Полный текст (1 073 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
وأما الجواهر بالكبائر فالهجران له واجب لما يلحقه من الإثم بالسكوت عليها والموالاة عليها والإعانة عليها واجتراء الجاهل على استباحتها إذ يقول الجاهل فلان عامل بكذا وسيدي فلان عارف بما هو عليه فإما أن ذلك مباح أو أنه لا خير فيه كصاحبه ووقاية العرض والدين واجبة إجماعا والكبيرة تقوم أنها كل ذنب يؤذن بعدم اكتراث صاحبه بالدين ورقة الديانة على المختار وتعديدها يطول وفيها اختلاف كثير فانظره في العقيدة وأصول الفقه وبالله التوفيق.
وقوله: (لا يصل إلى عقوبته) يعني: بالوجه الشرعي من الأدب ونحوه والظاهر لمن قدر على ذلك يلزمه وليس ذلك إلا لمن بسطت يداه في الأرض أو كان بمحل لا يلحقه به غيره من الأمراء ولا يلحقهم منه غير وإلا فالله أولى بالعذر وهل يبلغ بالعقوبة الحد ويتجاوزه إن رآه زجرا وهو المشهور أو لا يتجاوز عشرة أسواط لحديث: " لا يتجاوز عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله" وقال ابن أشهب في جماعة من العلماء والله أعلم.
وقوله: (ولا غيبة في هذين) إلى آخره: تعرض فيه لمبيحات الغيبة فذكر منها ما يوجب الهجران وهو المجاهرة بالكبائر وقد قال ﷺ : " من ألقى جلباب الحياء عن وجه فلا غيبة فيه".
والابتداع في الدين لأنه رآه دينا قيما مع ما فيه من تحذير المسلمين لئلا يغتروا به قالوا وكذلك علماء السوء وظلمة الجور يجوز ذكر حالهم لا غيره مما يستترون به قالوا يجوز أيضا في التظلم والاستفتاء بقدر الحاجة وكذا في التعريف الذي لا يمكن المعرفة إلا به أو تكون الشهرة جارية به كالأعمش والأعرج والأعور وذي اليدين وذي الشمالين ومن يلقب جملة ونحوه فإن هذا كله جائز وإن كره صاحبه.
وأما ما يوجب مخالطة كالنكاح والبيع إلى أجل أو الشركة ونحوها فالمشهورة فيه تبيح القدر المتعلق بما شوور فقد شاورت امرأة رسول الله ﷺ في نكاح أبي الجهم ومعاوية وأسامة بن زيد فقال ﵇: "أما أبو الجهم فضراب وأما معاوية فصعلوك أنكحي أسامة" وقالت هند بنت الحارث يا رسول الله إن أبا سفيان رجل
стр. 912
شحيح لا يعطيني ما يكفيني وولدي فقال: " خذي ما يكفيك وولدك" ولم ينهها عما ذكرت من شحه لأنها جاءت مستفتية شاكية متظلمة فأخذ منه العلماء جواز ذلك بقدره.
وقال ﵇: " لي الواجد يحل عرضه وعقوبته" ولا خلاف في جواز ذكر ما يقع به التجريح في الشهادة والرواية حتى كان بعض العلماء يقول: تعال نغتاب في الله ساعة بذكر من يقبل حديثه ممن يرد وبم يرد وذكر بعض العلماء جوا غيبة المغتاب لأنه غياب لئلا يغتر به. قلت: والنمام آكد أمرا منه.
وقد حصر القاضي ابن حجر الشافعي ﵀ أسباب إباحة الغيبة وجمعها وأظنها خمسة عشر في بيت واحد لا أستحضره آلان وقاعدة كل ما يبيح من ذلك أن لا يباح منه إلا القدر المتعلق به وذكر القرافي الخلاف في ذكر حال رجل اطلع عليه رجلان بينهما هل يكون ذلك غيبة أم لا فانظر ذلك وبالل التوفيق.
(ومن مكارم الأخلاق أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك).
سئلت عائشة ﵂ عن خلق النبي ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه ولما نزل قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرضعن الجاهلين﴾ [الأعراف: ١٩٩] قال ﵇: " أمرني ربي أن أصل من قطعني وأعطي من حرمني وأعفو عمن ظلمني" وقال ﵇: " من ظلم فغفر وظلم فاستغفر وأعطى فشكر وابتلي فصبر" ثم سكت قالوا: ماذا له يا رسول الله؟ قال: " أولئك لهم الأمن وهم مهتدون".
قال أبو العباس المرسي ﵁ ونفع به: أولئك لهم الأمن في الآخرة وهم مهتدون في الدنيا انتهى وهذا باب واسع نقله كثير خيره فانظره.
стр. 913
(وجماع آداب الخير وأزمته تتفرع من أربعة أحاديث قول النبي ﷺ " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت" وقوله ﵇: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقوله للذي اختصر له في الوصية: " لا تغضب" وقوله: " المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه").
هذه الأحاديث الأربعة عليها مدار التقوى والاستقامة في الدين فأما الأول فخرجه مسلم بزيادة: " ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه". وحاصله الحض على الصمت عما لا يعني وعدم السكوت فيما يعني وقد قال الشيخ الأستاذ القشيري والصمت سلامة وهو الأصل والسكوت في وقته صفة الرجال كما أن النطق في وقته أشرف الخلال قال: وسمعت أبا علي الدقاق يقول من سكت على الحق فهو شيطان أخرس انتهى.
قال علماؤنا: وإذا اتسوى الكلام والصمت في المنفعة فالصمت أولى وما ترجح منها فحكم الوقت له وقد قال مالك رحمه الله تعالى من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه.
وأما حديث " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" فرواه مالك في الموطأ مرسلا وصله الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁ وقال حديث حسن وما لا يعنيه هو ما لا تدعو الضرورة والحاجة إليه وهو الفضول أيضا ويعم الأقوال والأفعال والعوارض القلبية.
وأما الحديث الثالث فخرجه البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلا قال: يا رسول الله أوصنين قال: " لا تغضب" فكرر مرارا: لا تغضب، وأما الحديث الرابع ففي المتفق عليه: " والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه" وقد تقدم بعض الكلام عليه وهذه الأربع أحاديث قيل مار الدين عليها وقيل غيرها.
ويحكى أن أبا داود السجستاني صاحب السنن كتب إلى أهل مكة كتبت بأناملي هاتين من حديث رسول الله ﷺ أربعمائة ألف حديث الصحيح منها أربعة
стр. 914
آلاف تجزئ عنها أربعة أحاديث حديث: " الأعمال بالنيات" وحديث: " الحلال بين والحرام بين" وحديث: " ازهد في الدنيا يحبك الله وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس" وحديث: " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" وقد جمعها الفقيه أبو الحسن طاهر بن سفور بنظم فقال:
عمدة الدين عندنا كلمات ... أربع من كلام خير البرية
اتق الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملن بنيه
وجمع النواوي من الأحاديث التي قيل إنها أصل الدين نحوا من ثلاثين فاعرف ذلك وبالله التوفيق.
(ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله ولا تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك ولا سماع شيء من الملاهي والغناء ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار وما يوقن أن الله يرضى به ويقرب منه مع إحضاره الفهم لذلك).
أما سماع الباطل فلا خلاف في تحريمه وهو كل ما لا يفيد أمرا دينيا ولا دنيويا ضروريا ولا حاجيا ولا تكميليا يرجع إلى المعروف كالترهات والأباطيل والأضحوكات التي تحتها محرم وكذب يتوهم أنه حق وصدق والموضوعات الصناعية وما لا فائدة فيه نعم وكل ما لا يجوز النطق به لا يجوز سماعه وما يمنع من اللسان يمنع منه اليدان من كسبه والأذن من سمعه.
وأهل الحق إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه والمستمع شريك القائل أن أصغى إليه اختيار وقد قال ﵇ " ويل للذي يحلف ويكذب ليضحك الناس ويل له ثم ويل له" أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ﵁ ويرحم الله القائل:
تحر من الطرق أوسطها ... وعد من الجانب المشتبه
وسمعك صن عن كلام القبيـ ... ـح كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيـ ... ـح شريك لقائله فانتبه
وأما صوت المرأة فإن قصد التلذذ به منع وإلا فلا وكذا كل ما يستلذ بصوته في
стр. 915
الجملة وأما سماع الملاهي والغناء فممنوع أيضا إذا تضمن صرفا عن الحق أو صوتا من الباطل لقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله﴾ [لقمان: ٦] الآية وقد اختلف في سماع المتصوفة إذا كان بشروطه الثلاثة التي هي سلامة الوقت من المعارض الشرعي كاجتماع من لا ترضى حاله ولا يحل الاجتماع معه من النساء والصبيان وجهال الطريق وكون المسموع مما يقع به تنبيه أو إرشاد وزيادة يقين أو علم أو اختبار حال أو استراحة من الجد والجهد وليس فيه ذكر شيء ينكر لا من طريق اللفظ ولا من طريق المعنى وكونه خليا عن الآلة والكلف والحق أنه لا نص فيه بمنع ولا غيره وحكى القشيري عن مالك إجازته وأخذه عياض من كراهة الأجرة عليه في المدونة وذكر ابن ليون في الإنالة أنا أبا مصعب سأل مالكا فقال لا أدري إلا أن أهل بلدنا لا ينكرون ذلك ولا يقعدون عنه.
وحكي أن صالح بن أحمد بن حنبل أخبر عن أبيه أنه كان يتسمع من رواء الحائط لجيران كان عندهم سماع وحكى بعضهم عن الشافعي إجازة الطار والشبابة وأنكره المزني وقال فيه:
حاشا الإمام الشافعي النبيه ... أن يتبع غير معاني نبيه
أو يتخذ طارا أو شبابة ... لناسك في دينه يقتديه
إلى آخر الأبيات وقد ذكر ذلك ابن الحاج في مدخله ومما وصف ابن البناء السرقسطي ﵀ في سماع القوم قال ما نصه:
ولم يكن فيه مواسنون ... ولا طنابير ومسمعون
وليس كان أيضا فيه طار ... ولا مزاهر لها نقار
الشمع والفرش والتكالف ... أقسم ما كانت يمين حالف
وليس للقائل ما يقول ... في الصوت إذ سمعه الرسول
وقد اشار بقوله إذا سمعه الرسول لحديث أنجشة وعامر بن الأكوع وابن رواحة وارتجاز الصحابة يوم الخندق وغير ذلك مما لا يمكن إنكاره لصحته وحكى السهروردي في آداب المريدين أن السماع من رخص التصوف وقال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي ﵀ ليس من التصوف بالأصالة ولا بالعرض وإنما أدخل فيه من الفلسفة.
стр. 916
وأكثر من يعتد به من مشايخ المتأخرين على منعه لفساد الزمان حتى قال الحاتمي السماع في هذا الزمان لا يقول به مسلم ولا يتقدي بشيخ يعمل السماع ولا يقول به.
وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي ﵁ سألت أستاذي عن السماع فأجابني بقوله تعالى: ﴿إنهم ألفوا ءاباءهم ضالين (٦٩) فهم على آثارهم يهرعون﴾ [الصافات: ٦٩ - ٧٠] وقال الشيخ أبو العباس المرسي ﵁ من كان من فقراء هذا الزمان أكولا لأموال الظلمة مؤثرا للسماع ففيه نزغه يهودية قال الله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ [المائدة: ٤٢] قالقول يذكر الحب وما هو مبحب ويذكر العشق وما هو بعاشق.
والآخر سماع لقوله فتأمل ذلك ولأصحاب الحقائق في أصل المساع اختلاف كالفقاء وهو شبهة في الأحكام والحقائق فلا حاجة به إلا لذي حال غالب بشرطه وحظ الفقيه والعامي من هذه الجملة مجانبته مطلقا وكذا المتصوف إلا لوج واضح وحالة غالبة والتسليم أصل كل خير وبالله التوفيق وأما سماع القرآن بالحون المرجعة كترجيع الغناء فمن أقبح ما يسمع وأبشع ما يسمع لا سيما إذا كان يؤدي لتغيير نظم القرآن أو تضييع حروفه وإبدال بعضها أو إسقاطه أو يكون على هيئة تنفي الخشوع أو تدعو لنقيصة فإن ذلك كله ممنوع قال ابن رشد فالجواجب أن ينزه القرآن عن ذلك ولا يقرأ إلا على الوجه الذي يخشع القلب ويزيد في الإيمان ويشوق فيما عند الله وقد اختلف في معنى قوله ﵇: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن" فيل من لم يحسن صوته به وقيل: من لم يستغن به عن الغناء وقيل: من لم يستغن به عن الناس وقيل غير ذلك، وما يروى عن حديث معاوية أنه ﵇ رجع يوم فتح مكة وهو يقرأ سورة الفتح حمل على قراءته بطريق الأداء من المد ونحوه.
وقال أبو موسى ﵁ لما قال ﵇: " لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا" وبالجملة فتحسين الصوت بالقرآن مطلوب والخوج إلى حد يشبه الغناء مذموم وما يؤدي إلى الخشوع من غير إخلال مندوب إليه ثم قوله ﵇: " ليس منا" أي ليس على طريقتنا
стр. 917
وسنتنا والله أعلم.
وسيأتي الكلام على التفهم إن شاء الله تعالى وقد ألف النواوي في آداب حملة القرآن تأليفا حسنا ذكر فيه مما يتعلق بالتلاوة وجوها حسنة وذكر الغزالي في آداب التلاوة من الإحياء ما لا مزيد عليه ونحوه لأبي طالب المكي في كتابه فلينظر ذلك وبالله التوفيق.
(ومن الفرائض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل من بسطت يده في الأرض وعلى كل من تصل يده إلى ذلك فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فقلبه).
يعني أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب على من له قدرة بإمارة أو قضاء ونحوه وقد يخص ذلك ويعم وقد قال ﵇: " لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم البلاء من عنده" قال ابن رشد ويجب على كل مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروط ثلاثة:
أحدها: أن يكون عارفا بالمعروف والمنكر لأنه إن لم يكن عارفا بهما لم يصح منه أمر ولا نهي.
والثاني: أن يأمن أن يؤدي إنكاره إلى منكر أعظم كنهيه عن شرب الخمر فيؤدي إلى قتل النفس لأنه إن لم يأمن على نفسه لم يصح له أمر ولا نهي.
الثالث: أن يعلم أو يغلب على ظنه أن إنكاره مؤثر نافع وإلا لم يجب عليه ولكن يستحب له برفق لقوله تعالى ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى﴾ [طه: ٤٤] فالأولان شرط في الجواز والثالث شرط في الوجوب انتهى.
وقوله على كل من بسطت يده في الأرض قال عبد الوهاب لأنه إذا لم تبسط يده لم يقدر على ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها قال وكذلك إذا خاف الهلاك أو شديد الأذى لم يكن عليه ذلك لقوله: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة: ١٩٥] وإهلاك نفسه منكر وكان بعض شيوخنا يقول ليكن أمرك بالمعروف معروفا ونهيك عن المنكر لا يؤدي إلى منكر واختلف في الإنكار هل إنما يجب في المجمع عليه أو حتى في المتفق عليه في مذهب الفاعل قولان وهل يجب تعليم الجاهل قبل سؤاله أو إنما يجب
стр. 918
تنبيهه ثم إن سأل علم وإلا ترك.
والأول اختيار الطرطوشي والآخر: هو المعنى لأنه ﵇ قال للأعرابي: " إنك لم تصل" ولم يعلمه حتى قال لا أحسن غير هذا فعلمني يا رسول الله" الحديث وفي الحديث " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يقدر فبلسانه فإن لم يقدر فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " الحديث ومن وجوه الإنكار باللسان أن يوقل اللهم هذا منكر فلا أقدر على تغييره وقد قال رسول الله ﷺ : " إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبع وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك" قتل هذا زمان ذلك فلا يجوز لأحد اليوم أن يعترض للأمور العامة بل يقتصر بالإنكار على عياله وخاصته بقدر ما يقتضيه العرف وينكر في العموم ما لا يتوهم فيه بأمر يغير قلوب الأمراء فقد قال رسول الله ﷺ " المؤمن لا يذل نفسه" قيل لابن عباس ﵁ فما معنى ذلك قال يتعرض للسلطان وليس له منه النصف ثم إن كان قادرا على ذلك لم يتمكن منه إلا بفساد النظام وذلك محرم إجماعا وبالله التوفيق.
(وفرض على كل مؤمن أن يريد بكل قول وعمل من أعماله البر وجه الله الكريم ومن أراد بذلك غير الله لم يقبل عمله والرياء الشرك الأصغر)
إرادة وجه الله بالعمل الصالح فرض لقوله تعالى ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: ٥] الآية والإخلاص في الجملة تفريد المعبود بالعبادة هذا أصله الذي ينفي به الرياء الذي هو رؤية الخلق في معالمة الحق وكمال الإخلاص واجب فالرياء حرام وما ذكره الشيخ من أنه الشرك الأصغر هو لفظ حديث رواه أحمد بسند حسن عن محمود بن لبيد ﵁.
وقد قال الفضيل بن عياض ﵁ العمل لأجل الناس رياء وترك العمل لأجل الناس شرك والإخلاص يعافيك الله منهما ويروي العمل لأجل الناس شرك وترك العمل لأجل الناس رياء وكل صحيح.
стр. 919
وقد قال بعض المشايخ: صحح عملك بالإخلاص وصحح إخلاصك بالتبري من الحول والقوة في حكم ابن عطاء الله الأعمال صور قائمة وأوواحها وجود سر الإخلاص فيها وكان بعض المتصوفة ممن قرب زمانه ببلادنا يقول كثيرا يا مرائي قلب من ترائي بيد من تعصيه يعني إنك بالرياء عاص لله طالبا بريائك قلب من ترائي له وقلبه بيدا لله فأنت تعمل في أمر لا يعود عليك إلا شر منه في دنياك وآخرتك لغير فائدة بل قد قال الجنيد ﵀ من أشار إلى الحق وتعلق بالخلق أحوجه الله إليهم ونزع الرحمة من قلوبهم عليه.
وفي الصحيح: " يقول الله تعالى: (أنا أغني الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشريكه) " الحديث. قال ابن عطاء الله في الحكم: كا لا يحب العمل المشترك كذلك لا يحب القلب المشترك العمل المشترك لا يقبله والقلب المشترك لا يقبل علي انتهى وبابه واسع وبالله التوفيق.
(والتوبة فريضة من كل ذنب من غير إصرار والإصرار المقام على الذنب واعتقاد العود إليه).
стр. 920
التوبة الرجوع على ما لا يرضى الله تعالى إلى ما يرضيه قصدا لما عنده وإرادة لوجهه وعرفها الغزالي بأنها ترك اختيار الذنب ثم لا خلاف في وجوبها على الفور فمن أخرها عن وقوع الذنب لزمته التوبة من تأخير التوبة كما لزمته التوبة من فعل الذنب وقوله (من كل ذنب): يشمل الصغيرة والكبيرة ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون﴾ [المؤمنون: ٣١] وقال الإمام أبو حامد الغزالي في تعريف التوبة النصوح إنها ترك اختيار ذنب سبق مثله عنه منزلة لا صورة تعظيما لله وحذرا من سخطه ثم فسر ذلك وبينه ثم بيان فانظر المنهاج.
وشروط التوبة التي لا تصح إلا بها ثلاثة: الندم على ما فات والإقلاع في الحال والنية أن لا يعود وسواء كانت عامة أو من ذنب من المقام على غيره.
وقوله (من غير إصرار): زائد لأن التوبة لا تصح إلا برفع الإصرار وتفسيره الإصرار بالمقام على الذنب مع نية العود إليه هو المعول عليه وقيل اعتقاد العود إليه فقط ذكرهما القرافي في قواعده واختلف في مسائل منها إذا تمت الشروط هل يقطع بقبولها أم لا قولان للأشعري والقاضي وتجديد التوبة عند ذكر الدين قولان للقاضي وإمام الحرمين.
(ومن التوبة رد المظالم واجتناب المحارم والنية أن لا يعود).
فأما رد المظالم ففرض ليس بشرط وكذا اجتناب المحارم ومثلها تعميم القصد فهي ثلاثة فروض تاركها عاص ولا تنتقض التوبة بتركها وأما النية أن لا يعود فركن من أركانها لا تصح بدون والمظالم خمسة مالية وبدنية وعرضية ودينية وحرمية فأما
стр. 921
المالية فلا خلاف في وجوب ردها إن أمكن قال ابن العربي: فإن مات صاحب الحق انتقل الحق لورثته فإن أدى برئ وبقي حق المطل يعني إن كان غنيا.
واختلف إذا لم يؤد في الدنيا حتى اجتمع مع الوارث والأصلي في الآخرة لمن يكن الحق هل للورثة أو للموروث قولان واخلتف فيمن لم يجد ما يؤدي به حتى مات هل يسقط عنه أو يطالب به في الآخرة وحكى بعض شيوخنا عن أبي عمران أنه قال بيت المال آخر وارث والحق ينتقل للوارث أباد فمآله إلى أنه حق لله وهذا ما أخذه بوجه صحيح أو باطل وقد عزم على الخروج من عهدته واختلف في التحليل من الظلامات وغيرها فمنع ابن المسيب وأجازه غيره وثالثها لمالك يطلب التحليل من الديون ونحوها لا من الظلمات حكاها ابن رشد آخر البيان والمشهور جواز التحليل من العرض.
وقال الحسن يكفي الاستغفار يعني للمغتاب وفي منهاج العابدين تمكين نفسه من القود والقصاص في النفس وظاهر الأحايث بخلافه وإليه مال ابن رشد وقال ينبغي أن يعتق ويحمل نفسه على الجهاد ونحوه ليكون كفارة له وقال في الدينية كأن يكفره أو يبدعه أو يفسقه أنه يكذب نفسه عند من قال ذلك ويستحل منه يريد إن أمن من شر أعظم وإلا فالله أولى بالعذر واختلف في الزنا هل هو حق الله أو حق الآدمي وثالثها: الفرج المملوك لمالكه كالزوجة والسرية وما عداه حق لله ولا يمكن الاستحلال منه لخوف الفتنة قال الإمام أبو حامد إن أمكن وجب قلت ومع إمكانه يتضمن معصية هي قذف المرأة والرجل وتريض صاحب الحق بما يكون له من الرفث وكل معصية وقبيح فانظر ذلك.
(وليتسغفر الله ربه ويرجو رحمته ويخاف عذابه ويتذكر نعمته لديه ويشكر فضله عليه بالأعامل بفرائضه وترك ما يكره فعله ويتقرب إليه بما تيسر له من نوافل الخير وكل ما ضيع من فرائضه فليعله الآن وليرغب إلى الله في تقبله ويتوب إليه من تضييعه).
أما الاستغفار فحيقته طلب الستر على الذنوب وعدم المؤاخذة بها وهو شأن التائبين وقد ورد فيه فضل كثير منه قوله ﷺ " من لازم الاستغفار جعل الله له من كل هم فرجا ومن كل ضيق مخرجا ورزقه من حيث لا يحتسب" الحديث. ثم
стр. 922
الاستغفار أي طلب المغفرة إن كان مقرونا بالتوبة فهو كمال الاستغفار وإن لم يكن مقرونا بها ولكنه مع الندم والانكسار فهو استغفار حقيقة وإن لم يكن معه واحد منهما فهو استغفار الكذابين وهو الذي قالت رابعة العدوية ﵂ أنه يحتاج إلى استغفار كثير والله أعلم.
وأم الرجاء والخوف وتذكار النعمة فبواعث على العمل وثمرات اليقين ثم كل راج طالب وكل خائف هارب وكل ذاكر للنعمة شاكر إلا كل من عمر الله قلبه فهي إذا بواعث على العمل وأفضل الأعمال الفرائض بل هي التي لا يصح قبول شيء قبلها لأن رب الدين لا يقبل الهدية ولا يجوز عتق من أحاط الدين بماله.
وفي الحديث الصحيح يقول الله تعالى: " ما تقرب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضته عليهم ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه". الحديث فأما الاستدارك الفائت ففي الواجب واجب وفي المدونة مندوب ومتى لم يحصر ما عليه من صلاة أو زكاة أو غيرهما فإن التحري يكفيه ويحتاط لدينه بلا وسوسة وهو العمل على الشك بلا علامة مما يفعله كثير من التائبين من صلاة العمر مع كونهم لم يتركوها أو انوا يفعلونها مرة ومرة لايصلح كذا سمعته من شيخنا أبي عبد الله محمد بن يوسف السنوسي كبير تلمسان علما وديانته ينقله عنا لقرافي في مجلسه وكنت أستحسنه قبل ذلك ففرحت به وما روي عن مالك من أن تارك الصلاة عمدا لا يقضيها أنكره عياض وأنكر مالك ما قيل: إن النوافل سد مسد الفرائض وهو في جامع العتبية فانظره وبالله التوفيق.
ص: (وليلجأ إلى الله فيما عسر عليه من قياد نفسه ومحاولة أمره موقنا أنه المالك لصلاح شأنه وتوفيقه وتسديده لا يدع ذلك على ما كان عليه من حسن أو قبيح ولا ييأس من رحمة الله).
يعني أن العبد يتعين عليه أن يقف بباب الله على كل حال من أحواله ولا يستبعد صلاحه مع قبيح ما هو عليه منتصف به من قبائح المعاصي والشهوات ونحوها ومن أحسن ما يذكر هنا قول ابن عطاء الله ﵀: من استغرب أن ينقذه الله من شهوته وأن يخرجه
стр. 923
من وجود غفلته فقد استعجز قدرة إلهه وكان الله على كل شيء مقتدرا انتهى. وكلام الشيخ هنا واضح وهو لكل مؤمن صالحا كان أو طالحا نفعنا الله به آمين.
(والفكرة في أمر الله مفتاح العبادة واستعن بذكر الموت والفركة فيما بعده وفي نعمة ربك عليك وإمهاله لك وأخذه لغيرك بذنوبه وفي سالف ذنبك وعاقبة أمرك ومبادرة ما عسى أن يكون قد اقترب من أجلك).
يعني أن من فكر في قبيح المعصية آثر تركها ومن فكر في حسن الطاعة آثر فعلها ومن فكر في عظمة الله آثر رضاه إلى غير ذلك ومقدمات ذلك كأعيانه وقد أتى الشيخ في هذا الفصل بجوامع التصوف وفي حكم ابن عطاء الله الفكرة سراج القلب فإذا ذهبت فلا أضاءت له انتهى فتأمله وبالله التوفيق.
خاتمة:
أول هذا الباب فقه وتعليم وأوسطه إرشاد وتنبيه وآخره وعظ وتذكير قالوا وما وضع الشيخ أولا غير العقيدة وهذا الباب فما بعده حتى بين له السائل أنه يريد جملا من أصول الفقه وفنون فأجابه لذلك وجعل هذه الخاتمة وقال وضعتها لينتفع بها من لا اعتناء له بالعلم وقد انتفع بذلك كثي من أهل الخير إذ أعلموا بما يلزمهم وعلموه من ينتفع به فانتفع وللشيخ أبي محمد صالح في ذلك حكاية ذكرها أصحاب التقييد وغيرهم وربك الفتاح العليم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم تسليما.
стр. 924
باب في الفطرة والختان وحلق الشعر واللباس وستر العورة وما يتصل بذلك
(الفطرة) لغة: الخلقة والمراد هنا الخصال المتعلقة بها والمستعملة فيها شرعا وقد ذكر الشيخ في هذه الجملة ستة أشياء وقدم فيها وأخر وربما كرر فيها بعض ما تقدم ذكره كالختان إذ ذكره في باب العقيقة والذي يتصل بذلك ذكر التماثيل والصور ونحوه وبالله التوفيق.
(ومن الفطرة خمس قص الشارب وهو الإطار وهو طرف الشعر المستدير على الشفة لا إحفاؤه والله أعلم وقص الأظافر ونتف الجناحين وحلق العانة ولا بأس بحلاق غيرها من شعر الجسد والختان للرجال سنة والخفاض للنساء مكرمة).
قوله: (من الفطرة خمس): هو نص حديث متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ فقال: " قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الإبط وحلق العانة والختان" فقول الشيخ: (وهو الإطار) ليس في الحديث وكذا ما بعده من تفسيره بالشعر المستدير على الشفة وبنه بذلك على أن استئصاله بالكلية ليس من السنة وذكر أن سنته القص لا الإحفاء.
وقد جاء حديث بهذا فلذلك قال والله أعلم لأنه الراجح من دليلين لا يصح إسقاط أحدهما بالآخر وإن كان أظهر منه وقد جرت عادة المغاربة بالجمع بينهما وما يفعله المشارقة من لقط شعره بالملقاط بعد استئصاله لم أقف على منعه ولا جوازه وأظنني سمعت أنه منهي عنه لأنه من فعل الأعاجم وفيه نظر وسر مشروعيته الإعانة على الشرب وتحسين الخلقة.
وأما تقليم الأظفار فللزينة والسلامة من الخدش عند الحك وقذارة ما يجتمع تحتها من الأوساخ الذي ربما منع كمال الطهارة أو قدح في صحتها ويستحب التيامن في قصها وهي كالحلقة يعني اليدين معا فيبدأ بأفضلهما فيقلم مسبحة يمينه ثم يمر مستديرا إلى إبهامه.
стр. 925
البلالي وربما رجح التثنية بإبهامها وشاهده حديث:" كبر كبر" فناولت السواك الأكبر رواه البخاري قال ويبدأ بخنصر رجله اليمنى ويختم بخنصر اليسرى وقال وروى صاحب المغني من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا واختاره ابن الرفعة وغيره وفي زيادة العباد يفرقوها فرق الله همومكم قال فيقلم خنصار وسطى إبهاما بنصرا ويختم بمسبحتها ويعكس ذلك في يسرى يده ثم رجله ويغسل محل التقليم قال وتقليمه يوم الخميس أتم لما روي في زايدة العبادي مرفوعا انتهى كلامه.
وهو مما لا يتقيد بالمذهب ولا ينكره فلذلك نقتله عن الشافعية والله الموفق وأما نتف الجناحين فهو السنة لا حلقه ورأى بعضهم الشافي يحلقه فقال قد علمت أن السنة النتف ولكن لا أطيقه وحكمته استئصال أصل الشعر حتى لا ينبت وإن بنت لم يتقو ويبقى محله منفسا لما تحت الجلد قال مالك ويغسل رائحته من يده استحبابا والله أعلم.
وأما حلق العانة فسنة قالوا ونتفها يورث الجذام ويرخي العصب ويضر الإنعاظ وقد ذم قوة التنورة بالنور وأثنى عليها الغزالي وجوزها آخرون ويذكر في السنة ما يؤذن بجوازها فانظره.
والختان قد تقدم آخر باب الضحايا وما ذكر من سنيته هو المذهب وقال الشافعي واجب والخفاض قطع جلدة فرج المرأة بصفة معلومة وهو مكرمة للمرأة بالنظافة وللرجل بذلك وبالإعانة على النكاح ونساء المغر لا يعرفن ذلك إذ لم يخلق لهن موجبه والله أعلم.
قوله: (ولا بأس بحلاق غيرها): يريد غير اللحية ويدخل فيه ما تحت الحلق والمنقول عن مالك كراهته لأنه من أفعال المجوس وكذلك روي عن عمر ﵁ وقد استخف أهل المغرب حلقه مخالفة لقوم من أهل الأهواء جعلوه شعارهم وفي استجازته بذلك نظر وحكى ابن الفاكهاني في حلق شعر حلقة الدبر قولين واستخف بعضهم قص شعر الأنف لا نتفه إذ في إبقائه أمان من الجذام لحديث فيه وروى عكسه ورجحه ابن الرفعة من الشافعية لما رواه ابن دقيق العيد في كتابه المسمى " بالإلهام" وهو مجلداتكثيرة ولفظه ونقوا الشعر الذي على الأنافي قال البلالي والأول أظهر لأن هذا الحديث يفهم ما على ظهر الأنف لا باطنه والله أعلم.
стр. 926
(وأمر أن تعفى اللحية وتوفر لا تنقص قال مالك ولا باس بالأخذ من طولها إذا طالت كثيرا وقاله غير واحد من الصحابة والتابعين).
فاعل أمر هو الني لحديث: أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى" أي أتركوها موفورة وذكر النواوي في همزة " أعفوا" وإسقاطها قولي ومعنى توفر: تترك على حالها دون نقص لأنه وجه الإنسان وزينته ويمنع حلقها وحلق الشيب منها ونتفه وتبقيته ووصل شعرها البلالي ويحرم عقدها وضفرها يعني للمثلة في ذلك ويستحب تسريحها لأنها جمال وقيل لا يكره ولا يستحب وقال مالك ولا بأس بالأخذ من طولها.
قال الباجي: يأخذ منها ما زاد على القبضة والزناتي وعن مالك أنه كره حلق ما تحت الذقن من الشعر وقال هو من فعل المجوس وكره أيضا حلق الحاجب والقفا وقال لا أراه حراما ولم أقف على شيء بدائر اللحية وما يحصرها مما يلي الوجه لكنه من الجمال ويعارضه الأمر بالإعفاء فانظره.
(ويكره صباغ الشعر بالسواء من غير تحريم ولا بأس به بالحناء والكتم).
ظاهر كلامه كراهة تسويد اللحية مطلقا وفصل بعضهم فقال إن كان للتغرير منع وإن كان للجهاد ندب وإن كان للتشابب كره وإن كان مطلقا فالقولان بالجواز والكراهة فالجواز من قوله ﵇: " غيروا الشيب ولا تشبهوا باليهود" رواه النسائي وأما الكراهة فقوله ﵇ حين رأى أبا قحافة كأنه ثغامة من الشيب: " غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد" رواه مسلم.
وظاهر كلام الشيخ أن الصبغ بالحناء والكتم مباح فقط وفيه قولان بذلك وبالاستحباب لأنه من شعار الصالحين وقد صبغ الخلافاء كلهم إلا علي كرم الله وجهه وقيل حتى علي لأنه رئيت لحيته حمراء مرة قالوا فيشبه أن يكون خضب ثم ترك ذكر ذلك في صفوة الصفوة لابن الجوزي فانظره فإنه كتاب حسن ولا حديث على من بخر لحيته بالكبريث لتبيض وغسلها بالصابون والليمون ونحوه للمشايخ وكذلك من بخر بتبن الشعير لذلك وليصفر لونه فيعد من الصالحين وقد ذكر ذلك الغزالي وغيره مقبحا له فانظره.
стр. 927
(ونهى الرسول ﵇ الذكور عن لباس الحرير والتختم بالذهب وعنا لتختم بالحديد ولا بأس بالفضة في حلية الخاتم والسيف والمصحف ولا يجعل ذلك في لجام ولا سرج ولا سكين ولا في غير ذلك ويتختم النساء بالذهب ونهى عن التختم بالحديد والاختيار مما روي في التختم التختم في اليسار لأن تناول الشيء باليمين فهو يأخذه بيمينه ويجعله في يساره اختلف في لباس الخز فأجيز وكره وكذلك العلم في الثوب إلا الخط الرقيق).
أما النهي عن لباس الحرير والذهب للرجال ففي حديث أبي موسى الأشعري ﵁: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورهم" رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه وفي المتفق أنه ﵇ قال في الحرير " إنما يلبس هذا من لا خلاق له" ولبس خاتما من ذهب ثم نزعه نزعا شديدا وقال لا ينبغي هذا للمتقين فخالص الحرير والذهب محرم على ذكور الأمة.
واختلف فيما قل من الذهب في الخاتم والمشهور المنع وفي إباحة الحرير لعلة فأجازه ابن حبيب للحديث أن النبي ﷺ رخص في قميص الحرير لعبد الرحمن بن عوف والزبيير بن العوام من حكة كانت بهما متفق عليه من حديث أنس ﵁.
وروى عبد الملك إباحاته في الحرب للإرهاب وقال به وعنه إجازة افتراشه والاتكاء عليه والمشهور المنع لحديث حذيفة ﵁ نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير والديباج وأن يجلس عليه رواه البخاري وأجاز ابن حبيب تعليقه سترا وأجاز ابن القاسم الراية وأما غير الخالص وهو الخز- بالمعجمتين - فقد أخر الشيخ الكلام عليه وكان حقه أن يقدم لأنه من تفاصيل حكم الحرير فقد حصل فيه ابن رشد أربعة أقوال للسلف والخلف فأجازه ابن عباس ﵁ مع جماعة وتأولوا النهي بالخالص وقال مالك غير جائز ولم يجزم تحريمه وقال ابن عمر واستشكله ابن الفاكهاني لأن غير الجائز مانع تناوله وهو الحرام وإلا فهو مكروه والمكروه من قبيل الجائز.
قلت قد يجاب بأن عدم الجواز لقوة الشبهة والجزم بالتحريم في الشبهة عظيم وقد كان مالك وأمثاله يتورعون على إطلاق الحلال والحرام في الفروع الظنية فلا يجزمون بها إلا في قطع أو ما يقرب من القطع خوفا منالوقوع في قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما
стр. 928
تصف ألسنتكم الكذب﴾ [النحل: ١١٦] كذا روي عنه وفيه نظر لربط الآية بقوله الكريم ﴿لتفتروا على الله الكذب﴾ فنتأمل ذلك.
وثالثها: يكره ابن رشد وهو أقرب الأقوال للصواب لأن ما اختلف العلماء فيه لتكافؤ الأدلة كان من المتشابه ورابعها المنع فيما عدا الخز وإنما الخلاف في الخز للباس السلف له وهو قول ابن حبيب وفي حديث أبي عامر الأشعري ﵁: " سيكون ناس من أمتي يستحلون الخز والحرير" رواه أبو داود وأصله في البخاري والرواية بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء أي الفرج وقرنه بالحر ليبين أن الحرير في التحريم مثل الفرج فهو تشبيه محتمل بقطعي ليرتفع الإشكال من حكمه وفي رواية الخز بالمعجمتين والفتح والتشديد فيكون دليلا في التحريم والله سبحانه أعلم.
وأما العلم في الثوب ففي حديث عمر ﵁ نهى النبي ﷺ عن لبس الحرير إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع متفق عليه وهذا لفظ مسلم وقال به الشافعي وقيل به المذهب وبالكراهة.
وقوله: (إلا الخط الرقيق) مستثنى من الخلاف فيجوز باتفاق وجوز بعض أصحاب المازري منه الطوق واللبة ومنع ابن حبيب ذلك وقال: لا يجوز منه طوق ولا زر ولا خلاف في جواز الخياطة به والله أعلم.
فأما حلية الفضة في الخاتم والسيف والمصحب فلا خلاف فيه عند قوم وإنما الخلاف في الأخير من الذهب والمشهور الجواز في ذلك في السنن والأنف يعوضان به أو يربطان وفي الحديث النهي عن اتخاذ الخاتم إلا ذي سلطان قال ابن رشد: فمن ثم قال بعض العلماء بكراهته والمشهور في تحلية ألة الحرب المنع وثالثها الجواز فيما يطاعن به ويضار دون ما يتقي به ويتحرز.
وروي أن رجلا أتى النبي ﷺ وفي ديه خاتم من ذهب فقال: " انزع عنك حلية أهل الجنة" فجاء وفي يده خاتم من حديد فقال: " انزع عنك حلية أهل النار" ثم جاء وفي يده خاتم من صفر فقال:" ما لي أجد منكم ريح الأصنام" قال: يا رسول الله مما أتخذه؟ قال: "اتخذه من فضة ولا تتمه مثقالا إلا كذا" ذكره عز الدين بن
стр. 929
جماعة في سيرته وما كان التختم في اليسار فهو مختار مالك لما ذكره الشيخ ووجه الدلالة أنه إلا من الأيسر وقد جاء في الحديث: " التختم في اليمين وفي اليسار والخلاف في الأولوية وقد ألف في الخاتم ونقشه وغير ذلك والله أعلم.
(ولا يلبس النساء من الثياب ما يصفهن إذا خرجن ولا يجر الرجل إزاره بطرا ولا ثوبه من الخيلاء وليكن إلى الكعبين فهو أنظف لثوبه وأتقى لربه وينهى عن اشتمال الصماء وهي على غير ثوب يرفع ذلك من جهة واحدة ويسدل الأخرى وذلك إذا لم يكل تحت اشتماله ثوب واختلف فيه على ثوب).
أما ليس النساء ما يصفهن إذا خرجن فمن التبرج بالزينة وهو حرام وقد قال ﷺ : " كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها" الحديث وقال ﵇: " رب كاسيات في الدنيا عاريات يوم القيامة" فالواجب على المرأة أن لا تخرج فيما ينظر فيه الرجال بل في ثياب مهنتها ومرط من المروط وقد صار حالهن اليوم إلى أن صارت لا تخرج إلا بحسن ثيابها وتستعير من جيرانها وتستعمل الروائح في خروجها وتتغنج في مشيها وعليها ما لو وضع على عود لعشق فهن بذلك متعرضات إلى مقت الله وغضبه وكذا من يوافقها عليه أو يعينها فيه من زوج أو غيره وبالله التوفيق.
وأما جر الثوب خيلاء فقال ﷺ : " لا ينظر الله إلى من يجر ثوبه خيلاء" متفق عليه من حديث ابن عمر ﵁ والخيلاء والبطر متقاربان وهما من أوصاف الكبر ولوازمه في الصحيحين: " بينما رجل يتبختر في مشيه قد أعجبه برداه خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة" الحديث فانظر لفظه وقال طال عهدي به وخرج النسائي " أزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين كعبيه فما زاد على ذلك ففي النار".
стр. 930
قيل: يعني محله أي ما ستر به وقيل صاحبه وأما اشتمال الصماء على غير ثوب فإنها على الوجه الذي فسرها به الشيخ كشف عورة وكان شيخنا أبو عبد الله القوري ﵀ يقول لباس البرنس على غير ثوب من ذلك لجامع كشف العورة به من ناحية وإنما تكره على الساتر لأنها من فعل الأعجام وقد صح نهيه ﵇ عن لبستين وعن بيعتين وعن اشتمال الصماء والاحتباء في الثوب الواحد وعن المنابذة والملامسة ذكره الشيخان وغيرهما من الأئمة وقد فسر بعضهم الصماء بخلاف ما ذكره الشيخ فانظر اللغة في ذلك والمذهب ما ذكر هنا.
(ويؤمر بستر العورة وأزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها).
لا خلاف أن ستر العورة عن أعين الآدمين فرض إسلامي يتعين على كل مسلم وهل الحيوان غير العاقل كالآدمي في ذلك أو يكره أو يجوز لم أقف على شيء في ذلك وفي الترمذي من حديث علي كرم الله وجهه: " ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم أن يقول أحدهم عند الخلاء: " باسم الله " وفيه دليل أن ستر العورة عنهم مطلوب في الجملة.
واختلف في ستر الإنسان عورته في الخلوة فقيل: واجب وقيل مستحب واختاره اللخمي لحديث نهى ﵇ عن التعري وقال: " إن معكم من لا يفارقكم" يعني الملكين والله أعلم وحكى ابن القطان في نظر الإنسان في عورته من غير ضرورة قولين بالكراهة التحريم.
стр. 931
وقال الترمذي: الحيكم ومن داوم على ذلك ابتبي بالزنا ولا خلاف في جواز رؤية السرية سيدها وهو إياها وكذا الزوج قالوا ويكره للطب لأنه يؤذي البصر ويورث قلة الحياء في الولد والله أعلم.
ولا خلاف أن السوءتين عورة يجب سترها ويحرم النظر إليهما وما فوقهما وما تحتهما حريم لهما إلى السرة والركبة وقيل السرة داخلة وقد تقدم ذلك في الصلاة واختلف في عورة المسلمة مع الكتابية فالمشهور كعورتها مع المسلمة وقيل كل الجسد عورة معها لقوله تعالى: ﴿ولا نسائهن﴾ [الأحزاب: ٥٥] فجعل الرخصة لنساء المؤمنات) دون غيرهن والله أعلم.
وكان رسول الله ﷺ مع أبي بكر وعمر ﵄ على قف بئر وفخذه مكشوف فدخل عثمان ﵁ فسترها فقيل له في ذلك فقال ألا أستحي ممن استحيت منه ملائكة السماء فدل ذلك على أن الفخذ ليس كالعورة ولا كسائر الجسد والله أعلم.
(ولا يدخل الرجل الحمام إلا بمئزره ولا تدخله المرأة إلى من علة).
لما كان الحمام مظنة كشف العورة وقع التنبيه عليه بما ذكر ولا يخلوا الأمر فيه من أربعة أوجه:
أحدها: أن يكون خاليا فيجوز للرجال والنساء على الصحيح.
الثاني: أن يكون فيه مشكوف العورة أو داخلها مكشوفها فيحرم على الجميع.
الثالث: أن يكون مستورا مع مستورين فيجوز دخولهم قال ابن القاسم: وتركه أحسن وعن مالك والله ما دخول الحمام بصواب لاحتمال الانكشاف.
الرابع: أن يكون هو مستورا متحفظا من العورات ولا يأمن كشفها وهو أحرى في الترك.
ويحكى أن أبا حنيفة دخل الحمام فغمض عينيه وجعل من يقوده فقال له رجل متى ذهب بصرك يا أبا حنيفة؟ فقال: مذ هتك الله سترك وفي البخاري من قول بعض التابعين: إن كان عليهم أزر فسلم وإلا فلا تسلم وهذا يدل للجواز مع إمكان كونهم مكشوفين ومنصوص المذهب خلافه ابن رشد في المقدمات من دخله بغير ستر له أو
стр. 932
لغيره فهو جرحة فيه.
والنساء في ذلك بمنزلة الرجال قال وهذا الذي يوجبه النظر لأن المرأة يجوز لها أن تنظر من المرأة ما ينظر الرجل من الرجل وقال ابن أبي زيد لا تدخله المرأة إلا من علة عبد الوهاب في شرحه هذا لما روي أن الحمام محرم على النساء فلا يجوز لهن دخوله إلا من عذر.
وقال ابن رشد أما ما قال من أن الحمام يحرم على النساء فلا أعلمه نصا عن النبي ﷺ وقد ذكر في جامع المعونة أن النبي ﷺ قال: " الحمام بيت لا تستتر فيه لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يدخله إلا بمئزره ولا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تدخله إلا من علة" وقال معناه في دخولهن على ما جرت به عادتهن من دخولهن غير مستترات ثم ذكر كلاما قال إثره وإنما قال ابن أبي زيد: لا تدخل الحمام إلا من علة لما جاء عن النبي ﷺ من رواية ابن عمرو بن العاص أنه قال: " ستفتح عليكم بلاد بالعجم ويتخذ فيها بيوت يقال لها الحمامات فلا يدخل الرجل إلا بمئزر وامنعوا منها النساء إلا مريضة أو نفساء".
قال: لأن إباحة ذلك ذريعة إلى أن يدخلنه غير مؤتزرات لا من أجل أن عليهن إثما في دخولهن مؤتزرات فدخول الحمام للنساء مكروه وغير محرم عليهن وعلى هذا يتأول ما روي عن النبي ﷺ في ذلك وانظر تمام كلامه في جامع المقدمات وبالله التوفيق.
وبالجملة ففرائض الحمام خمسة: غض البصر وستر العورة وتغيير ما أمكن من مناكره وأخذ المعتاد من الماء وإعطاء الواجب من الأجرة على الوجه السائع شرعا ومن واجب ستر العورة منع الدلاك من مسها بما أمكن وكذا غيره لأن مس العورة كالنظر إليها.
البلالي وينفع غسل قدميه بماء بارد نعم يضر إن تمحض برده وينفع نوم عقبه وقلة مكث ليجف وكثرة صب لدى يبس مع قلة مكث وطول مكث مع قلة صب لاستفراغ رطوبة زائدة مع تذكر نعيم وجحيم وسبحان الله وبحمده مائة مارة فأكثر لما يكفر ذنوب يومه انتهى وإنما ذكرته حرصا على الإفادة وبالله الوفيق.
стр. 933
(ولا يتلاصق رجلان ولا امرأتان في لحاف واحد).
نهى رسول الله ﷺ أن يتلاصق الرجلان في ثوب واحد ليس بينهما حائل فإن الله يمقت على ذلك وفي سنن أبي داوود من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ولا المرأة إلى المرأة في ثوب واحدة" الحديث.
وقد تقدم تفريق الولدان في المضاجع إذا بلغوا سبع سنين من قول ابن القاسم: وإذا بلغوا عشرا من قول ابن وهب وابن حبيب وذلك لأن لمس العورة كالنظر إليها ولما يدعو إليه الحال من الاستلذاذ بالمباشرة وخوف داعية الفاحشة قالوا: ويمنع ذلك حتى في حق الوالد مع ولده وتلاصق الزوجين سنة كذا ذكره ابن الحاج وأنكر حال من ينام مع زوجته وكل بثوبه وقال: إن السنة خلافه والله أعلم.
(ولا تخرج امرأة إلا مستترة فيما لا بد لها من شهود موت أبويها أو ذي قرابتها ونحو ذلك مما يباح لها ولا تحضر في ذلك ما فيه نوح نائحة أو لهو من مزمار أو عود أو نحو ذلك من الملاهي الملهية إلا الدف في النكاح واختلف في الكبر).
أما أن المرأة لا تخرج إلا مستترة فواجب لأنها كلها عورة ولو شعرة إلا الوجه والكفين لضرورة التصرف في ضرورياتها وأخذ عياض بمسامحة نساء البادية في أطراف الساقين من حديث عائشة ﵂: كان النساء يوم أحد ينقولن القرب على متونهن حتى تبدو خلاخل سوقهن وفيه نظر.
واختلف في وجوب التنقب على المرأة عند خروجها وظاهر كلام الشيخ وجوبه لتخصيصه النساء في الستر وقد قال بعضهم: لا تخرج المرأة إلا بشروط خمسة أن يكون خروجها طرفي النهار لا في وسطه إلا من ضرورة فادحة وأن تلبس أدنى ثيابها وأن تمشي في حافة الطريق دون وسطه لئلا تزاحم الرجال ولا تخالطهم وأن تجتنب ما يظهر عليها من الطيب ونحوه وأن تستر ما يحرم نظره منها وهو ما عدا الوجه والكفين.
عبد الوهاب إلى أن يكون ذلك منها فتنة فيجب ستره والأحوط المقام ببيتها وترك الخروج إلا من عذر يعني كشهود موت أبويها وما ذكر الشيخ معه قلت وقد
стр. 934
روي أن رسول الله ﷺ قال لفاطمة " ما خير ما للمرأة يا بنية؟ " قالت: أن لا ترى ولا ترى فقال ﵇: "بأبي ذرية بعضها من بعض" يشير لشبهها خديجة ﵂.
ومما يباح لها الخروج للمسجد لقوله ﵊: " لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" فلها الخروج للمسجد ما لم تكن مفتنة أو يكون الزمان فاسدا بحيث لا تأمن ولا تؤمن قاله القاضي أبو بكر بن العربي مثل نساءنا باللبس وذكر من شأنهن من التحفظ والصيانة ما يحسن قال وليس على زوجها أن يأمرها ولكن لا يمنعها فقط وأما حضور النوح فإن كان مع المساعدة والرضا به فهو حرام وإن كان على غير ذلك فلا ينتهي حضوره إلى التحريم ويكره خروجهن للجنائز ولعن رسول الله ﷺ زوارات القبور وقال: " ارجعن مأزورات غير مأجورات" الحديث.
وأما الملاهي فكل ما يشغل النفس عما يعنيها مما تستلذه النفس من الغنءا وشبهه وظاهر كلام الشيخ أن الممنوع منها الملهي لا الذي لهو فيه فهي إذا نوعان ما يلهي وغيره مله فالملهي كالعود والطنبور والجناح والضبية وجميع ذوات الأوتار التي العمل فيها يلهي وغير الملهية ما كان مزعجا كالبوق والدف والزمارة ونحو ذلك والكل ممنوع إلا ما استثني لوليمة العرس ونحو ذلك.
ابن رشد: اتفق أهل العلم على إجازة الدف وهو الغربال في العرس قلت: وهو المسمى عندنا بالبندير ورأيت أهل الدين ببلادنا يتكلمون في أوتاره ولم أقف في ذلك على شيء وفي المزهر والكبر ثلاثة أقوال الجواز لابن حبيب والمنع لسماع أصبغ وهو الآتي على ما في سماع سحنون من ابن القاسم أن بيع الكبر يفسخ ويؤدب فاعله فالمزهر أحرى والثالث: جواز الكبر دون المزهر لابن القاسم.
والكبر بفتحات طبل صغير مجلد من ناحية والمزهر بكسر الميم المجلد من جهتين والإباحة في ذلك على المشهور للرجال والنساء إلا لذي هيئة. وقال أصبغ للنساء فقط وعلى الإجارة فمذهب المدونة يكره وهو المشهور وأجاز ابن كنانة البوق والزمارة لأنها
стр. 935
مزعجة والله أعلم.
(ولا يخلو رجل بامرأة ليست منه بذي محرم ولا بأس أن يراها لعذر من شهادة عليها وإذا نحو ذلك أو خطبها وأما المتجالة فله أن يرى وجهها على كل حال).
يعني أن الخلوة بغير ذي محرم حرام لما تدعو له من المكروه أو التهمة به وقد قال ﷺ : " لا يخلون رجل بامرأة ليس بذي محرم فإن الشيطان ثالثهما" ومفهوم الكلام أن الخلوة بذات المحرم جائزة وهو كذلك بلا خلاف ولا كراهة في قريب القرابة كالأخت والأم من النسب ونحوهما وكرهها بعض العلماء مع الأباعد عن المخالطة كالخالة من الرضاع والأخت منه ونحو ذلك.
وذكر النووي عن الشافعي تحريم الخلوة مع الشاب الجميل وإن أمنت فتنته والمذهب عدم اعتبار ذلك إلا لريبة حكاه ابن الفاكهاني وأصل المذهب في سد الذرائع وأما نظرها لعذر الشهادة ونحوها فجائز اتفاقا.
وقال ابن محرز: يجوز النظر إلى الأجنبية من غير ضرورة إن لم يقصد اللذة قال والنظر إلى وجهها وكفيها جائز اتفاقا وعلله بعضهم بضرورة التصرف فإن كانت مفتنة وجب عليها الستر والمتجالة هي التي لا إرب للرجال فيها لكبرها.
وقد قال تعالى ﴿والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابنهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم﴾ [النور: ٦٠] والمشهور في الخاطب أن نظره في المخطوبة مندوب لقوله ﵇: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل" رواه أحمد وأبو داود من حديث جابر ﵁ ورجاله ثقات وصححه الحاكم وقيل: مباح فقط ثم على المشهور إنما ينظر وجهها وكفيها فقط.
وأجاز ابن القصار النظر إلى ما سوى السوأتين منها والمشهور لا ينظر إليها غفلة بل بعد إعلامها لتستعد لما دعوه إلى نكاحها وقال ابن وهب يجوز استغفالها وهي من مسائل أبواب النكاح وبالله التوفيق.
стр. 936
(وينهي النساء عن وصل الشعر وعن الوشم).
وصل شعر المرأة لتظهر كثرته وطوله حرام وكذا الوشم بالمعجمة وهو جرح العضو بما يخرج دمه على وضع يقصده الواشم ثم جعل سواد عليه يغير لونه إلى الخضرة فلا يحل منه قليل ولا كثير لحديث ابن عمر ﵁: " لعن الله الواصلة والمستوصلة والواشمة والمستوشمة" متفق عليه. وفي بعض رواياته: " والنامصة والمتنمصة والواشرة والمستوشرة المتفلجات للحسن المغيرات خلق الله" فالنامصة: التي ترقق الحاجب بحف أو نتف والواشرة هي التي تنشر الأسنان بسكين لتبيض وتصغر وتتفلج وقد علل ذلك في الحديث بتغيير خلق الله.
وعلله بعضهم بما فيه من الغرر وفيه نظر وقد أجاز مالك تطريف الأصابع بالحناء وروى عمر ﵁ أنه نهى ﷺ عن غير الخضاب وجعله إلى محل السوار مباحا وقال: " يا معشر النساء إذا اختضتن فإياكن والنقش والتطريف" وقال ابن الحاج: في المدخل من اشتهى امرأة بالوشام كمن اشتهى شخصا مضروبا بالسياط وليس من الوشام ما يكون من الحرقوص بالحديد ونحوها.
وتكلم العلماء من جهة أنه حائل في الطهارة فقط وذكر بعض الشافعية أن محل الوشم نجس لأنه دم عقد فأصبغ ولم أقف لأهل المذهب في ذلك على شيء ومما عمت البلوى به ثقب الأذنين للأخرص وقد بالغ الغزالي وغيره في إنكاره وقارب أن يدعي في تحريمه الإجماع ونقله ابن الحاج في مدخله غير أن الإمام أحمد قال بجوازه على ما حكاه ابن فرحون في جزء له في البدع فقال بعض من لفيناه من أئمة المدينة المشرفة في سنة خمس وسبعين وثمانمائة هذا الذي ينبغي أن يقلد لأن غيره يؤدي إلى تجريح الأمة كلها والله أعلم ولا حديث على الرجال والصبيان في ذلك لقبح أمرهم عادة ومنعه شرعا وما يحكى عن الزناتي إباحة الوشام فهو في بعض الوجوه مصادم للنص فهو صريح الخطأ وهكذا قال الشيوخ وبالله التوفيق.
(ومن لبس خفا أو نعلا بدأ بيمينه وإذا نزع بدأ بشماله ولا بأس بالانتعال قائما ويكره المشي في نعل واحد).
أما ما ذكر من صفة الانتعال والخلع فلحديث علي كرم الله وجهه قال ﷺ : " إذا
стр. 937
انتعل أحدكم فليبدأ باليمين فإذا نزع بدأ بالشمال ولتكن اليمنى أولهما تنعلا وآخرهما تنزعا" وعنه أيضا ﷺ : " لا يمشي أحدكم في نعل واحدة ولينعلهما جميعا أو يخلعهما جميعا" متفق عليهما وفي حديث عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ يحب التيامن ما استطاع في شأنه كله متفق عليه.
قال النواوي وهذه قاعدة شرعية أن ما كان من باب التكريم والتشريف كلبس السراويل والخف ودخول المسجد والسواك الانتعال وتقليم الأظفار وترجيل الشعر أي مشطه ونتف الإبط وحلق الرأس والسلام من الصلاة وغسل أعضاء الطهارة والخروج من الخلاء والأكل والشرب والمصافحة واستلام الحجر الأسود وغير ذلك مما في معناه يستحب التيامن فيه وما كان بضده كدخول الخلاء والخروج من المسجد والامتخاط والاستنجاء وخلع الثوب والسراويل والخف وما أشبه ذلك فلا يستحب التيامن فيه وذلك من كرامة اليمين وشرفها انتهى.
وأما الانتعال قائما فقد ورد النهي فيه وكان مالكا رآه معللا بكشف العورة فلا يكون مكروها لذاته وحيث يؤدي إلى كشف العورة فممنوع وإنما هي عن المشي في نعل واحد لأنه مثلة ويؤدي إلى الضرر للرجل الأخرى بالحفاء ونحوه كما جرب فصح واتفقوا على أن من انقطع شسع نعله لا يجوز له إصلاح الواحدة وهو يمشي في الأخرى وأجاز ابن القاسم قيامه في واحدة لإصلاح الأخرى وقال غيره لابد من نزع الأخرى حتى يصلح ابن يونس ولا بأس بالمشي في النعل الواحدة لمقطوع الرججل الأخرى ونحوه وفي العتبية وهو ظاهر الوجه من ضرورة المشي به والله سبحانه أعلم.
(وتكره التماثيل في الأسرة والقباب والجدران وفي الخاتم وليس الرقم في الثوب من ذلك وتركه أحسن).
التماثيل أي الصور على ثلاثة أقسام: قسم يحرم باتفاق وهو ماله ظل قائم من مشبه الحيوان العاقل وغيره وقسم مباح باتفاق إلا ما حكي عن مجاهد من كراهته وهو ما لا يشبه الحيوان كالشجر والثمار ونحو ذلك.
стр. 938
وقسم مختلف فيه وهو ما ليس له ظل قائم من مشبه الحيوان كما يكون في البيوت والستور والرقوم في الثياب ونحوها. وقد حكى ابن رشد فيها أربعة أولها: التحريم مطلقا. والثاني: إباحتها مطلقا. وثالثها: إباحة غير ما في الجدران والحيطان. ورابعها: مثله بزيادتها في الستور.
قال والذي يباح من ذلك للصبيان ما كان غير تام الخلقة وقال أصبغ يباح من ذلك للعبه ما يسرع فساده فقط انتهى وإنما أبيح ذلك للصبيان تأليفا لهم وتعليما للحرب في حق الذكور والإقامة في حق النساء والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 939
باب في الطعام والشراب
يعني: في ذكر آدابها المستعملة أولا وآخرا أوحال التناول.
(إذا أكلت أو شربت فواجب عليك أن تقول باسم الله وتتناول بيمينك وإذا فرغت فتقل الحمد لله وحسن أن تلعق يدك قبل مسحها).
يعني: أنك إذا أردت الشروع في الأكل يتعين عليك التسمية وجوبا يعني: وجوب السنن لا وجوب الفرائض وهي أن تقول باسم الله لا تزيد على ذلك لأن الأكل استهلاك لا يصح معه ذكر الرحمة، وذكر الغزالي والنووي إكمالها وهل هو على الأعيان وهو ظاهر المذهب ومن السنن الكفائية يحمله الواحد عن الجماعة وهو الذي حكاه النووي عن الشافعي قائلا هو كرد السلام وتشميت العاطس ونحوه.
قال ابن الحاج ومن سنة التسمية الجهر لأنه إغراء للحاضرين على الأكل البلالي وتسميته بكل لقمة وحمده عقبها أزكى قال فباسم الله أوله وآخره درياقة وتزكية طعامه وفي الحديث أن من نسي التسمية أوله يقول إذا ذكر باسم الله أوله وآخره وفي حديث عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله ﷺ أنه كانت تطيش يده في القصعة فقال له ﵊: " قل باسم الله وكل بيمينك وكل مما يليك" روه مسلم وفي مسلم أيضا من حديث ابن عمر ﵁: " إذا أكل أحدك فليأكل بيمينه وإذا شرب فليشرب بيمينه فإن الشيطان يأكل بشماله" الحديث.
وأما الحمد عند الفراغ ففي حديث أنس ﵁: " أن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها أو يشرب الشربة فيحمده عليها" رواه مسلم أيضا قال علماؤنا: وسنة الحمد الإسرار لأنه كالأمر بالانفكاك لمن سمعه من الآكلين وأنكر ابن الحاج البسملة عند أكل لقمة والحمد على بلعها وقال هذا وإن كان حسنا فالسنة أحسن منه والتسمية أولا والحمد لله آخرا وذكرت ذلك لبعض الصالحين فقال لا معارضة فيه للسنة فقلت هو مخالف لما ورد من السنة التحدث على الطعام فقال يفعل
стр. 940
ذلك إذا كان وحده وفي نظر وأما لعق الأصابع ففي حديث ابن عباس ﵁: " إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها" متفق عليه زاد النسائي: " فإنه لا يدري البركة في أوله أو آخره".
وفي روايةكان ﵇ لا ترفع الصحفة حتى يلعقها أو يلعقها فإن آخر الطعام فيه البركة وروى أنه ﵇ كان يلعق أصابعه حتى تحمر وظاهر ما هنا أن اللعق أولا ثم المسح ثم الغسل وهو أنظف وأطيب للنفس وحكى لي بعض الأصحاب أن الزناتي ذكر آخرا من السنة والله أعلم.
(ومن آداب الأكل أن تجعل بطن ثلثا للطعام وثلثا للماء وثلثا للنفس).
هذا حديث أصله قوله ﵊: " ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه حسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه فإن كان ولا بد فثلث للطعام وثلث للماء وثلث للنفس" أخرج الترمذي وصححه فالشبع إلى حد التخمة وإفساد المعدة بإفساد الطعام حرام وما دون ذلك ما يؤدي إلى الثقل مختلف فيه بالكراهة والإباحة وعليهما اختلفا في الجشاءة هل يقول الحمد لله أو يستغفر الله؟ وجمع بينهما وهو أحسن فيحمد اعتبارا بالنعمة ويتسغفر لسوء أدبه في أكله وما لا يحسن معه بالثقل مما لا يخل بغذائه وهو المطلوب.
وقال في سراج المريدين ينبغي أن يكون طعام المريد أربعا وعشرين أوقية بين الليل والنهار ويجزئ ذلك على ثلاثين سواء أكله في مرة أو مرات قلت: والميزان الحق في ذلك ثلاث تغير الطعام في الفم فإنه لا يكون إلا بعد أخذ الطبيعة ما تحتاج إليه والإحساس بالثقل الذي يخشى منه التثبط والتخمة أو ما يقرب منهما وطلب الشرب لفدع ما يؤكل لا للاحتراق في الطبيعة وعلامته قلة لذة الماء في فيه.
وقد قال سفيان ﵁ كل ما شئت ولا تشرب وأقوال الناس تختلف والمقصود حفظ القوة مع خفة الأعضاء للعبادة بلا علاج والله أعلم.
(وإذا أكلت مع غيرك أكلت مما يليك ولا تأخذ لقمة حتى تفرغ الأخرى).
стр. 941
أما أكله ما يليه فقد تقدم الحديث في الأمر به عموما ويتأكد مع الغير ابن رشد وكذلك إذا كان الطعام واحدا كالثريد واللحم وشبه ذلك فأما الأصناف المختلفة كأصناف الفاكهة في طبق مما تختلف فيه أغراض الآكلين فلا باس للرجل أن يتناول ما بين يدي غيره وذلك منصوص عن النبي ﷺ ولا بأس إذا أكل الرجل مع أهله وبنيه أن يتناول ما بين يدي وغيره منهم إذ لا يلزمه أن يتأدب معهم ويلزمهم أن يتأدبوا معه في الأكل فإن لم يفعلوا أمرهم بذلك ما فعل ﵊ مع عمر بن أبي سلمة حين طاشت يجه في الصحفة والله أعلم.
وقد صح أنه ﵇ كان يتتبع الدباء من حوالي القصعة فحكى أبو محمد صالح في المنهاج عن ابن رشد أن ذلك خاص به ﷺ وذكرت كلامه للشيخ الفقيه الصالح سيدي سليمان بن يوسف البجاوي فقال الأصل التأسي حتى يثبت خلافه ووجه الخصوص أن كل البيوت بيته ﵇ وجولان يده في الطعام ترجي بركته بل تتحقق فجولانه تطيب لقلب صاحبه البلالي ويأكل متأنيا ناظرا بين يديه منزها لمائدته عما يلقيه ثم قال نعم ويكسر الخبز لقلته أو إيناس آكله وإلا فأرغفة. والأكل من جوانبها يعني القصعة أفضل انتهى واختلف في البداءة باللحم وتأخيره ثالثها يبدأ به الجائع لا غيره وفي جعل الإدام على الخبز ثالثها إن كان يأكله جاز وإلا كره كان ﷺ لا يذم ذواقا إن اشتهى أكل وإلا ترك وكان لا يحب الطعام السخن جدا وإذا أتى به قال: " أبردوه إن الله لم يطعمنا نارا" وينبغي إذا حضر القوم ذو هيئة أن ينظر إليه فلا يمد أحد يده إلا بعده ولا يرفع أحد إلا بعد رفعه كما قيل قالوا ولا يرفع يدا ما داموا في الأكل وليقم متى قاموا وفي المناولة من القصعة اللحم وغيره تفصيل كتقليم بعض الناس لبعض.
وقوله: (لا تأخذ اللقمة) إلى آخره: من باب التأني في الأكل خلاف حال النهم والشره والحديث على الطعام من السنة قالوا وليكن الكلام بين فترات التناول لا حالة امتلاء الفم بالطعام لأنه مثلة وقد يخرج من فيه ما يكره مع أنه لا يفهم أو لا يكاد يفهم وآداب الأكل كثيرة غيزيرة فنقتصر وبالله التوفيق.
(ولا تتنفس في الإناء عن شربك ولتبن القدح عن فيك ثم تعاوده إن شئت
стр. 942
ولا تعب الماء عبا ولتمصه مصا وتلوك طعامك وتنعمه مضغا قبل بلعه).
قد صح نهي رسول الله ﷺ عن التنفس في الإناء من حديث سلمان ﵁ وغيره وفي حديث أبي قتادة ﵁ قال رجل يا رسول الله إني لا أروى من نفس واحد قال: " فلتبن القدح عن فيك" قال فإني أرى القذارة فيه قال: " فأهرقها" رواه مسلم وقد أتى الشيخ بمعناه وفي النسائي ما يدل لاستحباب الشرب في ثلاثة أنفاس يمسي عند كل مرة ويحمد عليها وفي هذه الحديث جواز الشرب في نفس واحد وكراهة التنفس في الإناء والشرب في القدح وهو السنة.
وقد جاء النهي عن عب الماء عبا قيل لأنه يورث الكباد ولا يروي معه ولا يطفئ الحرارة الغريزية فيتضرر ولأنه من الشره ومن المعلوم أن السنة شرب الماء بالمص واللحم وبالنهش والخبز بالقرص إلا لعذر فيجوز غير ذلك واللوك تحريك الطعام وإدارته في الفم لتطييبه وقوة إنعامه ليأتي المعدة وقد تهيأ للهضم ومن المعلوم أن ذلك لا يكون إلا مع تصغير اللقمة يعني صغرا لا يؤدي إلى المقت وفي كلام ابن العربي أن اللقمة ينبغي أن تكون أوقية إلا ربعا ونحوها لأنه قال رطل ونصف في ثلاثين لقمة وقال بعض السلف الأكل بأصبع واحد مقت وباثنين ظرافة وكبرا وبثلاثة سنة وبأربعة جواز والله أعلم.
وذكر ابن العربي كراهة الشرب من ناحية العروة ومن الكسر يكون في الإناء وبالله التوفيق.
(وتنظيف فاك بعد طعامك وإن غسلت يدك من الغمر واللبن فحسن وتخلل ما تعلق بأسنانك من الطعام ونهى الرسول ﵇ عن الأكل والشرب بالشمال وتناول إذاشربت من على يمينك).
أما تنظيف الفم من الطعام بالسواك والمضمضة ونحوهما فهي السنة وفائدته دفع ما يتقي من تغيير طعم الفم ورائحة بذلك مع أنه يجلب العطش وربما دخل في ضرس مسوسة فيتغير فيها كرائحة العذرة وطعمها فتحرم وتنجس وقد نص على ذلك العلماء.
стр. 943
وقد تمضمض رسول الله ﷺ من اللبن وقال " إن له دسما".
وقال ﵇: " من بات وبيده غمر لم يغسله فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه" رواه أبو داود وغيره والغمر بفتح المعجمة والميم الودك وأما تخليل الأسنان فخرج أبو نعيم مرفوعا: " نقوا أفواهكم بالخلال فإنها مجالس الملائكة" وليس شيء أضر على الملائكة من بقايا الطعام بين الأسنان وأما الأكل بالشمال فقد تقدم قريبا وف الشفاء أنه ﵇ رأى رجلا يأكله بشماله فقال له: " كل بيمينك" فقال لا أستطيع، فقال ﵇" لا استطعت" فما رفعها إلى فيه بعد ولا خلاف أنه مكروه غير محرم إلا من ضرورة أو عذر.
وقد رئي علي كرم الله وجهه وفي يده خبز وبالأخرى شواء وهو يأكل من هذه ومن هذه وأما مناولة الأيمن ففي حديث أنس ﵁: " إذا شرب أحدكم فليتناول للأيمن" وقال ﵇ " الأيمنون الأيمنون ألا فيموا".
متفق على رواية معناه وقصته ﵇ في ذلك مع الشاب الذي قال لا أوثر بنصيي منك أحدا شهيرة في الصحيحين وغيرهما والله أعلم.
(ونهى عن النفخ في الطعام والشراب والكتاب وعن الشرب في آنية الذهب والفضة).
أما الثلاث الأول فروى حديث النهي عنها البزار وغيره وهو في الأولين لما يتقي من القذر والاحتقار وأما الثالث فلحرمته وخوف أن يفهم عنه وجود ازدرائه وسواء في ذلك ما قل وجل وحار الطعام وبارده وأجاب بعض الشافعية بأن تقبيل الخبز وحمله على الرأس تعظيما لم يرد به شيء واحتقار بلقائه في القاذورات ونحوها ممنوع وحكى لنا بعض الطلبة أن الشيخ ابن مرزوق – ﵀ – كان يقول: إذا اختلط الطعام بالتراب ونحوه بحيث لا يمكن النفع به سقطت حرمته.
وحكى لنا شيخنا أبو عبد القوري – ﵀ – في أكل الخبز المحترق الذي صار كالتراب قولين قال وذكرهما في المعين في شرح التلقين وأما الشرب في آنية الذهب والفضة ففي حديث أم سلمة ﵂: " الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر
стр. 944
في بطنه نار جهنم" متفق عليه قال علماؤنا بنبه في هذا الحديث بالأدنى على الأعلى فإذا كان هذا في آنية الفضة فالذهب أحرى لقوة السرف والرفاهية فيه وإذا كان هذا في الشرب فالأكل أحرى.
وفي حديث حذيفة ﵁ صريح النهي عنهما متفق عليه ولا خلاف في تحريم استعمال أواني الذهب والفضة وإنما اختلف في جواز اقتنائها فأخذ الباجي من جواز بيعها جواز اقتنائها ورد بأن عينها تملك إجماعا فعلى المشهور لا يجوز الاستئجار على صوغها ولا شيء على من أتلفه وعلى الثاني يجوز الاستئجار ويلزم الغرم وفرض ابن بزيزة في شرح التلقين ذلك في اتخاذها لتزيين البيوت بتعليقها وعد عياض في مكروهات الوضوء كونه منها وهو مشكل م وفي إناء الجوهر قولان ولو غشي ذهب أو نحوه برصاص ونحوه وموه رصاص ونحوه بذهب ونحوه فقولان: قال الباجي ولا يتعدى التحريم إلى الياقوت والفيروزج وشبه ذلك من الجواهر النفيسة لمجرد نفاستها وقال الأبهري ما يصنع من الياقوت واللؤلؤ والمرجان أولى بالتحريم من الذهب والفضة ولابن سابق يكره عياض في المغشي والمموه على اعتبار السرف يجوز الأول ويمنع الثاني وقيل عكسه لاستهلاك عينها واعتبار العين يمنعها وفي المضبب بهما أو بأحدهما ثالثها يكره ومثله ذو الحلقة والمنع للباجي وابن العربي وعياض مع رواية العتبي عن مالك لا يعجبني الشرب فيها يعني الآنية لا ما ينظر فيها يعني المرآة من ذهب أو فضة وقد أتى الحسن بطيب في من فضة فقلبه في يده واستعمله وفي حديث أنس ﵁ انكسر قدح النبي ﷺ فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة متفق عليه وهو خلاف ما قالوا في المضبب وذي الحلقة فانظر أبوابه وبالله التوفيق.
(ولا ينبغي لمن أكل الكراث أو الثوم أوالبصل نيأ أن يدخل المسجد).
يعني أنه يكره ذلك له لأنه يؤذي الناس بريحه وقال ﵊ في الثوم: " من أكل من هذه الشجرة الخبيثة فلا يقربن مساجدنا يؤذينا بريح الثوم" متفق عليه مع اختلاف ألفاظه وقد أخذ به جمهور العلماء وأرباب الفتيا قالوا بكراهتها لدخول المسجد من غير تحريم خلافا لأهل الظاهر وقال بعض العلماء النهي خاص بمسجد المدينة والصحيح عمومه قال بعضهم ومصلى العيد والجنائز وغير ذلك مما يجتمع.
стр. 945
فيه الناس كالمسجد في ذلك.
وقال ابن المرابط من به داء البخر كآكل الثوم في النهي وما ذكر من أن البصل والكراث لم يرد فيه حديث بخصوصه فهو مقيس على الثوم وهل يحرم إخراج الريح فيه أو يكره قولان وقد ذكروا أكل الثوم في مبيحات التخلف عن الجمعة وكذا ما كان في معناه فانظر ذلك وسيأتي تعظيم المساجد وما يجوز فعله فيها ودخولها به بعد إن شاء الله.
(ويكره أن يأكل متكئا ويكره الأكل من رأس الثريد ونهى عن القرن في التمر وقيل إن ذلك مع الأصحاب الشركاء فيه ولا بأس بذلك مع أهلك أو مع قوم تكون أنت أطمعتهم ولا بأس في التمر وشبهه أن تجول يدك في الإناء لتأكل ما تريد منه).
أما كراهة الأكل متكئا فلأنه صفة المتكبرين أعني الميل على شق حال الأكل وفسر عياض الاتكاء بالتمكن للأكل على وجه يتهيأ معه الإكثار قائلا: وليس الاتكاء هنا الميل على شق عند المحققين وانظر الشفاء عند قوله ﵇: " أما أنا فلا أكل متكئا إنما أنا عبد أكل كما يأكل العبد" أخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة ﵁.
وأما الأكل من رأس الثريد ففي السنن الأربعة من رواية ابن عباس ﵁ قال أتي النبي ﷺ بقصعة من ثريد فقال: " كلوا من جوانبها ولا تأكلوا من وسطها فإن البركة تنزل على وسطها" قال ابن حجر هذا لفظ النسائي وسنده صحيح.
وأما القران في التمر بمعنى قرن إحدى التمرتين بالأخرى عند الأكل ففي المتفق عليه من حديث ابن عمر ﵁ نهى النبي ﷺ عن القران في التمر إلا أن يستأذن أصحابه فظاهره أن ذلك لمكان الشركة ويحتمل أن يكون للأدب معهم وعليهما القولان المذكوران في النص والله أعلم.
ويحكى أن أبا هريرة ﵁ أكل تمرا مع أعرابي فرآه يقرن فقال أوتر يا أعرابي فجعل يأكل ثلاثا ثلاثا وأما الجولان في التمر فهو السنة ولكن ينبغي أن يكون بأدب وحشمة وحديثه متفق عليه وقد تقدم كلام ابن رشد فيه ثم هل هذا خاص بالتمر أو لا ظاهر الحديث في قوله أنه أنواع يدل على عدم اختصاصه بالتمر ولا
стр. 946
بالفاكهة فانظر ذلك وبالله التوفيق.
(وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى وليغسل يده وفاه بعد الطعام وليمضمض فاه من اللبن ويكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك).
ما ذكر أن غسل اليد قبل الطعام ليس من السنة هو قول مالك ورده أبو عمر بن عبد البر في جامع الكافي بحديث سلمان ﵁ غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم وقال: إنه صحيح وهذا فيما هو مائع من الطعام وأما غيره فلا وجه له نعم قيل هو شكر لنعمة التناول قبل التلبس بالنعمة والأذى عبارة عن نجس أو قذر إن كان طاهرا.
وقد ثبت غسل النبي ﷺ من الغمر وتمضمضه من اللبن وأمره بذلك وثبت أن الصلاة أقيمت وهو يجتز من كتف شاة فمسح يده بالحصباء وصلى وقد تقدم بعض الكلام في ذلك وأما غسل اليد بالطعام كالدقيق والعسل والقطاني التي هي منها الترمس وقد عمت البلوى به وفيه اختلاف قال سحنون يمنع كالنخالة لحرمة الطعامية.
وحكى ابن يونس عن مالك الجواز بالنخالة وغيرها قائلا أن الصحابة كانوا يتمندلون بأقدامهم وكانوا يأكلون الطعام الدسم ولابن وهب في المختصر سمعت مالكا يقول في الجلبان والفول وما أشبهه من الطعام لا بأس أن يتوضأ منه ويتدلك في الحمام.
وقال مالك: إن الرجل ليدهن بعض جسده بالسمن أو الزيت من الشقاق قال وسئل عن الدقيق يغسل في اليد فقال غيره أحب إلي ولو فعل لم أر به بأسا ثم كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمندل ببعض رجله وفي النخالة ثلاثة المنع لسحنون والكراهة لمالك والجواز لابن نافع والله أعلم.
(ولتجب إذا دعيت إلى وليمة العرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بين وأنت في الأكل بالخيار وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة زحام الناس فيها).
يعني أن إجابة دعوة وليمة العرس أي النكاح مطلوب وهل واجب أو مندوب قولان عياض لم يختلف العلماء في وجوب إجابة دعوة الوليمة الباجي: وروى ابن
стр. 947
حبيب ليس ذلك حتما ولا فرضا وأحب له أن يأتيه فجعله ندبا ونحوه في الجواهر عن ابن القصار.
وقال اللخمي: إن كان المدعو جارا أو قريبا أو صديقا أو ممن يتجدد بتخلفه عداوة أو مقاطعة وجبت إجابته وغيره إن لم يأت من الناس ما تقع به شهرة النكاح ندبته وإلا أبيتحت قال وروي لمحمد لا بأس أن يقول الرجل للرجل ادع لي من لقيت وليس على المدعو كذا إن لم يجب عيب يريد لأن تخلف من يعرف ولا يقطع به شنآن.
ووليمة العرس شرط فلا يتأكد الأمر في غيرها وقد قال ﷺ : " شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعي إليها من يأباها ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله" أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: وفي المتفق عليه من حديث ابن عمر ﵁: " إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها" ولمسلم: " فليجب عرسا كان أو غيره".
وقد قسم ابن رشد الدعوة إلى الأطعمة خمسة أقسام فجعل دعوة وليمة العرس واجبة الإجابة إلا لعذر ودعوة المأدبة مستحب إجابتها وهي طعام الولد والإخاء والمعاشرة ودعوة تجوز إجابتها ولا حرج على التخلف عنها وهي كل ما كان دون دعوة الوليمة من الدعوات العادية كالعقيقة والعتيرة والخرس لإذلال ومنها ما تكره إجابته وهو ما قصد به مباهاة أو مفاخرة ونحو ذلك فتكره لا سيما لأهل الفضل والهيئات لأن إجابتهم لذلك إضاعة للتصاون وسبب لإذلال أنفسهم وتحرم لمن يحرم عليه قبول هديتهم كالمديان والخصمين للقاضي ونحو ذلك انتهى باختصار بعض ألفاظه وانظر المقدمات.
تنبيه:
المأدبة بفتح الدال وضمها ما يصنع للتودد ونحوه والوضيمة طعام المصيبة والنقيعة طعام قدوم المسافر والعتيرة طعام الختان والوكيرة كمال البناء والخرس طعام الولادة والعقيقة طعام سابع المولود والوليمة قال الخطابي طعام الأملاك وقال صاحب العين طعام النكاح وقيل طعام العرس والأملاك معا قال القاضي وروى ابن القاسم في المدونة إنما تجب الإجابة في طعام العرس وليس طعام الأملاك مثله.
عياض هذا على رواية محمد أنها بعد البناء وهو المسمى عندنا وليمة وعرسا
стр. 948
والمذهب استحباب الوليمة ابن سهل والمذهب القضاء بها على الزوج للعمل بها عند الخاصة والعامة ولحديث فيها، الباجي: المختار منها يوم احد عياض حكى ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند البناء عياض لا خلاف أنه لا حد لها وهي بقدر حال الرجل وما يجد استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا قيل إذا دعي في اليوم الثاني من لم يدع في الأول ثم كذلك وتكره المباهاة والسمعتة (ع) وهو مقتضى نقل الباجي عن ابن حبيب وفيه إن دعا في الثالث من لم يكن دعاه مرة فهو سائع.
وفي حديث ابن مسعود ﵁: " طعام أول يوم حق وطعام اليوم الثاني سنة وطعام اليوم الثالث سمعة". رواه الترمذي واستغربه ابن حجر ورجاله رجال الصحيح.
وقوله: (إن لم يكن هناك لهو مشهور) يعني: لما في سماع يحيى من رواية ابن القاسم لا يدخل الرجل يدعى لصنيع فيجد فيه اللعب إلا أن يخف كالدفء والكبر الذي يلعب به النساء فلا بأس (ع) معروف المذهب منع حضورها للعب المنكر أو للأكثر في اللعب المباح الحضور إلا لأهل الفضل والهيئات والمنكر البين كاجتماع النساء والرجال (ع) تخلفه لعذر فرش للاستناد إليه والجلوس عليه.
وقوله: (وأنت في الأكل بالخيار) الباجي لا نص لأصحابنا في وجوب الأكل للمجيب وفي المذهب ما يقتضي القولين روى محمد عليه أن يجيب وإن لم يأكل أو كان صائما ففي الحديث: " إن كان صائما فليصل لهم" أي يدعو بخير وقال أصبغ ليس الأكل بتأكيد وهو بعيد وقول مالك على هذا أن الأكل ليس بواجب وقول أصبغ وعلى وجوبه اللخمي وقول مالك يأكل خلاف الحديث: " فإن كان مفطرا أكل وإن كان صائما فليصل لهم" الحديث قال ولو جعل على صفة المدعو لكان حسنا فالرجل الجليل لا بأس أن يطعم لأن المراد التشرف بمجيئه وإن لم يكن كذلك وهو ممن يرغب في أكله ويحدث وحشة بتركه فاتباع الحديث أولى وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
стр. 949
باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر
ذكر في هذه الترجمة سبعة أشياء كلها مهمة فالسلام من السلامة وهو من أسماء الله أيضا والاستئذان طلب الإذن في الدخول والتناجي: المسارة في الحديث والمراد ذكر أحكام ذلك وما بعده.
(ورد السلام واجب والابتداء به سنة).
أما كون رد السلام واجبا فلقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦] فالرد من حق المبتدئ به فلذلك كان واجبا لا لذاته والابتداء به سنة لأنه إبرار للمسلمين ومعروف بينهم وقد تقدم أن من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه.
وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵁ قلت يا رسول الله أي الإسلام خير؟: " أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" وقال عمر ﵁ ثلاث من جمعهن فقد حاز الخير كله الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار انتهى.
(والسلام أن يقول الرجل: السلام عليكم ويقول الراد وعليكم السلام أو يقول سلام عليكم كما قيل له وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة أن تقول في ردك وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ولا تقل في ردك سلام الله عليك).
هذه كيفية السلام وما يتعلق بها وقد ذكر فيه السلام بالتعريف في الابتداء والتنكير في الرد وقد قالوا إن المنكر تحية أهل الجنة والمعرف تحية أهل الدنيا وهل المقصود اسم الله فالمراد الله شاهد عليكم أو حفيظ ونحوه وهو مقتضى التأمين وطلب الأمان به الذي يشرع من أجله والمراد السلامة منا عليكم فهو تأمين دون طلب وقد ورد في الشرع تارة للتأمين وتارة للإبرار.
وفي كون السلام ينتهي إلى البركة يحتمل أن يكون المراد هذا منتهاه في عرف الشرع وما وراء ذلك بدعة ويحتمل أنه المراد في عرف الاستعمال. وما رواءه زيادة تكلف وهذا هو الظاهر لأن الزيادة قد وردت عن بعض السلف والله أعلم.
стр. 950
قال بعض الشراح وإنما قال لا تقل سلام الله عليك لأنها تحية أهل القبور قلت وفيه نظرلأن ﵇ إنما حيا أهل القبور بقوله:" سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" والظاهر أنه إنما نهى عنه لإيهامه الإخبار عن تحقق السلام من الله أو طلب السلام من الله عليه وهي تحية النبوة وقد قال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣] بعضا الآية.
(وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم وكذلك إن رد واحد منهم).
ذكر هنا الابتداء بالسلام من سنن الكفاية والرد من فروض الكفاية وهو المذهب لأن مقصود السلام التأمين ويجوز أمان بعض المسلمين عن بقيتم وحيث الإبرار فالواحد كاف في تحصيل مصلحته خلافا لأبي يوسف من الحنفية وفي حديث علي كرم الله وجهه: " يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم" رواه أحمد والبيهقي وعليه الجمهور والله أعلم.
(وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس).
أما تسليم الراكب على الماشي فللتأمين من جهة أنه قدر عليه فالأمان مطلوب منه غالبا لا من الماشي وأما الإبرار فإنه في عز وكبر والآخر في محل مكابدة وضعة فالعطف من الراكب أولى وأمس بالتواضع وفي حديث أبي هريرة ﵁: " ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير" متفق عليه وفي رواية لمسلم: " والراكب على الماشي" انتهى.
ومقتضاه أن مقصود السلام الإبرار فتأمله وقد قال علماؤنا إنما المذهب الترتيب مع الأمن فأما مع الخوف فلا يسلم إلا على الوجه الذي يأمن به قالوا ويجوز له تركه سلام من يستقل سلامه وذكره ابن فرحون وغيره فانظره.
(والمصافحة حسنة).
يعني مليحة جميلة لأنها تزيل الوغر من القلب وتشعر بالتناصر والتعاضد وكيفيتها وضع الرجل يده في يد صاحبه يشد كل واحد يده قدرا يفهم بوجود القبضة بصاحبه والمشهور ما ذكر من استحبابها وهو مذهب الموطأ خلافا لمن يرى كراهتها أو منعها فقد قال ابن فرحون في نسكه الثلاثة الأقوال عن المذهب وعن ابن رشد الكراهة لرواية
следующие страницы →