Полный текст (890 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
نصابًا أخرجه من حرزه بقصد أخذه خفية لا شبهة له فيه.
وما ذكر الشيخ أنه يشترط أن يكون مقدرا المسروق ربع دينار أو ثلاثة دراهم هو مذهب الجمهور، وقال الحسن وغيره: ويقطع فيما سرق مما تكون له قيمة وإن قل واحتجوا بحديث أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده".
وتأوله الجمهور كما قاله البخاري قال الأعمش: كانوا يرون أنه بيض الحديد، والحبل كانوا يرون أنه مما يساوي دراهم واضطرب العلماء في مقدار ما يقطع فيه على عشرة أقوال محلها المطولات.
وظاهر كلام الشيخ أن التقويم لا يكون إلا بالدرهم من غير اعتبار غالب مما يباع به ذلك العرض، وهو كذلك على المشهور، وهو ظاهر المدونة ونص الموازية وقيل: يبنى على الأغلب قاله الأبهري وعبد الوهاب وتؤول على المدونة وقيل: إن التقويم لا يكون إلا بالذهب ولو كان المسروق دراهم حكاه ابن حارث عن ابن عبد الحكم وبه قال الشافعي، ونقل عبد الحق عن بعض شيوخ صقلية أن السرقة إن كانت في بلد إنما يتعامل فيه بالعروض قوم في أقرب البلدان إليه التي يتعامل فيها بالدراهم.
قال ابن رشد: وهو خطأ صراح إذ قد تكون ببلد السرقة كاسدة لا قيمة لها فيه، وفي قيمة بلد الدراهم كثيرة فيؤدي إلى قطع اليد في أقل من نصاب، ويريد الشيخ أنه إذا سرق ما يقطع فيه مرة واحدة، وأما لو كان عن تكرار فلا يقطع مطلقًا.
وقال سحنون: إلا في فور واحد، قال في المدونة: ولو سرق ثوبًا قيمته دون النصاب وفيه دنانير أو دراهم لا يشعر بها قطع بخلاف حجر، أو خشبة فيهما ذلك، وقيدها اللخمي بما إذا كان الثوب مما جرت العادة أنه يحمل فيه الدراهم كالصر وإلا فشبهة تدرأ الحد.
ونص أصبغ على أن من سرق ليلا عصا مفضضة وفضتها ظاهرة، وقال: لم أر الفضة بالليل فإن رئي أنه لم ير ذلك لم يقطع، وأقام ابن رشد من مسألة المدونة مثل ما قال ابن كنانة فيمن حلف أن لا يأخذ من فلان درهما فأخذ منه قميصًا وفيه درهم مصرور وهو لا يعلم ثم لما علم رده إنه إن كان مما تجعل في مثله الدراهم فهو حانث، وإلا فلا. قال أشهب: لا شيء عليه، وقال ابن القاسم: إنه حانث ورد ابن عبد السلام الإقامة المذكورة بأن البابين مختلفان لما قد علمت أن الحدود تدرأ بالشبهات وإن
стр. 737
الحنث يقع بأدنى سبب وتردد المغربي هل هذا مما يفرق به أم لا؟ وعزا بعض شيوخنا ما وقع التفرقة به لنفسه.
(ولا قطع في الخلسة ويقطع في ذلك يد الرجل والمرأة والعبد):
يعني به الخطفة وألحقوا بذلك إذا رئي وهو في الحرز فهرب بما معه فإنه لا يقطع.
واختلف إذا تركه وأحضر من يشهد عليه وهو قادر على منعه على ثلاثة أقوال ففي الموازية: لا يقطع وقاله مالك، وقال ابن القاسم يقطع وكلاهما نقله الشيخ أبو محمد، وقيل: الفرق بين أن يشعر برؤيتهم له فيفر فلا يقطع؛ لأنه مختلس وبين أن لا يشعر بذلك فيقطع لأنه سارق وذكره ابن شاس عن بعض المتأخرين وعزا ابن هارون الأول لمحمد فقط، ولم يعز الثالث إلا لمالك.
قال بعض شيوخنا: ولا أعرفه لغيره.
(ثم إن سرق قطعت رجله من خلاف ثم إن سرق فيده ثم إن سرق فرجله ثم إن سرق جلد وسجن):
ما ذكر الشيخ من صفة الترتيب هو مذهبنا وذهب عطاء إلى أنه لا تقطع منه رجل، وإنما تقطع الأيدي فقط، وما ذكر من أنه إذا سرق في الخامسة أنه يجلد ويسجن هو المشهور، وقال أبو مصعب: يقتل كما قال رسول الله ﷺ وعثمان وعمر بن عبد العزيز ﵃، ولو كانت اليد اليمني شلاء فقيل: إن الرجل اليسري تقطع.
وقال أبو مصعب: تقطع الشلاء ومثله عن ابن وهب نقله ابن زرقون وعنه تقطع إذا كان ينتفع بها ذكره اللخمي عن مختصر ما ليس في المختصر والقولان الأولان في المدونة قال فيها: إن سرق ولا يمين له أو له يمين شلاء قطعت رجله اليسري.
قال مالك ثم عرضتها عليه فقال: امحها، وقل تقطع يده اليسري وقوله في الرجل اليسري أحب إلى وبه أقول، وتقدم أن هذه من الممحوات الأربع وإليك النظر في بقيتها لو قطع الجلاد أو الإمام اليسرى عمدًا فله القصاص والحد باق وإن كان خطأ فإنه يجزئ خلافًا لابن الماجشون والعقل له.
(ومن أقر بسرقة قطع وإن رجع أقيل وغرم السرقة إن كانت معه وإلا أتبع بها):
يريد إذا كان طائعا وأما إذا كان أقر بها من غير طوع ففي ذلك خمسة أقوال ذكرها اللخمي فقيل إقراره، كالعدم قاله مالك، وقال سحنون: يعول على إقراره.
стр. 738
وقال أشهب: بالأول إن لم يعين، وبالثاني إن عين وعرف أنها للمسروق منه.
ووقع لابن القاسم ما يقتضي أنه لا يؤخذ إلا أن يعين وينضاف إلى ذلك ما يدل على صحته كقوله اجترأت.
وقال مالك في المدونة: إن عين السرقة قطع إلا أن يقول دفعها لي فلان، وإنما أقررت لما أصابني ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها تعرف.
قلت: وجرت عادة أمراء إفريقية بضربه الضرب الوجيع كالخمسمائة سوط والالف فإن اعترف ربما أمروا بقتله لكونه محاربًا لإتيانه بالسلاح وليس بحكم شرعي، وإنما الخلاف السابق في الضرب اليسير أو التهديد بالقول أو بالسجن والله أعلم.
وإن رجع عن إقراره إلى شبهة سقط القطع باتفاق وفي غير شبهة روايتان وتثبت السرقة بالبينة كالإقرار بها طوعا.
وفي المدونة: وينبغي للإمام إذا شهدت عنده بينة على سرقة أن يسألهم عن السرقة ما هي؟ ويكف هي ومن أين أخذها؟ وإلى أين أخرجها؟ كما يسألهم في الزني، وأراد بقوله: ينبغي على الوجوب وظاهره سواء كانوا عالمين بالأحكام الشرعية أم لا، وهو كذلك خلافا لسحنون في قوله: إنما يسأل من كان جاهلا، ومعنى كما يسأل في الزني إشارة إلى الضبط فيما ذكر فقط؛ لأن المعروف أنه لا يشترط معاينة إتيان بينة السرقة للشهادة بها، وفي نظائر أبي عمران الصناجي اشترط ذلك، ولم يحك غيره وتبعه القرافي.
قال بعض شيوخنا: وهو وهم وظاهر كلامه أنهما انفراد بذلك وليس كذلك بل ذكره ابن حارث في كتابة المسمي بأصول الفتوى عن مالك ولم يحك غيره ولفظة قال المغيرة: سمعت مالكًا يجيز شهادة الأفذاذ في كل شيء من النكاح والطلاق والعتاق والقذف وشرف الخمر ما خلا الزنا والسرقة.
(ومن أخذ في الحرز لم يقطع حتى يخرج السرقة من الحرز)
قال ابن الحاجب: الحرز ما لا يعد الواضع فيه في العرف مضيعا للمال ثم قال ﵀ وظهرو الدواب حرز فحمله ابن هارون على ظاهره دون تقييد.
وقال ابن عبد السلام: كذا قال في المدونة: وظاهر سياق الكلام هنا أن ذلك مشروط بما إذا كان معه ربه ما لم يخرج إلى الخلسة. قال بعض شيوخنا: وفيما قاله نظر؛ لأن لفظها والدور حرز لما فيها غاب أهلها أو حضروا وكذلك ظهور الدواب
وبهذا اللفظ نقلها ابن يونس ولم يقيدها.
стр. 739
واختلف إذا سرق القناديل من المسجد على ثلاثة أقوال: فقيل: القطع فيها ثابت قاله أصبغ وابن الماجشون، وروي عن مالك وقيل بنفي القطع قاله أشهب وقيل: إن كان عليها غلق قطع، وإلا فلا والثلاثة لابن القاسم، وفي الحصر خمسة أقوال الثلاثة المذكورة.
وقال سحنون: إن ربط بعضها ببعض قطع وإلا فلا، وعن ابن القاسم إن سرقها نهارا لم يقطع، وإن سرقها ليلا قطع، وسمع عيسى بن القاسم: من سرق أبواب المسجد قطع وللشيخ أبي محمد عن الموازية قال أشهب: لا قطع في بلاط المسجد، وقال أصبغ: يقطع.
(وكذلك الكفن من القبر):
ظاهر كلامه: ولو كان القبر في الصحراء، وهو كذلك ومثله إذا ألقي الميت في البحر فهو كالقبر وسواء شد في خشبة أم لا؛ لأنه قبره ونص عليه ابن شاس، وما ذكر أنه يقطع سارق الكفن هو مذهب الجمهور، وقال أبو حنيفة وغيره إنه لا يقطع، وقال ربيعة: إنه محارب.
(ومن سرق من بيت أذن له في دخوله لم يقطع):
مثله الرجل يدخل إلى حانوت التاجر ليشتري منه فيسرق فإنه لا يقطع للإذن له في الدخول، اللخمي إن سرق أحد الزوجين من مال الآخر فإن كان من موضع لم يحجر عليه لم يقطع، وإن كان من موضع محجور بائن عن مسكنهما قطع، وإن كان معهما في بيت واحد فسرق من تابوت مغلق أو من بيت محجور معهما في الدار والدار غير مشتركة.
فقال ابن القاسم: يقطع وفي الموازية لا يقطع وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي يطرقها وإن كان ليتحفظ كل واحد منهما من الآخر قطع وإن سرق الزوج من شيء شورها به ولم يبن به قطع على القول بأنه وجب جميعه لها وعلى القول الآخر انه مترقب لا يقطع كما لو كانت أمة فأصابها وتقدم الخلاف في حصر المسجد وشبهها ولو أخرها إلى هنا لكان أولى.
(ولا يقطع المختلس):
قال الفاكهاني: انظر لم كرر الاختلاس، وقد تقدم وهو ساقط هنا في بعض النسخ، ولكن هو في روايتنا.
(وإقرار العبد فيما يلزمه في بدنه من حد أو قطع يلزمه وما كان في رقبته فلا إقرار له):
خالف أشهب ﵀ في إقراره بالقتل فقال: لا يلزم كإقراره بالمال
стр. 740
والمعروف لا قطع عليه إذا سرق من مال سيده مطلقًا، وقيل: يقطع فيما حجر عليه قاله في مختصر الوقار، وبه قال أبو مصعب ويريد الشيخ بالعبد من فيه شائبة رق كالمدبر، وأم الولد، وهذا ما لم يعين السرقة فإن عينها حلف السيد على نفي دعوى المدعى.
وأما المأذون وشبهه فإقراره معمول به ومن ادعى على عبد دعوى فلا يمين عليه، وكذلك السفيه على معروف المذهب وفي أحكام ابن سهل لأبي محمد الأصيلي توجه اليمين عليه بذلك متعقبنا قول الأندلسيين بسقوطها واحتج بتوجه اليمين على من أحاط بالدين بمالة وعلى ذات الزوج بدعوى أكثر من ثلثها.
قلت: ورده بعض شيوخنا: بأن السفيه لا يجوز إقراره ولو لزمته اليمين فإن له يوجب نكولها غرمه لم تكن له فائدة فإن وجبت لزم إعمال إقراره وإقرار من أحاط الدين بماله لازم وكذلك الزوجة فيما ادعى عليه بأكثر من ثلثها بمعارضة إن كانت الدعوى بها وإن كانت بعطية منعت توجيهها عليه فتأمله.
قلت: ولا يتخرج قول الأصيلى في العبد لأن المال للسيد.
(ولا قطع في ثمر معلق ولا في الجمار في النخل، ولا في النغم الراعية حتى تسرق من مراحها وكذلك التمر من الأندر):
قال الفاكهاني يريد إذا كان في الحائط قال: وأما النخلة تكون في الدار فإنه يقطع سارقها قاله ابن المواز.
قلت: وظاهر كلام الشيخ ولو كان على الثمر غلق، وهو كذلك عند ابن الماجشون، وقال ابن المواز: لو دخل سارق دارًا فسرق من ثمرها المعلق في رأس النخلة فإنه يقطع قال اللخمي: فيلزم عليه إذا كان النخل أو الكروم أو غيره من الثمار عليه غلق، وعلم أنه أحيط به من السارق أو كان لا غلق عليه حارس أن يقطع.
واختلف قول مالك إذا سرق من الزرع بعد حصاده وهو في موضعه لم ينقل على موضع الحرز، وفي المدونة من احتمل بعيرا من القطار في مسيرة وبان به فإنه يقطع.
وقال ابن يونس: وروى ابن المواز: وإذا سيقت الإبل والدواب للرعي، وهي تسار غير مقطورة فمن سرق منها قطع ما لم تنته للرعي والمقطورة أبين وكذلك الزوامل، وكذلك إن رجعت من الراعي، وهي تسار غير مقطورة وقد خرجت من حد الرعي ولم تصل إلى مراحها فإنه يقطع سارقها.
قال اللخمي: اختلف إن سرق منها، وهي سائرة إلى المرعى أو راجعة منها ومعها من يسوقها فقيل: يقطع وقيل: لا
стр. 741
(ولا يشفع لمن بلغ الإمام في السرقة والزنا)
ظاهر كلام الشيخ، وإن كان السارق والزاني قد تابا وحسنت حالتهما، وهو كذلك وحديث ماعز مع الغامدية يدل عليه.
(واختلف في ذلك في القذف):
قال الشيخ أبو الحسن اللخمي رحمه الله تعالى: اختلف قول مالك في حد القذف هل هو حق الله أو للمقذوف لجعله مرة للمقذوف وأجاز عفوه وإن بلغ الإمام، ومرة جعله لله فلم يجز العفو ولو قبل الإمام إلا أن يريد سترا على نفسه ولم يختلف أن عفوه جائز إذا أراد سترا، وهذا يسحن فيمن لم يعرف بذلك، وكان ذلك منه فلتة.
وقال ابن رشد في المقدمات: لا خلاف أنه حق للمقذوف وهل هو حق لله تعالى في ذلك ثلاثة أقوال:
أحدهما: أن فيه حقًا لله فلا يجوز فيه العفو بلغ الإمام أم لا. وهو دليل سماع أشهب وعليه يقيمه الإمام إن بلغ إليه صاحبه أو أجنبي.
والثاني: لا حق لله فيه تعالى ولصاحبه العفو مطلقًا وهو أحد قولي مالك في السرقة والرجم من المدونة.
والثالث: حق لصاحبه ما لم يبلغ الإمام فإذا بلغه صار حقًا لله، ولم يجز لصاحبه العفو عنه إلا أن يريد سترا وهو أحد قولي مالك.
قلت: فإذا عرفت هذا فاعلم أنه خلاف قول الشيخ؛ لأن ظاهر كلامه يقتضي أنه لا خلاف في العفو قبل بلوغ الإمام وليس كذلك، ولما ذكر ابن الحاجب أن حد القذف من حقوق الآدميين على الأصح قال: وعليهما تحليفه عليه.
قال ابن عبد السلام: أما عدم توجه هذه الدعوى على أنه حق لله تعالى فصحيح، وأما توجهها على كونه حقًا للآدمي ففيه نظر إلا لو كان حقًا ماليا، وأما إذا كان حقاً بدنيا فلا يلزم، وقد قال أشهب: فيما قدمنا أن القاتل إذا ادعى على ولي القتيل أنه عفا عنه ولم تتوجه هذه الدعوى ولم يحلف لها، واعترضه بعض شيوخنا بأن في كلامه الوهم من وجهين:
أحدهما: أن القاعدة لا يستشكل التخريج المطلق على أصل المذهب إلا لمخالفة المشهور وأما ما موافقته فلا هو ههنا موافق قال في كتاب الديات من المدونة ما نصه: وإن ادعى القاتل أن ولي الدم عفا عنه فله أن يستحلفه فإن نكل ردت اليمين على القاتل ابن يونس يحلف يمينا واحدة لا خمسين يمينا؛ لأن المدعي عليه إنما
стр. 742
كان يحلف يمينا واحدة أنه ما عفي عنه فهي اليمين المردودة.
الثاني: من اطلع على كلامه هذا يعقد أن المذهب أو المعروف منه عدم توجه دعوى العفو عن الدم وهو غلط فتأمله منصفًا.
(ومن سرق من الكم قطع):
ظاهر كلام الشيخ وإن كان المسروق من كمه نائمًا وهو كذلك باتفاق وكذلك الجيب زعم بعض الشيوخ الاتفاق عليه ويمكن أن يتخرج قول من أنه لا يقطع من أحد نقلي ابن شعبان وغيره في المودع إذا وضع الوديعة في جيبه فضاعت أنه ضامن وقد تقدم قول الحاجب في الحرز ما لا يعد الواضع فيه في العرف مضيعا للمال ومن سرق صبيا فإنه يقطع وقيل: بعكسه قاله ابن الماجشون.
وقال أشهب: بالأول إن كان لا يعقل. وبالثاني: إن كان يعقل، وقال اللخمي: أرى أن يقطع إلا أن يكون ببلد يخشي فيه على أطفالهم من السرقة.
وأما من سرق ما على صبي من حلى ففي الموازية: إن كان صغيرا لا يعقل، ولا حافظ له وليس في حرز لم يقطع وإلا قطع عليه.
قال الباجي: فأورد الروايتين على الإطلاق، وقال في المدونة: إن دهن رأسه ولحيته بدهن في الحرز ثم خرج فإن كان في الدهن ما يبلغ ربع دينار قطع وإلا فلا.
قال بعض شيوخنا: يقوم منها ما نص عليه ابن شاس، وابن الحاجب، أو من ابتلع درة وخرج فإنه يقطع ولا أعرفها بنصها إلا للغزالي في الوجيز.
(ومن سرق من الهري أو بيت المال أو المغنم فليقطع وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم فليقطع، وقيل: إن سرق فوق حقه من المغنم بثلاثة دراهم قطع):
لا خلاف أن من سرق من الهري أنه يقطع وهو موضع يختص بالطعام.
قال الفاكهاني: رويناه بتشديد الياء والقول بأنه يقطع في الغنيمة هو لابن القاسم والقول بأنه لا يقطع لابن الماجشون، وصوب لتحقق الشركة وقيل: لابن القاسم في كتاب السرقة من المدونة أليس له فيها حصة؟ قال: قال مالك، وكم تلك الحصة ففهم منه أن القطع إنما هو مع كبر الجيش وقله الغنيمة ولو انعكس الفرض لكانت كمسألة الشريكين، والقولان في العتق الثاني من المدونة لابن القاسم وغيره ولم يذكر في السرقة غير ابن القاسم.
وما ذكر الشيخ أنه يقطع إذا سرق من بيت المال، وهو كذلك باتفاق وعلل ذلك في كتاب العتق من المدونة بأن من له فيها حق باق لأنه لا يورق عنه ولما ذكر ابن
стр. 743
الحاجب أن من سرق من مال شركة لم يحجب عنه فإنه لا يقطع قال بخلاف بيت المال والغنائم المحجورة فإنه كالأجنبي على المشهور.
قال ابن عبد السلام: فظاهره أن الخلاف فيهما وليس كذلك إذ الاتفاق في بيت المال على القطع.
قلت: والصواب أنه إنما قصد ذكر الخلاف في الثانية خاصة؛ لأن قوله ما بخلاف بيت المال أي فإنه يقطع وقوله الغنائم أي: وبالخلاف في الغنائم فهي مسألة مستقلة بذاتها والله أعلم.
ولو أراد فهما عنه لقال على المشهور فيهما والله أعلم.
(ويتبع السارق إذا قطع بقيمة ما فات من السرقة في ملائه ولا يتبع في عدمه):
المراد بالملإ أن يكون من حين السرقة إلى حين القطع عند الأكثر وعند أشهب إلى حين القديم، وقيل: لا يغرم إذا أتلفها مطلقا لقول عبد الوهاب عن بعض شيوخنا غرمه استحسان والقياس عدمه، وقيل: عكسه نقله اللخمي عن حكاية ابن شعبان قائلا، وقاله غير واحد من أهل المذهب.
قلت: وهو الصواب لأن القطع إنما هو لله بدليل أن عفوه لا يرفع عنه القطع.
(ويتبع في عدمه لما لا يقطع فيه من السرقة):
ما ذكر متفق عليه فيما علمت كما أنه إذا قطع وهي قائمة فربها أحق بها.
باب في الأقضية والشهادات
قال الأبهري: القضاء في اللغة: على وجوه: مرجعها إلى انقضاء الشيء وتمامه، قال الله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض) [الجمعة:١٠]
وفي الاصطلاح: قال بعض شيوخنا: صفة حكمية توجب لموصوفها نفوذ الحكم الشرعي، ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين فيخرج التحكيم وولاية الشرطة وأحكامها وأخواتها والإمامة، وقول بعضهم هو الفصل بين الخصمين واضح قصوره.
وطلب خطة القضاء على ثلاثة أقسام: فيجب عليه إذا كان من أهل الاجتهاد والعدالة ولا يكون هناك قاض أو يكون ولكن لا تحل ولايته وتستحب في مثل إذا كان هناك عالم مجتهد خفي علمه على الناس فأراد أن يشهره بولاية القضاء ليعلم الجاهل ويفتي المسترشد ويحرم في مثل إذا كان ليس من أهل العدالة، والأصل أن ذلك مكروه إلا لعارض ولم تزل العلماء قديما وحديثا يهربون من الحصول فيه ولما طلب ابن وهب
стр. 744
للقضاء استخفى عند بعض الناس فأشرف عليه رجل من أصحابه فقال: يا أستاذ ما بالك لم تتقدم تحكم بين الناس بكتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؟ فقال: "يا فلان بينا أنا أرجو أن أحشر في زمرة العلماء أو زمرة الأنبياء أحشر في زمرة القضاة وزمرة السلاطين لا أفعل ذلك أبدا".
وبقي ابن الأغلب يطلب سحنون بن سعيد نحوا من عام وهو يمتنع منه حتى حلف له لئن لم تتقدم لأقدمن على الناس رجلا من الشيعة فتقدم لما تعين عليه على شروط شرطها عليه، ولم يتقدم عبد الله بن فروخ في القيروان إلا كرها ثم لما جلس في الجامع فرح الناس له وكبروا حتى سمع الأمير تكبيرهم من قصره فلما أتى الخصماء يدلون بالحجج جعل لا يأتي له رجلان يدليان بحجتهما إلا بكى ويقول: يا فلان ويا فلان أترضيان أن أدخل النار بسبب حكمي بينكما ناشدتكما الله إلا ما قمتما عني ويقومان عنه وبكى كثير من الناس لبكائه فقيل للأمير: إن لم يعفه يموت من البكاء فقال لهم قولوا له: أخبرني من يتولى القضاء بعدك، وأعفيك فقال: إن كان ثم أحد فما ثم إلا ابن غانم فأعفاه، وتقدم ابن غانم وكذلك عيسى بن مسكين ﵁ لم يتول القضاء إلا بعد إشراف على الموت حسبما هو مذكور في محله، وبالجملة فإن المتقدمين ﵃ على قدر هروبهم منه وبعدهم على جلالة قدرهم طلب أهل زماننا القرب من بعضهم بالتصريح، وبعضهم بالإشارة وبعضهم بصحبة السلطنة أو من ينتمي إليها إلى غير ذلك فشتان ما بين الفريقين فإنا لله وإنا إليه راجعون وللقضاء شروط كمال وشروط وجوب محلها المدونة.
(والبينة على المدعي واليمين على من أنكر):
стр. 745
هذا مخصوص عندنا بوجهين:
أحدهما: التدمية فإنه لا يفتقر فيها إلى بينة عند مالك والليث وكل العلماء على خلافهم.
والثاني: المغصوبة تحمل بينة وتدعي الوطء لها الصداق كاملا اتفاقا فيما قد علمت، ويكفي في البينتين شاهدان.
وفي العتبية ما ظاهره أنه لابد من أربعة، قال ابن عبد السلام: وليس بصحيح وإذا ادعى المديان على رب الدين عدمه لزمته اليمن أنه ما يعلم عدمه فإن نكل حلف المدين، حكاه المتيطي ﵀ في باب النفقات عن جماعة من الفقهاء قال: ونحوه لابن شعبان وبه كان يفتي ابن الفخار.
قلت: وكان الشيخ أو اسحاق بن عبدالرفيع حكم به بتونس فترك أكثر الناس حقوقهم من أجل اليمين فحكم بعدم توجهها عموما واستمر عليه العمل إلى الآن، وبه أفتى بعض شيوخنا فيمن لا يظن به علم حال المدين لبعده عنه وعلى الأول فاختلف إذا توجهت اليمين على المطلوب فقيل: يحلف على البت، قاله أبو عمران.
قيل: على العلم إذ قد يكون مالك مالا من إرث أو هبة، ولم يعلم.
قال الشيخ ابن رشد: وقول أبي عمران ظاهر المجموعة وأشار اللخمي على أن من كان ظاهر الفقر بدناءة حاله وصناعته كالبقال والخياط ممن شأن أهلها العدم يقبل قوله في العدم ولا يحبس إلا أن تكون الدعوى في يسير عومل فيه في صنعته فلا يصدق حتي يثبت ذلك، وللمدعى عليه أن يسأل عن السبب قاله أشهب.
واختلف إذ قال المدعي: نسيت هل يقبل قوله بغير يمين أو به؟ على قولين
стр. 746
لأشهب والباجي.
(ولا يمين حتى تثبت الخلطة أو الظنة كذلك قضى حكام أهل المدينة):
مراده بالظنة التهمة التي تنزل منزلة ثبوت الخلطة كالدعاوى على الصناع حسبما نص عليه يحيى بن عمر وألزمه الباجي المنتصبين للتجارة في الأسواق، وذكره ابن شاس غير معزو لإلزام الباجي.
واعترضه ابن هارون وكذلك دعوى الغريب بأنه وضع وديعة عند من يكون أهلا لها في الديانة، والأمانة، والمتهم بالسرقة، وكذلك الرجل يقول عند موته إن لي عند فلان دينا هذا معنى ما أراد الشيخ بالظنة، والله أعلم.
وقول المغربي: قالوا: أراد بالخلطة المعاملات وبالظنة الغصب والتعدد بعيد، وقال شيخنا أبو مهدي رحمه الله تعالى: بل هو الأقرب؛ لأنه ظاهر المدونة قال فيها: ومن ادعى قبل رجل دين أو غصبا أو استهلاكا فإن عرف بمخالطته ومعاملته أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب ينظر فيه الإمام فإما أحلفه أو أخذ له كفيلا حتى يأتي ببينة وإن لم تعلم خلطته أو تهمته فيما ذكرنا لم يعرض له، وما ذكر الشيخ من ثبوت الخلطة هو المشهور.
وقال ابن نافع: لا تشترط، حكاه ابن زرقون ولم يحفظه أكثر شيوخ المذهب كابن حارث وابن رشد قائلا: مذهب مالك وكافة أصحابه الحكم بالخلطة، وبقول ابن نافع: قال الأندلسيون: واستمر عليه العمل بإفريقية وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وغيرهما، واحتجوا بقوله ﷺ "لو يعطي الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" وربما رواه سحنون باسناده إلى علي بن أبي طالب ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: "البينة على من ادعى واليمين على من أنكر" إذا كانت بينهما خلطة.
وقد تقدم أن المطلق يرد إلى المقيد قالوا: حديثنا أشهر رواية وأثبت نقلا قلنا: هذا لا يمنع من رد المطلق إلى المقيد إذا اشتركا في الصحة وإنما يمنع من ذلك الطعن في رواية أحدهما ثم يترجح ما ذكرناه من جهة المعني، وهو أن الحرج والمشقة تلحق الناس بالأيمان لاسيما أهل الديانات.
واختلف إذا اقام المدعي البينة بالخلطة فردها المدعى عليه بعداوة أو جرحة هل
стр. 747
تتوجه اليمين بهذه الدعوى أم لا؟
فقال ابن القاسم عن مالك: إنها لا تتوجه وقيل: لابد من توجهها حكاه أبو بكر بن محمد بن اللباد ولم يسم قائله، ويقوم منه أن من شهدت عليه بينة أنه تعرض إلى الجانب العلي وجرحها أنه لا يطلق بل ينكل ثم يرسل.
وبه قال الشيخ أبو اسحاق القابسي رحمه الله تعالى: كأنه لم يشهد عليه إلا أن يكون ممن يليق به ذلك، ويكون الشاهدان من أهل التبريز فأسقطهما بعداوة فهو وإن لم ينفذ الحكم عليه بشهادتهما فالأرجح ظن صدقهما وللحاكم هنا في تنكيله موضع اجتهاد، والله أعلم وهو ولي الإرشاد، ذكره عنه أبو الفضل عياض في الشفاء ولا يتخرج من رواية ابن القاسم أنه يرسل مطلقا لحرمة الجانب العلي، ولقد بعدنا عن كلام الشيخ فلنرجع إليه.
(وقد قال عمر بن عبدالعزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور):
معناه ما أحدثوا من الفجور مما ليس فيه نص تستنبط أحكامه مما وق النص فيه بحسب الاجتهاد وظاهر كلام الشيخ أنه لم يحفظه حديثا وذكر ابن وضاح أنه حديث، وأن ابن عاصم كان يحلف الناس بالطلاق تغليظا عليهم متأولا الحديث على ذلك قال: فذكرت ذلك لسحنون فلم يرتضه.
(وإذا نكل المدعى عليه لم يقض للطالب حتى يحلف فيما يدعي فيه معرفة):
قال شيخنا أبو مهدي ﵀: قصد الشيخ بقوله فيما يدعي فيه معرفة إلى أن القاضي لا يقلب عليه يمين التهمة، وفيها يقول ابن رشد في أجوبته، واختلف في توجيه يمين التهمة وفي انقلابها، والأظهر أنها إذا توجهت أن لا ترجع إذ لا يكلف أن يحلف على ما لا يعرف، قال: والذي أره في ذلك أن تلحق يمين التهمة إذا قويت وتسقط إذا ضعفت.
وقال عبد الحق في النكت المعروف عدم توجهها، ذكر ذلك في كتاب الوكالة.
قلت: وقال ابن زرقون: مذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة أنها تتوجه، وقاله ابن زرقون: مذهب المدونة في تضمين الصناع والسرقة أنها تتوجه، وقاله غير ابن القاسم في غير المدونة، وقال أشهب: لا تتوجه وعلى الأول فالمشهور لا تنقلب وفي سماع عيسى أنها تنقلب ولابن رشد مثل ابن زرقون، وما قاله شيخنا في فهم كلام الشيخ فيه نظر؛ لأن كلامه إنما دل على أنه مطالب أن لا يحلف إلا في الأمر البين، وهل يوجه عليه القاضي ما قال في ذلك مسكوت عنه فليس في كلامه جلاء لا ينفي ولا بإثبات، والله أعلم.
стр. 748
واختلف المذهب هل يبدأ أو لا بيمين من توجه عليه الحلف أم لا؟ على ثلاثة أقوال: فقيل: يبدأ أولا به ثم يؤمر من حلف له بإحضار ما وجب عليه، وقيل: لا يحلف حتى يحضره، واستمر عليه العمل عندنا بتونس، وذكر القولين أبو حفص العطار فذكر الأول عن نفسه، والثاني عن عبد الواحد.
وقيل: يكفي أن يشهد المطلوب أنه مليء بحقه، ويحلف الطالب ثم يرفع له ولا تقبل منه بينة بالعدم ولم يحك أكثر شيوخ المذهب غيره كابن أبي زمنين وفضل ويؤخذ ذلك من قول جنايات المدونة ومن جنى عبده جناية فقال أبيعه وأدفع الأرش من ثمنه فليس له ذلك إلا أن يضمن وهو ثقة مأمون أو يأتي بضامن ثقة فيؤخر اليوم واليومين.
وزعم بعض شيوخنا أنه إنما يؤخذ منها القول الثاني الذي عليه العمل، وسمعت شيخنا أبو مهدي غير ما مرة بذكر أن القول الثاني لا يوجد لغير المتأخرين من التونسيين، وفيه نظر إذ هو في تعليقة أبي حفص العطار عن عبدالواحد، وهو غريب فاعلمه.
فإن قلت في عد قول عبد الرحمن نظر لأن أبا حفص ذكر أن المسألة وقعت لعبد الواحد مع امرأة وأن اليمين توجهت عليه.
قلت: لا نظر فيه؛ لأن فتواه ليست بقاصرة عليه، وإنما هي متعدية، وقد ذكروا أن العبد إذا روى حديثا يقتضى عتق نفسه فإنه لا يقدح، وقد أفتى مالك في أم ولده لما استحقت بأخذ قيمتها فقط.
قال عياض: فحكم فيها بقوله وليس في كلام الشيخ ما يدل على شيء من الأقوال الثلاثة بل كلامه أعم لمن تأمله.
وإذا تم نكوله بقوله: لا أحلف وشبهه ثم أراد أن يحلف فليس له ذلك.
قال في كتاب الديات من المدونة فيمن قام له شاهد بحق وأبي أن يحلف ورد اليمين على المطلوب ثم بدا له أن يحلف فليس له ذلك، وأما إذا التزم المدعى عليه اليمين ثم يريد الرجوع إلى إحلاف المدعي فهل له ذلك أم لا؟
فقال أبو عمران: له ذلك وأباه الشيخ أبو القاسم بن الكاتب وإذا امتنع المدعى عليه عن إقرار وإنكار فروى أشهب أنه يحبس حتى يجيب بأحد الأمرين وصححه بعض الشيوخ بقوله: إن طال سجنه ينبغي أن يحمل عليه السوط وفي المسألة أقوال أخر لم أذكرها لطولها.
(واليمين بالله الذي لا إله إلا هو):
ما ذكر الشيخ هو المشهور وقيل: يزاد عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم،
стр. 749
رواه ابن كنانة وبه قال الشافعي كذا عزاه ابن الحاجب لرواية من ذكر وعزاه ابن رشد لقوله في المدونة لا لروايته وظاهر كلام الشيخ لو قال بالله فقط، أو قال: والذي لا إله إلا هو فإنه لا يكفي، وهو كذلك نص عليهما أشهب، وهو ظاهر المدونة.
قال الشيخ: والذي يقتضيه قول مالك أنها يمين مجزئة.
قال: وهو أحسن؛ لأنه لا خلاف أن من حلف بذلك فحنث أن الكفارة عليه.
قلت: يرد بأن هذا الباب أخص فيطالب فيه بكمال التهويل، والله أعلم.
وقاله بعض شيوخنا، ولما ذكر المازري قول أشهب قال: وحمل بعض أشياخي على مالك أنه يرى الاكتفاء بقوله والله فقط وإنما يتعلق في هذا بقوله في كتاب اللعان يقول بالله وليس مقصود مالك في اللعان بيان اللفظ المحلوف به.
قال بعض شيوخنا: وإنما اختصت اليمين بهذا الاسم المعظم دون سائر أسمائه تعالى التسعة التسعين؛ لأن أسماء الله تعالى كلها صفات ما عدا هذا الاسم فإنه مخصوص به غير صفة بل هو علم، وقد قال سيبويه: الأعلام مختصرات الصفات، معناه إذا ذكر الاسم العلم فكأن صفاته مذكورة معه لاشتهاره وعدم خفائه إلى غير ذلك من الوجوه المذكورة في كتب العربية.
(ويحلف قائما ويحلف عند منبر الرسول ﷺ في ربع دينار فأكثر وفي غير المدينة يحلف في ذلك في الجامع، وحيث يعظم منه)
وظاهر كلام الشيخ: أن حلفه قائما شرط، وهو ظاهر رواية ابن القاسم ورواية ابن كنانة يحلف جالسا، وظاهره أنه لا يشترط استقبال القبلة، وهو ظاهر نص المدونة.
وقال مطرف وابن الماجشون: يحلف مستقبل القبلة حكاه اللخمي، وابن يونس عنهما.
وظاهر كلامه أيضا أنه لا يعتبر وقت الصلاة، ولو كان المال عظيما، وهو كذلك في مشهور المذهب، وروى ابن كنانة أنه يعتبر ذلك فيه وعليه يحمل قول ابن الحاجب وقيل: بوقت الصلاة يعني به في المال العظيم هذا الذي أعرفه في المذهب.
وقال الفاكهاني: التغليظ يكون بالمكان والزمان ثم قال: وأما الزمان فبعد العصر قال الأبهري: لأن من شأن أهل الدين أن يرتعدوا في الأوقات الشريفة، والمواضع المعظمة هذا هو الغالب من أهل الدين.
وقال الفاكهاني: وكذلك ينبغي أن يضاف إلى ما بعد العصر زمان رمضان ليله
стр. 750
ونهاره لا سيما ليلة القدر منه ويوم عرفة ويوم عاشوراء ويوم الجمعة فإنها أوقات مشرفة في الشرع معظمة عند الناس.
قلت: وفيما ذكر نظر من وجهين:
أحدهما: أن ما ذكره من التغليظ بالزمان بعد العصر لا أعرفه إلا في اللعان على خلاف فيه حسبما قدمناه.
الثاني: كونه لم يذكر غيره من أن المذهب على خلافه فكلامه يوهم مطالعة أنه المذهب والله أعلم.
وظاهر كلام الشيخ أيضا: إن لم يبلغ ربع دينار أنه لا يحلف في الجامع، وهو كذلك نص عليه عبد الملك قائلا: يحلف في مكانه الذي قضي عليه فيه.
وقال ابن الحاجب: يحلف في مسجد من المساجد وتممه بعض الشيوخ بقوله: فإن لم يكن عندهم مسجد حلف كما قال عبد الملك ولا يكلفه الانتقال إلى الجامع، وأما المرأة فقال في المدونة: تخرج فيما له بال من الحقوق فإن كانت من لا تخرج نهارا فلتخرج ليلا وتحلف في اليسير في بيتها إن لم تكن ممن تخرج ويبعث القاضي إليها من يحلفها، ويجزئ رجل واحد.
وقال عياض في بعض النسخ: لم يذكر نهارا فقيل: يحتمل أنها لا تخرج جملة وهي التي لا تنصرف ولا تخرج من نساء الملوك فيبعث إليها الإمام من يحلفها، ولا يترك خصمها لامتهانها هكذا ذكره عبد الوهاب، وهذا فيما يطالبن به ونحوه لابن كنانة في المدونة.
وقد حلف سحنون أمثال هؤلاء في أقرب المساجد إليهن وأما شيوخ الأندلسيين فرأوا أنه لا بد من خروج هؤلاء فإن امتنعت حكم عليها بحكم الملك، وليس بصواب وفسر أبو محمد الذي له بال بربع دينار، وفي كتاب ابن حبيب مثله في قوله: إنهن كالرجال يحلفن في الجامع في ربع دينار فصاعدا وذهب بعض شيوخنا أنهن بخلاف الرجال، وإن الذي له بال في حقهن هو المال الكثير وأما ربع دينار ونحوه فلا يحلفن فيه في المسجد وكذلك قال محمد.
قلت: وقال اللخمي في كتاب محمد: تحلف المرأة في بيتها في أقل من ربع دينار وفي دينار فأكثر في الجامع فيحمل نقل عياض على ما ذكره ونقل ابن يونس عن ابن الماجشون مثل ما تاوله أبو محمد وعزا المتيطي هذا القول في النكاح لمطرف فقط.
стр. 751
(ويحلف الكافر بالله حيث يعظم):
يريد يقول: بالله الذي لا إله إلا هو فبالله من قوله ترجمة وإنما قلنا ذلك؛ لأنه رحمهالله تعالى اختصر المدونة على ذلك, ومثله فى كتاب محمد قال: يمين الحر والعبد واالنصرانى في الحقوق سواء وكذلك في كتاب ابن حبيب.
وذهب الشيخ أبو القاسم بن شبلون، وغيره، إلا أنه لا يلزم الكافر ذلك قالوا: لأنهم لا يوحدون، ولا يكلفون ما ليس من دينهم.
قال ابن محرز: وليس كذلك بل يحلفون كالمسلمين، ولا يكون ذلك منهم إيمانا، ونص عليه المتقدمون من علمائنا ويدل عليه استحلاف المجوس بالله، وهم ينفون الصالح تعالى الله عن قولهم اعتقادهم علوا كبيرا ولم يكن ذلك إيمانا.
قال المتيطي: واحتج ابن الهندي لعدم الزيادة بأن إلزامه ذلك إكراه في الدين والله تعالى يقول: (لا إكراه في الدين) [البقرة: ٢٥٦]
وقال اللخمي: يلزم اليهودي الزيادة لأنهم يوحدون بخلاف النصراني المتيطي وفيه نظر لأن اليهود قالوا: عزير ابن الله.
وحكى ابن شعبان عن رواية الواقدي: يحلف اليهودي بالله الذي أنزل التوراة على موسى والنصراني بالله الذي أنزل الإنجيل على عيسى.
وقال ابن المواز في مجوسية أسلم زوجها وتلاعنا فقالت: أقول والنار لا أحلف بالله فقال: لا تحلفي إلا بالله، وقال اللخمي: ينبغي أن يحلفوا بما يعظمون لما في ذلك من استخراج الحق كحلفهم في كنائسهم وبيعهم، وبيت نارهم، ولا فرق.
قال ابن هارون: هو بعيد.
قلت: وجه بعده أن الحلف بغير الله أشد من السير إلى ما ذكر.
وقال الشيخ أبو الحسن القابسي ﵁: ولو أراد المسلم أن يحلف الكافر يوم السبت فله ذلك.
وقال غيره من المتأخرين: ليس له ذلك والقولان حكاهما المازري فخصص بعضهم الخلاف اليهودي لأن النصراني لا يعظم يوما وعممه ابن عات فيهما. قال: لأن يوم السبت لليهود ويوم الأحد للنصارى كذا عزاه بعض شيوخنا والذي في الطرر عن نقل ابن فتحون إنما الخلاف في اليهودي فقط، ولولا الإطالة لذكرنا لفظه، ولما وقف بعض أصحابنا على كلامنا هذا استثبت شيخنا في نقله وأحضر له مختصر وطرر ابن عات وعرفني أنه أصلح تأليفه وعاجلني السفر إلى جزيرة جربة قاضيا فلا أدري
стр. 752
كيف أصلحه، ولا يحلفون في الكنيسة إلا في ربع دينار، وقال المشاور: الحكم كذلك في القليل والكثير حكاه ابن عات.
(وإذا وجد الطالب بنية بعد يمين المطلوب لم يكن علم بها قضى له بها، وإن كان علم بها فلا تقبل منه، وقد قيل تقبل منه):
ما ذكر أنه يعمل على البينة إذا لم يكن عالما بها هو كذلك باتفاق، وأما إذا كان عالما بها فذكر ﵀ قولين فيها، والقول الأول هو نص المدونة، قال فيها: وإن استحلفه بعد علمه ببينة تاركًا لها وهي حاضرة أوغائبة فلا حق له إلا أن قوله تاركا لها، قال أبو إبراهيم سقط في بعض المواضع فقيل اختلاف.
قلت: وعلى القول باشتراطه فهل المراد تصريحا أو إعراضه كاف وعليه الأكثر في ذلك تأويلان عليها حكاهما عياض والقول الثاني من كلام الشيخ رواه ابن نافع وبه أخذ ابن وهب، وأشهب، وهو قول الليث وغيره كالشافعي.
قال ابن يونس: واستحسن بعض فقهائنا القرويين إذا كان أمد البينة يطول عند القضاة ويشتد على الخصم ذلك أن له أن يحلف رجاء أن ينكل وله القيام بها، واختار اللخمي قولا ففصل فيه لم أذكره لطوله، وكل هذا إذا وجد شاهدان.
قال اللخمي: وأما لو وجد واحد، فقال ابن القاسم، وغيره: يحلف معه ويستحق، وقال ابن كنانة في الواضحة: ليس ذلك لأنه لا يسقط يمينا ولا درأ حقا بيمينه مع شاهده ولكن أتى بشاهدين.
قلت: وعزا القول الثاني أبو محمد من نقل ابن حبيب لمطرف وابن الماجشون وابن عبدالحكم وأصبغ ولم يذكر غيره وكذلك أكثر شيوخ المذهب كابن يونس وهو محمول على عدم العلم حتى يثبت العلم قاله سحنون في المدونة.
قال عياض: ثبت ذلك في كتاب ابن سهل لأحمد بن خالد، وابن أيمن عن ابن وضاح ولم يكن عند غيرهما، ولا في كتاب ابن عات، وهو صحيح على الأصل.
قلت: وبه الفتوى عندنا واستمر عليه عمل القضاة، ولا أعرف خلافه.
(ويقضي بشاهد ويمين في الأموال):
ما ذكره هو مشهور المذهب وذكر يحيى بن يحيى أنه لا يحكم به وذكر أن الليث بن سعد كان يفتي به قال أبو حنيفة وغيره وأطبقوا في قولهم حتى قال محمد بن الحسن: يفسخ القضاء به؛ لأنه خلاف القرآن.
стр. 753
(ولا يقضي ذلك في نكاح أو طلاق أو حد):
ما ذكر في مسألة النكاح هو نص المدونة في كتاب الأيمان بالطلاق. قال فيها: ومن ادعى نكاح امرأة أو أنكرته فلا يمين له عليها، وإن أقام شاهدا ولا يثبت نكاح إلا بشاهدين.
وقال ابن القاسم في الموازية: إذا ادعى الرجل على امرأة نكاحا أو العكس أن اليمين ساقطة ما لم يقم بذلك شاهد فلا بد من اليمين.
قال القاضي عبدالوهاب: فإن نكل جرى على اختلاف قول مالك في دعوى الطلاق مع الشاهد ونقل ابن الهندي لزوم اليمين بمجرد الدعوى لما روي أشبه شيء بالبيع النكاح.
ونقل ابن الحارث عن سحنون مثله، وإن كانا طارئين فالمجموع أربعة أقوال، واختلف إذا أقامت المرأة شاهدا بالنكاح على ميت.
قال ابن القاسم: تحلف وترث، وقال أشهب: لا ترث وقيل بالأول: إن لم يورث بقرابة أو ولاء، وبالثاني: إن ورث بذلك، وكذلك الثلاثة في دعوى الرجل النكاح عليها بعد موته، والثلاثة والأقوال حكاها ابن يونس في الصورتين في كتاب الشهادات وسبب الخلاف بين ابن القاسم، وأشهب في الدعوى إذا لم تكن بمال لكنها تؤول إليه ولا يقال لو صح هذا لا طرد في حال الحياة؛ لأن حال الحياة لا تترتب عليه أحكام أخرى كلحوق النسب.
قال ابن عبدالسلام: وقد ورد سؤالا وجوابا وما ذكر الشيخ رحمه الله تعالى في الطلاق هو كذلك إلا أنه يؤمر بأن يقرأ ويحلف فإن امتنع فاختلف في المسألة على أربعة أقوال حكاها المتيطي:
أحدها: لزوم الطلاق رواه ابن أبي زين، وبه قال أشهب.
قلت: وهو قصور إذ هو أحد الأقوال عن مالك في المدونة في آخر كتاب الأيمان بالطلاق، ولفظها: قال مالك: فإن نكل طلقت عليه مكانه ومثله في العتق الثاني وبه قال ابن عبدالحكم.
الثاني: أنه يسجن حتى يحلف أو يطلق وإليه رجع مالك.
الثالث: أنه يدين وتبقى له زوجته قاله بعض أصحاب مالك.
الرابع: أنه إذا مضى له أربعة أشهر من يوم إبايته عن اليمين فإنه يدخل عليه الإيلاء فإن استمر على الإبابة طلق علي بالإيلاء، وعلى القول بأنه يسجن اختلف في
стр. 754
قدره في ثلاثة أقوال عن مالك فقيل: سنة قال المتيطي: وعليه العمل.
قال ابن عبد السلام وذكره ابن القاسم في أواخر العتق الثاني من المدونة، وأطلق ذلك في الأيمان بالطلاق.
قلت: بل أطلق فيه أيضا، ولفظه وأنا أرى إن طال سجنه أن يخلي سبيله ويدين نعم هو قول له خارج المدونة كما لا شك فيه، وقيل: إن ذلك يرجع إلى اجتهاد الحاكم وقيل: يسجن أبدا وهو نص أيمانهم أيضا، وما ذكر في الحد هو كذلك باتفاق وكذلك في الأدب على المشهور.
وحكى ابن رشد قولا شاذا إنه يؤدب بالشاهد واليمين.
(ولا في دم عمد أو نفس إلا مع القسامة في النفس وقد قيل: يقضي بذلك في الجراح):
هو قول ابن سحنون يريد كقطع اليد أو موضحة عمدا.
وقوله: وقد قيل: يقضي بذلك في الجراح هو قول ابن القاسم في شهادات المدونة، وأشارالشيخ لتضعيفه بوجهين:
وهما فقد تقدم القول الأول عليه، وقوله: وقد قيل كقوله في اليتيم، وقد قيل: يتيمم لكل صلاة.
(ولا تجوز شهادة النساء إلا في الأموال):
يريد وما لا يطلع عليه إلا هن كما يقوله الآن والوكالة لطلب المال واسناد الوصية التي ليس فيها إلا المال فيجوز فيها شاهد وامرأتان قاله مالك، وابن القاسم، ومنع ذلك عبد الملك وسحنون ومنع ابن القاسم في ذلك الشاهد واليمين واحتج عليه سحنون بذلك قائلا: كل موضع لا يقبل فيه شاهد ويمين لا تقبل النساء.
(ومائة امرأة كامرأتين وذلك كرجل واحد يقضي بذلك مع رجل واحد أو مع اليمين فيما يجوز فيه شاهد ويمين):
стр. 755
مثل هذا في المدونة قال فيها: وإن شهدن لرجل أن فلانا أوصى له بكذا جازت شهادتهن مع يمينه وامرأتان في ذلك ومائة امرأة سواء يحلف معهن ويستحق، وقال فيها: إذا كانت بينة أحد المتداعيين رجلين أو رجلا امرأتين فيما تجوز شهادة النساءء فيه وبينة الآخر مائة رجل واستووا في العدالة فإنهم يسقطون وبقي الشيء في يد حائزه ويحلف فظاهر المدونة والرسالة أن الأمر كذلك حقيقة.
وقال اللخمي في الأول: هذا مبالغة ولا تستوي امرأتان مع مائة امرأة لأنه يفيد العلم. وقال في الثانية: محمل قول ابن القاسم على الغابات ولو كثروا حتى يقع العلم يصدقهن لقضى بهن؛ لأن القضاء باثنين لغلبة الظن وتبعه المازري على هذا وقال
стр. 756
بعض المغاربة انظر هل يسلم هذا للخمي أم لا.
قلت: وأفتى به بعض من لقيناه من القرويين غير ما مرة قال: وهو المذهب عندي ولا يفتقر إلى تزكية، ولا إلى تجريح مهما كثروا، وأول ما أفتى به بالقيروان في أمير شهد عليه أناس شتى بما يوجب عزله ولم يزكهم أحد من العدول وحكم القاضي بما أفتى له به. فعزله وأدبه.
ولم يرتضه شيخنا أبو مهدي عيسى الغبريني ﵀ قال: وهو عندي خلاف المذهب؛ لأنه إذا قبل القاضي شهادتهم بمجرد كثرتهم فهو يحكم بعلمه، وقد علمت أنه لا يجوز هكذا سمعت منه غير ما مرة وقد كان أخبرني شيخنا الأول بأنه ناظره فيها ومرض اعتلاله هذا بأن الذي لا يحكم القاضي فيه بعلمه إنما هو إذا لم يكن مستندا لشهادة أحد، وفي هذا قد استند حكمه لشهادة من شهد فلا ريبة فقلت ذلك لشيخنا أبي مهدي في درسه فلم يقبله قائلا: لما لم يزك من شهد فهو كالعدم.
قلت: في فهم الشيخين نظر؛ لأن المسألتين المركب عليهما كلام اللخمي إنما هو إذا ثبتت عدالة من شهد ألا ترى إلى قول المدونة، واستووا في العدالة وإلى قول اللخمي لأن القضاء باثنين لغلبة الظن فهمها لم يزك من شهد ولو كثر عددهم جدا فلم يدخل في كلام اللخمي وإذا لم يدخل فلا شك أنها كالعدم ولا يختلف في ذلك والله أعلم.
(وشهادة امرأتين فقط فيما لا يطلع عليه الرجال من الولادة والاستهلال وشبهه جائزة):
ظاهر كلامه أن شهادتهن في الولادة مقبولة، وإن لم يحضر الجسد، وهو كذلك عند ابن القاسم خلافا لسحنون.
وقال اللخمي: إن كانت المناكرة بقرب الولادة لا تجوز؛ لأنه يقدر على إظهاره وإن كان مقبورا وإن كان بعد طول لقدوم من ناكرها أو كانت الأم مقرة ثم أنكرت أن تجوز.
وأما شهادتهن في الاستهلال فتجوز باتفاق.
واختلف هل تجوز شهادتهن على أنه ذكر أو أنثى على ثلاثة أقوال: فأجازها ابن القاسم، لكن مع يمين القائم بشهادتهن وردها أشهب، وقال أصبغ: إن فات بالدفن والطول حتى تغير نظرت فإن كل فضل المال يرجع إلى بيت المال أو إلى العشير البعيد جازت كما قال ابن القاسم وإن كان يرجع إلى بعض الورثة دون بعض أخذت بقول
стр. 757
أشهب، ولو ادعى الزوج على زوجته عيب فرجها فقال ابن القاسم: لا ينظر إليها النساء وهي مصدقة وأنكره سحنون فإن كان العيب بغير الفرج مما هو عورة فقيل: تقبل فيه شهادة النساء.
وقيل: يبقر الثوب حتى ينكشف موضع العيب فيطلع عليه الرجال ولا تقبل شهادتهن حينئذ وعزا اللخمي القولين لأصبغ لغيره وعزاهما المازري للموازي ولغيرها.
قال بعض شيوخنا: والأول هو ظاهر الأيمان بالطلاق من المدونة ولو كان العيب بفرج الأمة فاختلف فيه البائع والمشتري فإنه تقبل فيه شهادتهن باتفاق، وإذا كان القاضي هو الباعث فاختلف هل يكتفي بامرأة واحدة؟ في ذلك قولان بناء على أنه من باب الخبرأم لا، واختار اللخمي أنه لا بد من امرأتين قائلا: لأن العدالة ضعفت وأراد الشيخ بقوله وشبهه كالرضاع وعيوب النساء.
(ولا تجوز شهادة خصم ولا ظنين):
يريد إذا كانت الخصومة في الدنيا وحطامها، وأما في الدين كما إذا شهد على أهل البدع فلا قاله سحنون، وكذلك لا تجوز شهادة المتهاجرين.
وقال ابن كنانة: إن كانت المتهاجرة خفيفة وقعت على أمر خفيف جازت الشهادة.
قال اللخمي: وهذا يحسن في المبرز في الصلاح، والخير قال: واختلف إذا اصطلحا بعد الخصومة فقال محمد: جائز، وقال مطرف ابن الماجشون: إن طال الأمد، وإن كان يحدثان ذلك فلا.
قلت: والصواب أنه خلاف في حال واختلف في أربعة أتوا متعلقين برجل شهدوا عليه بالزنا فمنعه ابن القاسم لأنهم خصماؤهم، وفي كتاب ابن حبيب جوازها، واستحسنه اللخمي؛ لأن الأصل منازعتهم في سبب الدين والظنين.
قال ابن رشد: قيل: هو المتهم في دينه، وقيل: هو المتهم في شهادته، واستمر العمل عندنا بافريقية على قبول شهادة الطلبة بعضهم على بعض.
قال ابن عات: قال الشعباني: تقبل شهادة القراء في كل شيء إلا شهادة بعضهم على بعض لأنهم يتحاسدون كالضرائر والحسود ظالم لا تقبل شهادته على من يحسده.
وقال المتيطي في المبسوطة لابن وهب: لا تجوز شهادة القارئ على القارئ يعني: العلماء لأنهم أشد الناس تحاسدا، وقاله سفيان الثوري ومالك بن دينار، ويقوم من كلام الشيخ أن العدو لا يوكل على العدو وهو كذلك نص عليه أبو إسحاق بن
стр. 758
شعبان قائلا: لما نهي عنه من الضرر الضرار، وهو أيضا ظاهر ما في مديان المدونة قال فيها: ومن أدى عن رجل دينا بغير أمره أو دفع عنه مهر زوجته جاز ذلك إن فعله رفقا بالمطلوب، وأما إن أراد الضرر بطلبه وإعناته وأراد حبسه لعدم أو لعداوة بينه وبينه منع من ذلك كله ويقوم من كلامه أيضًا من أن القاضي لا يحكم على عدوه، وهو كذلك قاله أبو محمد في نوادره عن ابن المواز.
فإن قلت: لا نسلم أن هذا يقوم من كلام الشيخ؛ لأن حكم القاضي ظاهر فإذا حكم عليه سأل غيره من أهل العلم عن حكمه بخلاف الشهادة فإنها خفية؛ لأنه يشهد عن علمه، وبهذا الذي ذكرنا استدل الماوردي في الأحكام السلطانية في أنه لا يحكم على عدوه ولا يشهد نقله ابن الحاج في نوازله عنه.
قلت: ومن أحكام القاضي ما هو باطن أيضا كالتعديل والتجريح بلا فرق والله أعلم. ولهذا قال ابن الحاج: هو خلاف مذهب مالك وخلاف ما في نوازل سحنون من أقضية العتبية.
(ولا يقبل إلا العدول):
قال ابن الحاجب: العدالة المحافظة الدينية على اجتناب الكذب والكبائر وتوقي الصغائر وأداء الأمانة وحسن المعاملة ليس معها بدعة فإنها فسق.
وما ذكر الشيخ فهو مذهبنا وقال الشافعي: الناس محمولون على العدالة حتى يثبت نقيضها وظاهر كلام الشيخ ولو كان العدل مولي عليه السوء نظره في المال لا يجرحه، وهو كذلك رواه أشهب.
وقيل: لا تقبل شهادته، قال ابن المواز وأشهب وأخذ من كتاب الشهادات من المدونة.
(ولا تجوز شهادة المحدود ولا شهادة عبد ولا صبي ولا كافر):
ما ذكر الشيخ من أن شهادة المحدود لا تجوز هو كذلك باتفاق معناه إذا لم يتب كما يقوله الآن وما ذكر أن شهادة العبيد غير معمول بها هو كذلك باتفاق أهل المذهب وخارج المذهب قول بجوازها لغير السيد محتجا بقوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) [البقرة: ٢٨٢]
، وبقوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) [الطلاق:٢]
، والعبد قد يكون عدلا مرضيا ورد بأن الآيتين مخصوصتان بقوله تعالى: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) [البقرة: ٢٨٢]
، والعبد لا يتصرف إلا بإذن سيده.
قال ابن شعبان في زاهيه: قيل: ولو عتق العبد وشهد حينئذ فإنه ينظر في حاله
стр. 759
بخلاف الكافر إذا شهد حين أسلم لقوله ﷺ : "الإسلام يجب ما قبله" وكذلك الصبي قرب احتلامه.
وما ذكر أن شهادة الصبي لا تجوز هو كذلك باتفاق؛ لأنه غير مكلف، واختلف في شهادة الصبيان بعضهم على بعض في الجراح للضرورة وإذا لم تجز شهادة الصبي فأحرى من لا عقل له والكافر لا تجوز شهادته باتفاق وخارج المذهب قول بجوازها في الوصية.
وأما شهادة المسلم على الكافر فإنه معمول بها نص على ذلك في المدونة وأقام منها بعض من لقيناه من القرويين أن شهادة الرعية على الوالي معمول بها؛ لأن العداوة العامة لا أثر لها قال: ونص على ذلك ابن جرير ﵀، وأول ما سمعت هذه الإقامة من شيخنا هذا حفظه الله تعالى لما نزلت بقاضي القيروان في واليها تعرض إلى الجانب العالي أسأل الله السلامة من ذلك فشهد عليه جماعة من أهلها وزكوا وعذر بذلك فسأله عنها فأفتاه بذلك وسلم له ذلك أهل العلم ببلدنا وغيرها وترد الإقامة، وإن كنت أقول بموجبها؛ لأن العداوة التي بين المسلم والكافر إنما هي دينية، وقد علمت أنه لا أثر لها بخلاف العداوة التي بين الرعية والوالي إنما هي دنيوية والعداوة الدنيوية معتبرة والله أعلم.
(وإذا تاب المحدود في الزنا قبلت شهادته إلا في الزنا):
اعلم أنه إذا ثبتت التوبة لا يشترط مضي زمان بل التوبة كافية، وقيل: لابد من مضي ستة أشهر، وقيل: لابد من سنة، وما ذكر الشيخ ﵀ من أن شهادة المحدود في الزنا وكذلك شهادة من حد في شيء لا تجوز شهادته فيه هو كذلك على المشهور، وبه قال سحنون.
وقال ابن كنانة وأصبغ وروي عن مالك أنها تقبل واختاره الأبهري. قال المازري: وهو مذهب الكتاب وعزاه ابن يونس لبعض شيوخه ولم يرتضه قائلا: ليس في الكتاب دليل عليه والقياس هو قول سحنون والجماعة الفرق على مذهب ابن كنانة بين ولد الزنا ومن حد في شيء أن ولد الزنا لا يندفع عاره بالتوبة وغيره يندفع كاندفاع الكفر بالإسلام وضعف ابن يونس هذا الفرق وزعم أنها في الجميع باقية؛ لأنها إذا بقيت في ولد الزنا وليس الزنا من فعله كانت في الزاني أبقى؛ لأنه من فعله.
стр. 760
واختلف متى ترد شهادة القاذف فقال عبد الملك إذا عجز عن اثبات ما ادعاه وحق عليه القذف، وقال ابن القاسم وأشهب وسحنون بل حتى يحد وكلاهما حكاه ابن تونس. واختلف هل يجوز أن يولي ولد الزنا القضاء أم لا؟ على قولين لسحنون والباجي وعلى الأول فهل يمنع أن يحكم في الزنى أم لا؟ على قولين لسحنون وأصبغ.
(ولا تجوز شهادة الابن للأبوين ولا هما له):
ما ذكر الشيخ أن شهادة الابن للأبوين وهما له لا تجوز هو معروف المذهب وحكى بعض الشافعية عن مالك أن شهادته لأبيه مقبولة.
قال المازري: وهي حكاية منكرة وربما كانت وهما، وأما شهادة الأب لابنه فلا خلاف أنها لا تقبل وليس المراد بالأبوين دنية، وإنما المراد عموما، وكذلك الأبناء وإن سفلوا.
وظاهر كلام الشيخ: أن شهادة الابن لأحد أبويه لا تجوز وهو كذلك عند سحنون. وقال ابن نافع: ذلك جائز ما لم تكن تهمة كموالاة الأب للابن بالصلة وقيل: إن كان مبرزا ويكون ما شهد فيه يسيرا فإنها جائزة قاله مالك في المجموعة والموازية، وفي شهادة الأب لأحد ولديه على الآخر إذا استوت حالتهما قولان لابن محرز وسحنون.
(ولا الزوج للزوجة ولا هي له):
ما ذكر هو قول مالك وأبي حنيفة وقال الشافعي بل هي مقبولة، وقال ابن أبي ليلى، والنخعي: تقبل شهادة الزوج لها دون العكس.
وظاهر كلام الشيخ إذا طلق الرجل زوجته طلاقا بائنا أن شهادته لها مقبولة، وهو كذلك قاله سحنون في العتبية قائلا: وإن كان له منها ولد، وقال عنه ابن عبدون: إنما تجوز إذا كان مليا ليس لولده حاجة إلى أمهم فإن كان عديما والولد في نفقة أمهم لم تجز.
قلت: وينبغي أن يكون هذا مفسرا لما قبله.
واختلف هل يشهد الرجل لربيه أم لا؟ على قولين لابن القاسم وسحنون.
(وتجوز شهادة الأخ العدل لأخيه):
ظاهر كلام الشيخ سواء كان مبرزا أم لا، ومثل هذا الإطلاق وقع في شهادة المدونة، ووقع في أول الشهادات منها اشتراط التبريز فقيل: اختلاف، وقيل: لا.
واختلف المذهب في شهادته له في المال على سبعة أقوال، هذان القولان،
стр. 761
والثالث: تقبل في اليسير دون الكثير قاله ابن كنانة.
والرابع: لأشهب إن كان مبرزا قبلت مطلقا وإلا قبلت في اليسير.
الخامس: أنها مردودة مطلقا.
والسادس: تجوز في غير الربع المتهم بجره إليه أو إلى ابنه كحبس مرجعه إلى ابنه.
والسابع: تجوز إن لم تنله صلته، وكلاهما حكاه الباجي، وكل هذا الخلاف إذا لم يكن الشاهد في نفقة أخيه المشهود له أو يتكرر عليه معروفه.
وأجاز ابن القاسم أن يعدل الأخ أخاه ومنعه أشهب في التعديل وصوب وكذلك الخلاف في تجريح من جرحه.
قال اللخمي: ويختلف في شهادته له في جراح الخطأ لأنها مال.
واختلف في شهادته له جراح العمد فالمعروف المنع؛ لأنه مما تدرك فيه الحمية والتعصب، وأجازها أشهب في العتبية والأول أحسن.
قلت: ولا يقال: إن أشهب ناقض أصله في التعديل؛ لأن التعديل ادخل في النفوس فيكتسب به شرفا زمانا طويلا ودائما فالتهمة فيه أشد وألزم والله أعلم.
قال ابن رشد: والمسائل التي يشترط فيها التبريز ست ما تقدم وشهادة الصديق الملاطف لصديقه وشهادة الشريك لشريكه في غير مال المفاوضة وشهادة المولى لمن أعتقه وشهادة الأجير لمن استأجره إذا لم يكن في عياله، وإذا زاد ونقص في شهادته.
(ولا تجوز شهادة مجرب في كذب أو مظهر لكبيرة ولا جار إلى نفسه ولا دافع عنها):
стр. 762
ظاهر كلامه أن الكذبة الواحدة لا أثر لها وهو كذلك ومثله أقام غير واحد من المتأخرين من قول المدونة ومما يجرح فيها الشاهدان عليه بين أنه شارب خمر أو آكل ربا أو صاحب قيان أو كذاب في غير شيء واحد فأفتى بصيغة فعال للمبالغة ليدل على التكرار، وأشار بقوله أيضا في غير شيء إلى الكذب الجائز لا يقدح كالكذب للصلح بين المتهاجرين، واشتراط الشيخ الإظهار في الكبيرة لا مفهوم له بل إذا شهد عليه أنه فعل حراما كبيرا مستترا فإنه يقدح كما هو ظاهر المدونة كما تقدم في لفظها.
ظاهر كلام الشيخ أن مظهر الصغيرة لا يقدح في شهادته وليس كذلك وقد تقدم لابن الحاجب أنه اشترط في العدالة توقي الصغائر وظاهر كلام ابن القاسم في العتبية أن من ترك الجمعة مرة واحدة إنها جرحة في شهادته وبه قال أصبغ، وقيل: إن تكرر تركه ثلاث مرات، قاله ابن الماجشون وغيره.
وأما من اقتصر على الزكاة فشهادته جائزة ونقل الباجي عن أصحابنا أنها ترد وسبب الخلاف هل ينتفي عنه اسم البخل أم لا؟ وقد أكثر الشيوخ الكلام فيما يجرح به الشاهد لأنه مضطر إليه فمن شاء فلينظره في المطولات.
قال الفاكهاني: وقول الشيخ ولا جار إلى نفسه فهو أن يشهد لشريكه في شيء من مال الشركة.
(ولا وصي ليتيمه وتجوز شهادته عليه):
مثاله من أعتق عبدا فلا تجوز شهادته لسيده أنه أدى دينه؛ لأنه يباع فيما على سيده من دين قال: وقوله: ولا وصي ليتيمه راجع في المعنى إلى قوله: ولا جار، وإنما كرره ليقول وتجوز شهادته عليه وذكر عبد الوهاب رواية أن شهادة الوصي على من يلي عليه لا تجوز لأنه يتهم في أن يريد أن يخرج عن أيديهم مالا قد تعين عليه حفظه ويسقط عن نفسه ما لزمه بقوله.
(ولا يجوز تجريح النساء ولا تعديلهن):
زاد في المدونة: لا للرجال ولا النساء وهو واضح لما تقدم من أن شهادتهن إنما هي جائزة في المال فإن قلت: لم لم يجز ذلك وهل هي شهادة على غير المال تؤول إلى المال؟ وقد علمت أن ابن القاسم أجاز شهادتين في ذلك.
стр. 763
قلت: قال بعض شيوخنا لما كان لا يقتصر تجريحهن على الشهادة التي شهدن فيها من جرحته بل يتعدى إلى غيرها أشبهت الحكم في البدن والله أعلم.
(ولا يقبل في التزكية إلا من يقول عدل رضي):
أي هو عدل ف ينفسه رضي في أفعاله. قال الفاكهاني، ويريد الشيخ، وكونه من أهل اليقظة والتحرز نص على ذلك ابن عبد الحكم قائلا: قد يكون الرجل الخير الفاضل ضعيفا لا يؤمن علهي لغفلته، وقد يلبس عليه وتابعه على ذلك شيوخ المذهب كابن رشد والباجي ويكفي في تعديل الغير أن يقول هو عدل رضي ولا بد منها قاله ابن الجلاب كما هو ظاهر كلام الشيخ ووجهه أن الله تعالى قال: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) [الطلاق: ٢]
وقال عز من قائل: (ممن ترضون من الشهداء) [البقرة:٢٨٢]
وزاد سحنون على الوصفين جائز الشهادة.
وقال بعض الأندلسيين: إن المعلوم من المذهب أنه إن اقتصر على أحد اللفظين من العدالة والرضى أجزأه، وروى ابن كنانة: يقبل إذا قال أعلمه وأعرفه عدلا رضيا جائز الشهادة ولا يقبل إذا قال لا أعلمه إلا عدلا رضيا.
وقال ابن عبد الحكم وغيره: يكفي أن يقول أراه عدلا رضيا، وليس عليه أن يقول هو عدل رضي عند الله ولا يقول أرضاه لي وعلي.
واعلم أنه لا يجب ذكر سبب التعديل بلا خلاف في المذهب، وذكر أرباب الأصول فيه خلافا، واختلف في سبب التجريح على أربعة أقوال: فقيل: يجب وقيل: لا وقيل: إن كان عالما بوجهه لم يجب قاله مطرف، وقيل: إن كان مبرزا لم يجب قاله أشهب.
قال ابن عبدالسلام: والأقرب أنه لابد من ذكره لاختلاف العلماء في كثير من أسبابه مع غموض بعضه وقد جرح أقوال من المحدثين ونسبوهم إلى أشياء هم منها براء، واستفسر بعضهم من جرحهم ما لا يصلح أن يكون جرحة، فقال بعضهم: رأيت فلانا يبيع ولا يرجح الميزان، وقال بعضهم: رأيته يغتاب بحضرته، ولا ينكر وجرح شاهد شاهدا فقال لما سئل عن الجرحة رأيته يبول وهو قائم فقيل له: وإذا بال قائما ماذا يكون؟ قال: يتطاير عليه بوله فقيل له: هل رأيته صلى به بعد ذلك فقال لا فظهر غلطه.
(ولا يقبل في ذلك ولا في التجريح واحد):
إنما لا يقبل في ذلك واحد؛ لأن التعديل والتجريح أمر ظاهر لا يخفى فشهادة
стр. 764
واحدة في ذلك ريبة وكذلك العدم لا يثبت بالشاهد واليمين وعلته ما ذكرناه، وكذلك النكاح والطلاق والعناق والولاء والنسب والإحباس، والوصايا لغير المعينين وهلال رمضان وهلال ذي الحجة وغيرهما، والموت والقذف والإيصاء، ونقل الشهادة لا يكون إلا بشاهدين.
قال الفاكهاني ﵀: وهذه المسألة سقطت في بعض النسخ وهي في روايتنا ثابتة، وهي على التقدير زيادتها صحيحة لا أعلم في ذلك خلافا.
(وتقبل شهادة الصبيان في الجراح قبل أن يفترقوا أو يدخل بينهم كبير):
ما ذكر الشخ من أن الشهادة مقبولة فيما ذكر زعم ابن الحارث الاتفاق عليه،
стр. 765
وليس كذلك بل هو مشهور المذهب، وقيل: إنها باطلة كشهادتهم في المال قاله ابن عبد الحكم ومحمد بن صدقة ومطرف كذا عزاه ابن زرقون ولم يعزه ابن رشد إلا لمطرف كما أن اللخمي والمازري لم يعزواه إلا لابن عبد الحكم.
وظاهر كلام الشيخ أن شهادتهم في القتل لا تجوز وهو قول أشهب، وقال مالك: إنها مقبولة وهو المشهور والقولان في المدونة.
ولما ذكر الفاكهاني القولين قال بعد وظاهر الرسالة موافق لقول أشهب، وقد علمت المشهور ما هو فكأنه أشار إلى التعقب عليه لكونه كلامه إنما جاء على الشاذ، والمستقرأ من كلام الشيخ أنه لا يتعقب عليه بمثل هذا لأن طريقة أصحاب مالك طريقه مالك حسبما قدمنا ذلك عند قول الشيخ على مذهب مالك بن أنس ﵀ وطريقته والمشهور اشتراط الحرية قال ابن زرقون وحكى القاضي عبدالوهاب في شرح الرسالة عن بعض متأخري أصحابنا أن شهادة العبيد منهم جائزة.
قلت: ولم يحفظه ابن رشد بل قال: لا أعلم في ذلك خلافا ولا بد أن يكون ممن يحكم لهم بالاسلام وممن يعقل الشهادة واعتبر ابن القاسم كونهم اثنين فصاعدا، وفي كتاب ابن مزين عن ابن نافع يقسم بشهادة الصبي الواحد وألزمه ابن هارون أن يحلف مع شهادته في الجراح، وتكون فيه الدية ومنع أشهب ومالك من المدونة شهادة إناثهم.
وقال ابن عبد السلام: في قول ابن الحاجب الإناث مطلقا، وفي المجموعة عن مالك تجوز شهادة غلام وجاريتين خاصة، وفي المدونة على المخزومي تجوز شهادة إناثهم.
وقال ابن عبد السلام: في قول ابن الحاجب، وفي اشتراط الذكورية قولان اضطرب المذهب في ذلك، وكذلك اختلف قوله المدونة في ذلك فظاهره أن قول مالك وابن القاسم اختلف فيها وليس كذلك.
ويقوم من كلام الشيخ أن شهادة النساء في الولائم، والأعراس مقبولة، وهو أحد قولي ابن الجلاب فذكر أولا عدم الجواز واعترض أصحابنا قبولهم قال: واعتبرها بشهادة الصبيان وذكرهما المازري روايتين.
فإن قلت: ما ذكرته يرد بقول سحنون لما قال له ولده يلزمك في غصب بعضهم من بعض في المال هذا موضع اتباع الماضيين ولا وجه للقياس فيما هو سنة أو كالسنة وقد فرقت الأئمة بين الدماء والأموال فقبلوا في الدماء ما لم يقبلوا في الأموال.
стр. 766
قلت: ما ذكره سحنون من أنه سنة أو كالسنة ممنوع بخلاف كثير من أهل العلم ممن ذكرنا من أهل المذهب وبه قال القاسم وسالم بن عبد الله من أهل المدينة، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما وبقول القاسم وسالم بن عبد الله ضعف ابن عبد السلام قول ابن الحاجب، وعلى العمل بشهادتهم إجماع أهل المدينة ثم إن كلام سحنون إنما فرق الدماء والأموال مسألتنا من الأول.
(وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم يأخذ المبتاع أو يحلف ويبرأ):
يعني إذا باع رجل سلعة لرجل فيقول البائع بعتها بدينار مثلا ويقول المشتري بل بنصف دينار فإنه يحلف البائع أولا لقد بعتها بدينار ثم يقال للمشتري: اختر إما أن تدفع ما حلف عليه، وإلا فاحلف ويتفاسخا.
وظاهر كلامه ولو قبض المشتري السلعة وفاتت وإلى هذا ذهب أشهب في روايته قال: والقيمة تتنزل في الفوات منزلتها.
قال ابن بشير: وبه كان يتفي من أدركناه من محققي الأشياخ يريد كالمازري، وقيل: القول قول المشتري بنفس العقد عزاه بعض الشيوخ لكتاب ابن حبيب قال ابن بشير: ولم يوجد فيه وقيل: لا يكون القول قوله إلا إذا قبض السلعة وقيل: إذا بان بها وكلاهما رواه ابن وهب، وقيل: إذا قبضها المشتري وقبض البائع الثمن فالقول قول المشتري وإلا فلا حكاه الباجي وقيل يتحالفان ما لم تفت في يد المشتري بتغير سوق فأعلى فالقول قوله، رواه ابن القاسم عن مالك في المدونة قائلا: وثبت عليه، فالحاصل ستة أقوال.
وما ذكر الشيخ من أن المبدئ باليمين إنما هو البائع هو المشهور، وهو نص المدونة في كتاب الأكرية وقيل: بل يبدأ المبتاع قاله في العتبية وأخذه المازري من قول المدونة من تضمين الصناع إذا تجاهل الورثة الثمن يبدأ بوراث المبتاع أنهم لا يعلمون بما ابتاعها به أبوهم ثم ترد فإن فاتت لزمت ورثة المبتاع بقيمتها.
ولم يذكر ابن عبد السلام هذا الأخذ بل سأل نفسه هل يؤخذ منها أم لا؟ فقال: لا لأن الجهل عندهم يتنزل منزلة الفوات، وسلمه خليل ﵀ ورده بعض شيوخنا بأنه لو كان كما قال للزم عدم ردها كفواتها، وقيل: يقرع بينهما قاله اللخمي، وقيل: يخير الحاكم قاله بعض شيوخنا المازري، ويحتمل أن يريد الشيخ بقوله إذا اختلف المتبايعان اختلافهما في جنس الثمن وقطع شيخنا أبو مهدي بأن هذا مراد الشيخ لكونه لم يقيد التخالف بعد الفوات فحمله على الأول يؤدي إلى حمله على غير
стр. 767
المشهور وحمله على الثاني جار على المذهب، وإن وقع الفوات فإذا دار الأمر بين حمله على الأول والثاني فحمله على الثاني أولى لما ذكرت.
قلت: وقطع الفاكهاني بحمل كلامه على الأول من غير احتمال عكس ما قاله شيخنا وزعم ابن الحاجب الاتفاق على التحالف في اختلافهما في الجنس كابن حارث وخرج عبد الحميد الصائغ قولا بأن يكون القول قول البائع من قول المدونة في تضمين الصناع فيمن صبغ ثوبا أسود فادعى ربه أنه إنما أمره بأحمر أن القول قول الصباغ مع اختلافهما في الجنس؛ لأن الصباغ يدعي أنه باعه نيلا ورب الثوب يدعي أنه اشترى عصفرا.
وفرق المازري بأن صاحب الثوب ما دفع إليه ثوبه فكأنه ائتمنه عليه، وبأن صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعديا يوجب عليه تعمير ذمته بقيمة الثوب.
وقال ابن عبدالسلام في رد المازري: عندي نظر تركت جلب ذلك استغناء بما ذكره بعض الشيوخ يعني به: ابن زرقون عن ابن القاسم في الكراء إن القول قول الساكن إن أشبه.
قلت: ظاهره أن القول المخرج قول ابن القاسم وليس كذلك بل القول المخرج هو أن القول قول البائع وقول ابن القاسم في الساكن يوجب أن القول قول المشتري فهي ثلاثة أقوال.
(وإذا اختلف المتداعيان في شيء بأيديهما حلفا وقسم بينهما وإن أقاما بينتين قضى بأعدلهما فإن استويا حلفا وكان بينهما):
ما ذكر أنه يقسم بينهما هو كذلك باتفاق وذلك أن كلا منهما له شبهة لحوزه فجعله بينهما عدل وما ذكر من أنه يقضي بأعدل البينتين هو المشهور وروي عن مالك أنه لا يرجح بها.
وقال ابن عبد السلام: وهذه الرواية إما أن تكون مبنية على القول بنفي الترجيح في الأدلة وإما أن تكون لا ترجح بذلك ويكون الترجيح بغير ذلك، وهو الأقرب.
قلت: قال بعض شيوخنا ولا أعرف هذه الرواية لنقل غيره ولم يعزه ابن رشد إلا للمخزومي وبعض أهل العلم وعزاه ابن حبيب لبعض علمائنا والمشهور لا يرجح بكثرة العدد وهو قول المدونة.
وروى ابن حبيب أنه يرجح بذلك وجمع بعض الشيوخ بين المسألتين وذكر فيها ثلاثة أقوال: ثالثها: يرجح العدالة دون زيادة كثرة العدد، قال القرافي في توجيه
стр. 768
المشهور والمقصود من علم القضاء إنما هو قطع النزاع والعدالة أقوى من زيادة العدد؛ لأن كل واحد يمكنه زيادة العدد في الشهود ولا يمكنه ذلك في مزيد العدالة.
ورده ابن عبد السلام بأن من رجح بزيادة العدد لم يقل به كيف ما اتفق وإنما اعتبر مع قيد العدالة فليس بسهل حينئذ.
ووجهه المازري بأن الشارع لما قيد شهادة الزنا بأربعة والطلاق باثنين وقيد في المال بالواحد مع اليمين دل على أنه لا تأثير للعدد.
واختلف قول ابن القاسم هل يترجح الشاهدان على الشهاد واليمين والشاهد والمرأتين أم لا؟
قال ابن عبدالسلام: فإن قلت: هب أن رجحان الشاهدين على الشاهد واليمين ظاهر للاختلاف في قبول الشاهد واليمين فما السبب في رجحانهما على الشاهد والمرأتين.
قلت: لما نبه عليه بقوله تعالى (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) [البقرة: ٢٨٢]
من زيادة مزية الرجلين على الرجل والمرأتين.
(وإذا رجع الشاهد بعد الحكم أغرم ما أتلف بشهادته إن اعترف أنه شهد بزور قاله أصحاب مالك):
ظاهر كلامه يقتضي أن جميع أصحاب مالك فرقوا بين أن يعترف أنه شهد يزور أم لا فإن شهد به غرم، وإن قال شبه علي فإنه لا يغرم وتبع في هذا النقل ابن المواز وليس كذلك بل قال ابن القاسم ومطرف وأصبغ في الواضحة: إنه يغرم مطلقا، وهو ظاهر كتاب السرقة من المدونة قال فيها: إن رجعا عن عتق أو طلاق أو دين أو قصاص أو حد أو غير ذلك فإنهما يضمنان، وهذا القول كذا عزاه ابن رشد وهو الصواب عندي لقول أصحابنا العمد والخطأ في أموال المسلمين سواء وكذلك قال في أحكام الشعبي من أفتى بغرم ما لا يجب فقضى به غرمه قاله أصبغ بن خليل، ولم يرتض بعض شيوخنا ما قلناه فقال: الخطأ كالعمد في الأموال باتفاق المذهب ولذلك رجع غير واحد القول الثاني فما وجه القول الأول؟
قلت: إنما وقع الاتفاق على أن الخطأ كالعمد في فعل غير المأذون له في الفعل، وأما المأذون له في الفعل فليس كذلك كالراعي بضرب الشاة ضرب مثلها فتهلك فلا يضمن والوكيل على شراء عبد يشتري أبا الموكل خطأ فإن لا ضمان عليه، والشاهد لما كان مطلوبا بالشهادة صار كالمأذون له في الفعل منضما إلى أن الأصل عدم التفريط
стр. 769
وعدم الضمان.
وفيما قاله شيخنا نظر؛ لأن هذا الفرق لو صح لا طرد وبيان عدم اطراده ما ذكرناه عن أحكام الشعبي بأن المفتي مأذون له بل هو مأمور بذلك ولا سيما إن لم يكن في ذلك الإقليم غيره.
وقد قال ﵀: ما تقدم من ضمانه لم يحك غير ذلك في كتاب الغصب من تأليفه، ولو رجع الشاهد بعد الحكم وقبل الاستيفاء فإن كان مالا نفذ، وإن كان دما ففيه خلاف، وإن كان قبل القضاء فلا ينفذ خلافا لأبي ثور.
قال في المدونة في كتاب السرقة: لو أدب لكان لذلك أهلا، وقال سحنون: لا يؤدب كالمرتد.
(ومن قال رددت إليك ما وكلتني عليه أو على بيعه أو دفعت إليك ثمنه أو وديعتك أو قراضك فالقول قوله):
ما ذكر من أن الوكيل على البيع إذا قال دفعت إليك ثمنه إن القول قوله هو كذلك وكلامه رحمه الله تعالى أعم من أن تلزمه اليمين أم لا.
واختلف في المسألة على أربعة أقوال حكاها ابن رشد في المقدمات في كتاب الوديعة فقيل: يحلف وهو سماع ابن القاسم في المدونة في الوكالات وقيل: إن كان بمقدار الأيام اليسيرة فالقول قول الموكل أنه ما قبض شيئا وعلى الوكيل إقامة البينة ويصدق الوكيل إن كان بعد شهر ونحوه مع يمينه وإن طال جدا لم يحلف رواه مطرف.
وقيل: إن كان كيسير الأيام حلف وإن طال فلا قاله ابن عبد الحكم وابن الماجشون.
وقيل: الوكيل على معين غارم مطلقا والمفوض إليه يحلف بالقرب خاصة قاله أصبغ.
قلت: الذي عزا بعض شيوخنا للفظ المدونة إنه مصدق وكذلك اختصرها البراذعي والذي تلقيانه من شيوخنا بأجمعهم أنه إذا قال في الكتاب: مصدق فإنه لا يحلف بخلاف إذا قال قبل قوله فإنه لا بد من اليمين وعزا ابن يونس الأول لابن القاسم وابن الماجشونن وابن عبد الحكم وعزا القول الثاني لقول مطرف لا لروايته ولقول ابن القاسم في العتبية.
ويريد الشيخ في مسألة الوديعة إذا قبضها بغير بينة ولو قبضها ببينة فلا يقبل قوله
стр. 770
قاله في المدونة وقيل: يقبل قوله مطلقا حكاه ابن شاس عن ابن القاسم قاله ابن عبد السلام وهو قول شاذ على نظر في صحة نسبته إلى المذهب يريد أن ابن رشد إنما خرجه من دعوى المستأجر رد ما استأجره من العروض أنه مصدق ولو قبضه ببينة رواه أصبغ وضعفه بفرق ذكره والمراد بالبينة إذا كانت مقصودة التوثق، وأما إن كانت اتفاقا فلا، قاله غير واحد كعبد الحق، واللخمي وابن يونس.
وقيل: لا يشترط فيها أن تكون مقصودة التوثق حكاه ابن عات عن ابن زرب حسبما قدمناه.
(ومن قال دفعت إلى فلان كما أمرتني فأنكر فلان على الدافع البينة وإلا ضمن):
إنما قال يضمن؛ لأنه دفع إلى غير اليد التي دفعت إليه فوجب أن يضمن وهذا هو مشهور المذهب ونقل ابن رشد في المقدمات عن ابن الماجشون فيمن بعث بضاعة من رجل لرجل أنه لا يلزمه إشهاد في دفعها ويصدق، وإن أنكر القابض كانت دينا أو صلة.
قال: ويتخرج من قول ابن القاسم في المدونة أن من أمر غيره أن يشتري لؤلؤا من بلد وينقد عنه فزعم أنه ابتاعه ونقد ثمنه ثم تلف حلف على ذلك ورجع عليه بالثمن لأنه أمينه ومن سماع عسى فيمن اشترى ثوبا من ثوبين على أن أحدهما قد وجب عليه بخياره فيضيع أحدهما فيدع أنه كان اختار هذا الباقي أنه مصدق والمسائل أربع دافع أمانة لأمانة، وذمة لذمة ودافع ما في أمانة لذمة، وعكسه ولولا الإطالة لذكرنا جميع ذلك فانظر المقدمات.
(وكذلك على ولي الأيتام البينة أنه أنفق عليهم أو دفع إليهم):
ظاهر كلامه وإن قاموا عليه بعد طول من ترشيدهم وهو ظاهر المذهب لقوله تعالى: (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) [النساء: ٦]
الآية، قال مالك: لئلا تضمنوا، وقال ابن الماجشون: لئلا تحلفوا كذا نقله المغربي عنه نصا، وخرجه اللخمي وتبعه خليل، وكأنه من عند نفسه من قوله السابق فيمن بعث بضاعة مع رجل أنه لا يلزمه الإشهاد في دفعها وإن أنكر القابض.
وفي الموازنة: إن طال الزمان كعشرين سنة مقيمين معه لا يبطلونه فالقول قوله مع يمنه.
قال ابن يونس: لأن العرف قبض أموالهم فإذا رشدوا كالبياعات بغير كتب وثيقة إذا مضى من الزمان ما يظن معه عدم تأخير قبض الثمن إليه فالقول قول المشتري وجعل القاضي أبو بكر بن زرب أن مقدار ثمانية أعوام كاف.
стр. 771
وقيل: إن الطول يرجع فيه إلى العرف قاله ابن رشد فالحاصل خمسة أقوال، وجعل خليل المشهور مقيد بعدم الطول وليس على عمومه.
وقال بعض شيوخنا: المعروف من المذهب عدم قبوله مطلقا، وهو مذهب المدونة في وصاياها وفي تضمين الصناع نص شيخنا على ما ذكر في آخر مسألة من الوصايا من تأليفه وما نسبه للمدونة إنما هو ظاهرها وليس ذلك بنص فيها.
وما ذكر الشيخ أنه لا يقبل قوله مقدار النفقة إذا لم يكونوا في حضانته هو المشهور مطلقا.
وقال اللخمي: إن كانت الأم فقيرة وهي حاضنتهم وهي في عافية يصدق الوصي للقرينة.
وفي ترجمة دفع الوصي النفقة إلى الحاضنة في الربع الأخر من الطرر لابن عات ما نصه قاله الأبهري: الوصي مصدق فيما دفع من النفقة؛ لأنه لو كلف البينة لشق ذلك عليه إذا كان يحتاج على أن يشهدهم على درهم ودانق وحبة وهذا من الأمر الموضوع عن الناس، ولذا قال مالك: إن اللقطة لمن جاء بعلامتها، وقوله ﷺ "البينة على المدعى واليمين على من أنكر" إنما ذلك إذا ادعى شيئا في يد غيره.
وقال أحمد بن ناصر: قوله مقبول فيما دفع من النفقة إذا أشبه نفقة الأيتام في حضانته كانوا أو عند حاضنتهم من غير بينة عن الحاضن لهم أو عليهم أنفسهم البينة أنه لم ينفق، وإلا فالقول قوله من غير يمين تلزمه في دعوى الأيتام وللحاضن اليمين عليه بدعواه.
(وإن كانوا في حضانته صدق في النفقة فيما يشبه):
يريد الشيخ بقوله صدق مع يمينه لنص مالك وابن القاسم وأشهب قال عياض: وهو مالا يختلف فيه لأن ما يشبه قد يكون وقد لا يكون واختلف إذا أراد أن يحسب أقل ما يمكن ويسقط الزائد فقال أبو عمران: لا يمين عليه، وقال عياض: تلزمه إذ قد يكون أقل منه لاحتمال استغناء اليتيم عن تلك النفقة التي لا شك فيها أياما مفترقة أو متوالية لمرض أو صلة من أحد وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في الموازنة من قوله: ويحلف ما لم يأت بأمر مستنكر وإذا زاد على مقدار العادة زيادة يسيرة صدق مع يمينه رواه ابن المواز، وقال ابن القاسم حكاه ابن يونس في سماع أشهب وربما قال: وله أن يشتري ما يلهو به.
وفي المجموعة لابن كنانة: وينفق في عرسه بقدر حاله وحال من تزوج وقدر ماله
стр. 772
فإن خشى أن يتهم رفع إلى الإمام.
(والصلح جائز إلا ما جر إلى حرام):
قال عياض: الصلح معاوضة عن دعوى واعترضه بعض شيوخنا بأنه غير جامع؛ لأنه يخرج عنه صلح الإقرار قال: وقول ابن شاس، وابن الحاجب، الصلح معاوضة كالبيع وإبراء وإسقاط تقسيم وتفسير له لا تعريف قال والصلح انتقاله عن حق أو دعوى بعوض لرفع نزاع أو لخوف وقوعه وهو مندوب إليه ويعرض له الوجوب حيث تتعين مصلحته وحرمته وكراهته لاستلزامه مفسدة واجبة المدار وأرجحيته ومعنى قول الشيخ: إلا ما جر إلى حرام كالصلح على دعوى عشرة دنانير أقر بخمسة منها فقط على دراهم مؤجلة ولا خلاف في تحريم هذه الصورة؛ لأنه حرام في حق كل واحد منهما وأما ما حرم في حق أحدهما فقط كصلحه عن عشرة دنانير أنكرها بدراهم مؤجلة فالمشهور أنه يفسخ.
وقال أصبغ: يمضي وأماما ظاهره الفساد وهو غير محقق ككونه في جهة معينة كدعوى كل واحد منهما على صاحبه دنانير أو دراهم فيصطلحان على تأخير كل واحد منهما صاحبه لأجل فإنه مكروه فإن وقع مضى. وقال ابن الماجشون: يفسخ ما لم يطل.
(ويجوز على الإقرار والإنكار):
أما الصلح على الإقرار فبالاتفاق وأما الإنكار فالمشهور كذلك وقيل: إنه لا يجوز حكاه عياض عن ابن الجهم عن بعض أصحابه وأخذه شيخنا من قول سحنون إلا طلب السلابة شيئا خفيفا لم يجز أن يعطوه قال: والتخريج أحروي؛ لأن العادة في المحارب القتال المعروض للقتل وهو أشد من عداء الخصومة المعروضة للحلف ويرد بأن القافلة قد يتحقق أنها تغلب السلابة لكثرة عدد القافلة أو لشجاعتهم فيحرم عليهم إعطاء مال وإن قل؛ لأن فيه الإعانة على المعصية؛ لأنهم إذا وجدوا من يقدر عليه أخذوه أو قتلوه فيكون عليهم بعض إثم من ذلك لأنهم إذن غير مضطرين إلى الدفع من مالهم وقد ينكره خصمه ولا تكون عنده بينة وهومضطر إلى الصلح.
وأيضا فإن اللص معترف بأنه ظالم في أخذ المال والمنكر في الصلح يزعم أن ما يؤخذ منه فهو مظلوم فيه فافترقا والله أعلم.
وعلى المشهور أن الصلح على الإنكار جائز قال بعض شيوخنا: إنما ذلك باعتبار عقده، وأما ما في باطن الأمر فإن كان الصدق هو المنكر فالمأخوذ منه حرام
стр. 773
وإلا فحلال فإن وفى بالحق برئ وإلا فهو غاضب فيما بقي والصلح مع السكوت كالإقرار قاله عياض، ولم يحك فيه خلافا.
قال الفاكهاني: هو كالإقرار على المشهور ولم يحك خلافا في الإنكار كالمازري وابن القصار وغيرهما وما ذكر من الخلاف لا أعرفه لكنه جار على قواعد المذهب في السكوت هل هو كالإقرار أم لا؟
والمعروف أن الافتداء من اليمين جائز، قال في المدونة في كتاب الأيمان والنذور: من لزمته يمين فافتدى منها بمال جاز ذلك، وقال ابن هشام: إن علم المدعى عليه براءته وطلبت منه اليمين فليحلف ولا يصالح على شيء من ماله وإن صالح أثم من أربعة أوجه: الأول: أنه أذل نفسه، وقال النبي ﷺ : "أذل الله من أذل نفسه".
والثاني: أنه أطعمه ما لا يحل.
والثالث: أنه أضاع ماله وقد نهى ﵇ عن ذلك.
والرابع: جرأه على غيره كما جرأه على نفسه.
وقبله خليل ورده شيخنا أبو مهدي نقلا ومعنى.
أما نقلا فلأن عثمان صالح عن يمينه، وأبا بكر وعمر حلفا فالأمران جائزان.
وأما معنى فلأن ما استدل به لا ينهض؛ لأن في صلحه إحرار نفسه لأن الخصومات مرجوحة ولاسيما كثرتها ولم يضيع ماله بل ادخره عنده وكونه أطعمه مالا حراما أو جرأه على الغير ليس باختياره وإنما هو مضطر لذلك وظلم هو نفسه قال الله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق) [الشورى: ٤٢].
(والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له):
ما ذكر الشيخ من أن للسيد أخذ الأمة فهو كذلك على المشهور.
وروي عن مالك وفي الجلاب رواية أخرى يأخذ قيمتها ولا شيء له في الولد، وما ذكر من أن له أخذ قيمة الولد هو كذلك بلا خلاف.
قال ابن رشد: القياس أن الولد رق لمالك أمه لإجماعهم على أن ولد الأمة من
стр. 774
غير سيدها ملك له، وترك هذا القياس لإجماع الصحابة على حرمته خلافا لأبي ثور وداود في قولهما: إنه رقيق.
قلت: قال بعض شيوخنا: إن ثبت إجماع الصحابة رضوان الله عليهم فقول أبي ثور وداود باطل؛ لأن خلاف إجماع تقرر، وهذا الذي ذكرنا هو الذي أعرفه في المذهب.
وقول الفاكهاني قيل: يدخلها الأقوال الثلاثة الآتية في الأمة المستحقة لا أعرفه وظاهر كلام الشيخ أن الولد حر ولو كان الزوج عبدا وهو كذلك في قول حكاه ابن شاس ومذهب المدونة أنه رقيق قائلا: إذ لا بد من رقه مع أحد أبويه.
وقال التونسي: كان يجب حرية ولده لشرط ذلك وما الفرق بينه وبين الحر والفرق لعجزه عن غرم قيمته يبطل بالحر العديم وتوقع اليسر كتوقع العتق والفرق بأن لربه إبطاله من ذمته غير بين.
قلت: واعترضه بعض شيوخنا بأن الحر العديم إنما يطلب يسره فقط وفي العبد يطلب عتقه ويسره والموقوف على أمر أقر من الموقوف على أمرين وما ذكر من أن القيمة يوم الحكم هو المشهور.
وقال المغيرة: يوم الولادة وبه قال أشهب، وقيل: يوم القيامة ذكره ابن بشير تخريجا من المستحقة بملك وكذلك القول بيوم الحكم قال: والمنصوص يوم الولادة واشتد نكير شيخنا أبي مهدي عليه فقال: هذا منه ﵀ قصور لنص المدونة في النكاح الأول أن قيمته يوم الحكم.
قلت: وقول ابن الحاجب وانفرد المغيرة بيوم الولادة قصور أيضا إذ هو قول أشهب ذكره ابن رشد عنهما في أول مسألة من رسم الكراء من سماع أصبغ من كتاب النكاح.
واختلف هل يقوم بماله فذكر عن مالك أنه يقوم بماله وقيل: بدونه قاله غير واحد.
وأخذه المازري وعياض من قول المدونة إذا كان الأب عديما أنها تؤخذ من الولد؛ لأنه لا يستحيل أن يكون في ماله خاصة مقدار قيمة نفسه مع ماله وإلا لزم أن يكون الجزء مساويا للكل.
قلت: ورده بعض شيوخنا باحتمال أن يكون طرأ له مال بعد العتق وقبل الدفع أو قوماه تقويما إجماليا على أن له مالا؛ لأن مال العبد تبع له فلا تشترط معرفته حقيقة،
стр. 775
ونقلت هذين الوجهين من درس شيخنا أبي مهدي رحمه الله تعالى فاعترض الوجه الثاني بأن تقويمه على طريق الإجمال دون بيان جهل ويفسخ إن وقع إذ فيه الضرر على المستحق وأجبته بأن أصول المذهب تدل على ما قال، وذلك أن العبد إذا كان بيده مال عين يصح أن يشتري بها ولولا أنه تبع لما جاز.
وقد قال في كتاب الخيار في المدونة ولو تلف مال العبد في عهدة الثلاث، وقد بيع به لم يكن للمبتاع رد العبد فلم يقبله واشتهر الخلاف في مقدار صداقها هل هو صداق المثل أو المسمى أو الأكثر منها أو الأقل منهما أو ربع دينار خاصة قاله ابن أبي حازم.
(ومن استحق أمة قد ولدت قيمتها وقيمة الولد يوم الحكم وقيل: يأخذها وقيمة الولد وقيل: له قيمتها فقط إلا أن يختار الثمن فيأخذ من الغاصب الذي باعها، ولو كانت بيد غاصب فعليه الحد وولده رقيق معها لربها):
اعلم ان هذه المسألة إحدى المسائل التي ذكر في الرسالة أن فيها ثلاثة أقوال وثانيتها: من ترك الفاتحة من ركعة وثالثتها: هل يتيمم لكل صلاة أم لا؟ رابعها: في تغليظ الدية على الأب إذا ضرب ابنه بحديدة وخامستها: في كفن الزوجة هل هو على الزوجة أم لا؟ وسادستها: في تقديم الظهر وتأخيرها والقول الأول قاله مالك وبه أخذ المصريون من أصحابه مع مطرف قاله ابن حبيب في واضحته.
والقول الثاني أيضا قاله مالك من رواية ابن القاسم في الموازية قال أشهب: وعليه جماعة الناس وهو قول علي ﵁ قاله في المجموعة والقول الثالث قاله ابن دينار وابن الماجشون وابن كنانة وابن أبي حازم وعبد العزيز وغيرهم قاله اللخمي، والمازري، وبه أفتى مالك لما استحقت أم ولده إبراهيم وقال عياض: في الغصب لما استحقت أم ولده محمد ومثله لابن رشد.
قال خليل: والصواب قول ابن القاسم في كتاب القسم من المدونة بعد أن ذكر القولين الأولين عن مالك ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك ويجبر حينئذ في قولي مالك جميعا على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق.
وقال المازري: أشار أشهب إلى بقاء قول مالك مع رضا المستحق بأخذ القيمة ولو لم تحمل لكان له أخذها وليس له ما نقصها بسبب الوطء قاله مالك في المدونة خلافا لسحنون في قوله له ما نقصها الوطء محتجا باستحقاق الثوب بعد لبسه وإذا رد
следующие страницы →