← Фикх малики

Фикх малики · id 14555

شرح ابن ناجي التنوخي على متن الرسالة

ابن ناجي التنوخي

Полный текст (890 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قال رسول الله ﷺ " من أقال مسلمًا أقال الله عثرته" وفي المدونة: إن ابتعت سلعة فلم تقبضها حتى أشركت فيها رجلاً فهلكت قبل قبضه إياها وابتعت طعاماً فلم تكتله حتى أشركت فيه رجلاً فهلك قبل قبضه إياه أو لم تقاسمه حتى هلك الطعام فضمانه منكما وترجع عليه بنصف الثمن قال عياض: وأنكرها سحنون، وحكى فضل في التولية إنها من المولى حتى يكتاله وكذلك ينبغي في الشركة وعليه حمل إنكار سحنون. قال أبو عمران: ولا يعرف هذا إلا من قول فضل وقول ابن القاسم إنه من المولي بنفس العقد كالجزاف وقد سوى في الكتاب بعد هذا بين الشركة والتولية في وجود النقص قال على المولي نقصه وله زيادته إذا كان من نقص الكيل وزيادته وليس ذاك للذي ولي وإن كان كثيراً وضع عليه بحسابه ولم يكن عليه ضمان فيما نقص والشركة مثله، قال أبو محمد زهده يدل على أن ليس على المشترك أجر الكيل وكذلك ينبغي في الإقالة إذ هما معروفان كالشركة، وكذلك ينبغي في القرض والهبة وإن وجدوا زيادة أو نقصانا فلهم وعليهم بخلاف البيع ذلك للبائع قال. واختلف فيمن وهب أقساطا من دهن جلجلان أنه على من عصر فينبغي أن يجرى على الخلاف الذي ذكرناه أيضاً ولم يجعل الطعام في الشركة إن لم يكن قبض ثمنه كالمحبوسة في الثمن لما كان أصل الشركة معروفا وتأول بعض المذاكرين مسألة الكتاب على أن الهلاك ببينة ولو كان بدعوى لخرجت على الخلاف في المحبوسة في الثمن والصواب ما ذكرناه قال في المدونة: ومن قال لرجلين اشتريا عبداً أشركاني فيه فأشركاه كان بينهم أثلاثاً قال ابن محرز: قالوا هذا على أنه لقيهما معاً، ولو لقيهما منفردين لكان له نصفه قال ابن يونس: اختلف في هذا على ثلاثة أقوال أحدها قول المدونة بالإطلاق، والثاني لغيرها أنه يكون له نصفه والثالث لبعض أصحابنا القرويين الفرق أن يلقاهما معًا أو مفترقين فإن لقيهما معًا فله ثلثه أو مفترقين فله نصفه. (وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء بخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل فلا يجوز): وفي الموطأ من مراسيل ابن المسيب أن رسول الله ﷺ نهي عن بيع الغرر وقال المازري ما تردد فيه بين السلامة والعطب قلت واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير

стр. 527

جامع الخروج غرر فاسد كصور بيع الجزاف وبيعتين في بيعة ونحوهما إذ لا عطب فيهما قال، وقول ابن الحاجب وهو ذو الجهل والخطر وتعذر التسليم يتعقب من ثلاثة أوجه أحدها جهل صفة المبيع فهو تعريف مباين الثاني أن الخطر مساو في المعرفة للغرر أو أخفى منه الثالث إن تعذر التسليم إنما ذكره الأصوليون من حكمة التعليل بالغرر قال والأقرب أن الغرر ما شك في حصول أحد عوضيه أو مقصود منه غالبا. قال الباجي: ويسير الغرر عفو إذ لا يكاد يفارق وزاد المازري كون متعلق اليسير غير يسير ومقصود لضرورة ارتكابه وقدره في جواز بيع الأفنية وجواز الكراء بالشهر مع احتمال نقصه وتمامه وجواز دخول الحمام مع اختلاف قدر ما يكفي الناس ولبثهم فيه والشرب من الساقي إجماعا في الجميع وذلك دليل على إلغاء ما هو منه يسير غير مقصود دعت الضرورة إليه قال ابن عبد السلام وزيادة القيد الأخير فيه إشكال من وجهين: الأول: أنه إذا كان يسيرا في نفسه غير مقصود إليه من المتبايعين ولا أحدهما فلا معنى للمنع منه لأن المنع من بيع الغرر إنما هو لما يؤدي إليه من المخاصمة والمنازعة. والثاني: أنهم قالوا والمازري فيهم العيان يشهد له أن أكثر البياعات لا تخلو عن يشير الغرر فلو اشترطنا مع ذلك في اجازة البيع احتياج المتبايعين إلى ارتكاب ذلك الغرر ومعلوم أن الذي يباح عند الحاجة، ويمنع منه عند عدمها هو رخصة فيلزم عليه أن تكون أكثر البياعات رخصة وهو باطل قطعا وخرج مسلم بسنده عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ نهى عن الملامسة والمنابذة والملامسة عندنا أن يلمس الثوب، فيجب البيع من غير تبيين والمنابذة أن يتنابذا أن يتنابدا ثوبين فيجب البيع. وخرج مسلم أيضًا عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الحصاة. قال المازري: واختلف في تأويله وأحسن ما قيل فيه تأويلات منها أن يبيع من أرضه قدر رمي الحصاة ولا شك في جهله لاختلاف قوة الرامي، وقيل: معناه أي ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع وهو مجهول أيضا كالأول وقيل: معناه إذا أعجبه الثوب تركه على حصاة وقيل معناه أرمي بالحصاة فما خرج كان لي بعدده دنانير أو دراهم وهذا مجهول أيضًا وهذا إذا كان بمعنى الخيار وجعل ترك الحصاة علما على الاختيار لم

стр. 528

يمنع إلا أن تكون عادتهم في الجاهلية أن يضعوا أمورا تفسر مثل أن يكون متى ترك الحصاة ولو بعد عام وجب البيع وقيل كان الرجل يسوم الثوب وبيده حصاة ويقول إذا سقطت من يدي وجب البيع. وهذا إذا كان معناه إذا سقطت باختياره فهو بيع خيار إذا وقع مؤجلا فلا يمنع إلا أن يكون ثمنه مجهولا، وقد يكون هذا هو معني القولين الأخيرين قال ابن رشد: وشراء الغاصب ما غصبه وهو بيده إن علم منعه ربه إن لم يبعه فسد البيع وإن علم رده إليه إن لم يبعه جاز اتفاقًا فيهما وإلا فقولان وأما بيعه ربه من غير الغاصب وهو بيد الغاصب فإن كان الغاضب لا يأخذه حكم فسد إجماعا وإن كان يأخذه الحكم فإن كان حاضرا مقرا بالغصب جاز البيع وإن أنكر فقولان لأنه شراء ما فيه خصومة وهما قائمان من المدونة وإن كان الغاصب غائبا عن مجلس الشراء فإن كان على غصبه بينة جاز وإلا فلا وقيل إنما الخلاف إذا كان ببينة وإلا فالمنع اتفاقًا. (ولا يجوز بين الغرر ولا بيع شيء مجهول ولا إلى أجل مجهول): قال الفاكهاني: لا أدري لم كرر الشيخ هذه المسألة وهي بعض ما قبلها لأن الغرر الذي ذكره ثانيا هو ما في الثمن أو المثمون وقد تقدم استيفاء الكلام عليه، وقوله ولا بيع شيء مجهول هو الغرر في المثمون المتقدم أيضًا وكذلك الأجل المجهول فتأمله. (ولا يجوز في البيوع التدليس ولا الغش ولا الخلابة ولا الخديعة):

стр. 529

قيل إنها ألفاظ مترادفة والصحيح أنها متباينة فمثال التدليس أن يعلم بسلعته عيبًا فيكتمه ومثال الغش أن يجعل في اللبن ماء ومثال الخلابة أن يكذب في الثمن أو يرقم على السلعة أكثر مما اشتراها به ومثال الخديعة أن يخدعه بالكلام، وقال في المدونة: ومن ابتاع ثيابًا فرقم عليها أكثر مما ابتاعها به وباعها برقمها ولم يقل قامت على بكذا فقد شدد مالك فيه الكراهة واتقي فيها وجه الخلابة وأقام منها بعض من لقيناه من القرويين ما يفعله فسقة التجار يبيع الثوب ويربط فيه صره دراهم ويرى البدوي أن لا علم له بذلك فيطمع البدوي فيها فيدفع أكثر من الثمن المعتاد أو يأخذ التاجر دراهمه ويعلم أن للمشتري فيه مقالا قال ابن أبي زمنين: فإن نزلت مسألة الكتاب خير المبتاع بين أخذها وردها فإن فاتت ففيها القيمة كذا فسره ابن الماجشون وقال ابن أخي هشام، ويلزمه الأقل من الثمن أو القيمة وسواء باعها مرابحة أو مساومة ومن الخديعة أن ينسب السلعة إلى غير جنسها وللمبتاع الرد بذلك قاله ابن حبيب واختلف فيمن باع حجرا بثمن يسير ثم وجده ياقوته أو زبرجدة تساوي مالا كثيرًا فسمع أشهب وابن نافع أنه لا مقال للبائع، ولو شاء لتثبت وهو المشهور وفي سماع أبي زيد أن له مقالا قال ابن رشد: وهذا الاختلاف إنما هو لم يسم أحدهما الشيء بغير اسمه كقوله: أبيعك هذه الزجاجة فيجدها المشتري ياقوتة فإنه لا يلزم المبيع باتفاق. قال ابن يونس في كتاب الصيد وأما لو اشتري رجل حوتا فوجد في جوفه جوهرة فقال الأبياني هي له وقال بعض شيوخنا أنها للبائع قلت: وأعرف فيها قولاً ثالثاً بالفرق بين أن تباع وزنا فللمشتري أو جزافا فللبائع ذكره بعض القرويين وأظنه أبا زيد عبد الرحمن بن الدباغ صاحب معالم الإيمان وكان بعض من لقيناه يعزوه لنقل اللخمي عن بعض القرويين وكل هذا إذا لم تكن مملوكة قبل وأما لو ملكت كما لو وجدت مثقوبة فهي لقطة اتفاقاً. وأما الخرزة البونية فسمعت شيخنا أبا مهدي عيسى الغبريني رحمه الله تعالى ينقل عن ابن الحاج أنها للمشتري باتفاق والخلاف فيما تقدم ليس هو من باب الغبن وإن كان فيه اختلاف واضطراب أيضًا والمشهور أنه لا قيام له وعليه العمل عندنا بإفريقيا وذهب البغداديون إلى القيام به وهو الثلث قاله الأبهري وأصحابه، وقال ابن القصار هو

стр. 530

ما زاد عليه، وقيل ما خرج عن المعتاد وظاهر قول أبي عمر بن عبد البر أن قول الغبريني في بيع الوصي والوكيل، كقدره في بيع من باع ملك نفسه قال بعض شيوخنا وكان بعض من لقيناه ينكر ذلك ويقول غبن بيعهما ما نقص عن القيمة نقصًا بينا، وإن لم يبلغ الثلث وهو صواب لأنه مقتضى الروايات في المدونة وغيرها ولو ابتاع الوكيل بمالا يشبه من الثمن لم يلزمه. (ولا كتمان العيوب ولا خلط دنئ بجيد): في مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ مر على صبرة من طعام فأدخل يده فنالت أصابعه بللا فقال " ما هذا يا صاحب الطعام" فقال أصابته السماء يا رسول الله قال " أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا" قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: يعاقب من غش بسجن أو ضرب أو إخراجه من السوق إن اعتاده، ونقل ابن القاسم، أنه لا يشترط اعتياده في إخراجه من السوق بل يخرج مطلقا قال وعليه يصح رده بعد مدة يرجي فيها أنه قد تاب وإن لم تظهر توبته وعلى الأول لا يرد حتى تظهر توبته. قال ابن حبيب: ويؤدب بالمال اليسير كلبن غشه بماء يتصدق به مع تأديبه وأما بالمال الكثير فلا نعم لا يرد إليه ويباع ممن لا يغش به قاله أصحاب مالك، قلت وأقيم من العتق بالمثلة الأدب بالملال الكثير ويرد بحرمة الآدمي وسيأتي عزو ذلك عند ذكر الشيخ والعتق بالمثلة إن شاء الله تعالى قال ابن رشد لا يتصدق على من لم يعلم بغشه إذا اشتراه أو ورثه، وسمع أشهب وابن نافع أحب إلى أن لا يخلط لبن البقر بلبن الغنم لإخراج زبدهما فإذا وقع الخلط فلابد من البيان فحمل ابن رشد أحب إلي على الوجوب ومن خلط قمحا بشعير لقوته وفضلت منه فضلة فروى محمد يكره أن يبيعه وإن قل ثمنه. وقال ابن الماجشون ومطرف وخففه ابن القاسم وقال بعض الشيوخ: إن أمكن تمييز الدنئ من الجيد كسمين اللحم مع هزيله لم يجز بيع كثيره حتى يميز ويجوز بيع قليله والقليل كالخمسة أرطال والكثير كالعشرين رطلا قاله ابن القاسم، وإن لم يمكن تمييزه كالسمن مع العسل، فقيل يجوز بيعه بعد وقيل: يمنع وقيل: إن خلط للأكل جاز، وإن خلط للبيع لم يجز وقيل: مثله إن كان يسيرا، فإن بان الغش فإن المشتري بالخيار ودليله حديث المصراة فهو خير النظرين وخرج فيه قول بالفسخ من بيع

стр. 531

النجش على قول القرويين وابن الجهم بفسخه، وألحق فيه للآدمي ورده المازري بأن الرد عندهم في مسألة النجش لدلالة النهي على الفساد وشرطها عدم النص بلغو دلالته. وقوله ﷺ في حديث المصراة؛ فهو بخير النظرين نص في لغو الدلالة قال: ولا يتوهم تخريج الفسخ من أحد القولين فيما إذا اطلع على أنه مغصوب لأن الغصب لو علم به في العقد أفسده بخلاف الغش. (ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع أو كان ذكره أبخس له في الثمن): يريد كجلد الميتة والثوب المنسوخ من شعر الميتة وكل مسألة فيها خلاف شهر بين أهل العلم كلحم المغلصة إلى غير ذلك مما يكثر تكرره، ونقل بعض من لقيناه عن بعض المغاربة بأنه أخذ من قول الشيخ ولا أن يكتم من أمر سلعته إلى آخره أن الكيمياء لا تجوز لأن من يدفع له من ذهبها شيء لو أعلمه ما قبله ولا يمكنه أن يبينه لأنه يخاف على نفسه قال شيخنا أبو مهدي: وهب أنه لا يخاف فيدخله الفساد من جهة أرى وهي صيرورتها إلى أصلها وإن بعد أمرها وذكر حكاية المازري المقتضية لذلك ولولا الإطالة لذكرناها. (ومن ابتاع عبداً فوجد به عيبًا فله أن يحبسه ولا شيء له أو يرده ويأخذ ثمنه إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده): قال القاضي عبد الوهاب: وليس للمبتاع أن يحبسه ويرجع بقيمة العيب لحديث المصراة وما ذكر الشيخ من أنه بالخيار مراده به ما لم يصرح بالرضا أو يسكت من غير عذر وجعل ابن القاسم في المدونة: السكوت رضا ولم يقيده وقال أشهب: إن كان قريبا كاليومين فليس سكوته برضا وأكثر من لقيناه حمله على الخلاف وعلى كل حال، فالسكوت يدل على الرضا إما مطلقًا وإما مقيدا بالطول من غير خلاف. وإن كان الشيوخ يحكي الخلاف في السكوت هل يتنزل منزلة النطق أم لا وما ذكرناه من نفي الخلاف هو اختيار ابن عبد السلام واختلف المذهب إذا تصرف على الدابة بعد اطلاعه على العيب فروي عن مالك أنه يدل على الرضا وبه أخذ ابن القاسم وأصبغ وابن حبيب، وقيل عكسه قال مالك أيضًا وبه أخذ أشهب وابن عبد الحكم ونقل عن ابن كنانة إذا وجد العيب وهو مسافر فليشهد على عدم الرضا ويردها

стр. 532

ولا يركبها في ردها إلا أن يكون بين قريتين فليبلغ عليها القرية. وقال ابن نافع: لا يركبها إلا أن لا يجد بدا قلت: فيتحصل في المسألة أربعة أقوال، واختلف المذهب في العيب الظاهر إذ زعم المشتري أنه لم يعلم به هل له مقال أم لا فقال ابن حبيب لا مقال له، قال ابن عبد السلام وعليه اعتمد غير واحد ممن صنف في الأحكام وعليه يعتمد أصحاب الوثائق واعترض بعض شيوخنا نقله عن الموثقين بأن المتيطي وابن سهل منهم ومع هذا فقد أوجبا اليمين فقط على البت في العيب الظاهر، ومثله لابن عات في غير موضع من الطرر منها قوله ومن امتنع من دفع ثمن ما ابتاعه لدعواه عيبًا به إن كان ظاهراً لا طول في الخصام فيه لم يلزمه دفعه حتى يحاكمه، وقال في المدونة: إذا وجد العبد أعورًا أو أقطع إن له مقالا فحملها غير واحد على خلاف قول ابن حبيب وتأولها بعضهم على أن البيع وقع على غاية الصفة ولا يثبت العيب إلا بعد لين من أهل العلم بعيوب تلك السلعة وإن لم يوجد عدل قبل غيرهم ولو كانوا غير مسلمين للضرورة. (إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده): ظاهر كلام الشيخ ولو قال البائع: أن أقبله بالعيب الحادث وإليه ذهب عيسى بن دينار ورواه يحيى عن ابن القاسم وقال به ابن نافع ورواه عن مالك لأن المشتري قد يتعلق له غرض بعين المبيع وقيل إن كانت فيه زيادة مع العيب أو فراهية لحاجة المبتاع وأما إن لم يكن فيه غير النقص، فلا مقال للمشتري ونحا إلى هذا القول اللخمي قال عياض: ورجع هذا القول شيوخنا وقيل لا مقال للمشتري مطلقًا وهو مذهب المدونة، ورواه عيسى عن ابن القاسم. وقال أشهب: وقال ابن لبابة: إن كان البائع مدلسًا فالتخيير باق وإلا فلا قال عياض: وهو جيد في الفقه فيتحصل في المسألة أربعة أقوال وكلها في التنبيهات والعيوب الحادثة عند المشتري على ثلاثة أقسام: قسم: لا أثر له وهو ما إذا كان يسيرا كالعجف. وقسم: يتحتم فيه الرجوع بالأرش وهو كل ما يخرج عن المقصود كالعمي وما بينهما هو بالخيار كما قال الشيخ وهو الذي أراد بقول عيب مفسد والله أعلم. واختلف المذهب إذا تلف المبيع بعد أن طلع المشتري على بيعه وقبل قبض

стр. 533

البائع له على أربعة أقوال: فقيل ضمانه من البائع بنفس قول المشتري رددته قاله ابن القصار وقيل حتى يقبضه البائع قاله مالك في الموازية. وقيل إن حكم به حاكم من البائع وهو مذهب المدونة وأول رواية الموازية وكلها نقلها اللخمي وقيد بالأول بكونه عيب رد لا شك فيه وقيل إن الضمان من البائع إذا أشهد المشتري أنه غير راض به ولم يطل أمده يرى بحيث أنه رضيه حكاه ابن رشد في المقدمات عن أصبغ. (وإن رد عبدًا بعيب وقد استغله فله غلته): ما ذكر الشيخ هو مذهبنا واحتجوا على أن الغلة للمشتري بحديث الترمذي عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قضى أن الخراج بالضمان. وبما ذكر أبو داود بسنده إلى عائشة ﵂ أن رجلاً ابتاع غلامًا فأقام عنده ما شاء الله أن يقيم فوجد به عيبًا فخاصمه إلى رسول الله ﷺ فرده عليه فقال الرجل: يا رسول الله قد استغل غلامي فقال ﵇: " الخراج بالضمان". " وأما من اشترى نخلا وفيه ثمر قد أبر واشترطها أو اشترى غنما وعليها صوف قد كمل فجد النخل طيبها أو جز الصوف" فقال ابن القاسم: يرد ذلك للبائع، وقال أشهب: وهو للمشتري، وقال ابن القاسم في المدونة: ولا يرد اللبن وإن كان في الضروع يوم البيع، وقال ابن المواز: اتفق على ذلك ابن القاسم، وأشهب. وقال ابن عبد السلام: وانظر هل فيه قولة لأشهب أم لا: قلت، والصواب أنه لا قولة فيه ليسارة اللبن وأنه لا يبقي كالصوف والتمر. (والبيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلا قريباً إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشورة): ظاهر كلام الشيخ أن خيار المجلس لا يعول عليه، وهو كذلك عند مالك وقال به الفقهاء السبعة كذا قال ابن شاس وابن الحاجب وسلمه التونسيون كابن عبد السلام واعترضه الشيخ خليل بأن الإجماع على أن سعيد بن المسيب من الفقهاء السبعة وهو

стр. 534

قائل بخيار المجلس قاله المازري، وصاحب الإكمال، وبه قال ابن حبيب لحديث الموطأ. وقد أكثر المازري في الاعتذار عن مالك حيث روى الحديث، ولم يأخذ به فمن شاء فلينظره في شرحه، وحقيقة بيع الخيار بيع وقف أولا على إمضاء متوقع فيخرج الخيار الحكمي قاله بعض شيوخنا. قال المازري: وفي كونه رخصة لاستثنائه من بين الغرر، وحجر المبيع خلاف قال في المدونة: أمر الخيار في الدور الشهر، ونحوه. وقال ابن حبيب فيها وفي الأرضين الشهران ومثله في الموازية، قال عبد الحق الدور والأرضون سواء لا وجه لمن فرق بينهما وجعل ما تقدم وفاقًا للمدونة لا خلافًا، وهل المدة في الدور الثلاثة الأشهر نقله عياض في الإكمال عن الداودي. قال التونسي: له أن يقيم بالدار ليلا ليختبر جيرانها دون سكناه، قال المتيطي: واختلف في جواز شرط السكني على ثلاثة أقوال: فقيل: جائز نقله غير واحد، وقيل: لا يجوز قاله ابن القاسم، وقيل: إن كان من أهل محلتها لم يحتج إلى السكنى لأنه عالم بجيرانها، وإن لم يكن من أهلها جاز شرط السكنى، قاله اللخمي، وفي المدونة: أمدا بالخيار في الجارية الجمعة وشبهها ابن حبيب، وكذلك العبد. قال محمد: أجاز ابن القاسم فيه عشرة، وروى ابن وهب فيه شهراً قلت: وأما المكاتب فإنه أجاز فيه الخيار شهراً. قال في المدونة: ومن كاتب أمته على أن أحدهما بالخيار يوما أو شهراً جاز، ولا يقال: هو خلاف لأن الشرع متشوف للحرية. وأما الدابة فإن كان اختبارها بركوبها ففي المدونة: اليوم وشبهه، وإن كان اختبارها في كثرة الأكل وقلته وغلاء ثمنها، ورخصه فيوسع له في الأجل فتجوز الثلاثة الأيام كالثوب. قال عياض: كذا في رواية شيوخي، وكذا رواه ابن وضاح، وفي بعض النسخ اليوم واليومان، وما نبه عليه في كتاب ابن عتاب ليس عند ابن وضاح، واختار اللخمي أن يكون بحساب الثمن ليس الدينار كالعشرين، ولا هي كالمائة، ولا فرق بين الثياب وغيرها إذا كان المقصود اعتبار حال الثمن وصوبه ابن عبد السلام قائلاً: ينبغي أن لا

стр. 535

يقتصر القاضي، ولا المفتي على ما وقع في الروايات. قال الفاكهاني عن الغريب، والمشورة بفتح الميم وإسكان الشين وفتح الواو وبضم الشين وإسكان الواو لغتان. (ولا يجوز النقد في الخيار، ولا في عهدة الثلاث ولا في المواضعة بشرط) اعلم أن قيد الشرط راجع إلى الثلاث التي ذكرها الشيخ ويزاد بيع الشيء الغائب على الصفة ولا يجوز دفع الثمن، ولو مع الطوع في الأمة إذا بيعت على خيار، وفيها مواضعة وكذلك بيع الشيء الغائب على الخيار والسلم على خيار، وكذلك الأرض غير المأمونة على خيار. وذكر عبد الحق في النكت: أنه لا يجوز ولو مع الطوع بخلاف الرهن إذ ليس الحق في غير الرهن، وإنما هو توثقة، في غير الحق في عينه، وما ذكر الشيخ أن شرط النقد فيما ذكر لا يجوز هو كذلك اتفاقًا لاحتماله تارة بيعًا، وتارة سلفًا، فيقوم من قوله إن كل ما لا يعرف بعينه من مكيل أو موزون لا يصح بيعه بالخيار بشرط الغيبة عليه، ونص على ذلك سحنون في المدونة: إلا أنه ذكر ذلك في المبتاع. وفي الموازية والبائع لأنه إذا أمضى البيع كان بيعا، وإن لم يمض البيع وجب رده، وقد يكون تصرف فيه، ويرد مثله فيكون سلفًا، ويريد سحنون ما لم يطبع عليه، ونص عليه اللخمي. قلت: فإن وقع البيع في بيع الخيار على شرط النقد فهل يفسد البيع أم لا والمعروف من المذهب أنه يفسد وحكي ابن الجلاب قولاً بعدم فساده ونصه، وفي

стр. 536

فساد البيع بشرط النقد قولان. قال بعض شيوخنا ولا أعرفه إلا كرواية محمد عن نقد ثمن ثوب حتى يراه فإن لم يرضه رده جاز إن قرب وطبع عليه، وعلى الأول لو وقع الاتفاق على إسقاط الشرط، فذهب سحنون إلى صحة العقد. وقيل: إنه لا يصح عزاه عبد الحق لبعض الأندلسيين قال ابن رشد: وهو ظاهر المدونة، وعزا المازري القولين للمتأخرين. (والنفقة في ذلك والضمان على البائع): أما النفقة فهي على البائع سواء قلنا: إن البيع منعقد من أوله أو بآخره، وظاهر كلام الشيخ في الضمان سواء كان المبيع مما يعاب عليه أم لا، وليس كذلك، وإنما يضمن البائع ما لا يغاب عليه، وأما ما يغاب عليه فمن المشتري، وهو نص المدونة، وهو المشهور، وهو الذي أراد الشيخ، والله أعلم. وقيل: إن الضمان ممن شرطه الخيار مطلقًا قاله مالك، وحكاه ابن رشد وتتخرج النفقة والغلة عليه، وعلى الأول فاختلف لو قامت البينة بهلاكه من غير سببه، فقال ابن القاسم لا يضمن. وقال أشهب: يضمن بناء على أصليهما هل الضمان بالتهمة أو بالأصالة، وكلاهما حكاه المازري، واللبن والسمن، غلة اتفاقًا. وأما الصوف فإن اشترطه المشتري فهو له كمن اشترى سلعتين، وإن لم يشترطه فهو للبائع واختلف في أرش الجناية، فقيل: إنها للبائع وهو مذهب المدونة، وقيل: إنه تبع له قاله ابن حبيب، ولو ولدت الأمة ثم أمضي البيع. فقال ابن القاسم: يتبعها كالصوف، وقال أشهب: كالغلة وكلاهما في المدونة: واستشكلت هذه المسألة من وجهين: أحدهما: كيف جاز بيعها مع أن الحامل المقرب لا يجوز بيعها وأجيب بأنه لا مانع من أن يكون باعها في آخر الشهر السادس وولدته في أول السابع قاله عياض على غير ذلك من التأويلات. وقال بعض من لقيناه: هذا الإشكال إنما يرد على غير طريق ابن رشد، وأما هو فقال ﵀ مذهب مالك جواز بيع المريض، قال وهو دليل خيار المدونة وظاهرها في الاستبراء وسماع عيسى عن ابن القاسم.

стр. 537

ونص أصبغ ونسب المنع لابن حبيب، وابن الماجشون، قال: ومال إليه سحنون، وهي طريقة لا اعتراض عليها. الثاني: أن كلا من ابن القاسم، وأشهب ناقض أصله، وذلك في الحرة إذا تزوجت عبدًا بغير إذن سيده، فأجاز نكاحه بعد أن زنت فقال ابن القاسم: لا ترجم، وقال أشهب: ترجم. وأجاب بعض شيوخنا عن أشهب: بأن الحدود تدرأ بالشبهات، وعن ابن القاسم بأنه خيار حكمي وناقضًا أصليهما، وبقوليهما أيضًا في الأمة إذا جنت ثم ولدت ثم أسلمها سيدها للمجني عليه، فقال ابن القاسم: لا يتبعها ولدها خلافًا لأشهب، وإذا وهب للعبد المبيع بالخيار مال ففي المدونة هو للبائع، وقال ابن الكاتب: يعني بذلك أن يباع بدون ماله وحمله الأكثر على الوفاق، وحمله ابن الجلاب على الخلاف وارتضاه بعض من لقيناه. (وإنما يتواضع للاستبراء الجارية التي للفراش في الأغلب أو التي أقر البائع بوطئها وإن كانت وخشا): اختلف المذهب إذا باعها بشرط ترك المواضعة فقيل: البيع جائز والشرط باطل، ويحكم بينهما بالمواضعة، وقيل: إن البيع فاسد، قاله الأبهري ومثله في كتاب ابن المواز، ولهذه المسألة نظائر منها إذا اشترط إسقاط الجائحة فقال ابن القاسم لا يعول عليه، وقيل: إن البيع فاسد وعزاه اللخمي للسليمانية، ومنها إذا اشترط ضمان العارية فقال ابن القاسم: لا يلتفت إليه خلافًا لأشهب. قال ابن الجلاب: ولو ماتت الأمة المتواضعة، ولم يعلم هل كان موتها قبل مدة الاستبراء أو بعدها فقال مالك الضمان من البائع، وقال مرة من المشتري. (ولا تجوز البراءة من الحمل إلا حملا ظاهرًا): اعلم أنه اختلف المذهب في بيع الجارية التي يزيد في ثمنها الحمل أو البقرة، أو غيرها على أنها حامل على أربعة أقوال: فقيل: لا يجوز قاله مالك في سماع ابن القاسم، وقيل: إنه جائز وإن وجدت غير حامل فله الرد قاله أشهب: وقيل: جائز فإذا وجدها غير حامل فإن كان يظن أنها حامل، فلا يردها، وإن كان يعلم أنها حامل بمعرفته فله ردها لأنه غره، وأطمعه. قال ابن أبي حازم، وقيل: يجوز في الحمل الظاهر دون الخفي قاله سحنون وهذه

стр. 538

الأقوال الأربعة حكاها ابن زرقون والقول بالمنع مطلقًا هو نص البيوع الفاسدة من المدونة. قال فيها: ومن باع شاة على أنها حامل لم يجز وكأنه أخذ لجنينها ثمنا حين باعها بشرط أنها حامل، وهو ظاهر كلام الشيخ ولتخصيصه الجواز في بيع البراءة بالحمل الظاهر فدل على أن غير البراءة لا يجوز مطلقًا وتعقب ابن الفخار قول الشيخ قائلاً: الصواب أنه لا تجوز البراءة من الحمل في الجواري الرفيعات إلا في الحمل الظاهر، ويجوز من حمل الوخش، وإن لم يكن ظاهراً هذا قول مالك، ولا يعرف خلافه وزعم ابن زرقون وابن رشد أن بيعها بشرط البراءة متفق عليه لأنه تبرأ من عيب، وهو قصور لنقل ابن يونس في أواخر كتاب الخيار. قال: ولو شرط حمل الجارية في البيع فسخ، وقيل: إن كان ظاهراً جاز فيها، وفي الغنم. وقيل: إن كان على البراءة جاز في الوجهين، قال ابن زرقون، وغيره: إنما يجوز في الرمكة على القول به إن قال: إنها حامل مطلقًا، ولو قيل: إنها حامل من فرس أو حمار لفسد البيع؛ لاحتمال أن يكون انفلت عليها غيره. قلت: واختار بعض من لقيناه الجواز إذا كان يعلم أنه حفظها من غيره. (والبراءة في الرقيق جائزة مما لم يعلم البائع). ظاهر كلام الشيخ أن غير الرقيق لا تفيد فيه البراءة، وهو نص المدونة قال المتيطي، وعليه العمل وبه الفتوى، وبه قال الجمهور من أصحاب مالك. وقيل: تفيد في كل شيء من عرض وغيره، قاله أشهب، وابن وهب وابن حبيب، وابن كنانة، واستقرئ من المدونة، وبه قال مالك في كتاب ابن حبيب. وقيل: فيما عدا الحمل الخفي من الرائعة إذ لا تصح البراءة منه لخطره، وقيل عكسه، قاله عبد الوهاب، وتأوله اللخمي على المدونة أيضًا، وعليه العمل عندنا بتونس. وقيل: تفيد في الحيوان وهو نص الموطأ، والواضحة وأحد قولي الموازية، وقيل: تفيد من السلطان خاصة قاله مالك، وحكي ابن أبي زمنين وابن الكاتب وغيرهما أنه لا يختلف قول مالك في بيع السلطان: إنه بيع براءة، وقيل: يفيد من الورثة لقضاء دين وشبهه. وقيل: فيما طالبت إقامته عند بائعه، واختبره، قاله في الواضحة والموازية، وتأول على المدونة، وقيل: تفيد في كل شيء إذا كان العيب تافهًا غير مضر، رواه ابن القاسم

стр. 539

في كتاب محمد ونحوه في العتبية وعليه حمل قول المغيرة، وهو مثل قول المدونة إن البراءة لا تنفع في أهل الميراث، ولا غيرهم إلا أن يكون خفيفا، وزعم ابن الكاتب انه لا يختلف قول مالك في اليسير، وغيره جعله مختلفا فيه كما قلنا فهذه ثمانية أقوال. وبالجملة فقد أطال عياض الكلام عليها جدا وذكر أولا أن فيها تسعة أقوال ثم زاد في آخر كلامه عاشرا ويظهر أن في بعضها التكرار قال: وفي الكتاب منها ستة، قلت: وكل هذه الخلاف فيما لا يشترط فيه التماثل، وأما ما يشترط فيه التماثل كمد قمح بمد فلا يجوز اشترط البراءة، لما يؤدي إليه من التفاضل. وكذلك لا يجوز في القرض كما إذا استقرض عبداً وتبرأ من عيوبه دخله سلف جر منفعة نص على ذلك الباجي والمازري، وقبله خليل، وقال بعض من لقيناه بدخول المسألة الأولى في الخلاف إذ ليس ثم تفاضل البتة؛ لأن الفرض أن القدر واحد وقصاري الأمر أن الصفة تختلف على تقدير الوجود، وذلك لا يضر. (ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثغر): الأصل في هذا ما خرجه الترمذي عن أبي أيوب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبائه يوم القيامة". ووقع في المدونة: ما يوهم جواز التفرقة قال في كتاب المرابحة في الجارية التي ولدت عنده: لا يبيعها مرابحة، ويحبس ولدها إلا أن يبين واعترضه فضل، قال: هذه من بيع التفرقة، وللناس في ذلك تأويلات: أحدها: لعله أعتق الولد. الثاني: لعله بلغ حد التفرقة. الثالث: لعله مات. الرابع: لعله على تأويل ابن القاسم عن مالك في العتبية، وتخريجه في سماعه على المسألة أنه رجع إلى إجازة بيع التفرقة، وقد وهموه في هذا التأويل. الخامس: أن يكون ذلك برضا الأم على أحد القولين. السادس: أنه إنما تكلم هنا على أحكام بيع المرابحة ولم يتعرض للكلام على التفرقة فلم يتحرز منها وكلها ذكرها عياض رحمه الله تعالى، وما ذكر الشيخ من أن

стр. 540

حده الإثغار هو قول مالك في المدونة قائلاً: ما لم يعجل به، وهو أحد الأقوال الستة. وقيل: سبع سنين قاله ابن حبيب، وقيل: عشر سنين، قاله ابن وهب، والليث بن سعد، وقيل: باستغنائه عن أمه، ومعرفة ما يؤمر به، وينهي عنه، ولا يقال يمكن أن يتأول هذا القول برجوعه إلى أحد هذه الأقوال السابقة؛ لأن معرفة ما ذكر يختلف باختلاف قرائح الأطفال. وقيل: وحدة البلوغ، رواه ابن غانم عن مالك، وقيل: لا يفرق بينهما وإن بلغ نقله ابن يونس عن ابن عبد الحكم لقوله للأب أخذ الولد وظاهره التأبيد، وصرح به اللخمي، وأبعده المازري ووجه ابن يونس بعموم الحديث وقد تقدم معارضة بعض من لقيناه قول ابن عبد الحكم بقوله للأب أخذ الولد الذكر من الأم عند الإثغار والجواب عن ذلك. وظاهر كلام الشيخ أن التفرقة لا تجوز ولو رضيت الأم بذلك، وهو كذلك ونص عليه مالك في كتاب محمد، وقيل: إن الجمع بينهما حق للأم قاله في المختصر، واختار ابن يونس الأول. وظاهر كلام الشيخ أن الأب لا يلحق بالأم وهو كذلك، واختار اللخمي انه يلحق بها كقول بعض المدنيين، والاتفاق على أنه لا يلحق بهما غيرهما، والمراد بالأم من النسب أما من الرضاع فلا، قاله التادلي، وهو واضح لأن الأم من الرضاع ليس لها من الحنان والشفقة ما للأم من النسب ألا ترى أنه لا حضانة لها، ويريد الشيخ إلحاق الهبة وشبهها بالبيع في التفرقة وهي جائزة في العتق وشبهه كالكتابة وفي الحيوان البهيمي على ظاهر المذهب، وروى عيسى عن ابن القاسم أنها لا تجوز وأن حد التفرقة أن يستغني عن أمه بالرعي، قاله التادلي والمغربي، وأظنه في العتبية، ولا أتحققه، ووقع للشيخ أبي بكر بن اللباد نحوه وذلك أن ابن يونس نقله عنه في الراعي إذا استؤجر على رعاية غنم، ولم يكن عرف برعي الأولاد ولا شرط فإن على ربها أن يأتي براع معه للأولاد للتفرقة وتأوله بعض شيوخنا بأن معناه أن التفرقة تعذيب لها فهو من باب النهي عن تعذيب الحيوان. وقال الفاكهاني: ظاهر الحديث يعم العقلاء وغيرهم ولم أقف عليه بالنص في غير العقلاء فمن وجده فليضفه إلى هذا الموضع راجيا ثواب الله تعالى. (وكل بيع فاسد فضمانه من البائع فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه):

стр. 541

يريد بالفاسد ما كان حرامًا وصرح ابن رشد باندراج المكروه في الفاسد، وقال بعض شيوخنا إن غني بالفاسد ما نهي عنه فقط فمندرج وإن عني به مع سلب خاصية البيع عنه فغير مندرج، وما ذكر الشيخ من أن الضمان من المشتري إذا قبضه هو المشهور. وسمع أبو زيد بن القاسم في جامع البيوع: ومن ابتاع زرعا قبل بدور صلاحه ثم حصده وحمله إلى منزله فأصابته نار فاحترق وعلم أن ذلك القمح بعينه احترق فمصيبته من البائع قال ابن رشد: وهو خلاف المعلوم من المذهب ونحوه سمع يحيى في كتاب الخلع ووجهة بأنه لما كان بيعا فاسدا لم ينعقد فيه بيع زاد في أجوبته ولا يفيته بيع ولا غيره. قلت: قال بعض شيوخنا وظاهر هذا السماع إنما يكون الضمان من البائع إذا قامت بهلاكه بينة، وقيل: إن كان البيع متفقا على تحريمه فمصيبته من البائع، وهو في يد مشتريه كالرهن هكذا نقله المازري عن سحنون وعبر عنه اللخمي بقوله: إن كان البيع حراماً. وظاهر كلام الشيخ: إذا أمكنه البائع من قبضه ولم يقبضه أن مصيبته من البائع وهو كذلك. وقال أشهب: يضمنه المشتري بالتمكين أو ينقد الثمن كقبضه، وناقضه أو عمر أن قوله هذا بروايته عن مالك أن من تزوج امرأة على عبد فمات العبد قبل القبض وهو لم يكن يقدر على منع الزوجة منه أن ضمانه من الزوج. قلت: ولا مناقضة عليه في ذلك إذ لا يلزم من الرواية الأخذ بها وعلى تسليمه فالتمكين أخص مما في الرواية والله أعلم. (فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه ولا يرده، وإن كان مما يوزن أو يكال فليرد مثله):

стр. 542

ما ذكر الشيخ من أن تغيير السوق مفيت هو المشهور. وقيل: إنه غير مفيت حكاه ابن عبد البر قال في كافيه، وفي الفوت يتغير الأسواق اختلاف عن مالك وأصحابه، وما ذكره من تغير البدن متفق عليه فيما قد علمت قال في المدونة: مثل الولادة والعيب، وزيادة بدن وزوال بياض العين. وظاهر كلام الشيخ أن طول الزمان لا أثر له في التفويت، وهو كذلك العروض قاله في المدونة: وذكر ابن رشد أنه فوت فيها لسرعة التغيير فيها قال اللخمي: واختلف إذا طال الزمان في الحيوان فقال في التدليس من المدونة من كتاب عبدا اشتراه شراء فاسدًا فعجز بعد شهر فات رده لأنه طول وقال في ثالث سلمها الشهر والشهران ليس بفوت في العبيد والدواب. وقال المازري: اعتقد بعض أشياخي أن قولي المدونة واختلاف حقيقة، وليس كذلك وإنما هو اختلاف في شهادة بعادة؛ لأنه أشار في المدونة: إلى المقدار من الزمان الذي لا يمضي إلا وقد تغير الحيوان فتغيره في ذاته أو سوقه معتبرا وإنما الخلاف في قدر الزمان الذي يستدل به على التغير. قلت: قال بعض شيوخنا هذا منه تعسف على اللخمي كان حاصل كلامه إنما هو في قدر الزمان الذي هو مظنة التغيير لا في التغيير وهذا مقتضى كلام اللخمي لمن تأمل وأنصف قال في المدونة: ولو تغير سوق السلعة له فروي بخلاف رجوعها بعد بيعه بها ففرق القابسي بأن سوق الثانية ليست هى الأولى بعينها وإنما هي مثلها والسلعة التي اشتريت شراء فاسدًا ثم بيعت ثم عادت فإنك تقطع أنها هي ومنهم من فرق بأن تغيير السوق غير داخل تحت قدرة البشر فلا يتهم الناس فيه بخلاف البيع ورد بأن فرض المسألة في المدونة: فيما إذا عادت إليه بميراث أيضاً، ولا تهمة فيه، ولما رأى أشهب رحمه الله تعالى أنه لا فرق بينهما جعل مسألة البيع كرجوع السوق.

стр. 543

وظاهر كلام الشيخ أن تغير السوق في المكيل والموزن معتبر وهو قول ابن وهب والمشهور أنه لا أثر له قال بعض الشيوخ الأربعة يفيتها حوالة الأسواق البيع الفاسد، واختلاف المتبايعين وبيع العرض بالعرض وبيع المرابحة وأربعة لا يفيتها حوالة الأسواق الرد بالعيب وهبة الثواب والإقالة في السلم والاستحقاق يجمعها قول الشاعر: وأربعة إذا الأسواق حالت = منعن من الفوات كما علمت إقالتك السلم ورد عيب = وعطاء الثواب وما استحقت وأربعة تفوت إذا استحالت = فأولها المبيع إذا اختلفت وعرض فيه عرض من مبيع = وبيع فاسد مع ما ربحت (ولايفيت الرباع حوالة الأسواق): ما ذكر الشيخ وهو المشهور، وقال ابن وهب: إنه يفيته تغير الأسواق كالعروض والحيوان، واعتذر عن المشهور بأن العقار المقصود منه غالبًا وإنما هو الاقتناء دون التجارة وما هو كذلك لا يطلب منه كثره الأثمان وقلتها، فلا يكون تغير سوقه مفيتا له بخلاف العروض، والحيوان غالباً، وبقيت الرباع الغرس والهدم والبناء قاله في رهون المدونة. واختلف إذا طال الزمان في الدور الأرضين فالمشهور أنه ليس بفوت وقيل: إن طالت المدة كعشرين سنة فإنه مفيت نقله اللخمي عن أصبغ قائلاً: ولابد من أن يدخلها التغيير في ذلك. وأشار المازري إلى أنه وفاق، وقال ابن رشد في ذلك قولان كلاهما في كتاب الشفعة من المدونة. وأما الزرع فليس بمفيت نقله أبو محمد عن ابن المواز قائلاً: فإن فسخ بيعه في إبانه لم يقلع وعليه كراء المثل، وبعد الإبان لا كراء عليه، ولو أثمرت الأصول عند مبتاعها ففسخ بيعها، وقد طالبت الثمرة فهي للمبتاع ولو لم تجد وإن لم تطلب فهي للبائع وعليه للمبتاع ما أنفق. (ولا يجوز سلف يجر منفعة):

стр. 544

يعني القرض بالمنفعة إما للمقرض، وإما للأجنبي؛ لأن المنفعة إذا انتفع بها الأجنبي من جهة المقرض فكأنه هو الذي انتفع بها، وما ذكرناه من منفعة الأجنبي مأخوذ من رهون المدونة وقراضها ولو الإطالة لذكرنا لفظها في الكتابين ويقوم من كلام الشيخ أن السفاتج ممتنعة وهو نص المدونة في بيوع الآجال وزعم الباجي أن هذا القول هو المشهور. وقيل: إنه جائز نقله عياض عن ابن عبد الحكم وعزاه الباجي لرواية أبي الفرج، وقيل: إن غلب خوف الطريق جاز وإلا منع، وهو اختيار اللخمي محتجا بإجازة مالك تأخير نقد كراء المضمون لاقتطاع الأكرياء أموال الناس. قال ابن عبد السلام: وفي احتجاجه نظر لأن المحظور في مسألة الكراء بيع الدين بالدين، وهو أخف من المحظور في مسألة السفاتج؛ لأنه سلف جر منفعة وهو عين الربا، وقيل: إن طلب المستقرض السلف جاز وإلا منع نقله ابن يونس عن الموازية، وفي الجلاب عن مالك الكراهة فيتحصل في ذلك خمسة أقوال، وتردد خليل هل تحمل الكراهة على التحريم فترد للمشهور أم لا، وكذلك تردد في قول اللخمي قال ومثله لعبد الوهاب هل هو تقييد أو خلاف ولما ذكر ابن بشير في السفاتج القولين، وأن المشهور المنع قال: وكذلك الطعام المسوس أو القديم في زمان الشدة بشرط أخذه جديداً، واعترضه بعض شيوخنا بأن كلامه يقتضي أن المشهور المنع ولم يحك غيره في السائس إلا الجواز. قلت: قال ابن عبد السلام ظاهر المذهب المنع والأقرب الجواز لأن منفعة السلف يسيرة جدا لا يمكن العاقل أن يقصدها غالبا. وقال خليل ك المشهور المنع خلافًا لسحنون، وقيد اللخمي المنع بما لم يقم دليل

стр. 545

على إرادة نفع المسلف فقط. وقال ابن حبيب: يمنع مطلقًا ونقل أبو محمد صالح عن أبي موسى الموماني أن قول اللخمي تفسير للمذهب لقول المدونة إن أقرضك فدانًا من زرع لتحصده أنت وتدرسه لحاجتك وترد مثله فإن فعل ذلك رفقًا بك دونه جاز. واختلف إذا اشترط المقرض إسقاط يمين دعوى القضاء في العقد أو تطوع له به على ثلاثة أقوال: فقيل: يمنع قاله يحيى بن عمر، وقيل: إنه جائز قاله ابن لبابة، وقيل: إنه يمنع في العقد قاله ابن العطار. وأما شرط التصديق في البيع في العقد ففيه ثلاثة أقوال ثالثها: إن كان البائع من المتورعين جاز ووفي له بشرطه وإلا فلا، واستمر العمل عندنا بتونس على العمل بذلك مطلقاً. (ولا يجوز بيع وسلف): الأصل في ذلك ما خرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " لا يحل بيع وسلف" وذكر الباجي أن الإجماع على منعه فإن وقع وأسقط مشترط السلف شرطه فنص في المدونة على الصحة وهو المشهور. وقيل: إنه لابد من فسخ البيع قاله ابن عبد الحكم ونقله ابن حارث وغيره وعزاه الباجي لبعض المدنيين وعلى الأول فهل التخيير في إسقاط شرطه ما لم يغب على السلف فإن غاب فقد فات الربا فلا تخيير أو يخير مطلقًا، في ذلك قولان، واشترط ذلك سحنون، وابن حبيب، وابن القاسم، ولم يشترط ذلك أصبغ، وعلى الأول فإن كانت السلعة قائمة ردت وإن فاتت بيد المشتري ففيها القيمة ما بلغت، وعلى الثاني فعليه في الفوات الأكثر من الثمن أو القيمة وكلا هذين القولين تؤول على المدونة، ونص في المدونة: على أن المعتبر في القيمة يوم القبض. وقال ابن الجلاب: يوم الفوات لا يوم الحكم ولا يوم القبض ويقوم من كلام الشيخ أن من عليه دينار قد حل وباع لصاحب الدين سلعة وشرط عليه أن لا يقاصه أنه لا يجوز ووجه الإقامة إنما كانت المقاصة واجبة لمن طلبها عند اجتماع شرائطها كان

стр. 546

اشتراط عدم المقاصة قرينة في إدارة تأخير الدين السابق فيكون بيعًا وسلفًا، وهو كذلك عند ابن القاسم. وقال أشهب: يصح ويبطل الشرط. وقال أصبغ: يصح ويوفي بالشرط، وهذه الأقوال الثلاثة حكاها ابن الحارث. (وكذلك ما قارن السلف من إجارة أو كراء): لا خصوصية لما ذكر بل وكذلك النكاح والشركة والقراض مع السلف. (والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري وكذلك تراب الفضة): أنما قال السلف جائز نفيًا لما يتوهم وإلا فهو مندوب إليه من حيث الجملة، ويعرض له التحريم، والكراهة، وأما الإباحة فمتعذرة؛ لأنه من القرب، وما ذكر الشيخ من منع قرض الجواري مثله في الآجال والسلم الأول من المدونة. وقيل: جائز على رد المثل قاله ابن عبد الحكم كذا نقله عنه ابن يونس والمارزي، ولفظ ابن بشير فيه إجازة ابن عبد الحكم وأوجب رد المثل وفي الحمديسية عنه أجازه إذا اشترط عليه أن لا يرد عينها وإنما يرد مثلها، وهو مثل النقل الأول عنه واعترضه بعضهم بأن الشرط لا ينفع لأنها على مثل الدين صفة ومقدارًا ومن أتى بذلك أجبر ربه على قبوله. قال خليل: وفيه نظر لجواز استثناء هذه الصورة لئلا يؤدي إلى إعارة الفروج ويريد الشيخ ما لم يكن قرض الجواري للمرأة أو لذي محرم أو كانت في سن من لا توطأ وقيد به اللخمي وغيره المدونة وحمله الباجي على الخلاف للمذهب وهو بعيد فإن وقع قرض الجواري وفرعنا على المشهور فإنه يفسخ ما لم يفت فإذا فات لزمته القيمة، وقيل: المثل واختلف في المفيت ما هو على ثلاثة أقوال: مجرد الغيبة عليه نقله ابن يونس عن بعض الأصحاب وقيل: مجرد الغيبة عليها لا أثر له الأثر للوطء قاله عبد الوهاب في معونته. وقيل: إن كانت غيبة يشبه الوطء فيها فهي فوت وإلا فلا قاله المازري وتراب المعادن والصواغين لا يجوز قرضه وقول ابن عبد السلام في السلم اختلف في قرض تراب المعادن لا أعرف وكذلك لا يجوز قرض الدور والأرضين والبساتين، واختلف في قرض قواديس قفصه، ونحوها قال بعض شيوخنا لا يجوز. قال التادلي: وظاهر كلام الشيخ أن قرض لحوم الأضاحي جائز، وفيه القولان اللذان في جلد الميتة وقد ذكرهما اللخمي في جلد الميتة بعد الدبغ، ويجريان هنا بطريق

стр. 547

الأولي ذكر هذا في الأضاحي أعني التادلي. (ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله): إنما لا يجز ذلك لأنه يدخله في الوضيعة ثلاث علل سلف جر منفعة، والتفاضل بين الذهبين أو الفضتين والنساء؛ لأنه عجل عشرة في عشرين فهو إذا حل يقبض من نفسه عشرين ويدخله الطعام من قرض إذا كان مما لا يجوز فيه التفاضل والثلاث علل، وإن كان مما يجوز فيه التفاضل دخلته علتان من الثلاث سلف جر منفعة والنساء وإن كان الطعام من بيع دخلته أربع علل الثلاثة المذكور والرابعة بيع الطعام قبل قبضه ويدخله في القرض سلف جر منفعة والنساء، وما ذكر الشيخ هو المشهور وذكر اللخمي في إرخاء الستور عن ابن القاسم أنه جائز. قال بعض شيوخنا: حكي غير واحد من شيوخ بلدنا أن بعض الطلبة ذكر مجلس تدريس بعض شيوخه في كتاب الآجال من المدونة قول ابن القاسم هذا فأنكر عليه. وقال اللخمي: حكاه عنه فلما انقضى المجلس نظروا محله من كلام اللخمي في بيوع الآجال حيث ذكرها في المدونة: فلم يجدوا في اللخمي ما ذكر عنه فلما كان من الغد قالوا له: ما ذكرت عن اللخمي غير صحيح إذا لم يذكره في محله فانصرف الطالب عنهم في هم شديد فلما نام من الليل رأى في نومه الشيخ أبا الحسن اللخمي فقال له: يا سيدي نقلت عنك كذا وكذا له القصة وكون الطلبة نظروا كتابك في بيوع الآجال، ولم يجدوا فيه ذلك النقل فقال له: ذكرته في فضل الخلع فانتبه الطالب فرحًا فقام في ليلته، ونظر الكتاب فوجده كما نقل فلما أصبح ذكر ذلك لأهل المجلس واشتهرت قصته وتفضل الله عليه برؤيته المذكورة. (على تعجيله): علته حط عني الضمان وأزيدك لأن الطالب لا يجبر على قبضه قبل الأجل لأن منفعة التأجيل لهما معاً. (ولا التأخير به على الزيادة فيه): يريد سواء كانت الزيادة من المديان أو من أجنبي ومنه هدية المديان إلا أن تكون معتادة. وقال ابن الحاجب: وفي مبايعته بالمسامحة الجواز والكراهية قال غير واحد فظاهره أنه لا يختلف إذا لم تكن مسامحة أنه جائز ومقتضى ما حكاه المازري وابن

стр. 548

بشير وغيرها أن النفل على العكس إن كانت مسامحة منع اتفاقًا لأنها هدية مديان وإلا فقولان الجواز والكراهة. وقيد اللخمي الخلاف بما قبل الأجل، وأما بعده فلم يحك إلا الكراهة وصرح المازري بعدم الجواز بعد الأجل وهو آكد في التهمة؛ لأن الدين قد وجب على من عليه قضاؤه وأما هدية رب المال للعامل لئلا يدع العمل فلا يجوز لأنه سلف جر منفعة وكذلك لا تجوز هدية العامل لرب المال قبل الشغل بالمال وبعده. (ولا تعجيل عرض على الزيادة فيه إذا كان من بيع ولا بأس بتعجيله ذلك من قرض إذا كانت الزيادة في الصفة): قال غير واحد: الفرق بين البيع والقرض أن الأجل في القرض حق للمقرض فلم يسقط بالتعجيل حقا له بخلاف البيع؛ لأن الأجل حق لهما، ونقل الفاكهاني هذا الفرق عن ابن عيسى في إقالته، وهو يقتضي سواء كان المزيد في الصفة كإعطاء أجود مما في ذمته أو في الذات، وهو خلاف ظاهر قول الشيخ إذا كانت الزيادة في الصفة. (ومن رد في القرض أكثر عددا في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط، ولا وأي ولا عادة فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم، ولم يجزه): أراد الشيخ بالوأي التصريح بالوعد وبه فسر صاحب مختصر العين. قال التادلي: وقيل: هو التعريض بالعدة وفي المشارق هو الوعد المضمر والعادة معروفة وسواء كانت خاصة مع المستقرض أو عاملة لأهل البلد. وقال أبو محمد صالح: لا خلاف في العادة الخاصة واختلف في العامة بالجواز والمنع، وظاهر كلام الشيخ أن أشهب يجيز ذلك سواء كانت الزيادة يسيرة أو كثيرة كمن سلف عشرة دراهم مثلاً فقضى أحد عشر أو خمسة عشر، وابن القاسم يحرمه مطلقاً، وبقول أشهب قال القاضي عبد الوهاب، قال ابن عبد السلام وعزاه اللخمي لابن حبيب وعيسى. قلت: واعترض بعض شيوخنا عليه من وجهين: أحدهما: أن قول ابن حبيب ليس في التبصرة. الثاني: قول عز وابن الحاجب لأشهب الجواز مطلقاً قائلاً: لا أعرفه. قلت: ويرد بأن ظاهر الرسالة كما تقدم، وقول ابن القاسم مثله، وروى ابن المواز في المسألة قولاً ثالثًا: أنه لا تجوز الزيادة إذا كانت يسيرة كدرهمين في مائة نقله أبو محمد

стр. 549

عن أشهب وابن حبيب، وعزاه غيره لابن القاسم إلا أنه لم يذكر تحديد اليسير. قلت: والصواب عندي عكس الثالث؛ لأنه إذا كانت الزيادة يسيرة فهما يتهمان فيها بخلاف الكثيرة، والله أعلم. وفي الصحيح عن أبي رافع أن رسول الله ﷺ استسلف من رجل بكرا فقدمت عليه إبل الصدقة فأمر رسول الله ﷺ أبا رافع أن يقضي الرجل بكرا فرجع إليه أبو رافع فقال: يا رسول الله لم أجد فيها إلا خياراً رباعيا فقال: " أعطه إياه إن خير الناس أحسنهم قضاء". قال ابن عبد السلام: الظاهر أن هذا الحديث يشتمل على جواز المتصل والمنفصل لقوله: " إن خير الناس أحسنهم قضاء: فمهما كثرت الزيادة في القضاء كانت أحسن. (وكذلك أن يعجل العروض والطعام من قرض لا من يبع): قال الفاكهاني: يريد إذا كان المعجل في البلد الذي اقترض فيه، وأما إن كان في غيره فلا يلزمه أخذه. قلت: ما ذكره صحيح، وكذلك لو طلبه المقرض بعد حلول الأجل بغير البلد الذي اقرضه فيه فإنه لا يجبر على الدفع له ولكنه يلزمه أن يوكل من يقبضه عليه في البلد الذي اقرضه فيه. ونص عليه الشيخ أبو القاسم بن الجلاب، وبه أفتي من لقيناه قائلاً: لا أعرف فيه خلافًا إلا أن الصواب في الضامن عدم لزومه إلا أن يكون ملكاً، ويريد أيضا إذا كان البلد آمنا، وأما لو طلبه في أخذه بين بلدين أو مكان مخوف فإنه لا يجبر قال ابن بشير في الموازية واختلف في الجوهر إذا كانا من بيع وطلب أخذه في غير البلد المشترط ففيه القضاء، ولم يكن حمل فقيل كالعين يجبر على قبوله، وقيل: كالعروض، وهو المشهور. قال ابن بشير: هو خلاف في شهادة إن كان الأمن في الطريق فهو كالعين وإلا فهو كالعرض واختلف المذهب إذا أراد المديان دفع بعض ما عليه، وهو موسر هل يجبر رب المال على قبضه أم لا؟ فروى محمد وبه قال ابن القاسم في رواية أبي زيد: إنه يجبر، وقال ابن القاسم لا يجبر، وأما المعسر فيجبر اتفاقًا.

стр. 550

(ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه): يريد إذا كان على التبقية والمسألة لا تخلو من ثلاثة أوجه: أحدها: ما تقدم، وهو إذا كان على التبقية فنصوص المذهب على فساده، وأجازه أبو حنيفة وحلم النهي على الكراهة وخرج اللخمي قولاً في المذهب بجوازه إذا لم ينقد الثمن. وقال اللخمي: هذا إذا اشترط مصيبته من المشتري أو من البائع والبيع بالنقد؛ لأنه تارة بيعاً وتارة سلفًا، وإن كانت المصيبة من البائع والبيع بغير النقد فإنه جائز. وقال المازري: بعد أن ذكر عن المذهب المنع وأن بعض أشياخه انفرد بذكر ما تقدم: وفي المذهب ما يشير إلى الاختلاف في هذا الأصل فإن فيه قولين مشهورين في جواز كراء الأرض الغرقة على أن العقد إنما يتم بتصرف الماء عنها يريد مسألة المدونة وفيها قولان لابن القاسم وغيره وفرق بعض شيوخنا بأن الغرر هنا يقدر على رفعه بالعقد مع شرط الجد وغرر انكشاف الماء غير مقدور على رفعه وقد فرقوا بهذا المعني في فصل الخلع بالضرر. الثاني: أن يكون على القطع فإنه جائز بثلاثة شروط قاله اللخمي في السلم الأول: أن يبلغ الثمر مبلغا ينتفع به، وإن يحتاج إلى بيعه وإن يتمالأ عليه أكثر أهل موضعه ومهما اختل شرط منها فإنه لا يجوز لأنه فساد. الثالث: إذا وقع العقد عاريا عن الجد والتبقية فظاهر ما في كتاب البيوع الفاسدة من المدونة أنه جائز، وقيل: إنه لا يجوز قاله عبد الوهاب وعزاه المازري لرواية البغداديين، وهو أصل ابن القاسم في البيع المحتمل للصحة والفساد نص عليه في الرواحل والدواب من المدونة خلافًا لابن حبيب وحمل فضل قول المدونة على أن عرفهم على الجد ونحوه لأبي محمد وجعل اللخمي كثرة الثمن دليلا على البقاء وقلته دليلا على الجد. (ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه وإن نخله من نخيل كثيرة): يريد إذا كان طيبه متلاحقًا، وما ذكره هو قول مالك الذي رجع إليه، وقيل: لا يجوز حتى يبدو صلاح جميعه، وهو قول مالك الأول، وقيل: يجوز إذا بدا صلاح بعضه، ولو لم يقرب إذا لم ينقطع الأول حتى يبدو صلاح ما بعده قاله ابن كنانة، وقيل: يجوز بيعه ببدو صلاح ما حوله وبه قال مالك أيضًا وابن حبيب، وهذه الأقوال الأربعة حكاها ابن رشد، وفي المسألة قول خامس حكاه ابن حارث أحب إلى أن لا

стр. 551

يباع ما حوله ولا أراه حرامًا، وعزي لابن القاسم وابن حبيب قال ابن رشد: وما استعجل زهوه بسبب مرض في الثمرة وشبهه لم يبع به الحائط اتفاقًا، وفي الحديث نهى رسول الله ﷺ عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها. قال ابن عبد السلام: هذا يدل على أنه يشترط عموم ذلك في جميع الحائط كما اشترط ذلك بعض أهل العلم بعد أن جعل أصل المذهب أن الصلاح في بعض الحائط كاف. قلت: فظاهر كلامه أنه لم يحفظه في المذهب، وهو قصور لما تقدم وصلاح الثمرة زهوها زاد ابن الحاجب وظهور الحلاوة فيها. قال ابن عبد السلام: لا أحفظه الآن عن المتقدمين، وإنما ذكروا الحلاوة في التين مع ظهور السواد في أسوده والبياض في أبيضه، وكذلك العنبري في لونه وطعمه. قلت: واعترضه بعض شيوخنا بأنه قصور في حفظ المذهب لقول المتيطي بدو صلاح العنب ظهور الحلاوة فيه مع السواد في السواد في أسوده وحاصله في سائر الثمار إمكان الانتفاع به. وقال خليل: الظاهر أن ابن الحاجب أراد التنويع فالزهو خاص بالتمر وظهور الحلاوة في غيره قال وفي كلامه نظر لأن الحلاوة لا تعلم؛ لأن بعضها قد لا تظهر فيه الحلاوة كالموز لأنه يباع في شجره. قال ابن المواز: ولا يطيب حتى ينزع قال الباجي: يريد إذا بلغ مبلغا إذا نزع من أصله تهيأ للنضج، قال غير واحد: وبدو الصلاح في الزيتون أن ينحو إلى السواد وبدو صلاح القثاء والفقوس أن ينعقد، ويبلغ مبلغا يوجد له طعم وسمع أصبغ وأشهب أن بدو الصلاح في البطيخ أن يؤكل فقوسًا قد تهيأ للبطيخ. قلت: هذا في الكبار، وأما في الصغار فلا، وقال ابن حبيب أن ينحو ناحية الاصفرار والطيب؛ لأنه الغرض المقصود منه. قال الفاكهاني: وقول الشيخ، وإن نخلة من نخلات كثيرة رويناه بالرفع أي، وإن أزهت نخلة ويجوز النصب على خبر كان مقدرة ولها نظائر كثيرة والرفع أحسن. (ولا يجوز بيع ما في الأنهار والبرك من الحيتان، ولا بيع الجنين في بطن أمه ولا بيع ما في بطون سائر الحيوانات): قال الفاكهاني عن الغريب الأنهار جمع نهر بفتح الهاء، وإسكانها لغتان مشهورتان.

стр. 552

قالوا: وكذلك كل ما كان على ثلاثة أحرف وعينه حرف حلق نحو شهر، وأما قوله في (جنت ونهر) [القمر: ٤٥] فقال الزهري: أي أنهار وقد يعبر عن الجمع بالواحد كما قال تعالى (ويولون الدبر) [القمر: ٤٥] والبرك جمع بركة بكسر الباء سميت بذلك لإقامة الماء فيها والجنين كأنه فعيل بمعني مفعول أي مستور ومنه سميت الجن لأنها مستورة، ويقوم من كلام الشيخ من باب أحرى أنه لا يباع الطير في الهواء وهو كذلك وسمع عيسى وأصبغ ابن القاسم لا يحل صعاب الإبل للغرر في أخذها وربما عطبت به ولجهل ما فيها من العيوب، وكذلك المهاري والفيلة، وكل ذلك مفسوخ. قال أصبغ: احتجاجه بجهل عيوبها غير صحيح لأن البراءة في بيعها غير جائزة. قال ابن رشد: اعتراض أصبغ غير لازم؛ لأن ابن القاسم لا يجيز بيع البراءة وهو الصحيح المعروف من قول مالك. (ولا بيع نتاج ما تنتج الناقة ولا بيع ما في ظهور الإبل): النتاج بكسر النون ليس إلا وفي الموطأ مرسلا، روى مالك عن ابن شهاب عن ابن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان وأنهاكم عن ثلاثة المضامين والملاقيح، وحبل الحبلة، فالمضامين ما في بطون الإناث من الإبل، والملاقيح: ما في ظهور الفحول وعكس ابن حبيب وخرج مسلم ومالك في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن بيع حبل الحبلة فسره ابن وهب وغيره بنتاج ما تنتج الناقة، وأما النزو فإن كان مضبوطًا بمرة أو زمان فإنه جائز وروى ابن حبيب كراهيته للنهي عنه، وأن أخذ الأجر فيه ليس من مكارم الأخلاق فإن فعل لم يفسخ ولم يؤد الأجر ومنعه جماعة من أهل العلم مطلقاً. قال ابن عبد السلام: وهو أسعد بظاهر الحديث وسمع عيسى بن القاسم جواز نزو البغل على البغلة واختلف المذهب في جواز الأجرة على ذلك على ثلاثة أقوال: فقيل: إن ذلك جائز قاله عيسى بن دينار وصوبه ابن رشد، وقيل: مكروه قاله ابن القاسم، وعنه الوقف ولو سمي أعواماً فحصلت في الأول انفسخت قاله سحنون كالصبي في الرضاع. (ولا يبع الآبق والبعير الشارد).

стр. 553

ظاهر كلام الشيخ بيع بنقد أو بغير نقد كان الطلب في ذلك كله على البائع أو على المشتري، وهو كذلك وللخمي فيه تفصيل مال فيه إلى الجواز إذا لم ينقد الثمن وكان البيع فيهما على أن صفته كذا، وأن طلبه على البائع فإن أتى به على تلك الصفة أخذ الثمن وإلا فلا، واحتج بقول ابن القاسم فيمن قال اعصر زيتونك فقد أخذت زيته كل رطل بدرهم، وكان يختلف خروجه لا خير فيه إلا أن يشترط إن خرج جيداً أو أنه بالخيار ولا ينقد، وصرح المازري وابن بشير وغيرهما بأنه اختيار اللخمي لا أنه المذهب. (ونهى عن بيع الكلاب واختلف في بيع ما أذن في اتخاذه منها): أما الكلب المنهي عن اتخاذه فاتفق المذهب على تحريم بيعه، وأما المأذون فيه فاختلف فيه على سبعة أقوال: أحدها: أن بيعه لا يجوز وهو مذهب المدونة، وقيل: إنه جائز قاله مالك، وابن كنانة، وابن نفاع وسحنون قائلاً: أبيعه وأحج بثمنه، قال خليل وشهره بعضهم والأكثرون على المنع. قلت: وعزو ابن الفاكهاني هذا القول لابن كنانة فقط قصور وقيل: إنه مكروه قاله مالك أيضاً وقيل: بجوازه إن وقع في المغانم، وقيل: وكذلك في الميراث والدين ويكره في غيرهما والمراد بالميراث يعني لليتيم. وأما للبالغين فلا كذا فسره ابن مزين وقيل: لا بأس بشرائه ولا يجوز بيعه كذا نقله ابن زرقون ونقل ابن رشد ويكره بيعه، وإذا فرعنا على مذهب المدونة بالمنع ووقع البيع فروى أشهب في مدونته أنه يفسخ إلا أن يطول. وحكى ابن عبد الحكم أنه يفسخ وإن طال والقولان حكاهما ابن زرقون. قلت: والصواب أنه يمضي بالعقد مراعاة لقول من قال ممن تقدم بجوازه وهو قول أبي حنيفة أيضًا، وأما بيع الصور التي على قدر البشر يجعل لها وجوه فقال مالك: لا خير فيها وليس التجر فيها من عمل الناس، وحمله ابن رشد على أنها ليست مصورة

стр. 554

بصور الإنسان وإنما فيها شبه الوجوه بالتزاويق فصارت كالرقم، ومثله قول أصبغ لا بأس بها ما لم تكن تماثيل مصورة تبقي ولو كانت فخارا أو عيدانا تتكسر وتبلى خف بيعها وصوب ابن رشد أن ما يبقي كما لا يبقي. (وأما من قتله فعليه قيمته): يعني: أن من قتل كلبا مأذونا في اتخاذه فعليه قيمته، وأما غير المأذون فلا وهو كذلك قاله في المدونة في الضحايا، ونقل الفاكهاني عن سحنون أن من قتل الكلب المأذون فيه فلا قيمة عليه كالشافعي. قلت: لا أعرفه وليس هو أصله، ويقوم من كلام الشيخ أن من قتل أم ولد رجل فإنه يغرم قيمتها وأن من استهلك لحم أضحية فإنه يغرم قيمته، وكذلك من استهلك جلد ميتة أو زرعا قبل بدو صلاحه أو قتل مدبرا وهو كذلك في الجميع. ونقل ابن يونس في كتاب الغصب في أم ولد إذا غصبت فماتت قيل: لا ضمان عليه كالحرة وقيل: كالأمة قال بعض من لقيناه ولا يتخرج القول الأول فيما سبق من لحم الأضحية وما بعده؛ لأنه لم يبق له في أم الولد إلا المتعة وغيرها إذا أتلفه إنما أتلف أمرا ماليا ولذا قال كالحرة. (ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه): الأصل في ذلك ما خرجه مسلم وأبو داود عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع اللحم بالحيوان من جنسه، وما ذكر الشيخ من أنه محمول على الجنس الواحد هو تفسير مالك بحديث وأخذ به وخصصه عبد الوهاب وابن القصار والأبهري وغيرهم من البغداديين بالحسي الذي لا يراد إلا للذبح وأجرى اللخمي قولاً بالجواز في الجنس إذا تبين الفضل من أجل أن مالكًا لم يطرد العلة، وقال بالمنع وإن ظهر الفضل مع كونه علل بالمزابنة. وقال أبو حنيفو: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه، ومن غير جنسه، قال أبو عمر بن عبد البر: وعن أشهب نحوه والمعروف عنه كما قال مالك في المدونة: ذوات الأربع من الأنعام والوحش جنس والطير صغره وكبيره وحشيه وإنسيه جنس والحوت صغيره وكبيره جنس يجوز لحم كل جنس بحي ولا بأس بلحم الأنعام بالخيل وسائل الدواب ولو لأجل لأنها لا تؤكل لحومها. وأما بالثعلب والضبع والهر، فقال ابن القاسم: هو عندي مكروه لكراهة مالك

стр. 555

أكلها دون تحريم ولا بأس بالجراد بالطيور وليس هو لحما، واختلف المذهب في الحي الذي لا تطول حياته كطير الماء أو لا منفعة فيه إلا كونه متخذا للحم كالخصي من المعز على قولين لمالك وأخذ ابن القاسم بالمنع وأشهب بالجواز ورجحه ابن عبد السلام بوجهين: أحدهما: أنه كالصحيح المراد للاقتناء؛ لأنه يصدق عليه أنه حيوان. الثاني: لا يجوز بيعه باللحم إلا على قول من يجيزه بشرط التحري إذا فرعنا على ما اختار ابن القاسم فاختلف على قولين فيما إذا كانت تطول حياته أو كانت منفعته يسيرة، كالصوف في الخصي. (ولا بيعتان في بيعة وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقدا أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين): الأصل في ذلك ما في الموطأ وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ وصححه قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيعتين في بيعة قال أبو عمر بن عبد البر، ورد هذا الحديث من طرق صحاح، وتلقاه أهل العلم بالقبول وظاهر كلام الشيخ أنه لو كان بخمسة إلى أجل أو بعشرة نقدا أنه جائز، وهو كذلك؛ لأن كل عاقل يختار لنفسه ما هو يسير عليه، وهو ههنا خمسة إلى أجل، واختلف المذهب إذا قال: خذ الثوب أو الشاة بدينار إن شئت فروي أشهب جواز ذلك، وروي ابن القاسم لا يجوز واختلف أيضًا إذا اشترى على اللزوم ثوباً يختاره من ثوبين فأكثر على الجواز ولو اختلفت القيمة وهو مذهب المدونة. وقال ابن المواز: إنه لا يجوز ولو اختلفت قيمتها وصفتها ما لم تتباين تباينا يجوز معه سلم أحدهما في الآخر، وقال ابن حبيب: لا يجوز حتى تكون مساوية غير مختلفة القيمة ولا خلاف في المنع إذا اختلفت الأجناس كحرير وصوف وهو آكد من بيعتين في بيعة لأنه بيع شيئين مختلفين بثمن واحد على اللزوم وسمع عيسى بن القاسم ولو اشترى عشرة يختارها من غنم بعد اشترائه عشرة منها كذلك قبل اختيارها جاز، ولو اشتراها غيره قبل اختياره لم يجز لأنه غرر. قال ابن رشد: الفرق بينهما أنه يعلم ما يختار فلم يدخل في العشرة الثانية على غرر وغيره لا يعلم ذلك، وقال ابن المواز: يجوز ذلك لغيره كهو ووجهه أن الثاني علم

стр. 556

أن الأول لا يختار إلا خيارها وخيارها لا يخفى على ذي معرفة. (ولا يجوز بيع التمر بالرطب ولا الزبيب بالعنب لا متفاضلا ولا مثلاً بمثل ولا رطب بيابس من جنسه من سائر الثمار والفواكه وهو مما نهي عنه من المزابنة): ما ذكر الشيخ من أن التمر بالرطب لا يجوز هو المنصوص وخرج اللخمي فيه قولاً بالجواز من أحد القولين في بيع اللحم الطري باليابس ورده ابن بشير بأنا نمنع أن اليبس في اللحم حال كمال وإنما الكمال فيه حال الرطوبة فلا يطلب التيبيس فيه كما يطلب في الرطب فإن تيبيس الثمرة هو كمالها. قلت: ورده بعض شيوخنا بأنه فاسد والوضع لأنه في معرض النص إذا خرج مالك في الموطأ وأبو داود أن رسول الله ﷺ سئل عن شراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: " أينقص الرطب إذا جف" قالوا: نعم فنهي عن ذلك، ومثله قول خليل قياس فاسد الوضع لمقابلة النص واختلف المذهب هل يجوز بيع الرطب بالرطب أم لا؟ والمشهور جوازه. وقال ابن عبد الحكم: لا يجوز لنقصه إذا جف قال ابن عبد السلام: وهو أجري على الأصل لأنه لا يتحقق مقدار ما ينقص كل واحد منهما، وأما الزيتون بالزيتون مثلا بمثل فإنه جائز نص عليه اللخمي قائلاً: وإن كان زيت أحدهما أكثر من الآخر وزعم ابن الحاجب الاتفاق عليه قال ابن عبد السلام: ولولا الاتفاق عليه لكان الأنسب المنع لأن المطلوب زيته، وهو غير معلوم التساوي بخلاف اللحم باللحم. قلت: وأجابه بعض من لقيناه بأن الاتفاق على جواز القمح بالقمح وإن علم أن ريع أحدهما أكثر من الآخر مع أن القمح المقصود منه الدقيق بخلاف الزيتون فإنه كثيراً ما يؤكل كذلك، واختلف في طري الزيتون بيابسه بتحري النقص والمشهور منع القمح المبلول بمثله وجواز المشوي بالمشوي والقديد بالقديد، وقد علمت ما فرق به بينهما. (ولا يباع جزاف بمكيل من صنفه ولا جزاف بجزاف من صنفه إلا أن يتبين الفضل بينهما إن كان مما يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه): إنما جاز إذا بان الفضل لانتفاء وصف المزابنة؛ لأنه يصير حينئذ بيع معلوم معلوم من جنسه، واختلف في بيع الرطب باليابس إذا كانا ربوبيين على ثلاثة أقوال: أحدهما: أن ذلك ممنوع وهو دليل ما في سماع عيسى وأصبغ. والثاني: أنه يجوز بشرط تحري المساواة وهو أيضًا في سماع عيسى.

стр. 557

الثالث: إن علم أحدهما أكثر جاز وإلا فلا وذهب فضل إلى رد القولين إلى الثالث. (ولا بأس الشيء الغائب على الصفة): ظاهر كلام الشيخ وإن كان حاضر البلد، وهو كذلك، وروى ابن المواز، وقال به أنه لا يجوز والقول الأول نص عليه في المدونة في غير ما موضع قال في آخر كتاب السلم الثالث منها، وإن بعت من رجل رطل حديد بعينه في بيتك برطلين من حديد في بيته قثم افترقتما قبل قبضه ووزنه جاز ذلك، وفي كتاب الرد بالعيب منها، وإن بعت من رجل سلعة حاضرة في بيتك أو في موضع قريب يجوز فيه النقد ووصفتها جاز ذلك ويريد الشيخ ما لم يبعد الغائب جدا نقله هو ﵀ عن ابن حبيب، ونقله المازري غير معزو له كأنه المذهب ولم يحده بتعيين مسافة. وقال ابن شاس كإفريقية من خراسان وظاهر كلام الشيخ أنه لو بيع الغائب دون وصف ولا تقدم رؤية أنه لا يجوز وإن كان على خياره عند رؤيته، وهو المعروف وهو نص المدونة وظاهر ما في السلم الثالث، منها جوازه، وأنكره ابن القصار والأبهري وعبد الوهاب لجهله حين العقد. وقال بعضهم: إنها من بقايا أسئلة أسد لمحمد بن الحسن. قلت: قال بعض شيوخنا: وهذا جهل لسماع سحنون أسئلتها من ابن القاسم حسبما هو مذكور في المدارك ونحوه قول خليل هو باطل؛ لأن نسبة الوهم بغير دليل إلى أسد وسحنون لا تجوز، وأما بيع الأعمى فقال المازري: إن كان بعد إبصاره أجناس المبيع وصفاته جاز وإن كان خلق أعمى فمنع الأبهري بيعه. وأجازه القاضي عبد الوهاب، قلت: ويتعارض المفهومان فيمن عمي صغيرا بحيث لا يعلم أجناس المبيع وصفاته ونبه على هذا بعض شيوخنا، وألحقه ابن عبد السلام بالأصلي قال: وينبغي أن يكون هذا في الصفات التي لا تدرك إلا بحاسة البصر، وأما ما يدرك بغير ذلك من الحواس فلا مانع من أن يجوز بيعهما وشراؤهما لذلك قال: ولولا أنهم اتفقوا فيما قد علمته على صحة بيع الأعمى الذي تقدم منه إبصار وشرائه لكان النظر يقتضي أن لا يجوز ذلك. (ولا ينقد فيه بشرط إلا أن يقرب مكانه أو يكون مما يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجره فيجوز النقد فيه):

стр. 558

ظاهر كلام الشيخ أن التطوح بالنقد جائز، وهو كذلك كنظائره من بيع الخيار، وعهده الثالث والمواضع وظاهر كلامه أيضًا أن القريب يجوز بالنقد فيه سواء كان حيوانا أو غيره، وهو أحد القولين فيهما. أما الحيوان فحكى الخلاف فيه غير واحد، وأما القريب من غير الحيوان فزعم ابن الحاجب الاتفاق على الجواز وقبله ابن عبد السلام واعترضه بعض شيوخنا بأن في أول سماع يحيى بن القاسم من كتاب المرابحة لا يجوز لمن ابتاع طعامًا غائبًا بعينه أن يوليه أحداً ابن رشد يحتمل قوله هذا على القول أن النقد في الغائب، وإن قربت غيبته لا يجوز في المقدمات في جواز شرط النقد في العروض القريبة قولان ومثله لخليل قال لاختلاف قول مالك في قريب الغيبة ذكره ابن رشد، واختلف في حد القرب في الحيوان على خمسة أقوال: يوم ويومان ونصف يوم وبريد وبريدان، وظاهر كلام الشيخ أن الدور والأرضين يجوز اشتراط النقد فيهما، وإن بعدتا، وهو كذلك في المشهور. ونقل ابن الحاجب منعه عن أشهب. قال ابن عبد السلام، ولست أذكر الآن الموضع الذي حكي أشهب فيه مثل ما حكاه المؤلف، وأجاب بعض شيوخنا بأن ابن حارث نقله عنه قال: قال أشهب: إن كان بعيداً لم يجز النقد فيه كان المبيع داراً أو ما كان من شيء ولم يحفظه خليل إلا بنقل الباجي عنه، ولم يذكر كلام ابن عبد السلام. (والعهدة في الرقيق جائزة إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد):

стр. 559

يريد الشيخ أو يحمل السلطان الناس عليها، وما ذكره مع ما قلناه هي رواية المصريين، وروى المدنيون: يقضي بها في كل بلد وإن لم يعرفوها وعلى الإمام أن يحكم بها ولو على من جهلها وفي الموازية عن ابن القاسم: لا يحكم بها ولو اشترطوها ذكره ابن رشد. قال اللخمي: ولو شرط أسقاطها حيث العادة ثبوتها فقيل: نسقط، وقيل: لا، ويتخرج قول بفساد العقد من فساد البيع بإفساد شرطه. قلت: وأشار المازري لرده بأن ذلك في الشرط المتفق على فساده بخلاف المختلف فيه هنا والنفقة، والكسوة على البائع والغلة للمشتري على المشهور والشاذ للبائع وصوب، واختلف هل يلغى اليوم الذي وقع فيه البيع أم لا؟ على أربعة أقوال: فقيل: يلغي، رواه ابن القاسم، وقيل: لا يلغى بل يكمل من الرابع بقدر ما مضى منه رواه غيره، وقيل: إن عقد قرب طلوع الشمس حسب ذلك اليوم وإلا ألغي قاله ابن عبد البر. وقيل: إن مر أكثر النهار ألغي وإلا حسب يومًا كاملاً حكاه عياض وتقدمت نظائره في القصر. (فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء وعهدة الصفة من الجنون والجذام والبرص): اعلم أن العهدة مخصوصة بالرقيق على المعلوم من المذهب وقول التادلي، وقيل: إنها في كل شيء لا أعرفه وكذلك أنكره بعض من لقيناه كما نقلته له. (ولا بأس بالسلم في العروض والرقيق والحيوان والطعام والإدام بصفة معلومة وأجل معلوم): السلم جائز بإجماع من حيث الجملة، واستدل ابن عباس على جوازه بقوله تعالى: (يأيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمي فاكتبوه) [البقرة: ٢٨٢] الآية. قال مالك: هذا لجميع الدين كله، واستشكل ابن عبد السلام رحمه الله تعالى الاستدلال بالآية من وجهين: أحدهما: أن لفظ دين نكرة في سياق الثبوت فلا تعم ورده بعض شيوخنا بأنه في سياق الشرط فهي كالنفي فتعم ومثله لبعض من لقيناه قائلاً: نص على ذلك إمام

стр. 560

الحرمين في البرهان له. الثاني: أن مقصود الآية إنما هو وجوب الكتب في أي دين ما وفي كل دين جائز لا أن كل دين جائز. قلت: هذا بناء منه على الوجه الأول بنفي التعميم أما على ما اختاره غيره فالآية تدل على أن كل دين جائز إلا ما قام الدليل على تحريمه من غيرها، وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم"، وحده بعض شيوخنا بأنه عقد معاوضة بوجوب عمارته في ذمة بغير عين ولامنفعة غير متماثل العوضين وأحد شروط السلم معرفة الأوصاف التي تختلف فيها القيمة اختلافا لا يتغابن بمثله في السلم فلذلك لا يجوز السلم في تراب المعادن ولا يقال الصواب جوازه في تراب معادن الذهب كبيعه في أحد القولين لأن الصحيح في بيعه أنه خلاف في حال وذلك أن ابن حمدون منع بيعه واحتج بأنه تراب ذهب مختلط فإن صح فلا يخالفه غيره ولا يقال يتخرج منه الخلاف في جواز قسمته؛ لأن القسمة تمييز حق على الصحيح. فإن قلت: هل يتخرج الجواز من قول ابن عبد السلام؟ قد قدمنا أن أهل المذهب اختلفوا هل يجوز قرضه أم لا قلت: لا يتخرج؛ لأن القرض معروف على أن قوله قد قدمنا أن أهل المذهب اختلفوا هل يجوز قرضه أم لا لم يذكره في البيع ولم يذكره فيما بعد في القرض فلا أدري أين ذكره ولا أعرفه من نقل غيره، وفي أخذه من كلام ابن يونس نظر في قوله قال يحيى بن عمر لا تجوز فسمته ولو جازت لجاز قرضه. وقاله ابن عبد الحكم، ويحتمل أن يكون راجعا إلى ما قاله يحيى من عدم جواز قسمته لا إلى جواز قرضه والله أعلم. ولا يجوز السلم في الربع على المنصوص وخرج بعض الشيوخ الجواز من قول أشهب يجوز السلم في فدادين القصيل، والبقول بصفة الطول والعرض والجودة والرداءة، وعبر المازري عن المنصوص بالمشهور مسامحة ورد التخريج بما حاصله أن إجازة أشهب السلم في القصيل على فدادين معلومة لا يلزم منه تعيين الموضع المشخص إذ لا أثر له في المبيع، وإنما أثره في علم قدر المشترى من القصيل بمجموع مسافته وصفاته وخفته.

стр. 561

قال الفاكهاني: ولو اكتفى الشيخ أبو محمد بقوله الحيوان لأجزأه عن ذكر الرقيق. (ويعجل رأس المال أو يؤخره إلى مثل يومين أو ثلاثة، وإن كان بشرط): المطلوب تقديم رأس المال خوف الكالئ بالكالئ فإن لم يقدم فجوز في المدونة تأخير ثلاثة أيام بشرط نص على ذلك في بيع الخيار منها وعليه واعتمد الشيخ، وقال عبد الوهاب إنما يجوز يومان لا أكثر وحكي ابن سحنون وغيره من البغداديين قولاً بأنه إذا وقع التأخير بشرط فإنه لا يجوز مطلقاً، وهو اختيار ابن الكاتب، وعبد الحق، وصاحب الكافي؛ لأنه ظاهر النهي عن الكالئ بالكالئ ولم يحك الباجي قول المدونة فاستدركه عليه ابن زرقون. قال ابن يونس: قال بعض أصحابنا على القول بإجازة السلم إلى ثلاثة أيام لا يجوز تأخير رأس المال له اليومين ومثله لابن الكاتب. وذكره الباجي غير معزو وكأنه المذهب وظاهر كلام الشيخ أنه إن تأخر أكثر من ثلاثة أيام لا يجوز سواء كان بشرط أو بغير شرط، وهو كذلك. وقيل: إن كان بغير شرط جاز التأخير ولو إلى حلول الأجل والقولان معًا لابن القاسم، وأما إن حصلت صورة القبض حسا، ولو لم تحصل معني ففي مختصر ابن شعبان إذا وجد في رأس المال درهما ناقصًا انتقض من السلم بقدره. قال ابن عبد السلام: وقد علمت أن هذا الباب أخف من الصرف باعتبار المناجزة فكل ما جاز في الصرف من هذا النوع كان متفقا عليه أي: ومختلفا فيه فيجوز في هذا الباب أحرى. وأما إن اطلع على أن بعض رأس المال نحاساً أو رصاصًا أو زائفًا فالمنصوص أنه يجوز للمسلم إليه البدل. وقال أشهب: لم يكونا عملا على ذلك وليس بخلاف ويجوز تأخير البدل الثلاثة الأيام لا أكثر، وقال أشهب: يجوز أكثر بشرط أن يبقى من اجل السلم اليوم واليومان ولو اطلع على زائف فأخره به بشرط أمد بعيد فإن عثر على ذلك بعد يومين أمر بالدبل وفسخ تراضيهما وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد أيام كثيرة، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن يفسد السلم كله. وقيل لا يفسد إلا ما قابلة قاله أبو عمران. (وأجل السلم أحب إلينا أن يكون خمسة عشر يومًا أو على أن يقبض ببلد آخر، وإن كانت مسافته اليومين أو ثلاثة):

стр. 562

اعلم أنه اختلف المذهب في أجل السلم على ستة أقوال: أحدهما: مقدار ما تتغير فيه الأسواق دون تحديد قاله مالك، وقيل: حده خمسة عشرة يومًا قاله ابن القاسم، وهو الذي عول عليه الشيخ في قوله أحب ولفظة أحب على الوجوب، وهذان القولان في المدونة قال فيها ولا يجوز للرجل أن يبيع ما ليس عنده إلا أن يكون على وجه السلف مضمونا عليه إلى أجل معلوم تتغير فيه الأسواق ولم يحد مالك فيه حدا، وإن الخمسة عشر يومًا في البلد الواحد. قلت: وكان بعض أشياخي من القرويين يرد قول مالك إلى قول ابن القاسم ويري أنه قصد به التفسير وهو ظاهر كلام ابن الحاجب لكونه لم يذكر قول مالك. والصواب عندي حمله على الخلاف وهو اختيار ابن عبد السلام، وقيل: يجوز إلى يوم قاله ابن عبد الحكم، ورواه، وقيل: إلى اليومين قاله ابن وهب، وقيل: يجوز إلى خمسة أيام على ظاهر سماع عيسي بن القاسم في العتبية. وقيل: يجوز إلى شهر لا أقل نقله المازري عن بعض الشافعية عن مالك، واستبعده وجمهور المذهب لم يحك خلافًا في منع السلم الحال ونقل ابن رشد عن سماع يحيى أن ذلك جائز، وذكره عياض في كتاب المرابحة عن مالك وعزاه المتيطي لرواية أبي تمام، ولم يحكه التونسي إلا بالتخريج من رواية ابن عبد الحكم بجوازه إلى يومين وعبد الوهاب من روايته إلى يوم وضعف بأن فيهما مطلق الأجل وأخذه غير واحد من قول المدونة في المرابحة يجوز البيع مرابحة والثمن عوض وأخذه بعضهم من الشفعة والثمن، وكذلك قال بعض شيوخنا والأخذ الأول أظهر بأن بيع المرابحة بيع اتفاقًا، والأخذ بالشفعة يشبه الاستحقاق وفي شراء الغائب من المدونة من له عرض دين فباعه من رجل بدنانير أو دراهم فوجد فيها نحاسًا أو رصاصًا فله بدله والرضا به والبيع في ذلك تام فظاهره. وإن أحل وهو نفس السلم الحال قال: وأصرح منه قول هباتها وكل دين لك من عرض أو عين فلك بيعه من غير غريمك قبل محله وبعده بثمن معجل وظاهر كلام الشيخ إذا اشترط قبضه ببلدة أخري إنه لا يشترط تسمية الأجل ولا الخروج عاجلا، وهو كذلك نص عليه في الموازية. وقال ابن أبي زمنين: يشترط أحدهما، واختاره ابن يونس ومراد الشيخ بالبلد إذا كانت بعيدة بحيث يكون تغيير الأسواق فيها لبعدها غالبا.

стр. 563

(ومن أسلم إلى ثلاثة أيام يقبضه ببلد أسلم فيه فقد أجازه غير واحد من العلماء وكرهه آخرون): يعني: أنها إذا وقع السلم إلى ثلاثة أيام فاختلف فيه هل يمضي أم لا إلا أن في كلامه مسامحة وهو قوله أجازه، وكرهه، وأراد إمضاءه غير واحد وفسخه آخرون وعزا ابن يونس عدم الفسخ لأصبغ قائلاً: لأنه ليس بحرام ولا مكروه بين، وعزا الفسخ لمحمد قائلاً: أحب إلينا وعزاه غير واحد لأصبغ أيضًا، وهو ظاهر المدونة عند ابن رشد إلا أن ابن يونس صور المسألة فيما إذا وقع السلم إلى يومين وكلام الشيخ يقضي أن اليومين لا خلاف أنه يفسخ فيهما إلا أن يقال ما قارب الشيء له حكمه. وقال الفاكهاني رحمه الله تعالى: روايته في هذا الموضع يقبضه بالمضارع وفي بعض النسخ فقبضه ماض، ويختلف المعنى لاختلاف الروايتين فعلى المضارع يكون المعني أنهما دخلا على ذلك وعلى الماضي يكون الأمر مبهما. (ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه): اعلم أنه إذا أسلم الشيء في جنسه لا يخلو من ثلاثة أوجه: الأول: إذا أسلمه في أزيد منه فهو سلف جر منفعة وهو لا يجوز. قال ابن عبد السلام: وهذا بين على مذهبنا في اعتبار سد الذرائع، وأما من لم يعتبرها من أهل العلم فيجيزون التفاضل في العروض والحيوان نقدا أو إلى أجل، وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال: أمرني رسول الله ﷺ أن أجهز له جيشا فأمرني أن آخذ بشاتين وأمرني أن آخذ بعيرا ببعيرين. الثاني: سلم الشيء في أقل منه فلا يجوز أيضًا؛ لأنه ضمان بجعل كبعيرين في بعير إلى أجل أو ثوبين في ثوب من جنسهما إلى أجل؛ لأن أحد الثوبين المعجلين عوض عن المؤجل. وهو الثوب الثاني عن ضمان المؤجل، وذلك عوض عن المعروف وذلك لا يجوز بناء على اعتبار سد الذرائع. الثالث: إذا أسلم الشيء في مثله صفة ومقداراً ففي ذلك قولان منعه في كتاب ابن المواز مطلقاً: وفي المدونة إن ابتغيت به نفع نفسك منه، وإن ابتغيب به نفع الذي أسلمت إليه جاز ولو أسلم رديئا في جيد أو العكس فإنه لا يجوز قاله في المدونة؛ لأنه ضمان يجعل وسلف وجر منفعة وفي المدونة يجوز سلم فرسين سابقين في فرسين ليسا مثلهما.

стр. 564

(ولا يسلم شيء في جنسه أو فيما يقرب منه إلا أن يقرضه شيئاً في مثله صفة ومقدارًا والنفع للمتسلف): قال الفاكهاني ﵀: انظر لأي شيء كرر سلم الشيء في جنسه والذي يظهر أنه ليس بين الكلامين تفاوت لأن رأس المال إذا كان حديدا مثلاً وأسلمه في حديد أيضًا صدق عليه أن يقال: إن رأس المال من جنس ما أسلم فيه، وأنه أيضًا أسلم الشيء في جنسه. واعلم أن مثل الأول كالحيوان المأكول اللحم إن لم يكن فيه عمل مقصود، ولا منفعة مقصودة فصغيره وكبيره سواء لا يجوز أن يسلم حجل في يمام وكالبقر لا يجوز أن يسلم بقرة في بقرتين إلا أن يسلم البقرة القوية على العمل الفارهة في الحرث وشبهها في حواشي البقر قاله في المدونة. قال الباجي: تسلم البقرة القوية على الحرث في ذكور البقر اتفاقًا، وهو ظاهر قول ابن القاسم في الإناث، وحكي ابن حبيب أن المقصود كثرة اللبن فعلي ما ذكره يجوز سلم البقرة الكثيرة اللبن، وإن كانت قوية على الحرث في الثور القوي عليه. وفي المدونة: لا يسلم الضان في المعز ولا العكس إلا غنما غزيرة اللبن موصوفه بالكرم فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم. وقيل: إن كثرة اللبن في الغنم لغو قاله ابن حبيب، وغيره، ومثال الثاني كسلم البغال في الحمير وثوب القطن في الكتان المتقاربين، وفي ذلك قولان. واختلف المذهب في سلم السيف الجيد في الردئ ففي المدونة الجواز وقال سحنون بالمنع، وهذا الفصل متسع جداً ومحله المدونة قال التادلي: ويقوم من كلام الشيخ افتقار القرض لأن يكون بلفظه وفيه قولان، ويؤخذ منه جواز اشتراط ما يوجبه الحكم من قوله في مثله صفة ومقداراً لأن الصفة والمقدار مما يوجبه الحكم وإن لم يقع العقد عليهما في القرض، واختلف في فساد العقد به إن وقع واشترط على ثلاثة أقوال ثالثها: يمنع في الطعام فإن وقع فسخ. (ولا يجوز دين بدين): اعلم أن حقيقة بيع الدين بالدين أن تتقدم عمارة الذمتين أو إحداهما على المعاوضة كمن له دين على رجل، وللثاني دين على ثالث وللثالث دين على رابع فباع كل واحد من صاحبي الدين ما يملكه من الدين بالدين الذي على الآخر، وكذلك لو

стр. 565

كان لرجل على رجل دين فباعه من ثالث بدين. (وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم أو ما بعد من العقدة من ذلك): اعلم أن هذا يسمي عند أهل المذهب ابتداء الدين بالدين وهو إذا لم تعمر الذمة إلا عند المعاوضة والبعد الذي أراد الشيخ إذا كان أكثر من ثلاثة أيام على حسب ما تقدم قبل هذا. (ولا يجوز فسخ دين في دين وهو أن يكون لك شيء في ذمته فتفسخه في شيء آخر لا تتعجله): اعلم أن فسخ الدين في الدين هو أن يكون الدينان من جنس واحد والذي يفسخ فيه أكثره ويكونان من جنسين مختلفين وذلك إذا باع دينه من الذي هو عليه. وكلام الشيخ فيه تقديم التصديق على التصور وقد علمت ما فيه وظاهر كلامه سواء كان الذي فسخه فيه مضمونا أو منافع فأما المضمون فلا خلاف فيه وكذلك المنافع غير المعينة وأما المنافع المعينة كمن له دين على رجل ففسخه في ركوب دابة معينة فاختلف في ذلك، والمشهور قول ابن القاسم أنه لا يجوز وأجازه أشهب، وقيل: إنه جائز إذا كان العمل يقتضي قبل الأجل أو إلى الأجل، وأما إن كان يتأخر بعد الأجل لم يجز وهذا معنى ما قاله مالك في كتاب محمد، وكذلك اختلف ابن القاسم وأشهب في بيعه بدار غائبة أو بجارية تتواضع أو بثمرة يتأخر جدادها. قال في المدونة: ومن لك عليه ألف درهم حالة فاشتريت منه بها سلعة حاضرة بعينها فلا تفارقه حتى تقبضها فإن دخلت بيتك قبل أن تقبضها فالبيع جائز، وتقبضها إذا خرجت، وقال في البيوع الفاسدة وكل دين لك على رجل من دين بيع أو قرض
следующие страницы →