نِتَاجُ الفكرِ
في أحكامِ الذّكرِ
تأليف
أبي مُحَمَّد عبد الله بن مَانع الرُّوقيِّ
دَار التدمرية
стр. 2
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه؛ أما بعد:
فإن الذكر من أجلّ الطاعات بل هو روح العبادات، وهو عبودية القلب وبه سعادته، وهو المراد من التشريع والمقصد من التكليف، قال الله جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥]. وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. أي كثيرًا، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ [البقرة: ٢٠٠]. وقال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. وقال ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران: ٤١].
стр. 3
نصه (١): قوله: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه» مثل الحي والميت، سقط لفظ «ربه» الثانية من رواية يير أبي ذر (٢)،
هكذا وقع في جميع شيخ البخاري، وقد أخرجه مسلم عن أبي كريب، وهو محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بسنده المذكور بلفظ: «مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت» (٣) وكذا أخرجه الإسماعيلي وابن حبان (٤) في
стр. 4
صحيحه (١)، جميعًا عن أبي يعلى (٢)، (٣) عن أي كريب، وكذا أخرجه أبو عوانة (٤)، (٥) عن أحمد بن عبد الحميد، والإسماعيلي أيضًا عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن براد، وعن القاسم بن زكريا، عن يوسف بن موسى، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وموسى بن عبد الرحمن المسروقي، والقاسم بن دينار، كلهم عن أبي أسامة، فتوارد هؤلاء على هذا اللفظ يدل على أنه هو الذي حدث به بريد بن عبد الله، شيخ أبي أسامة، وانفراد البخاري باللفظ المذكور دون بقية أصحاب أبي كريب، وأصحاب أبي أسامة يشعر بأنه رواه من حفظه، أو تجوّز في روايته بالمعنى الذي وقع له، وهو أن الذي يوصف
стр. 5
بالحياة والموت حقيقة هو الساكن، لا السكن، وأن إطلاق الحي والميت في وصف البيت، إنما يراد به ساكن البيت فشبّه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة وباطنة بنور المعرفة. ا. هـ.
قال أبو محمد: ولما كان الذكر بالمحل الأسنى، والمقام الأعلى، كان أصحابه من الخليقة على الكمال، هم أكمل الخلق في الدنيا والأخرى؛ فكان أكمل من يقوم به ثلاثة أصناف: الملائكة، فهم ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] والنبيون الكرام عليهم أفضل الصلاة والسلام، وأهل الجنة الذين اصطفاهم لكرامته وأتم عليهم نعمته، فهم يُلهمون التسبيح والتحميد؛ كما يُلهمون النفس، وكان أبعد الناس عنه هم شر الخليقة من الكفار والمنافقين والأبالسة والشياطين، بل هؤلاء ينفرون من الذكر، وهو عليهم عمى، قال ابن كثير (١) في تفسيره (٢) ما نصه: وأما الكافر الظالم نفسه بذلك، فلا يزيده سماعه القرآن إلا بعدًا وتكذيبًا وكفرًا. والآفة من الكافر لا من القرآن، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ
стр. 6
مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١) والآيات في ذلك كثيرة
روينا في صحيح البخاري من طريق الزهري (٢) قال أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال:
قال أبو هريرة (٣) ﵁: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة» (٤).
ورويناه في صحيح مسلم: من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أبى بردة عن الأغر المزنى (٥) - وكانت له صحبة - أن رسول الله ﷺ
стр. 7
قال: «إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة». (١) .. وهذا الذكر مع عظمته وفضله لا يوفّق له إلا القليل من الخلق، فسبحان البارئ جلّ شأنه يهدي من يشاء لفضله ويصرفه عمن يشاء بعدله .. لا إله إلا هو.
فصل: وهذه العبادة العظيمة القدر الجليلة، أحدث الناس فيها ما أحدثوا من ابتداع واستحسان وزيادة على ما رسم الشارع وأبان .. فصارت عند كثير من المسلمين اليوم في طول العالم الإسلامي وعرضه- ضربًا من ضروب البدع الصّادّة، وعن طريق المهتدين منحرفة عن الجادّة، فكان لزاما على من علم الحق بدليله أن يرد التائه إلى جادة الصواب، والمبتدع إلى طريق النبي ﷺ والأصحاب.
فصل: روينا في سنن الدامي (٢): من طريق عمر بن يحيى، قال: سمعت أبي يحدث عن أبيه قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن
стр. 8
مسعود (١) قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعري (٢)،
فقال: أَخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد، قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج، فلما خرج قمنا إليه جميعًا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن إني رأيت في المسجد أنفا أمرًا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيرًا، قال: فما هو، فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسًا، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصا، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم، قال: ما قلت لهم شيئًا، انتظار رأيك، أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون، قالوا: يا أبا عبد الله حصا نعد به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا
стр. 9
سيئاتكم، فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ ، متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وأنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده، إنكم لعلي ملةٍ هي أهدي من ملة محمد، أو مفتتحوا باب ضلالة، قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن، ما أردنا إلا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج. (١) قلت: وهذا إسناد صالح.
وأخرجه ابن وضاح (٢): قال: أخبرنا أسد، عن عبد الله بن رجاء، عن عبيد الله بن عمر، عن يسار أبي الحكم، أن عبد الله بن مسعود ﵁ حدث أن أناسا بالكوفة يسبحون بالحصا في المسجد، فأتاهم، وقد كوّم كل رجل منهم بين يديه كومة حصا، قال: فلم يزل يحصبهم بالحصا حتى أخرجهم من المسجد، ويقول: «لقد أحدثتم بدعة ظلما، أو قد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما» (٣)
стр. 10
وفيه اختصار وانقطاع وأخرج آثارا بنحوه عن جماعة من السلف ..
وقد فشا في هذه العصر من البدع - لا سيما مع انتشار وسائل التقنية وتبادل المعلومات مع انتشار الجهل - الشيء الكثير، وزاد هذا الأمر شدة تصدي بعض الوعاظ - الذين يسميهم السلف بالقُصّاص والمذكرين- وهم ليسوا من حملة العلم ولا من طلابه. فانتشرت الأحاديث الضعيفة والواهية، وراجت سوقهم وهي في الأصل كاسدة، وأحاط كثير من الناس بهؤلاء وتحلقوا عليهم، وُترك أخذ العلم من معادنه بل هانوا عليهم ..
فلا تسأل عن الجهل والخرافات والبلايا والطامات. فذهبت حرمة الدين وحملته جملة بقدر ما تصدر أولئك الغمرة .. والله المستعان.
فصل: وقد وضعت هذا السفر نصحا لنفسي وللمسلمين، ورجوت فيه الذب عن معالم الدين، ورمت فيه إبراز حقائق الذكر وأعلامه، والتقعيد لضوابطه وأحكامه، وجعلته في أحكام تتخللها فوائد كثيرة ومسائل.
وقد أسميته (نتاج الفكر في أحكام الذكر)، وذكرت فيه ضوابط وقواعد فالحكم ينتظمها .. والله أسأل أن يكون هذا من العمل الصالح المقبول وأن يحقق فيه رجائي والمأمول وأن يقضي لي بإدراك رضاه ودخول جنته، وأن يجود عليّ بمغفرة الذنوب بمحض كرمه ومنّته، فهو أكرم مأمول وأجود مسئول. ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩].
стр. 11
فصل: ومن أراد النصح النصح لنفسه فليلزم الأذكار الشرعية، والأوراد النبوية، وليعود نفسه عليها، فإن الخير عادة، والشر لجاجة، والنفس السوية متى قيدت للذكر ألفته وأحبته.
قال الذهبي (١) في سيره في ترجمة داود بن أبي هند أنه قال: (٢) كنت وأنا غلام أختلف إلى السوق، فإذا انقلبت إلى البيت، جعلت على نفسي أن أذكر الله إلى مكان كذا وكذا، فإذا بلغت إلى ذلك المكان، جعلت على نفسي أن أذكر الله كذا وكذا حتى آتي المنزل ...
فانظر رعاك الله كيف عوّد نفسه هذا الذكر بأدنى كلفة، وهذا لرغبة القوم في الخير، وكانوا أحرص شيء عليه.
وأكمل الطرائق في العقائد والعبادات والأخلاق، هي طريقة النبي ﵊ وأصحابه الكرام، هداة الأمة من بعده، ومشاعل الأنام والظلام، ثم من تبعهم من أهل القرون المفضلة، التي هي خير القرون التي عاشت على المعمورة. والنظر في سيرهم وأحوالهم من أسباب استقامة النفس وزكاتها، وصلاح حالها.
стр. 12
وكذا من تبعهم من الصلحاء والزهاد ممن جاءوا بعدهم، ومن سير الذهبي: عمرو بن واقد: عن ابن حلبس:
قيل لأبي الدرداء (١) ﵁ وكان لا يفتر من الذكر: كم تسبح في كل يوم؟ قال: مائة ألف، إلا أن تخطئ الأصابع. (٢)
وفي ترجمة البويطي صاحب الشافعي ما نصه: وكان إماما في العلم، قدوة في العمل، زاهدًا ربانيًا، متهادًا، دائم الذكر والعكوف على الفقه (٣).
وفي ترجمة الحافظ عبدالرحمن بن منده: قال ابن أخيه ما نصه: كان عمي سيفا على أهل البدع، وهو أكبر من أن يثني عليه مثلي، كان -والله- آمرا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، كثير الذكر، قاهرًا لنفسه، عظيم الحلم، كثير العلم (٤).
وفي ترجمة أبي بكر الشحامي: قال السمعاني: كتبت عنه الكثير، وكان يملي في الجامع الجديد بنيسابور كل جمعة مكان أخيه،
стр. 13
وكان كخير الرجال، متواضعًا متوددًا، ألوفًا، دائم الذكر، كثير التلاوة، وصولا للرحم (١).
وفي ترجمة الموفق ابن قدامة شيخ الحنابلة في عصره قال أبو عبد الله اليونيني: أما ما علمته من أحوال شيخنا وسيدنا موفق الدين، فإنني إلى الآن ما أعتقد أن شخصًا ممن رأيته حصل له من الكمال في العلوم، والصفات الحميدة التي حصل بها الكمال سواه، فإنه كان كاملًا في صورته ومعناه من حيث الحسن، والإحسان، والحلم والسؤدد، والعلوم المختلفة، والأخلاق الجميلة، رأيت منه ما يعجز عنه كبار الأولياء، فإن رسول الله ﷺ ، قال:
«ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن يلهمه ذكره» (٢). فقلت بهذا: إن إلهام الذكر أفضل من الكرامات، وأفضل الذكر ما يتعدى إلى العباد، وهو تعليم العلم والسنة، وأعظم من ذلك، وأحسن ما كان جبلة وطبعا؛ كالحلم، والكرم، والعقل، والحياء، وكان الله قد جبله على خلق شريف، وأفرغ عليه المكارم إفراغًا، وأسبغ عليه النعم، ولطف به في كل حال (٣).
وغيرهم كثير ممن منّ الله عليه بكثرة الذكر من أهل التوفيق والحظوة، رزقنا الله ذلك بمنّه وكرمه.
وممن أدركت في عصرنا شي الْسلام، وعلم الأنام في زمانه، شيخنا المبجل أبا عبد الله عبدالعزيز بن عبد الله آل باز، المحدث الفقيه الأصولي المفسر، المتوفى سنة (١٤٢١هـ)، فلم أر في عصرنا مثله في
стр. 14
كثرة الذكر، وحضور الدمعة، وصدق التأله، وكمال النصح لنفسه، ولغيره، وقد حباه الله من جميل الخصال، وطيب الفعال ما لا يتفق وجوده في غيره من أهل هذا الزمان، بل من أزمان، فرحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عني وعن المسلمين أبلغ الجزاء، وأوفاه ... فبمثل هذا تعمر الأوقات وتقضى الدهور والسنوات.
فصل: وقد نبتت في عصرنا نوابت سوء سبابة، امتهنوا الوقيعة في الناس، وأداموا السب، وأمعنوا في أعراض الصالحين، وأدمنوا الثلب، فلله كم انتهكوا من أعراض الصالحين وآذوهم، وكم اقترضوا من أعراض الغافلين وضروهم، والله الموعد، ولله في الانتقام لأوليائه سنن ماضيات، وعوائد مقضيات، فلا ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤].
وفي درر أبي الفضل الكامنة في أعيان المائة الثامنة: عن أحدهم ما نصه: وفي أواخر عمره تغير ذهنه ونسي غالب محفوظاته حتى القرآن ويقال إن ذلك كان عقوبة له لكثرة وقيعته في الناس - عفا الله تعالى عنه بمنه وكرمه ومات في صفر سنة ٧٩٢ (١).
ولم يعالجوا أدواءهم كما فعل ابن وهب كما في ترجمته في سير الذهبي: نذرت أني كلما اغتبت إنسانًا أن أصوم يومًا،
стр. 15
فأجهدني، فكنت أغتاب وأصوم، فنويت أني كلما اغتبت إنسانًا، أن أتصدق بدرهم، فمن حب الدراهم تركت الغيبة (١).
لكن ذا شأن أهل التوفيق والتسديد، وقد حرموه إلا من شاء الله وتاب ورجع إلى مولاه وثاب.
فصل: وهذه الأحكام والضوابط والفوائد التي حرارتها مع قلة البضاعة، هي منتخبة من كلام العلماء وتقريراتهم، جمعتها من تصانيفهم ومؤلفاتهم، مع زيادة جملة من عندي، فما كان فيها من صواب، فهو محض توفيق وتسديد من الرحيم، وما كان من غلط أو غفلة أو نقص، فهو من النفس والشيطان الرجيم، وأخيرًا لا يفوتني أن أشكر التلميذين النجيبين والأخوين الفاضلين /الشيخ مشعل بن بندر الشمري و /الشيخ علي بن عبد المنعم اللذين قاما بالتنسيق والتصحيح والصفّ فجزاهما الله عني خير الجزاء وأجزله ... والحمد لله حمد الشاكرين، وهذا أوان الشروع في صلب الموضوع.
стр. 16
الحكم الأول
لا يُجمع بين الأذكار التي ينوب بعضها عن بعض، بل يكره ذلك أو يحرم، وإنما يُقال هذا تارة وهذا تارة؛ كأدعية الاستفتاح في الصلاة - مثلا - وبيان ذلك قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية (١) ﵀ في مجموع الفتاوي (٢)، ما نصه:
وقاعدتنا في هذا الباب أصّح القواعد، أن جميع صفات العبادات، من الأقوال والأفعال إذا كانت مأثورة أثرًا يصح التمسك به، لم يكره شيء من ذلك، بل يشرع ذلك كله، كما قلنا في أنواع صلاة الخوف، وفي نوعي الأذان الترجيع، وتركه، ونوعي الإقامة شفعها، وإفرادها، وكما قلنا في أنواع التشهدات، وأنواع الاستفتاحات، وأنواع الاستعاذات، وأنواع القراءات، وأنواع تكبيرات العيد الزوائد، وأنواع
стр. 17
صلاة الجنازة، وسجود السهو، والقنوت قبل الركوع وبعده، والتحميد بإثبات الواو وحذفها، وغير ذلك؛ لكن قد يستحب بعض هذه المأثورات، ويفضل على بعض، إذا قام دليل يوجب التفضيل، ولا يكره الآخر. ومعلوم أنه لا يمكن المكلف أن يجمع في العبادة المتنوعة بين النوعين في الوقت الواحد، لا يمكنه أن يأتي بتشهدين معًا، ولا بقراءتين معًا، ولا بصلاتي خوف معًا، وإن فعل ذلك مرتين كان ذلك منهيًا عنه، فالجمع بين هذه الأنواع محرم تارة، ومكروه أخرى، ولا تنظر إلى من قد يستحب الجمع في بعض ذلك، مثل ما رأيت بعضهم قد لفّق ألفاظ الصلوات على النبي المأثورة عن النبي ﷺ ، واستحب فعل ذلك الدعاء الملفق، وقال في حديث أبي بكر (١)
الصديق ﷺ المتفق عليه لما قال للنبي ﷺ : علمني دعاء أدعو به في صلاتي، فقال: قل: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كبيرًا» وفي رواية: «كثيرًا» (٢) «وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عند، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» (٣). فقال يستحب أن يقول: كثيرا كبيرا، وكذلك يقول في أشباه هذا: فإن هذا ضعيف، فإن هذا أولا ليس سنة، بل خلاف المسنون. فإن النبي ﷺ لم يقل ذلك جميعه جميعًا؛
стр. 18
وإنما كان يقول هذا تارة، وهذا تارة، إن كان الأمران ثابتين عنه، فالجمع بينهما ليس سنة، بل بدعة، وإن كان جائزا.
الثاني: أن جمع ألفاظ الدعاء والذكر الواحد على وجه التعبد، مثل جمع حروف القراء كلهم، لا على سبيل الدرس والحفظ؛ لكن على سبيل التلاوة والتدبر، مع تنوع المعاني، مثل أن يقرأ في الصلاة: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، ﴿بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠]. ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩]. ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ٨٥]. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾. ﴿إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]. ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾. ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ [النساء: ٤٣]. ومعلوم أن هذه بدعة مكروهة قبيحة.
الثالث: أن الأذكار المشروعة أيضا، لو لفق الرجل له تشهدا من التشهدات المأثورة، فجمع بين حديث ابن مسعود وصلواته (١)، وبين
стр. 19
زاكيات (١) تشهد عمر (٢)، ومباركات (٣) ابن عباس (٤)، بحيث يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات والمباركات والزاكيات، لم يشرع له ذلك، ولم يستحب فغيره أولى بعدم الاستحباب.
الرابع: أن هذا إنما يفعله من ذهب إلى كثرة الحروف، والألفاظ، وقد ينقص المعنى، أو يتغير بذلك، ولو تدبر القول لعلم أن كل واحد من المأثور يحصل المقصود، وإن كان بعضها حصله أكمل، فإنه إذا قال: «ظلمًا كثيرًا» فمتى كثر فهو كبير في المعنى، ومتى كبر فهو كثير في المعنى، وإذا قال: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد». أو قال: «اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته». فأزواجه وذريته من آله بلا شك، أو هم آله فإذا جمع بينهما، وقال: «على آل محمد وعلى أزواجه وذريته». لم يكن قد تدبر المشروع، فالحاصل أن
стр. 20
أحد الذكرين إن وافق الآخر في أصل المعنى، كان كالقراءتين اللتين معناهما واحد، وإن كان المعنى متنوعا، كان كالقراءتين المتنوعتي المعنى، وعلى التقديرين فالجمع بينهما في وقت واحد لا يشرع. وأما الجمع في صلوات الخوف، أو التشهدات، أو الإقامة، أو نحو ذلك، بين نوعين، فمنهي عنه باتفاق المسلمين، وإذا كانت هذه العبادات القولية أو الفعلية لابد من فعلها على بعض الوجوه؛ كما لا بد من قراءة القرآن على بعض القراءات، لم يجب أن يكون كل من فعل ذلك على بعض الوجوه؛ إنما يفعله على الوجه الأفضل عنده، أو قد لا يكون. انتهى كلامه ﵀.
قال أبو محمد: وإذا تقرر هذا فإنه لا يجمع بين استفتاحين لحصول المقصود بالأول، فلم يصاد الثاني استفتاحا، وأيضا لم يجئ خبر قط بجمعهما، فإن قيل قد روى البيهقي من طريق بشر بن شعيب بن أبي حمزة أن أباه حدثه أن محمد بن المنكدر أخبره أن جابر بن عبد الله (١) ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ كان إذا استفتح الصلاة قال: «سبحانك اللهم وبحمد،، وتبار، اسمك، وتعالى جد،، ولا إله غير، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له». (٢)
стр. 21
فالجواب أن هذا الخبر لا يثبت لوجهين:
الأول: أن بِشرًا قد اختلف في سماعه من أبيه، فقد جزم أبو زرعة الرازي بأن سماعه من أبيه إنما كان إجازة (١).
الثاني: أن بشرا تفرد بالجمع بين هذين اللفظين في دعاء الاستفتاح فقد خالفه من هو أوثق منه وهو شريح بن يزيد الحضرمي فرواه عن شعيب بن أبي حمزة دون الاستفتاح الأول مقتصرا على قوله: «وجهت وجهي ...» رواه هكذا
стр. 22
النسائي (١).
والدارقطني (٢) وشريح من الثقات، وأيضا قال أبو حاتم في العلل، وقد ذكر حديثا يرويه شعيب بن أبي حمزة، قال ما نصه: رواه شُعيب بن أبي حمزة، عن مُحمد بن المنكدر، عن جابر وقد طعن فيها وكان عرض شُعيب على ابن المنكدر كتابا فأمر بقراءته عليه، فعر بعضًا وأنكر بعضًا، وقال: لابنه أو لابن أخيه اكتب هذه الأحاديث فدون شُعيب ذلك الكتاب، ولم يثبت رواية شُعيب تلك الأحاديث على الناس، وعرض علي بعض تلك الأحاديث فرأيتها مشابهة لحديث إسحاق بن أبي فروة، وهذا الحديث من تلك الأحاديث. ا. هـ.
стр. 23
قال أبو محمد: وأما جمع الأذكار في غير هذا المقام ففيه تفصيل، قال شيخنا المحرر ابن عثيمين ﵀ في شرحه على البخاري، وقد سئل هل أذكار النوم تقال كلها؟
فأجاب ﵀: الذي يظهر لي أن هذا على أقسام:
الأول: ما دلت السنة على إفراده، ومثاله الاستفتاح فإن النبي ﷺ لما سأله أبو هريرة ﵁ لم يذكر له إلا دعاء واحدا.
قلت: يعني شيخنا ما أخرجه البخاري من طريق عمارة بن القعقاع قال حدثنا أبو زرعة قال حدثنا أبو هريرة ﵁ قال: كان الرسول ﷺ يسكت بين التكبير وبين القراءة إسكاته - قال أحسبه قال هنية - فقلت بأبي وأمي يا رسول الله إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول؟ قال أقول «اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس اللهم اغسل خطاياي بالماء والثل والبرد». (١) وأخرجه مسلم أيضا (٢).
الثاني: ما كان ظاهره أن بعضه ينوب عن بعض للتشابه بينهما؛ كالتسبيح بعد الصلوات، فإنه لا يجمع بين التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثا وثلاثين، ثم التهليل واحدة، مع التهليل والتسبيح والتحميد والتكبير خمسا وعشرين.
الثالث: ما لم تدل السنة على إفراده. وليس ظاهره أن بعضه
стр. 24
ينوب عن بعض لتشابهه، فالظاهر أنه يجمع بينه، ومثاله: أذكار الركوع والسجود والنوم.
فإن قال قائل: في أذكار النوم ذكر حذيفة (١) ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول دعاء كذا وكذا، وذكر البرآء (٢) ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول كذا وكذا، فالظاهر الإفراد؟.
فيقال: ليس هذا واضحًا لجواز أن يكون النبي ﷺ أسمع هذا ما لم يسمعه ذاك، والله أعلم. ا. هـ. من تعليقه على كتاب الدعوات من صحيح البخاري: (الشريط الأول/ الوجه الثاني).ا. هـ.
стр. 25
وقال ابن القيم (١) في الهدي: (٢) وكان يقول: (سبحان ربي العظيم) وتارة يقول مع ذلك أو مقتصرا عليه (سبحانك اللهم ربنا وبحمد،، اللهم اغفر لي) ا. هـ.
وهذا يؤيد قول شيخنا في القسم الثالث، ويزيد عليه أنه لا بأس بالإفراد.
قلت: وهذا ظاهر ما رويناه في صحيح مسلم: (٣)
عن عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب (٤)،
عن رسول الله ﷺ ، أنه كان إذا قام إلى الصلاة، قال: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي، ونسكي، ومحياي، ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، اللهم أنت الملك لا
стр. 26
إله إلا أنت أنت ربي، وأنا عبدك، ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وأهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وأصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك وسعديك والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفر، وأتوب إليك»، وإذا ركع، قال: «اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ومخي، وعظمي، وعصبي»، وإذا رفع، قال: «اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد»، وإذا ساد، قال: «اللهم لك سادت، وبك آمنت، ولك أسلمت، ساد وجهي للذي خلقه، وصوره، وشق سمعه وبصره، تبار، الله أحسن الخالقين»، ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت».
فظاهره الاقتصار على هذا الدعاء. ولذا وقع عند الترمذي (١)، بلفظ: «فإذا ركع كان كلامه في ركوعه أن يقول: اللهم لك ركعت». (٢)
стр. 27
الحكم الثاني
لا بأس أن يقال الذكر الضعيف أو الموقوف على الصحابة ومن بعدهم، أحيانًا ولكن بشروط:
١ - ألا يكون في لفظه ما يمنعه الشارع ولا في معناه فسادًا أو موهمًا لفساد، ولذا لا نقبل ما رواه الطبراني في الأوسط (١) قال: حدثنا يعقوب بن إسحاق بن الزبير، ثنا عبد الله بن محمد أبو عبد الرحمن الأذرمي، نا هشيم، عن حميد، عن أنس (٢) ﵁: أن رسول الله ﷺ مر بأعرابي وهو يدعو في صلاته، وهو يقول: يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون. مع أن هشيما لم يصرح بالسماع.
وجه النكارة: لا تراه العيون فإنه يوهم عدم النظر إليه جل وعلا بإطلاق، ومن عقائد أهل السنة ثبوت رؤيته سبحانه في الآخرة لأهل
стр. 28
الإيمان؛ كما ثبت في النصوص، وأجمع عليه أهل السنة، وكذا قوله لا يصفه الواصفون، فالله وصف نفسه بنعوت الكمال وكذا أنبياؤه والصالحون من بعدهم.
والقاعدة في الألفاظ الموهمة التي لها معنيان صحيح وفاسد، فإن ثبتت هذه الألفاظ كتابا أو سنة، فهي محمولة على المعاني الصحيحة، وإن لم تثبت فتطرح، وتمنع لأجل الإيهام، ولأجل سد الباب لحفظ الاعتقاد، وألفاظ الشرع الصحيحة هي أكمل الألفاظ وأحسنها ومعانيها أصح المعاني وأجزلها.
٢ - عدم المواظبة عليه؛ لأن المواظبة مشعرة باتخاذه دينًا يتعبد لله به، وهذا ممنوع، وأيضًا في ذلك مزاحمة لما رتبه الشارع من أذكار ودعوات صحيحة، وحث الناس على العمل بها وندب إليها، وهذا ممنوع فإن قيل لم لا يذكر مطلقًا، فالجواب لو قيل هذا لمنع كل دعاء غير وارد لم يلتزم به صاحبه أن يدعو به الإنسان مع الشروط المذكورة وهذا محال، فالسلف من الصحابة فمن بعدهم ما زالوا يأتون وأذكار مطلقة ليست واردة، لكن لم يتخذوها دينًا ويواظبوا عليها، هذا كله في الأدعية والأذكار المطلقة فحسب، أما الأذكار والدعوات المقيدة الواردة عن الصحابة فمن بعدهم، فهي محل بحث، والأصل المنع إلا بثبوت عن المصطفى ﵊ فهي عبادة لا تتلقى إلا عنه والله المستعان ومن الشروط.
٣ - ألا يعتقد ثبوتها عن النبي ﵊ وهذا القيد خاص بالمرفوع الضعيف؛ لأن ذلك افتراء على الشارع وكذب عليه، هذا إذا كانت الأخبار واهية، فتنشأ البدع، والضلالات؛ لأن الكذب على الله ورسوله من أعظم الذنوب؛ ولأن رواية الأحاديث
стр. 29
المكذوبة ونسبتها إلى النبي ﷺ سبب للضلال والانحراف عن الحق، فالكذب عليه ليس ككذب على أحد لا في الحال ولا في العقوبة روينا في صحيح البخاري (١) ومسلم (٢) في مقدمة صحيحه:
من طريق سعيد بن عبيد، عن علي بن ربيعة، عن المغيرة (٣) ﵁، قال:
سمعت النبي ﷺ يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، من كذب علي متعمدا، فليتبوأ مقعده من النار»، وأما إذا كانت الأخبار ضعيفة فأصل المفسدة موجود.
٤ - ألا يدعو إلى هذه الأذكار ويحث عليها، بل يستعملها الإنسان في خاصة نفسه.
فإن قيل وهل هنا، أعظم من إخراج أصحاب السنن والمسانيد والمعاجم وغيرهم كثيرًا من الأخبار في الأذكار وبيان فضلها وجزاءها إما في الدنيا أو في الآخرة مع ضعفها الظاهر في أسانيدها.؟!
والجواب من وجوه:
أولاً: أنهم قد نبهوا على ضعف كثير منها وعدم صحته فلم
стр. 30
يكن في هذا دعوة وحث عليها وترغيب فيها، بل كان في ذلك دعوة لتركها والترغيب عنها.
ثانيًا: ما قدر أنهم لم يتكلموا على أسانيدها وحالها من الضعف والوهن فقد أبانوا عن عورها بذكر أسانيدها وهذا مذهب جمهرة من الأئمة والمصنفين كانوا يرون أنهم إذا ذكروا الإسناد برئوا من العهدة لظهور العلة وبيان سبب الاطراح فإن قيل فلمَ يروونها أصلًا؟
فالجواب: هي وقعت لهم في الطلب والأخذ، وهذا من الذب عن سنة النبي ﷺ ، وكانوا يرخصون في مثل هذا في باب الرواية لا في العمل؛ نعم كان الأولى البيان للضعيف، أو رواية الصحيح وما شابهه وتر، الضعيف.
وهذا ما فعله صاحبا الصحيح (البخاري ومسلم) رحمهما الله، فشكرت الأمة لهما هذا الصنيع، ومن لم يلتزم بهذا فله اجتهاده، وحاجة الفقيه للصحيح وما قاربه وما لم يشتد ضعفه معلومة، وهذا باب واسع ليس هذا محل بسطه والله المستعان.
بعد هذا كله هنا، فائدة مهمة بعد هذا التقرير، وهي أن في قول الذكر الضعيف بالشروط المتقدمة فائدة مهمة لطلبة العلم وحملته، وهي أن في هذا نوعًا من حفظ العلم، ولهذا من لا يذكر إلا الصحيح ويترك الضعيف مع طول الأمد ينسى الضعيف وسبب ضعفه، وهذا وإن كان لا يضره إلا أن من يعلم الصحيح ويعلم الضعيف، وسبب ضعفه أكمل علمًا وأقوى حجة وحفظًا، فكان فيما ذكرنا نوعًا من الإعانة على الحفظ والتذكر، والله الموفق.
أمثلة عليه: لم يثبت عند دخول المنزل من الأذكار سوى بسم الله، كما في حديث جابر الذي أخرجه مسلم وغيره من طريق ابن جري، قال أخبرني أبو الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄، أنه سمع النبي ﷺ يقول:
«إذا دخل الرجل بيته، فذكر الله عند دخوله وعند
стр. 31
طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم، ولا عشاء، وإذا دخل، فلم يذكر الله عند دخوله، قال الشيطان: أدركتم المبيت، وإذا لم يذكر الله عند طعامه، قال: أدركتم المبيت والعشاء» وفي بعض ألفاظه الصحيحة عند غير مسلم «فذكر اسم الله» (١).
ولو قال أحيانًا قليلة «بسم الله اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج، بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا، وعلى ربنا توكلنا» أخرجه أبو داود (٢) من طريق شريح بن عبيد، عن أبي مالك الأشعري (٣) ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا ولج الرجل بيته، فليقل: اللهم إني أسألك خير المولج، وخير المخرج، بسم الله ولجنا، وبسم الله خرجنا، وعلى الله ربنا توكلنا، ثم ليسلم على أهله» (٤) وهو
стр. 32
حديث ضعيف لانقطاعه بين شريح وأبي مالك لم يضره، وكان معينًا له على حفظه وحفظ علته، والشروط المتقدمة منطبقة:
أولاً: ليس في لفظ هذا الخبر ولا في معناه فساد ولا إيهام.
ثانيًا: ولم يواظب عليه كما ذكرنا.
ثالثا: ولم يعتقد ثبوته، بل اعتقد ضعفه.
رابعًا: لم يدع إليه، ولم يحث على استعماله. وهنا أنقل كلاما لشيخنا ابن عثيمين من كتاب لقاءات الباب المفتوح السؤال (رقم: ١٠٢١).
فضيلة الشيخ: بالنسبة للحديث الذي رواه الترمذي والحاكم (١) أن رجلًا عطس ثم قال: الحمد لله والسلام على رسول الله، فقال له ابن عمر (٢): وأنا معك، الحمد لله والصلاة على رسول الله، ولكن ما
стр. 33
هكذا علمنا رسول الله ﷺ ، فهل هذا القول بدعة؟
الجواب: بسم الله الرحمن الرحيم، الأذكار الواردة عن النبي ﷺ كاملة من كل وجه، فإذا كان المشروع للعاطس أن يقول: الحمد لله فقط فليقتصر الإنسان عليها، فإذا زاد عليها نظرنا إن كان يرى أن الزيادة عليها أفضل فهذا مبتدع، وإن كان يرى أن هذه الزيادة من باب الجائز ويفعلها أحيانًا فهذه ليست ببدعة، لكن الأولى المحافظة على ما جاءت به الشريعة من الأذكار سواء في أذكار السلام أو العطاس أو غير ذلك، فإنه أفضل وأولى وأكمل. ا. هـ.
стр. 34
الحكم الثالث
الذكر المقيد بحال أو زمان أو مكان يفوت بفوات محله أو زمانه أو مكانه، ولا سبيل إلا قضائه، هذا هو الأصل، فأما فوات المكان والزمان فظاهر يمكن ضبطه، وأما فوات المحل فينظر، فإن ذكره عقيب محله على وجه لا يخرجه عن محله؛ كأن يكون ذكره ولم يكن ثَم فصل يقطع الموالاة فلم يفت، وإن ذكره بعد محله على وجه يقطع الموالاة ويحصل فصل طويل فقد فات.
مثاله: إذا جاء الذكر مقيدًا بالليل، والليل من يروب الشمس إلى طلوع الفجر، فمن ذكره في الليل فقد أتى به على وجهه، ومن ذكره بعد طلوع الفجر أو قبل غروب الشمس فلم يأت به.
مثال آخر: كفارة المجلس إذا قالها المرء قبل أن يقوم من مجلسه فقد أتى بها، وإن فارق المجلس وانفصل عنه فقالها فلم يأت بها.
مثال آخر: إذا أتى العبد بالأذكار عقيب صلاة الفريضة مباشرة، من تسبيح وتحميد وتكبير وقراءة لآية الكرسي والمعوذات، فقد أتى بها على وجهها المشروع، فإن طال الفصل عرفًا فقد فاتت، وهذا مقام يحتاج إلى بسط فنقول: أخرج البخاري (١) تحت باب تفكر الرجل
стр. 35
الشيء في الصلاة، ثم روى من طريق عمر بن سعيد عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث ﵁ قال: صليت مع النبي ﷺ فلما سلم قام سريعًا فدخل على بعض نسائه، ثم خرج ورأى ما في وجوه القوم من تعجبهم لسرعته، فقال: «ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا عندنا فكرهت أن يُمسي أو يبيت عندنا فأمرت بقسمته».
وأخرج البخاري: (١) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة (٢) ﵁ أن النبي ﷺ في خميصة لها أعلام فنظر إلى أعلامها نظرة فلما انصرف قال: «اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنِا ألهتني آنفا عن صلاتي».
وفي لفظ لمسلم: (٣) «فلما قضى صلاته قال: اذهبوا بهذه الخميصة ...» الحديث.
ففي الحديث الأول فصل بالانتقال، والظاهر أنه لم يقل الأذكار فورًا ﵊، بل اشتغل بإخراج ذلك التبر وسأل عنه. وكل ذلك قبل الذكر والدعاء، وفي الحديث الثاني: تكلم بعد الصلاة مباشرة قبل الذكر، فهذان الفاصلان لا يمنعان الذكر بعد ذلك؛ لأن هذا فاصل يسير لا
стр. 36
يمنع حصول الذكر في محله، وهل مثل هذا ما يكون من سكوت بعد الفريضة لسماع موعظة؟
فالجواب: محل احتمال قد يقال أن الإتيان بالأذكار دبر الصلاة أولى، وقد يقال بل سماع الموعظة مأمور به شرعًا إما وجوبًا أو استحبابًا، فيكون سكوته هنا سكوتًا يعذر فيه من قبل الشارع، لا يمنع إتيانه بالأذكار بعد ذلك ... واختار هذا شيخنا ابن عثيمين ﵀ ومثل هذا ما في الصحيح من حديث شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم جاء فصلى بهم (١) .. وفي لفظ لمسلم (٢): من طريق حماد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: أقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم - أو بعض القوم - ثم صلوا.
وبوّب البخاري عليه: باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة (٣)، وقال الحافظ: (٤) في الحديث جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، وأعاده في باب الكلام إذا أقيمت الصلاة، وعلق شيخنا ابن باز ﵀ بقوله لا حرج في ذلك إذا كان الأمر مهمًا. ا. هـ.
وهنا أنقل كلامًا لشيخ الإسلام في الموالاة لا يخلو من فوائد:
стр. 37
قال ﵀: (١) ومذهب أحمد (٢) في هذا أوسع من مذهب غيره: فعنده إذا قطع التتابع لعذر شرعي لا يمكن مع إمكان الاحتراز منه - مثل أن يتخلل الشهرين صوم شهر رمضان أو يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام منى أو مرض أو نفاس ونحو ذلك - فإنه لا يمنع التتابع الواجب ولو أفطر لعذر مبيح؛ كالسفر فعلى وجهين. فالوضوء أولى إذا ترك التتابع فيه لعذر شرعي وإن أمكن الاحتراز منه. وأيضا فالموالاة واجبة في قراءة الفاتحة قالوا: إنه لو قرأ بعضها وسكت سكوتًا طويلًا لغير عذر: كان عليه إعادة قراءتها. ولو كان السكوت لأجل استماع قراءة الإمام أو لو فصل بذكر مشروع - كالتأمين ونحوه - لم تبطل الموالاة بل يتم قراءتها ولا يبتدئها ومسألة الوضوء كذلك سواء فإنه فرق الوضوء لعذر شرعي. ومعلوم أن الموالاة في الكلام أوكد من الموالاة في الأفعال. الخ. كلامه ﵀.
وهنا نذكر حديثًا مهمًا متفرعا على ما تقدم للفائدة، وهو حديث أنس ﵁: «من صلى لله أربعين يومًا يدر، التكبيرة الأولى كتب له برائتان» (٣) قال الترمذي: حدثنا عقبة بن مكرم، ونصر بن علي، قالا:
стр. 38
حدثنا سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدر، التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» وقد روي هذا الحديث عن أنس ﵁ موقوفًا، ولا أعلم أحدًا رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البالي، عن أنس بن مالك ﵁ قوله. حدثنا بذلك هناد قال: حدثنا وكيع، عن خالد بن طهمان، عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس ﵁ قوله ولم يرفعه. وروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث، عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك ﵁، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ نحو هذا.
وهذا حديث غير محفوظ، وهو حديث مرسل. عمارة بن غزية لم يدرك أنس بن مالك ﵁، قال محمد بن إسماعيل: حبيب بن أبي حبيب يكنى أبا الكشوثا، ويقال أبو عميرة ا. هـ.
وقال عبد الرزاق: حدثنا الثوري، عن عاصم الأحول، عن عاصم، عن أنس قال: «من لم تفته الركعة الأولى من الصلاة أربعين يوما، كتبت له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق» (١) وهذا إسناد صحيح، ومثله لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع، وأما المرفوع فلا يثبت؛ كما قال الترمذي والدارقطني .. وسبب إيرادنا لهذا الخبر هنا لفائدة، وهي متى تكون مدركا للتكبيرة حتى تحوز الفضل.
قال علي قاري في مرقاة المفاتيح شارحا للخبر قوله: (٢) (يدرك): حال (التكبيرة الأولى): ظاهرها التكبيرة التحريمية مع الإمام، فاحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع،
стр. 39
فيكون المراد إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى.
وقال في المرعاة شارحا للحديث: (١) (التكبيرة الأولى) أي التكبيرة التحريمة مع الإمام.
وتفسيره هنا هو الصحيح الموافق للفظ النبوي قال ﵊ «وإذا كبر فكبروا» (٢) وهذا يقتضي الفورية فالصحيح أن العبد لا يدر، تكبيرة الإحرام ولا فضلها؛ إلا بالإتيان بها عقيب تكبير الإمام بدون تراخ، وهنا تنبيه أن كل محل لذكر فالموالاة فيه بحسبه، ولهذا في حديث كعب بن عجرة مرفوعًا: «معقبات لا يخيب قائلهن ...». (٣) والمعقبات: من التعقيب وهو الجلوس بعد انقضاء الصلاة للدعاء ونحوه، ويجوز أن يراد منه العود مرة بعد أخرى. (٤)
قلت: فعلى التفسير الأول وهو الأقرب، يكون من أدلة اشتراط الموالاة بين صلاة الفريضة والذكر بعدها.
وقال الحافظ في الفتح (٥): على حديث أبي هريرة ﵁ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة، قال ما نصه: هذه الرواية مفسرة للرواية التي عند المصنف في الدعوات وهي قوله: «دبر كل صلاة» (٦)
стр. 40
ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذر ﵁: «إثر كل صلاة» (١) إلى قوله: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يُقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر، وظاهر قوله «كل صلاة» يشمل الفرض والنفل لكن حمله أكثر العلماء على الفرض وقد وقع في حديث كعب بن عارة عند مسلم التقييد بالمكتوبة، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوبة والذكر أو لا؟ محل نظر. ا. هـ.
وقال في كشف اللثام: (٢) وقال ابن نصر الله من علماء مذهبنا في حواشيه: الظاهر أن مرادهم أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه وفي ذهابه، فالظاهر أنه مصيب للسنة، أيضًا إذْ لا تحجير في ذلك، ولو شغل عن ذلك ثم تذكره، فالظاهر: حصول أجره الخاص له أيضًا إذا كان قريبًا للعذر، أما لو تركه عمدًا ثم استدركه بعد زمن طويل، فالظاهر: فوات أجره الخاص وبقاء أجر الذكر المطلق انتهى، هكذا نقله العلامة النادي. ا. هـ.
وقال النووي (٣) في المجموع (٤) عن الذكر بالتهليل الوارد عقب