئان له ولولده فنزعوا الولد لذلك والأمة وإن كانت مشغولة بالخدمة إلا أنهم لا يبغضون ولدها كما يبغضه الزوج واعلم أن ما تقدم من سقوط الحضانة إذا تزوجت الأم المراد بذلك إذا دخل بها زوجها وزعم ابن حارث الاتفاق على سقوطها وقال المتيطي هو المشهور المعمول به وفي التعبية ليحيى وروى ابن القاسم: ليس للأب أخذه من الأم وإن دخل بها زوجها إن كان الابن في كفاية عندها وعلى الأول فلا يرد لها إن خلت من الزوج عند الأكثر وقيل يرد إليها قاله ابن وهب
стр. 510
وابن نافع ورواه ابن خويز منداد، وقاله عبد الوهاب واختار ابن يونس الأول مستدلا بعدم عود النفقة على الأب إذا أسقطت في حق ولده قال، واختلف شيوخنا إذا تزوجت تزويجا فاسدا ودخل بها ونزع الولد ثم فسخ فقال بعضهم يرجع إليها الولد وقيل لا يرجع قلت وذكر ابن رشد قولاً بأن الدخول بالزوجة لا يسقط الحضانة بل حتى يحكم الحاكم فلو تأيمت قبله فهي أحق به ذكره في المقدمات ولكل حاضن قبض نفقة محضونه، وكسوته وغطائه ووطائه قال ابن عات في المجالس إذا ادعت الحاضنة أن كسوة الولد خلقت منه أو أتلفها في خروجه عنها حلفت وكانت من الأب، وقال هشام هو منها وبه جري العمل.
قلت: وأجرى بعض شيوخنا القولين على الخلاف في الحضانة هل هي حق المحضون أن للحاضن وكذلك أجرى عليها غير واحد اختلافهم فهل لها أجرة أم لا وظاهر كلام الشيخ أن الإنبات لا أثر له وهو كذلك عند ابن القاسم، وقيل إن قارب الاحتلام وأنبت، وأسود نباته فللأب ضمة إليه قاله ابن الماجشون ووجهه بأن الإنبات هو الذي يمكن إثباته بالشهادة عليه والاحتلام لا يعلم إلا بقول الصبي وروى ابن وهب أن منتهي الحضانة في الذكور والإثغار كذا عزاه الباجي وعزاه اللخمي لمالك وأبي مصعب، ومختصر ابن عبد الحكم.
وكان بعض من لقيناه يعارضه بقوله في التفرقة بين الأم وولدها أنه لا يفرق بينهما أبدًا بأنا نمنع أن أخذ الوالد ولده في الحضانة تفرقة سلمنا أنه تفرقة لكن في البيع أشد فناسب المنع للأبد والله اعلم واختار ابن القصار وابن رشد استفهام الأبوين على الذكر وقيل الولد الذكر في أبويه مخير ولقد بعدنا عن كلام الشيخ ولنرجع إليه.
(وذلك بعد الأم إن ماتت أو نكحت للجدة ثم للخالة فإن لم يكن من ذوي رحم الأم أحد فالأخوات والعمات فإن لم يكونوا فالعصبة):
اعلم أن الحضانة في النساء للأم ثم أمها ثم جدة الأم لأمها ثم الخالة ثم الجدة للأب ثم جدة الأب لأبيه ثم الأخت ثم العمة ثم بنت الأخت، واعلم أن خالة الخالة تنزل منزلة الخالة نقله ابن يونس عن ابن المواز وعزاه الباجي لروايته وجعله بعض شيوخنا المذهب قائلاً: وقول ابن شاس وابن الحاجب وفي إلحاق خالة الخالة بالخالة قولان لا أعرفه وسلمه ابن عبد السلام قائلاً عن بعضهم: وكذلك عمة العمة التي هي أخت الجد للأب قال وهي عبارة المؤلف قلق لأن القول بأنه لا تلحق خالة الخالة بالخالة
стр. 511
لا يلزم منه سقوط حقها في الحضانة مطلقا والحضانة في الذكور للأب ثم الأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم ثم المولي الأعلى والأسفل على المشهور فيها قال اللخمي: ولم أر للجد في الحضانة نصا وأرى له في ذلك حقا وقال ابن العطار: إذا اجتمع الجدان فالجد للأب أولى من الجد للأم والأم ثم أمها أولى من كل من له الحضانة وفي تقديم الأب على بقيتهن أربعة أقوال ثالثها المشهور ويقدم على من بعد الجدة للأب ورابعها يقدم على من بعد الخالة.
(ولا يلزم الرجل النفقة إلا على زوجته كانت غنية أو فقيرة):
стр. 512
اختلف ما الذي يفرض لزوجته على أربعة أقوال: فقيل يفرض الثمن وقيل: الأعيان وقيل: إن كانت الأعيان مما يجوز بيعها قبل قبضها فالأول وإلا فالثاني وقيل: إن الحاكم مخير واختلف إذا مرضت فقل أكلها أو خرجت قليلة الأكل وطلبت قوتا كاملاً فقال أبو عمران يقضي لها بالوسط وتصرف الفاضل فيما أحبت قال المتيطي والصواب أنه لا يكون لها إلا ما تقدر عليه من الأكل كذا عزاه الشيخ خليل وفيه نظر بل نقله المتيطي عن اختيار ابن سهل فقط، ولوجدها فادحة الأكل فلا كلام له وهي مصيبة نزلت به قال بعض القرويين لأنها لا ترد إلا من العيوب الأربعة بخلاف إذا وجد المكتري أكولا فإن له أن يفسخ إجارته وقبله غير واحد كالمتيطي ونص الشيخ ابن رشد على أن للزوج أن يمنعها من الغزل وجعله بعض من لقيناه من القرويين المذهب قائلاً: نقله ابن يونس عن أبي محمد بن أبي زيد عن مالك، وما ذكره لا أعرفه وجعله شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله خلاف ظاهر المذهب لأن الزوج ليس له فيها إلا المتعة وبه أقول ولا يقال الأول أقرب بدليل أن له منعها من صوم التطوع لأن الصوم يضعفها غالبا بخلاف الصنعة غالبا والعيان يشهد لذلك ولأن الصوم يمنعه من الوطء فلذلك وقف على رضاه.
(وعلى أبويه الفقيرين):
ظاهر كلام الشيخ ولو كان الأبوان كافرين وهو كذلك، وحكي ابن حارث عن رواية ابن غانم أنه لا نفقة لهما وظاهر كلام الشيخ أيضًا ولو كان الأبوان يقويان على العمل وهو كذلك عند الباجي خلافا للخمي والأظهر أن لا يمين على الأبوين خلافا لابن لبانة وإذا كانت عند الأب دار لا فضل في ثمنها فهي كالعدم ولذلك يعطى من الزكاة، واختلف إذا تعددوا وكانوا موسرين فقيل: على قدر رءوسهم قاله ابن الماجشون وأصبغ وقيل: على قدر أموالهم قاله ابن المواز وقيل: على قدر الميراث قاله
стр. 513
مطرف وابن حبيب وقيل: إن كل واحد من الأولاد تلزمه النفقة على انفراده فهي على السواء وإن كان بعضهم يلزمه منها إن لو انفرد بعضها لزمه بقدر ذلك معهم ويجب على الولد أن ينفق على امرأة واحدة لأبيه لا أكثر وقال ابن عبد الحكيم لا يلزمه ذلك.
واختلف هل يجب على الولد أن يزوج أباه على قولين لأشهب وابن القاسم وسبب الخلاف هل النكاح قوت أو فاكهة وسمع ابن القاسم لا يجب عليه أن يحجه، قال ابن رشد هذا على القول بأنه على التراخي وأما على القول الذي يقول بالفور فإنه يجب عليه وكل هذا إذا اعترف الابن بفقر أبيه وأما إذا أنكر فقره فعلي الأب إثبات فقره ثم اختلف هل يحلف مع ذلك أم لا فقال ابن لبابة: يحلف، وقال غيره لا يحلف، قال بعض الموثقين وبه القضاء وعليه العمل والقولان حكاهما المتيطي ولو زعم الولد أنه فقير لتسقط عنه نفقة أبيه فقيل: يقبل قوله قاله ابن الفخار وقيل: لا قاله ابن العطار.
(وعلى صغار ولده الذين لا مالك لهم على الذكور حتى يحتلموا ولا رمانة بهم وعلى الإناث حتى ينكحن ويدخل بهن أزواجهن ولا نفقة لمن سوى هؤلاء من الأقارب):
ظاهر كلام الشيخ أن الزمانة لو طرأت بعد البلوغ لا أثر لها فلا تعود النفقة وهو كذلك عند ابن القاسم ولابن وهب في الموازية لا نفقة عليه وإن بلغ زمنا ولابن الجلاب عن ابن الماجشون تلزمه نفقته ولو حدثت الزمانة بعد البلوغ ولا خصوصية للزمانة بل وكذلك العمي وشبهه.
(وإن اتسع فعليه إخدام أم زوجته وعليه أن ينفق على عبيده):
اختلف في الإخدام فقيل: هو واجب للزوجة كنفقتها تطلق بالعجز عنه قاله ابن الماجشون وقيل يجب كالنفقة ولا تطلق بالعجز عنه وهو مذهب ابن القاسم، وقال ابن حبيب لا تجب إلا أن يكون موسراً أو الزوجة من ذوات القدر وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن رشد في أجوبته وصرح في البيان بأن المشهور القول الثاني وحيث تجب لها الخدمة فقيل: تقصر على خادم واحد وقيل يقضي عليه بأكثر وقيل إن ارتفع قدرها كبنت السلطان والهاشمية فالثاني وإلا فالأول قاله أصبغ وظاهر كلام الشيخ أن الزوج محمول على عدم الاتساع حتى يثبت وهو كذلك على ظاهر المدونة وفي ذلك قولان حكاهما صاحب الطراز.
(ويكفنهم إذا ماتوا):
ما ذكر الشيخ من أن على السيد أن يكفن عبيده هو كذلك باتفاق قاله بعض
стр. 514
الشيوخ وهو نص المدونة في الرهون قال فيها: وعليه كسوة العبد وكفنه إن مات ودفنه وأخذ منها بعض من لقيناه من القرويين أن البهيمة إذا ماتت بفناء قوم فإنه يجب على ربها أن يرفعها.
وفي ذلك قولان حكاهما صاحب الطراز ورده شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى بأن للآدمي حرمة ليست لغيره فأفتي أبو القاسم الغبريني لقاضي القيروان لما كتب له فيها حين نزلت به بأن فيها قولين ذكرهما صاحب الطراز إشارة منه إلى أن القولين على حد السواء وإلى هذا كان يذهب شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني أيده الله تعالى، قلت: وهو الأقرب، الأول لأن ربها لو أخذ جلدها لكان له ذلك على ظاهر المذهب قولاً واحداً.
(واختلف في كفن الزوجة فقال ابن القاسم في مالها وقال عبد الملك في مال الزوج وقال سحنون إن كانت ملية ففي مالها وإن كانت فقيرة ففي مال الزوج):
يريد إذا كانت الزوجة مدخولا بها أو دعى إلى البناء بها واعتبر ابن القاسم رحمه الله تعالى الحياة فأسقطه عن الزوج ورعى ابن الماجشون الاستصحاب وقول سحنون استحسان ونسبه ابن شاس لمالك وعزا المتيطي الثاني لرواية ابن الماجشون وزاد رابعا لابن القاسم في سماع عيسى وهو أن كانت بكرا فعلي أبيها وإن كانت مدخولا بها ففي مالها وإن كانت فقيرة ولها ولد فذلك عليه وكذلك اختلف في كفن الأبوين والولد على قولين وسببهما ما قدمناه قال بعض من لقيناه، ولا يتخرج هذا الخلاف في العبد لأن نفقته لازمة فكفنه كذلك ولا يتخرج من الزوجة وإن كانت نفقتها متأصلة لأنها معاوضة.
باب في البيوع وما شاكل البيوع
قال ابن عبد السلام: معرفة حقيقة البيع ضرورية حتى للصبيان ورده بعض شيوخنا بأن المعلوم ضرورة وجودة عند وقوعه لكثرة تكرره ولا يلزمه منه علم حقيقته حسبما تقدم في الحج وعرفه بعض الشيوخ بأنه دفع عوض عن معوض فيدخل الفاسد وخصص المازري وابن يونس تعريف الحقائق الشرعية بصحيحها لأنه المقصود بالذات فقال: نقل الملك يعوض لاعتقادهما أن الفاسد لا ينقل الملك بل شبهة الملك انتقدهما ابن عبد السلام بأن ذكر لفظي العوض فيهما يوجب خللا لأنه لا يعرف إلا بعد معرفة البيع أو ما هو ملزوم له ورد بعض شيوخنا الأول لأنه لا يتناول إلا بيع المعاوضة ورد الثاني بأنه لا يتناول شيئا من البيع لأن نقل الملك لازم للبيع الأعم منه.
стр. 515
وكونه بعوض يخصصه بالبيع عن ملك الهبة والصدقة ولا يصيره نفس المبيع ويدخل فيه النكاح والإجارة قال: وحقيقته عقد معاوضة على غير منافع ولا متعة لذة ومكايسة أحد عوضيه غير ذهب ولا فضة معين غير المعين فيه، واعلم أن البيع ينقسم على أربعة أقسام: بيع مساومة وبيع مزايدة وبيع استرسال واستيهاب وبيع مرابحة.
فالأولان جائزان بلا خلاف وكذلك يجوز بيع المرابحة بالإطلاق ومال المازري إلى منعه أن افتقر إلى فكرة حسابية وكذلك بيع الاسترسال في الأكثر وسمع عيسى عن ابن القاسم من قال لبائع بعني كما تبيع من الناس فإنه لا يصلح ويفسخ إن كان قائمًا ويرد مثله إن كان مثليا وإلا رد قيمته، وهل لا يكون الاسترسال إلا في المشتري أو فيه وفي البائع قولان لابن القاسم وابن حبيب وغيره وهو الصحيح قاله ابن رشد في أول المرابحة وآخره.
(وأحل الله البيع وحرم الربا)
لا خلاف أن البيع من حيث الجملة جائز قال ابن عبد السلام وهو معلوم من الدين ضرورة فالاستدلال على ذلك من الكتاب والسنة المذكورة في الكتب والمجالس
стр. 516
على سبيل التبرك يذكر الآي والأحاديث مع تمرين الطلبة على الاستدلال واختلف السلف في معنى قوله تعالى (وأحل الله البيع وحرم الربوا) [البقرة: ٢٧٥]
فقيل: المراد به ما كانت الجاهلية عليه من فسخ الدين في الدين يقول المطلوب أخزني وأزيدك فقالوا سواء علينا إن زادنا في أول البيع أو عند محل الأجل فكذبهم الله وإلى هذا ذهب مجاهد وغيره فالألف واللام لتعريف العهد، وقيل المراد به كل بيع محرم بالإطلاق وإليه ذهب عمر به الخطاب وعائشة ﵂ ولا خلاف أن من استحل الربا كافر لأن من أحل ما حرم الله تعالى فهو كافر، ودليله قوله تعالى (ومن عاد فينتقم الله منه) [المائدة: ٣٥]
وقوله (ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) [البقرة: ٢٧٥]
ويريد مستحلا وأما غير المستحل ففاسق يؤدب خاصة وكذلك من قال إن المسكر حلال فهو كافر أيضا وبالجملة كل من أحل ما حرم الله فهو كافر.
(وكان ربا الجاهلية في الديون إما أن يقضيه وإما أن يربي له فيه):
كأنه ﵀ قصد بهذا الكلام تبيين ما سبق من قوله وحرم الربا وأما إذا أخر الطالب المطلوب بحميل أو رهن بعد الأجل فإنه جائز لكنه كابتداء سلف على حميل أو رهن فإن لم يحل الأجل وأخره إلى أبعد من أجله فلا يجوز لأنه سلف جر نفعا وإما إلى الأجل دونه فذلك جائز نص على جميع ذلك في المدونة في كتاب الحمالة، وأما من أسلم له ربا فإن كان قبضه طاب له وكذلك إن قبض بعضه طاب له ما قبض فإن لم يقبض فلا يحل له أن يأخذه وهو موضع عن الذي هو عليه وزعم بعض الشيوخ الاتفاق عليه، فإن قلت يلزم من قال أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أن يقول برد ما أخذ لصاحبه، قلت لنص التنزيل بإباحته قال تعالى: (فمن جاءه موعظة من ربه فانتهي فله ما سلف) [البقرة: ٢٧٥].
وقال ﷺ " ومن أسلم على شيء فهو له حلال".
(ومن الربا في غير النسيئة بيع الفضة بالفضة يدا بيد متفاضلا وكذلك الذهب بالذهب ولا تجوز الفضة بفضة ولا ذهب بذهب إلا مثلا بمثل يدا بيد والفضة بالذهب ربا إلا يدا بيد):
стр. 517
ما ذكر الشيخ من أن الذهب بالذهب والفضة بالفضة لا يجوز فيه التفاضل هو كذلك وهو مخصوص عندنا بالمبادلة فإنه يجوز أن يبادل الثلاثة دنانير أو أقل بأوزن منها اتفاقًا ولا يجوز السبعة بأكثر اتفاقا واختلف فيما بينهما على قولين، واختلف هل ذلك سدس في الدينار أو دانقان على قولين حكاهما ابن شاس.
قال ابن عبد السلام: والأول ظاهر المدونة ورده بعض شيوخنا بأنه لم يذكره تحديدا بل فرضًا ونصها: ولو أبدل ستة دنانير تنقص سدسًا سدسًا فلا بأس به، قلت: وسمعت غير واحد من شيوخي يقول إن الجزء من الدينار كالدينار، واختلف في الفلوس هل حكمها حكم العين في ربا الفضل والنسا وذلك جائز أو مكروه على ثلاثة أقوال، وأخذ التحريم والكراهة من قول المدونة وليست بحرام بين ولذاكره التأخير فيها، ومنهم من تأول الكراهة فيها على التحريم فردها إلى قول واحد وبه أقول ومثله منعه في السلم الثالث من المدونة بيعها جزافا كالعين، ويعارض ذلك قول زكاتها ألا تزكي إلا في الإدارة كالعروض وقولها في سلمها الثاني إذا باع بها وكيل ضمن لأنها كالعروض إلا سلعة يسيرة إلى غير ذلك من النظائر.
واختلف إذا اشترى ببعض درهم ودفع درهما ورد عليه باقيه على ستة أقوال: فقيل أنه جائز وإن كانت أكثر من النصف وهذا نقله التونسي مع صاحب الأمر المهم قاصرا ما زاد على النصف على ثلاثة أرباعه مضعفا له قال بعض من لقيناه ومثل هذا حكي في أحكام الشعبي عن أبي زيد قال: كان أبو بكر بن اللباد يبعثي بالدرهم أشتري يجزئه بقلا وأرد عليه بقيته خراريب وقيل يمنع ذلك مطلقا.
قاله سحنون وصوبه ابن عبد السلام قائلاً: لم يثبت أن الشرع اعتبر هذه الضرورة وإن ثبت اعتبارها في غير هذا الباب فلا تتحقق المساواة بين هذا الباب وبين ذلك الموضع، قلت: وأخذ من المدونة قال فيها أصل قول مالك لا تجوز فضة بفضة مع أحدهما أو مع كل منهما سلعة ولو كانت الفضة يسيرة وقيل: يمنع ما زاد على الثلث وقيل: ما زاد على النصف وهو المشهور وقال مالك في الموازية: كنا نكرهه فحمله بعض شيوخنا على ظاهره والأقرب رده إلى التحريم وقيل: إن كان في البلد خراريب فلا يجوز أن يرد نصفه ويأخذ نصفه طعام إذ لا ضرورة وهذا ذكره ابن يونس على طريق التقييد، وظاهر كلام غير خلافه وإليه ذهب بعض من لقيناه.
(والطعام من الحبوب القطنية وشبهها مما يدخر من قوت أو إدام لا يجوز الجنس منه
стр. 518
بجنسه إلا مثلاً يدا بيد ولا يجوز فيه تأخير):
قال ابن الحاجب: المطعومات ما يعد طعامًا لا دواء قال ابن عبد السلام يريد به كل ما يتخذ للأكل أو الشرب مما ليس بدواء واعترضه بعض شيوخنا بأنه إذا أراد الأكل والشرب فقد خرج الملح لاتخاذه لغير ذلك كتلميح الجلد للدبغ وإلا دخل الزعفران قال والأولى تفسيره بما غلب اتخاذه لأكل آدمي لإصلاحه أو سربه فيدخل الفلفل واللبن، ويخرج الزعفران لعدم غلبة اتخاذه لإصلاحه والماء كذلك.
واختلف المذهب في علة ربا بالفضل على ستة أقوال: فقيل الاقتيات قاله إسماعيل القاضي، وقيل الاتخاذ للأكل غالبا قاله ابن نافع ومثله في الموطأ، وقيل الاقتيات والادخار وهو قول مالك في غير الموطأ وهذه الثلاثة حكاها وقيل الادخار مع التفكه والقوت وإصلاحه ذكره ابن بشير، وقيل العلة في البر الاقتيات وفي التمر التفكه الصالح للقوت. وفي الملح كونه مؤتدما وهذا نقله اللخمي عن الأبهري عن بعض أصحابنا وقيل: العلة المالية فكل ما هو عنده من جنس واحد لا يحل التفاضل بينهما فلا يباع ثوب بثوبين قاله ابن الماجشون قال ابن بشير وهو يوجب الربا في الدور والأرضين ولا يمكن قوله قلت: وبيان الصحيح من هذه الأقوال له موضع غير هذا ولا حد للادخار على ظاهر المذهب وإنما يرجع فيه إلى العرف، وحكى التادلي أنه سمع في بعض المجالس أن حده ستة أشهر فأكثر، وقد تقدم أن الزعفران ليس بطعام فمن منع سلف طعام في زعفران إلى أجل فيستتاب ثلاثا، فإن لم يتب ضربت عنقه لمخالفته الإجماع لأن الإجماع دل على أنه ليس بطعام نقله عبد الحق في تهذيب الطالب عن ابن سحنون قال ابن عبد السلام وليس بصحيح للخلاف خارج المذهب في كونه محكوما عليه بحكم الطعام لأجل أنه مصلح للطعام سلمنا الإجماع لكن من شرط الذي يستتاب منه مخالفة أن يكون منقولاً بالتواتر وهو غير حاصل هنا.
قلت: ويرد على خلاف في ذلك ثلاثة أقوال تخالفها إن كان نحو العبادات الخمس قال بعض شيوخنا على أن هذا الإجماع لم أجده في كتب الإجماع بحال ومن أوعبها كتاب الحافظ أبي الحسن بن القطان ووقفت على نسخة بخطة فلم أجده.
(ولا يجوز طعام بطعام إلى أجل كان من جنسه أو من خلافه كان مما يدخر أو لا يدخر إلى قوله يدا بيد):
اختلف في التوابل فنص في المدونة في السلم الثالث وكتاب أكرية الدور على أن
стр. 519
الفلفل طعام وقال أصبغ في التوابل أدوية كذلك نقله ابن الحاجب متبعًا لابن شاس فإنه ذكر التوابل ولم يعزها واعترضه بعض الشيوخ بأنه إنما خالف ابن المواز في أربعة خاصة وهي الأنيسون والشمار والكمونان، قال وأما التوابل التي هي من مصلحة الطعام فالفلفل والكراوية والكزبرة والقرفة والسنبل وأجابة خليل بنقل المازري، واختلف في التوابل كالكمون والفلفل والكراوية هل هي من الربويات أم لا وإذا فرغنا على مذهب المدونة، فالمشهور أنها أجناس مطلقاً وهو اختيار الباجي.
وقال ابن القاسم: الأنيسون والثمار جنس والكمونان جنس وضعفه الباجي واختلف في الحلبة على ثلاثة أقوال: فقيل: إنها دواء قاله ابن الحاجب صوبه ابن عبد السلام لأن غالب استعمالها في الأدوية وقيل: إنها طعام قاله ابن القاسم، وقيل: الخضراء طعام واليابسة دواء قاله أصبغ ومنهم من يجعله تفسير اللأولين.
(ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد فيما يدخر من الفواكه اليابسة وسائر الأداء والطعام والشراب إلا الماء وحده):
ما ذكر أن الماء يجوز فيه التفاضل هو نص الكتاب السلم الثالث من المدونة قال فيها لا يجوز بيع الماء قبل قبضه ويجوز متفاضلا يدا بيد، وظاهر كلام الشيخ وإن كان الماء عذبا وهو كذلك في منصوص المذهب وخرج عبد الوهاب أنه لا يجوز من رواية ابن نافع أنه يمنع بيعه بطعام إلى أجل أنه لا يجوز فيه التفاضل ورده المازري بأن ربا النساء أعم من ربا التفاضل، ولا يلزم من وجود ربا النساء التفاضل، ألا ترى أن الخس والهنديا يمنع بيع بعضهما ببعض إلى أجل ولا يمنع التفاضل فيهما وفرع المازري فيها على التخريج إذا بيعت دار بدار ولكل منهما ماء عذب فإنه لا يجوز على رأي ألا تباع ويجوز على رأي لغوها قلت: وألزم بعض شيوخنا على رواية ابن نافع أن لا تغسل به نجاسة.
(وما اختلفت أجناسه من ذلك ومن سائر الحبوب والثمار والطعام فلا بأس بالتفاضل فيه يدا بيد ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه):
اختلف المذهب في الأخباز إذا كان أصلها مختلفا هل يجوز فيها التفاضل أم لا كما إذا كان أحد الخبزين من قمح والآخر من ذرة على ثلاثة أقوال فقال أشهب: إنها كلها صنف واحد وقيل إنها تابعة لما عملت منه قاله البرقي وقيل إن خبز القمح والشعير والسلت، والذرة والدخن والأرز صنف واحد وخبز القطنية صنف واحد قاله
стр. 520
ابن القاسم وأشهب، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن زرقون واختلف في الخبز والكعك بأبزار فقال المازري: يجوز بينهما التفاضل وقيل هما صنف واحد قاله بعض المتأخرين ونقله ابن شاس وإن كان الكعك بلا أبزار لم يجز التفاضل فيه قولاً واحداً.
واختلف في جواز التمر بخله على ثلاثة أقوال: فقيل بالجواز وهو مذهب المدونة وقيل بمنعه وقيل: يجوز في اليسير دون الكثير للمزابنة وهذه الثلاثة حكاها ابن رشد، واختلف في نبيذ التمر ونبيذ العنب فقيل: إن ذلك جنس واحد قاله في المدونة وقيل جنسان قاله في كتاب أبي الفرج والقولان حكاهما الباجي وهذا الفصل الكلام فيه متسع جداً ولولا الإطالة لذكرناه.
(والقمح والشعير والسلت كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم):
стр. 521
ما ذكر الشيخ من أن القمح والشعير جنس واحد هو المشهور المعروف من المذهب وقال الشيخ السيوري: إنهما جنسان وحكاه المازري في المعلم قائلاً: ووافقه في ذلك بعض من أخذ عنه يريد عبد الحميد الصائغ وبقول أبي القاسم السيوري قال الشافعي وأبو حنيفة قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لقوله ﵇ " التمر بالتمر والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير والملح بالملح مثلاً بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربي إلا ما اختلفت ألوانه".
وما ذكر الشيخ من أن السلت حكمه حكم القمح والشعير هو المذهب، وقول السيوري لا يتخرج فيه لأنه أقرب القمح من الشعير قاله بعض شيوخنا، واختلف في العدس هل هو من جنس القمح والشعير أم لا والمعروف عدم الإلحاق وقيل: بالإلحاق وحكاه ابن عبد البر عن ابن كنانة وعزاه اللخمي لرواية ابن حبيب واختلف في الأرز والدخن والذرة والمشهور أنها لا تلحق بما تقدم وعليه ففي جنسيتهما قولان.
(والزبيب كله صنف واحد):
يعني سواء كان أحمر أو أسود وصرح به ابن الجلاب والتين كله جنس واحد قاله الباجي وكذلك العنب.
(والتمر كله صنف واحد):
يعني كان جديدا أو قديما ولذلك أجاز مالك جديد التمر بقديمه ومنعه عبد الحق قال اللخمي وليس بحسن إن اختلف صنفاهما كصيحاني وبرني، قال ابن حبيب وتمر النخل يكون له ست درجات أولها طلع، ثم أغريض ثم بلح ثم بسر ثم زهو، ثم رطب ثم تمر.
(والقطنية أصناف في البيوع واختلف فيها قول مالك ولم يختلف قوله في الزكاة إنها صنف واحد):
стр. 522
القول بأنها أصناف رواه ابن القاسم وبه قال سحنون وأكثر أصحاب مالك كذا قال ابن عبد البر قال ابن رشد، وبه قال سائر أصحاب مالك والقول بأنها صنف رواه ابن وهب وقال ابن القاسم وأشهب عن مالك الحمص والعدس، واللوبيا صنف واحد والجلبان صنف واحد وما عدا ذلك أصناف مختلفة، وروى أشهب عن مالك الحمص والعدس صنف واحد وسائر القطاني، وأصناف فتحصل في المسألة أربعة أقوال واختلف في الكرسنة فقيل هي من القطاني قاله مالك وقيل صنف على حدة قاله ابن حبيب وقيل إنها غير طعام وهو ظاهر قول يحيى بن عمر وقاله غيره وقيل لا زكاة فيه قال ابن رشد وهو الأظهر لأنها علف وليست بطعام.
(ولحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحش صنف ولحوم الطير كله صنف):
يعني سواء كان صغيرًا أو كبيرًا أو وحشيا أو أنسيا بريا أو بحريا أو يدخل في ذلك النعام وصرح بذلك ابن الجلاب وخارج المذهب قول إنه كلحوم ذوات الأربع وقال ابن عبد السلام: والقياس أن لحوم الطير تختلف والاختلاف بين لحوم ذوات الأربع أكثر فإن لحوم الإبل لا تقارب لحم الضأن قطعا.
(ولحوم دواب الماء كلها صنف):
قال ابن الجلاب: الجراد صنف وذكر ابن الحاجب مثله قال ابن عبد السلام يعنى على القول بأنه ربوي واضطراب المذهب في ذلك، قلت ظاهرة أنه أضطراب هل هو صنف واحد أو أصناف على القول بأنه ربوى ولم أقف عليه فتأمله ويمكن أن يتخرج على القول بأنه لا يفتقر إلى نية ذكاة لأنه نثره حوت أن يكون من دواب الماء لا صنفا منفردا بذاته.
(وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه):
لا يريد الشيخ بالشحم خصوصه بل وكذلك غيره قال في المدونة: وما أضيف اللحم من شحم، وكبد، وكرش، وقلب، ورئة، وطحال، وكلى، وحلقوم، وكراع، وخصاء ورأس وشبهه حكمه حكم اللحم، قلت: ويقوم من قولها جوازا أكل خصا الخصي وذكر أنه منصوص عليه كذلك في النوادر، ويقوم منها أيضًا أن المشيمة تؤكل وهو أحد الأقوال الثلاثة وقيل: لا تؤكل وقيل: إن أكل الولد أكلت وإلا فلا، وقد ذكرنا عزو ذلك في الذبائح، وفي المدونة لا بأس باللحم الطري بالمطبوخ إذا غيرته الصنعة وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز مثلا بمثل بحال وإن طبخ بأبزار أو خل، مرق
стр. 523
نقله عنه ابن زرقون، واختلف في الخبز هل هو ناقل أم لا، فالمشهور أنه ناقل.
وفي المبسوط عن ابن نافع لا يجوز بيع القمح والدقيق بالخبز وعلى المشهور أن الصنعة معتبره فإن كانت يسيرة كتجفيف اللحم دون أبزار فكالعدم وإن كانت بأبزار فتعتبرة وأما طبخه بالماء والملح فقال ابن حبيب لا أثر له وأما إذا أضيف إليها بصل أو كراث أو ثوم فكان بعض شيوخنا يراه معتبرا وسمعت بعض من لقيناه يعزوه لأبي عمران الفاسي قائلا خلافا للخمي، واختلف المذهب في اللحوم إذا طبخت طبخا مختلفا، والمشهور أنه لا يخرجها عن أصلها، واختار اللخمي وابن عبد السلام أن ذلك يخرجها.
(وألبان ذلك الصنف وجبته وسمنه صنف):
يعني سواء كان مضروبا أم لا وخرج اللخمي في اللبن الذي أخرج زبده قولاً بأنه ليس بربوي من قول المدونة ويجوز سمن بلبن قد أخرج زبده قائلاً: ولو كان ربويا لكان من الرطب باليابس ورده ابن بشير بأن السمن نقلته الصنعة والنار قال ابن الحاجب: ووهما فإما بلبن فيه زبد فلا قال ابن عبد السلام، ويعني وهم اللخمي في تخريجه وابن بشير في الرد عليه لأن في المدونة متصلاً بالمسألة فأما بلبن فيه زبد فلا يجوز كبيع لبن فيه زبد بالسمن ولو كانت الصنعة والنار ناقلتين في هذا الموضع لجاز بيع الزبد باللبن قال وهذا الذي رد به على ابن بشير في غاية الظهور فإنه اقتصر على الوصف الذي فرق به وأما توجيهه على اللخمي فقلق لأنه إنما يتوجه عليه أن لو كان تخريج اللخمي اللبن في كل لبن مضروب، وأما إذا كان تخريجه في المضروب وحده فإنه لا يتناوله أصلاً، وقال: قيل كان تخريج اللخمي مما يرد بأول وهلة لأنه إذا ثبت أنه ربوي قبل إخراج زبده لكونه مقتاتا وكونه قادم دوام وجوده مقام ادخاره فلا يزيل عنه ذلك إلا زوال ذلك الوصف.
وأطال ﵀ الكلام في هذه المسألة وناقشه بعض شيوخنا في ذلك وهي مسألة صعبة قل من يفهم كلام ابن عبد السلام فيها مع ما أورد عليه ولم أستطع فهمه قال في كتاب محمد: الجبن والسمن والزبد لا يجوز باللبن واختلف في اللبن المضروب فأجيز وكره واختلف في بيع الحليب بالحليب متماثلا ومذهب المدونة جوازه وروى أبو الفرج عن مالك منعه لما فيهما من الزبد المجهول قال الفاكهاني: ظاهر قول الشيخ وألبان ذلك الصنف إلى آخره يقتضي جواز بيع بعضه ببعض متماثلا لأن ذلك شأن الصنف الواحد قال ولم يجز ذلك مالك ولا أحد من أصحابه فلا يجوز لبن بجبن ولا
стр. 524
بسمن فانظر هذا فإنه عندي من مشكلات الرسالة.
(ومن ابتاع طعاما فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد بخلاف الجزاف وكذلك كل طعام أو إدام أو شراب إلا الماء وحده وما يكون من الأدوية والزرايع التي لا يعتصر منها زيت فلا يدخل ذلك فيما يحرم من بيع الطعام قبل قبضه أو التفاضل في الجنس الواحد منه):
ظاهر كلام الشيخ سواء كان الطعام ربويا أم لا وهو كذلك في مشهور المذهب وروى أبو الفرج أنه جائز في الطعام إذا كان غير ربوي وأبعد لأن عموم أحاديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه يتناول غير الربوي كتناولها الروي، وقيل إن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا، وإن كان غير مطعوم ولا يجوز بيعه قبل قبضه قاله ابن حبيب وعبد العزيز بن مسلمة ويحيى بن سعيد وربيعة.
قال ابن عبد السلام: وهو الصحيح لنهيه ﷺ عن ربح ما لم يضمن وحمل أهل المذهب هذا النهي المذكور على الطعام وحده وذلك دعوى لا دليل عليها وقيل: لو سلم بيع الطعام من أهل العينة وبيع بنقد فإنه يجوز بيعه قبل قبضه قاله أبو الفرج، وما ذكر الشيخ من أن بيع الطعام إذا كان جرافا يجوز هو مشهور المذهب وقيل: لا يجوز حتى ينقله، رواه أبو بكر الوقار، وروى ابن نافع أنه يكره بيعه قبل نقله، وحكى عبد الوهاب عن مالك أنه استحب أن لا يباع مطلقا حتى ينقل فيتحصل في ذلك أربعة أقوال إذا بنينا على أن نقيض المستحب ليس بمكروه وعلى المشهور فاختلف إذا كان ضمان الجزاف من البائع مثل أن يشتري لبن غنم بأعيانها فهل يجوز بيعه قبل قبضه؟ نظرا إلى كونه جزافا وهو قول أشهب أولا نظرا إلى كونه في ضمان البائع، وهو قول ابن القاسم في ذلك قولان.
ووقع لمالك في العتبية فيمن اشترى نصف ثمرة بعدما بدا صلاحها قال: ليس له بيعها حتى يستوفيها قال ابن القاسم ثم سألناه عنه فقال ذلك جائز قلت: ويقوم من كلام الشيخ أن من اشترى بدينار قمحا فاكتال نصفه ثم سأله أن يعطيه بالنصف الثاني زيتا أنه لا يجوز وهو كذلك في سماع ابن القاسم قال لا خير فيه لأنه بيع الطعام قبل قبضه وطعام النكاح كالبيع باتفاق وما يأخذه المستحقون من بيت المال من طعام ففي جواز بيعه قبل قبضه قولان حكاهما ابن بشير ولم يحك ابن رشد في أرزاق القضاة وشبههم خلافا فإنه لا يجوز وطعام الخلع لا يجوز كغيره قاله في السلم الثالث من
стр. 525
المدونة قال بعض شيوخنا: وأظن أن في المذهب قولاً بجواز بيعه قبل قبضه قلت: وذكر أبو عمران الصنهاجي ولا أعرفه لغيره ويتخرج في النكاح من باب أحرى ولو ثبت الطعام في الذمة عن تعد أو غصب ففي جواز بيعه قولان وأخذ الجواز من المدونة من كتاب الصرف ولو باع أشجار أو استثني ثمرتها فهل يمنع من بيع ما استثناءه قبل قبضه أم لا قولان لمالك واختار ابن عبد الحكم والأبهري الجواز وسبب الخلاف هل المستثنى مبقى أو مشترى قال الفاكهاني عن الغريب الشراء يمد ويقصر الجزاف بكسر الجيم وفتحها وضمها.
(ولا بأس ببيع الطعام القرض قبل أن يستوفيه):
يعني أن من أقرض طعامًا فإنه يجوز له أن يبيعه قبل قبضه ودليل ذلك قوله ﷺ " من ابتاع طعامًا فلا بيعه حتى يستوفيه" قالوا خصوصية البيع تدل على أن القرض بخلافه وفي المدونة من أقرض طعامًا له من سلم قبل قبضه فقبضه المقرض له لم يعجبني أن بيعه منه قبل قبضه لأنه بيع له قبل قبضه قاله ابن يونس ولا يجوز من غيره كهو وقيل: أما اليسير من الكثير فلا بأس به وكأنه وكيل على قبضه قال مالك في كتاب ابن المواز ومن أحيل بطعام قرض له على طعام مسلم فقال ابن القاسم: لا يجوز بيعه إياه قبل قبضه وخرج اللخمي قولاً فيه بالجواز من رواية ابن حبيب قال: واختلف فيمن وهب له طعام سلم أو تصدق به عليه فروى ابن حبيب أنه لا يجوز له بيعه قبل قبضه وقيل لا يجوز رواه غيره قلت: وإلى الثاني ذهب المغيرة وابن القاسم.
(ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه):
أما الشركة فقال في المدونة: أجمع أهل العلم على جوازها وروى أبو الفرج منعها حكاه غير واحد كابن زرقون وعلى الأول لو كان الثمن مؤجلا ففي المدونة جوازها وقيل لا يجوز قاله ابن القاسم وأشهب وأما التولية فإنها جائزة عندنا ومنعها أبو حنيفة والشافعي ووافقونا على جواز الإقالة وهما محجوجان بما ذكر عبد الرزاق عن جريج قال أخبرني ربيعة بن عبد الرحمن عن النبي ﷺ حديثا مستفيضًا بالمدينة قال: " من ابتاع طعامًا فلا بيعه حتى يقبضه ويستوفيه" إلا أن يشترط فيه أو يوليه أو يقبله.
واستدل العلماء على جواز الإقالة أيضًا بما خرج أبو داود عن أبي هريرة قال:
стр. 526
قال رسول الله ﷺ " من أقال مسلمًا أقال الله عثرته" وفي المدونة: إن ابتعت سلعة فلم تقبضها حتى أشركت فيها رجلاً فهلكت قبل قبضه إياها وابتعت طعاماً فلم تكتله حتى أشركت فيه رجلاً فهلك قبل قبضه إياه أو لم تقاسمه حتى هلك الطعام فضمانه منكما وترجع عليه بنصف الثمن قال عياض: وأنكرها سحنون، وحكى فضل في التولية إنها من المولى حتى يكتاله وكذلك ينبغي في الشركة وعليه حمل إنكار سحنون.
قال أبو عمران: ولا يعرف هذا إلا من قول فضل وقول ابن القاسم إنه من المولي بنفس العقد كالجزاف وقد سوى في الكتاب بعد هذا بين الشركة والتولية في وجود النقص قال على المولي نقصه وله زيادته إذا كان من نقص الكيل وزيادته وليس ذاك للذي ولي وإن كان كثيراً وضع عليه بحسابه ولم يكن عليه ضمان فيما نقص والشركة مثله، قال أبو محمد زهده يدل على أن ليس على المشترك أجر الكيل وكذلك ينبغي في الإقالة إذ هما معروفان كالشركة، وكذلك ينبغي في القرض والهبة وإن وجدوا زيادة أو نقصانا فلهم وعليهم بخلاف البيع ذلك للبائع قال.
واختلف فيمن وهب أقساطا من دهن جلجلان أنه على من عصر فينبغي أن يجرى على الخلاف الذي ذكرناه أيضاً ولم يجعل الطعام في الشركة إن لم يكن قبض ثمنه كالمحبوسة في الثمن لما كان أصل الشركة معروفا وتأول بعض المذاكرين مسألة الكتاب على أن الهلاك ببينة ولو كان بدعوى لخرجت على الخلاف في المحبوسة في الثمن والصواب ما ذكرناه قال في المدونة: ومن قال لرجلين اشتريا عبداً أشركاني فيه فأشركاه كان بينهم أثلاثاً قال ابن محرز: قالوا هذا على أنه لقيهما معاً، ولو لقيهما منفردين لكان له نصفه قال ابن يونس: اختلف في هذا على ثلاثة أقوال أحدها قول المدونة بالإطلاق، والثاني لغيرها أنه يكون له نصفه والثالث لبعض أصحابنا القرويين الفرق أن يلقاهما معًا أو مفترقين فإن لقيهما معًا فله ثلثه أو مفترقين فله نصفه.
(وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل فلا يجوز):
وفي الموطأ من مراسيل ابن المسيب أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع الغرر وقال المازري ما تردد فيه بين السلامة والعطب قلت واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير
стр. 527
جامع الخروج غرر فاسد كصور بيع الجزاف وبيعتين في بيعة ونحوهما إذ لا عطب فيهما قال، وقول ابن الحاجب وهو ذو الجهل والخطر وتعذر التسليم يتعقب من ثلاثة أوجه أحدها جهل صفة المبيع فهو تعريف مباين الثاني أن الخطر مساو في المعرفة للغرر أو أخفى منه الثالث إن تعذر التسليم إنما ذكره الأصوليون من حكمة التعليل بالغرر قال والأقرب أن الغرر ما شك في حصول أحد عوضيه أو مقصود منه غالبا.
قال الباجي: ويسير الغرر عفو إذ لا يكاد يفارق وزاد المازري كون متعلق اليسير غير يسير ومقصود لضرورة ارتكابه وقدره في جواز بيع الأفنية وجواز الكراء بالشهر مع احتمال نقصه وتمامه وجواز دخول الحمام مع اختلاف قدر ما يكفي الناس ولبثهم فيه والشرب من الساقي إجماعا في الجميع وذلك دليل على إلغاء ما هو منه يسير غير مقصود دعت الضرورة إليه قال ابن عبد السلام وزيادة القيد الأخير فيه إشكال من وجهين:
الأول: أنه إذا كان يسيرا في نفسه غير مقصود إليه من المتبايعين ولا أحدهما فلا معنى للمنع منه لأن المنع من بيع الغرر إنما هو لما يؤدي إليه من المخاصمة والمنازعة.
والثاني: أنهم قالوا والمازري فيهم العيان يشهد له أن أكثر البياعات لا تخلو عن يشير الغرر فلو اشترطنا مع ذلك في اجازة البيع احتياج المتبايعين إلى ارتكاب ذلك الغرر ومعلوم أن الذي يباح عند الحاجة، ويمنع منه عند عدمها هو رخصة فيلزم عليه أن تكون أكثر البياعات رخصة وهو باطل قطعا وخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة والملامسة عندنا أن يلمس الثوب، فيجب البيع من غير تبيين والمنابذة أن يتنابذا أن يتنابدا ثوبين فيجب البيع.
وخرج مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحصاة.
قال المازري: واختلف في تأويله وأحسن ما قيل فيه تأويلات منها أن يبيع من أرضه قدر رمي الحصاة ولا شك في جهله لاختلاف قوة الرامي، وقيل: معناه أي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع وهو مجهول أيضا كالأول وقيل: معناه إذا أعجبه الثوب تركه على حصاة وقيل معناه أرمي بالحصاة فما خرج كان لي بعدده دنانير أو دراهم وهذا مجهول أيضًا وهذا إذا كان بمعنى الخيار وجعل ترك الحصاة علما على الاختيار لم
стр. 528
يمنع إلا أن تكون عادتهم في الجاهلية أن يضعوا أمورا تفسر مثل أن يكون متى ترك الحصاة ولو بعد عام وجب البيع وقيل كان الرجل يسوم الثوب وبيده حصاة ويقول إذا سقطت من يدي وجب البيع.
وهذا إذا كان معناه إذا سقطت باختياره فهو بيع خيار إذا وقع مؤجلا فلا يمنع إلا أن يكون ثمنه مجهولا، وقد يكون هذا هو معني القولين الأخيرين قال ابن رشد: وشراء الغاصب ما غصبه وهو بيده إن علم منعه ربه إن لم يبعه فسد البيع وإن علم رده إليه إن لم يبعه جاز اتفاقًا فيهما وإلا فقولان وأما بيعه ربه من غير الغاصب وهو بيد الغاصب فإن كان الغاضب لا يأخذه حكم فسد إجماعا وإن كان يأخذه الحكم فإن كان حاضرا مقرا بالغصب جاز البيع وإن أنكر فقولان لأنه شراء ما فيه خصومة وهما قائمان من المدونة وإن كان الغاصب غائبا عن مجلس الشراء فإن كان على غصبه بينة جاز وإلا فلا وقيل إنما الخلاف إذا كان ببينة وإلا فالمنع اتفاقًا.
(ولا يجوز بين الغرر ولا بيع شيء مجهول ولا إلى أجل مجهول):
قال الفاكهاني: لا أدري لم كرر الشيخ هذه المسألة وهي بعض ما قبلها لأن الغرر الذي ذكره ثانيا هو ما في الثمن أو المثمون وقد تقدم استيفاء الكلام عليه، وقوله ولا بيع شيء مجهول هو الغرر في المثمون المتقدم أيضًا وكذلك الأجل المجهول فتأمله.
(ولا يجوز في البيوع التدليس ولا الغش ولا الخلابة ولا الخديعة):
стр. 529
قيل إنها ألفاظ مترادفة والصحيح أنها متباينة فمثال التدليس أن يعلم بسلعته عيبًا فيكتمه ومثال الغش أن يجعل في اللبن ماء ومثال الخلابة أن يكذب في الثمن أو يرقم على السلعة أكثر مما اشتراها به ومثال الخديعة أن يخدعه بالكلام، وقال في المدونة: ومن ابتاع ثيابًا فرقم عليها أكثر مما ابتاعها به وباعها برقمها ولم يقل قامت على بكذا فقد شدد مالك فيه الكراهة واتقي فيها وجه الخلابة وأقام منها بعض من لقيناه من القرويين ما يفعله فسقة التجار يبيع الثوب ويربط فيه صره دراهم ويرى البدوي أن لا علم له بذلك فيطمع البدوي فيها فيدفع أكثر من الثمن المعتاد أو يأخذ التاجر دراهمه ويعلم أن للمشتري فيه مقالا قال ابن أبي زمنين: فإن نزلت مسألة الكتاب خير المبتاع بين أخذها وردها فإن فاتت ففيها القيمة كذا فسره ابن الماجشون وقال ابن أخي هشام، ويلزمه الأقل من الثمن أو القيمة وسواء باعها مرابحة أو مساومة ومن الخديعة أن ينسب السلعة إلى غير جنسها وللمبتاع الرد بذلك قاله ابن حبيب واختلف فيمن باع حجرا بثمن يسير ثم وجده ياقوته أو زبرجدة تساوي مالا كثيرًا فسمع أشهب وابن نافع أنه لا مقال للبائع، ولو شاء لتثبت وهو المشهور وفي سماع أبي زيد أن له مقالا قال ابن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو لم يسم أحدهما الشيء بغير اسمه كقوله: أبيعك هذه الزجاجة فيجدها المشتري ياقوتة فإنه لا يلزم المبيع باتفاق.
قال ابن يونس في كتاب الصيد وأما لو اشتري رجل حوتا فوجد في جوفه جوهرة فقال الأبياني هي له وقال بعض شيوخنا أنها للبائع قلت: وأعرف فيها قولاً ثالثاً بالفرق بين أن تباع وزنا فللمشتري أو جزافا فللبائع ذكره بعض القرويين وأظنه أبا زيد عبد الرحمن بن الدباغ صاحب معالم الإيمان وكان بعض من لقيناه يعزوه لنقل اللخمي عن بعض القرويين وكل هذا إذا لم تكن مملوكة قبل وأما لو ملكت كما لو وجدت مثقوبة فهي لقطة اتفاقاً.
وأما الخرزة البونية فسمعت شيخنا أبا مهدي عيسى الغبريني رحمه الله تعالى ينقل عن ابن الحاج أنها للمشتري باتفاق والخلاف فيما تقدم ليس هو من باب الغبن وإن كان فيه اختلاف واضطراب أيضًا والمشهور أنه لا قيام له وعليه العمل عندنا بإفريقيا وذهب البغداديون إلى القيام به وهو الثلث قاله الأبهري وأصحابه، وقال ابن القصار هو
стр. 530
ما زاد عليه، وقيل ما خرج عن المعتاد وظاهر قول أبي عمر بن عبد البر أن قول الغبريني في بيع الوصي والوكيل، كقدره في بيع من باع ملك نفسه قال بعض شيوخنا وكان بعض من لقيناه ينكر ذلك ويقول غبن بيعهما ما نقص عن القيمة نقصًا بينا، وإن لم يبلغ الثلث وهو صواب لأنه مقتضى الروايات في المدونة وغيرها ولو ابتاع الوكيل بمالا يشبه من الثمن لم يلزمه.
(ولا كتمان العيوب ولا خلط دنئ بجيد):
في مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا فقال " ما هذا يا صاحب الطعام" فقال أصابته السماء يا رسول الله قال " أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا" قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: يعاقب من غش بسجن أو ضرب أو إخراجه من السوق إن اعتاده، ونقل ابن القاسم، أنه لا يشترط اعتياده في إخراجه من السوق بل يخرج مطلقا قال وعليه يصح رده بعد مدة يرجي فيها أنه قد تاب وإن لم تظهر توبته وعلى الأول لا يرد حتى تظهر توبته.
قال ابن حبيب: ويؤدب بالمال اليسير كلبن غشه بماء يتصدق به مع تأديبه وأما بالمال الكثير فلا نعم لا يرد إليه ويباع ممن لا يغش به قاله أصحاب مالك، قلت وأقيم من العتق بالمثلة الأدب بالملال الكثير ويرد بحرمة الآدمي وسيأتي عزو ذلك عند ذكر الشيخ والعتق بالمثلة إن شاء الله تعالى قال ابن رشد لا يتصدق على من لم يعلم بغشه إذا اشتراه أو ورثه، وسمع أشهب وابن نافع أحب إلى أن لا يخلط لبن البقر بلبن الغنم لإخراج زبدهما فإذا وقع الخلط فلابد من البيان فحمل ابن رشد أحب إلي على الوجوب ومن خلط قمحا بشعير لقوته وفضلت منه فضلة فروى محمد يكره أن يبيعه وإن قل ثمنه.
وقال ابن الماجشون ومطرف وخففه ابن القاسم وقال بعض الشيوخ: إن أمكن تمييز الدنئ من الجيد كسمين اللحم مع هزيله لم يجز بيع كثيره حتى يميز ويجوز بيع قليله والقليل كالخمسة أرطال والكثير كالعشرين رطلا قاله ابن القاسم، وإن لم يمكن تمييزه كالسمن مع العسل، فقيل يجوز بيعه بعد وقيل: يمنع وقيل: إن خلط للأكل جاز، وإن خلط للبيع لم يجز وقيل: مثله إن كان يسيرا، فإن بان الغش فإن المشتري بالخيار ودليله حديث المصراة فهو خير النظرين وخرج فيه قول بالفسخ من بيع
следующие страницы →