يمنع حصول الذكر في محله، وهل مثل هذا ما يكون من سكوت بعد الفريضة لسماع موعظة؟
فالجواب: محل احتمال قد يقال أن الإتيان بالأذكار دبر الصلاة أولى، وقد يقال بل سماع الموعظة مأمور به شرعًا إما وجوبًا أو استحبابًا، فيكون سكوته هنا سكوتًا يعذر فيه من قبل الشارع، لا يمنع إتيانه بالأذكار بعد ذلك ... واختار هذا شيخنا ابن عثيمين ﵀ ومثل هذا ما في الصحيح من حديث شعبة عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس ﵁ قال: أقيمت الصلاة والنبي ﷺ يناجي رجلًا فلم يزل يناجيه حتى نام أصحابه ثم جاء فصلى بهم (١) .. وفي لفظ لمسلم (٢): من طريق حماد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: أقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة فقام النبي ﷺ يناجيه حتى نام القوم - أو بعض القوم - ثم صلوا.
وبوّب البخاري عليه: باب الإمام تعرض له الحاجة بعد الإقامة (٣)، وقال الحافظ: (٤) في الحديث جواز الفصل بين الإقامة والإحرام إذا كان لحاجة، أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه، وأعاده في باب الكلام إذا أقيمت الصلاة، وعلق شيخنا ابن باز ﵀ بقوله لا حرج في ذلك إذا كان الأمر مهمًا. ا. هـ.
وهنا أنقل كلامًا لشيخ الإسلام في الموالاة لا يخلو من فوائد:
стр. 37
قال ﵀: (١) ومذهب أحمد (٢) في هذا أوسع من مذهب غيره: فعنده إذا قطع التتابع لعذر شرعي لا يمكن مع إمكان الاحتراز منه - مثل أن يتخلل الشهرين صوم شهر رمضان أو يوم الفطر أو يوم النحر أو أيام منى أو مرض أو نفاس ونحو ذلك - فإنه لا يمنع التتابع الواجب ولو أفطر لعذر مبيح؛ كالسفر فعلى وجهين. فالوضوء أولى إذا ترك التتابع فيه لعذر شرعي وإن أمكن الاحتراز منه. وأيضا فالموالاة واجبة في قراءة الفاتحة قالوا: إنه لو قرأ بعضها وسكت سكوتًا طويلًا لغير عذر: كان عليه إعادة قراءتها. ولو كان السكوت لأجل استماع قراءة الإمام أو لو فصل بذكر مشروع - كالتأمين ونحوه - لم تبطل الموالاة بل يتم قراءتها ولا يبتدئها ومسألة الوضوء كذلك سواء فإنه فرق الوضوء لعذر شرعي. ومعلوم أن الموالاة في الكلام أوكد من الموالاة في الأفعال. الخ. كلامه ﵀.
وهنا نذكر حديثًا مهمًا متفرعا على ما تقدم للفائدة، وهو حديث أنس ﵁: «من صلى لله أربعين يومًا يدر، التكبيرة الأولى كتب له برائتان» (٣) قال الترمذي: حدثنا عقبة بن مكرم، ونصر بن علي، قالا:
стр. 38
حدثنا سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدر، التكبيرة الأولى كتب له براءتان: براءة من النار، وبراءة من النفاق» وقد روي هذا الحديث عن أنس ﵁ موقوفًا، ولا أعلم أحدًا رفعه إلا ما روى سلم بن قتيبة، عن طعمة بن عمرو، وإنما يروى هذا عن حبيب بن أبي حبيب البالي، عن أنس بن مالك ﵁ قوله. حدثنا بذلك هناد قال: حدثنا وكيع، عن خالد بن طهمان، عن حبيب بن أبي حبيب البجلي، عن أنس ﵁ قوله ولم يرفعه. وروى إسماعيل بن عياش هذا الحديث، عن عمارة بن غزية، عن أنس بن مالك ﵁، عن عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي ﷺ نحو هذا.
وهذا حديث غير محفوظ، وهو حديث مرسل. عمارة بن غزية لم يدرك أنس بن مالك ﵁، قال محمد بن إسماعيل: حبيب بن أبي حبيب يكنى أبا الكشوثا، ويقال أبو عميرة ا. هـ.
وقال عبد الرزاق: حدثنا الثوري، عن عاصم الأحول، عن عاصم، عن أنس قال: «من لم تفته الركعة الأولى من الصلاة أربعين يوما، كتبت له براءتان، براءة من النار، وبراءة من النفاق» (١) وهذا إسناد صحيح، ومثله لا يقال بالرأي، فله حكم الرفع، وأما المرفوع فلا يثبت؛ كما قال الترمذي والدارقطني .. وسبب إيرادنا لهذا الخبر هنا لفائدة، وهي متى تكون مدركا للتكبيرة حتى تحوز الفضل.
قال علي قاري في مرقاة المفاتيح شارحا للخبر قوله: (٢) (يدرك): حال (التكبيرة الأولى): ظاهرها التكبيرة التحريمية مع الإمام، فاحتمل أن تشمل التكبيرة التحريمية للمقتدي عند لحوق الركوع،
стр. 39
فيكون المراد إدراك الصلاة بكمالها مع الجماعة، وهو يتم بإدراك الركعة الأولى.
وقال في المرعاة شارحا للحديث: (١) (التكبيرة الأولى) أي التكبيرة التحريمة مع الإمام.
وتفسيره هنا هو الصحيح الموافق للفظ النبوي قال ﵊ «وإذا كبر فكبروا» (٢) وهذا يقتضي الفورية فالصحيح أن العبد لا يدر، تكبيرة الإحرام ولا فضلها؛ إلا بالإتيان بها عقيب تكبير الإمام بدون تراخ، وهنا تنبيه أن كل محل لذكر فالموالاة فيه بحسبه، ولهذا في حديث كعب بن عجرة مرفوعًا: «معقبات لا يخيب قائلهن ...». (٣) والمعقبات: من التعقيب وهو الجلوس بعد انقضاء الصلاة للدعاء ونحوه، ويجوز أن يراد منه العود مرة بعد أخرى. (٤)
قلت: فعلى التفسير الأول وهو الأقرب، يكون من أدلة اشتراط الموالاة بين صلاة الفريضة والذكر بعدها.
وقال الحافظ في الفتح (٥): على حديث أبي هريرة ﵁ تسبحون وتحمدون وتكبرون خلف كل صلاة، قال ما نصه: هذه الرواية مفسرة للرواية التي عند المصنف في الدعوات وهي قوله: «دبر كل صلاة» (٦)
стр. 40
ولجعفر الفريابي في حديث أبي ذر ﵁: «إثر كل صلاة» (١) إلى قوله: ومقتضى الحديث أن الذكر المذكور يُقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ، فإن كان يسيرًا بحيث لا يعد معرضًا، أو كان ناسيًا، أو متشاغلًا بما ورد أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي فلا يضر، وظاهر قوله «كل صلاة» يشمل الفرض والنفل لكن حمله أكثر العلماء على الفرض وقد وقع في حديث كعب بن عارة عند مسلم التقييد بالمكتوبة، وكأنهم حملوا المطلقات عليها، وعلى هذا يكون التشاغل بعد المكتوبة بالراتبة بعدها فاصلًا بين المكتوبة والذكر أو لا؟ محل نظر. ا. هـ.
وقال في كشف اللثام: (٢) وقال ابن نصر الله من علماء مذهبنا في حواشيه: الظاهر أن مرادهم أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه وفي ذهابه، فالظاهر أنه مصيب للسنة، أيضًا إذْ لا تحجير في ذلك، ولو شغل عن ذلك ثم تذكره، فالظاهر: حصول أجره الخاص له أيضًا إذا كان قريبًا للعذر، أما لو تركه عمدًا ثم استدركه بعد زمن طويل، فالظاهر: فوات أجره الخاص وبقاء أجر الذكر المطلق انتهى، هكذا نقله العلامة النادي. ا. هـ.
وقال النووي (٣) في المجموع (٤) عن الذكر بالتهليل الوارد عقب
стр. 41
الوضوء ما نصه: اتفق أصحابنا وغيرهم على استحباب هذا الذكر عقيب الوضوء ولا يؤخره عن الفراغ. ا. هـ.
وعلم مما تقدم أن الذكر لا يُقضى لفوات محله؛ لأن القضاء يحتاج إلى خطاب جديد، والأمر هنا كمن فات عليه صوم يوم عرفة أو عاشوراء، أو دخل المسجد فجلس طويلا، ولم يكن أتى بتحية المسجد، فلا ينفع إتيانه بها بعد ذلك.
فائدة: أخرج مسلم (١) في صحيحه من طريق عبد الرحمن بن عبد القاري، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه، أو عن شيء منه، فقرأه فيما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر، كتب له كأنما قرأه من الليل».
قال في التمهيد (٢) ما نصه: وهذا الوقت فيه من السعة ما ينوب عن صلاة الليل فيتفضل الله برحمته على من استدر، من ذلك ما فاته وليس من زوال الشمس إلى صلاة الظهر ما يستدر، فيه كل أحد حزبه وهذا بّين والله أعلم ا. هـ.
قال في المرقاة: (٣) وعن عمر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «من نام عن حزبه»، أي: عن ورده يعني عن تمامه «أو عن شيء منه»، أي: من حزبه يعني عن بعض ورده من القرآن، أو الأدعية والأذكار، وفي معناه الصلاة. «فقرأ فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كتب له»: جواب الشرط، وقوله: «كأنما قرأه»: صفة مصدر محذوف، أي: أثبت أجره في صحيفة عمله إثباتا مثل إثباته حين قرأه «من
стр. 42
الليل»: قال بعض علمائنا؛ لأن ما قبل الظهر؛ كأنه من جملة الليل، ولذا يجوز الصوم بنية قبل الزوال. اهـ. وفيه أن تقييد نية الصوم بما قبل الزوال ليس لكونه من جملة الليل، بل لتقع النية في أكثر أجزاء النهار، والمراد بما قبل الزوال هو الضحوة الكبرى.
فالوجه أن يقال: في الحديث إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢].
قال القاضي: أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه من فاته ورده في أحدهما تداركه في الآخر. اهـ.
وهو منقول عن كثير من السلف، كابن عباس، وقتادة، والحسن، وسلمان، كما ذكره السيوطي في الدر.
وأخرج عن الحسن أنه قال: من عاز بالليل كان له في أول النهار مستعتب، ومن عاز بالنهار كان له في أول الليل مستعتب. اهـ. فتخصيصه بما قبل الزوال مع شمول الآية النهار بالكمال إشارة إلى المبادرة بقضاء الفوت قبل إتيان الموت، فإن في التأخير آفات خصوصًا في حق الطاعات والعبادات، أو لأن وقت القضاء أولى أن يصر إلى القضاء، أو لأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، ولا منع من الجمع لاجتماع الحكم، فإن قائله أُعطي جوامع الكلم. ا. هـ.
قُلت: في هذا الموضع شرع القضاء توسعة وتخفيفا في حق المعذور والأصل أن العبادة المؤقتة بوقت تفوت بفواته، ولا تقضى؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد سواء كان الأمر في الأصل أمر إيجاب أو استحباب، وإنما عُهد الأمر بالقضاء في خطاب الشارع
стр. 43
للمعذور كالناسي والنائم ونحوهما، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهذا في الصوم في قوله ﵊: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ...» (١) الحديث .. وهذا في الصلاة.
قال في مجموع الفتاوى: (٢) (... لأن القضاء إنما يجب بأمر جديد، ولا أمر هنا يلزمها بالقضاء، ولأنِا أخرت تأخيرا جائزا، فهي غير مفرطة. وأما النائم أو الناسي، وإن كان غير مفرط أيضًا، فإن ما يفعله ليس قضاء، بل ذلك وقت الصلاة في حقه حين يستيقظ ويذكر. كما قال النبي ﷺ : «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها» وليس عن النبي ﷺ حديث واحد بقضاء الصلاة بعد وقتها، وإنما وردت السنة بالإعادة في الوقت لمن ترك واجبًا من واجبات الصلاة؛ كأمره للمسيء في صلاته بالإعادة لما ترك الطمأنينة المأمور بها؛ وكأمره لمن صلى خلف الصف منفردًا بالإعادة لما ترك المصافة الواجبة؛ وكأمره لمن ترك لمعة من قدمه لم يصبها الماء بالإعادة لما ترك الوضوء المأمور به، وأمر النائم والناسي بأن يصليا إذا ذكرا وذلك هو الوقت في حقهما والله أعلم. ا. هـ.
وأخرج مسلم (٣) عن عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ : «كان إذا فاتته الصلاة من الليل من وجع، أو غيره، صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة».
стр. 44
قال النووي في شرح مسلم: (١) قولها وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركعة هذا دليل على استحباب المحافظة على الأوراد وأنِا إذا فاتت تقضى.
وقال في أذكاره ما نصه: (٢) ينبغي لمن كان له وظيفةٌ من الذكر في وقت من ليل أو نهار، أو عقب صلاة أو حالة من الأحوال ففاتته أن يتداركها ويأتي بها إذا تمكن منها ولا يهملها، فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سَهُلَ عليه تضييعُها في وقتها. ا. هـ.
وتعقبه ابن علان في الفتوحات بقوله: (٣) والمراد بالأحوال المتعلقة بالأوقات لا المتعلقة بالأسباب؛ كالذكر عند رؤية الهلال، وسماع الرعد ونحو ذلك، فلا يندب تداركه عند فوات سببه، وهذا وإن لم أر من ذكره فقد صرح به الفقهاء بما يؤخذ منه ذلك، وهو قولهم: الصلاة ذات السبب؛ كالتحية لا يندب قضاؤها عند فوات سببها بخلا ذات الوقت. ا. هـ.
فائدة: قال ابن عثيمين في الشرح الممتع ما نصه: (٤) وقوله: «مكبِّرًا» حال من فاعل «يركع» حال مقارنة، يعني: في حال هويه إلى الركوع يكبرُ فلا يبدأ قبل، ولا يؤخِّره حتى يصل إلى الركوع، أي: يجب أن يكون التكبير فيما بين الانتقالِ والانتهاء، حتى قال الفقهاءُ ﵏: «لو بدأ بالتكبير قبل أن يهوي، أو أتمهُ بعد أن يصِلَ إلى الركوع؛ فإنه لا يجزئه؛ لأنهم يقولون:
إنَّ هذا تكبيرٌ في الانتقال فمحله ما بين
стр. 45
الركُّنين، فإنْ أدخله في الركُّن الأول لم يصح، وإن أدخله في الركُّن الثاني لم يصح؛ لأنه مكان لا يشرع فيه هذا الذكر، فالقيام لا يشرع فيه التكبير، والركوع لا يشرع فيه التكبير، إنما التكبير بين القيام وبين الركوع، ولا شكَّ أن هذا القولَ له وجهة مِن النظر؛ لأن التَّكبير علامة على الانتقالِ؛ فينبغي أن يكون في حالِ الانتقال. ا. هـ.
فائدة: تسبيح الركوع والسجود يلزم أن يكون في حال الركوع الشرعي والسجود الشرعي، وعليه لو سبّح في سجوده وهو رافع رجله مثلًا لم يصح تسبيحه لفوات الحال.
فائدة في مسائل أبو داود: (١) قال: سمعت أحمد سئل عمن أدرك الإمام راكعًا، فكبر ثم ركع فرفع الإمام؟ قال إذا أمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام فقد أدرك.
والمذهب: أن من أدر، الركوع مع الإمام أدرك الركعة، سواءً أدرك معه الطمأنينة، أو لا إذا اطمأن المأموم، وهذا ما عليه جماهير الأصحاب (٢).
قلت: وهو الصحيح خلافا للشافعية؛ لأن الإمام يرفع قبل المأمومين فمكثهم بعده معتبر، وحينئذ إذا سبّح كان تسبيحه في مكانه، وهذا سبب إيراد المسألة هنا، فافهم.
تنبيه: قال مسلم في صحيحه: (٣) حدثنا محمد بن رمح أخبرنا
стр. 46
الليث (١) عن الحكيم بن عبد الله بن قيس القرشى ح وحدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ليث عن الحكيم بن عبد الله عن عامر بن سعد بن أبى وقاص عن سعد بن أبى وقاص (٢) ﵁ عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قال حين يسمع المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالْسلام دينا. يفر له ذنبه». قال ابن رمح في روايته «من قال حين يسمع المؤذن وأنا أشهد». ولم يذكر قتيبة قوله وأنا.
هذا سياق مسلم وقد بينت رواية ابن أبي شيبة موضع هذا الذكر - رضيت بالله ربا - قال ابن أبي شيبة (٣): (٤) - حدثنا يحيى بن إسحاق،
стр. 47
حدثنا الليث بن سعد، عن الحكيم بن عبد الله بن قيس، عن عامر بن سعد، عن أبيه سعد، أنه قال: «من قال إذا قال المؤذن أشهد أن لا إله إلا الله: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيا، يفر له ذنوبه، فقال له رجل: يا سعد، ما تقدم من ذنبه، وما تأخر» قال: لا هكذا سمعت رسول الله ﷺ يقوله.
وفيها زيادة بيان أنه لا يكرر الشهادتين، بل يكتفي بإجابته ثم يقول:
رضيت ... الخ. وكذا وقع في مستخرج أبي عوانة (١).
فائدة: المزايا المرتبة على الذكر في المسجد هل المراد المسجد كله أو موضع صلاته منه.
قال ابن رجب: (٢) هذا فيه تردد وفي صحيح مسلم (٣).
عن جابر بن سمرة (٤)، أن النبي ﷺ كان إذا صلى الفار جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس حسناء.
وفي رواية له: (٥) كان النبي ﷺ لا يقوم من مصلاه الذِي يصلي فيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام.
ومعلوم؛ أنهُ ﷺ لم يكن جلوسه في الموضع الذي صلى فيه؛
стр. 48
لأنه كان ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه.
وخرجه الطبراني (١) وعنده: (٢) كان إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس.
ولفظة: (الذكر) غريبة. وفي تمام حديث جابر بن سمرة الذي خرجه مسلم وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهليَّة، فيضحكون ويتبسم.
وهذا يدل على أنه لم ينكر على من تحدث وضحك في ذلك الوقت، فهذا الحديث يدل على أن المراد بمصلاه الذي يجلس فيه المسجد كله.
وإلى هذا ذهب طائفة من العلماء، منهم: ابن بطة من أصحابنا وغيره.
وقد روي عن أبي هريرة ما يخالف هذا. روى مالك في الموطأ (٣): عن نُعيم المُجمر، أنه سمع أبا هريرة، يقول: إذا صلى أحدكم ثم جلس في مصلاه لم تزل الملائكة تصلى عليه، تقول: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، فإن قام من مصلاه فجلس في المسجد ينتظر الصلاة لم تزل الملائكة تصلي عليه في مصلاه حتى يصلي .. فهذا يدل على أنه إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من
стр. 49
المسجد انقطع حكم جلوسه في مصلاه، فإن جلس ينتظر الصلاة كان حكمه حكم من ينتظرها، وصلت عليه الملائكة - أيضًا -، فإن لم يجلس منتظرًا للصلاة فلا شيء له؛ لأنه لم يجلس في مصلاه ولا هو منتظر للصلاة.
قال ابن عبد البر (١): إلا أنه لا يقال: إنه تصلي عليه الملائكة (٢).
يعني: على المتحول من مكانه وهو ينتظر الصلاة كما تصلي على الذي في مصلاه ينتظر الصلاة ... يشير إلى أن الحديث المرفوع إنما فيه صلاة الملائكة على من يجلس في مصلاه لا على المنتظر للصلاة.
ولكن قد روي في حديث مرفوع، فروى عَطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمان السلمي، عن علي، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «من صلى الفار ثمَّ جلس في مصلاه صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم أرحمه، ومن ينتظر الصلاة صلت عليه الملائكة، وصلاتهم عليه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه». خرجه الإمام أحمد (٣).
стр. 50
وقال علي بن المديني (١): هو حديث كوفي، وإسناده حسن.
وذكر ابن عبد البر - أيضًا -: (٢) أنه يحتمل أن يكون بقاؤه في مصلاه شرطًا في انتظار الصلاة - أيضًا، كما كان شرطًا في الجلوس في مصلاه.
وهذا الذي قاله بعيد، وإنما يمكن أن يقال فيمن صلى صلاة ثم جلس ينتظر صلاة أخرى، فأما من دخل المسجد ليصلي صلاة واحدة، وجلس ينتظرها قبل أن تقام فأي مُصلى له حتى يشترط أن لا يفارقه؟ قال: وقيامه من مجلسه، المراد به: قيامه لعرض الدنيا، فأما إذا قام إلى ما يعينه على ما كان يصنعه في مجلسه من الذكر.
يعني: أنه غير مراد، ولا قاطع للصلاة عليه. والله أعلم. ا. هـ وسمعت شيخنا ابن باز يقول: المسجد كله مُصلى ولو انتقل ..
стр. 51
الحكم الرابع
يتأكد مراعاة فعل الذكر في وقته إن كان مقيدا بوقت، فإذا أخرج عن وقته المقيد فات فضله الخاص، وإنما يؤجر صاحبه أجرًا عامًا حينئذ، فأذكار الصباح تقال في الصباح وأذكار المساء تقال في المساء.
وأما حدّ الصباح والمساء؛ فقد قال ابن القيم: (١) في ذكر طرفي النهار، وهما بين الصبح وطلوع الشمس، وما بين العصر والمغرب، قال : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢] والأصيل: قال الجوهري: (٢) هو الوقت بعد العصر إلى الغروب وجمعه أُصُل وآصال وأصائل - كأنه جمع أصيلة.
قال الشاعر:
لعمري لأنت البيتُ أكْرِمُ أهله ... واقعد في أفنائه بالأصائل
وقال ابن القيم: (٣) قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ
стр. 52
الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩] وهذا تفسير ما جاء في الأحاديث: أن من قال كذا وكذا حيث يصبح وحين يمسي، أن المراد قبل طلوع الشمس وقبل غروبها، وأن محل هذه الأذكار بعد الصبح وبعد العصر. ا. هـ.
وقال في القاموس: الصُّبْح: الفَجْرُ، أو أوَّلُ النهارِ، جمعه أصباح (١). زاد في اللسان: (٢) أصبح القوم: دخلوا في الصباح. كما يقال: أمسوا دخلوا في المساء.
وقال الراغب في مفرداته: (٣) الصبح والصباح: أول النهار وهو وقت ما أحمر الأفق بحاجب الشمس قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١]. وقال ﴿فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ [الصافات: ١٧٧].
قلت: قال الله جل وعلا في سورة هود عن قوم لوط: ﴿إِنّ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] وفي سورة الحجر قال: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ﴾ [الحجر: ٧٣].
قال الطبري: (٤)
стр. 53
أي: أخذتهم صاعقة العذاب وهي الصيحة. إذْ أشرقت الشمس (١). قلت: فدل على أن الشروق لا ينافي الصبح.
لكن قال القرطبي (٢) على آية الحار: وقيل أول العذاب كان عند الصبح وامتد إلى شروق الشمس، فكان تمام الإهلاك عند ذلك. والله أعلم (٣).
وذكر البغوي (٤)
стр. 54
هذا المعنى قبله (١). وقال السمعاني (٢): في تفسيره على آية الحجر ما نصه: فإن قال قبل هذا ﴿مُصْبِحِينَ﴾ وقال ها هنا ﴿مُشْرِقِينَ﴾ فكيف وجه الجمع؟
الجواب من وجهين: أحدهما: أن ابتداء العذاب كان من الصبح، وتمامه عند الإشراق.
والجواب الثاني: أن الإشراق ها هنا بمعنى الإصباح وهو جائز في كلام العرب (٣).
والوجه الأول لخصه ابن عطية (٤) بقوله: وأهلكوا بعد الفجر مصبحين واستوفاهم الهلاك مشرقين (٥).
стр. 55
وقال ابن دريد في الجمهرة: (١) وصبيحة اليوم: أوله والصبيحة من كل يوم أو النهار والصّبوح الأكل والشرب في أول النهار ا. هـ.
وقال ابن هشام اللخمي (ت٥٥٧) في تقويم اللسان: والْصباح: من أول النهار إلى قريب الظهر، فيقال للرجل كيف أصبحت إلى قريب الظهر، وكيف أمسيت من بعد الظهر إلى الغروب وبعده إلى نصف الليل.
وقال في المصباح المنير: (٢) قال ابن الجواليقي: الصباح عند العرب من نصف الليل الآخر إلى الزوال ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول هكذا روي عن ثعلب.
قال أبو محمد: وقوله في حدّ الصبح غريب جدًا، وعندي أنه لا يصح، وهو عمل الفرنجة الآن ومن تابعهم! فصبحهم بعد نصف ليلهم!
وقال في نزال الأبرار: (٣) قال الجزري في مفتاح الحصن الحصين: الصباح من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والمراد بالمساء من الغروب إلى الفجر، وقد أبعد من قال إن المساء يدخل وقته بالزوال فإن أراد دخول العشي فقريب، وإن أراد المساء فبعيد، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] قابل المساء بالصباح.
стр. 56
وفي تهذيب اللغة للأزهري: (١) نقل عن الليث والصَّبْحُ: سَقْيك أخا، صَبُوحًا من لبن، والصَّبوحُ: ما شُربَ بالغداة فما دون القَائلة، وفعلك الاصْطِباحُ.
وقال في مجمل اللغة لابن فارس: (٢) الصبح بدء النهار.
وقال أبو المظفر السمعاني في تفسيره على آية الروم: (٣) ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾. ﴿تُظْهِرُونَ﴾ أي: تدخلون في الظهر وفي الآية إشارة إلى أوقات الصلاة الخمس، فقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إشارة إلى صلاة المغرب والعشاء، وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الصبح، وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ إشارة إلى صلاة العصر، وقوله ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إشارة إلى صلاة الظهر.
وفي الفتوى (رقم: ٢٠٠٧٨) من فتاوى اللجنة ما نصه:
س: هل أذكار المساء تكون بعد صلاة العصر أو بعد يروب الشمس؟ أي بعد صلاة المغرب.
ج: أذكار المساء تبتدئ من زوال الشمس إلى غروبها، وفي أول الليل، وأذكار الصباح تبتدئ من طلوع الفجر إلى زوال الشمس، قال الله تعالى:
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] وقال
стр. 57
سبحانه:
﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]. والآصال جمع أصيل، وهو: ما بين العصر والمغرب. وقال سبحانه: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧]. ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨].
قال أبو محمد: والمتحرر في وقت الصبح: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وأول النهار، والمساء من العصر إلى الغروب، وأول الليل. والله أعلم.
стр. 58
الحكم الخامس
التقيد بالعدد شرط لحصول الفضل الخاص المرتب على هذا العدد.
مثاله: الذكر بعد الصلاة: من سبّح الله دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين ... إلخ .. فلابد من التعيين بهذا العدد دون نقص ولا زيادة.
قال الحافظ ابن حار: (١) وقد كان بعض العلماء يقول: إن الأعداد الواردة؛ كالذكر عقب الصلوات إذا رتب عليها ثواب مخصوص، فزاد الآتي بها على العدد المذكور لا يحصل له ذلك الثواب المخصوص؛ لاحتمال أن يكون لتلك الأعداد حكمة وخاصية تفوت بمجاوز ذلك العدد، قال شيخنا الحافظ أبو الفضل في شرح الترمذي: وفيه نظر؛ لأنه أتى بالمقدار الذي رُتب الثواب على الإتيان به فحصل الثواب بذلك، فإن زاد عليه من جنسه كيف تكون الزيادة مزيلة لذلك الثواب بعد حصوله.
ويمكن أن يفترق الحال فيه بالنية، فإن نوى عند الانتهاء إليه امتثال الأمر الوارد، ثم أتى بالزيادة، فالأمر كما قال شيخنا لا محالة، وإن زاد بغير نية بأن يكون الثواب رتب على عشرة مثلًا فرتبه هو على
стр. 59
مائة، فيتجه القول الماضي، وقد بالغ القرافي في القواعد، فقال: من البدع المكروهة الزيادة في المندوربات المحددة شرعًا؛ لأن شأن العظماء إذا حددا شيئًا أن يوقف عنده، ويعد الخارج عنه مسيئًا للأدب، وقد مثّله بعض العلماء بالدواء يكون فيه الشفاء مثلًا، أو فيه سكر فلو زيد فيه أوقية أخرى لتخلف الانتفاع به، فلو اقتصر على الأوقية في الدواء ثم استعمل من السكر بعد ذلك ما شاء لم يتخلف الانتفاع به. ا. هـ.
وقال ابن الملقن في شرح العمدة (١) معقبًا على قول القرافي ما نصه: قلت روى النسائي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: «من سبح في دبر كل صلاة مكتوبة مائة، وكبر مائة، وهلل مائة، وحمد مائة يفر له ذنوبه وإن كانت أكثر من زبد البحر» فهذا زائد على ذلك المقدار فاتسع الباب.
قلت: هذا الخبر معلول فأخرجه النسائي في المجتبى (٢) وفي الكبرى (٣) من طريق أبي الزبير عن أبي علقمة عن أبي هريرة ﵁ فذكره.
قال الدارقطني في العلل: (٤) حدث به أبو الزبير، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة. ورواه عطاء بن أبي رباح، واختلف عنه حدث به عنه ابنه يعقوب، فرواه مكي بن إبراهيم، عن يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن علقمة مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن أبي هريرة وهو الصحيح.
قلت: والطريق التي صححها الدارقطني وقعت للنسائي في
стр. 60
الكبرى (ط الرسالة) ووقع فيها تصحيف (عن عطاء بن أبي علقمة) وصوابه عن عطاء، عن أبي علقمة (١).
وقال النسائي عقبه: يعقوب بن عطاء بن أبي رباح ضعيف (٢).
قلت: يعقوب ضعيف، وأبو علقمة إن كان محفوظًا فمن رجال مسلم، وإن كان المحفوظ عطاء بن أبي علقمة مجهول.
وممن ضعفه ابن رجب (٣) في فتح الباري (٤) بقوله: وخرجه النسائي في الكبرى بإسناد ضعيف، وروي مرفوعًا على أبي هريرة ﵁، وخرجه النسائي في السنن بإسناده، أخرجه أبي هريرة ﵁ مرفوعًا ... فذكره ا. هـ.
وجاء بإسناد آخر من طريق إبراهيم بن طهمان، عن الحجاج بن
стр. 61
الحجاج، عن أبي الزبير، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة ﵁: وتقدم. وفي هذا الإسناد نظر، والأشبه أنه غير محفوظة، ويخشى أن أبا الزبير (١) تحمله عن ضعيف فدلسه.
وقال العيني (٢): (٣) الصواب الذي قاله الشيخ - أي في شرح
стр. 62
الترمذي - أن هذا ليس من الحدود التي نهي عن اعتدائها ومجاوزة أعدادها، والدليل على ذلك ما رواه مسلم (١) من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : «حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه». ا. هـ.
وتعقبه في فتح الملهم (٢) بقوله: قلت هذا ليس بصريح في الزيادة على عدد هذا الذكر المخصوص، بل اللفظ يشمل ما إذا زاد شيئًا من القول الطيب أو العمل الحسن.
فإن قلت: الشرط في هذا أن يقول الذكر المنصوص عليه بالعدد متتابعًا أم لا! والشرط أن يكون في مجلس واحد أم لا.!
قلت: كل منهما ليس بشرط، ولكن الأفضل أن يأتي به متتابعًا، وأن يراعي الوقت الذي عين فيه» كذا في العمدة ا. هـ.
والخلاصة: أن حصول العدد شرط للفضل الخاص، والزيادة ليست ملغية إن عُدَّ ممتثلًا وكيف يعد ممتثلًا: نقول بالفصل بالنية، والنية تتبع العلم، وعلى هذا إن علم الفضل ونواه بالعدد تمّ المراد.
стр. 63
الحكم السادس
أذكار الحفظ إنما هي أسباب، ونفعها موقوف على استكمال الشروط، وانتفاء الموانع، وبهذا يزول الإشكال عند من توهّم: كيف يتخلف الوعد .. ؟
فمثلًا: الأذكار التي جاء، فيها فضل بحفظ قائلها، أو أنه لا يضره شيء، ونحو ذلك، فهذه الأذكار سبب للحفظ وسبب لعدم الضرر.
والأسباب يتوقف استكمال النفع بها على تكامل الأسباب الأخرى، وانتفاء الموانع التي تمنع من حصول المسببات (بفتح الباء).
قال شيخ الإسلام: (١) وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه ولابد من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده.
وقال: (٢) كما نشهد أن الشمس جزء سبب في نموّ بعض الأجسام، ورطوبتها ويبسها، ونحو ذلك، ثم بتقدير أن تكون أسبابا، فلها موانع ومعارضات، إذ ما من سبب يُقدر؛ إلا وله مانع إرادي أو
стр. 64
طبيعي أو غير ذلك؛ كالدعاء والصدقة والأعمال الصالحة، فإنها من أعظم الأسباب في دفع البلاء النازل من السماء، ولهذا أمرنا بذلك عند الكسوف وغيره من الآيات السماوية التي تكون سببًا للعذاب.
وقال: (١) وما من سبب من الأسباب؛ إلا دائر موقوف على أسباب أخرى.
وقال: (٢) والأسباب ليست مستقلة بالمسبَّبَات، بل لابد لها من أسباب أخر تعاونها، ولها مع ذلك أضداد تمانعها، والمسبب لا يكون يخلق جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته كما يخلق سائر المخلوقات.
وقال: (٣) وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده، وأحق الناس برحمته هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص لا إله إلا الله علما وعقيدة وعملا وبراءة وموالاة ومعاداة كان أحق بالرحمة.
وقال: (٤) والذين هداهم الله من هذه الأمة، حتى صاروا من أولياء الله المتقين، كان من أعظم أسباب ذلك دعاؤهم الله بهذا الدعاء في كل صلاة، مع علمهم بحاجتهم وفاقتهم إلى الله دائما في أن يهديهم الصراط المستقيم، فبدوام هذا الدعاء والافتقار صاروا من أولياء الله المتقين.
وقال: (٥) وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة
стр. 65
الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب.
ثم شرحها إلى أن قال السبب الرابع: الدافع للعقاب ... ثم قال: فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت.
وقال: (١) فإذا عدمت هذه الأسباب كلها، ولن تعدم إلا في حق من عتا وتمرد، وشرد على الله شراد البعير على أهله، فهنالك يلحق الوعيد به. ا. هـ.
والشاهد أن الوعيد لا يلحق إلا باستكمال الشروط وانتفاء الموانع، والموانع هنا هي الأسباب العشرة التي ذكرها، وأخذها منه شارح الطحاوية، حيث قال: فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب، عرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة ثم سردها، وشارح الطحاوية نقل نصوصًا كثيرة عن شيخ الإسلام أخذها من كتبه بحروفها، ولم ينسبها إليه؛ لأن نسبتها إليه في ذلك الوقت مدعاة لردها من المبطلين وأعداء السنة وأعداء ابن تيمية فرحمهما الله.
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم على حديث: (٢) «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا» (٣) قال: أشار فيه ﷺ إلى آداب الدعاء وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته، وإلى ما يمنع من إجابته فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة: أحدهما: إطالة السفر. والثاني: حصول التبذّل في اللباس والهيئة. والثالث: مدّ يديه إلى السماء. والرابع: الإلحاح على الله بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.
стр. 66
قال: (١) وأما ما يمنع إجابة الدعاء، فقد أشار ﷺ إلى أنه التوسع في الحرام أكلًا وشربًا ولبسًا وتغذية ... إلى قوله: وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يمنع استجابة دعاء الأخيار وفعل الطاعات، يكون موجبًا لاستجابة الدعاء، ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار، وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي أخلصوا فيها لله تعالى ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم .... الخ.
والشاهد إثبات أسباب للإجابة، لا سببًا واحدًا، وإذا تقرر هذا، فإذا ذكر العبد ربه وأتى ببعض ما يكون سببًا للحفظ من الأذى فقد يتخلف أثر هذا الذكر في الحفظ لأسباب:
١ - عدم تواطؤ القلب مع اللسان (وهذا قد يكون مانعًا) وضده سبب للحفظ.
٢ - ضعف التوكل على الله (وهذا مانع آخر من الحفظ) وعكسه سبب وهو التوكل.
٣ - تساهله في حفظ نفسه من الآفات (وهذا مانع).
٤ - عدم شهوده صلاة الصبح. (وهذا مانع للحديث: «من صلى الصبح ...» (٢) وعلم منه أن شهود صلاة الفار سبب من أسباب الحفظ).
стр. 67
٥ - قول النبي ﷺ : «أغلقوا الأبواب واذكروا اسم الله ...» (١). وهذه أسباب للحفظ، وترك الإغلاق والتسمية، مانع من الحفظ، وهلم جرًا والأمر واضح جلي.
فمن عقل هذا زالت عنه إشكالات كثيرة.
وقد روينا في سنن الترمذي (٢) وغيره (٣): من حديث عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن أبان بن عثمان، قال: سمعت عثمان بن عفان (٤) ﵁، يقول: قال رسول الله ﷺ : «ما من عبد يقول في صباح كل يوم، ومساء كل ليلة، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يضر بشيء» فكان أبان قد أصابه طر فالج، فاعل الرجل ينظر إليه، فقال له أبان: ما تنظر؟ أما إن الحديث كما حدثتك، ولكني لم أقله يومئذ ليمضي الله علي قدره.
قال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
стр. 68
ورواه أحمد (١)، وابن ماجه (٢)، والنسائي في الكبرى (٣)، وأبو داود الطيالسي (٤) والطبراني في الدعاء (٥)، وغيرهم. (٦)
وعبد الرحمن بن أبي الزناد (٧)، متكلم فيه، قال في الكواكب النيرات عنه ما نصه: قال علي بن المديني: (٨) ما حدث بالمدينة فهو صحيح وما حدث ببغداد أفسده البغداديون، وعنه أيضا حديثه بالمدينة مقارب، وما حدث به بالعراق فهو مضطرب. ا. هـ.
قلت: عامّة من روى عنه هذا الخبر من الغرباء، وقد توبع على
стр. 69
هذا الخبر بما أخرجه النسائي في الكبرى: (١) أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، حديث ابن أبي فديك، قال: حدثني يزيد بن فراس، عن أبان بن عثمان، عن أبيه، عن النبي ﷺ ، قال: من قال حين يصبح بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم لم يصبه في يومه فجأة بلاء ومن قالها حين يمسي لم يعني يصبه في ليلته فجاءة بلاء. قال النسائي: يزيد بن فراس مجهول لا نعرفه ..
وقال أيضا: (٢) وروي عن أبان بن عثمان بغير هذا اللفظ، ثم رواه فقال: أخبرنا يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا بن وهب، قال: أخبرني الليث، عن العلاء بن كثير، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن أبان بن عثمان، أنه قال: من قال حين يمسي سبحان الله العظيم وبحمده، لا حول ولا قوة إلا بالله، لم يضره شيء حتى يصبح، وإن قال حين يصبح، لم يضره شيء حتى يمسي، فأصاب أبان فالج، فائته فيمن جاءه من الناس، فاعل الناس يعزونه ويخرجون، وأنا جالس، فلما خف من عنده، قال لي: قد علمت ما أجلسك، أما أن الذي حدثتك حق، ولكني أنسيت ذلك. تابعه الزهري على روايته فوقفه.
ثم رواه فقال: (٣) أخبرني محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري، قال:
حدثنا يحيى بن يحيى، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم الصائغ، عن الحجاج بن فرافصة، عن عُقيل، عن الزهري، عن أبان بن عثمان، قال: من قال حين يمسي وحين يصبح ثلاث مرات سبحان الله العظيم
стр. 70
وبحمده لا حول ولا قوة إلا بالله لم يصبه شيء يضره فدخلنا عليه وقد أصابه الفالج فقال بن أخي أما إني لم أكن قلتها حين أصابني.
قال أبو محمد: أما أبو بكر المذكور فما روى سوى العلاء بن كثير الإسكندراني المصري، فهو مجهول.
قال ابن منده: (١) أبو بكر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة الزهري، عداده في أهل مصر. روى عنه: العلاء بن كثير. قاله لي أبو سعيد ابن يونس. ا. هـ.
وأما وقف الزهري له فلا يثبت عنه. فيه حجاج بن فرافصة، قال أبو الفضل في تهذيب التهذيب، (٢) عنه ما نصه: قال ابن معين لا بأس به، وقال أبو زرعة ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: شيخ صالح متعبد. له عند أبي داود حديث واحد ا. هـ.
وإسماعيل بن إبراهيم بن ميمون الصائغ، قال أبو حاتم: شيخ؛ كما في الجرح (٣)، وكذا قال الدارقطني (٤)، ونقل صاحب الميزان (٥) عن البخاري قوله في إبراهيم هذا: سكتوا عنه ا. هـ. ولهذا قال الدارقطني: (٦) وروى هذا الحديث أبو الزناد، عن أبان بن عثمان، عن أبيه، حدث به عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه. وهذا متصل، وهو أحسنها إسنادًا. ا. هـ.
стр. 71
وصححه ابن حبان (١) وحسنه البغوي في شرح السنة، (٢) وقال الذهبي في سيره: (٣) حديث صحيح. وذكره الضياء في الأحاديث المختارة، (٤) بإسناده وقال بعده: رواه الإمام أحمد عن سريج عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن أبان بن عثمان بنحوه (إسناده حسن) ا. هـ. وقال ابن حار في نتائج الأفكار: (٥) حسن صحيح.
ثم وقفت له على متابعة أخرى لعبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ما رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه: (٦) حدثناه أبي، قال: حدثنا قدامة بن محمد بن قدامة المديني، قال: حدثنا المنذر بن عبد الله الحزامي، قال: حدثنا أبان بن عثمان، قال: سمعت عثمان بن عفان، قال: قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال إذا أصبح أو أمسى ثلاث مرات: بسم الله الحي الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم؛ لم يصبه شيء» فأصبح أبان قد ضربه الفالج فنظر إليه بعض جلسائه، فقال: أما والله ما كذبت، ولا كُذبت، ولقد قلتها منذ ثلاثون سنة حتى كانت هذه الليلة فأنسيتها، وكان ذلك للقضاء والقدر.
وكذا رواه أبو يعلى الموصلي: (قلت: وهو ساقط من المطبوع) كما قال الحافظ الضياء في الأحاديث المختارة (٧)، عن أبي خيثمة به،
стр. 72
ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١)، وقال: غريب من حديث المنذر.
قال أبو محمد: أما قدامة فقال في الجرح: (٢) سألت أبي عن قدامة بن محمد المديني، فقال: ليس به بأس. سئل أبو زرعة عن قدامة بن محمد المديني، فقال: لا بأس به.
وأما المنذر فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات (٣)، وأثنى عليه الزبير بن بكار، والخطيب البغدادي كما في تاريخه (٤)، فمثله لا بأس به.
لكن قال في تهذيب الكمال في ترجمته: (٥) روى عن أبان مرسلًا. وعبارته في تهذيب التهذيب: (٦) أرسل عن أبان. والمعنى واحد، وهذا معناه لم يسمع منه.
وقد قيل إن أبان توفي سنة ١٠٥هـ، والمنذر توفي سنة ١٨١هـ. فبين وفاتيهما نحو ٧٦ سنة، والسماع مع هذا محتمل، فإن كان ثابتًا، فهو متابع لابن أبي الزناد، وتقدم قول الذهبي في سيره بقوله: (٧) حديث صحيح - قال - ورواه عن أبان منذر بن عبد الله الحزامي، ومحمد بن كعب القرظي.
أخرجه الترمذي. ا. هـ. فالحديث في الأصل ثابت.
стр. 73
تنبيه: قال في تهذيب التهذيب: (١) قال الأثرم: قلت لأحمد أبان بن عثمان سمع من أبيه قال: لا. قلت (ابن حجر): حديثه في «صحيح مسلم» مصرح بالسماع من أبيه.
قال أبو محمد: وذلك فيما أخرجه مالك (٢) في موطئه، ومن طريقه مسلم: (٣) عن نافع عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب».
ثم رأيت في سنن الأثرم، قال: (٤) حدثنا القعنبي، حدثنا مالك، عن ضمرة بن سعيد، قال: سمعت أبان بن عثمان يقول: رأيت عثمان بن عفان ﵁ أكل خبزًا ولحمًا، ثم دعا بماء فغسل يديه، ثم مضمض ثم صلى ولم يتوضأ. ا. هـ.
فالسماع ثابت، والمقصود إن هذه من جملة الأسباب، ولذا بوب ابن حبان في صحيحه (٥) عليه بقوله: ذكر ما يجب على المرء من الاحتراز بذكر الله جل وعلا في أسبابه دون الاتكال على قضاء الله فيها.
وقال ابن القيم في الوابل الصيب: (٦) والتكفير بهذه مشروط
стр. 74
بشروط، موقوف على انتفاء الموانع كلها فحينئذ يقع التكفير، وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره، وفُقد الإخلاص الذي هو روحه، ولم يُوف حقه، ولم يقدره حق قدره، فأي شيء يكفر هذا.؟
стр. 75
الحكم السابع
شرط حصول الأجر الكامل في الأذكار: تواطؤ القلب مع اللسان.
وفوات ذلك مع ذكر اللسان لا يمنع حصول أصل الأجر، وهو أحد الأسباب في انتفاع الذاكر بذكره، وتقدمت الإشارة إلى ذلك وأفردناه هنا للأهمية.
قال شي الإسلام: (١) الناس في الذكر أربع طبقات.
أحداها: الذكر بالقلب واللسان وهو المأمور به.
الثاني: الذكر بالقلب فقط، فإن كان مع عجز اللسان فحسن، وإن كان مع قدرته فترك للأفضل.
الثالث: الذكر باللسان فقط، وهو كون لسانه رطبًا بذكر الله، وفيه حكاية التي لم تجد الملائكة فيه خيرًا؛ إلا حركه لسانه بذكر الله، ويقول الله تعالى: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» (٢).