← Фикх малики

Фикх малики · id 14556

شرح زروق على متن الرسالة

زروق

Полный текст (1 073 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

بالفاكهة فانظر ذلك وبالله التوفيق. (وليس غسل اليد قبل الطعام من السنة إلا أن يكون بها أذى وليغسل يده وفاه بعد الطعام وليمضمض فاه من اللبن ويكره غسل اليد بالطعام أو بشيء من القطاني وكذلك بالنخالة وقد اختلف في ذلك). ما ذكر أن غسل اليد قبل الطعام ليس من السنة هو قول مالك ورده أبو عمر بن عبد البر في جامع الكافي بحديث سلمان ﵁ غسل اليد قبل الطعام ينفي الفقر وبعده ينفي اللمم وقال: إنه صحيح وهذا فيما هو مائع من الطعام وأما غيره فلا وجه له نعم قيل هو شكر لنعمة التناول قبل التلبس بالنعمة والأذى عبارة عن نجس أو قذر إن كان طاهرا. وقد ثبت غسل النبي ﷺ من الغمر وتمضمضه من اللبن وأمره بذلك وثبت أن الصلاة أقيمت وهو يجتز من كتف شاة فمسح يده بالحصباء وصلى وقد تقدم بعض الكلام في ذلك وأما غسل اليد بالطعام كالدقيق والعسل والقطاني التي هي منها الترمس وقد عمت البلوى به وفيه اختلاف قال سحنون يمنع كالنخالة لحرمة الطعامية. وحكى ابن يونس عن مالك الجواز بالنخالة وغيرها قائلا أن الصحابة كانوا يتمندلون بأقدامهم وكانوا يأكلون الطعام الدسم ولابن وهب في المختصر سمعت مالكا يقول في الجلبان والفول وما أشبهه من الطعام لا بأس أن يتوضأ منه ويتدلك في الحمام. وقال مالك: إن الرجل ليدهن بعض جسده بالسمن أو الزيت من الشقاق قال وسئل عن الدقيق يغسل في اليد فقال غيره أحب إلي ولو فعل لم أر به بأسا ثم كان عمر بن الخطاب ﵁ يتمندل ببعض رجله وفي النخالة ثلاثة المنع لسحنون والكراهة لمالك والجواز لابن نافع والله أعلم. (ولتجب إذا دعيت إلى وليمة العرس إن لم يكن هناك لهو مشهور ولا منكر بين وأنت في الأكل بالخيار وقد أرخص مالك في التخلف لكثرة زحام الناس فيها). يعني أن إجابة دعوة وليمة العرس أي النكاح مطلوب وهل واجب أو مندوب قولان عياض لم يختلف العلماء في وجوب إجابة دعوة الوليمة الباجي: وروى ابن

стр. 947

حبيب ليس ذلك حتما ولا فرضا وأحب له أن يأتيه فجعله ندبا ونحوه في الجواهر عن ابن القصار. وقال اللخمي: إن كان المدعو جارا أو قريبا أو صديقا أو ممن يتجدد بتخلفه عداوة أو مقاطعة وجبت إجابته وغيره إن لم يأت من الناس ما تقع به شهرة النكاح ندبته وإلا أبيتحت قال وروي لمحمد لا بأس أن يقول الرجل للرجل ادع لي من لقيت وليس على المدعو كذا إن لم يجب عيب يريد لأن تخلف من يعرف ولا يقطع به شنآن. ووليمة العرس شرط فلا يتأكد الأمر في غيرها وقد قال ﷺ : " شر الطعام طعام الوليمة يمنعها من يأتيها ويدعي إليها من يأباها ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله" أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة ﵁: وفي المتفق عليه من حديث ابن عمر ﵁: " إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها" ولمسلم: " فليجب عرسا كان أو غيره". وقد قسم ابن رشد الدعوة إلى الأطعمة خمسة أقسام فجعل دعوة وليمة العرس واجبة الإجابة إلا لعذر ودعوة المأدبة مستحب إجابتها وهي طعام الولد والإخاء والمعاشرة ودعوة تجوز إجابتها ولا حرج على التخلف عنها وهي كل ما كان دون دعوة الوليمة من الدعوات العادية كالعقيقة والعتيرة والخرس لإذلال ومنها ما تكره إجابته وهو ما قصد به مباهاة أو مفاخرة ونحو ذلك فتكره لا سيما لأهل الفضل والهيئات لأن إجابتهم لذلك إضاعة للتصاون وسبب لإذلال أنفسهم وتحرم لمن يحرم عليه قبول هديتهم كالمديان والخصمين للقاضي ونحو ذلك انتهى باختصار بعض ألفاظه وانظر المقدمات. تنبيه: المأدبة بفتح الدال وضمها ما يصنع للتودد ونحوه والوضيمة طعام المصيبة والنقيعة طعام قدوم المسافر والعتيرة طعام الختان والوكيرة كمال البناء والخرس طعام الولادة والعقيقة طعام سابع المولود والوليمة قال الخطابي طعام الأملاك وقال صاحب العين طعام النكاح وقيل طعام العرس والأملاك معا قال القاضي وروى ابن القاسم في المدونة إنما تجب الإجابة في طعام العرس وليس طعام الأملاك مثله. عياض هذا على رواية محمد أنها بعد البناء وهو المسمى عندنا وليمة وعرسا

стр. 948

والمذهب استحباب الوليمة ابن سهل والمذهب القضاء بها على الزوج للعمل بها عند الخاصة والعامة ولحديث فيها، الباجي: المختار منها يوم احد عياض حكى ابن حبيب استحبابها عند العقد وعند البناء عياض لا خلاف أنه لا حد لها وهي بقدر حال الرجل وما يجد استحب أصحابنا لأهل السعة كونها أسبوعا قيل إذا دعي في اليوم الثاني من لم يدع في الأول ثم كذلك وتكره المباهاة والسمعتة (ع) وهو مقتضى نقل الباجي عن ابن حبيب وفيه إن دعا في الثالث من لم يكن دعاه مرة فهو سائع. وفي حديث ابن مسعود ﵁: " طعام أول يوم حق وطعام اليوم الثاني سنة وطعام اليوم الثالث سمعة". رواه الترمذي واستغربه ابن حجر ورجاله رجال الصحيح. وقوله: (إن لم يكن هناك لهو مشهور) يعني: لما في سماع يحيى من رواية ابن القاسم لا يدخل الرجل يدعى لصنيع فيجد فيه اللعب إلا أن يخف كالدفء والكبر الذي يلعب به النساء فلا بأس (ع) معروف المذهب منع حضورها للعب المنكر أو للأكثر في اللعب المباح الحضور إلا لأهل الفضل والهيئات والمنكر البين كاجتماع النساء والرجال (ع) تخلفه لعذر فرش للاستناد إليه والجلوس عليه. وقوله: (وأنت في الأكل بالخيار) الباجي لا نص لأصحابنا في وجوب الأكل للمجيب وفي المذهب ما يقتضي القولين روى محمد عليه أن يجيب وإن لم يأكل أو كان صائما ففي الحديث: " إن كان صائما فليصل لهم" أي يدعو بخير وقال أصبغ ليس الأكل بتأكيد وهو بعيد وقول مالك على هذا أن الأكل ليس بواجب وقول أصبغ وعلى وجوبه اللخمي وقول مالك يأكل خلاف الحديث: " فإن كان مفطرا أكل وإن كان صائما فليصل لهم" الحديث قال ولو جعل على صفة المدعو لكان حسنا فالرجل الجليل لا بأس أن يطعم لأن المراد التشرف بمجيئه وإن لم يكن كذلك وهو ممن يرغب في أكله ويحدث وحشة بتركه فاتباع الحديث أولى وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 949

باب في السلام والاستئذان والتناجي والقراءة والدعاء وذكر الله والقول في السفر ذكر في هذه الترجمة سبعة أشياء كلها مهمة فالسلام من السلامة وهو من أسماء الله أيضا والاستئذان طلب الإذن في الدخول والتناجي: المسارة في الحديث والمراد ذكر أحكام ذلك وما بعده. (ورد السلام واجب والابتداء به سنة). أما كون رد السلام واجبا فلقوله تعالى: ﴿وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها﴾ [النساء: ٨٦] فالرد من حق المبتدئ به فلذلك كان واجبا لا لذاته والابتداء به سنة لأنه إبرار للمسلمين ومعروف بينهم وقد تقدم أن من حق المسلم على المسلم أن يسلم عليه إذا لقيه. وفي البخاري من حديث عبد الله بن عمر ﵁ قلت يا رسول الله أي الإسلام خير؟: " أن تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف" وقال عمر ﵁ ثلاث من جمعهن فقد حاز الخير كله الإنصاف من نفسك وبذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار انتهى. (والسلام أن يقول الرجل: السلام عليكم ويقول الراد وعليكم السلام أو يقول سلام عليكم كما قيل له وأكثر ما ينتهي السلام إلى البركة أن تقول في ردك وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ولا تقل في ردك سلام الله عليك). هذه كيفية السلام وما يتعلق بها وقد ذكر فيه السلام بالتعريف في الابتداء والتنكير في الرد وقد قالوا إن المنكر تحية أهل الجنة والمعرف تحية أهل الدنيا وهل المقصود اسم الله فالمراد الله شاهد عليكم أو حفيظ ونحوه وهو مقتضى التأمين وطلب الأمان به الذي يشرع من أجله والمراد السلامة منا عليكم فهو تأمين دون طلب وقد ورد في الشرع تارة للتأمين وتارة للإبرار. وفي كون السلام ينتهي إلى البركة يحتمل أن يكون المراد هذا منتهاه في عرف الشرع وما وراء ذلك بدعة ويحتمل أنه المراد في عرف الاستعمال. وما رواءه زيادة تكلف وهذا هو الظاهر لأن الزيادة قد وردت عن بعض السلف والله أعلم.

стр. 950

قال بعض الشراح وإنما قال لا تقل سلام الله عليك لأنها تحية أهل القبور قلت وفيه نظرلأن ﵇ إنما حيا أهل القبور بقوله:" سلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون" والظاهر أنه إنما نهى عنه لإيهامه الإخبار عن تحقق السلام من الله أو طلب السلام من الله عليه وهي تحية النبوة وقد قال: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾ [النور: ٦٣] بعضا الآية. (وإذا سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم وكذلك إن رد واحد منهم). ذكر هنا الابتداء بالسلام من سنن الكفاية والرد من فروض الكفاية وهو المذهب لأن مقصود السلام التأمين ويجوز أمان بعض المسلمين عن بقيتم وحيث الإبرار فالواحد كاف في تحصيل مصلحته خلافا لأبي يوسف من الحنفية وفي حديث علي كرم الله وجهه: " يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزئ عن الجماعة أن يرد أحدهم" رواه أحمد والبيهقي وعليه الجمهور والله أعلم. (وليسلم الراكب على الماشي والماشي على الجالس). أما تسليم الراكب على الماشي فللتأمين من جهة أنه قدر عليه فالأمان مطلوب منه غالبا لا من الماشي وأما الإبرار فإنه في عز وكبر والآخر في محل مكابدة وضعة فالعطف من الراكب أولى وأمس بالتواضع وفي حديث أبي هريرة ﵁: " ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير" متفق عليه وفي رواية لمسلم: " والراكب على الماشي" انتهى. ومقتضاه أن مقصود السلام الإبرار فتأمله وقد قال علماؤنا إنما المذهب الترتيب مع الأمن فأما مع الخوف فلا يسلم إلا على الوجه الذي يأمن به قالوا ويجوز له تركه سلام من يستقل سلامه وذكره ابن فرحون وغيره فانظره. (والمصافحة حسنة). يعني مليحة جميلة لأنها تزيل الوغر من القلب وتشعر بالتناصر والتعاضد وكيفيتها وضع الرجل يده في يد صاحبه يشد كل واحد يده قدرا يفهم بوجود القبضة بصاحبه والمشهور ما ذكر من استحبابها وهو مذهب الموطأ خلافا لمن يرى كراهتها أو منعها فقد قال ابن فرحون في نسكه الثلاثة الأقوال عن المذهب وعن ابن رشد الكراهة لرواية

стр. 951

أشهب وقال هي أخف من المعانقة. وقد جاء في حديث البراء بن عازب ﵁: " ما من مسلم يلتقي مع أخيه المسلم فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يفترقا" رواه الترمذي والأحاديث في الباب كثيرة قال علماؤنا وجوازها مقيد بما إذا لم يؤد لمكروه فقد قال بعض السلف يكون في هذه الأمة لوطيون ثلاثة قوم بالفعل وقوم المصافحة وقوم بالنظر وأخذ القول بالكراهة مبني على سد الذريعة في ذلك وبالله التوفيق. (وكره مالك المعانقة وأجازها ابن عيينة). أما كراهة المعانقة فحسما لذريعة المنكر وأما إجازتها لابن عيينة فلحديث فيها ابن رشد وروي أن ابن عيينة دخل على مالك فصافحه وقال يا أبا محمد لولا بدعة لعانقتك قال عانق من هو خير منك ومني النبي ﷺ قال مالك جعفر قال نعم قال ذاك حديث خاص يا أبا محمد لي بعام فقال ابن عيينة ما يخص جعفرا يخصنا وما يعمه يعمنا إذا كانا صالحين ثم قال أفتأذن لي أن أحدثك في مجلسك قال نعم يا أبا محمد فحدث بحديث قدوم جعفر من الحبشة ومعانقة النبي ﷺ له وتقبليه بين عينيه ابن رشد لما لم يرو أن النبي ﷺ فعله مع غير جعفر رأى مالك خصوصه وكراهته لسائر الناس إذ لم يصحبه عمل وبالله التوفيق. (وكره مالك تقبيل اليد وأنكر ما روي فيه). إنما كرهه لما يدعو إليه من الكبر والنخوة ورؤية النفس ومساعدتها في حظها وربما كان ذريعة للمكروه وقد رويت فيها أحاديث كثيرة منها أن وفد عبد القيس لما قدموا عليه ﷺ ابتدروا يديه ورجليه وهو صحيح وحديث أبي سعيد الخدري ﵁ في سعد بن مالك أن أباه استشهد في أحد فخرج مع الناس يلقي النبي ﷺ حين الدفع إلى المدينة قال: " قبلت يده" فقال سعد قلت نعم قال: " آجرك الله في أبيك " صحيح. وحديث الأعرابي الذي سأله آية فقال: " ادع تلك الشجرة" فجاءت حتى وقفت بين يديه فقا ائذن لي فلأسجد لك فأبى فقال: " لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة تسجد لزوجها" فقال الرجل ائذن لي فلأقبل يديك ورجليك

стр. 952

فأذن له إلى غير ذلك وإنكار مالك لمن روى في تقبيل اليد إن كان من جهة الروايةفمالك حجة فيه لأنه إمام حديث وإن كان من جهة الفقه فلما تقدم وعمل الناس على الجواز لمن يجوز التواضع منه ويطلب إبراره وبالله التوفيق. (ولا تبتدئ اليهود والنصارى بالسلام فمن سلم على ذمي فلا يستقبله وإن سلم على يهودي أو نصارني فليقل عليك ومن قال عليك السلام بكسر السين وهي الحجار فقد قيل ذلك). ش: إنما لا يبتدءون بالسلام لأن السلم تحية وإكرام، وإكرام الكافر وتحتيه لم يرد في الشرع وفي حديث علي كرم الله وجهه: " لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقة" رواه مسلم والاستقالة أن يقول رد لي سلامي الذي سلمت عليك وقد كان ذلك في أول الإسلام ثم نسخ. ابن رشد وقد روى أشهب عن مالك في جامع العتبية لا يسلم على أهل الذمة ولا يرد عليهم ومعناه أنه لا يرد عليهم مثل ما يرد على المسلم ويقتصر في الرد عليهم بأن يقول وعليكم. كما جاء في الحديث الذي ينبغي في هذا أن يقال عليكم يغيروا وإن تحققت أنه قال في سلامه السلام عليكم فقد قال رسول الله ﷺ : " إن اليهود إذا سلموا عليكم يقول أحدهم السلام عليكم فقولوا وعليكم" رواه مسلم من حديث ابن عمر ﵁ وكون السلام بكسر السين هي الحجارة مذكورة في اللغة والرد بمثل ذلك وإن أبيح مع احتمال ما قالوه فوجب التوقف وإ كان حكم الظن وجوده فالأولى المقابلة قلت وقد رأتيهم يسوؤهم الرد عليهم ويستحبون السكوت عن إجابتهم فلا ينبغي أن يهملوا في ذلك لما يحصل لهم من النكاية والله أعلم. (والاستئذان واجب فلا تدخل بيتا فيه أحد حتى تستأذن ثلاثا فإن أذن لك وإلا رجعت). أما وجوب الاستئذان فلقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها﴾ [النور:٢٧] الآية ابن رشد تستأنسوا يعني تستأذنوا وقد اختلف في تقديم الاستئذان على السلام وعكسه وصورته على الأول

стр. 953

أن يقول سلام عليكم ثم يدخل ثم يهمل قليلا ثم يعيد لانتهاء الثلاث فالأولى تنبيه والثانية تثبيت والثالثة استبراء وإعذار وقد كان رسول الله ﷺ إذا استأذن استتأذن ثلاثا وإذا سلم سلم ثلاثا وفي الحديث: " لا تأذنوا لمن لم يبدأ بالسلام". وقد كان النبي ﷺ في بيته يحك رأسه بمدرى ورجل ينظر إليه من صائر الباب فقال: " لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت به في عينك إنما جعل الإذن من أجل البصر" قالوا وينبغي للإنسان أن يبنه في دخوله وخروجه لبيته بالتنحنح ونحوه خوف أن يطلع على ما يكره فيه وكان السلف يفعلون ذلك. وقال ابن حبيب مشى عمر بن الخطاب ﵁ فرأى نارا فأتاها فإذا بقوم يشربون ومعهم شيخ فاقتحم عليهم فقال يا أعداء الله قد أسكن الله منكم فقال الشيخ ما نحن بأعظم منك إنما تعديت ودخلت بغير إذن فالله تعالى يقول: ﴿حتى تستأنسوا﴾ فاستحشم عمر ﵁ وقال ذروا هذه لهذه ويكتفى في الإذن بالصبي والعبد والصغير ونحوه لضرورة الناس إلى ذلك ذكره القرافي في آخر شرح التنقيح فانظره وما يفعله بعض الناس وقوله سبحان الله في الاستئذان بدعة صريحة وإساءة أدب مع الله وقد بينا ذلك في كتاب البدع وبالله التوفيق. (ويرغب في عيادة المرضى). قد صح الترغيب في ذلك ففي مسلم:" حق المسلم على المسلم ستة إذا لقيته فسلم عليه وإذا عاك فأجبه وإذا مرض فعده وإذا استنصحك فانصحه وإذا عطس فشمته وإذا مات فاتبعه" نعم وإنما العيادة في المرض المعتبر لقوله ﵇: " ثلاثة لا يعاد منها الضرس والرمد والدماميل" رواه أبو داود وفي الموطأ: " من عاد مريضا لم يزل في خرفة الجنة حتى يرجع" قيل وما خرفة الجنة قال:" جنانها". وآداب عيادة المريض كثيرة أمها ثلاثة الإتيان في وقت لا يضر بأهل البيت ولا بالمريض والإيناس بما أمكن مع التذكير بالله والإفساح له في الأجل والتخفيف في الجلوس نده قدر ما يؤنس ولا يضر وفي الترمذي: " من عاد مريضا لم يحضر أجله

стр. 954

فقال عنده أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبعا فإن الله يشفيه" قال حسن صحيح. وقال ابن خليل السكوني إن من خطأ العامة قولهم للمريض ذهب الشر فهو ممنوع وأفتى به أبو القاسم الغبريني وأفتى (ع) بالجواز محتجا بقوله تعالى: ﴿وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض﴾ [فصلت: ٥١] الآية إذ جاء في التفسير أنه المريض والله أعلم. (ولا يتناج اثنان دون واحد وكذلك جماعة إذا أبقوا واحد منهم وقد قيل لا يبنغي ذلك إلا بإذنه). قد صح النهي عن تناجي اثنين دون واحد رواه مسلم من حديث ابن مسعود ﵁ بلفظ: " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون الآخر حتى يختلطوا بالناس من أجل أن ذلك يحزنه" وهو متفق عليه وقال تعالى ﴿إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا﴾ [المجادلة: ١٠] الآية ودخول الحزن عليه في ذلك من جهة التقية منهم أو موجبه الاحتقار والمجانبة فلا يختص بالخوف خلافا لمن رأى ذلك وفي الجلاب لا بأس بتناجي جماعة دون جماعة وكذلك الجماعة إذا أبقت اثنين بخلاف الواحد كما هنا والله أعلم. (وقال معاذ بن جبل ﵁ ما عمل آدمي عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله قال عمر وأفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه). إنما لم يكن أنجى للعبد من الذكر لأنه تعلق بالله بلا واسطة بل قد قال رسول الله ﷺ " ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم وأزكاها عند مليككم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ " قالوا ما ذاك يا رسول الله قال: " ذكر الله". وأحاديث هذا الباب كثيرة. ثم الذكر ثلاثة أنواع ذكر بالقلب ومرجعه للتعظيم والإجلال وذكر بالجوارح ومرجعه الامتثال للأمر والنهي وذكر باللسان فالأول أعلى وعنه ينشأ الآخران والثاني:

стр. 955

يليه لأنه قيام بحق العبودية والقيام بحق العبودية هو المقصود. والثالث مقدمة لهما ونتيجة عنهما فقد قال عبد الوهاب إذا أكثر العبد من ذكر الله تعالى تجدد خشوعه وازداد يقينه وبعدت عن قلبه الغفلة وكان إلى التقوى أقرب وعن المعاصي أبعد. وقال ابن عطاء الله في الحكم لا تترك الذكر لعدم حضورك مع الله فيه فإن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر من وجود حضور ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور وما ذلك على الله بعزيز انتهى. وباب الذكر واسع وفضله كثير لأنه باب الولاية ومفتاح العناية وكل عبادة دونه محدودة قالوا وهو منشور الولاية أي مرسومها ونصيرها فمن أعطى الذكر أعطى المنشور وربك الفتاح العليم. (ومن دعاء رسول الله ﷺ كلما أصبح وأمسى اللهم بك نصبح وبك نمسي إلخ ومن دعائه ﵇ عند النوم أنه كان يضع يده اليمنى تحت خده الأيمن ويده اليسرى على فخذه الأيسر ثم يقول اللهم باسمك وضعت جنبي وباسمك أرفعه إلخ). أما الحديث الأول فلم أقف على تخريجه وهو من أوضح الأدعية وأحسنها وقد حكى ابن العربي في سراج المريدين عن بعض من وصله بإسنناده من الأئمة أن كل شيء يشترط فيه الصحة وإلا من قال كذا فله كذا يريد إذا كان واضح المعاني والموضع الذي يطلب فيه الذكر والدعاء عموما عند الصباح وقد تقدم منه في باب صفة العمل في الصلوات المفروضة وعند المساء وقد ذكره مع الصباح هنا. وأول الصبح طلوع الفجر لكن المرغب فيه ما بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس والرغب فيه مساء عند اصفرار الشمس وأقربه يسيرا أو بعده إلى النوم والسحر وقت المناجاة وكذا عند النوم والانتباه في الليل ومن الاستيقاظ للفجر.

стр. 956

ومن أصح ما روي في ذلك حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ قال له: " إذا أويت إلى مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة ثم اضطجع على شقك الأيمن ثم قل باسمك اللهم وضعت جنبي" إلخ قال البراء فجعلت أرددهن فقلت ورسولك الذي أرسلت فقالن النبي ﷺ " لا ونبيك الذي أرسلت" قال وهو خلاف ما ذكره الشيخ هنا إذ إنما أتى بما رده رسول الله ﷺ فقيل هي غلطة قلم وقيل لما كان الحديث مما لا يخفي على أحد. وقد جرى في الكتب تركها لأن ذلك من الخطأ الذي لا يخفي على أحد وهذا بعيد وقيل بل تبع في ذلك رواية ابن ماجه إذ لم يذكر رده ﵇ على البراء وكأنه لم يحفظ غيره وإلا فزيادة العدل مقبولة قالوا وإنما غير بين الأول والثاني لينبه على أن كل رسول نبي فيقر للرسول بالوصفين النبوة العامة لنوع والرسالة الخاصة لنوع منه والله أعلم. قال: " واجعلهن آخر ما تتكم به فإن مت من ليلتك مت على الفطرة" وفي الترمذي من حديث أبي هريرة ﵁:" من قال عند النوم أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب غليه ثلاث مرات غفرته له ذنوبه وإن كانت مثل عدد ورق الأشجار وإن كانت كرمل عالجج وعدد أيما الدنيا" قال حسن صحيح. وكان النبي ﷺ يقول عند نومه المعوذتين وينفث فيه كفيه ثم يمسح بهما على وجهه وما استطاع من جسده رواه البخاري وغيره. وفيه من حديث عبادة بن الصامت ﵁: " من تعار من الليل فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فإن دعا استجيب له وإن استغفر غفر له وإن صلى قبلت صلاته"وفيه أن فاطمة ﵂ شكت إليه طحن الرحا فوعدها بخادم إن جاء سبي فلما جاء السبي جاءت هي وعلي كرم الله وجهه فقال ﷺ " ألا أدلكما على ما خير لكما من خادم إذا أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين وكبرا أربعا وثلاثين فذلك ما خير

стр. 957

لكما من خادم" قال بعض العلماء في ذلك إشارة إلى أن العمل بذلك يذهب بالعتب ويعين على الأعمال الشاقة والله أعلم. وفي حديث أبي هريرة ﵁: " آية الكرسي عند النوم حفظ إلى الصباح" قال البلالي ﵀ نعم ويقرأ آخر سورة الكهف يسأل إيقاظه بعد وضوء وخفة معدة وتوبة وسلامة صدر ثم قال قلت ويقرأ: ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها﴾ [الزمر: ٤٢] إلى قوله: ﴿إلى أجل مسمى﴾ يسأل إيقاظه كيف شاء وهو سر عجيب انتهى. وذكر الغزالي وأبو طالب المكي أظنه عن علي كرم الله وجهه إن من قرأ عند نومه ﴿وإلهكم إله واحد لا إله هو الرحمن الرحيم﴾ [البقرة: ١٦٣] إلى قوله يعقلون لم يفلت القرآن من صدره فهذه جملة فوائد محلقة بما ذكر الشيخ وبالله التوفيق. (ومما روي في الدعاء عند الخروج من المنزل اللهم إني إعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي). ش: هذا الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي حديث أنس ﵁: " إذا خرج الرجل من بيته احتوشته الشياطين فإذا قال باسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله قال الملك كفيت وهديت ووقيت فتفرق عنه الشياطين ويقولون ما تصنعون عند رجل كفي وهدي ووقي". رواه أبو داود من حديث أنس ﵁ وهو صحيح وفي رواية " يقول ذلك ثلاثا" ومما صح أنه يقال عند القيام من النوم: " الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشورن أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله رب العالمين، اللهم إني أسألك خير هذه اليوم فتحه ونصره ونوره وبركته وهداه وأعوذ بك من شره وشر ما بعده " أظنه من رواية النسائي مفرقا ومعه ألفاظ مختلفة فانظر ذلك وبالله التوفيق. (وروي في دبر كل صلاة أن يسبح الله ثلاثا وثلاثين ويكبر الله ثلاثا

стр. 958

وثلاثين ويحمد الله ثلاثا وثلاثين ويختم المائة بالا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وعند الخلاء يقول الحمد لله الذي رزقني لذته وأخرج عني مشقته وأبقى في جسمي قوته). أما الذكر في أدبار الصلوات فقد تقدم في باب صفة العمل في الصلاة المفروضة وحديثها متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ وغيره وأن من قاله غفرت له من ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر وروي " عشرا عشرا" وروي " أحد عشر أحد عشر" وهو مقتضى قوله " حتى يكون منهن كلهن ثلاث وثلاثون" قال شيخنا أبو عمر وعثمان الديمي حافظ عصره كان الله له وهي رواية الاكثر على أنه يحتمل الجمع في العدد المذكور بأن يقول سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثا وثلاثين فيكون في العدد التفصيلي تسع وتسعون وفي الإجمالي ما ذكره وهي اختبار جماعة من الأئمة منهم (ع) وكذا ذكر الآبي عنه وهو الأقرب والله أعلم. وما ذكر في الخروج من الخلاء هو من آداب الإحداث وقد صح أنه ﵇ كان إذا دخل الخلاء قال " باسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث" متفق عليه من حديث أنس بن مالك ﵁ غير البسملة فإنها في الترمذي من رواية علي كرم الله وجهه بسند ضعيف الخطابي والخبث بالمعجمة أولا وآخرا بينهما موحدة مضمومة جمع خبيث وهم ذكور الجن والخبائث إناثهم وفي حديث عائشة ﵂ " كان إذا خرج من الخلاء قال غفرانك" وصححه أبو حاتم والحاكم وقال الترمذي وليس في الباب أصح منه. وفي حديث ابن عمر ﵁ أنه ﵇ " كان يقول الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني" أخرجه أبو داود فيما أظن والله أعلم والحديث الذي ذكره الشيخ أنه في المراسيل والله أعلم. (وتتعوذ من كل شيء تخافه وعندما تحل بموضع أو تجلس بمكان أو تنام

стр. 959

فيه أعوذ الله التامات من شر ما خلق من التعوذ أن تقول أعوذ بوجه الله الكريم وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ إلى قوله إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن ويقال في ذلك أيضا: ومن شر كل دابة ربي آخذ بناصيتها إني ربي على صراط مستقيم. التعوذ لغة: التحصن والتزرب والتمنع والاعتصام وهو شأن المؤمنين والموحدين بل الأنبياء والمرسلين فقد قال موسى ﵊: " إني عذت بربي وربكم من كل متكبر جبار ومن كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" وجاء عن رسول الله ﷺ من التعويذ ما لا يحصى كثرة ومنه قوله ﷺ " أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق من قال ذلك لم تصبه حمة تلك الليلة" أخرجه أصحاب السنن والحمة بضمة المهملة وتخفيف الميم ذات السم كالحية والعقرب ونحوهما. وفي مسلم قال رجل يا رسول الله ماذا لقيت البارجة من عقرب لدغتني قال" لو أنك قلت حين أمسيت أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق ثلاثا لم تضرك" وذكر ابن الجزري إنها تقال في الليل ثلاثا والنهار مرة بناء على عدم الذكر الثلاث في الأمر بها نهارا أو يحتمل أن يكون اكتفاء. وفي الترمذي وغيره: " إن قالها مسافر عند نزوله ثلاثا لم يزل محفوظا حتى يرتحل من منزله ذلك" قال ابن العربي جربتها أكثر من عشرين سنة قال بعض شيوخنا وأنا كذلك قلت وأنا كذلك حتى إني مرة ذكرتها فلم تتم على لساني فأصابني في ليلتي بلية وكذلك نهار فيما أظن والله أعلم. واختلف في معنى كلمات الله التامات فقيل التي لا نقص فيه ولا عيب قال الترمذي الحكيم وهي قوله كن فيكون لأنها وإن كانت على حرفين لم يلحقها نقص في المعنى ولا غض في التركيب لحسنها ونفوذها عياض وقيل التامات النافعة الشافية الباقية وقيل الفاضلة وقيل المراد بها القرآن الترمذي الحكيم وقد جاء في القرآن والسنة الاستعاذة بالذات من الذات وبالصفات من الصفات والكل استعاذة به تعالى فيقال أعوذ بالله من الشيطان وأعوذ بكلمات الله من شر الشيطان فانظر ذلك.

стр. 960

ومعنى (وجه الله) وجوده وذاته عند التأويل والكريم الجليل الرفيع القدر ومنه قول نسوة يوسف ﵇ ﴿إن هذا إلا ملك كريم﴾ [يوسف: ٣١] ومعنى (التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر) أي الكل يتصرفون دفعا وجلبا ونحوه (وكل أسماء الله حسنى) أي حسنة جميلة ومعنى (ذرا) فرق في الأرض و (برأ) خلق من البرأ التراب ويقال براهيا فهو الخالق البارئ المصور ويؤخذ من ذلك أن أسماء الله ما لا تعلم وأصل الطارق ما يأتي بالليل فاستعمل في النهار توسعا. والدابة ما يدب على الأرض أي يمشي عليها (وأخذه بناصيتها) تصريفها بأمره دون توقف ولا تردد (إن ربي على صراط مستقيم) أي تصرفه لا نقص فيه ولا قصور وكذلك أفعاله وصفاته كلها لا اعوجاج ولا نقص وقد ورد فيما يقال مساء وصباحا من قال: "بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاثا صباحا ومساء لم تصبه فجأة بلاء" رواه أبو داود وغيره. وفي حديث عبد الله بن مغفل ﵁: " من قال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثلاثا وقرأ ثلاث أيات من آخر سورة الحشر بعث الله له سبعين ألف ملك يحفظونه حتى يصبح وإن قالها نهارا فكذلك حتى يمسي" قال النووي وإسناده صحيح وأذكار هذا الباب كثيرة وقد انتفينا منها جملة في غير هذا الكتاب وبالله التوفيق. (ويستحب لمن دخل منزله أن يقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله). والأصل فيما ذكر قوله تعالى: ﴿ولولا إذا دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله﴾ [الكهف: ٣٩] له قال القاضي أبو بكر بن العربي الذكر مشروع في كل حال العبد على الندب ومن جملة الأوقات التي يستحب فيها ذكر الله تعالى إذا دخل أحدنا منزله أو مسجده أن يقول كما قال الله تعالى: ﴿ولولا إذا دخلت جنتك﴾ الآية وقال أشهب عن مالك ينبغي لكل من دخل منزله أن يقول هذا. وقال ابن وهب لابن ميسرة رأيت على باب وهب بن منبه مكتوبا ما شاء الله لا قوة إلا بالله وعنه أنه قال أربع أمان من قال هذا أمن من هذا من قال حسبنا الله ونعم الوكيل أمن من كيد الناس كما قال تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن

стр. 961

الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم﴾ [آل عمران: ١٧٣] الآية ومن قال أفوض أمري إلى الله أمنه الله تعالى من المكر لقوله تعالى: ﴿فوقاه الله سيئات ما مكروا﴾ [غافر: ٤٥] الآية ومن قال لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين أمن من الغم وما من أحد يقول ما شاء الله لا قوة إلا فأصابه شيء إلا رضي به انتهى. (ويكره العمل في المساجد من خياطة ونحوها ولا يغسل فيه يديه ولا يأكل إلا مثل الشيء الخفيف كالسويق ونحوه ولا يقص فيه شاربه ولا يقلم أظافره وإن أخذه في ثوبه). قد أمر الله تعالى بتعظيم المساجد ونظافتها وتكريمها وتنزيهها عن غير ما بنيت له وبين الرسول ﷺ للرجل الذي بال في المسجد ذلك بقوله " إن المساجد لم تبن لهذا وإنما بنيت لذكر الله والصلاة وتلاوة القرآن" وقد قال تعالى: ﴿في بيوت أذن الله أن ترفع﴾ [النور: ٣٦] الآية فالأمور ثلاثة أمر متمحض للآخرة وله بنيت المساجد وأمر بتمحض الدنيا فلم تبن له فلا يعمل فيها كإنشاد الضالة والبيع وإلا بتياع والأمر يكون تارة لله وتارة للدنيا كذكر أخبار الجاهلية وأكل الشيء الخفيف للضرورة ونحو ذلك وهذا بعد التحفظ مما يكون إهانة لها كالبصاق إذ قا ﵇: " البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" يعني بأن يحفر لها بالحصباء ثم يرده عليها وسمع ابن القاسم لا بأس بالتخم تحت حصيرة إذا كان محصرا وكرهه في نعليه إلا أن يعجز عنه تحت حصيرة وكره مالك قتل القملة أو دفنها فيه قال الشيخ وقتل البرغوث أخف عنده اللخمي البرغوث من دواب الأرض ولا بأس بطرحه بها واستخف مرة قتل ما خف من قمل وبراغيث. قال ويقتل العقرب والفارة وسمع ابن القاسم والقرينان كراهة الترويح فيه التراويح وسمع ابن القاسم كراهة تفقيع الأصابع به وبغيره وخصه ابن القاسم به ابن رشد كرهه به في الصلاة فقط وسكت عن غيرها قال ولا بأس بتشبيك الأصابع به في غير صلاة وثبت في حديث ذي اليدين فأما عمل الصنائع فيه كالخياط والخرز ونحوه فالمشهور الكراهة مطلقا وثالثها إن كان بغير أجرة جاز وإلا فلا والأمر في النسخ

стр. 962

كالخياطة إن كان بغير أجرة وقيل جاز وإلا كره واستحب كتب الوثيقة إن خف وسمع ابن القاسم خفة وذكر الحق وجواز قضاء الحق فيه على غير وجه التجر والصرف وسمع أيضا لا بأس بوضوء الطاهر بعجز المسجد وتركه أحب إلي. ابن رشد قول سحنون لا يجوز لما يسقط من غسالة الأعضاء وكره مالك الوضوء بالمسجد وإن جمعه في طست وذكر أن هاشما فعله فأنكره عليه الناس وقال سحنون لا يعلم فيه الصبيان ولا يخاط فيه وفي المدونة لا يأخذ المعتكف به من شعره وأظافره ولا يدخل إليه حجاما لذلك وإن جمعه وألقاه خارجه لحرمة المسجد. قلت وهو معنى ما ذكر الشيخ هنا بزيادة كراهة ما سوى الخفيف من الأكل وهو سماع ابن القاسم كراهة الطعام به كفعل الناس في رمضان وخفة أكل الضيف في بيت فيه ابن رشد والتمر وشبهه من باب الطعام وسمع أرجو خفة اليسير ولا تعجبني ألوان اللحم ولا برحابه وسمع تعليق الاقناء في مسجده ﵇ لضيافة من أتى يريد الإسلام وجواز أكل الرطب بالمسجد يجعل فيه صدقة. وفي المجموعة روى ابن نافع أرجو خفة فطورهم على كعك أو تمر منزوع النوى وقد كثر حتى إن الصلاة تقام وهو في أفواههم ما هذا بحسن وقال عنه علي: يشرب فيه الماء لا الطعام إلا المعتكف أو المضطر أو مجتازا وقال ابن شعبان في امرئ رأى في ثوبه دما كثيرا في المسجد يخرج به ولو كان في الصلاة وقال غيره ينزعه ويتركه بني يديه ويستره بطرف منه قال بعضهم وعليه الخلاف في إدخال النعل للمسجد هل يجوز مكشوفا أو لا بد من ستره بخرقة ونحوها. قلت وقد يبحث فيه بأن هذا غير محقق النجاسة والآخر محقق وإن كان الغالب في محل وطئه النجاسة مع وجود الضرورة فتأمل ذلك وقد خرج مسلم من حديث أبي هريرية ﵁: " من سمع رجلا ينشد ضالة في المسحد فليقل لا رد الله عليك ضالتك فإن المساجد لم تبن لهذا" وللترمذي والنسائي عنه: " إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع فيه فقولوا لا أربع الله تجارتك" وقد تقدم تعريف الضالة فيه وإنشادها في باب اللقطة. وروى ابن القاسم النهي عن السؤال فيه ابن عبد الحكيم ولا يعطى من سأل في المسجد روى الشيخ لا ينبغي رفع الصوت في المسجد ولا بالعلم كان الناس ينهون عنه

стр. 963

عياض أجازه ابن مسلمة بالعلم ولا ينادي به بجنازة ابن حبيب ولا يذكر فيه شعر الهجو والغناء ولا بأس بغيره من الشعر وقال ابن الماجشون ينشد فيه ويذكر أيام العرب ابن رشد لا ينشد فيه شعر ولا ضالة ولا تسل به السيوف ولا يحدث فيه حدث الريح. (وأرخص في مبيت الغرباء في مساجد البادية). يعني للضرورة ابن رشد لأنها مقصودة في ذلك في أصلها بنائها وقال ﵇: " المسجد بيت الغريب" قال ابن العربي إن لم يكن بيته فأين يذهب وأفتي ابن رشد بسعة إدخال ما لا غناء به عن المبيت في المسجد من سدنته لحراسته من اضطر للمبيت من شيخ ضعيف زمن مريض ورجل لا يستطيع الخروج ليلا للمطر والريح والظلمة له أن يتخذ ظروفا بها للبول. (ع) وفيه نظر لأن ما يحرم بها اتخاذه غير واجب وصونها عن ظروف البول واجب منه ولا يدخل في نفل بمعصية وعن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ أمر ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصحح إرساله وحمل على القرى لا على دور السكنى ولا يبعد عمومه. وقال اللخمي يجب على كل قرية بناء مسجد لإقامة الجماعة ويندب إليه في محلة بعيدة عن جامع بلدها ومنع سحنون صعود مؤذن منارا يرى منه الدور ولو كان بينه وبينها فضاء واسع ابن رشد العبد كالقرب إلا مالا يتبين فيه الأشخاص والهيئات والذكر من الأنثى ولا باس أن يتخذ بيته محرابا. ابن رشد ويحترمه بحرمة المسجد وسمع ابن القاسم كره الناس تزويق المساجد إلاما خف والنقش في قبلتها ما لم يكن يشغل المصلين. وكذا نقشه بالذهب في حديث ابن عباس ﵁: " ما أمرت بتشييد المساجد" رواه أبو داود وصححه ابن حبان وفي حديث أنس ﵁: " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان. ابن رشد ولابن وهب وابن نافع جواز نقشها بالذهب وقال ابن القاسم الصدقة بما يبخر به المسجد أحب غلي وقال ابن هشام صاحب مفيد الحكام خالف أهل الأندلس مذهب مالك بإجازة غرس الأشجار في المسجد أخذا منهم بمذهب الأوزاعي قلت وذلك.

стр. 964

منهم استصحاب الأصل تقليدهم إذ كان مقلدهم قبل مالك الأوزاعي والله أعلم. (ولا ينبغي أني قرأ في الحمام إلا الآيات اليسيرة ولا يكثر ويقرأ الراكب والمضطجع والماشي من قرية إلى قرية ويكره ذلك للماشي إلى السوق وقد قيل إن ذلك لمتعلم واسع). الحمام بيت الشيطان فيتعوذ فيه بما أمكن من الآيات القرآنية وهو أيضا محل النجاسة فلا يقرأ فيه القرآن إلا للتعوذ ونحوه وذلك بالآيات اليسيرة والزيادة مكروهة كما أن الجنب لا يقرأ إلا كذلك وإلا فقد فعل حراما وقراءة الراكب وما بعده لقوله تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم﴾ [آل عمران: ١٩١]. والفرق بين الماشي من قرية إلى قرية والماشي إلى السوق أن طرق القرى الغالب عليه الطهارة وطرق الأسواق الغالب عليها النجاسة وأيضا الماشي إلى السواق طالب دنيا والآخر صاحب حاجة وخص بعضهم الكراهة بالمشي لسوق الحاضرة لأنها مظنة النجاسة بخلاف سوق البادية وظاهر كلام الشيخ العموم ومن خصص الجواز بالمتعلم فلضرورة الاستذكار فأما القراءة مع الجنائز في الطرق فبدعة والله أعلم. (ومن قرأ القرآن في سبع فذلك حسن والتفهم مع قلة القراءة أفضل وروي أن النبي ﷺ لم يقرأه في أقل من ثلاث). يعني أن الختم في كل أسبوع حسن وعلى ذلك كان السلف فمنهم من يجعلها بين الليل والنهار ومنهم من يجعل ختمة بالليل وختمة بالنهار فيختمون الليلية ليلة الجمعة والنهارية يوم الاثنين ويكون ذلك أول الليل وأول النهار ليستغفر له الملائكة في بقية يومه. وقد اختلف طرقهم في التجزئة وأحسنها في اليوم الأول ثلاث سور وفي الثاني خمس وفي الثالث سبع وفي الرابع تسع وفي الخامس إحدى عشر وفي السادس ثلاثة عشر وفي السابع يختم بقيته فيقف على سورة العقود في أول يوم وفي ثانيه على سورة يونس وفي الثالث على سورة بني إسرائيل وفي الرابع على سورة الشعراء وفي الخامس على سورة والصافات وفي السادس على أول المفصل وهي الحجرات على المشهور وفي السابع يختم ومنهم من يجزئ بالأحزاب وبالآي ونحو ذلك وكل واسع وفعل السلف أحسن.

стр. 965

وقال الإمام أبو حامد ينبغي أن يكون الختم ما بين الشهر إلى الجمعة فيكون إذا أبطأ ختم في الشهر مرة وإذا عجل لم ينقص من الجمعة وفي النسائي من حديث عبد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: "اقرأه في ستين" ثم لم يزل ينقصه حتى قال" اقرأه في سبع" فقال أطيق افضل من ذلك فقال: " لا أقل من ذلك ومن قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقه أو لم يفهم ما يقول" وقد كان جملة من السلف يختمون في كل يوم وذلك بحسب قوة حالهم وهو كرامة لهم كما حكي عن منصور بن زياد أنه كان يختمه بين المغرب والعشاء واتفق أهل بلدنا على أن الشيخ أبا عبد الله محمد بن عمير العكرمي كان يختم كذلك. وقال لي سيدي أبو عبد الله محمد بن زمام ﵀ وكان خديما له وفعل ذلك بحضرته مرارا قال ونسمع قراءة مبينة وربما تعجبه الآية فيرددها استطابة أو للتفهم وهذه الكرامة من نسبه معجزة داود ﵇ إذ قال ﵇: " يسر على داود ﵇ القرآن فكان يختم الزبور بين أن تسرج له الدابة". وكان شيخنا أبو عبدا لله القوري ﵀ يختم بذلك لما حكى عن موسى الصدائي صاحب الشيخ أبي مدين أنه كان يختم بين اليوم والليلة أربعة وعشرين ألف ختمة قال السهروردي ولقد لقيته في المطاف يوما فسلم علي ثم مشيت معه من الباب إلى طرف الحجر وهو يقرأ القرآن فختم في هذه المدة كذا كذا ختمة قلت وهذا شيء يكاد ينفر العقل عن تصديثه وقدرة الله أوسع وبالله التوفيق وقد ألف النووي مختصرا ومطولا في آداب حملة القرآن وهو القدوة والمرجع فلينظر كلامه في ذلك. (ويستحب للمسافر أن يقول عند الركوب باسم الله اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل إلى قوله وإنا إلى ربنا لمنقلبون). شرع الشيخ هنا في القول في السفر وقد ألف الناس في آداب السفر وأكثروا وطولوا واقتصروا ومدار ذلك على أن المسافر تتعين عليه خمسة أشياء: أولها: النظر في حكم سفره بأن كان مباحا أو مندوبا أو واجبا قدم عليه وإلا فلا. الثاني: أن يستخير الله تعالى ويستشير فيه أهل المعرفة به ما لم يكن واجبا عينا في الحال فلا استخارة ولا استشارة.

стр. 966

الثالث: أن يتعلم ما يلزمه في سفره من أحكام التيمم والقبلة والجمع والقصر ونحو ذلك. الرابع: أن يتخير صديقا صالحا لرفقته إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه ويعزم على إسعافه واتباعه إلا فيما بأن غية. والخامس: أن يستعمل الآداب المروية فيه عن النبي ﷺ وعلماء الأمة وأول ذلك أن لا يخرج من بيته حتى لا يبقى عليه حق يمكنه أداؤه من دين أو نفقة أو رد مظلمة أو غير ذلك إذ لعله لا يرجع ويوصي فيما بلا بد له منه ويترك لأهله كفايتهم قدر وسعة وإلا فلهم من لا تضيع ودائعه فيستودع الله صغيرهم وكبيرهم بعزم صحيح وقلب صادق عالما أنه راحم بهم مه كما وقع للشيخ أبي الفضل بن النحوي رحمة الله عليه حين عزم على الحج إذ كتاب رقعة ودفعها إلى أهله وقال الذي كتب له هذه الورقة يقولم بأمركم فلما خرج جاءهم رجل فقرأها وكان يقوم لهم بما يحتاجونه حتى كان يوم دخول الشيخ قطع ذلك عنهم ولا علم لهم به. فدخل الشيخ فسألهم عن حالهم فذكروا له الحكاية فقال هاتوا الورقة فأتوا بها فإذا فيه مكتوب له: إن الذي وجهت وجهي له ... هو الذي خلفت في أهلي لم يخف عنه حالهم سعة ... وفضله أوسع من فضلي فإذا تخلق بهذا وتحققه صلى ركعتين عند خروجه ليحفظ في أهله حتى يرجع إليهم كما ورد في الحديث ثم يقرأ آية الكرسي فإنها أمان لهم حتى يرجع إليهم ثم يقول اللهم زودني التقوى واغفر لي ذنبي ووجهني للخير أينما توجهت. ويختار لسفره يوم الخميس فهو السنة وإلا فيوم الاثنين وإلا فالأيام كلها لله فإذا أراد الخروج ودع أهله وودعوه وكذا أقاربه وأصحابه ويقال لهم في ذلك إن الله إذا استودع شيئا حفظه استودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك الخير أينما توجهت. فإذا أراد الركوب قال باسم الله لأنها السنة ثم استوى على دابته كبر ثلاثا ثم قال اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل إلى آخره ويعمل على مقتضى ذلك بأن

стр. 967

يراقب الله في سفره ويرجوه ويخافه كحال الصاحب أي الملازم مع ملازمه فإ الصحبة هي الملازمة بنوع من المداخلة ولولا ورود هذا اللفظ من الشارع ما جاز لنا إطلاقه. والخليفة القائم بالأمر بدلا ممن هو واجب عليه أو مطلوب منه ووعثاء السفر بالمعجمة بعد المهملة والمد نصبه ومشتقه والكآبة سوء الحال والانكسار من الحزن قاله الجوهري والمنقلب بفتح اللام المرجع. فأما قوله: (ويقول الراكب) يعني مسافرا كان أو غيره لقوله تعالى: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (١٢) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (١٣) وإنا إلى ربنا لمنقلبون﴾ [الزخرف: ١٢ - ١٤] ومنه قولهم فلان قرن فلان إذا كان مثله في الشدة ويذكر نفسه برجوعه إلى الله تعالى التواضع ويتقي. فإن الركوب محل انتفائها والله أعلم. وأنكر ابن الحاج الأذان خلف المسافر عند وداعه وكذا الإقامة وقال أنه بدعة وليلازم في سفره ﴿لإيلاف قريش﴾ [قريش: ١] مساء وصباحا فإنها أمان من وحشة السفر وخوفه ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و ﴿إذا جاء نصر الله﴾ والإخلاص والمعوذات ثلاثا صباحا وثلاثا مساء فإنها بركة عظيمة مجربة في السعة والوجاهة والتجمل وإذا أتي بلدا أو قرية كبر ثلاثا ثم قال اللهم بارك لنا فيها اللهم حببنا إلى أهلها وحبب صاليح أهلها إلينا وإن وضع يده على سورها عند دخولها وقرأ لإيلاف قريش يكرر آخرها ثلاثا لم يزل بها آمنا طاعما بفضل الله وإذا ارتقى على رحله لئلا يدور به وهو يقرأ ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ حتى يأتي موضعه فإنه أمان له. وذكر لي بعض العلماء حفيظة لمن أراد نجاته تكتب وتجعل في الرحل ونصها حسبي الله من كل شيء الله يغلب كل شيء ولا يقف لأمر الله شيء ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم انتهى والكلام في هذه الباب واسع فانظره وبالله التوفيق. (وتكره التجارة إلى أرض العدو وبلد السودان). أما كراهة التجارة إلى أرض الحرب فللدخول تحت أحكامهم وفي المدون شدد مالك الكراهة في التجارة إلى أرض الحرب لجري أحكام المشركين عليهم عياض إن تحقق ذلك حرم ويختلف إذا لم يتحقق وتؤولت المدونة بالكراهة والتحريم وأجرى أبو

стр. 968

مهدي الغبريني الركوب في مراكبهم على ذلك. وأما بلاد السودان فقيل المراد بها بلد الكفر منها لأنها كبلاد الحرب قلت والذي يظهر أن ذلك لما فيها من الخاطرة بالنفس والمال من أجل العطش والخوف ونحو ذلك فإنه شديد حسبما أخبرنا والله به أعلم. (وقال النبي ﷺ السفر قطعة من العذاب). هذا الحديث ثابت من رواية أبي هريرة ﵁ وقد فسر ﷺ وجه العذاب بقوله: " يدع أحدكم نومه وطعامه وشرابه فإذا قضى نهمته أي حاجته فليعجل إلى أهله ولا يطرق أهله ليلا لعله يجد في بيته ما يكره". قال ابن عباس فتقحم النهي رجلان فوجدا في بيتهما رجلين وقد روى في الموطأ هذا الحديث دون قول ابن عباس ﵁ وقد أخذ منه استبحاب تعجيل الأوبة بعد قضاء الحاجة وأنه ينبغي القدوم نهارا فإن قدم ليلا أمهل حتى يدخل ضحى وفي الصحيح أنهم قدموا فقال ﷺ " أمهلوا حتى تتمشط الشعثة وتستحد المغيبة". قال العلماء وينبغي أن يقدم بين يديه من يعلم بقدومه لأجل ذلك وإن كان سفره بعيدا فليأت أهله بهدية ويبدأ بالمسجد عند دخوله لأنه أقرب لتوصل الناس غليه ولأن الضيف إنما يأتي لبيت الضيافة والمسجد لابيت ضيافة ربنا سبحانه فيصلي فيه ركعتين خفيفتين ويحمد الله على قوومه سالما ويهمل قليلا حتى يبلغ خبره فليأتي إليه من يريده ولا يطيل جدا لئلا يلح بأهل البيت ثم إذا دخل عندهم فليس لأحد عليه حق قد سئل مالك عن مطالبته أمه بالمبيت عندها يوم قدومه وطلبته زوجته بذلك فقال يبيت عند زوجته لأن حقها في مقابلة أمر بخلاف أمه وهي ملحق بإرضائها والله أعلم. ويحكى أن عائشة ﵂ قالت لولا أن النبي ﷺ قال: " السفر قطعة من العذاب" لقلت إن العذاب قطعة من السفر وإنما سمي سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال أي يظهرها ويبديها وفي هذا الحديث أنه ينبغي في السفر المساحة في العجز

стр. 969

والنسيان والحرج ونحوه لأن من كان في العذاب كيف يطالب بهذه الأمور وبالله التوفيق. (ولا ينبغي أن تسافر المرأة مع غير ذي محرم منها سفر يوم وليلة فأكثر إلا في حج الفريضة خاصة في قول مالك في رفقة مأمونة وإن لم يكن معها ذو محرم فذلك لها). معنى لا ينبغي لا يصح فهو يتناول المحرم كما يتناول المكروه ومحمله هنا على التحريم كما حمل قوله في الصيام وينبغي للصائم أن يحفظ لسانه وجوارحه على الوجوب وقد قال ﷺ " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسافة يوم وليلة إلا ومعها ذي محرم". وفي بعض الروايات: " ثلاثة أيام" وفي رواية: " فوق ثلاثة" وحمل ذلك على اختلاف السائلين باختلاف المواطن وأن ذلك معلق بأقل ما يقع عليه اسم السفر وقال ابن رشد اليوم والليلة مظنة تهيؤ المكروه من الأجنبي لها ومطاوعتها له فلذلك منع وتهيؤ ذلك فيما دون ذلك مع الناس بعيد ولما أجمع العلماء على أن وجوب الحج على المرأة كالرجل كانت استطاعتها بحسب إمكانها والإمكان مع الولي والزوج حاصل فإذا لم يكن ولي ولا زوج فالجمهور على أن الرفقة المأمونة تتنزل منزلة أحدهما. وممن قال به مالك ﵀ وقال ابن عبد الحكم لا بد من زوج أو محرم في ذلك كغيره لأنه لا يزل عورتها غير أحدهما اللخمي وقوله آمن من قول مالك قال فتخرج مع نساء أو رجال لا بأس بهم في قول مالك وفي سفرها بحرا لحج الفريضة إن كانت المركب واسعة وأهلها مأمونوت وأفردت بموضع جاز على المشهور وإن كان هناك نساء وقيل لا يشترط وروى ابن حبيب لا يشترط إذن الزوج ولا وجود المحرم في حج الفريضة إن كانت الرفقة المأمونة وهو الذي حكاه الشيخ هنا. وفي المدونة من ليس لها ولي تخرج مع من تثق به من الرجال والنساء ابن رشد جماعة النساء كالمحرم وسمع القرينان لا تخرج مع حنتها دون جماعة النساء ابن رشد هو كسماع ابن القاسم كراهة سفرها مع ربيبها عداوة الربيب وقلة شفقته عليها. قلت: ولما تيقن من السنة الناس في شأنها وقد عوين ذلك مرارا وبالله التوفيق وصلى الله سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصبحه وسلم تسليما.

стр. 970

باب في التعالج وذكر الرقي والطيرة والنجوم والخصاء والوسم وذكر الكلاب والرفق بالمملوك ذكر في هذه الترجمة ثمانية أشياء كلها مهم أولها التعالج وهو محاولة الداء بدوائه والرقى وهو ما يعالج به المرض بالآيات والأذكار ونحوهما من واضح وغير واضح من القول والطيرة العمل على سماع ما يكره أو رؤيته في الانصراف عند المقصد أصلا أو بقية والنجوم ذكر ما يحل تعلمه من علمها والنظر فيه وما لا والخصاء غزالة المذاكير ومافي معناه مما يبطل بقاء النسل من فعل به والوسم بالسين المهملة العلامة بالكي في الحيوان كله وذكر الكلاب أي حكم اتخاذها والرفق بالمملوك يعني من الآدميين إذ لا يسمى بذلك عرفا غيره والله أعلم. (ولا بأس بالاسترقاء من العين وغيرها والتعوذ والتعالج بشرب الداء والفصد والكي). أما (الاسترقاء من العين) والنزلة فقد وردت إباحته شرعا غير أنه مرجوح بحديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنهة بغير حساب وأنهم الذين لا يرقون ولا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون وحمل على فعلهم ذلك في الصحة وإلا فقد تداوى ﷺ وأمر به وكوى غيره وما اكتوى ورقى غيره وما استرقى ورقاه جبريل ﵇ بقوله أذهب الباس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما باسم الله أرقيك والله يشفيك من كل عين وحاسد يؤذيك وكان ﵊ في مرضه يقرأ بالمعوذات وينفث في كفيه ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده قالت عائشة ﵂ فلما ثقل جعلت آخذ كفيه فاصنع فيهما مثل ما كان يصنع رجاء بركة يده المباركة ﷺ وكان يعلمهم رقية التربة ونحوها " باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا يشفى بها سقيمنا بإذن ربنا" يجعل أصبعه في التربة ثم يقول ذلك وينفث معه وأمر بعض نساء المؤمنات يعلمن بعض أزواجه رقية النملة وكل ذلك في الصحيح فدل على الجواز. وأما التعوذ فهو التحصن من الآفات بأذكار تقال وتكتب وتعلق فقد كان ابن عمر ﵁ يعلم من عقل من أولاده تعوذا مرويا لدفع الفزع بالليل ونحوه ومن

стр. 971

لم يعقل منه كتبه وعلقه في عنقه أخرجه الأئمة إلا أني لا أستحضره الآن فانظره. وأما شرب الدواب المسهل وغيره قال رسول الله ﷺ " إن الذي أنزل الداء أنزل الدواء فتداووا عباد الله" رواه مسلم وغيره البلالي ﵀ وإذا كان التوكل اعتماد القلب عليه تعالى فقط فلا يقدح فيه تسببه ولو موهوما ككي في مرض لا قبله ثم قال: تزود ﷺ واستأجر دليلا وتداوى وأمر به وذكر القاضي أبو بكر بن العربي اختلافا في التطبب لحفظ الصحة وإبراء المرض أيهما يكره فقيل الأول لأنه تعمق في الأسباب وتعلق بالإبهام والثاني لأنه عمل في دفع الأقدار. قال: والصحيح الأول لأن طلب البرء من دفع المؤلمات والآخر تكلف وشواهد في السنة كثيرة وذكر ذكل في القبس وأما الفصد والكي فلا خلاف في جوازهما بشرط معرفة الفاعل وللضرورة إليهما وقد قال ﵇ " شفاء أمتي في ثلاثة: لعقة عسل أو شرطة محجمة أو لذعة بنار ولا أحب أن أكتوي" قيل المراد بشرطة محجم الفصد وإنما كره الكي لأنه من القوادح في التوكل إذ لا يحمل عليه إلا قلة الصبر من جهة أنه مؤلم والمسارعة للمؤلم في العلاج دليل التبرم والضجر وهو من الشفقة على النفس وقلة الاستسلام أيضا فالأدواء كلها من ثلاثة: زيادة الخلط واستفراغه بالفصد ونحوه واهتياج المزاج ودواؤه بالعسل على اختلاف تدبيره وانفتاح المجاري أو استدادها وعلاجه بالكي لكنه إن صادف انقضاء الانحذار لم يتحرك ذلك المرض بعد على صاحبه وإن كان منه بقية لم يكن برؤه أبدا فلذلك كره ومن ثم كان آخر الطب الكي. وقد قال بعض الناس ببلادنا لبعض مهرة الأطباء ببلاد ناقل لي في الطب قولا جامعا فقال: ما دمت صحيحا فكل ما شئت فإن الطبيعة تدفع عن نفسها فإذا مرضت فتحفظ من غير لائق بك فإن الطبيعة مغلوبة وأصل الأشربة والمعاجن العسل وأصل الأدهان كلها الزيت يعني ولكل كيفية تزيد في وقته أو تنقص منها لأجلها يدخل عليهما يغيرهما فتأمل ذلك وبالله التوفيق. (والحجامة حسنة والكحل للتداوي للرجال جائز وهو من زينة النساء). أما الحجامة فقد تداوى بها رسول الله ﷺ وأمر بها وقال إنها معينة على العبادة.

стр. 972

قال الأطباء وهي أسلم من الفصادة بل قالوا الفصادة مخطرة فلا يوثق بها إلا من ماهر بخلاف الحجامة فإن فيها وجوها تكون من كل من يعرف فعلما وقد احتجم رسول الله ﷺ في نحو سبعة مواضع في اليافوخ والأخدعين والكاهل والورك والساق وظهر القدم وسمى كل واحد باسم فانظر ذلك وقال الشيخ أبو عبد الله القوري ﵀ إن حجامة الكاهل يخرج بها كل خلط زائد لكن لمن يحكمها وتتقى الأيام التي يذكر فيها شيء إلا لقوة إيمان أو خوفا من ضلال جاهل كما فعل مالك. ويحكى أن بعض العلماء احتجم في يوم أربعاء أو سبت فتبرص فرأى النبي ﷺ في منامه فشكا إليه ما به فقال: " أما سمعت الحديث من احتجم يوم السبت أو من احتجم يوم الأربعاء فأصابه برص فلا يلومن إلا نفسه". قال نعم ولكنه لم يصح فقال: " أما يكفيك قول رسول الله ﷺ " قال الغزالي فينبغي أن يعمل بمثل هذا ولا ينظر للصحة إلا في باب الأحكام ونحوها نعم وعند الضرورة لا توقف وقد ورد الأمر بمراعاة يوم الثلاثاء أو عكسه وهذا كله مع السعة وعدم اعتقاد التأثير والاعتماد والله أعلم. وأما الكحل فقد فعله النبي ﷺ وأمر به يعني بالأثمد وقال: " إنه يجلو البصر وينبت الشعر" فدل على أن فعله وأمره إنما هو للتداوري وهو قول مالك وقال الشافعية هو سنة لذاته وذكر عياض نحوه في آخر الشفاء مجملا في الأمور الخلقية كالسواك وقال ابن العربي وأنكر بعضهم الاستياك بما يصفر أو يحمر ثم قاس جوازه على الكحل بجامع التداوي ورده غيره فانظره وقد كان رسول الله ﷺ يكتحل كل ليلة عند النوم ثلاثا في كل عين وكان يستاك عرضا ويترجل غبا والترجل مشط الشعر بالدهن أو الماء والله أعلم. وقول الشيخ (من زينة النساء): تنبيه على أنه رخصة للضرورة لأن زينة النساء والتشبه بهن فيها حرام كالعكس إلا لضرورة إجماعا وبالله التوفيق. (ولا يتعالج بالخمر ولا بالنجاسة ولا بما فيه ميتة ولا بشيء مما حرم الله سبحانه). لم يكتف بذكر النجس عن الخمر في نجاستها فإن ابن لبابة وابن الحداد يقولان

стр. 973

الخمر طاهر لأن تحريمه لعلة غير خبثه والمشهرو نجاسته ولا يجوز التداوي به ولا بغيره فيما يسري للباطن كدهن الجائفة ونحوها اتفاقا وفي التداوي به حيث يؤمن السريان قال بعض شيوخنا كالبول على العثرة وشبهه ففيه اختلاف وقال الباجي المشهور منع التدواي بالخمر وفي نجس غيره بظاهر الجسد قولان لابن سحنون ومالك وفي حديث وائل الحضرمي ﵁ أن النبي ﷺ قال لطارق بن سويد وقد سأله عن الخمر يصنعها للدوا " إنها ليست بدواء ولكنها داء" أخرجه مسلم وأبو داود وغيرها. وقال بعض العلماء إن كل ما يذكر من منافع الخمر ارتفع بتحريمها فلا يكاد يوجد منه شيء اليوم وقال ﷺ : " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها". أخرج البيهقي من حديث أم سلمة ﵂ وصححه ابن حبان ومن المتفق على تحريمه الاكتحال بالعذرة للرمد وهل يحرم التداوي بتحريم السبب الذي هوكشف العورة ونحوه وظاهر نصوص الأئمة جوازه وقد عمت البلوى في هذه البلاد بالاحتقان ولم نقف في ذلك على شيء إلا في التوضيح من قوله فائدة. قال ابن حبيب في كتاب له في الطب كان علي وابن عباس ومجاهد والشعبي والزهري وعطاء والنخعي والحكم بن عتبة وربيعة وابن هرمز يكرهون الحقنة إلا من ضرورة غالبة وكانوا يقولوان لا تعرفها العرب وهي من فعل العجم وهي ضرب من فعل قوم لوط قال ابن حبيب وأخبرني مطرف عن مالك أنه كرهها وذكر أن عمر بن الخطاب كرهها وقال هي شعبة من عمل قوم لوط قال عبد الملك وسمعت ابن الماجشون يكرهها ويقول كان علماؤنا يكرهونها. وقال ابن حبيب وكان من مضى من السلف وأهل العلم يكرهون التعالج بالحقن إلا من ضرورة غالبة لا يوجد عن التعالج بها مندوحة انتهى ثم قال (خ): وسئل مالك في مختصر ابن عبد الحكم عن الحقنة فقال: ليس بها بأس ألا ترى أنه إنما قال ذلك لأنه ضرب من الدواء فيها منفعة للناس وقد أباح النبي ﷺ التداوي وأذن فيه فقال: " ما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله فتداووا عباد الله"

стр. 974

انتهى. (خ) وظاهر معارضة النقل الأول يمكن تأويله على حال الاضطرار فيتفق النقلان انتهى ما نقل من التوضيح بنصه وحروفه وذكره في كتاب الصيام وذكرته هنا لإفادته وبالله التوفيق. (ولا بأس بالاكتواء ولا بأس بالرقي بكتاب الله والكلام الطيب ولا بأس بالمعاذاة تعلق وفيها القرآن). قد تقدم الكلام في الاكتواء وأما الرقى بكتاب الله فلقوله تعالى ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين﴾ [الإسراء: ٨٢] وحديث أبي سعيد ﵁ إذا نزلوا على قوم فلم يضيفوهم فلدغ سيدهم فسعوا له بكل شيء فلم ينفعه شيء فقالوا لو أتينا هؤلاء الرهط فلعل فيهم راقيا فأتوهم فقال أبو سعيد قد أتيناكم فلم تضيفونا فوالله ما أنا براق لكمن حتى تجعلوا لنا جعلا فشارطهم على قطيع من الغنم فإذا أو سعيد ﵁ يقرأ عليه بفاتحة الكتاب ويتفل حتى قام وما به من قلبة فقال رسول الله ﷺ " لئن أكل غيركم برقية باطل فقد أكلتم برقية حق وما يدريك أنها رقية" الحديث متفق عليه. وأما الكلام الطيب فهو العربي المفهوم المحتوي على ذكر الله ورسوله والصالحين من عباده لا الموهمات والمبهمات إذ حكى المازري أن مالكا سئل عن الأسماء المعجمة فقال ما يدريك لعلها كفر وعلى هذا فالأصل المنع حتى يأتي المبيح وقال بعضهم الأصل خلاف ذلك حتى يتبين الباطل لأنه ﵇ حين قال" اعرضوا علي رقياكم" فعرضوا فقال: " لا أربى بأسا" الحديث وقد توسع البزلي في آخر كتابه فانظره. والمعاذة: هي الحروز وقد حصل ابن رشد في جوازها ومنعها أربعة مشهورها سماع أشهب جوازها مطلقا وتعلق على المريض والصحيح والجنب والحائض والنفساء والبهائم بعد جعلها فيما يكنها وثالثها الجواز للإنسان المريض فقط ورابعها جوازها له وإن لم يكن مريضا فانظر ذلك. (وإذا وقع الوباء بأرض قوم فلا يقدم عليه ومن كان بها فلا يخرج فرارا منه).

стр. 975

الوباء لغة كثرة الموتى والمراد به هنا الطاعون وقد يفهم بما هو أعم وإنما لم يقدم عليه لئلا يصيبه شيء فيقول لولا أني قدمت عليه لنجوت ولا يخرج فرارا منه لئلا يرى نجاته بفراره فيتزلزل يقينه في الجانبين والمشهور في المسألة ما ذكر وهو على الكراهة في الوجهين لا على التحريم وقد حصل ابن رشد في ذلك أربعة أقوال وأصل ما ذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ لما قدم الشام وجد بها الوباء فشاور الصحابة في الرجوع بمن معه من المسلمين فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁ أفرارا من قدر الله؟ قال: نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله أرايت لو كانت لك إبل فأتيت بها واديين أحدهما مجدب والآخر مخصب أكنت ترعاها في المجدب أم في المخصب، قال بل في المخصب قال إن رعيت المجدب رعيته بقدر الله وإن رعيت المخصب رعيته بقدر الله. فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ فأخبر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" انتهى ونقلت حكايته بالمعنى. وفي حديث أسامة بن زيد ﵁ " الطاعون شهادة لهذه الأمة ليس أحد يقع الطاعون ببلده فيقعد صابرا محتسبا يعلم أنه ما يصيبه إلا ما قدر الله له لكان له مثل أجر شهيد" رواه البخاري ثم هو مرض من الأمراض في حكم المداواة وغيرها فمما يدفع به تحكمه في الأجساد مركب يقال له روفش أخلاط جزء من صبر وجزء مر ونصف جزء زعفران يسحق كل ناعما ويضاف بشراب ريحاني ويشرب على الريق منه قدر يسير فإن كل جسم خالطه لا يتمكن منه الطاعون بقدرة الله كذا رأيته بخط من يعتمد عليه من الأطباء وصحت تجربته في متعددين. وذكر بعض الأطباء أن شرب الماء بالقوة تدفعه لأنها تطفئ الحرارة الغريزية وقد جربناه إلا أنه يحدث عللا أخر وأما شرب الخل عند الإحساس به فله أثر كبير في حله وهذه كلها أسباب والقدر من وراء ذلك وقد ينفع الله بالخاصية رجلا ويضر بها آخر وبالله التوفيق. وقد جاء في الحديث أنه سئل ﵇ عن حقيقته فقال: " غدة كغدة البعير

стр. 976

تصيب في المراق" وفي الحديث الآخر: " هو وخز أعدائكم من الجن" وقال الأطباء هو غليان في الدم يحدث عن فساد في الهواء قلت وقد يجمع ذلك بأن يقال هو فساد في الهواء تأخذه الجهن فتخز به الأجسام أي تطعنها به فيحدث بذلك غليان في الدم لتنشأ عنه غدة كغدة البعير والله أعلم. (وقال الرسول ﵇ في الشؤم إن كان ففي المسكن والمرأة والفرس). الشؤم: ارتباط الضر وعدم الإفادة ببعض الموجودات وقد أثبته الشارع في هذه الثلاث ونفاه عما سواها قيل حقيقة فيتقى من ذلك ما جرب اقترانه بذلك أو عرف بعلامة وهو الصحيح وقيل بل شؤم المرأة سوء خلقها وشؤم الفرس شماستها وشؤم الدار ضيق مدخلها وقبح مساكنها وهذا واضح فر به صاحبه من إثبات معنى الطيرة في النفس وبالله التوفيق. (وكان الرسول ﵇ يكره سيء الأسماء ويعجبه الفأل الحسن). سيء الأسماء كمرة وحنظلة وحرب وكلب وجذام قال ﵇: " خير الأسماء أحمد وعبد واصدقها الحارث وهمام" لأن كل أحد حارث لدنياه أو لآخرته وهمام لهما. وقال ابن الحاج في مدخله ما معناه أن إبليس أتى أهل المشرق فوجدهم أهل نفخة وكبر فأحدث لهم فلان الدين شمس الدين شهاب الدين برهان الدين فتركوا بها الأسماء المعظمة من محمد وأحمد وإبراهيم وغير ذلك من الأسماء التي لها شرف شرعا وجاء أن من تسمى بها شفع له النبي المسمى بها وصاروا يتبرءون حتى إن أحدهم لو دعوته باسمه كانت مصيبة لا انتعاش لها وهذا أمر عظيم أعاذنا الله منه قال وجاء إلى المغاربة فوجدهم أهل مسكنة فأبدلهم من أسمائهم ما يناسب حالهم فقالوا لمحمد حمو ولأحمد حدو ولعبد الله عبو ولعبد الرحمن رحو ولعبد الصمد عصو ولعبد الكريم عكو إلى غير ذلك مما يكره لفظا ومعنى وربما حرم بعضه نسأل الله العافية بمنه وكرمه وأما الفأل فهو الكلمة الطيبة يسمعها المؤمن من غير قصد موافقة لما هو به أو متوجه له فتسره، والطيرة فعل أو قول ينبني على خلاف ذلك قال بعض العلماء وإنما أبيح الفأل

стр. 977

وكرهت الطيرة لأنه مؤد إلى حسن الظن بالله وهي إلى إساءة الظن به تعالى قال في تقريب الدلالة أظنه لابن الخطيب وقصد سماع الفأل ليعمل على ما يسمع من خير أو شر لا يجوز وكذا أخذ الفال من المصحف قلت بل عده أهل المذهب من الاستقسام بالأزلام وفي المدارك عمل بعض العلماء به وكان يريد السفر في البحر فخرج له ﴿واتر البحر رهوا إنهم جند مغرقون﴾ [الدخان: ٢٤] فلم يسافر فيه فغرق أصحابه ونجا والله أعلم. (والغسل للعين أن يغسل العائن وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح ثم يصب على المعين). هذه الصفة التي في الموطأ من حديث عامر بن ربيعة ﵁ وذكر ابن حبيب عن ابن شهاب صفة مثلها بزيادة كيفية وأن عمل أهل المدينة عليها وذكر التلمساني في آخر شرح الجلاب قال مالك وداخله الإزار الذي يلي الجسد وقال ابن نافع لا يغسل موضع الحجز من داخل الإزار إنما يغسل الطرف المتدلي وقيل داخلة إزاره فرجه فيغسله بعد غسل الأذى منه وقال رسول الله ﷺ " العين حق وإذا استغسلتم فاغسلوا" الحديث فانظره. (ولا ينظر في النجوم إلا ما يستدل به على القبلة وأجزاء الليل ويترك ما سوى ذلك). النظر في النجوم على وجوه خمسة أولها ما يهتدي به للطرق ويتعرف منه المواضع والأماكن وهذا أحسن لقوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾ [الأنعام:٩٧]. الثاني: النظر فيها على وجه العبرة بسرها وسيرها ونحوهما وهذا أكبر وجه أعدت له وفعله مستحب. الثالث: النظر فيها ليعرف الحوادث من المواليد والحدثان فإن كان يعتقد تأثيرها فكفر وإن كان يرى أنها أمارة ومعرفة لا متصرفة فقال الشارمساحي إن كان يخفي ذلك فقولان بالكراهة والإباحة وإن كان يتظاهر به فقولان بالتحريم والكراهة.

стр. 978

الرابع: ما يتعلق بالنظر فيه أمر عادي كمعرفة السنين والحساب وهذا مباح لا حرج فيه على صاحبه وقد يستحب ويجب لما يؤدي إليه. الخامس: ما يتعلق به حق شرعي وهي ثلاثة ما يؤدي لمعرفة القبلة كالجدي والفردقين ومطالع المنازل وما يؤدي لمعرفة أجزاء الليل وهو مندوب إليه كالذي قبله وما يؤدي لمعرفة أوقات الصلاة وهو واجب على من لا يمكنه معرفة الوقت إلا به بل واجب الجملة وهذا القدر يحتصل في شهر أو جمعة أو يوم والله أعلم. (ولا يتخذ كلب في الدور والحضر ولا في دور البادية إلا الزرع أو الماشية يصحبها في الصحراء ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه لا للهو). يعني أن اتخاذ الكلب محرم إلا للثلاثة المذكورة قال رسول الله ﷺ " من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو زرع أو صيد نقص كل يوم من أجره قيراط" متفق عليه من حديث أبي هريرة ﵁ وفي الصحيح أيضا" إن الملائكة لا تدخل فيه بيتا فيه صورة أو كلب" يعني ملائكة التكريم لا ملائكة التصرف والتصريف فإنه لا يدفعهم شيء. وقد كان رسول الله ﷺ يدخل بيت رجل من الأنصار ولا يدخل بيت آخر فقيل له في ذلك فقال: " بيت فلان فيه كلب" فقيل له بيت فلان فيه هر فقال: "الهر سبع ذو ناب". قال ابن العربي لأنه يحفظ الأثاث ويهلك المؤذيات يعني ولا يروع أحدا من الناس قال ابن العربي فإن احتيج إلى الكلب في البادية تنزل منزلة الهر في حكمه وظاهر كلام الشيخ أنه لا يجوز اتخاذه لحراسة البيوت والأمتعة وأجازه عروة بن الزبير من الفقهاء السبعة وولده هشام بن عروة واختلف فيه الشافعية واختلف أهل المذهب هل يتقيد كلب الزرع بزمانه فإذا فرغ يصرف أو لا قولان. والمازري على لزوم صرفه وخالفه غيره ويحكى أن الشيخ انهدم حائط بيته وكان يخاف من الشيعة فربط في موضعه كلبا فقيل له في ذلك فقال لو أدرك مالك زمانك

стр. 979

لاتخذ أسدا ضاريا كذا سمعته من شيخنا أبي عبد الله القوري ﵀ عياض ذهب كثير من العلماء إلى جواز قتل الكلب إلا ما استثني في الحديث من كلب الزرع ونحوه. وإلى الجواز ذهب مالك وأصحابه وذهب جماعة من العلماء إلى أن النهي عن اتخاذ الكلاب والأمر بقتلها منسوخ والنسخ يحتاج إلى إثبات بتاريخه ولعله لا يوجد ثم حكم الصيد قد تقدم وأنه لقوته وقوت عياله واجب وللتوسعة عليهم مندوب وللهو مكروه وللعبث حرام ولغير ذلك مباح على المشهور في ذلك خلافا لمن يرى إباحته مطلقا وقد تقدم في باب الضحايا فانظره وبالله التوفيق. (ولا بأس بخصاء الغنم لما فيه من صلاح لحومها وينهى عن خصاء الخيل). لا خلاف في تحريم خصاء بني آدم وفي الجواهر هو عيب يرد به العبد وهو جائز في مأكول اللحم بلا خلاف الغنم وغيرها وفي التلقين خصاء الخيل مكروه لأن نسلها مراد ولحمها غير مأكول والظاهر أن البغل ليس مثلها لعدم قصد نسله وقد يكره لضعف قوته ولم أقف على نص في ذلك فانظره. (ويكره الوسم في الوجه ولا بأس به في غير الوجه) الوسم: بالمهملة العلامة بالنار يجعل في البهيمة لتعرف به فيتقى أخذها ويستعان به في طلبها عند تلفها ونحوه وإنما كره في الوجه لأنه بغير وجه الحيوان ويذهب بحسنه وقد جاء النبي عن تغيير خلق الله وذكر ابن الفاكهاني أن الرواية هنا الوشم بالمعجمة وتفسير عبد الوهاب يدل على المهملة وقد تقدم أمر الوشم بالمعجمة وهو لا يتأتى في غير الآدمي والله سبحانه أعلم. (ويترفق بالمملوك ولا يكلف من العمل ما لا يطيق). كذا ورد في الحديث الصحيح قال ﷺ " للملوك طعامه وكسوته بالمعروف ولا يكلف من العمل ما لا يطيق" أبو عمر ويكلف الرجل بأن يعلف دابته أو يرعاها إن كان في مرعاها وما يكفيها أو يبيعها أو يذبح ما يجوز ذبحه ولا يترك يعذبها بالجوع (ع) لازم هذا القضاء عليه لأنه منكر وتغيير المنكر والقضاء به واجب قال وهو أصوب من نقل ابن رشد أنه يؤمر بتقوى الله في ترك إجاعتها ولا يقضى عليه بعلفها قال:

стр. 980

وعن أبي يوسف يقضى عليه كنفقة العبد ثم إنه فرق بين العبد والدابة أن العبد مكلف تجب عليه الحقوق من الجنايات وغيرها فكما يقضى عليه يقضى له. والدابة كما لا يقضى عليها لا يقضى لها (ع) تعذر شكوى الدابة موجب أحروية القضاء بعلفها انتهى. وفي البخاري وغيره من حديث أبي ذر ﵁:" إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس ولا تكلفهوهم ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم" الحديث ومحمله في الأمر بالتساوي على الندب قال (س) لحديث:" إذا أتى أحدكم خادمه بطعام فإن لم يجلسه معه فيناوله لقمة أو لقمتين أو أكلة أو أكلتين فإنه ولي حره وعلاجه" رواه البخاري وغيره وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

стр. 981

باب في الرؤيا والتثاؤب والعطاس واللعب بالنرد وغيرها والسبق بالخيل والرمي وغير ذلك ذكر في هذه الترجمة ثمانية أشياء عين منها ستة وأبهم اثنين وهي اللعب بالشطرنج وما أتى به من الوعظ ونحوه في الخاتمة. (وقال الرسول ﵇ " الرؤيا الحسنة من الرجل الصالج جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ومن رأى منكم ما يكره في منامه فإذا استيقظ فليتفل عن يساره ثلاث وليقل اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت في منامي أن يضرني في ديني ودنياي"). هذا صحيح متفق على روايةأصله والرؤيا مثال يلقيه الله تعالى لعبده في منامه بواسطة ملك أو غيره وقد قسمها الكرماني إلى ثمانية أقسام وقال رسول الله ﷺ " الرؤيا ثلاثة: رؤيا من الله والحلم من الشيطان ورؤيا يحدث البرئ بها نفسه" الحديث ومعنى الحسنة الجميلة يعني في صورتها وصدقها وقوتها وفي البخاري متصلا بهذا الحديث وما كان من النبوة لا يكذب. وفي البخخاري متصلا وغيره من حديث عائشة ﵁ أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح يعني في الصدق والظهور. وقوله: (من الرجل الصالح) شرط فلا تكون من النبوة إلا بذلك لأنها حينئذ كرامة والكرامة من المعجزة لأن مددها منها وهي شاهدة بصحتها وهي من تمام برهانها كما قيل خرق العادة كرامة للمتبع واستدراج للمبتدع يفرق بينهما التوفيق في سلوك الطريق. المازري قال بعض الناس أنه ﷺ أقام يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة ععشر ثلاث عشرة بالمدينة وثلاثة عشر بمكة وكان قبل ذلك ستة أشهر يرى في منامه ما يلقي إليه الملك وذلك نصف سنة ونصف سنة من ثلاثة وعشرين جزءا من ستة وأربعين جزءا.

стр. 982

وقد قيل: إنه ﷺ قد خص دون الخليقة بضروب وفنون وجعل له إلى العلم طرقا لم تجعل لغيره فيكون المراد بالمنامات قسمتها بما حصلت له وميزته جزء من ستة وأربعين جزءا قال فلا يبقى على هذا أن يقول بينوا هذه الأجزاء ولا يلزم العالم أن يبين كل شيء جملة وتفصيلا وقد جعل الله سبحانه للعالم حدا يقف عنده فمن ما لا يعمله أصلا ومنها ما يعلمه جملة وتفصيلا ومنها طريق السمع ولا مدخل للعقل فيه فإنما يعرف منه قدر ما يعرف به السمع. قال: وقد مال بعض شيوخنا إلى هذا الجواب الثاني وقدح في الأول بأنه لم يثبت أن أمد رؤيا ﷺ قبل النبوة كان ستة أشهر قال ويحتمل عندي أن يراد بالحديث وجه آخر وهو أن ثمرة المنامات الإخبار بالغيب لا أكثر وإن كان يتبع ذلك إنذار وتنبيه. والإخبار بالغيب أحد ثمارت النبوة وفوائدها وهي في جنب النبوة وفوائدها يسير لأنه يصح أن يبعث بشرع الشرائع، وتبيين الأحكام ولا يخبر بغيب أبدا ولا يكون ذلك قادحا في نبوته ولا مبطلا للمقصود منها. وهذا الجزء من النبوة والإخبار بالغيب إذا وقع فلا يكون إلا صدقا ولا يقع إلا حقا والرؤيا إذا دلت على شيء ولم يقع ما دلت عليه إما لكونها من الشيطان أو حديث النفس أو غير ذلك مما يقصد للعائن في أصل العبارة إلى غير ذلك من الضروب الكثيرة التي توجب عدم الثقة بدلالة المنام فقد صار اخلبر بالغيب أحد ثمرات النبوة وهو غير مقصود بها لكنه لا يقع إلا حقا وثمرة المنام الإخبار بالغيب ولكنه قد لا يقع صدقا فتقدر النسبة بهذه بقدر ما قدره الشارع بهذا العدد بحسب ما أطلعه الله عليه ولأنه يعلم من حقائق نبوته ما لا نعلم وانظر بقية كلامه. وقوله: (إذا رأى أحدكم ما يكره) يعني في صورة منامه ويحتمل في معناه وكل صحيح " فليتفل" وفي رواية " فلينفث" وفي رواية " فليبصق" والبصاق إلقاء الريق من الفم بكثرة والتفل دون والنفث مثله مع ريح والنفخ لا ريح فيه وقيل غير ذلك وفي رواية إنه: "يتحول عن جنبه الذي رأى ذلك عليه ولا يتحدث بها فإنها لا تضره وإذا رأى ما يجب" فلا يحدث به إلا من يجب الحديث. (ومن تثاوب فليضع يده على فيه).

стр. 983

يعني يده اليسرى مقلوبا ظهرها لفيه وبطنها لخارجه ليلاقي بها الشيطان ويكظم ما استطاع وقد قال ﵇ " إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب فإذا تثائب أحدكم فليرده ما استطاع ولا يقل هاه" يعني يفتح فاه مسترسلا فإن ذلك من الشيطان. قال ابن العربي وقد فعل ذلك بعض الناس فانفكت أحناكه وبقي فمه مفتوحا كذلك قال علماؤنا وإنما يضحك منه لأنه تشويه لخلقته ولأنه يمكنه من دخوله في جوفه وهل حقيقة أو أن ذلك يزيد في كسله ولما كان إنما ينشأ عن الكسل ويثمره عصم الله منه أنبياءه عليهم الصلاة والسلام وقال ابن عباس ﵁ ما تثاءب نبي قط ولا احتلم نبي قط ولا زنت امرأة نبي قط ذكره الزركشي في شرح البخاري. (ومن عطس فليقل الحمد لله وعلى من سمعه يحمد الله أن يقول له يرحمك الله ويرد العاطس عليه يغفر الله لنا ولكم أو يقول يهديكم الله ويصلح بالكم). قد تقدم في الحديث قبل أن العطاس من الله ومعناه أنه من حيز الخير قالوا لأنه يخفف الدماغ ويسهل بعض العبادات في الحديث أنه يقطع عرق الفالج والسعار يقطع عرق البرص والزكام يقطع عرق الجذام والرمد يقطع عرق العمى وما ذكره الشيخ يسمى تشميت العاطس ويقال بالشين المعجمة قبلها تاء بعدها ميم بياء ساكنة وتاء فوقية ويروى بالمهملة أيضا. قال القاضي أبو بكر بن العربي والشمائت الأعضاء وإنها تتزلزل بالعطاس وإذا رجعت إلى مقرها حمد الله عليها فيرجى له بالرحمة على ذلك ويقابل هو من دعا له بدعاء آخر وقيل بل لما كان حال العطاس محل شهوة الخلقة حمدا لله على زوال ما يشمت به من أجله وأما بالمهملة فهو من السمت لأن العطاس يزول سمته الذي حسن هيئته ثم يعود إليه فيحمد الله على ذلك. وفي حديث علي كرم الله وجهه: " إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل له أخوه يرحمك الله فإذا قالي رحمك الله فليقل يهديكم الله ويصلح بالكم" أخرجه

стр. 984

البخاري والنسائي: "فليقل يغفر الله لنا ولكم" وفي الحديث الأمر بتخمير وجهه وكظم صوته عند العطاس وأنه لا يلزم التشيمت فيما فوق الثلاث وقيل فوق الاثنين وليقل إنك مزكوم أبو عمر يعذر له بذلك على تشميته فيما بعد. وقال الباجي ظاهر المدونة أن التشميت من سنن الكفاية يجزئ الواحد عن الجماعة وقيل لا لأن الدعاء مطلوب تعدده من كل أحد فليس كالسلام في ذلك وثالثها استحبابه من الأعيان وقيل مالك وربما كانت الحلقة كثيرة الأهل فلا تسمع تحميد العاطس فقال إذا سمعت الذين يلونه يشمتونه فشمته. ويروى أن من سمع عاطسا فسبقه بالحمد كان أمانا من الشوصة ورأيت في جدار زمزم حجرا أخضر مكتوب فيه بخط ضعيف جدا من قرأ الفاتحة عند عطاسه أمن من قلع أضراسه فذكر لي بعض سكان مكة المدنيين أنه وجد في بئر زمزم كذلك. وفي الحديث: " أن الدعاء عند العطاس مستجاب" والحديث صادق وقد شرد عني محل نقله فابحث عنه. (ولا يجوز اللعب بالنرد ولا بالشطرنج ولا بأس بالسلام على من يلعب بها ويكره الجلوس إلى من يلعب بها والنظر إليهم). النرد والنردشير لعب بأعواد ونحوها على كيفية مخصوصة يقع بها القهر في القلب والتضييع للعبادات بالاسترسال غالبا وغالب الأمر لعبها بالقمار وكان ذلك حراما فقد قال رسول الله ﷺ : " من لعب بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير ودمه" رواه مسلم. وفي الموطأ: " من لعب بالنرد فقد عصى الله ورسوله" وقاس مالك علهي الشطرنج بطريق الأحروية إذا قال الشرطنج ألهي وألهي منه وجه القياس كونهما شاغلين عما يفيد في الدين والدنيا وداعيين للتشاجر الحادث فيهما عند التغالب مع كونهما غير مفيدين في الدين ولا في الدنيا قال المازري وينهى عن القليل والكثير منهما لأن القليل يوقع في الكثير واللاعب وإن كان قد ترك القمار قد يقع في القمار ولا خلاف في تحريم الشطرنج بالقمار إن أدى إلى الفواحش أو ترك الصلاة أو تأخيرها عن وقتها المختار

стр. 985

وإنما الخلاف مع السلامة من ذلك والمذهب رد الشهادة بعلبه. وفيه اختلاف وتفصيل يطول ذكره وقد بالغ الطرطوشي في ذمه والرد على من يلعب به في كتاب له في البدع وإنما يسلم على من يلعب به لاختلاف العلماء فيه ولا ينظر إليهم ولا يجلس لهم لئلا يدعوه إلى مثل فعلهم والله أعلم. (ولا بأس بالسبق بالخيل والإبل وبالسهام بالرمي وإن أخرجا شيئا جعل بينهما محللا يأخذ ذلك المحلل إن سبق هو وإن سبق غيره لم يكن عليه شيء هذا قوله ابن المسيب وقال مالك إنما يجوز أن يخرج الرجل سبقا فإن سبق غيره أخذه وإن سبق هوكان للذي يليه من المتسابقين وإن لم يكن غير جاعل السبق وآخر فسبق جاعل السبق أكله من حضر ذلك). أما أن السبق جائز بما ذكر فهو المذهب وسواء في ذلك بجعل أو بغير جعل ويجوز أيضا بالرجل لكن بغير جعل وقول الشيخ (وإن أخرجا شيئا) يفهم منه أنه يجوز بشيء وبلا شيء وقد ذكر الشيخ صورا ثلاثا وأنهاها غيره إلى خمسة. أولها: مسألة المحلل وأضافها إلى ابن المسيب وحكي عن مالك مثل قول عياض ومشهور المذهب فيها المنع. الثانية: أن يخرج سبقا فإن سبق غيره أخذه وإلا كان للذي يليه من السابقين. الثالثة: إذا لم يكن غير جاعل السبق وآخر يسبق الجاعل يأكله من حضر ذلك وهما اللذان في قول مالك. الرابع: أن يكون المخرج للسبق غير المتسابقين وهذه لا خلاف في جوازها. الخامس: أن يخرج أحد المتسابقين على أنه إن سبق غيره أخذه وإن سبق هوكان له وهذه منعها ابن القاسم في روايته وهو أحد قولي مالك وأجازها في أحد قوليه مع أصبغ وابن وهب وثالثها الكراهة لأصبغ. السادسة: ممنوعة باتفاق فيما حكى ابن رشد وهي أن يخرج كل واحد شيئا على أن سبقه أخذ الجميع وأحكام هذا الباب كثيرة ومحله آخر الجهاد في غير هذا الكتاب وانظر الجواهر وبالله التوفيق. (وجاء فيما ظهر من الحيات بالمدينة أن تؤذن ثلاثا وإن فعل ذلك في غيرها
следующие страницы →