← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14561

نتاج الفكر في أحكام الذكر

عبد الله بن مانع الروقي

Полный текст (344 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وصححه ابن حبان (١) وحسنه البغوي في شرح السنة، (٢) وقال الذهبي في سيره: (٣) حديث صحيح. وذكره الضياء في الأحاديث المختارة، (٤) بإسناده وقال بعده: رواه الإمام أحمد عن سريج عن ابن أبي الزناد عن أبيه عن أبان بن عثمان بنحوه (إسناده حسن) ا. هـ. وقال ابن حار في نتائج الأفكار: (٥) حسن صحيح. ثم وقفت له على متابعة أخرى لعبد الرحمن بن أبي الزناد، وهو ما رواه ابن أبي خيثمة في تاريخه: (٦) حدثناه أبي، قال: حدثنا قدامة بن محمد بن قدامة المديني، قال: حدثنا المنذر بن عبد الله الحزامي، قال: حدثنا أبان بن عثمان، قال: سمعت عثمان بن عفان، قال: قال: قال رسول الله ﷺ : «من قال إذا أصبح أو أمسى ثلاث مرات: بسم الله الحي الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع العليم؛ لم يصبه شيء» فأصبح أبان قد ضربه الفالج فنظر إليه بعض جلسائه، فقال: أما والله ما كذبت، ولا كُذبت، ولقد قلتها منذ ثلاثون سنة حتى كانت هذه الليلة فأنسيتها، وكان ذلك للقضاء والقدر. وكذا رواه أبو يعلى الموصلي: (قلت: وهو ساقط من المطبوع) كما قال الحافظ الضياء في الأحاديث المختارة (٧)، عن أبي خيثمة به،

стр. 72

ورواه ابن عساكر في تاريخ دمشق (١)، وقال: غريب من حديث المنذر. قال أبو محمد: أما قدامة فقال في الجرح: (٢) سألت أبي عن قدامة بن محمد المديني، فقال: ليس به بأس. سئل أبو زرعة عن قدامة بن محمد المديني، فقال: لا بأس به. وأما المنذر فقد روى عنه جمع، وذكره ابن حبان في الثقات (٣)، وأثنى عليه الزبير بن بكار، والخطيب البغدادي كما في تاريخه (٤)، فمثله لا بأس به. لكن قال في تهذيب الكمال في ترجمته: (٥) روى عن أبان مرسلًا. وعبارته في تهذيب التهذيب: (٦) أرسل عن أبان. والمعنى واحد، وهذا معناه لم يسمع منه. وقد قيل إن أبان توفي سنة ١٠٥هـ، والمنذر توفي سنة ١٨١هـ. فبين وفاتيهما نحو ٧٦ سنة، والسماع مع هذا محتمل، فإن كان ثابتًا، فهو متابع لابن أبي الزناد، وتقدم قول الذهبي في سيره بقوله: (٧) حديث صحيح - قال - ورواه عن أبان منذر بن عبد الله الحزامي، ومحمد بن كعب القرظي. أخرجه الترمذي. ا. هـ. فالحديث في الأصل ثابت.

стр. 73

تنبيه: قال في تهذيب التهذيب: (١) قال الأثرم: قلت لأحمد أبان بن عثمان سمع من أبيه قال: لا. قلت (ابن حجر): حديثه في «صحيح مسلم» مصرح بالسماع من أبيه. قال أبو محمد: وذلك فيما أخرجه مالك (٢) في موطئه، ومن طريقه مسلم: (٣) عن نافع عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله ﷺ : «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب». ثم رأيت في سنن الأثرم، قال: (٤) حدثنا القعنبي، حدثنا مالك، عن ضمرة بن سعيد، قال: سمعت أبان بن عثمان يقول: رأيت عثمان بن عفان ﵁ أكل خبزًا ولحمًا، ثم دعا بماء فغسل يديه، ثم مضمض ثم صلى ولم يتوضأ. ا. هـ. فالسماع ثابت، والمقصود إن هذه من جملة الأسباب، ولذا بوب ابن حبان في صحيحه (٥) عليه بقوله: ذكر ما يجب على المرء من الاحتراز بذكر الله جل وعلا في أسبابه دون الاتكال على قضاء الله فيها. وقال ابن القيم في الوابل الصيب: (٦) والتكفير بهذه مشروط

стр. 74

بشروط، موقوف على انتفاء الموانع كلها فحينئذ يقع التكفير، وأما عمل شملته الغفلة أو لأكثره، وفُقد الإخلاص الذي هو روحه، ولم يُوف حقه، ولم يقدره حق قدره، فأي شيء يكفر هذا.؟

стр. 75

الحكم السابع شرط حصول الأجر الكامل في الأذكار: تواطؤ القلب مع اللسان. وفوات ذلك مع ذكر اللسان لا يمنع حصول أصل الأجر، وهو أحد الأسباب في انتفاع الذاكر بذكره، وتقدمت الإشارة إلى ذلك وأفردناه هنا للأهمية. قال شي الإسلام: (١) الناس في الذكر أربع طبقات. أحداها: الذكر بالقلب واللسان وهو المأمور به. الثاني: الذكر بالقلب فقط، فإن كان مع عجز اللسان فحسن، وإن كان مع قدرته فترك للأفضل. الثالث: الذكر باللسان فقط، وهو كون لسانه رطبًا بذكر الله، وفيه حكاية التي لم تجد الملائكة فيه خيرًا؛ إلا حركه لسانه بذكر الله، ويقول الله تعالى: «أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه» (٢).

стр. 76

الرابع: عدم الأمرين وهو حال الخاسرين. وقال: (١) لكن يكون الذكر في النفس كاملًا وغير كامل فالكامل باللسان مع القلب وغير الكامل بالقلب فقط. وقال ﵀: (٢) ومن جعل همّته في الدعاء، تقويم لسانه أضعف توجه قلبه، ولهذا يدعو المضطر بقلبه دعاء يفتح عليه لا يحضره قبل ذلك، وهذا أمر يجده كل مؤمن في قلبه. ا. هـ. وقال النووي على شرح مسلم (٣) ما نصه: قال القاضي عياض ﵀: وذكر الله تعالى ضربان، ذكر بالقلب، وذكر باللسان، وذكر القلب نوعان: أحدهما: وهو أرفع الأذكار وأجلها، الفكر في عظمة الله تعالى وجلاله، وجبروته وملكوته، وآياته في سمواته وأرضه، ومنه الحديث خير الذكر الخفي، والمراد به هذا. والثاني: ذكره بالقلب، عند الأمر والنهى، فيمتثل ما أمر به، ويترك ما نهى عنه، ويقف عما أشكل عليه، وأما ذكر اللسان مجردا فهو أضعف الأذكار، ولكن فيه فضل عظيم كما جاءت به الأحاديث، قال: وذكر ابن جرير الطبري وغيره: اختلاف السلف في ذكر القلب واللسان، أيهما أفضل؛ قال القاضي: والخلاف عندي، إنما يتصور في مجرّد ذكر القلب تسبيحًا وتهليلًا، وشبههما، وعليه يدل كلامهم، لا أنهم مختلفون في الذكر الخفي الذي ذكرناه؛ وإلا فذلك لا يقاربه ذكر اللسان فكيف يفاضله، وإنما الخلاف في ذكر القلب بالتسبيح المجرد

стр. 77

ونحوه، والمراد بذكر اللسان مع حضور القلب، فإن كان لاهيا فلا، واحتج من رجح ذكر القلب بأن عمل السر أفضل، ومن رجح ذكر اللسان، قال لأن العمل فيه أكثر، فإن زاد باستعمال اللسان اقتضى زيادة أجر، قال القاضي: واختلفوا هل تكتب الملائكة ذكر القلب، فقيل تكتبه، ويجعل الله تعالى لهم علامة يعرفونه بها، وقيل لا يكتبونه؛ لأنه لا يطلع عليه غير الله، قلت: الصحيح أنهم يكتبونه، وأن ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من القلب وحده، والله أعلم. ا. هـ. وقال النووي أيضا في أذكاره: (١) المراد من الذكر حضور القلب، فينبغي أن يكون هو مقصود الذاكر فيحرص على تحصيله، ويتدبّر ما يذكر، ويتعقل معناه. فالتدبّر في الذكر مطلوب كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنى المقصود. ا. هـ. وقال النووي أيضًا: وفي صحيح البخاري من حديث عبد الوارث، حدثنا الحسين، حدثنا عبد الله بن بريدة، حدثني بشير بن كعب العدوي، قال: حدثني شداد بن أوس (٢). عن النبي ﷺ : (٣) «سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبد، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت قال ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة». وعند النسائي من طريق يزيد، وهو بن زريع، قال: حدثنا حسين المعلم، عن عبد الله بن بريدة، عن بشير بن كعب، عن شداد بن أوس، عن النبي ﷺ ، قال: «إن سيّد الاستغفار، أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني، وأنا عبد، وأنا على عهد، ووعد، ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بذنبي وأبوء لك بنعمتك عليّ فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب

стр. 78

إلا أنت، فإن قالها حين يصبح موقنا بها، فمات دخل الجنة، وإن قالها حين يمسي موقنا بها دخل الجنة» (١). وهذا وإن كان واردًا في هذا الذكر، فهو قيد في سائر الألفاظ فالأذكار المطلقة تحمل على هذا فلا بد للمسبح أن يعتقد تسبيح الله وتنزيهه، ولا للحامد أن يعتقد استحقاق الله للحمد، ولا بد للمكبر أن يعتقد أن الله ليس أكبر منه شيء لا في ذاته ولا في كمال أسمائه وصفاته. وأصل الأمر لا يحصل إلا بهذا، وكماله يحصل باستغراق ما دلت عليه تلك المحامد والتسبيحات من المحامد العظيمة والتنزيهات ... الخ. فإن قيل فما معنى أصل الأجر وكماله: قيل استحقاق دخول الجنة إن رتب على ذكر ما، فالذاكر موعود بالدخول، والمستكمل

стр. 79

لمعاني الذكر سابق في الدخول. وقس على هذا جميع وعود الشارع المرتبة على الأذكار. والمؤمنون موعودون بالجنة، وهم يتفاضلون في السبق في دخولها، وفي التنّعم فيها، وهذا وإن كان يحصل بسبب اختلاف الأعمال، فإنه أيضًا حاصل بالاختلاف في العمل الواحد، فليس الذاكرون كلهم على حدّ واحد في مقدار ذكرهم، وتواطؤ قلوبهم مع أذكارهم، وتفاضل هذا حاصل به العلم ضرورة. وقس على هذا تفاوت حظوظ المصلين من صلاتهم، وتفاوت انتفاعهم بها في دنياهم وآخرتهم، وهذا باب لطيف يدركه من يدركه، ويوفق للسبق فيه المسارعون للخيرات جعلنا الله منهم برحمته وجوده ..

стр. 80

الحكم الثامن شرط حصول أصل الأجر في القراءة والذكر، أن ينطق اللسان، وتتحرك الشفتان، وفي إسماع النفس خلاف، وهذه قاعدة في كل ذكر واجب، أو مستحب، حتى يعد قارئًا ومسبحًا وذاكرًا ... فلا يكفي إجراء الذكر على قلبه دون حركة لسانه، ولا يكفي حركة اللسان مع إطباق الشفتين، بل لا بد من خروج صوت وهواء حتى يسمى ذاكرًا وتاليًا وقائلًا، وضابط ذلك إتيانه بالحروف العربية، ففي الأذكار مثلًا من قال كذا وكذا، أو من سبح الله، أو من قراء كذا، وهذه قاعدة في كل ذكر شرعي واجب أو مستحب. وهل يشترط إسماع نفسه، فيه خلاف، روى البخاري في صحيحه (١) من طريق أبي معمر - وهو عبد الله بن سخبرة - قال: سألنا خبابًا أكان النبي ﷺ يقرأ في الظهر والعصر؟ قال: نعم، قلنا: بأي شيء كنتم تعرفون؟ قال: باضطراب لحيته. واستدل به البيهقي على أن الإسرار بالقراءة لا بد فيه من إسماع المرء نفسه، وذلك لا يكون إلا بتحريك اللسان والشفتين، بخلاف ما

стр. 81

لو أطبق شفتيه وحرك، لسانه بالقراءة، فإنه لا تضطرب بذلك لحيته فلا يسمع نفسه (١). وقال ابن عبد البر في التمهيد ما نصه: (٢) ومعلوم أن القراءة في النفس ما لم يحرك بها اللسان فليست بقراءة وإنما هي حديث النفس بالذكر وحديث النفس متجاوز عنه لأنه ليس بعمل يؤاخذ عليه فيما نهي أن يعمله أو يؤدي عنه فرضًا فيما أمر بعملها. ا. هـ. قال شيخ الإسلام: (٣) ولا يشترط أن يسمع المصلي نفسه القراءة الواجبة. وأنقل هنا كلامًا لأبي محمد الموفق في المغني: (٤) ذكره في كتاب الديات لا يخلو من فائدة: قال: أجمع أهل العلم على وجوب الدية في لسان الناطق .... ويقال: ما الإنسان لولا اللسان؛ إلا صورة ممثلة، أو بهيمة مهملة، وأما النفع فإن به تبلغ الأغراض، وتستخلص الحقوق، وتدفع الآفات، وتقضى به الحاجات، وتتم العبادات في القراءة والذكر والشكر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعليم والدلالة على الحق المبين والصراط المستقيم ..... إلى قوله: فصل: وإن ذهب بعض الكلام وجب من الدية بقدر ما ذهب يعتبر ذلك بحروف العجم، وهي ثمانية وعشرون حرفًا ..... ففي الحرف الواحد ربع سبع الدية ..... إلى قوله: وإن ذهب حرف فأبدل مكانه حرفًا آخر؛ كأنه يقول درهم فصار يقول دلهم، أو دعهم أو ديهم، فعليه ضمان الحرف الذاهب .... وإن لم يذهب شيء من الكلام لكن

стр. 82

حصلت فيه عجلة، أو تمتمة أو فأفأة، فعليه حكومة لما حصل من النقص والشين ولم تجب الدية لأن المنفعة باقية .... إلخ آخر ما ذكره. مما يدل على فضل اللسان ونعمة البيان والكلام، وسلامة النطق، وقبح ضده. وقد امتن الله على عباده بتعليمه البيان في سورة الرحمن بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣، ٤] وعلى أحد التفاسير المشهورة: الكلام. وكان النبي ﷺ يقرر هذا في تعليم الصحابة القرآن والذكر، ففي حديث جابر ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعلمنا الاستخارة؛ كما يعلمنا السورة من القرآن. (١) وفي حديث ابن مسعود ﵁ علمني النبي ﷺ التشهد وكفي بين كفيه. (٢) وفي رواية: كلمة كلمة (٣) وفي حديث سلمان: حرفًا حرفًا. (٤) وقال ابن أبي جمرة التشبيه في تحفظ حروفه وترتب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه. (٥) وقال الحافظ: (٦) على حديث أبي هريرة ﵁: «... وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم ...» (٧) قال بعد كلام، ونقل الزركشي: أن المراد بقوله فليقل إني صائم مرتين يقوله مرة بقلبه ومرة بلسانه فيستفيد بقوله بقلبه كف لسانه عن خصمه وبقوله بلسانه

стр. 83

كف خصمه عنه وتعقب بأن القول حقيقة باللسان. ا. هـ. وقال ابن أبي العز (١) في شرح الطحاوية- ومن كلام شيخ الإسلام استفاده - قال ما نصه: وللناس في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق: أربعة أقوال: أحدها: أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعًا؛ كما يتناول لفظ الإنسان الروح والبدن معا، وهذا قول السلف .... إلى قوله: ويرد قول من قال: بأن الكلام هو المعنى القائم بالنفس: قوله ﷺ : «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» (٢) وقال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن مما. أحدث أن لا تكلموا في الصلاة». (٣) واتفق العلماء على أن المصلي إذا تكلم في الصلاة عامدًا لغير مصلحتها بطلت صلاته. واتفقوا كلهم على أن ما يقوم بالقلب من تصديق بأمور دنيوية وطلب لا يبطل الصلاة، وإنما يبطلها التكلم بذلك. فعلم اتفاق المسلمين على أن هذا ليس بكلام. وأيضًا: ففي الصحيحين عن النبي ﷺ ، أنه قال: «إن الله تجاوز

стр. 84

لأمتي عما حدثت به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به». (١) فقد أخبر أن الله عفا عن حديث النفس إلا أن تتكلم، ففرق بين حديث النفس وبين الكلام، وأخبر أنه لا يؤاخذ به حتى يتكلم به، والمراد: حتى ينطق به اللسان، باتفاق العلماء، فعلم أن هذا هو الكلام في اللغة؛ لأن الشارع إنما خاطبنا بلغة العرب. (٢) ... إلخ ما ذكره. ا. هـ. قلت: وفي ألفية ابن مالك: كَلامُنا لفْظٌ مُفِيْدٌ كَاسْتقِمْ ... وَاسْمٌ وَفعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلمْ وفي الأجرومية: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع. وقال النووي في أذكاره: (٣) ما نصه: اعلم أن الأذكار المشروعة في الصلاة وغيرها، واجبة كانت أو مستحبة، لا يحسب شئ منها ولا يعتد به حتى يتلفظ به بحيث يسمع نفسه إذا كان صحيح السمع لا عارض له. والله أعلم. وقال أيضًا في المجموع: (٤) وإذا قلنا يقرأ المأموم في الجهرية كره له أن يجهر بحيث يؤذى جاره بل يسر بحيث يسمع نفسه لو كان سميعًا ولا شاغل من لغط وغيره لأن هذا أدنى القراءة المجزئة. ا. هـ. قال في فقه العبادات على المذهب الحنفي ما نصه: (٥) النطق بها بصوت أقل ما فيه أن يسمع نفسه. والسماع شرط فيما يتعلق بالنطق باللسان وهي: التحريمة، القراءة السرية، التشهد، الأذكار، الطلاق،

стр. 85

الاستثناء، اليمين، النذر. فلو أجرى هذه الأمور على القلب من غير تلفظ يُسمَع لم تثبت. ا. هـ. وتقدم ذكر مسألة إسماع النفس، والراجح عدم لزومه؛ لأن الإسماع قدر زائد على التلفظ والكلام، ولم يأت بإيجابه حُجة، واختاره شيخ الإسلام. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: (١) المثال الثاني والأربعون: إذا استحلف على شيء فأَحَب أن يحلف ولا يحنث، فالحيلة أن يحرك لسانه بقول إن شاء الله، وهل يشترط أن يسمعها نفسه، فقيل لا بد أن يسمع نفسه، وقال شيخنا هذا لا دليل عليه، بل متى حرك لسانه بذلك كان متكلمًا، وإن لم يسمع نفسه، وهكذا حكم الأقوال الواجبة، والقراءة الواجبة، قلت وكان بعض السلف يطبق شفتيه، ويحرك لسانه بلا إله إلا الله ذاكرًا، وإن لم يسمع نفسه فإنه لاحظ للشفتين في حروف هذه الكلمة، بل كلها حلقية لسانية فيمكن الذاكر أن يحرك لسانه بها، ولا يسمع نفسه ولا أحدًا من الناس، ولا تراه العين يتكلم، وهكذا التكلم بقول إن شاء الله يمكن مع إطباق الفم، فلا يسمعه أحد ولا يراه، وإن أطبق أسنانه وفتح شفتيه أدنى شيء سمعته أذناه بجملته. ا. هـ. وفي فتاوي اللجنة الدائمة هذا السؤال: (٢) س: هل الجهر في تكبيرة الاحرام واجب أم يجزئ الاسرار بالقلب فيها؟ ج: تكبيرة الاحرام ركن من أركان الصلاة، والمأموم لا يجهر بالتكبيرة بل يكبر بحيث يسمع نفسه مع تحريك الشفتين بالتكبير، وهكذا المنفرد أما الإمام فيجهر بالتكبير والتسميع في جميع الصلوات

стр. 86

حتى يسمع المأمومين، هذا هو المشروع بحقه. وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. وفي سؤالات الباب المفتوح (٧٢٧) السؤال: هل يلزم تحريك الشفتين في الصلاة والأذكار والقراءة؟ أم يكفي أن يقرأ بدون تحريك الشفتين؟ الجواب: لابد من تحريك الشفتين في قراءة القرآن في الصلاة، وكذلك في قراءة الأذكار الواجبة كالتكبير والتسبيح والتحميد والتشهد؛ لأنه لا يسمى قولًا إلا ما كان منطوقًا به، ولا نطق إلا بتحريك الشفتين واللسان، ولهذا كان الصحابة ﵃ يعلمون قراءة النبي ﷺ باضطراب لحيته - أي: بتحركها - ولكن اختلف العلماء هل يجب أن يسمع نفسه؟ أم يكتفي بنطق الحروف؟ فمنهم من قال: لا بد أن يسمع نفسه، أي: لابد أن يكون له صوت يسمعه هو بنفسه، ومنهم من قال: يكفي إذا أظهر الحروف، وهذا هو الصحيح. ا. هـ. تنبيه: مما تقدم يتبين إخلال كثير من الناس بألفاظ الذكر من التسبيح والتحميد والتهليل، وأوراد الصباح والمساء ... إلخ. فتجد أحدهم لا يكاد يتلفظ بهذه الأذكار، وإذا تلفظ لا يكاد يبين، فلو دنوت من أحدهم لسمعت إما همهمة أو تمتمة، لا تسمى ذكرًا ولا قراءة ولا تسبيحًا، ولا تهليلًا، وربما كان مغلقًا لفمه. ومثل ذلك القراءة في الصلاة السرية، خذ من الأخطاء وعدم التلفظ بالآيات على الوجه الصحيح ما شئت فضلًا عن التجويد والترتيل، فربما يصلي كثير منهم صلاة لو رآها المنصف لقال: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (١) والنبي ﷺ يقول: «لعلكم تقرأون

стр. 87

خلفي» (١) ... فسماها قراءة، فأي قراءة نقرأ، وأي ذكر نقول، إن الأمر عظيم والخطب الجسيم، وبيان هذا واجب على العلماء وطلاب العلم وأئمة المساجد، ومن ذلك أن بعض الناس عند القراءة أو الذكر ينتابه التثاؤب، فيستمر على قراءته ولا يرد التثاؤب، فتذهب بعض الحروف أحيانا، والمشروع كظم التثاؤب ورده والتوقف عن القراءة والذكر والله المستعان. لطيفة: أخرج ابن أبي شيبة بإسناده عن أبي سعيد: أنه كان يأخذ ثلاث حصيات فيضعهن على فخذه فيسبح ويضع واحدة، ثم يسبح ويضع أخرى، ثم يسبح ويضع أخرى، ثم يرفعن ويصنع مثل ذلك، وقال: لا تسبحوا بالتسبيح صفيرًا. (٢) قلت: والصفير: صوت يخرج مع الحرف يشبه صفير الطائر، والخبر في إسناده نظر لكن فيه فائدة إظهار التسبيح وصحة نطقه باللسان، قال في صُبح الأعشى في وصف بعض الجُزُر ما نصه: (٣) وفيها ناس عراة في غياض لا يفهم ما يقولون، كلامهم صفير، يستوحشون من الناس. ا. هـ. تنبيه: قال في كشاف القناع: (٤) ما نصه: قال في الشرح: فإن عجز عن بعض اللفظ، أو بعض الحروف، أتى بما عجز عن بعض الفاتحة، والأخرس ومقطوع اللسان يحرم بقلبه، لعجزه عنه بلسانه، ولا يحرك لسانه، كمن سقط عنه القيام يسقط عنه النهوض إليه، وإن قدر

стр. 88

عليه لأنه عبث ولم يرد الشرع به؛ كالعبث بسائر جوارحه وإنما لزم القادر ضرورة، وكذا حكم القراءة والتسبيح وغيره؛ كالتحميد والتسميع والتشهد والسلام، يأتي به الأخرس ونحوه بقلبه، ولا يحرك لسانه لما تقدم. ا. هـ.

стр. 89

الحكم التاسع يجوز الذكر قيامًا وقعودًا وفي حال الاضطجاع، وفي حجر الحائض وماشيًا وساعيًا وفي كل حال إلا ما استثنى. قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] قال القرطبي في تفسيره: (١) الثالثة: ذكر تعالى ثلاث هيئات لا يخلو ابن آدم منها في غالب أمره، فكأنها تحصر زمانه، ومن هذا المعنى قول عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ ، يذكر الله على كل أحيانه. أخرجه مسلم. (٢) فدخل في ذلك كونه على الخلاء، وغير ذلك، وقد اختلف العلماء في هذا، فأجاز ذلك عبد الله بن عمرو (٣)، وابن

стр. 90

سيرين (١)، والنخعي (٢)، وكره ذلك ابن عباس، وعطاء، والشعبي، والأول أصح لعموم الآية والحديث قال النخعي: لا بأس بذكر الله في الخلاء فإنه يصعد المعنى: تصعد به الملائكة مكتوبًا في صحفهم فحذف المضاف دليله قوله تعالى ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]. وقال: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ﴾ [الانفطار: ١٠، ١١]. لأن الله أمر عباده بالذكر على كل حال ولم يستثن، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]. وقال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا

стр. 91

الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. فذاكر الله تعالى على كل حالاته مثاب مأجور إن شاء الله تعالى. وذكر أبو نعيم قال: حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا سفيان، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه، عن كعب الأحبار (١)، قال: قال: موسى ﵇: «يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك، قال: يا موسى أنا جليس من ذكرني، قال: يا رب فإنا نكون من الحال على حال نجلك ونعظمك أن نذكرك، قال: وما هي، قال: الجنابة والغائط، قال: يا موسى اذكرني على كل حال. وكراهية من كره ذلك؛ إما لتنزيه ذكر الله تعالى في المواضع المرغوب عن ذكره فيها؛ ككراهية قراءة القرآن في الحمام، وإما إبقاء على الكرام الكاتبين، على أن يحلهم موضع الأقذار والأنجاس، لكتابة ما يلفظ به، والله أعلم. وقال النووي في مقدمة أذكاره ما نصه: (٢) اعلم أن الذكر محبوب في جميع الأحوال؛ إلا في أحوال ورد الشرع باستثنائها، نذكر منها هنا طرفا، إشارة إلى ما سواه مما سيأتي في أبوابه إن شاء الله

стр. 92

تعالى، فمن ذلك: أنه يكره الذكر حالة الجلوس على قضاء الحاجة، وفي حالة الجماع، وفي حالة الخطبة لمن يسمع صوت الخطيب، وفي القيام في الصلاة، بل يشتغل بالقراءة، وفي حالة النعاس، ولا يكره في الطريق ولا في الحمام (١)، والله أعلم. وقال في المجموع ما نصه: (٢) ويستحب متابعته - يعني المؤذن - لكل سامع من طاهر ومحدث وجنب وحائض وكبير وصغير لأنه ذكر وكل هؤلاء من أهل الذكر ويستثنى من هذا المصلي ومن هو على الخلاء والجماع. ا. هـ. وقال البخاري في صحيحه: (٣) باب قراءة القرآن بعد الحدث وغيره وقال منصور بن إبراهيم: لا بأس بالقراءة في الحمام. قال الحافظ في الفتح: (٤) وروى ابن المنذر عن علي: قال بئس البيت الحمام ينزع فيه الحياء، ولا يقرأ فيه آية من كتاب الله، وهذا لا يدل على كراهة القراءة، وإنما هو إخبار بما هو الواقع، بأن شأن من يكون في الحمام أن يلتهي عن القراءة، وحكيت الكراهة عن أبي حنيفة، وخالفه صاحبه محمد بن الحسن، ومالك، فقالا: لا تكره لأنه ليس فيه دليل خاص، وبه صرح صاحبا العدة والبيان من الشافعية، وقال النووي في التبيان: عن الأصحاب لا تكره، فاطلق؛ لكن في شرح الكفاية للصيمري لا ينبغي أن يقرأ، وسوّى الحليمي بينه وبين القراءة حال قضاء الحاجة، ورجح السبكي الكبير عدم الكراهة، واحتج بأن القراءة مطلوبة، والاستكثار منها مطلوب، والحدث يكثر، فلو

стр. 93

كرهت لفات خير كثير، ثم قال حكم القراءة في الحمام، إن كان القارئ في مكان نظيف وليس فيه كشف عورة لم يكره. ا. هـ. وقال البخاري في صحيحه: (١) باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض، وأسند حديث منصور بن صفية أن أمه حدثته أن عائشة حدثتها: «أن النبي ﷺ كان يتكىء في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن» (٢). قال الحافظ في الفتح: (٣) وللمصنف في التوحيد كان يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض، فعلى هذا فالمراد بالاتكاء وضع رأسه في حجرها، قال ابن دقيق العيد في هذا الفعل إشارة إلى أن الحائض لا تقرأ القرآن؛ لأن قراءتها لو كانت جائزة لما توهم امتناع القراءة في حجرها، حتى احتيج إلى التنصيص عليها، وفيه جواز ملامسة الحائض، وأن ذاتها وثيابها على الطهارة، ما لم يلحق شيئا منها نجاسة، وهذا مبني على منع القراءة في المواضع المستقذرة، وفيه جواز القراءة بقرب محل النجاسة، قاله النووي، وفيه جواز استناد المريض في صلاته إلى الحائض، إذا كانت أثوابها طاهرة، قاله القرطبي. ا. هـ. وقال البخاري في صحيحه: باب تقضي الحائض المناسك كلها؛ إلا الطواف بالبيت (٤)، وقال إبراهيم لا بأس أن تقرأ الآية، ولم ير ابنُ عباس ﵁ بالقراءة للجنب بأسًا. وكان النبي ﷺ يذكر الله على كل

стр. 94

أحيانه. وقالت أمُّ عطية: كنا نؤمر أن يخرج الحيض فيكبرن بتكبيرهم ويدعون ... إلخ، وذكر حديث عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم بن محمد عن عائشة قالت: خرجنا مع النبي ﷺ لا نذكر إلا الحج فلما جئنا سرف طمثت فدخل علي النبي ﷺ وأنا أبكي فقال: «ما يبكيك». قلت: لوددت والله أني لم أحج العام. قال: «لعلك نفست». قلت: نعم، قال: «فإن ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري». (١) وقال الحافظ في الفتح: (٢) قيل مقصود البخاري بما ذكر في هذا الباب من الأحاديث والآثار، إن الحيض وما في معناه من الجنابة لا ينافي جميع العبادات، بل صحت معه عبادات بدنية من أذكار وغيرها، فمناسك الحج من جملة ما لا ينافيها؛ إلا الطواف فقط، وفي كون هذا مراده نظر؛ لأن كون مناسك الحج، كذلك حاصل بالنص فلا يحتاج إلى الاستدلال عليه، والأحسن ما قاله ابن رُشيد تبعًا لابن بطال، وغيره، إن مراده الاستدلال على جواز قراءة الحائض والجنب بحديث عائشة ﵂؛ لأنه ﷺ لم يستثن من جميع مناسك الحج؛ إلا الطواف، وإنما استثناه لكونه صلاة مخصوصة، وأعمال الحج مشتملة على ذكر وتلبية ودعاء، ولم تمنع الحائض من شيء من ذلك، فكذلك الجنب؛ لأن حدثها أغلظ من حدثه، ومنع القراءة إن كان لكونه ذكرا لله، فلا فرق بينه وبين ما ذكر، وإن كان تعبدًا، فيحتاج إلى دليل خاص، ولم يصح عند المصنف شيء من الأحاديث الواردة في ذلك، وأن كان مجموع ما ورد في ذلك تقوم به الحجة عند غيره؛ لكن

стр. 95

أكثرها قابل للتأويل؛ كما سنشير إليه، ولهذا تمسك البخاري ومن قال بالجواز، غيره؛ كالطبري وابن المنذر وداود، بعموم حديث كان يذكر الله على كل أحيانه؛ لأن الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف، والحديث المذكور وصله مسلم من حديث عائشة، وأورد المصنف أثر إبراهيم، وهو النخعي، إشعارًا بأن منع الحائض من القراءة ليس مجمعًا عليه، وقد وصله الدارمي وغيره، بلفظ: «أربعة لا يقرؤون القرآن الجنب والحائض وعند الخلاء وفي الحمام؛ إلا الآية ونحوها للجنب والحائض». (١) وروي عن مالك نحو قول إبراهيم، وروى عنه الجواز مطلقا، وروي عنه الجواز للحائض دون الجنب، وقد قيل إنه قول الشافعي في القديم، ثم أورد أثر ابن عباس، وقد وصله ابن المنذر بلفظ أن ابن عباس كان يقرأ ورده وهو جنب، وأما حديث أم عطية فوصله المؤلف في العيدين، وقوله فيه «ويدعون» كذا لأكثر الرواة، وللكشميهني يدعين بياء تحتانية بدل الواو، ووجه الدلالة منه ما تقدم من أنه لا فرق بين التلاوة وغيرها، ثم أورد المصنف طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل، وهو موصول عنده في بدء الوحي وغيره، ووجه الدلالة منه أن النبي ﷺ كتب إلى الروم، وهم كفار، والكافر جنب؛ كأنه يقول إذا جاز مس الكتاب للجنب مع كونه مشتملًا على آيتين، فكذلك يجوز له قراءته، كذا قاله ابن رُشيد، وتوجيه الدلالة منه، إنما هي من حيث إنه إنما كتب إليهم ليقرءوه، فاستلزم جواز القراءة بالنص لا بالاستنباط، وقد أجيب ممن منع ذلك وهم الجمهور، بأن الكتاب اشتمل على أشياء غير الآيتين، فأشبه ما لو ذكر بعض القرآن في كتاب في الفقه، أو في التفسير، فإنه لا يمنع قراءته ولا مسه عند الجمهور؛

стр. 96

لأنه لا يقصد منه التلاوة، ونص أحمد أنه يجوز مثل ذلك في المكاتبة لمصلحة التبليغ، وقال به كثير من الشافعية، ومنهم من خص الجواز بالقليل كالآية والآيتين، قال الثوري: لا بأس أن يعلم الرجل النصراني الحرف من القرآن عسى الله أن يهديه، وأكره أن يعلمه الآية هو كالجنب، وعن أحمد أكره أن يضع القرآن في غير موضعه، وعنه أن رجى منه الهداية جاز، وإلا فلا، وقال بعض من منع لا دلالة في القصة على جواز تلاوة الجنب القرآن؛ لأن الجنب إنما منع التلاوة إذا قصدها، وعرف أن الذي يقرأه قرآن، أما لو قرأ في ورقة ما لا يعلم أنه من القرآن فإنه لا يمنع، وكذلك الكافر، وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى، تنبيه ذكر صاحب المشارق أنه وقع في رواية القابسي والنسفي وعبدوس هنا، ويا أهل الكتاب، بزيادة واو، قال وسقطت لأبي ذر والأصيلي وهو الصواب، قلت: فأفهم أن الأولى خطأ لكونها مخالفة للتلاوة، وليست خطأ، وقد تقدم توجيه إثبات الواو في بدء الوحي، قوله وقال عطاء عن جابر هو طرف من حديث موصول عند المصنف في كتاب الأحكام، وفي آخره غير أنها لا تطوف بالبيت ولا تصلي، وأما أثر الحكم، وهو الفقيه الكوفي، فوصله البغوي في الجعديات من روايته عن علي بن الجعد، عن شعبة عنه، ووجه الدلالة منه أن الذبح مستلزم لذكر الله بحكم الآية التي ساقها، وفي جميع ما استدل به نزاع يطول ذكره، ولكن الظاهر من تصرفه ما ذكرناه، واستدل الجمهور على المنع بحديث علي ﵁: «كان رسول الله ﷺ لا يحجبه عن القرآن شيء ليس الجنابة». (١)

стр. 97

رواه أصحاب السنن، وصححه الترمذي، وابن حبان، وضعف بعضهم بعض رواته، والحق أنه من قبيل الحسن، يصلح للحجة؛ لكن قيل في الاستدلال به نظر؛ لأنه فعل مجرد فلا يدل على تحريم ما عداه وأجاب الطبري عنه بأنه محمول على الأكمل جمعًا بين الأدلة، وأما حديث بن عمر مرفوعا: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئا من القرآن». (١) فضعيف من جميع طرقه وقد تقدم الكلام على حديث عائشة في أول كتاب الحيض، وقولها طمثت بفتح الميم، وإسكان المثلثة، أي حضت، ويجوز كسر الميم، يقال طمثت المرأة، بالفتح والكسر في الماضي، تطمث بالضم في المستقبل. (٢) ا. هـ. قلت: ما أشار إليه الحافظ بقوله واستدل الجمهور على المنع بحديث علي .... إلخ. الحديث أخرجه أهل السنن وغيرهم، من طريق عمر بن مرة عن عبد الله بن سَلمة، عن علي ﵁. وعبد الله بن سلمة (بكسر اللام) فيه كلام. والحديث ضعفه جماعة؛ كالشافعي، ونقل عن أحمد والبخاري والخطابي والنووي، وصححه جماعة؛ كالبغوي وعبد الحق وابن السكن وابن خزيمة والحاكم وابن حبان وابن حجر وأحمد شاكر وشيخنا ابن باز، والحديث له شاهد آخر من طريق أبي الغريف عن علي ﵁ مرفوعًا، وأبو الغريف فيه جهالة، وروي بإسناد أصح موقوفًا على علي ﵁ قال الدارقطني في سننه (٣)، وهو صحيح عن علي، والحديث جاء له شواهد مرفوعة كلها معلولة.

стр. 98

وروى ابن المنذر (١)، وابن أبي شيبة (٢) وأبو عبيد (مسند عمر) عن عمر (٣) بإسناد حسن، أنه كره للجنب أن يقرأ شيئًا من القرآن، ولفظ ابن أبي شيبة «لا يقرأ الجنب» وروي المنع عن ابن مسعود ﵁، وأخرجه ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي عنه. قال ابن رجب في شرح البخاري: (٤) ومنع الأكثرون الحائض والجنب من القراءة بكل حال، قليلًا كان أو كثيرًا، وهذا مروي عن أكثر الصحابة، روي عن عمر ﵁، وروي عنه أنه قال: لو أن جنبًا قرأ القرآن لضربته. وعن علي ﵁ قال: لا يقرأ ولا حرفًا. وعن ابن مسعود ﵁، وسليمان ﵁، وابن عمر ﵁. وقال: وهو قول أكثر التابعين، ومذهب الثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق - في إحدى الروايتين عنهما -، وأبي ثور وغيرهم. وهو قول مالك في الجنب؛ إلا أنه رخص له في قراءة آيتين وثلاث عند المنام للتعوذ، ورخص الأوزاعي له في تلاوة آيات الدعاء والتعوذ، تعوذًا لا قراءة، وهذا أصح الوجهين للشافعية - أيضًا، وقال سعيد بن عبد العزيز: رخص للحائض والجنب في قراءة آيتين عندَ الركوب والنزول: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ [المؤمنون: ٢٩] وعن مالك في الحائض روايتان إحداهما: هي كالجنب، والثانية: أنها تقرأ، وهو قول محمد بن مسلمة؛ لأن مدة الحيض تطول، فيخشى عليها النسيان، وهي غير قادرة على الغسل، بخلاف الجنب، وحكى أبو ثور ذلك عن الشافعي، وأنكره أصحاب الشافعي عنه، وعكس ذلك

стр. 99

آخرون، منهم: عطاء، قال: الحائض أشد شأنًا من الجنب، الحائض لا تقرأ شيئا من القرآن، والجنب يقرأ الآية، خرجه ابن جرير بإسناده عنه. ووجه هذا: أن حدث الحيض أشد من حدث الجنابة؛ فإنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة، وهي الوطء والصوم، وما قيل من خشية النسيان فإنه يندفع بتذكر القرآن بالقلب، وهو غير ممنوع به. وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة؛ إلا أن أسانيدها غير قوية؛ كذا قال الإمام أحمد في قراءة الحائض، وكأنه يشير إلى أن الرواية في الجنب أقوى، وهو كذلك، وأقوى ما في الجنب: حديث عبد الله بن سلمة، عن علي ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يخرج من الخلاء فيقرئنا القرآن، ويأكل معنا اللحم، ولم يكن يحجبه - أو يحجزه - عن القرآن شيء، ليس الجنابة». (١) خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه، وخرجه الترمذي بمعناه، وقال: حسن صحيح، وخرجه ابن خزيمة وابن حبان في (صحيحيهما) والحاكم، وقال صحيح الإسناد. وتكلم فيه الشافعي وغيره؛ فإن عبد الله بن سلمة هذا رواه بعدما كبر، قال شعبة عنه: كان يحدثنا، فكنا نعرف وننكر، وقال البخاري: لا يتابع في حديثه، ووثقه العجلي ويعقوب بن شيبة، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به. والاعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة، ويعضده: قول

стр. 100

عائشة وميمونة في قراءة النبي القرآن في حجرهما في حال الحيض؛ فإن يدل على أن للحيض تأثيرًا في منع القراءة. وأما الاستدلال المجيزين بحديث عائشة: «اصنعي ما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي». (١) فلا دلالة لهم فيهِ؛ فإنه ليس في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتَّى تدخل في عموم هذا الكلام، وإنما تدخل الأذكار والأدعية. وأما الاستدلال بحديث الكتاب إلى هرقل، فلا دلالة فيه؛ لأنه إنما كتب ما تدعو الضرورة إليه للتبليغ، وقد سبق ذكر ذلك في شرح حديث هرقل في أول الكتاب. وقد اختلف العلماء في تمكين الكافر من تلاوة القرآن، فرخص فيه الحسن وأبو حنيفة وغيرهما، ومنهم من منع منه، وهو قول أبي عبيد وغيره واختلف أصحابنا في ذلك، فمنهم من منعه مطلقا، ومنهم من رخص فيه مطلقا، ومنهم من جوزه إذا رُجي من حال الكافر الاستهداء والاستبصار، ومنعه إذا لم يُرج ذلك. والمنقول عن أحمد أنه كرهه. وقال أصحاب الشافعي: إن لم يُرج له الاستهداء بالقراءة منع منها، وإن رُجي له ذلك لم يمنع، على أصح الوجهين. ا. هـ.

стр. 101

الحكم العاشر كل دعاء في الحج فهو قيام ... الأدعية في الحج عديدة، على الصفا، وعلى المروة، وفي عرفات، وفي مزدلفة، وفي منى بعد الجمرتين الأولى والثانية، وكل هذه ثبتت بها السنة، وثبت بها الدعاء والقيام جميعًا. فدعا ﵊ على الصفا أربع مرات قيامًا، وهل دعا على المروة ثلاثا أو أربعا؟ فيكون مجموع ما دعا به في المسعى سبعًا أو ثمانيًا؟ الصحيح أنه دعا ثمانيًا، والثامنة في آخر الشوط السابع لمرجحات ذكرتها في شرح كتاب الحج من بلوغ المرام. ودعا على أرض عرفة وهو مرتحل ناقته، ودعا وهو قائم في مزدلفة أتى المشعر فرقى عليه، ودعا حتى أسفر جدًا، ودعا في منى عند الجمرتين كما تقدم ست مرات في ثلاثة أيام بعد الجمرة الصغرى والوسطى، وتأخر حتى اليوم الثالث عشر فمجموع وقفات دعائه ﵊ في الحج أزيد من عشرين مرة، قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم على شرح حديث عائشة: «من أحدث في أمرنا هذا ...» (١) الحديث. قال: مع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة والبروز للشمس قربة للمحرم.

стр. 102

الحكم الحادي عشر إن الأزمنة الفاضلة محل لاستجابة الدعاء قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦]. وهذه الآية اكتنفها قبلها وبعدها تشريع الصيام، ولهذا قال في التحرير والتنوير: (١) وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجو الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان. قال الحافظ ابن كثير: (٢) وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء، متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر، كما روى أبو داود الطيالسي (٣) في مسنده عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ، يقول: «للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة» فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا.

стр. 103

وروى ابن ماجه: (١) عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد» وكان عبد الله يقول إذا أفطر: اللهم إنى أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي» (٢). وروى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبى هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ترد دعوتهم الإمام العادل والصائم حين يفطر ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام وتفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين» (٣) ا. هـ. وقد أخرج أحمد (٤) من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁، وأبي سعيد ﵁، أن النبي ﷺ ، قال: «لله عتقاء في كل ليلة ولكل مسلم دعوة مستجابة» وله شاهد عند أحمد من حديث أبي أمامة (٥) (٦).

стр. 104

وثالث عن جابر ﵁ عند ابن ماجة (١)، ومن الأدلة على استجابة الدعاء ما ثبت في الصحيحين عنه ﵊، أنه قال: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة» (٢) وفي رواية: «أبواب السماء» (٣) وهذا مستلزم لإجابة الدعاء؛ كما أنه مستلزم لقبول العمل، ففتح أبواب السماء ترغيبًا للعابدين والداعين، وأيضا شهر رمضان شهر قرب من الله لمن وفق للعمل الصالح، فهو يشبه حال الساجد في الصلاة، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وأيضًا دلت الأدلة بالاستقراء أن الثلث الأخير أحظى بإجابة الدعاء؛ كما في ثلث الليل الآخر، وفيه وقت التنزيل الإلهي للمولى سبحانه على ما يليق به، وعشر رمضان الأواخر، فكذا الشهور الأربعة في السنة الهلالية فثلثها الأخير أفضل أثلاثها ومبدؤه رمضان، وهذا بالاتفاق، ولهذا في الصحيح قال ﷺ : «شهرا عيد لا ينقصان» (٤) وهما رمضان وذو الحجة، وأيضًا ثلث النهار الآخر تقع الصلاة الوسطى، وهي صلاة العصر بلا مراء، وبعده الأصيل وختم النهار، وفي التنزيل: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]. فسرت بالعصر فيحلف، وهذا من باب تغليظ اليمين في زمانه؛ لأن هذا وقت فاضل ولهذا في الصحيح: «ورجل حلف بعد العصر كاذبًا» (٥) وهذا يدل على شدة الكذب في هذا الزمان الفاضل، والخلاصة أن الزمن الفاضل بالاستقراء ظرف لاستجابة الدعاء، هذا

стр. 105

هو الأصل الذي دلت عليه النصوص؛ إما نصًا أو إيماءً. هل من أوقات الإجابة ما أخرجه أحمد (١)، وابن عبد البر في التمهيد: (٢) من طريق كثير يعني بن زيد حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك حدثني جابر يعني بن عبد الله ﵁: أن النبي ﷺ دعا في مسجد الفتح ثلاثًا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين، فعرف البشر في وجهه، قال جابر ﵁: فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة. (٣) والجواب: أن الخبر غير ثابت، ولو صح لكان المعول على الإلحاح بالتكرار، فهذا هو المعهود في أنه من أسباب الإجابة، فإن قيل هذا يدفعه كلام جابر ﵁. فالجواب: لا يلزم فإن دعاء المؤمن مستجاب في الأصل، فكيف بخاصة أوليائه من أصحاب النبي ﷺ ، وإنما هو ظن منه ﷺ بالخصيصة.

стр. 106

الحكم الثاني عشر الدعاء أثناء العبادة أفضل وأقرب للإجابة؛ لأنه يجتمع فيه دعاء المسألة ودعاء العبادة، أيضًا لأنه في حال إقبال على الله، ومناجاة له، ولذا شرع لنا الدعاء في الصلاة والذكر بعده، وفي الحديث: «ثلاثة لا ترد دعوتهم .....» (١) ومنهم الصائم حتى يفطر. ولفظة «حين يفطر» شاذة. والدعاء في الحج كثير، ومنه الدعاء بعد رمي الجمرة الأولى والثانية دون الثالثة، وقال أبو منصور الكرماني صاحب المسالك في المناسك (٢) على الدعاء بين الجمرتين ما نصه: والسنة الدعاء في أول العبادة وأوسطها؛ لأنه أقرب للإجابة لا عند الخروج وبعدها. ولهذا قال ابن القيم في الزاد (٣) ما نصه: قيل - وهو أصح: إن دعاءه كان في نفس العبادة قبل الفراغ منها، فلما رمى جمرة العقبة، فرغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها أفضل منه بعد الفراغ منها، وهذا كما كانت سنته في دعائه في الصلاة؛ إذ كان يدعو

стр. 107

في صلبها، فأما بعد الفراغ منها، فلم يثبت عنه أنه كان يعتاد الدعاء، ومن روى عنه ذلك فقد غلط عليه، وإن روي في غير الصحيح أنه كان أحيانا يدعو بدعاء عارض بعد السلام، وفي صحته نظر. وبالجملة فلا ريب أن عامة أدعيته التي كان يدعو بها، وعلمها الصديق إنما هي في صلب الصلاة، وأما حديث معاذ بن جبل: (١) «لا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» (٢) فدبر الصلاة يراد به آخرها قبل السلام منها، كدبر الحيوان، ويراد به ما بعد السلام؛ كقوله: «تسبحون الله وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة» (٣) الحديث. والله أعلم. ا. هـ. ومثله الدعاء على الصفاء - على قول - أنه دعا مرتين، وذكر الله ثلاثًا، فكان الدعاء في أضعاف الذكر، فالذكر وهو وظيفة العبادة على الصفاء كان يكتنف الدعاء، فصار دعاؤه أثناء عبادته الخاصة.

стр. 108

قال في حاشية الروض ما نصه: (١) قال الحافظ وغيره: لا نعلم فيه خلافًا، لما في الصحيحين وغيرهما: (٢) أنه ﷺ لا يقف عندها. وحكمة الوقوف عندهما دونها والله أعلم تحصيل الدعاء لكونه في وسط العبادة، بخلاف جمرة العقبة، لأن العبادة قد انتهت بفراغ الرمي، والدعاء في صلب العبادة قبل الفراغ منها، أفضل منه بعد الفراغ منها، كالصلاة. ا. هـ. تنبيه: حديث «أي الدعاء اسمع قال دبر الصلاة المكتوبة» أخرجه الترمذي في سننه قال: (٣) حدثنا محمد بن يحيى الثقفي المروزي قال: حدثنا حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن عبد الرحمن بن سابط، عن أبي أمامة، قال: قيل يا رسول الله: أي الدعاء أسمع؟ قال: «جوف الليل الآخر، ودبر الصلوات المكتوبات». وقال: هذا حديث حسن. وقد روي عن أبي ذر، وابن عمر. عن النبي ﷺ أنه قال: (٤) «جوف الليل الآخر الدعاء فيه أفضل أو أرجى» ونحو هذا وأخرجه غيره وإسناده ضعيف لانقطاعه بين ابن سابط وأبي أمامة والمقصود التنبيه على ضعف الحديث فحسب.

стр. 109

الحكم الثالث عشر الذكر المضاعف عند العلماء ما هو، وما سبب تضعيفه، وتفضيله على غيره، وهل من استوعب وقته ذكرًا تكون حاله دون من أتى بهذا الذكر؟ وأصل المسألة ما أخرجه مسلم في صحيحه (١)، قال: حدثنا قتيبة بن سعيد، وعمرو الناقد، وابن أبي عمر - واللفظ لابن أبي عمر - قالوا: حدثنا سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس، عن جويرية (٢): أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة، فقال: «ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟» قالت: نعم، قال النبي ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرات، لو

стр. 110

وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته». قال ابن القيم في المنار المنيف ما نصه: (١) وأما المسألة الثانية، وهي تفضيل سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته، على مجرد الذكر بسبحان الله أضعافًا مضاعفة، فإن ما يقوم بقلب الذاكر حين يقول سبحان الله وبحمده عدد خلقه، من معرفته وتنزيهه وتعظيمه من هذا القدر المذكور من العدد، أعظم مما يقوم بقلب القائل سبحان الله فقط. وهذا يسمى الذكر المضاعف، وهو أعظم ثناء من الذكر المفرد، فلهذا كان أفضل منه، وهذا إنما يظهر في معرفة هذا الذكر وفهمه، فإن قول المسبح سبحان الله وبحمده عدد خلقه، يتضمن إنشاء وإخبارًا عما يستحقه الرب من التسبيح، عدد كل مخلوق كان أو هو كائن إلى ما لا نهاية له. فتضمن الإخبار عن تنزيهه الرب وتعظيمه والثناء عليه، هذا العدد العظيم الذي لا يبلغه العادون، ولا يحصيه المحصون، وتضمن إنشاء العبد لتسبيح هذا شأنه، لا إن ما أتى به العبد من التسبيح هذا قدره وعدده، بل أخبر أن ما يستحقه الرب من التسبيح، هو تسبيح يبلغ هذا العدد، الذي لو كان في العدد ما يزيد لذكره، فإن تجدد المخلوقات لا ينتهي عددًا ولا يحصي الحاضر. وكذلك قوله: ورضا نفسه. فهو يتضمن أمرين عظيمين أحدهما: أن يكون المراد تسبيحا هو والعظمة والجلال سيان، ولرضا نفسه؛ كما أنه في الأول مخبر عن تسبيح مساوٍ لعدد خلقه، ولا ريب أن رضا
следующие страницы →