Полный текст (1 073 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
هذا كله لحديث عمر ﵁: " ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" متفق عليه اللخمي واختلف في محمله هل هو على الندب أو على الوجوب فقال مالك لا ينبغي أن يشتريها وقد يكره وقال الداودي حرام وظاهر الموازية لا يجوز وفي كتاب الزكاة لا يشتري الرجل صدقة حائطة ولا زرعة ولا ماشيته ابن رشد في جواز شراء الصدقة من غير الذي تصدق به عليه رواية ابن وهب لا بأس بذلك وقولاها: لا يجوز اللخمي ولابن نافع في شرح ابن مزين أكره أن ينتفع بصدقته على ولده كانت أو أجنبيا فهو أحسن لعموم الحديث والمشهور كراهة الشراء ومنع الرجوع والله أعلم.
وما ذكر في شرب اللبن. قال بعض الشيوخ لا يوجد لغيره وكأنه استخف اللبن لاستهلاكه فيكون الماء المتصدق به في ذلك أحرى وانظر التادلي فقد طال عهدي بالمسألة.
(والموهوب للعوض إما أثاب القيمة أو رد الهبة فإن فاتت فعليه قيمتها وذلك إذا كان يرى أنه أراد الثواب من الموهوب له).
هذه هبة الثواب وحكها الجواز إلا النبي ﷺ فلا يجوز له أن يهب ليثاب بأكثر لقوله تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ الآية ومنعها الشافعي والحنفي في آخرين مطلقا والمشهور أن الخيار للموهوب في القيمة أو الرد مع القيام وقال مطرف يلزمه أكثر
стр. 737
ورواه عن مالك قائلا لو أراد القيمة ما أهداها ولباعها في السوق (ع) وفي كون الفوت الموجب له على الموهوب قيمتها قبضها أو حوالة سوقها أو تغيرها بزيادة أو نقصان رابعها ينقصها فقط وقوله (إذا كان يرى) إلخ يحتاج لتفصيل وتحقيق مراده على المعروف ابن شعبان لا ثواب فيما وهب لفقيه اللخمي إلا أن يكون بين فقيهين القاضي وكذلك الرجل الصالح الباجي لمحمد عن أشهب لا ثواب فيما وهب ذو سلطان وفي كون الهبة له كذلك قول ابن شعبان ونقل الباجي عن المذهب.
(ويكره أن يهب لبعض ولده ماله كله وأما الشيء منه فذلك واسع)
المذهب كراهة ما ذكر لحديث النعمان بن بشير ﵁ إذ قال ﵊ " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" الحديث ابن القاسم إن وقع وحيز فلايرد بقضاء وعنه يرد في حياته ومماته قال مالك وقد قضى برده في المدونة وقال أصبغ إذا حيز عنه جاز اجتمع أمر القضة والفقهاء على ذلك وقوله و (أما الشيء منه) قال في النوادر وقد فعله الصديق وقال به عمر وعثمان ﵃.
(ولا بأس أن يتصدق على الفقراء بماله كله لله تعالى).
يريد بشروط خمسة أن يكون رجاؤه في الله مانعا من ندمه وقوة يقينه مانعا من تشويشه وأن يرجع إلى سبب لا شبهة فيه ولا ارتكاب محظور ولا يخشى الحاجة والتكفف لغنى يصرف أو سبب يكتسب به كحال أبي بكر ﵁ حين خرج عن ماله كله لله ورسوله والله أعلم. وقد ذكر معنى ذلك ابن الفاكهاني فانظره.
(ومن وهب هبة فلم يحزوها الموهوب له حتى مرض الواهب أو أفلس فليس له حينئذ قبضها ولو مات الموهوب له كان لروثته القيام فيها على الواهب الصحيح).
هذا معنى ما تقدم أنه لا تمام إلا بجوز وأن الوجوب بالقول فالمنع يؤثر مع عدم الحوز فتصير ميراثا إن مات واهبا ومن ماله إن أفلس لخراب ذمته مطلقا في الأخير ومنع تصرف فيما سوى الثلث أولا ولو كان الموهوب هو الميت فذلك حق ترتيب له في ذمة صحيحة ومن مات عن حق فلورثته والله أعلم.
стр. 738
(ومن حبس دارا فهي على ما جعلها عليه إن حيزت قبل موته).
يريد وكذلك غير الدار ثم هذه أول مسائل الحبس (ع) الحبس إعطاء منفعة شيء مدة وجوده لازما بقاؤه في ملك معطية ولو تقديرا فتخرج الذوات والعارية والعمرى والعبد المخدم حياته يموت قبل موت سيده لعدم لزوم بقائه في ملك معطية لجواز بيعه برضاه مع معطاه ثم رد تعريف ابن عبد السلام فانظره والمذهب جوازه بل ندبه في بعض الوجوه وعليه الوجوب بعد الإجماع عليه في المساجد ونحوها ويصح في الأصول الثابتة باتفاق المذهب وفي غيرها اختلاف وقيل الخلاف في غير الخيل وفي قوله على ما جعلها عليه أنه يتعين ما عليه المحبس من المصرف السائغ شرعا واختلف إذا لم يذكر مصرفا هل يصرف للفقراء أو في وجوه الخيرات؟ قولان لشيخ وللقاضي ابن عبد السلام المذهب سؤال المحبس فإن تعذر حمل على غالب البلد فإن لم يمكن صرفه للفقراء والله أعلم.
(ولو كانت حبسا على ولده الصغير جازت حيازته له إلى أن يبلغ وليكرها له ولا يسكنها فإن لم يدع سكناها حتى مات بطلت).
إنما يرتفع حكم حوزه ببلوغه إذا كان رشيدا المتيطى فإن بقي بيده بعد رشده حتى مات الأب أو مرض بطل وهي ميراث كالهبة والصدقة وسمع عيسى رواية ابن القاسم كراء الأب ما وهب لابنه الصغير من ربع حوز وإن لم يقل أكريت ولم يخرجه لم يحز له ونحوه في سماع أصبغ وفي نوازله الأب يتصدق بالأرض على ابنه الصغير محمول على تعميره إياها لولده حتى يثبت خلافه قال وفي الدار يتصدق بها عليه محمول
стр. 739
على أنه كان يسكنها أو يشغلها بمتاعه حتى يثبت إخلاؤه الغبريني والعمل على أنه إذا خلاها سنة من تاريخ الهبة أو الصدقة أو الحبس أو بعده ثم رجع إليها لا يبطل فانظر ذلك.
(وإن انقضر من حبست عليه رجعت حبسا على أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع).
مقصود هذه المسألة أن الحبس المعقب الذي لا تعرف نهايته وقد قيد بنسب أو أشخاص يرجع عند انتهائهم لأقرب الناس بالمحبس يوم المرجع الذي هو انقراض من حبس عليه إن كان قد مات ولا ترجع إليه إن كان حيا وإنما ترجع لنحو أخميه ثم وجود عمه ثم كذلك فإن لم تكن له قرابة رجعت إلى الفقراء والمساكين فانظر ذلك.
(ومن أعمر رجلا حياته دارا رجعت بعد موت الساكن ملكا لربها وكذلك أن أعمر عقبه فانقرضوا بخلاف الحبس فإن مات المعمر يومئذ كانت لورثته يوم موته ملكا).
العمري تمليك منفعة معطى بغير عوض إنشاء إلى أمد هو عمر المعمر أو المعمر أو غيرهما أو جملة من عقب أو غيره وقد نهى رسول الله ﷺ عن الرقبي وأرخص في العمري الرقبي – بضم الراء وسكون القاف- أن يترقب كل موت صاحبه ليأخذ داره وهي باطلة وفي الإرشاد العمى هبة السكنة مدة عمر الموهوب فإذا انقضى عادت لمالكها أو وارثه إلا أن يعمره أو عقبه فتمتد إلى انقراضهم ثم تعود لربها أو لروثته وهي كالحبس إلا في التأبيد والله أعلم.
(ومن مات من أهل الحبس فنصيبه على من بقي منهم).
يريد إذا كان المحبس عليهم غير معدودين ولا مسمين وكانوا يلون ذلك بأنفسهم فأما إن كانوا على عدد مسمين وهو مقسوم بينهم وهم لا يلون ذلك فمن مات منهم فنصيبه راجع إلى الذي حبسه وهذا قول مالك الأول الذي عليه الرواية ويحتمل أن تبقى على إطلاقها على قول ابن القاسم فانظر ذلك.
(ويؤثر في الحبس أهل الحاجة بالسكنى والغلة ومن سكن فلا يخرج لغيره إلا أن يكون في أصل الحبس شرط فيمضي).
ابن رشد مشهور المذهب قسم الحبس المعقب بين آخذيه بقدر حاجتهم ولابن
стр. 740
الماجشون يقسم بالسورية والغني كالفقير وقال الباجي معنى المجموعة المعقب كالصدقة لا يعطي منه غني ويعطي للمسدد بقدر حاله ولابن القاسم في النوادر وما على قوم بأعيانهم فقيرهم وغنيهم وحاضرهم وغائبهم سواء ابن رشد اتفاقا والساكن بالاستحقاق لا يخرج لمستحق ولا غيره ابن الفاكهاني إلا أن يرى الناظر إخراجه وإساكن غيره مصلحة للحبس فله ذلك لا سيما إن خاف من سكناه ضررا ولمثل هذا جعل الناظر.
وفي المدونة لا يخرج من الحبس أحد لأحد ومن لم يجد مسكنا فلا كراء له ومن مات أو غاب غيبة انتقال استحق الحاضر مكانه ومن سافر لا يريد انتقالا فهوعلى حقه وشرط الحبس معتبر إلا أن يمنعه مانع شرعي والله أعلم.
(ولا يباع الحبس وإن خرب).
الجمهور على منع الحبس واستدل له سحنون ببقاء أحباس السلف خرابا إذا انقطعت منفعة الحبس وعاد بقاؤه ضررا أجاز بيعه وإن لم يكن ضرر أو رجى أن تعود منفعته لم يجز بيعه واختلف إذا لم يكن ضرر ولا رجيت منفعته والذي آخذ به المنع خوف كونه ذريعة لبيع الحبس (ع) في منعه ثالثها إن كان بمدينة للمعروف وإحدى روايتي أبي الفرج ونقلا اللخمي انتهى.
(وبياع الفرس الحبس يكلب ويجعل ثمنه في مثله أو يعان به فيه).
المشهور جوازو تحبيس الفرس لحديث: " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا لوعده فإن شبعه وريه في ميزانه يوم القيامة" (ع): لفظ الحديث من حبس بتخفيف الموحدة وهو لا يقتضي التحبيس فوهم اللخمي في ذلك فانظره ومعنى الكلب بفتح الكاف واللام في الحيوا هو شبه الجنون قاله أهل اللغة وما ذكر من بيعه ذلك هو معروف المذهب لدورانه بين الضياع والانتفاع بخلاف الدار تنهدم فإنها ترجى للبناء.
(واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب).
وجواز المعاوضة رواه أبو الفرج المالكي فيما نقل عز الدين بن عبد السلام وعزاه غيره لربيعة قال والمشهور المنع وفي نوازل ابن رشد تفصيل يطول فانظره.
стр. 741
(والرهن جائز ولا يتم إلا بالحيازة).
ابن الحاجب (الرهن) إعطاء امرئ وثيقة بحق وتعقبوه بأنه غير مانع لدخول اليمين ليقضينه إلىأجل كذا ودفع الوثيقة المشهودة بالدين ونحو ذلك فانظره وكونه جائزا لا خلاف فيه لقوله تعالى ﴿فرهان مقبوضة﴾ ورهن رسول الله ﷺ درعه في شطر شعير عند يهودي لحديث.
وهذا من العقود الجائز التي تلزم بالعقد ولا يتم إلا بالحيازة فيجبر الراهن على إقباضه المرتهن إن عقد عليه لأن عين ماله فيه عند الفلس فيما أخذه دون غيره من الغرماء برد ما زاد وإلا تباع بما نقص إن ظهر ما يستوفى منه وفهم من هذا أنه لا يكون إلا بما يعرف بعينه وأن يكون معينا فلو عقد على غير معين خير البائع بين إمضاء البيع بلا رهن أو فسخه نعم وشرط المرهون أن يصح منه الاستيفاء عند تعذر أخذه الغريم وشرط المرهون به أن يكون دينا في الذمة لازما أو صائر إلى اللزوم يمكن استيفاؤه من
стр. 742
الرهن وشرط ابن القاسم التصريح بأنه رهن وإلا فلا يصح عنده خلافا لأشهب وهو قول (ع) في كون الدلالة مطابقة أو تكفي دلالة الالتزام قولان لابن القاسم وأشهب والله أعلم.
(ولا تنفع الشهادة في حيازته إلا بمعاينت البينة).
عبد الوهاب لأن البينة إذا شهدت بحيازته ثبت كونه رهنا وتعلق حق المرتهن به وانفرد به وإذا لم يكن إلا بإقرار المرتهن لا يقبل لأنه إسقاط لحق غيرهما ابن الفاكهاني ولا بد من معيانة البينة خوف قيام الغرماء على الرهن بادعائهم سبق حقهم على إعطائه للمرتهن وأنه لم يعطه إلا بعد قيامهم عليه فيحتاج لليمين على نفي دعواهم والمشهور اشتراط التحويز أي إذن الراهن في الحوز وتمكين منه بالإشهاد على معاينة قبضه ودوام القبض شرط فلو رده إليه ولو بالعارية وصادق قيام الغرماء وهو تحت يد الراهن فلا حق له فيه كما إذا فوته بعتق أو تحبيس وشبهه ولو عاد إلى الراهن بغير اختيار المرتهن كهروب الدابة والعبد فهو على حقه والمطالبة به والله أعلم.
(وضمان الرهن من المرتهن فيما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه).
стр. 743
(ما يغاب عليه) كالعروض والثياب وما لا يغاب عليه كالرقيق والحيوان فإذ ادعى المرتهن ضياع ما يغاب عليه أو هلاكه لم يقبل قوله إلا ببينة تشهد- بهلاكه من غير تفريط منه ولا سبب يملكه فلا يضمنه على المشهور وقاله ابن القاسم وقال أشهب يضمنه على كل حال بناء على أن ضمانه للتهمة أو بالأصالة ولو شرط الضمان فيما لا يغاب عليه أو نفيه فيما يغاب لعيه فقولان وأصل المذهب وجوب الوفاء بالشروط في هذا الفصل لأن الضمان المختلف فيه يجوز نقله كما تقدم في بيع الغائب فانظره وإنما يضمن ما يغاب عليه فقط لأنه أخذ بالذمة والأمانة معا كالعراية وما في معناها ولو أخذ بالأمانة كالوديعة فلا ضمان عليه ويضمن في عكسه مطلقا وهو ما إذا أخذ بالذمة فقط كالبيع وإن كان فاسدا فاعرف ذلك.
(وثمرة النخل الرهن للراهن وكذلك غلة الدور والولد رهن مع الأمة تلده بعد الرهن ولا يكون مال العبد رهنا معه إلا بشرط).
يعني أن التوابع لا تعطي حكم الأصول في الرهن فالثمرة للراهن ولا تكون رهنا
стр. 744
مع الأصل على المشهور من قولي مالك وقال ابن القاسم عسل النحل الرهن للراهن الشيخ يريد ولا يكون رهنا معها وإلا جنة داخلة في الرهن لقوله ﵊ " كل ذات رحم فولدها بمنزلتها".
خلافا للشافعي واتفقوا على أن النماء المتصل داخل كالسمن ابن الجلاب وكذلك فراخ النخل والشجر والمشهور عدم دخول مال العبد إلا بشرط وقال ابن رشد يدخل فيه عند مالك في القول الشاذ والله أعلم.
فرع:
شرط المرتهن الانتفاع بالرهن جائز في البيع لا في القرض لأنه سلف جر نفعا ولا يتطوع به بعد عقدا لبيع لأنه هدية المديان ولو شرط أن يكريه ويأخذ كراءه في حقه ففي المدونة إن ان دينه من قرض جاز وكذا إن كان من بيع إلا أنه بعد عقدته ولا يجوز في عقدة البيع إذ لا يدري ما يقتضي أيقل أم يكثر فانظر ذلك.
(وما هلك بيد أمين فهو من الراهن).
يعني أنهما لو وضعا الرهن بيد أمين فهلك فإن ضمانه من الراهن لأنه ملكه وقد دفعه بالأمانة المحضة فلا ضمان على الأمين ولا المرتهن وقد قال رسول الله ﷺ " لا يغلق الرهن من راهنه" الحديث فاشتراط غلقه بمبطل والغلق منعه من بيعه عند الأجل والاصل اختصاص الرهن بالمرتهن من بين الغرماء ولا يتسقل بالبيع بعد الأجل إلا بإذن.
وفي سماع أصبغ من كتاب السلطان من ادعى أن رجلا رهنة قدحا في كساء أن السلطان يأمره ببيع القدح في الكساء على زعمه أنه رهن وقال ابن رشد لا يأمره حتى يثبت ارتهانه عنده وبه العمل ولو اشترط المرتهن بيعه عند الأجل إن لم يوفه فإن كان في عقد المعاملة فروى ابن القاسم لا يبيع إلا بأمر السلطان واختلف فيه قول ابن القاسم فروى عنه أصبغ مثل قول مالك وروى غيره كراهية البيع وجوازه إن وقع وبهذا القول القضاء ولم يفرق بين عظيم وحقير في هذه الرواية وفي أقوال أخر وأما إن كان الشرط
стр. 745
بعد العقد فأجازه اللخمي لأنه معروف ورده بعض الموثقين بأنه هدية مديان ولو أراد عزله بعد ما جعل له فقال إسماعيل له ذلك وقال القاضيان لا يعزله اللخمي وهو أقيس وفروع الباب كثيرة وفيما ذكر كفاية وبالله التوفيق بمنه وكرمه.
(والعارية مؤداة يضمن ما يغاب عليه ولا يضمن ما لا يغاب عليه من عبد أو دابة إلا أن يتعدى).
(العارية) قال الجوهري بالتشديد كأنها منسوبة إلى العار وقيل من التعاور الذي هو التداول (ع) وهي مصدرا تمليك منفعة مؤقتة ملكت بغير عوض فيدخل العمري والإخدام لا الحبس قال وهي اسم مال ذو منفعة مؤقتة ملكت بغير عوض م تمليك منفعة عين بلا عوض وحكمها من حيث ذاتها الندب لأنها إحسان والله يحب المحسنين ويعرض وجوبها وحرمتها وكراهتها ومعنى قوله (مؤداة) مأمور بإرجاعها لأهلها لما دخلها من معنى الأمانة غير أنه يضمن ما يغاب عليه ضمان تهمة على المشهور ولا يضمن ما لا يغاب عليه كما لو هلك ببينة مما يغاب عليه على المشهور خلافا لأشهب والمذهب إن كان أخذ لمنفعة نفسه ضمن ومن أخذ لمنفعة رب الشيء لم يضمن ومن أخذ لمنفعته ومنفعة ربه ضمن ما يغاب عليه ولم يضمن ما لايغاب عليه وذهب الشافعي إلى أن العارية مضمونة ضمان أصالة مطلقا والحنفي إلى نقيضه وقوله (إلا أن يتعدى) يعني المستعير بالخروج عن الشرط أو ما تنزل منزلته من عادة أو قصد وقد قال ابن القاسم فيمن استعار آلة كالفأس والمنشار ونحوه فأتى به مكسورا وادعى أنه انكسر في الاستعمال أنه يضمن.
وقال ابن وهب وأشهب لا يضمن وقال عيسى وابن حبيب إنما يضمن إذا ادعى ما لا يشبه من الاستعمال ولا يضمن إن ادعى ما يشبه وصوبه (س) بأنه إن فعل ما يجوز له ولم يقم دليل على كذبه أنه لا يضمن اللخمي ومستعير الرحا إذا ردها حفية فلا ضمان عليه قولا واحدا والله أعلم.
(والمودع إن قال: رددت الوديعة إليك صدق إلا أن يكون قبضها بإشهاد وإن قال ذهبت فهو مصدق بكل حال).
(الوديعة) قال ابن الحاجب: استنابة في حفظ المال (م) الوديعة توكيل على
стр. 746
حفظ مال دون عوض وهي أمانة غير لا زمة لهما إلا لمعارض (ع) الوديعة بمعنى الإيداع نقل مجرد حفظ ملك منتقل فيدخل إيداع الوثائق ويخرج حفظ الإماء والولاية لأنها لا زيد م الحفظ وحفظ الربع ومعنى لفظها متملك نقل لمجرد حفظه فتنتقل وتصديقه في ادعاء الرد.
قال عبد الحق يمينه كان متهما أم لا وظاهر ما هنا يصدق بغير يمين وثالثها يحلفها المتهم ومراده في قبضا الإشهاد إذا كان الإشهاد للتوثيق فلا يرد إلا به لأنه لم يؤمنه إذا شهد عليه اللخمي ولو وكان الإشهاد لا للتوثيق كأن يقول أشهد عليها إنها وديعة لئلا يقال إنها سلف فهو كمن قبض بغير إشهاد وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه من أهل بلده يعني صقلية أنه يحلف في دعوى الرد متهما وغير متهم ولا يحلف في دعوى الضياع إلا متهما لظن صدقة في دعوى الضياع بخلاف دعوى الرد فإنه متيقن الكذب عند صاحبه فأصل الأمانة ثابت في دعوى الضياع بخلاف الرد والفرق وهو ثالث الأقوال والله أعلم.
(والعارية لا يصدق في هلاكها فيما يغاب عليه).
يعني بل يضمنه إلا ببينة تشهد بهلاكه وقد تقدم وجهه وقاعدة المذهب إن من قبض بالأمانة وهو المودع لا يضمن بحال ومن قبض بالذمة يضمن في كل حال ومن قبض فيهما يضمن ما يغاب عليه لا غيره ويقال من قبض لنفع غيره لم يضمن ولنفع نفسه يضمن وما دخله نفع المالك مع نفعه ضمن ما يغاب عليه فقط وقد تقدمت هذه القاعدة في البيوع الفاسدة وتكرر معناها فتأمله ولو ادع رد العارية وأنكره ربها لم يقبل قوله على المنصوص.
وخرج اللخمي خلافه فيمن قبض بغير بينة من قول عبد الملك في الصانع يدعي الرد أنه يقبل والله أعلم.
(ومن تعدى على وديعة ضمنها وإن كانت دنانير فردها في صرتها ثم هلكت فقد اختلف في تضمينه).
أما الضمان بالتعدي فلا إشكال فيه ابن الفاكهاني يكون بسبعة أشيا أولها الإيداع لغير عذر الثاني نقل الوديعة إلى غير محلها. الثالث: خلطها بما لا تتميز عنه
стр. 747
كالقمح والشعير بمثله. الرابع: الانتفاع بها كلبس الثوب وركوب الدابة ثم تهلك في أثناء ذلك. الخامس: المخالفة في حفظها إلى ما هو إغراء ونحوه كأن يقول في صندوق له لا تقفله فيقفله ولو قال اقفله بواحد فقفله باثنين لم يكن متعديا إلا أن يعرف أن ذلك إغراء ولو أمره بجعلها في آنية خزف فجعلها في آنية نحاس فهو إغراء بخلاف العكس. السادس: إتلافها بأن يجعلها في مضيعة من الأرض أو يدل عليها سارقا أو ظالما ونحوه. السابع: النسيان فلو نسيها في مكان قبضها فيه فقال ابن عبد الحكم لا يضمن قال وهذا أصل مختلف فيه وقال ابن حبيب يضمن كما لو ظن أنها له فجعلها في كمة فضاعت من كمه والله أعلم.
وقوله: (فردها في صرتها فقد اختلف في تضمينه) يعني على أربعة أقوال مشهورها عدم تضمينه وأنه يبرأ بردها وقاله مالك وابن القاسم وأشهب وابن عبدالحكم وأصبغ وعليه فهل يصدق في الرد بيمين أو بغير يمين والأول ولأشهب ونحوه في الموازية ابن شعبان ومن أودع وديعة قويل له إن شئت تسلفها فتسلفها لم يردها إلا إلى ربها اللخمي ولا يختلف في هذا لأن السلف من ربها (ع) ووجهه الباجي بهذا وقال عندي أنه يبرأ بردها والله أعلم.
(ومن اتجر مكروه والربح له إن كانت عينا وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير بين أخذ الثمن أو القيمة يوم التعدي).
إنما يكون التجر بالوديعة مكروها إذا جهل طيب نفس صاحبها بذلك والآخذ لها ملئ بما تؤدي منه وقيل يحرم لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذن وإنما كان الربح له لأنه بنفس التعدي صارت في ذمته وقيد في العتبية جواز التصرف فيها بما إذا أشهد عليه (س) وهذا التقييد لا بد منه وقال عبد الملك إن كانت مربوطة مختومة لم يجز التصرف فيها وإن علم طيب نفس صابحها والمتصرف ملئ جاز بلا كراهة وإن كان معدما مما تؤدي به منع أخذها.
وقد قال ﵇: " من أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله" وما ذكر من تخيير رب العرض في ثمنه أو قيمته لأنه في الثمن كتقدير بيع الفضولي وفي القيمة ضامن بالتعدي ثم إنه لا يجوز له القدوم على أخذ ذوات القيم لاختلاف الأغراض فيها
стр. 748
واختلف في ذوات الأمثال فقيل العين كالعرض اللخمي المكيل والموزون وإن كثر اختلافه لم يجز تسلفه وكذا ما لا يقضي فيه بالقيمة وفي إلحاق القمح والشعير وشبهه بالعين أو بالعرض قولان.
(ومن وجد لقطة فليعرفها سنة بموضع يرجو التعريف بها).
стр. 749
(اللقطة) بسكون القاف هي القياس والأكثر بضم اللام وفتح القاف على غير قياس (ع) اللقطة مال وجد بغير حرز محترما ليس حيوانا ناطقا ولا بكما فيخرج الركاز وما بأرض الحرب ويدخل الدجاج وحمام الدور ونحو ذلك لا السمكة تقع في سفينة فهي لمن وقعت إليه حكاه ابن عات عن الشعباني.
(م) اللقط مال معصوم عرض للضيعة وإن في عام وإن فرسا أو حمار أو كلبا أذن في اتخاذه وحرم أخذه لمن علم خيانة نفسه ووجب لخوف خائن وكره في غير ذلك وقيل يستحب فيما له بال وقيل مطلقا ووجب تعريفه ولو في كدار لا لإتلافها يعني كالثمرة ونحوها لقوله ﵊ في تمرة وجدها بالطريق: " لولا أني أخشى أن تكون صدقة لأكلتها" وتعريفها سنة مخصوص بما له بال وإلا فبحبسه على خلاف ذلك ثم السنة من حين الأخذ في كل يوم ثلاث مرات بنفسه أو ثقة واختلف عن مالك في تسمية جنسها في التعريف اللخمي وتركه أحسن وروى الباجي من طريق ابن نافع لا يريها أحدا ولا يقول من يعرف دنانير أو دراهم أو حليا أو عرضا وغير ذلك وتعريفها بأبواب المساجد لا فيها برفع الصوت.
وروى القرينان لا باس أن يطوف على الخلق في المسجد ويخبرهم بها فأما رفع الصوت فيه فأكرهه حتى بالعلم وإن بين بلدين أو قريتين عرفها بكل منهما فانظر ذلك فإن فروعه كثيرة.
(فإن تمت سنة ولم يأت لها أحد فإن شاء حبسها وإن شاء تصدق بها وضمنها لربها إن جاء فإن انتفع بها ضمنها وإن هلكت قبل السنة أو بعدها بغير تحريك لم يضمنها).
التحديد بالسنة جاء بنص الحديث وهو خاص بغير مكة ابن رشد لقطة مكة لا يحل استنفاقها بوجه إجماعا وعليه أن يعرفها أبدا الباجي لقوله ﵊ " لا
стр. 750
تحل ساقطتها إلا لمنشد" ابن زرقون ولابن القصار لقطة مكة كغيرها (ع) تصرفه فيها بالصدقة حيث يباح له جائز اتفاقا إن كان على خيار ربها قالوا وتملكها ما لم يأخذها على عدم وجه الغرم لربها غير جائز اتفاقا ثم هو فيها أمين لا يضره هلاكها ما لم يأخذها بنية التصرف فيها لنفسه وفي الباب فروع يطول هلاكها ما لم يأخذها بنية التصرف فيها لنفسه وفي الباب فروع يطول ذكرها فانظرها.
(وإذا عرف طالبا العفاص والوكاء أخذها).
(العفاص) عبارة عما هي مصرورة فيه و (الوكاء) ما هي مصرورة به وإن لم يعرف واحدا منهما لم يأخذ شيئا ولو عرف أحدهما فكذلك على المشهور وظاهر ما هنا إن مجرد معرفة العفاص والوكاء كاف وهو قول ابن القاسم وقال أشهب لا بد من يمينه وقيل لا بد من معرفة العدد وقال ابن عبد الحكم إن كان لها عشرة أوصاف فأخطأ واحدا لم يأخذها والمشهور الأول وهو نص الحديث والله أعلم.
(ولا يأخذ الرجل ضالة الإبل من الصحراء وله أخذ الشاة وأكلها إن كانت فيفاء لا عمارة فيها).
стр. 751
هذا كله لما ورد في المتفق عليه من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ أن النبي ﷺ سئل عن اللقطة فقال: " اعرف عفاصها ووكاءها وعرفها سنة فإن جاء ربها وإلا فاستنفق بها وإنما هو مال الله يؤتيه من يشاء".
قال: " فضالة الغنم قال هي لك أو لأخيك أو للذئب" قال: فضالة الإبل؟ قال: " ما لك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وترعى الشجر حتى يلقاها ربها" الحديث قال الطحاوي ولم يقل أحد من العلماء أنه لا غرم عليه في شاة أكلها لوجودها بفيفاء لا عمارة فيها غير مالك فانظر ذلك.
(ومن استهلك عرضا فعليه قيمته وإن كان مما يكال أو يوزن فليرد مثله).
حاصل ما هنا أن من استهلك مقوما لزمته قيمته أو مثليا لزمه مثله فإن كان المثل متعذرا في الحال فقال أشهب يخير بين الصبر إلى زمن وجوده أو القيمة في الحال وقال ابن القاسم لا يخير ابن عبدوس والخلاف فيه كمن أسلم في الفاكهة فيفرغ إبانها يوبقى منها شيء.
(والغاصب ضامن لما غصب فإن رد ذلك بحاله فلا شيء عليه وإن تغير في يده فربه مخير بين أخذه بنقصه أو تضمينه القيمة).
الجوهري الغصب أخذ الشيء ظلما ابن الحاجب أخذ المال ظلما قهرا عدوانا من غير حرابة (ع) الغصب أخذ مال غير منفعة ظلما قهر لا بخوف قتال فتخرج الغيلة والحرابة والتعدي وقوله وإن تغير في يده يعني تغيرت ذاته ولو تغير سوقه لنقص فليس كذلك على المشهور وقال بن عبدوس روى ابن وهب عن مالك يضمن بحوالة الأسواق وذكر ابن حارث م الغصب أخذ مال قهرا تعديا لا حرابة وسيأتي الكلام بعد إن شاء الله.
(ولو كان النقص بتعديه خير أيضا في أخذه وأخذ ما نقصه وقد اختلف في ذلك).
مثال النقص بتعديه أن يكون عبدا فيقطع له جارحة أو ما في معنى ذلك فيخير.
стр. 752
ربه بين أخذه وما نقصه العيب أو يأخذ القيمة ويسلمه للغاصب هذا قول ابن القاسم وابن كنانة ومطرف وعبد الملك وقال أشهب ليس لربه إلا أخذه على حاله بغير عوض للقطع أو يغرم الغاصب قيمة العبد يوم الغصب وقاله ابن المواز وسحنون فانظره.
(ولا غلة للغاصب ويرد ما أكل من غلة أو انتفع وعليه الحد وإن وطئ وولده رقيق لرب الأمة).
يعني لقول النبي ﷺ : " ليس لعرق ظالم حق" وظاهر ما هنا وجوب رد الغلة بالإطلاق سواء كان المغصوب ربعا أو رقيقا أو حيوانا أو غير ذلك وسواء استغلها أو استعملها وهو الذي رواه أشهب وابن زياد وذهب إليه الشافعي وهو التحقيق عند المتأخرين وفي المسألة أقوال فانظرها وإنما يحد ويرق ولده في الأمة إذا أولدها وهي المغصوبة لأنه لا شبهة له في تصرفه والله أعلم.
(ولا يطيب لغاصب المال ربحه حتى يرد الأصل على ربه ولو تصدق بالربح كان أحب إلى بعض أصحاب مالك).
ظاهر كلام الشيخ أنه إذا رد الغاصب الأصل حلت له الغلة والربح سواء كانت طابت نفس صاحبه أم لا وفي المسألة اختلاف يأتي منه إن شاء الله وهو الذي أشار إليه الشيخ بقوله:
(وفي باب الأقضية شيء من هذا المعنى).
يعني أنه سيذكر في باب الأقضية شيئا من أحكام الغصب وظاهر ما هنا أن باب الأقضية كتب قبل هذا الباب وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 753
باب في أحكام الدماء والحدود
يعني ذكر ما يجب في الدماء قتلا وقضاء وغير ذاك من الأحكام وما يوجب ذلك وما يمنعه.
والحد لغة المنع، وشرعا: ما رسم لمنع أمور معلومة بوجه خاص.
(ولا تقتل نفس بنفس إلا ببنية عادلة أو اعتراف أو بالقسامة إذا وجبت).
قد حرم الله في كل ملة قتل النفس بغير حق وأوجب النفس بالنفس فيقتل القاتل عمدا وعدوانا بالمقتول على الوجه الذي قتله ما لم يتضمن معصية يكون قتله بالسيف عند وجوبه فمن قتل بشيء قتل به إلا اللواط والسحر فيعدل إلى السيف ونحوها لتضمن السبب معصية إجماعا واختلف في النار والسم فقيل مثلها وقيل لا.
وطريق ثبوت الدم ثلاثة بينة عادلة تشهد بالقول المستوفى أو اعتراف يشهد به عدلان على عاقل بالغ غير مكره ولا مزلزل الذهن وشرط البينة العادلة على المقاتلة وكذلك الاعتراف أي الشهادة على إخبار القاتل عن نفسه أنه قتل والقسامة لها شروط لا تجب بها فلذلك قال إذا وجبت وشروط وجوبها سبعة: بلوغ المدعي عليه الدم، وعقله بل تكليفه وكون المقتول عمدا عدوانا وكونه غير ثابت ببينة ولا اعتراف وثبوت اللوث على ما يذكر بعد إن شاء الله وكون الدعوى بين المسلمين يصح قتل أحدهما بالآخر ومن مسلم حر على ذمي ونحوه واتحاد المطلوب بالدم وتعدد الحالفين وكونهم عصبة واثنين فصاعدا.
وسمع ابن القاسم إن لم يكن للقتيل عمدا عصبة بطلبت القسامة قال ولا قسامة لأحد إلا بوراثة ونسب ثابت أو ولاء قال ولا يقسم الولاة الأسفلون وفي المدونة من لا عصبة له فلا قسامة يه ولا يقتل فيه إلا ببينة أو اعتراف ولا يصح القتل حيث يتوجه إلا بشروط ستة مكافأة المقتول للقاتل في الدين والحرية أو كون المقتول أعلى وثبوت الدم بما يثبت به من شهادة أو اعتراف أو قسامة على وجها واتفاق الأولياء على القتل وكون القتل على وجه العمد العدوان وكون القاتل بالغا عاقلا لأن عمد الصبي والمجنون كالخطأ وكون القاتل غير أب على خلاف في بعض صوره وكون الدعوى على من تمكن غالبا على خلاف في هذه القسامة والله أعلم.
стр. 754
(يقسم الولاة خمسين يمينا ويستحقون الدم).
قوله الولاة فيه شرط التعدد وكونهم ولاة فلا يقسم غير والة الدم قال في المدونة ويمين القسامة على البت وإن كان أحدهم أعمى أو غائبا عن القتل ومثله في الموازية قال سحنون في المجموعة لأن القتل يحصل به العلم بالخبر والسماع كما يحصل بالمعاينة (ع) القسامة حلف الولاة خمسين يمينا أو جزءها على إثبات الدم وقد تقدمت شروطها ذكرها الشيخ مفصلة فمنها قوله.
(ولا يحلف في العمد أقل من رجلين ولا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد).
أما أنه لا يحلف في العمد أقل من رجلين فنحوه في الموطأ ابن رشد والأصل فيه قوله ﵊: " تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" فجمعهم في الأيمان ولأن الدم لما كان لا يستحق بأقل من شاهدين لم تصح القسامة إلا باثنين والنصاب شرط فإن لم يكن الولي غير واحد فلا قسامة إلا أن يجد من يحلف معه من العصبة أو
стр. 755
العشيرة الذين يجتمعون معهم في أب واحد معروف فيقسم كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينا وإن كانوا أكثر قسمت الأيمان على حسبهم كما سيأتي فإن رضوا حمل أكثر مما عليهم لم يجز وإن رضى بحمل أكثر مما عليه جاز ما لم يجاوز خمسة وعشرين انظر كلام ابن رشد وأما أنه لا يقتل بالقسامة أكثر من رجل واحد فإن انفرد أقسموا عليه وقتلوه وإن تعدد المدعى عليهم.
فقال ابن القاسم في المدونة والمجموعة يختارون واحدا فيقسمون عليه ثم يقتل وقال أشهب إن شاءوا أقسموا على الجميع وقتلوا واحدا أو اختاروا واحد وأقسموا عليه وقال سحنون إن كان الضرب واحدا حلفوا على الجميع ثم قتلوا واحدا وإن افترقوا في الضرب لم يحلفوا إلا على واحد.
(وإنما تجب القسامة بقول الميت دمي عند فلان أو بشاهد على القتل أو بشاهدين على الجرح ثم يعيش ويأكل ويشرب).
اللوث شرط في ثبوت القسامة ويقال له اللطخ أيضا ومعناه القرينة المقوية للتهمة ويشترط في العمد على قوله: (دمي عند فلان) كونه بالغا عاقلا مسلما وسواء كان المدعى عليه مسلما أو كافر عبدا أو حرا ذكرا أو أنثى صغيرا أو كبيرا والخطأ في ذلك كالعمد ابن حارث والشاهد العدل بالقتل لوث اتفاقا وظاهر كلام الشيخ أن قوله دمي عند فلان كاف في اللوث وإن لم يكن جرحا ولا غيره وهي التدمية البيضان وقال بها أصبغ وعيسى بن دينار وهو دليل سماع يحيى وقال ابن كنانة التدمية البيضاء لغو واختاره اللخمي وابن رشد وبه العمل ولطخ الصبي غير المراهق لغو اتفاق.
وكذلك المراهق على المشهور والعبد كذلك لأنه مدع لغيره ولا قسامة فيه والكافر كذلك ولو شهد بالقتل غير عدل لم يكن لوثا عند ابن القاسم وسمع أشهب أنه لوث وتأوله ابن رشد بمجهول الحال الذي لا تتوهم فيه جرحه ولا عدالة فأما المتهم بالجرحة فليس بلوث عنده.
وروى مطرف اللوث اللطخ البين من النساء والسواد والصبيان قال مطرف وقتل بذلك عندنا بالمدينة مالك ومثل الرجلين النفر يشهدون على ذلك وهم عدول وليست رواية مطرف هذه بخلاف رواية أشهب وروى ابن وهب اللوث الشهادة غير
стр. 756
القائمة من شهادة النساء وشبهها قال ومثل أن يرى المتهم بحذاء المقتول أو مر به فإن لم يكونوا رأوه حين أصابه ونحوه للجلاب قائلا وفي شهادة النساء قولان أبو عمر القول بأن الواحد وإن لم يكن عدلا لوث ضعيف لا عمل عليه ولا يعرض عليه واختلف في الشاهد العدل يشهد على إقرار القاتل بأنه قتل عمدا أو خطأ على ثلاثة أقوال لأشهب أنه لوث ولابن القاسم في الموازية عدم إعماله بلا قسامة وهو في آخر سماع سحنون وظاهر المدونة وثالثها الفرق بين العمد والخطأ وهو الأظهر وعليه أصلح سحنون المدونة وقاله (ع) ناقلا عن ابن رشد والله أعلم.
فأما أكله وشربه بعد الشاهدين على الجرح فقال ابن الحارث اتفقوا على أنه إن شهد شاهد أن فلانا ضرب فلانا أو جرحه فغاش المجروح أو المضروب وأكل وشرب ثم مات أو لورثته أن يقسموا أو يستحقوا الدم ما لم ينفذ الجرح مقاتله فلا قسامة هو كالمقتول قطعا وإن لم تنفذ مقاتله وشهد به شاهد فقط فلابن القاسم في كتاب الديات ثبوت القسامة. وقال في العتبية لا قسامة فيه وقال سحنون هذا أصل تنازعته الروايات فانظر ذلك ولو قيل للمجروح من ضربك فقال لا أعرف ولا أدري من ضربني ثم قال دمي عند فلان فالتدمية باطلة والله أعلم.
(وإن نكل مدعو الدم حلف المدعى عليهم خمسين يمينا فإن لم يجد من يحلف معه من ولاته غير المدعى عليه وحده حلف الخمسين يمينا).
قال في المدونة وإن نكل ولاة الدم عن الأيمان ردت على المدعى عليه فإن حلف خمسين يمينا برئ فإن نكل حبس حتى يحلف اللخمي وقال أشهب إذا نكل كانت عليه الدية وأراد يخير أولياء الدم في حبسه أبدا حتى يحلف أو الدية.
وفي المقدمات إذا نكل ولاة الدم والقسامة بقول الميت دمي عند فلان أو بشاهد على القتل فثلاثة رواية سحنون ومحمد عن ابن القاسم ترد على المدعى عليه فيحلف خمسين يمينا أو يحلفها عنه رجلان من أوليائه ولا يحلف معهم ولابن القاسم في العتبية ترد الأيمان على القتال وأوليائه فيحلف معهم فإن لم يجد من أوليائه من يحلف معهم حلفها وحده وهذا الذي هنا وثالثها إنما يحلف وحده وقال مطرف في الواضحة ابن رشد ولو ثبتت القسامة بشاهدين على الجرح ففي رد الأيمان على القاتل وأوليائه قولان
стр. 757
فانظر ذلك.
(ولو ادعى القتل على جماعة حلف كل واحد خمسين يمينا).
يعني أن الأيمان إذا ردت على المدعى عليه والقتل متعدد فلا بد لكل واحد من الخمسين في نفي ما ادعى عليه فإن امتنعوا أو أحدهم فالممتنع مطالب بما طولب به الجميع من الدم لاستوائهم في حكم الطلب به والله أعلم.
(ويحلف من الولاة في طلب الدم خمسون رجلا خمسين يمينا وإن كانوا أقل من ذلك قسمت عليهم الإيمان).
يعني: أن (الولاة) إذا كان ولاة الدم أكثر من خمسين لم يحلف منهم إلا خمسون هذا هو المشهور المعلوم وحكى ابن رشد أنه رأى لعبد الملك لابد من حلف كل واحد منهم يمينا قال وروايته في كتاب مجهول ابن رشد وإن كان أولياء الدم أكثر من اثنين إلى خمسين رجلا وهم في القعد سواء وتشاحوا في حملها قسمت على عددهم فإن وقع فيها كسر ككونهم عشرين فتبقى من الأيمان عشرة يقال لهم لا سبيل إلى الدم حتى تأتوا بعشرة منكم يحلفون ما بقى فإن أبوا بطل الدم كنكولهم فإن طاع اثنان بحمل الخمسين جاز عند ابن القاسم.
وقال أشهب والمغيرة وعبد الملك لا بد أن يحلفوا كلهم وإن لم يحلف واحد منهم فنكولهم ولو كانوا اثنين خاص حلف كل واحد منهما خمسة وعشرين يمينا فإن طاع واحد منهم بأكثر من نصيبه حتى يحلف مثل صاحبه والله أعلم.
(ولا تحلف المرأة في العمد).
يعني: لأن استحاق الدم بالقسامة شرطه الذكورية ما ذكر هو معروف المذهب وحكى ابن الفاكهاني قولا بأنها تحلف قال القلشاني ولم أقف عليه وأصل المذهب أن لا مدخل للنساء في القسامة في العمد وإن كان لهمن القيام بالدم والعفو فيه على تفصيل يذكر بعد إن شاء الله فانظر ذلك.
(ويحلف الورثة في الخطأ على قدر ما يرثون من الدية من رجل أو امرأة وإن انكسرت عليهم يمين حلفها أكثرهم نصيبا منها).
يعني أن أيمان القسامة في الخطأ تفارق العمد في دخول النساء فيها وعدم تقيدها
стр. 758
بالعصبة وأن من له نصيب من الإرث يحلف على قدر نصيبه فتوزع الأيمان على الأنصباء وقوله (حلفها أكثرهم نصيبا منها) يعني من اليمين الباقية لا من جلة الأيمان وصورة ما ذكر من انكسار اليمين أن يكون الورثة أخا شقيق وأختا شقيقة أو لأب فيكون عليه الثلثان وهي أينان وثلاثنون من ثمانية وأربعين وعليها ستة عشر فتبقى يمينان عليه منها يمين وثلث لأن له في كل يمين ثلثين فاستوفى إحدى اليمينين ودخل في الأخرى بثلث فبقى للأخت منها ثلثان فهي أكثرهم نصبا من هذه اليمين وإن كانت أقل نصيبا من الأيمان فيحلف ثلاثة وثلاثين وتحلف سبعة عشر يمينا وهذا مذهب المدونة وهو مبني على إلغاء التبع وإعطاء التابع حكم المتبوع وحكى ابن رشد قولا بأنه يحلفها أكثرهم نصيبا من الأيمان وعزاه بعضهم للموطأ من رواية يحيى لا من رواية ابن القاسم وابن بكير وغيرهم. وثالثها تلزم كل من عليه كسر وهو قول الشافعي والأظهر في النظر والله أعلم.
ولو انكسرت اليمين بأجزاء متساوية مثل أن يكون أخوة ثلاثة فلابن القاسم يحلف كل واحد سبعة عشرة يمينا وقال أشهب يحلف كل ستة عشرة ثم يعينون اثنين منهم يحلفون الاثنين الباقية فإن تشاحوا فقال ابن رشد رأيت لابن كنانة لا يجبرون على اليمين ولكن لا يعطون شيئا حتى يحلفوا الباقية قال ويشبه أن يقول أشهب هذه أو يقرع بينهم فيهما وقال بعض أهل النظر والله أعلم.
(وإذا حضر بعض ورثة دية الخطأ لم يكن له بد أن يحلف جميع الأيمان ثم يحلف من يأتي بعده بقدر نصيبه من الميراث).
стр. 759
يعني: أن الأول لا يستحق شيئا إلا بعد الثبوت وهو مشروط بتمام الخمسين ومن بعده إنما يحلف على استحاقه فيحلف بقدر نصيبه (ع) لا يستحق الدية إلا أن يحلف خمسين يمينا فلو تعذر بعض الورثة لصغر أو غيبة لم يستحق من حضر إلا أن يحلف الخميسن ومن بعده بقدر حظه فيها وإن لم يدع الميت إلا ابنه بغير عصبة حلفت خمسين يمينا واستحقت نصيب الدية وإن حلفت مع العصبة من حلفت خمسة وعشرين يمينا والعصبة مثلها وإن كانت بنتا وابنا غائبا فلم تأخذ البنت ثلث الدية حتى تحلف الخمسين يمينا كلها فإذا قدم الابن الغائب حلف ثلثي الأيمان وأخذ ثلثي الدية والله أعلم.
(ويحلفون في القسامة قياما يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس أهل أعمالها للقسامة ولا يجلب في غيرها إلا من الأميال اليسيرة).
تغلظ اليمين في القسامة بالزمان والمكان والكيفية
стр. 760
والزمان: كونه بعد العصر ويوم الجمعة
والمكان: بأن يكون في الأماكن المعظمة.
والهيئة: أن يحلف قائما.
ابن الفاكهاني إنما يحلف قائما لكونها أردع للحالف وأهول في حقه لعله يرجع للحق إن كان مبلطا فإن لم يحلفوا قياما فهل يكون كالنكول أو لا قولان وذكر مكي في تكرته أنهم يحلفون قعودا عن عبد الملك المذهب خلافه وأمال الجلب فقال اللخمي لا يجلب في الأيمان إلى غير موضعع إلا في القسامة فقال مالك يجلب إلى مكة والمدينة وبيت المقدس وغيرهم يستحقون في موضعهم إلا أن يكون قريبا من مصر كعشرة أميال ونحوها وقال أبو مصعب يجلب إلى الأمصار من كل محل ثلاثة أميال.
(ولا قسامة في حرج ولا في عبد ولا بين أهل الكتاب لا في قتيل بين الصنفين أو وجد في محلة قوم)
стр. 761
يعني: أنه لما كان الجراح يتسع فيها النظر ويتوجه الاحتمال لم تصح فيها القسامة بخلاف القتل فإنه متحد لا يقع الجزم به إلا بعد التحقق وأيضا فالقسامة رخصة وضعت لحفظ الدماء لعظمتها والجراح أخف أمرا منها لم يتعد بها محلها وأما العبد فلا قسامة فيه لأنه مال وحرمته دون حرمة الحر فلا يستباح له ما يستباح للحر والله أعلم.
وأما أهل الكتاب فإذا تحاكموا إلينا لا نحكم بينهم بالقسامة ولا بيننا وبينهم قسامة في قتيلهم بخلاف ما إذا قتلوا منا قتيلا فإن القسامة متوجهة وأما القتيل بين الصفين فحكى الجلاب فيه روايتين إحداهما أنه لا قود فيه وديته على الفئة التي نازعت إن كانت من الفئة الأخرى وإن من غيرها فديته عليهما معا.
والرواية الأخرى إن وجد بينهما معا فهو لوث يوجب القسامة لولاته فيقسمون على من الدعوى عليه ويقتلونه ابن رشد قيل في قوله لا قسامة فيمن قتل بين الصفين أنه لا قسامة فيه بحل لا بقول المقتول ولا بشاهد على القتل وقيل معناه لا قسامة بينهم بدعوى أولياء القتل على الطائفة التي ناعزعت طائفته ولو ادعى القتيل على واحد أو شهد عليه بالقتل واحد وجبت القسامة قال والقولان لابن القاسم.
وأمال الموجود في محله قوم فقال في المدونة إن وجد قتيل في قرية أو في دار لقوم
стр. 762
ولا يدري من قتله لم يؤخذ به أحد وتبطل ديته فلا تكون في بيت المال ولا غيره ابن يونس يريد إن لم يوحد معه أحد ولو وجد في ذلك معه رجل وعليه أثر القتل قتل به مع القسامة ابن رشد في المقدمات لو وقعت مثل قضية حويصة ومحيصة في زماننا لوجب الحكم به ولا يصح أن يعدل إلى غيره قلت: وقضية حويصة ومحصية في الصحيحين أن عبد الله بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير فأتي يهودي فقال: أنتم والله قتلتموه قالوا والله ما قتلناه فقدم على قومه فأخبرهم بذلك ثم أقبل هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن بن سهل فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر.
فقال رسول الله ﷺ لحيصة: " كبر كبر" يريد السن فتكلم حويصة فقال رسول الله: " أما أن يدوا صاحبكم أو يؤذنوا بحرب" فكتب لهم رسول الله ﷺ فكتبوا إنا والله ما قتلناه فقال رسول الله ﷺ لحويصلة ومحيصة وعبد الرحمن" تحلفون وتستحقون دم صاحبكم" قالوا لا قال: " فتحلف لكم يهود" قالوا لسوا بمسلمين فوداه رسول الله ﷺ من عنده فبعث إليهم النبي ﷺ مائة ناقة حمراء وفي بعض طرقه فقال رسول الله ﷺ " يقسم خمسون منكم" الحديث.
وهذا أصل باب العمل بالقسامة وفي الباب تفصيل واختلاف يطول ذكره فلينظره من له به حاجة وبالله التوفيق.
(وقتل الغيلة لا عفو فيه)
قال أهل اللغة قتل الغيلة أن يخدعه بالقول حتى يأمن فيمشي به إلى موضع فيقتله يريد لأخذ ماله لا لثائرة بينهما وإلا فليس بغيلة وفي النوادر عن الموازية قتل الغيلة من الحرابة أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخل موضعا فيقتله ويأخذ ما معه اللخمي من أخذ مال رجل بالقهر ثم قتله خوفا من أن يطلبه بما أخذ لم يكن محاربا وإنما هو مغتال (ع) هذا إذا فعل ذلك خفية وإلا فليس بغيله عبد الوهاب وإنما لم يجز العفو في قتل الغيلة لأنه حق لله وكل حق تعلق به حق الله فلا عفو فيه كالزكاة وغيرها.
стр. 763
قلت وعلى هذا فهو مقتول حدا لا قودا والله أعلم.
(وللرجل العفو عن دمه العمد إن لم يكن قتل غيلة وعفوه عنا الخطأ في ثلثه).
يعني: أن للمقتول قبل قتله إن انفذت مقاتله العفو عن قاتله عمدا لأن القاتل حق الله فإذا تكره صح تركه بخلاف قتل الخطأ عفوه لا يصح إلا إذا كانت ديته ثلث ماله لأنه قد تهيأ للمورثهة ما سواه وإلا كان له ما يحمله الثلث لا غيره قال في صلح المدونة وللمقتول العفو عن دم العمد وجراحاته وإن لم يدع مالا وإن كان عليه يغترقه لا مقال لغرمائه.
وفي الجواهر لولي المفلس العفو عن القود إذ ليس بمال إلا عن الدية بعد تقررها فلو كان الدم لرجلين مفلسين فعفا أحداهما ثم الثاني صح عفو الأول لا الثاني إلا فيما زاد عن ديته وفي ديات المدونة إن قطع يده عمدا فعفا عنه ثم مات فلأوليائه القود بالقسمة في النفس إن كان عفا عن الدية لا النفس واستثناؤه لقتل الغيلة لما تقدم فوقه والحرابة كالغيلة في ذلك لما سيأتي إن شاء الله.
(وإذا عفا أحد البنين فلا قتل ولمن بقي نصيبهم من الدية ولا عفو للبنات مع البنين).
يعني أن عفو أحد البنين مسقط للقود لأن الدم لا يتبعض وإسقاط البعض كإسقاط الكل في عدم القود وينتقل الحكم للدية في حق من بقى على حقه وغير البنين من الولاة كالبنين في ذلك إن كانوا رجالا وهم في القعدد كذلك كالإخوة الأشقياء أو لأب والعمومة وكذا بنوا النبين أعني الأخوة والعمومة عند آبائهم إذا عفا أحدهم سقط القود كأحد البنين وإن كان بعضهم أقرب من بعض فالقول قول الأقرب وإن كانوا نساء ورجالا وهم في العقدد سواء فلا قول للنساء في عفو ولا قتل يفهم هذا من قول الشيخ لا عفو للبنات مع البنين وأما إن كان النساء أقرب فلا بد من اجتماعهم على العفو أو القتل أعني الرجال والنساء وطلب العصبة مقدم على الأم فإن لم يكن للمقتول غير أم وعصبة فلا عفو للعصبة عند ابن القاسم إلا بالموافقة الأم.
وفي الجلاب في أم مع عصبة أو بنت مع عصبة أو أخت مع عصبة ثلاثة أقوال ثالثها القول قول مدعي القصاص وهو معنى ما في المدونة أن لا عفو إلا باجتماعهم
стр. 764
كلهم ابن رشد ولا حق فيه إلا لمن لا إرث له منهن كالعمات وبنات الأخت.
وأفتى ابن رشد فيمن له بنون صغار وعصبة كبار أن الصغار ينتظرون لأنهم أحق بالدم فسئل عن فتواه بخلاف الرواية المأثورة في ذلك فقال خفي عن السائل معنى ذلك وظن أنه لا يسوغ للمفتي العدول عن الرواية وليس كذلك بل لا يسوغ للمفتي تقليد الرواية إلا بعد معرفته بصحتها ولا خلاف فيه بين أهل العلم وحكى الباجي أن مالكا لا يجيز تقليد الرواية إلا بعد معرفة صحة ما رواه وهو قريب من هذا والله أعلم.
(ومن عفي عنه في العمد ضرب مائة وحبس عاما).
يعني كان حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى مسلما أو ذميا (ع) والقاتل يرتفع عنه القصاص أو يمتنع بضرب مائة ويسجن عاما قال في المدونة ومن ثبت عليه أنه قتل إنسانا عمدا ببينة أو بإقرار أو بقسامة فعفي أو سقط قتله لأن الدم لم يتكافأ ضرب مائة وسجن عاما، وروى ابن عبدوس وابن المواز لو تعلقت القسامة بجماعة فقتل أحدهم فالضرب والسجن على الباقين لكل واحد مائة وسجنه وكذا لو نكل أولياء الدم فحلف القاتل وبرئ قاله محمد وعزاه لأصحاب مالك إلا عبد الملك ولو عفا عنه قبل ثبوت الدم كشف عن ذلك وإن كان آيلا إلى الثبوت بقسامة أو بينة ضرب وإلا فلا قال ابن الفاكهاني ومعنى هذا الضرب والسجن عمل الصحابة ﵃ وخرج الدارقطني عن عمرون بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا قتل عبدا متعمدا فجلده النبي ﷺ مائة ونفاه سنة ومحا اسمه من المسلمين وأمره بعتق رقبة وصححه ابن القطان قال بعض المتأخرين يتعين على المالكي حفظ هذا الحديث لتصحيح ابن القطان له لأنه حجة المذهب والله أعلم.
(والدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل المذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم).
стр. 765
الدية بتخفيف المثناة التحتية مال يجب بقتل نفس آدمي حر وعوضا عن دمه كذا قال (ع) انظر بقيته وهي ثابتة في الشرع إجماعا في الخطأ ونحوه بشرط وما ذكر من فتصيله كذلك هو في الحديث (وأهل الإبل) أهل العمود والبادية وفي المدونة أهل الذهب كأهل مصر والشام ابن الجلاب وأهل المغرب ابن حبيب وأهل الأندلس ومكة والمدينة أهل الورق وقال في المجموعة أهل العراق وفي الجلاب وفارس وخراسان وقال أصبغ يعتبر في كل قطر ما يغلب على أهله في عصره وقت وجوبها وفرضها وكون
стр. 766
الدارهم اثني عشر ألفا في مقابلة ألف دينار يقتضي أن صرف كل دينار اثنا عشر درهما وهو كذلك هنا وفي النكاح وفي السرقة وتغليظ اليمين لأن كل واحد منهما بربع دينار أو ثلاثة دراهم بخلاف دينار الزكاة والجزية فإن كل دينار مقابل بعشرة دراهم والله أعلم.
(ودية العمد إذا قبلت خمس وعشرون جذعة وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون بنت لبون وخمس وعشرون بنت مخاض ودية الخطأ مخمسة عشرون من كل ما ذكرناه وعشرون ابن لبون ذكرا وإنما تغلظ الدية في الأب يرمي ابنه بحديدة فيقتله فلا يقتل به وتكون الدية عليه ثلاثين جذعة وثلاثين حقة وأربعين خلفة في بطونها أولادها وقيل ذلك على عاقلته وقيل ذلك في ماله).
يعني أن الديات ثلاثة مربعة ومخمسة ومثلثة.
والمخمسة للخطأ المطلق والمربعة للعمد إذا قبلت فهي لا تجب إلا أن يصطلحوا عليها بحث يقول أولياء الدم عفونا ولم يبينوا شيئا ولو بينوا شيئا لزم ولو قال الجاني ليس لكم إلا قود أو عفو فقالوا لم نرد إلا الدية فقولان لابن القاسم وأشهب فقوله إذا قبلت شرطا في وجوبها مع الجهل وفي كلامه أن الحق لهم فيها لا للجاني والله أعلم.
والأسنان الجارية المذكورة في الديات مفصلة في الزكاة إذ ليس هنا إلا ما هناك غير أن الخلفات في الدية المغلظة- بكسر اللام بعد خاء معجمة مفتوجة- هن الحوامل من أي سن كن الحقاق فما فوقهن ابن رشد وأهل الدية العمد من أهل الذهب والورق كأهل الخطأ لا يزاد عليهم شيء إنما هي ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم.
وأما الدية المغلظة فليس في مذهب مالك إلا صورة واحدة وهي الرجل يرمي ابنه بحديدة واختلف في إطلاق شبه العمد ومشهور المذهب عدم إطلاقه عياض وشبه العمد ما أشكل هل يريد به القتل أم لا فاختلف فيه هل له حكم يخصه من رفع القصاص وتغليظ الدية وهو قول أكثر الفقهاء وسموه شبه العمد ولم ير ذلك مالك إلا في الآباء مع أبنائهم وهو قول أكثر أصحابه وفي المدونة شبه العمد باطل لا أعرفه وإنما هو عمد أو خطأ ولا تغلظ الدية إلا في مثل المدلجي بابنه فإن الأب إذا قتل ابنه بحديدة حذفه بها أو بغيرها بما يقاد فيه فإن الأب يدرأ عنه القود وتغلظ عليه الدية وتكون في ماله قلت وهذا أحد القولين اللذين حكاهما الشيخ وهما لمالك وحكى
стр. 767
اللخمي ثالثا هو إن كان له مال ففيه الدية وإلا فعلى عاقتله والله أعلم.
(ودية المرأة على النصف من دية الرجل وكذلك دية الكتابيين ونسائهم على النصف من ذلك والمجوسي ديته ثمانمائة درهم ونساؤهم على النصف من ذلك ودية جراحهم كذلك).
стр. 768
أما كون دية المرأة مثل نصف دية الرجل فمتفق عليه وكذلك في كتابه ﵊ لعمرو ابن حزم وأما كون الكتابي مثل المرأة فهو المذهب خلافا لأبي حنيفة والشافعي في مساواة المسلم عندهما وألحق به أبو حنيفة المجوسي ووافقنا عليه الشافعي لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في ذلك وأخرجه النسائي عن عقبة بن عامر ﵃ عن النبي ﷺ قال: " دية المجوسي ثمانمائة درهم" قال علماؤنا وذلك ثلثا عشر دية المسلم والله أعلم.
(وفي اليدين الدية وكذلك في الرجلين والعينين وفي كل واحد منهما نصفها وفي الأنف يقطع مارنه الدية وفي السمع الدية وفي العقل الدية وفي الصلب ينكسر الدية وفي الأنثيين الدية وفي الحشفة الدية وفي اللسان الدية وفي ما منع منه الكلام الدية وفي ثدي المرأة الدية وفي عين الأعور الدية.).
ذكر الشيخ في هذه الجملة الأبعاض التي تكمل فيها الدية وهي نوعان منها ما هو منفرد في الإنسان فتكمل فيه الدية وحده ومنها ما هو مزدوج فتكون الدية فيه وفي مثله وهي أحدهما نصف الدية قال في المدونة الأعين الأعور للسنة فإن فيها الدية كاملة وقد ذكر الشيخ اثني عشر موضعا دون عين الأعور وجمعها الغافقي في رجز بوجه حسن فقال:
وكل شيء هو في الإنسان ... منفرد وليس منه اثنان
فدية الإنسان فيه تكمل ... في كل جسم خمسة تحصل
أول ما يذكر منه عقله ... ثم اللسان يعطي ذاك مثله
والأنف والذكر ثم الصلب ... وكلها منصوصة في الكتبة
وما يكون منه اثنان في الجسد ... فجملة الدية فيها تعد
وهي سبع في جميع الأبدان ... جملتها العينان ثم الأذنان
وبعدها فعدد اليدين ... وصلهما في ذاك بالرجلين
والشفتان ثم الأنثيان ... وبعدها في المرأة الثديان
стр. 769
وعلى الأنثى عشر اقتصر في الجواهر وفي المقدمات فيما يجني على الرجل ثمان عشرة دية على خلاف فيه إحدى عشر في راسه العقل والسمع والبصر وإشراف الأذنين عند أشهب والشم على خلاف فيه والأنف والذوق والكلام والشفتان والشوى والأضراس والأسنان يجتمع فيها على قول مالك أكثر من دية والتي في الجسد اليدان والرجلان والصلب والذكر والأنثيان وإذهاب الجماع قال وفي المرأة ثمان عشرة أيضا ليست في الرجل الشفرتان والحلمتان والأليتان.
زاد ابن الفاكهاني في المرأة الإفضاء وهو خلط السبيلن وعزاه لابن القاسم وقال اللخمي تجب الدية إذا أجذمه أو أبرصه أو سقاه سما أو سود جلده أو وجه وقال عبد الملك تجب في هدم عظام الصدر وقال ابن عبدوس فيه حكومة وقال عبد الوهاب الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدا سليما ثم يقوم بالجناية فما نقص من ديته جعل من قيمته بالغا ما بلغ وإنما تتعلق الدية بالمنفعة المقصودة التي هي الزينة والإفادة فيما أعد العضو له فالمعتبر في العينين إذهاب ضوئهما وإن بقيت العين بحالها وفي اليد ذهاب نفعها فشلل اليد كقطعها وقطعها من الكف كقطعها من الأصابع وقطعها من الأصابع كقطعها من الكتف ومنفعتها في أصابعها وفي المدونة إن لم يكن في الكف أصبع ففي قطعها أو بعضها حكومة وإن كانت فالدية على قدر الأصابع الشيخ.
وروى ابن نافع إن دخلها نقص ففيه من ديتها بقدر ما نقص منها أو من جمالها زاد اللخمي اعتبار القود من الأصابع لا من جملة اليد والرجلان في ذلك كاليدين بل كل عضو يعتبر فيه ما ذكر من الذهاب والنقص وتفصيل ذلك يطول فانظره في الأصول وانفردت عين الأعور بكمال الدية من بين المزدوجات لرجوع ضوء الأخرى إليها وعلله المدونة بالسنة وقال به ابن المسيب والحسن والزهري ويحيى بن سعيد وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون والد عبد الملك والليث بن سعد وغيرهم خلافا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أن فيها نصف الدية والله أعلم.
وفي المدونة ليس في ثدي الرجل إلا الاجتهاد فانظر ذلك ثم ذكر الشيخ دية الأبعاض غير المستوفية فقال.
(وفي الموضحة خمس من الإبل وفي السن خمس وفي كل أصبع عشر وفي
стр. 770
الأنملة ثلاثة وثلث وفي أنملة من كل الإبهامين خمس من الإبل وفي المنقلة عشر ونصف عشر).
جراح البدن أما في الرأس فتسمى شجاجا وأما في البدن فتسمى جراحا ليس إلا فكل شجاج جراح وليس كل جراح شجاجا فالشجاج كله على الاجتهاد إلا ثلاثة الموضحة والمنقلة والمأمولة وجراح الجسد كلها كذلك إلا الجائفة فهذه الأربع فيها أمر مقرر من الشارع هو ما ذكر وتفسيرها يأتي الآن إن شاء الله فالخمس في الموضحة نصف عشر الدية فليعتبر به في الذ ... هب والورق في المنقلة خمسة عشر بعيرا وهي عشر الدية ونصف عشرها فيعتبر ذلك في غير الإبل والمأمولة الجائفة في كل واحد ثلث الدية ونسبتها واضحة من كل ما يستعمل في الدية وفي الأسنان هو قضاء معاوية ﵁ ومجموعها يزيد عن الدية لأن الأسنان اثنا عشر سنا، أربع ثنايا، وأربع رباعية، وأربع أنياب، والأضراس عشرون؛ أربع ضواحك وهي التي تلي الأنيابن والاثنا عشر وهي ثلاثة في كل شق أربع نواجذ وهي أقصاها فجميع دياتها على قول مالك مائة وستون بعيرا اللخمي والنواجذ سن الحلم التي تخرج أقصى الحنك بعد الاحتلام الكبر وقال ابن شعبان للرجل الألح اثنان وثلاثون سنا وللكوسج ثمانية وعشرون يريد أنه لا نواجذ له والله أعلم.
وفي المدونة السن والضرس سواء وفيها إن ضربه فاسودت سنة ثم عقلها وإن اصفرت أو احمرت أو اخضرت فإن ذلك كالسواد تم عقلها وإلا فعلى حساب ما نقص وفي المدونة السوداء في الدية كالصحيحة وفي تحريكها تفصيل فانظره وبالله التوفيق.
وأما الأصابع فإن كان هناك أصبع زائدة ففي العتبية إن كانت لها قولة كغيرها ففيها عشر من الإبل ولو قطعت عمدا إذ لا قصاص فيها وإن كانت ضعيفة ففيها حكومة قاله ابنا لقاسم وفي سماع يحيى ولابن سحنون عن أبيه في يديها سادس تنقطع ففيها نصف الدية وحكومة ولم يفرق بين قوية وضعيفة والمشهور أن البارز في الإباهام أنملتان خاصة وعليه مشى الشيخ هنا. ابن المواز: ورجع مالك إلى أنها ثلاثة أنامل في الإبهام، ورواه ابن كنانة قيل: وهذا الخلاف خاص بأنامل اليديل فلا يدخل فيها أنامل الرجلين وما ذكره في المنقلة بكسر القاف المشددة مذكور في كتابه عليه الصلاة
стр. 771
والسلام لعمرو بن حزم ابن رشد ولا خلاف أن ديتها ما ذكر والخطأ والعمد سواء إذ لا قصاص فيها لأنها من التآلف والله أعلم.
(والموضعة ما أوضع العظم والمنقلة ما طار فراشها من العظم ولم يصل إلى الدماغ وما وصل إليه فهي المأمونة ففيها ثلث الدية وكذلك الجائفة وليس فيما دون الموضعة إلا الاجتهاد وكذلك في جراح الجسد).
بين في هذه الجملة أسماء الجراح بمعانيها وما ذكر في الموضحة عند الجوهري نحوه وهي لا تختص بالرأس بل يشاركها الوجه فيها والتي تختص به هي المأمومة كما تختص الجائفة بالجسد لأنها التي نفذت للجوف ثم الجراح المسماة إحدى عشر أولها الحارصة بحاء وصاد مهملتين التي حرصتالجلد فشقته وتسمى الدامية ولأنها تدمي والدامعة بالمهملة لأن ما يخج منها كالدمع وقيل الدامية التي تدمي الرأس ولا تشق الجلد ثم الحارصة ودمها أكثر قيل هي السمحاق لأنها تجعل الجلد كسماحيق السحاب ثم الدامغة ثم الباضعة وهي التي أخذت في اللحم وبضعته وهي المتلاحمة ثم الملطا بكسر الميم وسكون اللام والطاء المهملة وهي التي بينها وبين العظم قليل من اللحم قيل وهي السمحاق ثم الموضحة وهي التي كشفت العظم ثم الهاشمة التي هشمت العظم ثم المنقلة وهي التي يحتاج في إصلاحها لإخراج بعض عظامها.
عياض وإنما تكون الموضحة في الرأس والوجه خاصة ما عدا الأنف واللحي الأسفل لأنه غير متصل بعظم الرأس والله أعلم.
وقوله: (وليس فيما دون الموضحة إلا الاجتهاد) عياض والعقول المفروضة وهي الديات المحدودات في الموضحة فما فوقها من شجاج الرأس المختصة وعن ابن زرقون لابن كنانة في المبسوط في الملطا نصف عشر الموضحة وقضى به عمر وعثمان اللخمي وفي كون الهاشمة عند من عرفها ثلاثة كالموضحة لابن المواز مع حكومة لابن القصار وكالمنقلة للأبهري وحكى ابن رشد فيها عند غير مالك عشر من الإبل والله أعلم.
(ولا يعقل جرح إلا بعد البرء وما برئ على غير شين مما دون الموضحة فلا شيء فيه).
معنى (لا يعقل جرح) أي لا يفرض له ما يلزم فيه في الخطأ حتى يعلم قدر الزيادة
стр. 772
والنقص به ولأنه فد يترامى إلى النفس فتكون في الدية أو القود وظاهر كلام الشيخ ولو لم يبرأ في سنة وقاله في المدونة في العين ينتظر برؤها بعد السنة ولا دية ولا قود إلا بعد البرد وقال أشهب ليس بعد السنة انتظار يعني في الخطأ ويعقل الجرح بحاله بعدها ويطالب بما زاد بعد عيضا وظاهر الرسالة إذا حصل البر قبل السنة عقد الجرح.
وقال ابن مناس السنة شرط فلا يعقل قبلها ولو برئ واختلف في الصلح قبل البرء فانظر ذلك ابن رشد والفقهاء السبعة على وجوب أجرة الطبيب فيما دون الموضحة من جراح الخطأ وأخذه بعضهم من قول مالك مرة بوجوب رفو الثوب (ع) وهو أحرى لأن الدماء أكبر من الأموال وقوله وما برئ على غير شين ظاهرة لا شيء فيه مطلقا إلا في الموضحة وفي الموضحة إذا برئت على شين ثلاثة مشهورها قول مالك وابن القاسم أنه يزاد على ديتها بقدر الشين.
وروى أشهب لا يزاد وروى ابن وهب وابن نافع إن كان أمرا منكرا زيد له وإلا فلا.
(وفي الجراح القصاص في العمد إلا في المتآلف مثل المأمومة والجائفة والمنقلة والفخذ والأنثيين والصلب ونحوه ففي كل ذلك الدية).
قال الله تعالى: ﴿والجروح قصاص﴾ أي مساواة يؤاخذ بمثل ما جنى به إن أمكنته المماثلة ابن زرقون وربيعة يرى القصاص في كل جرح وإن كان متلفا إلا ما خصه الحديث كالمأمومة والجائفة الباجي وقال أشهب أجمع العلماء على أنه لا قود في المخوف وقال ابن المواز أجمعنا على أنه لا قود في عظام العنق والفخذ والصلب وشبه ذلك من المتآلف وما لا قصاص فيه من المخوف فلا بد من وجيع الأدب والله أعلم.
(ولا تحمل العاقلة قتل عمد وهي اصطلاحية ودية خطأ وهي حكمية فالاصطلاحية عوض عن العفو وهو أمر يتعلق بالجاني من حيث جنايته فلا يحمل عنه ودية الخطأ أمر نزل به فينبغي بل يجب أن يعان ويقام به عنه والأصل خلاف ذلك لكن قررتها
стр. 773
السنة والإجماع فلم يبق لأحد مقال وهي من أمر الجاهلية التي قررها الإسلام بشرطها وما ذكر في الاعتراف فيه ستة أقوال وما ذكره الشيخ هو قول مالك في المدونة وقاله المغيرة وعبد الملك فانظر ذلك.
وإنما لا تحمل العاقلة الاعتراف بالدم العمد لاحتمال التواصي على أخذ الدية من العاقلة بين القاتل وولي المقتول والله أعلم.
وقوله: (قدر الثلث) يعني من دية المجني عليه هذا الذي رجحه ابن رشد واللخمي وفي الموازية عن ابن القاسم لا تحمل العاقلة إلا ثلث دية الرجل يكون الجاني من كان والمجني عليه من كان وفي المدونة إن جنى مسلم على مجوسية خطأ بلغ ما بلغ ثلث ديتها أو ثلث ديته حملته عاقلته مثل أن يقطع لها أصبعين فتحمل ذلك عاقلته فتحصل في المسألة ثلاثة أقوال والله أعلم.
(وأما المأمومة والجائفة عمدا فقال مالك ذلك على العاقلة وقال أيضا إن ذلك في ماله إلا أن يكون عديما فتحمله العاقلة لأنهما لا يقاد من عمدهما وكذلك ما بلغ ثلث الدية مما لا يقاد منه لأنه متلف).
في المدونة وعقل المأمومة والجائفة عمدا على العاقلة ولو كان للجاني مال وعليه ثبت مالك وبه أقول وكان يقول أنها في ماله إلا أن يكون عديما فعلى العقالة وقال ابن زرقون الرواية الثابتة أنها في ماله من غير تفصيل قال غيره لأنه عمد والعمد لا تحمله العاقلة س وهو قول مالك الأول.
(ولا تعقل العاقلة من قتل نفسه عمدا أو خطأ).
يعني: ولا يكون له دية بل هو هدر ولا يلزم أحدا منها شيء قاله فقهاء الأمصار ونقله عبد الوهاب وشروط لزنوم الدية العاقلة ثلاثة:
كون القتل خطأ واختلف في شبه العمد وفيما امتنع فيه القصاص من المتآلف لأنه اشبه الخطأ من حيث إن مثله في الجانب ولا يقتص منه.
الشرط الثاني: أن يثبت القتل ببينة وما في معناها من لوث وقسامة.
الثالث: أن يبلغ قدره ثلث الدية قال في المدونة وعلى الجاني القود وكذلك كل ما لا يستطاع القود منه إذا بلغت الحكومة فيه ثلث الدية والله أعلم.
стр. 774
(وتعاقل المرأة الرجل إلى ثلث دية الرجل فإن بلغتها رجعت إلى عقلها).
يعني أن دية المرأة في أبعاضها ما دامت لم تبلغ دية الرجل فإذا بلغتها كانت دية أبعاضها على نسبة ديتها قال أبو عمر بن عبد البر قال ربيعة لابن المسيب كم في أصبع في أصابع المرأة قال عشر من الإبل قال كم في إصبعين قال عشرون قال كم في ثلاث قال ثلاثون قال كم في أربع قال عشرون قال حين عظم جرحها واشتدت بليتها قل عقلها قال أعراقي أنت قال بل عالم متثبت أو جاهل متعلم قال هذه السنة قال أبو عمر هذا مذهب مالك وجمهور أهل المدينة والليث وعمر بن عبد العزيز وغيرهم وتمامه في المدونة والموطأ فانظره.
(والنفر يقتلون رجلا فإنهم يقتلون به).
стр. 775
(النفر): الجماعة المجموعة من ثلاثة إلى عشرة وفي المدونة إن اجتمع نفر في قتل امرأة أو صبي عمدا قتلوا بذلك وكذلك إن اجتمعوا على قتل عبد أو ذمي قتل غيلة؛ قتلوا به، وفيها إذا قطع جماعة يد رجل عمدا فله قطع أيديهم كلهم بمنزلة القتل والعبد كذلك.
وفي الموطأ: من أمسك رجلا لآخر ليضربه فمات إن كان يرى أنه يريد قتله قتلا معا وإن كان يرى أنه لا يقتله قتل الممسك خاصة وعوقب الآخر أشد العقوبة وحبس عاما ابن القصار إنما يقتل الممسك إذا علم أنه يقتله ظلما والله أعلم.
(والسكران إن قتل قتل وإن قتل مجنون رجلا فالدية على عاقلته وعمد الصبي كالخطأ وذلك على عاقلته إن كان ثلث الدية فأكثر وإلا ففي ماله).
أما السكران ففي المدونة كما هنا وأطلق بن يونس لأنه أدخل الفساد على نفسه فيؤخذ بجنايته وقال ابن يونس والباجي: هذا في المختلط الذي معه بقية من عقله وأما الذي لا يعرف الأرض من السماء ولا يفرق بين الرجل والمرأة فلا خلاف أنه كالمجنون في أقواله وأفعاله: قالوا: واختلف في أفعال المختلط من طلاق وعتق وبيع وشراء وغير ذلك على أربعة أقوال فقيل تلزمه وهو قول مالك وقيل لا تلزمه وثالثها تلزمه الأفعال لا الأقوال. ورابعها: تلزمه الجنايات والديات والحدود والعتق والطلاق بخلاف الإقرارات والعقود من بيع وشراء ونكاح ونحو ذلك.
следующие страницы →